قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ
الْفَصْلُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ
بَعْدَ عَامَيْنِ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْأُولَى الَّتِي بَدَأَ فِيهَا أَبُو أَحْمَدَ يَكْتُبُ ذِكْرَيَاتِهِ لِأَبْنَائِهِ، أَصْبَحَ لَدَيْهِ الْآنَ دَفْتَرَانِ كَامِلَانِ مَمْلُوءَانِ بِخَطِّ يَدِهِ: قِصَصٌ عَنْ جَدِّهِ، عَنْ حَيْفَا الَّتِي لَمْ يَرَهَا، عَنْ مُخَيَّمِ الْيَرْمُوكِ قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى رُكَامٍ، وَعَنْ رِحْلَةِ اللُّجُوءِ الْمُزْدَوِجَةِ الَّتِي عَاشَهَا. بَدَأَ يُفَكِّرُ جِدِّيًّا فِي تَحْوِيلِ هَذِهِ الذِّكْرَيَاتِ إِلَى كِتَابٍ صَغِيرٍ، رُبَّمَا يُطْبَعُ فِي نُسَخٍ مَحْدُودَةٍ تُوَزَّعُ عَلَى الْعَائِلَةِ وَالْمُقَرَّبِينَ.
خِلَالَ هَذَيْنِ الْعَامَيْنِ، انْتَقَلَتِ الْعَائِلَةُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ بَيْنَ مَرَاكِزِ إِيوَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ قَبْلَ أَنْ تَسْتَقِرَّ أَخِيرًا فِي شُقَّةٍ صَغِيرَةٍ مُسْتَأْجَرَةٍ، وَتَعَلَّمَ الْأَبْنَاءُ الْأَصْغَرُ، تَوْأَمَانِ فِي الثَّانِيَةَ عَشَرَةَ مِنْ عُمْرِهِمَا، الْأَلْمَانِيَّةَ بِسُرْعَةٍ مُذْهِلَةٍ أَثَارَتْ إِعْجَابَ وَالِدَيْهِمَا، بَيْنَمَا ظَلَّ أَحْمَدُ الِابْنُ الْأَكْبَرُ أَقْرَبَ إِلَى قِصَّةِ الْعَائِلَةِ وَتَارِيخِهَا، رُبَّمَا لِأَنَّهُ الْوَحِيدُ الَّذِي يَذْكُرُ جُزْءًا حَقِيقِيًّا، وَلَوْ ضَبَابِيًّا، مِنَ الْأَيَّامِ الْأَخِيرَةِ فِي مُخَيَّمِ الْيَرْمُوكِ قَبْلَ الرَّحِيلِ.
لَكِنَّ صِحَّةَ أَبِي أَحْمَدَ، الَّذِي تَجَاوَزَ السِّتِّينَ مِنْ عُمْرِهِ، بَدَأَتْ تَتَرَاجَعُ تَدْرِيجِيًّا فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ، بَعْدَ تَشْخِيصِهِ بِمَرَضٍ فِي الْقَلْبِ يَتَطَلَّبُ مُتَابَعَةً طِبِّيَّةً دَقِيقَةً وَنَمَطَ حَيَاةٍ أَكْثَرَ هُدُوءًا مِمَّا اعْتَادَهُ رَجُلٌ عَاشَ حَيَاتَهُ كُلَّهَا فِي حَرَكَةٍ دَائِمَةٍ.
——————————
جَلَسَ مَعَ الطَّبِيبِ الْأَلْمَانِيِّ، بِمُسَاعَدَةِ مُتَرْجِمٍ، يَسْتَمِعُ إِلَى تَفَاصِيلِ حَالَتِهِ الصِّحِّيَّةِ بِقَلَقٍ مُتَزَايِدٍ.
قَالَ الطَّبِيبُ، بِصَرَاحَةٍ مِهَنِيَّةٍ:
حَالَتُكَ تَحْتَاجُ مُتَابَعَةً دَقِيقَةً، وَنَمَطَ حَيَاةٍ أَقَلَّ إِجْهَادًا. مَعَ الْعِلَاجِ الْمُنَاسِبِ، يُمْكِنُكَ أَنْ تَعِيشَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً إِضَافِيَّةً، لَكِنْ يَجِبُ أَنْ تَأْخُذَ الْأَمْرَ بِجِدِّيَّةٍ.
سَأَلَهُ أَبُو أَحْمَدَ، بِقَلَقٍ لَمْ يُخْفِهِ:
هَلْ هَذَا يَعْنِي أَنَّنِي لَنْ أَسْتَطِيعَ الْعَمَلَ بَعْدَ الْآنَ؟
أَجَابَ الطَّبِيبُ بِلُطْفٍ:
يُمْكِنُكَ أَنْ تَعْمَلَ، لَكِنْ بِوَتِيرَةٍ أَهْدَأَ، وَبِمُتَابَعَةٍ دَوْرِيَّةٍ دَقِيقَةٍ لِضَغْطِ دَمِكَ وَنَشَاطِكَ الْقَلْبِيِّ. الْجَسَدُ الَّذِي مَرَّ بِمَا مَرَّ بِهِ جَسَدُكَ مِنْ رِحْلَاتٍ وَضُغُوطٍ نَفْسِيَّةٍ طَوِيلَةٍ يَحْتَاجُ اهْتِمَامًا خَاصًّا الْآنَ.
عَادَ أَبُو أَحْمَدَ إِلَى الْبَيْتِ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَجَلَسَ مَعَ أُمِّ أَحْمَدَ يُخْبِرُهَا بِالتَّفَاصِيلِ، وَشَعَرَ كِلَاهُمَا بِثِقْلِ هَذَا الْخَبَرِ يُضَافُ إِلَى كُلِّ أَثْقَالِ الرِّحْلَةِ السَّابِقَةِ.
قَالَتْ أُمُّ أَحْمَدَ، بِقَلَقٍ وَاضِحٍ:
يَجِبُ أَنْ تَعْتَنِيَ بِنَفْسِكَ أَكْثَرَ، يَا أَبَا أَحْمَدَ. لَا أُرِيدُ أَنْ أَخْسَرَكَ بَعْدَ كُلِّ مَا مَرَرْنَا بِهِ مَعًا.
أَمْسَكَ أَبُو أَحْمَدَ بِيَدِهَا، وَقَالَ بِصِدْقٍ:
لَنْ أَذْهَبَ إِلَى أَيِّ مَكَانٍ بِهَذِهِ السُّهُولَةِ، يَا أُمَّ أَحْمَدَ. لَدَيْنَا كِتَابٌ لَمْ يَكْتَمِلْ بَعْدُ، وَأَحْفَادٌ لَمْ يُولَدُوا بَعْدُ، وَحِكَايَاتٌ كَثِيرَةٌ لَمْ تُرْوَ بَعْدُ. سَأُقَاتِلُ مِنْ أَجْلِ كُلِّ هَذَا، كَمَا قَاتَلْتُ مِنْ أَجْلِ وُصُولِنَا إِلَى هُنَا أَصْلًا.
——————————
شَعَرَ أَبُو أَحْمَدَ، فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ بِالذَّاتِ، بِإِلْحَاحٍ مُتَزَايِدٍ لِإِكْمَالِ مَشْرُوعِ الْكِتَابَةِ الَّذِي بَدَأَهُ، وَكَأَنَّ جَسَدَهُ يُذَكِّرُهُ أَنَّ الْوَقْتَ لَيْسَ مِلْكًا مُطْلَقًا لِأَحَدٍ.
قَالَ لِأَحْمَدَ، ابْنِهِ الْبِكْرِ، الَّذِي أَصْبَحَ الْآنَ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهِ وَيَدْرُسُ الْهَنْدَسَةَ الْمِعْمَارِيَّةَ فِي جَامِعَةٍ أَلْمَانِيَّةٍ:
أَحْمَدُ، أُرِيدُ أَنْ نُكْمِلَ هَذَا الْكِتَابَ مَعًا، أَنَا وَأَنْتَ. لَدَيْكَ عَيْنٌ حَدِيثَةٌ، وَأُسْلُوبٌ أَفْضَلُ فِي تَنْظِيمِ الْأَفْكَارِ مِمَّا أَمْلِكُ أَنَا. أُرِيدُكَ أَنْ تُسَاعِدَنِي فِي تَحْرِيرِ مَا كَتَبْتُهُ، وَرُبَّمَا إِضَافَةِ قِصَّتِكَ أَنْتَ أَيْضًا، قِصَّةِ جِيلِكَ الَّذِي يَحْمِلُ هَذِهِ الْهُوِيَّةَ الْمُزْدَوِجَةَ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ عَنْ جِيلِي.
تَأَثَّرَ أَحْمَدُ بِهَذَا الطَّلَبِ، وَقَالَ بِصِدْقٍ:
يُشَرِّفُنِي ذَلِكَ، أَبِي. لَطَالَمَا أَرَدْتُ أَنْ أُسَاهِمَ فِي حِفْظِ قِصَّتِنَا، لَا أَنْ أَكُونَ مُجَرَّدَ مُتَلَقٍّ لَهَا.
——————————
أَمْضَى الْأَبُ وَالِابْنُ أَشْهُرًا يَعْمَلَانِ مَعًا عَلَى هَذَا الْمَشْرُوعِ، يَجْلِسَانِ كُلَّ عُطْلَةِ نِهَايَةِ أُسْبُوعٍ، يُرَاجِعَانِ الذِّكْرَيَاتِ الْمَكْتُوبَةَ، وَيُضِيفُ أَحْمَدُ أَحْيَانًا تَعْلِيقَاتٍ مِنْ مَنْظُورِهِ الْخَاصِّ، عَنْ كَيْفَ يَشْعُرُ هُوَ، الشَّابُّ الَّذِي وُلِدَ فِي مُخَيَّمِ الْيَرْمُوكِ لَكِنَّهُ يَكْبَرُ الْآنَ فِي أَلْمَانِيَا، حَامِلًا ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ مِنَ الْهُوِيَّةِ: فِلَسْطِينِيَّةً مَوْرُوثَةً، سُورِيَّةً بِالْمَوْلِدِ، وَأَلْمَانِيَّةً بِالْمُسْتَقْبَلِ الَّذِي يُبْنَى الْآنَ.
كَتَبَ أَحْمَدُ فِي أَحَدِ فُصُولِ الْكِتَابِ، بِصَوْتِهِ الْخَاصِّ الْمُخْتَلِفِ عَنْ صَوْتِ وَالِدِهِ: «لَا أَحْمِلُ ذَاكِرَةً حَيَّةً عَنْ فِلَسْطِينَ كَمَا يَحْمِلُهَا جَدِّي فِي حِكَايَاتِهِ، وَلَا حَتَّى ذَاكِرَةً كَامِلَةً عَنْ مُخَيَّمِ الْيَرْمُوكِ كَمَا يَحْمِلُهَا أَبِي. أَنَا أَحْمِلُ الْحِكَايَاتِ فَقَطْ، لَا التَّجْرِبَةَ الْمُبَاشِرَةَ. لَكِنَّ هَذَا لَا يَجْعَلُ هُوِيَّتِي أَقَلَّ حَقِيقِيَّةً، بَلْ يَجْعَلُهَا هُوِيَّةً مِنْ نَوْعٍ مُخْتَلِفٍ: هُوِيَّةً مَبْنِيَّةً عَلَى الْوِرَاثَةِ وَالِاخْتِيَارِ مَعًا، لَا عَلَى الْمَكَانِ وَحْدَهُ.»
قَرَأَ أَبُو أَحْمَدَ هَذِهِ الْفِقْرَةَ بِدُمُوعٍ فِي عَيْنَيْهِ، وَقَالَ لِابْنِهِ:
هَذَا بِالضَّبْطِ مَا كُنْتُ آمُلُ أَنْ تَفْهَمَهُ، يَا أَحْمَدُ. أَنَّ الْهُوِيَّةَ لَيْسَتْ حِكْرًا عَلَى مَنْ عَاشَ التَّجْرِبَةَ الْمُبَاشِرَةَ فَقَطْ.
——————————
فِي تِلْكَ الْأَثْنَاءِ، بَدَأَتْ أُمُّ أَحْمَدَ، الَّتِي كَانَتْ طَوَالَ سَنَوَاتٍ تَدْعَمُ زَوْجَهَا بِصَمْتٍ أَكْثَرَ مِمَّا تُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهَا بِصَرَاحَةٍ، تَجِدُ صَوْتَهَا الْخَاصَّ أَيْضًا. انْضَمَّتْ إِلَى مَجْمُوعَةٍ نِسَائِيَّةٍ مِنْ عَائِلَاتٍ فِلَسْطِينِيَّةٍ وَسُورِيَّةٍ فِي الْمَدِينَةِ، بَدَأْنَ يَجْتَمِعْنَ أُسْبُوعِيًّا لِتَبَادُلِ وَصَفَاتِ الطَّعَامِ التَّقْلِيدِيَّةِ وَتَعْلِيمِهَا لِأَجْيَالٍ أَصْغَرَ خَشْيَةَ أَنْ تَضِيعَ مَعَ الْوَقْتِ.
كَانَتْ هَذِهِ الْمَجْمُوعَةُ قَدْ تَأَسَّسَتْ بِمُبَادَرَةٍ مِنِ امْرَأَةٍ فِلَسْطِينِيَّةٍ مُسِنَّةٍ، عَاشَتْ فِي أَلْمَانِيَا مُنْذُ عُقُودٍ، وَشَعَرَتْ بِقَلَقٍ مُتَزَايِدٍ مِنْ أَنَّ الْوَصَفَاتِ الَّتِي تَوَارَثَتْهَا عَنْ أُمِّهَا وَجَدَّتِهَا قَدْ تَضِيعُ مَعَ الْأَجْيَالِ الشَّابَّةِ الْمُنْشَغِلَةِ بِالتَّأَقْلُمِ مَعَ حَيَاتِهِمُ الْجَدِيدَةِ. وَجَدَتْ أُمُّ أَحْمَدَ فِي هَذِهِ الْمَجْمُوعَةِ مَسَاحَةً نَادِرَةً لِلتَّعْبِيرِ عَنْ نَفْسِهَا، بَعِيدًا عَنْ دَوْرِهَا التَّقْلِيدِيِّ كَزَوْجَةٍ وَأُمٍّ صَامِتَةٍ تَدْعَمُ مِنَ الْخَلْفِ.
قَالَتْ لِأَبِي أَحْمَدَ ذَاتَ مَسَاءٍ، بِحَمَاسَةٍ لَمْ يَعْتَدْهَا مِنْهَا بِهَذَا الْوُضُوحِ:
عَلَّمْتُ الْيَوْمَ ثَلَاثَ نِسَاءٍ أَصْغَرَ مِنِّي كَيْفَ يُحَضِّرْنَ الْمُسَخَّنَ كَمَا كَانَتْ جَدَّتِي تُحَضِّرُهُ. شَعَرْتُ أَنَّ جُزْءًا مِنْ إِرْثِنَا يَنْتَقِلُ، لَا فَقَطْ عَبْرَ الْكَلِمَاتِ الْمَكْتُوبَةِ، بَلْ عَبْرَ الْأَطْبَاقِ وَاللَّمَسَاتِ الْيَدَوِيَّةِ أَيْضًا.
ابْتَسَمَ أَبُو أَحْمَدَ، مُعْجَبًا بِزَوْجَتِهِ:
نَحْنُ نَحْفَظُ هَذَا الْإِرْثَ مَعًا، كُلٌّ بِطَرِيقَتِهِ: أَنَا بِالْكَلِمَاتِ، وَأَنْتِ بِالطَّعْمِ وَالرَّائِحَةِ وَالذَّاكِرَةِ الْحِسِّيَّةِ. كِلَاهُمَا مُهِمٌّ بِالْقَدْرِ نَفْسِهِ.
اقْتَرَحَتْ أُمُّ أَحْمَدَ فِكْرَةً جَدِيدَةً، بِحَمَاسَةٍ مُتَزَايِدَةٍ:
مَاذَا لَوْ أَضَفْنَا فَصْلًا فِي كِتَابِكَ عَنْ هَذِهِ الْوَصَفَاتِ؟ لَيْسَ فَقَطِ الْمُكَوِّنَاتِ، بَلِ الْقِصَصَ خَلْفَ كُلِّ طَبَقٍ: مِنْ أَيْنَ أَتَى، وَمَنْ كَانَ يُحَضِّرُهُ فِي الْعَائِلَةِ، وَلِمَاذَا يَرْتَبِطُ بِمُنَاسَبَةٍ مُعَيَّنَةٍ؟
أَشْرَقَ وَجْهُ أَبِي أَحْمَدَ بِهَذِهِ الْفِكْرَةِ:
فِكْرَةٌ رَائِعَةٌ، يَا أُمَّ أَحْمَدَ. سَيُصْبِحُ الْكِتَابُ حِينَهَا إِرْثًا كَامِلًا: كَلِمَاتٍ، وَذِكْرَيَاتٍ، وَوَصَفَاتٍ، كُلُّ هَذَا مَعًا يَحْكِي قِصَّتَنَا بِشَكْلٍ أَكْمَلَ بِكَثِيرٍ مِمَّا كُنْتُ أَتَخَيَّلُهُ وَحْدِي.
——————————
بَعْدَ عَامٍ مِنَ الْعَمَلِ الْمُشْتَرَكِ، اكْتَمَلَ الْكِتَابُ أَخِيرًا، وَطَبَعُوا مِنْهُ نُسَخًا مَحْدُودَةً، وَزَّعُوهَا عَلَى أَفْرَادِ الْعَائِلَةِ الْمُمْتَدَّةِ، وَعَلَى بَعْضِ الْأَصْدِقَاءِ الْمُقَرَّبِينَ مِنْ مُخْتَلِفِ الْجَالِيَاتِ فِي مَرْكَزِ الْإِيوَاءِ السَّابِقِ الَّذِي مَا زَالُوا عَلَى تَوَاصُلٍ مَعَ بَعْضِ مَنْ عَرَفُوهُمْ فِيهِ.
فِي حَفْلٍ صَغِيرٍ أَقَامَتْهُ الْعَائِلَةُ لِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ، وَقَفَ أَبُو أَحْمَدَ، بِصِحَّةٍ أَفْضَلَ نِسْبِيًّا بَعْدَ الِالْتِزَامِ بِعِلَاجِهِ، وَأَلْقَى كَلِمَةً قَصِيرَةً أَمَامَ الْحُضُورِ:
هَذَا الْكِتَابُ لَيْسَ قِصَّةَ نَجَاحٍ كُبْرَى، وَلَا هُوَ قِصَّةُ مَأْسَاةٍ تَسْتَدْعِي الشَّفَقَةَ فَقَطْ. هُوَ بِبَسَاطَةٍ شَهَادَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ، مَهْمَا هُجِّرَ مَرَّاتٍ عَدِيدَةً، يَبْقَى قَادِرًا عَلَى أَنْ يَحْمِلَ جُذُورَهُ مَعَهُ، وَأَنْ يَزْرَعَهَا مِنْ جَدِيدٍ أَيْنَمَا اسْتَقَرَّ، حَتَّى لَوِ اخْتَلَفَ شَكْلُ هَذِهِ الْجُذُورِ عَنِ الشَّكْلِ الْأَصْلِيِّ الَّذِي عَرَفَهُ أَجْدَادُهُ.
نَظَرَ إِلَى أَحْمَدَ، الَّذِي وَقَفَ بِجِوَارِهِ فَخُورًا:
وَأَنْتُمْ، جِيلَ أَحْمَدَ، مُهِمَّتُكُمْ لَيْسَتْ أَنْ تَحْمِلُوا نُسْخَةً طِبْقَ الْأَصْلِ مِنْ مَاضِينَا، بَلْ أَنْ تَبْنُوا هُوِيَّتَكُمُ الْخَاصَّةَ، مُسْتَلْهِمِينَ مِنْ هَذَا الْمَاضِي، لَا مُحَاصَرِينَ بِهِ.
مِنْ بَيْنِ الْحُضُورِ، وَقَفَ هَمَّامٌ، الَّذِي حَضَرَ الْحَفْلَ بِدَعْوَةٍ خَاصَّةٍ مِنْ أَبِي أَحْمَدَ، بَعْدَ صَدَاقَتِهِمَا الَّتِي تَوَطَّدَتْ مُنْذُ أَوَّلِ لِقَاءٍ لَهُمَا فِي الْحَدِيقَةِ قَبْلَ سَنَوَاتٍ، وَأَلْقَى كَلِمَةً قَصِيرَةً أَيْضًا:
أَبُو أَحْمَدَ كَانَ أَوَّلَ مَنْ عَلَّمَنِي، مُنْذُ وُصُولِنَا إِلَى هَذَا الْبَلَدِ، أَنَّ الْهُوِيَّةَ لَيْسَتْ مَكَانًا نَبْحَثُ عَنْهُ فِي الْخَارِجِ، بَلْ شَيْئًا نَحْمِلُهُ وَنَبْنِيهِ بِأَنْفُسِنَا أَيْنَمَا ذَهَبْنَا. هَذَا الْكِتَابُ الْيَوْمَ يُوَثِّقُ هَذَا الدَّرْسَ بِأَجْمَلِ طَرِيقَةٍ مُمْكِنَةٍ.
شَعَرَ أَبُو أَحْمَدَ بِتَأَثُّرٍ عَمِيقٍ مِنْ كَلِمَاتِ صَدِيقِهِ، وَتَبَادَلَا نَظْرَةً تَحْمِلُ سَنَوَاتٍ مِنَ الصَّدَاقَةِ الصَّادِقَةِ الَّتِي نَمَتْ بَيْنَهُمَا وَسْطَ كُلِّ تَعْقِيدَاتِ هَذِهِ الرِّحْلَةِ الْمُشْتَرَكَةِ.
——————————
بَعْدَ الْحَفْلِ، جَلَسَ أَبُو أَحْمَدَ مَعَ أُمِّ أَحْمَدَ فِي الْحَدِيقَةِ الْخَلْفِيَّةِ لِبَيْتِهِمَا الْجَدِيدِ، بَيْتٍ صَغِيرٍ اسْتَأْجَرَاهُ أَخِيرًا بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ الِانْتِقَالِ بَيْنَ مَرَاكِزِ إِيوَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَشَعَرَا بِسَكِينَةٍ نَادِرَةٍ.
قَالَتْ أُمُّ أَحْمَدَ، وَهِيَ تَتَأَمَّلُ النُّجُومَ فَوْقَهُمَا:
أَتَذَكَّرُ أَوَّلَ لَيْلَةٍ لَنَا هُنَا؟ كُنْتَ تَبْحَثُ عَنْ مَكَانٍ يُشْبِهُ الْيَرْمُوكَ، وَلَمْ تَجِدْ شَيْئًا.
ابْتَسَمَ أَبُو أَحْمَدَ:
أَذْكُرُ ذَلِكَ جَيِّدًا. اسْتَغْرَقَنِي وَقْتًا طَوِيلًا لِأَفْهَمَ أَنَّنِي لَمْ أَكُنْ بِحَاجَةٍ لِمَكَانٍ يُشْبِهُ الْيَرْمُوكَ، بَلْ لِطَرِيقَةٍ أَحْمِلُ بِهَا الْيَرْمُوكَ وَفِلَسْطِينَ مَعِي أَيْنَمَا ذَهَبْتُ.
أَخَذَ نَفَسًا عَمِيقًا، وَنَظَرَ إِلَى الْمِفْتَاحِ الْقَدِيمِ الَّذِي وَضَعَهُ عَلَى طَاوِلَةٍ صَغِيرَةٍ فِي الْحَدِيقَةِ، مُعَلَّقًا بِإِطَارٍ صَغِيرٍ صَنَعَهُ أَحْمَدُ كَهَدِيَّةٍ لَهُ:
لَا أَعْرِفُ إِنْ كُنْتُ سَأَرَى فِلَسْطِينَ يَوْمًا بِعَيْنَيَّ، يَا أُمَّ أَحْمَدَ. لَكِنَّنِي أَعْرِفُ الْآنَ أَنَّنِي، مِنْ خِلَالِ هَذَا الْكِتَابِ، وَمِنْ خِلَالِ أَحْمَدَ وَإِخْوَتِهِ، تَرَكْتُ شَيْئًا حَقِيقِيًّا خَلْفِي، لَا يَعْتَمِدُ عَلَى مَكَانٍ جُغْرَافِيٍّ وَاحِدٍ لِيَبْقَى حَيًّا.
