قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 24

قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ
الْفَصْلُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ
كَانَتْ دَانَا، ابْنَةُ كِنَانَ وَرِيمَا الْكُبْرَى، الْبَالِغَةُ مِنَ الْعُمْرِ عِشْرِينَ عَامًا، قَدْ بَدَأَتِ الْعَمَلَ فِي مَقْهًى صَغِيرٍ قُرْبَ الْجَامِعَةِ الَّتِي الْتَحَقَتْ بِهَا لِدِرَاسَةِ إِدَارَةِ الْأَعْمَالِ، بَعْدَ أَشْهُرٍ مِنْ وُصُولِ الْعَائِلَةِ وَاسْتِقْرَارِهَا النِّسْبِيِّ. هُنَاكَ الْتَقَتْ بِمَاتِيَاسَ، شَابًّا أَلْمَانِيًّا فِي مِثْلِ عُمْرِهَا تَقْرِيبًا، يَدْرُسُ الْهَنْدَسَةَ، وَيَعْمَلُ فِي الْمَقْهَى نَفْسِهِ بِدَوَامٍ جُزْئِيٍّ.
كَانَتْ دَانَا قَدْ نَشَأَتْ فِي السُّوَيْدَاءِ وَسْطَ تَقَالِيدَ صَارِمَةٍ، تَعْرِفُ تَمَامًا حَجْمَ الْحَسَاسِيَّةِ الَّتِي يَحْمِلُهَا مَوْضُوعُ الزَّوَاجِ خَارِجَ الطَّائِفَةِ الدُّرْزِيَّةِ، فَقَدْ سَمِعَتْ قِصَصًا عَدِيدَةً، بَعْضُهَا مَأْسَاوِيٌّ، عَنْ فَتَيَاتٍ فِي قَرْيَتِهَا الْقَدِيمَةِ قُوطِعْنَ أَوْ أُبْعِدْنَ عَنْ عَائِلَاتِهِنَّ لِسَنَوَاتٍ بِسَبَبِ قَرَارَاتٍ مُشَابِهَةٍ. لِهَذَا بِالذَّاتِ، حِينَ بَدَأَتْ تَشْعُرُ بِانْجِذَابٍ حَقِيقِيٍّ نَحْوَ مَاتِيَاسَ، حَاوَلَتْ أَنْ تُقَاوِمَ هَذَا الشُّعُورَ لِأَشْهُرٍ، قَبْلَ أَنْ تُدْرِكَ أَنَّ مُقَاوَمَتَهُ لَمْ تَعُدْ مُمْكِنَةً أَوْ صَادِقَةً مَعَ نَفْسِهَا.
بَدَأَتْ صَدَاقَةٌ بَسِيطَةٌ بَيْنَهُمَا، تَحَوَّلَتْ تَدْرِيجِيًّا، عَلَى مَدَى أَشْهُرٍ، إِلَى شَيْءٍ أَعْمَقَ، دُونَ أَنْ تَجْرُؤَ دَانَا عَلَى إِخْبَارِ عَائِلَتِهَا بِذَلِكَ، خَوْفًا مِنْ رَدِّ فِعْلِ وَالِدِهَا الَّذِي عَرَفَتْهُ الْعَائِلَةُ كُلُّهَا بِتَشَدُّدِهِ فِي مَسَائِلِ الزَّوَاجِ دَاخِلَ الطَّائِفَةِ الدُّرْزِيَّةِ تَحْدِيدًا.
——————————
اكْتَشَفَ كِنَانُ الْأَمْرَ بِالصُّدْفَةِ، حِينَ رَآهَا ذَاتَ مَسَاءٍ تُوَدِّعُ مَاتِيَاسَ أَمَامَ مَحَطَّةِ الْحَافِلَةِ، عِنَاقٌ بَسِيطٌ لَكِنَّهُ كَافٍ لِيُثِيرَ قَلَقَهُ الْفَوْرِيَّ.
وَاجَهَهَا فِي الْبَيْتِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِغَضَبٍ وَاضِحٍ:
دَانَا، مَنْ هَذَا الشَّابُّ؟ وَلِمَاذَا لَمْ تُخْبِرِينِي عَنْهُ؟
تَرَدَّدَتْ دَانَا، ثُمَّ قَرَّرَتْ أَنْ تُوَاجِهَ الْمَوْقِفَ بِصَرَاحَةٍ كَامِلَةٍ:
اسْمُهُ مَاتِيَاسُ، أَبِي. نَحْنُ… نَتَوَاعَدُ مُنْذُ أَشْهُرٍ. لَمْ أُخْبِرْكَ لِأَنَّنِي كُنْتُ أَخْشَى بِالضَّبْطِ رَدَّ الْفِعْلِ الَّذِي أَرَاهُ الْآنَ عَلَى وَجْهِكَ.
——————————
انْفَجَرَ كِنَانُ بِغَضَبٍ لَمْ تَعْرِفْهُ عَنْهُ رِيمَا نَفْسُهَا مِنْ قَبْلُ بِهَذِهِ الْحِدَّةِ:
لَا يُمْكِنُ! تَعْرِفِينَ تَمَامًا مَوْقِفَ عَائِلَتِنَا مِنَ الزَّوَاجِ خَارِجَ الطَّائِفَةِ. هَذَا لَيْسَ تَعَصُّبًا، بَلْ حِفَاظًا عَلَى هُوِيَّةٍ دِينِيَّةٍ عَرِيقَةٍ قَاوَمَتِ الِانْدِثَارَ لِقُرُونٍ طَوِيلَةٍ.
قَالَتْ دَانَا، بِصَوْتٍ يَرْتَجِفُ لَكِنَّهُ ثَابِتٌ:
أَبِي، أَنَا أُحِبُّهُ. لَمْ أُخَطِّطْ لِهَذَا، لَمْ أَبْحَثْ عَنْ شَابٍّ أَلْمَانِيٍّ تَحْدِيدًا لِأُثْبِتَ شَيْئًا أَوْ أَتَمَرَّدَ عَلَيْكَ. حَدَثَ هَذَا بِبَسَاطَةٍ، كَمَا تَحْدُثُ كُلُّ قِصَصِ الْحُبِّ تَقْرِيبًا.
قَالَ كِنَانُ، بِصَوْتٍ لَا يَزَالُ مُرْتَفِعًا:
الْحُبُّ وَحْدَهُ لَا يَكْفِي، يَا دَانَا! ثَمَّةَ مَسْؤُولِيَّةٌ أَكْبَرُ تُجَاهَ عَائِلَتِنَا وَتَارِيخِنَا وَطَائِفَتِنَا الَّتِي حَافَظَتْ عَلَى نَفْسِهَا بِصُعُوبَةٍ بَالِغَةٍ عَبْرَ قُرُونٍ مِنَ التَّهْدِيدَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ.
قَالَتْ دَانَا، بِشَجَاعَةٍ اكْتَسَبَتْهَا مِنْ مُشَاهَدَتِهَا لِتَطَوُّرِ وَالِدِهَا فِي قِصَّةِ أُخْتِهَا الصُّغْرَى رِيمَا مَعَ الْمَدْرَسَةِ سَابِقًا:
أَبِي، أَنْتَ نَفْسُكَ تَعَلَّمْتَ أَنْ نُوَازِنَ بَيْنَ حِمَايَةِ هُوِيَّتِنَا وَبَيْنَ الِانْفِتَاحِ عَلَى الْمُجْتَمَعِ الْجَدِيدِ. أَلَيْسَ هَذَا مَا فَعَلْتَهُ مَعَ رِيمَا وَحِصَّةِ الْأَدْيَانِ فِي مَدْرَسَتِهَا؟
تَوَقَّفَ كِنَانُ، مَصْدُومًا مِنْ أَنَّ ابْنَتَهُ تَسْتَخْدِمُ دَرْسَهُ الْخَاصَّ ضِدَّهُ فِي هَذَا الْمَوْقِفِ:
هَذَا مُخْتَلِفٌ تَمَامًا! رِيمَا كَانَتْ تَشْرَحُ هُوِيَّتَنَا لِلْآخَرِينَ، لَا تَتَخَلَّى عَنْهَا بِالزَّوَاجِ مِنْ خَارِجِهَا.
——————————
اسْتَمَرَّ الْخِلَافُ أَيَّامًا طَوِيلَةً، وَتَدَخَّلَتْ رِيمَا، الْأُمُّ، مُحَاوِلَةً أَنْ تُوَازِنَ بَيْنَ فَهْمِهَا لِخَوْفِ زَوْجِهَا الْعَمِيقِ وَبَيْنَ تَعَاطُفِهَا الْمُتَزَايِدِ مَعَ مَشَاعِرِ ابْنَتِهَا.
قَالَتْ رِيمَا لِكِنَانَ، فِي مُحَادَثَةٍ خَاصَّةٍ بَيْنَهُمَا:
كِنَانُ، أَتَذَكَّرُ حِينَ كُنْتَ غَاضِبًا مِنْ فِكْرَةِ أَنْ نَتَعَلَّمَ اللُّغَةَ الْأَلْمَانِيَّةَ، وَخِفْتَ أَنْ يُفْقِدَنَا هَذَا هُوِيَّتَنَا؟ ثُمَّ تَعَلَّمْتَ أَنَّ الِانْفِتَاحَ لَا يَعْنِي بِالضَّرُورَةِ فُقْدَانَ الْجَوْهَرِ. رُبَّمَا هَذَا الْمَوْقِفُ يَحْتَاجُ التَّفْكِيرَ بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا.
قَالَ كِنَانُ، بِصِدْقٍ مُؤْلِمٍ:
هَذَا مُخْتَلِفٌ، يَا رِيمَا. اللُّغَةُ أَدَاةٌ، لَكِنَّ الزَّوَاجَ يَعْنِي اسْتِمْرَارِيَّةَ الْعَائِلَةِ وَالطَّائِفَةِ نَفْسِهَا عَبْرَ الْأَجْيَالِ. أَخْشَى أَنْ يَكُونَ هَذَا بِدَايَةَ ذَوَبَانٍ كَامِلٍ لِهُوِيَّتِنَا خِلَالَ جِيلٍ وَاحِدٍ فَقَطْ.
قَالَتْ رِيمَا، بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَكِنَّهُ حَازِمٌ:
وَأَخْشَى أَنَا أَيْضًا مِنْ ذَلِكَ، لَكِنَّنِي أَخْشَى أَكْثَرَ أَنْ نَخْسَرَ دَانَا نَفْسَهَا إِنْ أَصْرَرْنَا عَلَى الرَّفْضِ التَّامِّ. رَأَيْتُ فِي عَيْنَيْ أَخِيهَا سَامِرَ، حِينَ وَاجَهَ مَوْقِفًا مُشَابِهًا حَوْلَ فَهْمِ هُوِيَّتِنَا، أَنَّهُ كَانَ يَحْتَاجُ مَسَاحَةً لِيَفْهَمَ، لَا أَوَامِرَ قَاطِعَةً لِيُطِيعَ. رُبَّمَا دَانَا تَحْتَاجُ الشَّيْءَ نَفْسَهُ الْآنَ.
صَمَتَ كِنَانُ طَوِيلًا، يُفَكِّرُ فِي مُقَارَنَةِ زَوْجَتِهِ بَيْنَ الْمَوْقِفَيْنِ:
لَكِنَّ سَامِرَ كَانَ يَبْحَثُ عَنْ فَهْمٍ أَعْمَقَ لِهُوِيَّتِهِ، لَا عَنِ التَّخَلِّي عَنْهَا بِالزَّوَاجِ مِنْ خَارِجِهَا. الْفَرْقُ جَوْهَرِيٌّ، يَا رِيمَا.
قَالَتْ رِيمَا، بِصَبْرٍ:
رُبَّمَا. لَكِنْ دَعْنَا نَسْتَشِيرَ الشَّيْخَ أَبَا سُلَيْمَانَ مُجَدَّدًا، كَمَا فَعَلْنَا مِنْ قَبْلُ. حِكْمَتُهُ سَاعَدَتْنَا كَثِيرًا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى.
——————————
طَلَبَ كِنَانُ اسْتِشَارَةَ الشَّيْخِ أَبِي سُلَيْمَانَ مُجَدَّدًا، الَّذِي سَاعَدَهُ سَابِقًا فِي مَسْأَلَةِ ابْنَتِهِ الصُّغْرَى وَحِصَّةِ الدِّينِ الْمَدْرَسِيَّةِ.
اسْتَمَعَ الشَّيْخُ لِقِصَّةِ كِنَانَ الْكَامِلَةِ، ثُمَّ قَالَ بِحِكْمَتِهِ الْمُعْتَادَةِ:
كِنَانُ، أَفْهَمُ خَوْفَكَ الْعَمِيقَ. الزَّوَاجُ دَاخِلَ الطَّائِفَةِ تَقْلِيدٌ أَسَاسِيٌّ حَافَظْنَا عَلَيْهِ لِقُرُونٍ لِحِمَايَةِ اسْتِمْرَارِيَّتِنَا الدِّينِيَّةِ وَسْطَ مُحِيطٍ أَوْسَعَ كَثِيرًا مِنَّا عَدَدًا. لَكِنِ اسْمَحْ لِي أَنْ أَسْأَلَكَ: هَلْ نَحْنُ، فِي هَذَا الشَّتَاتِ الْجَدِيدِ، قَادِرُونَ عَلَى الْحِفَاظِ عَلَى هَذَا التَّقْلِيدِ بِالطَّرِيقَةِ التَّقْلِيدِيَّةِ نَفْسِهَا، أَمْ أَنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَجِدَ طُرُقًا جَدِيدَةً لِلْحِفَاظِ عَلَى الْجَوْهَرِ وَسْطَ ظُرُوفٍ مُخْتَلِفَةٍ جَذْرِيًّا؟
سَأَلَهُ كِنَانُ:
وَمَا هِيَ هَذِهِ الطُّرُقُ الْجَدِيدَةُ، بِرَأْيِكَ؟
فَكَّرَ الشَّيْخُ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ:
بَعْضُ عَائِلَاتِنَا هُنَا، فِي أُورُوبَّا، بَدَأَتْ تَتَقَبَّلُ زَوَاجَ أَبْنَائِهَا مِنْ خَارِجِ الطَّائِفَةِ، بِشَرْطِ أَنْ يَحْتَرِمَ الشَّرِيكُ خُصُوصِيَّةَ الْإِيمَانِ الدُّرْزِيِّ وَسِرِّيَّتَهُ، وَأَلَّا يُطْلَبَ مِنَ الِابْنَةِ أَوِ الِابْنِ التَّخَلِّي عَنْ هُوِيَّتِهِمُ الدِّينِيَّةِ بِالْكَامِلِ. الْأَطْفَالُ، فِي هَذِهِ الْحَالَاتِ، يُرَبَّوْنَ أَحْيَانًا عَلَى مَعْرِفَةٍ عَامَّةٍ بِالْإِيمَانِ الدُّرْزِيِّ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُونُوا دُرُوزًا بِالْمَعْنَى الْكَامِلِ التَّقْلِيدِيِّ وَفْقَ قَوَاعِدِ النَّسَبِ الصَّارِمَةِ.
——————————
عَادَ كِنَانُ إِلَى الْبَيْتِ بَعْدَ هَذَا اللِّقَاءِ، أَقَلَّ غَضَبًا لَكِنْ أَكْثَرَ حُزْنًا، وَطَلَبَ مِنْ دَانَا أَنْ يَلْتَقِيَ بِمَاتِيَاسَ شَخْصِيًّا قَبْلَ اتِّخَاذِ أَيِّ قَرَارٍ نِهَائِيٍّ.
فِي اللِّقَاءِ، سَأَلَهُ كِنَانُ مُبَاشَرَةً:
مَاذَا تَعْرِفُ عَنِ الدِّيَانَةِ الدُّرْزِيَّةِ؟
أَجَابَ مَاتِيَاسُ بِصِدْقٍ:
أَعْرِفُ أَنَّهَا دِيَانَةٌ سِرِّيَّةٌ نِسْبِيًّا، تَوْحِيدِيَّةٌ، وَلَهَا تَقَالِيدُ صَارِمَةٌ حَوْلَ الزَّوَاجِ دَاخِلَ الطَّائِفَةِ. دَانَا أَخْبَرَتْنِي بِهَذَا مُنْذُ بِدَايَةِ عَلَاقَتِنَا، وَقَالَتْ لِي إِنَّهَا تَحْتَرِمُ إِيمَانَ عَائِلَتِهَا حَتَّى لَوِ اخْتَارَتْ هِيَ شَخْصِيًّا أَنْ تَتَزَوَّجَ خَارِجَهُ.
سَأَلَهُ كِنَانُ بِجِدِّيَّةٍ أَكْبَرَ:
وَكَيْفَ سَتَتَعَامَلُ مَعَ أَنَّ زَوْجَتَكَ تَحْمِلُ إِيمَانًا لَنْ تَتَمَكَّنَ أَنْتَ مِنْ فَهْمِهِ بِالْكَامِلِ أَبَدًا، لِأَنَّ أَسْرَارَهُ لَا تُكْشَفُ إِلَّا لِأَبْنَاءِ الطَّائِفَةِ أَنْفُسِهِمْ؟
فَكَّرَ مَاتِيَاسُ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ بِصِدْقٍ:
لَنْ أَطْلُبَ مِنْهَا أَنْ تَشْرَحَ لِي كُلَّ تَفْصِيلٍ. أَثِقُ أَنَّ ثَمَّةَ أَشْيَاءَ سَتَبْقَى خَاصَّةً بِهَا وَبِعَائِلَتِهَا، وَهَذَا لَا يُقْلِقُنِي. مَا يُهِمُّنِي هُوَ احْتِرَامِي لَهَا وَلِعَائِلَتِهَا، لَا فَهْمِي الْكَامِلَ لِكُلِّ تَفْصِيلٍ دِينِيٍّ.
سَأَلَهُ كِنَانُ:
وَهَلْ تَطْلُبُ مِنْهَا أَنْ تَتَخَلَّى عَنْ هَذَا الْإِيمَانِ؟
أَجَابَ مَاتِيَاسُ بِحَزْمٍ:
أَبَدًا. أَحْتَرِمُ إِيمَانَ دَانَا وَعَائِلَتِهَا احْتِرَامًا كَامِلًا، وَسَأَدْعَمُهَا إِنْ أَرَادَتْ أَنْ تُحَافِظَ عَلَى مُمَارَسَةِ عَادَاتِهَا الدِّينِيَّةِ، وَأَنْ نُرَبِّيَ أَطْفَالَنَا، إِنْ رَزَقَنَا اللهُ بِهِمْ، عَلَى مَعْرِفَةِ هَذَا التُّرَاثِ الْغَنِيِّ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُونُوا دُرُوزًا بِالْمَعْنَى الرَّسْمِيِّ الصَّارِمِ.
شَعَرَ كِنَانُ بِارْتِيَاحٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعٍ مِنْ هَذِهِ الْإِجَابَاتِ، وَلَاحَظَ فِي عَيْنَيْ مَاتِيَاسَ صِدْقًا لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُهُ مِنْ شَابٍّ أَلْمَانِيٍّ لَا يَعْرِفُ عَنْهُ شَيْئًا قَبْلَ هَذَا اللِّقَاءِ.
سَأَلَهُ كِنَانُ سُؤَالًا أَخِيرًا، بِصَوْتٍ أَكْثَرَ هُدُوءًا:
هَلْ تَعْرِفُ أَنَّ هَذَا الْقَرَارَ قَدْ يَعْنِي ابْتِعَادَ بَعْضِ أَفْرَادِ عَائِلَتِنَا الْمُمْتَدَّةِ عَنَّا، حَتَّى عَنْ دَانَا نَفْسِهَا، بِسَبَبِ هَذَا الزَّوَاجِ؟
أَجَابَ مَاتِيَاسُ بِجِدِّيَّةٍ:
دَانَا أَخْبَرَتْنِي بِهَذَا الِاحْتِمَالِ، وَقُلْتُ لَهَا إِنَّنِي مُسْتَعِدٌّ لِدَعْمِهَا فِي مُوَاجَهَتِهِ، مَهْمَا كَلَّفَ ذَلِكَ. لَا أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ سَبَبًا فِي خَسَارَتِهَا لِعَائِلَتِهَا، وَسَأَبْذُلُ كُلَّ مَا بِوُسْعِي لِأُثْبِتَ لَكُمْ أَنَّنِي أَسْتَحِقُّ ثِقَتَكُمْ، حَتَّى لَوْ أَخَذَ ذَلِكَ وَقْتًا طَوِيلًا.
——————————
بَعْدَ أَسَابِيعَ مِنَ التَّفْكِيرِ وَالصَّلَاةِ وَالِاسْتِشَارَةِ الْمُتَكَرِّرَةِ، اتَّخَذَ كِنَانُ قَرَارَهُ: قَبِلَ الزَّوَاجَ، لَكِنْ بِشُرُوطٍ وَاضِحَةٍ نَاقَشَهَا مَعَ دَانَا وَمَاتِيَاسَ مَعًا: احْتِرَامٌ كَامِلٌ لِخُصُوصِيَّةِ الطَّائِفَةِ، عَدَمُ إِفْشَاءِ أَيِّ تَفَاصِيلَ دِينِيَّةٍ حَسَّاسَةٍ، وَالْحِفَاظُ عَلَى عَلَاقَةِ الْأُسْرَةِ الْمُمْتَدَّةِ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.
قَالَ كِنَانُ، فِي لِقَاءٍ عَائِلِيٍّ جَمَعَ الْجَمِيعَ أَخِيرًا:
لَنْ أَدَّعِيَ أَنَّنِي مُوَافِقٌ تَمَامًا بِقَلْبِي الْمُرْتَاحِ عَلَى هَذَا الْقَرَارِ، لَكِنَّنِي تَعَلَّمْتُ مِنْ هَذِهِ الرِّحْلَةِ كُلِّهَا أَنَّ حُبِّي لِدَانَا أَهَمُّ مِنْ تَمَسُّكِي الْكَامِلِ بِتَقْلِيدٍ قَدْ لَا يَكُونُ قَابِلًا لِلتَّطْبِيقِ بِالْحَرْفِيَّةِ نَفْسِهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ.
احْتَضَنَتْهُ دَانَا بِدُمُوعِ فَرَحٍ وَامْتِنَانٍ:
شُكْرًا لَكَ، أَبِي. لَنْ أَنْسَى هَذَا أَبَدًا.
——————————
فِي يَوْمِ الزِّفَافِ، الَّذِي أُقِيمَ بِحَفْلٍ بَسِيطٍ جَمَعَ تَقَالِيدَ الطَّرَفَيْنِ، وَقَفَ كِنَانُ يُرَاقِبُ ابْنَتَهُ وَهِيَ تَتَزَوَّجُ، وَشَعَرَ بِمَزِيجٍ مُعَقَّدٍ مِنَ الْحُزْنِ عَلَى تَقْلِيدٍ قَدِيمٍ يَتَغَيَّرُ أَمَامَ عَيْنَيْهِ، وَالْفَخْرِ بِابْنَةٍ اخْتَارَتِ الصِّدْقَ وَالشَّجَاعَةَ بَدَلَ الْإِخْفَاءِ وَالْهُرُوبِ.
قَالَتْ لَهُ رِيمَا، وَهِيَ تُرَاقِبُ الْمَشْهَدَ بِجِوَارِهِ:
أَظُنُّ أَنَّنَا، فِي هَذَا الشَّتَاتِ الْجَدِيدِ، نَتَعَلَّمُ كُلَّ يَوْمٍ أَنَّ الْحِفَاظَ عَلَى الْهُوِيَّةِ لَا يَعْنِي الْجُمُودَ التَّامَّ، بَلْ إِيجَادَ طُرُقٍ جَدِيدَةٍ لِحَمْلِ الْجَوْهَرِ نَفْسِهِ عَبْرَ أَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ.


قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 25


قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 23