وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١
كَانَتْ فْرَانْكْفُورْتُ فِي السَّابِعَةِ وَالنِّصْفِ صَبَاحًا كَمَا هِيَ فِي كُلِّ صَبَاحٍ: رَمَادِيَّةً، مُنَظَّمَةً، بِلَا مُفَاجَآتٍ. عَرَبَاتُ التِّرَامِ تَمُرُّ فِي مَوَاعِيدِهَا كَأَنَّهَا لَا تَعْرِفُ مَعْنَى التَّأَخُّرِ، وَالنَّاسُ يَمْشُونَ بِخُطًى مَحْسُوبَةٍ كَأَنَّ أَحَدًا قَدْ ضَبَطَ لَهُمْ إِيقَاعَ الْحَيَاةِ بِسَاعَةٍ سُوَيْسْرِيَّةٍ دَقِيقَةٍ لَا تُخْطِئُ أَبَدًا. وَقَفَ عَدْنَانُ الرَّافِعِيُّ عِنْدَ نَافِذَةِ مَكْتَبِهِ فِي الطَّابِقِ الثَّامِنَ عَشَرَ، يَحْمِلُ فِنْجَانَ قَهْوَتِهِ الْأَوَّلَ، وَيَنْظُرُ إِلَى النَّهْرِ وَهُوَ يَشُقُّ الْمَدِينَةَ إِلَى نِصْفَيْنِ هَادِئَيْنِ مُتَنَاظِرَيْنِ.
كَانَ فِي الثَّالِثَةِ وَالسِّتِّينَ مِنْ عُمْرِهِ، لَكِنَّ جَسَدَهُ النَّحِيلَ مَا زَالَ يَحْمِلُ بَقَايَا خِفَّةِ الشَّابِّ الَّذِي كَانَهُ يَوْمًا، حِينَ كَانَ يَحْمِلُ طُرُودَ الْأَقْمِشَةِ فِي سُوقِ الْحَرِيقَةِ بِدِمَشْقَ، وَيَعْدُو بَيْنَ الْأَزِقَّةِ الضَّيِّقَةِ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ بَعْدُ أَنَّ ثَمَّةَ مَدِينَةً اسْمُهَا فْرَانْكْفُورْتُ، أَوْ أَنَّ اسْمَهُ سَيُصْبِحُ يَوْمًا مَكْتُوبًا عَلَى بَابٍ مِنْ زُجَاجٍ بِحُرُوفٍ ذَهَبِيَّةٍ: «عَدْنَانُ الرَّافِعِيُّ، الرَّئِيسُ التَّنْفِيذِيُّ».
لَمْ يَكُنِ الطَّرِيقُ مِنْ ذَلِكَ الْفَتَى الْحَافِي الْقَدَمَيْنِ تَقْرِيبًا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الْوَاقِفِ الْآنَ أَمَامَ نَافِذَةٍ مُطِلَّةٍ عَلَى نَهْرِ الْمَايِنِ طَرِيقًا سَهْلًا أَبَدًا. غَادَرَ دِمَشْقَ أَوَاخِرَ عَامِ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَتِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ بِحَقِيبَةٍ وَاحِدَةٍ، وَبِضْعِ مِئَاتٍ مِنَ اللِّيرَاتِ جَمَعَهَا مِنْ عَمَلِهِ الشَّاقِّ، وَشَهَادَةِ الثَّانَوِيَّةِ، وَشَيْءٍ مِنَ الْعِنَادِ لَا يَعْرِفُ لَهُ مَصْدَرًا وَاضِحًا سِوَى أَنَّهُ وَرِثَهُ، عَلَى الْأَرْجَحِ، مِنْ أُمِّهِ الَّتِي لَمْ تَرْكَعْ يَوْمًا أَمَامَ الْفَقْرِ رَغْمَ أَنَّهُ حَاصَرَهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. عَمِلَ فِي مَطَاعِمَ أَلْمَانِيَّةٍ بَسِيطَةٍ أَوَّلَ الْأَمْرِ، ثُمَّ دَرَسَ الْمُحَاسَبَةَ لَيْلًا بَيْنَمَا يَعْمَلُ نَهَارًا، ثُمَّ فَتَحَ مَكْتَبًا صَغِيرًا لِلِاسْتِيرَادِ وَالتَّصْدِيرِ مَعَ شَرِيكٍ أَلْمَانِيٍّ قَابَلَهُ بِالصُّدْفَةِ فِي إِحْدَى الْحَانَاتِ، ثُمَّ تَوَسَّعَ هَذَا الْمَكْتَبُ الصَّغِيرُ عَلَى مَدَى عُقُودٍ حَتَّى أَصْبَحَ شَرِكَةً تَضُمُّ الْيَوْمَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِمِئَةِ مُوَظَّفٍ فِي أَرْبَعِ دُوَلٍ أُورُوبِّيَّةٍ.
كُلُّ هَذَا حَدَثَ بِصَبْرٍ، وَبِعَرَقٍ، وَبِكَثِيرٍ مِنَ اللَّيَالِي الَّتِي لَمْ يَنَمْ فِيهَا إِلَّا سَاعَاتٍ قَلِيلَةً. لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُحِبُّ أَنْ يَتَذَكَّرَ الْبِدَايَاتِ كَثِيرًا. لَمْ يَكُنْ يَكْرَهُهَا، لَكِنَّهُ اعْتَادَ أَنْ يَضَعَهَا فِي صُنْدُوقٍ مُغْلَقٍ فِي أَقْصَى الذَّاكِرَةِ، كَمَا يَضَعُ الْمَرْءُ صُوَرًا قَدِيمَةً فِي عُلْبَةٍ كَرْتُونِيَّةٍ، ثُمَّ يَرْفَعُ الْعُلْبَةَ إِلَى أَعْلَى الْخِزَانَةِ، وَيَقُولُ لِنَفْسِهِ: سَأَنْظُرُ إِلَيْهَا يَوْمًا، حِينَ يَكُونُ لَدَيَّ وَقْتٌ. لَكِنَّ الْوَقْتَ، كَمَا اكْتَشَفَ لَاحِقًا، لَا يَأْتِي أَبَدًا وَحْدَهُ. لَا بُدَّ أَنْ يُجْبَرَ عَلَيْهِ الْمَرْءُ إِجْبَارًا، وَهَذَا بِالضَّبْطِ مَا كَانَ عَلَى وَشْكِ أَنْ يَحْدُثَ لَهُ فِي هَذَا الصَّبَاحِ الَّذِي بَدَأَ عَادِيًّا كَأَيِّ صَبَاحٍ آخَرَ.
تَذَكَّرَ أَحْيَانًا، فِي لَحَظَاتٍ نَادِرَةٍ كَهَذِهِ، أَوَّلَ يَوْمِ عَمَلٍ حَقِيقِيٍّ لَهُ فِي أَلْمَانْيَا: مَطْعَمٌ صَغِيرٌ فِي حَيٍّ شَعْبِيٍّ بِمَدِينَةِ كُولُونْيَا، صَاحِبُهُ رَجُلٌ تُرْكِيٌّ طَيِّبُ الْقَلْبِ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ، قَبِلَ أَنْ يُشَغِّلَهُ غَاسِلَ صُحُونٍ رَغْمَ أَنَّهُ لَا يُتْقِنُ كَلِمَةً أَلْمَانِيَّةً وَاحِدَةً، فَقَطْ لِأَنَّ عَيْنَيْهِ، كَمَا قَالَ لَهُ لَاحِقًا، ذَكَّرَتَاهُ بِنَظْرَةِ شَابٍّ فَقِيرٍ كَانَهُ هُوَ نَفْسُهُ قَبْلَ عِشْرِينَ عَامًا. كَانَ عَدْنَانُ يَعْمَلُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَاعَةً يَوْمِيًّا، ثُمَّ يَذْهَبُ مُبَاشَرَةً إِلَى صَفِّ اللُّغَةِ الْأَلْمَانِيَّةِ الْمَسَائِيِّ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى غُرْفَتِهِ الصَّغِيرَةِ الْمُسْتَأْجَرَةِ لِيُذَاكِرَ حَتَّى مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، وَهُوَ يُرَدِّدُ لِنَفْسِهِ جُمْلَةً كَانَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ يَقُولُهَا لَهُ دَائِمًا: «التَّعَبُ الْمُؤَقَّتُ خَيْرٌ مِنَ الْفَقْرِ الدَّائِمِ، وَالصَّبْرُ مِفْتَاحٌ لَا يَصْدَأُ مَهْمَا طَالَ اسْتِخْدَامُهُ.» لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ حِينَهَا أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ بِالذَّاتِ سَتَبْقَى مَعَهُ طَوَالَ حَيَاتِهِ، مَنْقُوشَةً فِي ذَاكِرَتِهِ أَعْمَقَ مِنْ أَيِّ دَرْسٍ تَعَلَّمَهُ لَاحِقًا فِي أَرْقَى الْجَامِعَاتِ الْأُورُوبِّيَّةِ.
طَرَقَ أَحَدُهُمُ الْبَابَ بِلُطْفٍ.
«صَبَاحَ الْخَيْرِ يَا سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ.» كَانَتْ هَذِهِ سَارَةَ، سِكْرِتِيرَتَهُ مُنْذُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، امْرَأَةً أَلْمَانِيَّةً فِي الْأَرْبَعِينَ، دَقِيقَةً كَسَاعَةِ حَائِطٍ، لَا تُحِبُّ أَنْ تُفَاجِئَهُ بِشَيْءٍ لَمْ تُعِدَّهُ لَهُ مُسْبَقًا عَلَى جَدْوَلِ أَعْمَالِهِ الْمَطْبُوعِ كُلَّ صَبَاحٍ عَلَى وَرَقَةٍ وَاحِدَةٍ أَنِيقَةٍ. «لَدَيْكَ اجْتِمَاعُ مَجْلِسِ الْإِدَارَةِ السَّاعَةَ الْعَاشِرَةَ، وَالْغَدَاءُ مَعَ وَفْدِ مِيونِخَ السَّاعَةَ الْوَاحِدَةَ، وَمُكَالَمَةٌ مَعَ الْمُسْتَثْمِرِينَ الْإِيطَالِيِّينَ السَّاعَةَ الرَّابِعَةَ.» تَوَقَّفَتْ قَلِيلًا، وَنَظَرَتْ إِلَى ظَرْفٍ بَيْنَ يَدَيْهَا كَأَنَّهَا لَا تَعْرِفُ أَيْنَ تَضَعُهُ بِالضَّبْطِ ضِمْنَ هَذَا الْجَدْوَلِ الْمُرَتَّبِ الَّذِي لَا يَتْرُكُ مَكَانًا لِلْمُفَاجَآتِ.
«وَمَاذَا أَيْضًا؟» سَأَلَ عَدْنَانُ دُونَ أَنْ يَسْتَدِيرَ، عَيْنَاهُ مَا زَالَتَا مُعَلَّقَتَيْنِ بِالنَّهْرِ وَقَارِبٍ سِيَاحِيٍّ بَطِيءٍ يَشُقُّ صَفْحَتَهُ الرَّمَادِيَّةَ.
«وَصَلَتْ هَذِهِ الرِّسَالَةُ بِالْبَرِيدِ الْمُسَجَّلِ هَذَا الصَّبَاحَ. مِنْ دِمَشْقَ.» قَالَتْهَا بِنَبْرَةٍ مُحَايِدَةٍ تَمَامًا، كَأَنَّهَا تَقُولُ «مِنْ بَرْلِينَ» أَوْ «مِنْ بَارِيسَ»، لِأَنَّهَا لَا تَعْرِفُ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَعْرِفَ، أَنَّ كَلِمَةَ «دِمَشْقَ» وَحْدَهَا كَافِيَةٌ لِتُحْدِثَ فِي صَدْرِ الرَّجُلِ الَّذِي أَمَامَهَا شَيْئًا أَشْبَهَ بِارْتِجَاجٍ خَفِيفٍ، صَامِتٍ، لَا يَظْهَرُ عَلَى وَجْهِهِ الْبَتَّةَ، لِأَنَّهُ تَعَلَّمَ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ كَيْفَ يُبْقِي وَجْهَهُ هَادِئًا مَهْمَا اضْطَرَبَ مَا فِي دَاخِلِهِ.
اسْتَدَارَ عَدْنَانُ أَخِيرًا، وَمَدَّ يَدَهُ لِتَلَقِّي الظَّرْفِ. كَانَ بُنِّيَّ اللَّوْنِ الْفَاتِحِ، سَمِيكًا، وَعَلَيْهِ شِعَارُ مَكْتَبِ مُحَامَاةٍ لَمْ يَسْمَعْ بِاسْمِهِ مِنْ قَبْلُ: «مَكْتَبُ زِيَادَ سَلُّومَ لِلْمُحَامَاةِ وَالِاسْتِشَارَاتِ الْقَانُونِيَّةِ – دِمَشْقُ». كُتِبَ اسْمُهُ بِخَطِّ الْيَدِ أَسْفَلَ عُنْوَانِ الْمَكْتَبِ الْمَطْبُوعِ: «السَّيِّدُ الْمُحْتَرَمُ عَدْنَانُ الرَّافِعِيُّ – فْرَانْكْفُورْتُ – أَلْمَانْيَا»، وَتَحْتَهُ بِخَطٍّ أَصْغَرَ: «سِرِّيٌّ وَشَخْصِيٌّ – يُسَلَّمُ بِالْيَدِ أَوْ بِالْبَرِيدِ الْمُسَجَّلِ فَقَطْ».
«شُكْرًا سَارَةُ. هَذَا كُلُّ شَيْءٍ الْآنَ.»
فَهِمَتْ مِنْ نَبْرَتِهِ أَنَّ الْحَدِيثَ انْتَهَى، فَانْحَنَتْ بِرَأْسِهَا قَلِيلًا وَخَرَجَتْ، تَارِكَةً إِيَّاهُ وَحِيدًا مَعَ الظَّرْفِ، وَبَابًا مُغْلَقًا خَلْفَهَا بِهُدُوءٍ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ عَدْنَانُ أَصْلًا، لِأَنَّ كُلَّ حَوَاسِّهِ كَانَتْ قَدْ تَجَمَّعَتْ فَجْأَةً حَوْلَ تِلْكَ الْقِطْعَةِ الصَّغِيرَةِ مِنَ الْوَرَقِ الْبُنِّيِّ.
جَلَسَ عَدْنَانُ إِلَى مَكْتَبِهِ، وَوَضَعَ الظَّرْفَ أَمَامَهُ، وَنَظَرَ إِلَيْهِ لَحَظَاتٍ طَوِيلَةً قَبْلَ أَنْ يَفْتَحَهُ. كَانَ قَدْ تَلَقَّى فِي حَيَاتِهِ آلَافَ الرَّسَائِلِ الرَّسْمِيَّةِ: عُقُودًا، وَدَعَاوَى قَضَائِيَّةً بَسِيطَةً، وَعُرُوضًا اسْتِثْمَارِيَّةً، وَرَسَائِلَ تَهْنِئَةٍ مِنْ سَاسَةٍ يُرِيدُونَ تَمْوِيلًا لِحَمَلَاتِهِمْ، حَتَّى تَهْدِيدَاتٍ مُبَطَّنَةً مِنْ مُنَافِسِينَ فِي السُّوقِ حَاوَلَ بَعْضُهُمْ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَنْ يُزِيحُوهُ عَنْ طَرِيقِهِ بِوَسَائِلَ غَيْرِ نَظِيفَةٍ. لَمْ يَكُنْ رَجُلًا يَخَافُ مِنَ الْأَوْرَاقِ. لَكِنَّ هَذَا الظَّرْفَ بِالذَّاتِ كَانَ يَحْمِلُ شَيْئًا مُخْتَلِفًا؛ رُبَّمَا رَائِحَةَ الْوَرَقِ نَفْسِهِ، أَوْ نَوْعَ الْحِبْرِ، أَوْ بِبَسَاطَةٍ تِلْكَ الْكَلِمَةَ الْمَطْبُوعَةَ بِأَعْلَى الصَّفْحَةِ: «دِمَشْقُ»، الَّتِي لَمْ تَعُدْ جُزْءًا مِنْ حَيَاتِهِ الْيَوْمِيَّةِ مُنْذُ مَا يُقَارِبُ أَرْبَعِينَ عَامًا، إِلَّا فِي أَحْلَامٍ مُتَقَطِّعَةٍ لَمْ يَعُدْ يَتَذَكَّرُ تَفَاصِيلَهَا حِينَ يَسْتَيْقِظُ، أَوْ فِي نَكْهَةِ قَهْوَةٍ مُعَيَّنَةٍ تُصَادِفُهُ أَحْيَانًا فِي مَطْعَمٍ شَرْقِيٍّ فَيُذَكِّرُهُ طَعْمُهَا بِشَيْءٍ لَا يَسْتَطِيعُ تَسْمِيَتَهُ.
فَتَحَ الظَّرْفَ أَخِيرًا بِسِكِّينِ الْمَكْتَبِ الْفِضِّيَّةِ، وَأَخْرَجَ مِنْهُ أَوْرَاقًا ثَلَاثًا، مَطْبُوعَةً بِعِنَايَةٍ، وَمُوَقَّعَةً بِخَتْمٍ رَسْمِيٍّ فِي الْأَسْفَلِ.
٢
«السَّيِّدُ الْمُحْتَرَمُ عَدْنَانُ الرَّافِعِيُّ الْمُحْتَرَمُ،
تَحِيَّةً طَيِّبَةً وَبَعْدُ،
يُشَرِّفُنِي أَنْ أَتَوَاصَلَ مَعَكُمْ بِصِفَتِي الْوَكِيلَ الْقَانُونِيَّ الْمُكَلَّفَ بِتَصْفِيَةِ تَرِكَةِ الْمَرْحُومِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ النَّابُلُسِيِّ، تَاجِرِ الْجُمْلَةِ الْمَعْرُوفِ سَابِقًا فِي سُوقِ الْحَرِيقَةِ بِدِمَشْقَ الْقَدِيمَةِ، وَالْمُتَوَفَّى، بِحَسَبِ السِّجِلَّاتِ الرَّسْمِيَّةِ، فِي مَطْلَعِ صَيْفِ عَامِ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَسَبْعَةٍ وَسَبْعِينَ.
وَقَدْ تَبَيَّنَ لِمَكْتَبِنَا، بَعْدَ مُرَاجَعَةٍ دَقِيقَةٍ لِأَرْشِيفِ الْمَحْكَمَةِ الشَّرْعِيَّةِ بِدِمَشْقَ، ضِمْنَ إِجْرَاءَاتٍ رُوتِينِيَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِتَسْوِيَةِ بَعْضِ الْمِلَفَّاتِ الْعَقَارِيَّةِ الْمُتَوَقِّفَةِ مُنْذُ عُقُودٍ بِسَبَبِ الظُّرُوفِ الَّتِي مَرَّتْ بِهَا الْبِلَادُ، وُجُودُ وَثِيقَةٍ مُوَثَّقَةٍ رَسْمِيًّا، مُؤَرَّخَةٍ فِي الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ نَيْسَانَ عَامَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَسِتَّةٍ وَسَبْعِينَ، تَحْمِلُ تَوْقِيعَ الْمَرْحُومِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ النَّابُلُسِيِّ بِخَطِّ يَدِهِ، وَمُوَثَّقَةٍ أَمَامَ كَاتِبِ الْعَدْلِ آنَذَاكَ، تَنُصُّ عَلَى تَخْصِيصِ مَا وُصِفَ فِيهَا بِـ«الْأَمَانَةِ» لِحِفْظِهَا لَدَى شَخْصٍ مُحَدَّدٍ بِالِاسْمِ الْكَامِلِ، لِيَكُونَ هُوَ الْمُؤْتَمَنَ الْوَحِيدَ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ بِانْتِظَارِ شُرُوطٍ زَمَنِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ نَصَّتْ عَلَيْهَا الْوَثِيقَةُ، لَمْ تَتَحَقَّقْ، بِحَسَبِ عِلْمِنَا، حَتَّى تَارِيخِ الْيَوْمِ.
وَالِاسْمُ الْوَارِدُ فِي الْوَثِيقَةِ، سَيِّدِيَ الْفَاضِلَ، هُوَ اسْمُكُمُ الْكَامِلُ: عَدْنَانُ مَحْمُودٌ الرَّافِعِيُّ، مَوَالِيدُ قَرْيَةِ الْحُصَيْنِيَّةِ، رِيفِ دِمَشْقَ، عَامَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَخَمْسَةٍ وَخَمْسِينَ.
نَظَرًا لِحَسَاسِيَّةِ الْمَوْضُوعِ وَطَبِيعَتِهِ الْقَانُونِيَّةِ الْمُعَقَّدَةِ، وَحِرْصًا مِنَّا عَلَى سَلَامَةِ الْإِجْرَاءَاتِ، نَرْجُو مِنْكُمُ التَّكَرُّمَ بِالتَّوَاصُلِ مَعَ مَكْتَبِنَا فِي أَقْرَبِ فُرْصَةٍ مُمْكِنَةٍ، إِمَّا هَاتِفِيًّا عَلَى الرَّقْمِ الْمُرْفَقِ أَدْنَاهُ، أَوْ عَبْرَ الْبَرِيدِ الْإِلِكْتِرُونِيِّ، لِتَحْدِيدِ مَوْعِدٍ مُنَاسِبٍ لِمُنَاقَشَةِ تَفَاصِيلِ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا.
كَمَا نَوَدُّ أَنْ نُنَوِّهَ، بِكُلِّ احْتِرَامٍ، إِلَى ضَرُورَةِ الْتِزَامِ السِّرِّيَّةِ التَّامَّةِ بِخُصُوصِ هَذَا الْمَوْضُوعِ لِحِينِ اسْتِكْمَالِ الْإِجْرَاءَاتِ الْقَانُونِيَّةِ، نَظَرًا لِوُجُودِ أَطْرَافٍ أُخْرَى ذَاتِ مَصْلَحَةٍ مُحْتَمَلَةٍ فِي هَذَا الْمِلَفِّ، قَدْ يَكُونُ لِبَعْضِهَا مَعْرِفَةٌ مُسْبَقَةٌ بِوُجُودِ هَذِهِ الْوَثِيقَةِ.
وَتَفَضَّلُوا بِقَبُولِ فَائِقِ الِاحْتِرَامِ وَالتَّقْدِيرِ،
الْمُحَامِي زِيَادُ سَلُّومٌ
مَكْتَبُ سَلُّومٍ لِلْمُحَامَاةِ وَالِاسْتِشَارَاتِ الْقَانُونِيَّةِ – دِمَشْقُ»
قَرَأَ عَدْنَانُ الرِّسَالَةَ مَرَّةً، ثُمَّ أَعَادَ قِرَاءَتَهَا مَرَّةً ثَانِيَةً، بِبُطْءٍ أَكْبَرَ هَذِهِ الْمَرَّةَ، كَأَنَّهُ يُفَتِّشُ بَيْنَ السُّطُورِ عَنْ كَلِمَةٍ أُسْقِطَتْ سَهْوًا، أَوْ مَعْنًى تَسَلَّلَ خُلْسَةً دُونَ أَنْ يَقْصِدَهُ كَاتِبُ الرِّسَالَةِ. ثُمَّ قَرَأَهَا مَرَّةً ثَالِثَةً، بِصَوْتٍ خَفِيضٍ هَذِهِ الْمَرَّةَ، يَهْمِسُ بِهَا لِنَفْسِهِ كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتَأَكَّدَ أَنَّ أُذُنَيْهِ تَسْمَعَانِ الْكَلِمَاتِ نَفْسَهَا الَّتِي تَقْرَؤُهَا عَيْنَاهُ.
الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ النَّابُلُسِيُّ.
لَمْ يَكُنْ قَدْ سَمِعَ هَذَا الِاسْمَ مُنْذُ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ، لَكِنَّهُ لَمْ يَنْسَهُ لَحْظَةً وَاحِدَةً أَيْضًا. كَانَ الرَّجُلَ الَّذِي عَلَّمَهُ أَبْجَدِيَّةَ الْعَمَلِ، وَأَبْجَدِيَّةَ الصَّمْتِ، وَأَبْجَدِيَّةَ أَنْ يَكُونَ الْمَرْءُ صَادِقًا حَتَّى حِينَ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ. كَانَ الرَّجُلَ الَّذِي فَتَحَ لَهُ بَابَ مَتْجَرِهِ فِي صَيْفِ عَامِ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَسِتَّةٍ وَسَبْعِينَ، حِينَ كَانَ عَدْنَانُ فَتًى فِي الْحَادِيَةِ وَالْعِشْرِينَ، فَقِيرًا، جَائِعًا لِفُرْصَةٍ، لَا يَمْلِكُ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا عَزِيمَتَهُ وَأَمَانَةَ قَلْبِهِ. كَانَ صَوْتُهُ لَا يَزَالُ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ الْعُقُودِ، يَرِنُّ أَحْيَانًا فِي ذَاكِرَةِ عَدْنَانَ فِي لَحَظَاتٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ حَيَاتِهِ: حِينَ يُوَقِّعُ عَقْدًا كَبِيرًا، حِينَ يُحَاسِبُ مُوَظَّفًا أَخْطَأَ، حِينَ يَجِدُ نَفْسَهُ وَحِيدًا فِي مَكْتَبِهِ بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ يُرَاجِعُ أَرْقَامًا لَا تُرِيدُ أَنْ تَتَوَازَنَ. كَانَ يَسْمَعُ تِلْكَ الْجُمْلَةَ الَّتِي كَانَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ يُكَرِّرُهَا دَائِمًا: «مَنْ يَخُنْ نَفْسَهُ فِي السِّرِّ، لَنْ يَكُونَ أَمِينًا فِي الْعَلَنِ، مَهْمَا بَدَا أَمِينًا.»
وَكَانَ الرَّجُلَ الَّذِي اخْتَفَى، بِلَا تَفْسِيرٍ، فِي مَطْلَعِ صَيْفِ عَامِ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَسَبْعَةٍ وَسَبْعِينَ، تَارِكًا وَرَاءَهُ سُوقًا بِأَكْمَلِهِ يَتَحَدَّثُ فِي سِرِّهِ عَمَّا حَدَثَ لِتَاجِرِ الْأَقْمِشَةِ الْهَادِئِ الَّذِي لَمْ يُؤْذِ أَحَدًا فِي حَيَاتِهِ. تَذَكَّرَ عَدْنَانُ ذَلِكَ الصَّبَاحَ كَأَنَّهُ أَمْسِ: بَابُ الْمَتْجَرِ الْمُغْلَقُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، وَالْجِيرَانُ يَتَجَمَّعُونَ فِي حَلَقَاتٍ صَغِيرَةٍ يَتَهَامَسُونَ، وَالشُّرْطَةُ الَّتِي جَاءَتْ وَسَأَلَتْ أَسْئِلَةً رُوتِينِيَّةً بَارِدَةً ثُمَّ اخْتَفَتْ هِيَ الْأُخْرَى دُونَ أَنْ تَعُودَ بِجَوَابٍ.
اخْتَفَى. لَمْ يَمُتْ، بِحَسَبِ مَا كَانَ يَعْرِفُهُ عَدْنَانُ طَوَالَ أَرْبَعِينَ عَامًا. اخْتَفَى فَحَسْبُ. لَكِنَّ الرِّسَالَةَ الَّتِي بَيْنَ يَدَيْهِ الْآنَ تَقُولُ «الْمُتَوَفَّى، بِحَسَبِ السِّجِلَّاتِ الرَّسْمِيَّةِ». مَتَى صَدَرَتْ هَذِهِ السِّجِلَّاتُ؟ مَنْ أَصْدَرَهَا؟ وَلِمَاذَا لَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ بِذَلِكَ طَوَالَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ، لَا هُوَ وَلَا أَيُّ أَحَدٍ مِمَّنْ عَرَفُوا الْحَاجَّ تَوْفِيقٍ فِي سُوقِ الْحَرِيقَةِ؟
أَعَادَ قِرَاءَةَ الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ قَبْلَ التَّوْقِيعِ: «نَظَرًا لِوُجُودِ أَطْرَافٍ أُخْرَى ذَاتِ مَصْلَحَةٍ مُحْتَمَلَةٍ فِي هَذَا الْمِلَفِّ، قَدْ يَكُونُ لِبَعْضِهَا مَعْرِفَةٌ مُسْبَقَةٌ بِوُجُودِ هَذِهِ الْوَثِيقَةِ.»
مَنْ هِيَ هَذِهِ الْأَطْرَافُ؟
نَظَرَ عَدْنَانُ إِلَى سَاعَتِهِ. كَانَتِ الثَّامِنَةَ إِلَّا خَمْسَ دَقَائِقَ. لَدَيْهِ اجْتِمَاعُ مَجْلِسِ إِدَارَةٍ بَعْدَ سَاعَتَيْنِ، وَمَوْعِدُ غَدَاءٍ بَعْدَ خَمْسِ سَاعَاتٍ، وَحَيَاةٌ كَامِلَةٌ مُنَظَّمَةٌ بِدِقَّةٍ مُتَنَاهِيَةٍ، حَيَاةٌ بَنَاهَا بِيَدَيْهِ حَجَرًا حَجَرًا مُنْذُ أَنْ وَطِئَتْ قَدَمَاهُ أُورُوبَّا لِلْمَرَّةِ الْأُولَى قَبْلَ أَرْبَعِينَ عَامًا تَقْرِيبًا، شَابًّا لَا يَمْلِكُ فِي جَيْبِهِ إِلَّا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَالِ وَكَثِيرًا مِنَ الْعَزِيمَةِ.
وَفَجْأَةً، بَيْنَ يَدَيْهِ، وَرَقَةٌ وَاحِدَةٌ تُهَدِّدُ أَنْ تُعِيدَ تَرْتِيبَ كُلِّ ذَلِكَ مِنْ جَدِيدٍ.
٣
حَاوَلَ أَنْ يَمْضِيَ فِي يَوْمِهِ كَالْمُعْتَادِ. جَلَسَ فِي اجْتِمَاعِ مَجْلِسِ الْإِدَارَةِ، وَاسْتَمَعَ إِلَى مُدِيرِ الْمَالِيَّةِ وَهُوَ يَعْرِضُ أَرْقَامَ الرُّبْعِ الْأَوَّلِ مِنَ الْعَامِ بِجَدَاوِلَ مُلَوَّنَةٍ أَنِيقَةٍ، وَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ فِي اللَّحَظَاتِ الْمُنَاسِبَةِ، وَطَرَحَ سُؤَالًا أَوِ اثْنَيْنِ حِينَ شَعَرَ أَنَّ الصَّمْتَ طَالَ أَكْثَرَ مِنَ اللَّازِمِ. لَكِنَّ جُزْءًا مِنْهُ، جُزْءًا كَبِيرًا فِي الْحَقِيقَةِ، كَانَ فِي مَكَانٍ آخَرَ تَمَامًا؛ فِي مَتْجَرٍ صَغِيرٍ مُظْلِمٍ نِسْبِيًّا، رَائِحَةُ الْأَقْمِشَةِ الْجَدِيدَةِ تَمْلَأُ الْهَوَاءَ، وَصَوْتُ رَجُلٍ هَادِئٍ يَقُولُ لَهُ: «رَتِّبِ الْمَسَاطِرَ حَسَبَ اللَّوْنِ أَوَّلًا يَا عَدْنَانُ، ثُمَّ حَسَبَ النَّوْعِ.»
فِي مُنْتَصَفِ الِاجْتِمَاعِ، حِينَ كَانَ مُدِيرُ التَّسْوِيقِ يَتَحَدَّثُ عَنْ خُطَّةِ تَوَسُّعٍ فِي السُّوقِ الْإِيطَالِيَّةِ، وَجَدَ عَدْنَانُ نَفْسَهُ يَتَذَكَّرُ بِوُضُوحٍ مُفَاجِئٍ صَبَاحًا بَعِيدًا مِنْ صَيْفِ سِتَّةٍ وَسَبْعِينَ، حِينَ وَقَفَ أَمَامَ بَابِ الْمَتْجَرِ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى، خَائِفًا، يَمْسَحُ كَفَّيْهِ الْمُتَعَرِّقَتَيْنِ بِطَرَفِ قَمِيصِهِ قَبْلَ أَنْ يَطْرُقَ الْبَابَ. كَانَتِ الذِّكْرَى حَيَّةً إِلَى دَرَجَةِ أَنَّهُ كَادَ يَشْعُرُ بِرَائِحَةِ الْأَقْمِشَةِ الْقُطْنِيَّةِ وَالصُّوفِيَّةِ الْمَمْزُوجَةِ بِرَائِحَةِ الْغُبَارِ الْخَفِيفِ الَّذِي يَتَرَاكَمُ عَلَى الرُّفُوفِ الْعَالِيَةِ.
«سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ؟» جَاءَ صَوْتُ مُدِيرِ التَّسْوِيقِ يَسْأَلُ، مُنْتَظِرًا رَأْيَهُ فِي خُطَّةٍ لَمْ يَسْمَعْ نِصْفَهَا.
«عُذْرًا، اشْرَحْ لِي النُّقْطَةَ الْأَخِيرَةَ مَرَّةً أُخْرَى مِنْ فَضْلِكَ.» قَالَهَا بِابْتِسَامَةٍ مِهْنِيَّةٍ مُعْتَادَةٍ، لَكِنَّهُ لَاحَظَ نَظْرَةَ سَارَةَ مِنْ طَرَفِ الطَّاوِلَةِ، نَظْرَةً قَصِيرَةً مُتَسَائِلَةً، لَمْ تَعْتَدْ أَنْ تَرَى رَئِيسَهَا التَّنْفِيذِيَّ يَفْقِدُ تَرْكِيزَهُ فِي اجْتِمَاعٍ مُهِمٍّ كَهَذَا. أَعَادَ مُدِيرُ التَّسْوِيقِ شَرْحَ خُطَّتِهِ بِصَبْرٍ، وَحَاوَلَ عَدْنَانُ أَنْ يُرَكِّزَ هَذِهِ الْمَرَّةَ بِجِدِّيَّةٍ أَكْبَرَ، أَنْ يَسْتَحْضِرَ كُلَّ خِبْرَتِهِ الَّتِي تَرَاكَمَتْ عَلَى مَدَى أَرْبَعِينَ عَامًا لِيُصْدِرَ حُكْمًا سَلِيمًا عَلَى أَرْقَامٍ وَنِسَبٍ مِئَوِيَّةٍ وَتَوَقُّعَاتِ نُمُوٍّ، لَكِنَّهُ شَعَرَ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ جِدًّا، أَنَّ هَذِهِ الْأَرْقَامَ كُلَّهَا، مَهْمَا بَلَغَتْ أَهَمِّيَّتُهَا الْفِعْلِيَّةُ، بَدَتْ لَهُ فَجْأَةً صَغِيرَةً إِلَى حَدٍّ مَا، هَامِشِيَّةً تَقْرِيبًا، أَمَامَ السُّؤَالِ الْوَحِيدِ الَّذِي اسْتَحْوَذَ عَلَى كُلِّ تَفْكِيرِهِ: مَنْ كَتَبَ تِلْكَ الْوَصِيَّةَ، وَلِمَاذَا الْآنَ بِالذَّاتِ، بَعْدَ كُلِّ هَذَا الصَّمْتِ الطَّوِيلِ الَّذِي دَامَ قُرَابَةَ نِصْفِ قَرْنٍ كَامِلٍ؟
انْتَهَى الِاجْتِمَاعُ أَخِيرًا، وَانْتَهَى الْغَدَاءُ مَعَ وَفْدِ مِيونِخَ أَيْضًا، بِحَدِيثٍ مُجَامِلٍ عَنْ أَسْعَارِ الْفَائِدَةِ وَتَوَقُّعَاتِ السُّوقِ الْأُورُوبِّيَّةِ، وَعَدْنَانُ يَبْتَسِمُ فِي اللَّحَظَاتِ الصَّحِيحَةِ وَيُصَافِحُ بِحَرَارَةٍ مُعْتَادَةٍ، بَيْنَمَا عَقْلُهُ لَا يَكُفُّ عَنِ الْعَوْدَةِ إِلَى تِلْكَ الرِّسَالَةِ الْمَطْوِيَّةِ الْآنَ فِي جَيْبِ سُتْرَتِهِ الدَّاخِلِيِّ، قَرِيبَةً مِنْ قَلْبِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي لِوَرَقَةٍ أَنْ تَكُونَ.
بَعْدَ أَنِ انْصَرَفَ آخِرُ ضَيْفٍ، وَأَغْلَقَ بَابَ مَكْتَبِهِ أَخِيرًا، أَخْرَجَ عَدْنَانُ هَاتِفَهُ وَاتَّصَلَ بِابْنِهِ. لَمْ يَكُنْ قَرَارًا مَدْرُوسًا بِقَدْرِ مَا كَانَ رَدَّ فِعْلٍ غَرِيزِيًّا، كَأَنَّ يَدًا فِي دَاخِلِهِ امْتَدَّتْ نَحْوَ الْهَاتِفِ قَبْلَ أَنْ يَعْقِلَ رَأْسُهُ مَا يَفْعَلُهُ بِالضَّبْطِ.
«أَبِي! مَرْحَبًا، أَكُلُّ شَيْءٍ بِخَيْرٍ؟ عَادَةً لَا تَتَّصِلُ بِي فِي وَقْتِ الظَّهِيرَةِ.» جَاءَ صَوْتُ كَرِيمٍ، ابْنِهِ الْوَحِيدِ، الَّذِي كَانَ يَدْرُسُ الطِّبَّ فِي هَامْبُورْغَ، مُتَعَجِّبًا بَعْضَ الشَّيْءِ مِنِ اتِّصَالِ وَالِدِهِ فِي هَذَا الْوَقْتِ غَيْرِ الْمُعْتَادِ.
«كُلُّ شَيْءٍ بِخَيْرٍ يَا كَرِيمُ، لَا تَقْلَقْ.» تَوَقَّفَ عَدْنَانُ قَلِيلًا، يَبْحَثُ عَنِ الْكَلِمَاتِ الْمُنَاسِبَةِ. «أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ سُؤَالًا غَرِيبًا بَعْضَ الشَّيْءِ.»
«تَفَضَّلْ يَا أَبِي.»
«أَتَذْكُرُ أَنَّنِي حَدَّثْتُكَ يَوْمًا عَنِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ؟ الرَّجُلِ الَّذِي عَمِلْتُ عِنْدَهُ فِي دِمَشْقَ حِينَ كُنْتُ شَابًّا؟»
صَمْتٌ قَصِيرٌ عَلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ. «أَظُنُّ… أَظُنُّ أَنَّكَ ذَكَرْتَ الِاسْمَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، حِينَ سَأَلْتُكَ عَنْ بِدَايَاتِكَ. لِمَاذَا؟ أَتُفَكِّرُ فِي كِتَابَةِ سِيرَتِكَ الذَّاتِيَّةِ أَخِيرًا؟» ضَحِكَ ضَحْكَةً خَفِيفَةً، مُحَاوِلًا كَسْرَ جِدِّيَّةِ سُؤَالِ وَالِدِهِ غَيْرِ الْمُعْتَادِ.
«لَا شَيْءَ مُهِمٌّ يَا بُنَيَّ. مُجَرَّدُ ذِكْرَى قَدِيمَةٍ عَادَتْ إِلَى بَالِي فَجْأَةً، لَا أَعْرِفُ لِمَاذَا.» كَذَبَ عَدْنَانُ بِسُهُولَةٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ بَعْدُ كَيْفَ يَشْرَحُ لِابْنِهِ، الَّذِي وُلِدَ وَتَرَعْرَعَ فِي أَلْمَانْيَا وَلَا تَرْبُطُهُ بِدِمَشْقَ سِوَى بِضْعِ زِيَارَاتٍ صَيْفِيَّةٍ مُتَفَرِّقَةٍ فِي طُفُولَتِهِ، أَنَّ ثَمَّةَ رِسَالَةً عَلَى مَكْتَبِهِ الْآنَ قَدْ تَقْلِبُ حَيَاتَهُ كُلَّهَا رَأْسًا عَلَى عَقِبٍ.
«أَبِي، أَنْتَ تَبْدُو… غَرِيبًا بَعْضَ الشَّيْءِ الْيَوْمَ. صَوْتُكَ مُخْتَلِفٌ. أَمُتَأَكِّدٌ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِخَيْرٍ؟»
«مُتَأَكِّدٌ يَا بُنَيَّ. اذْهَبْ إِلَى مُحَاضَرَتِكَ، وَلَا تَتَأَخَّرْ. سَنَتَحَدَّثُ فِي نِهَايَةِ الْأُسْبُوعِ كَالْعَادَةِ، وَنَتَنَاوَلُ الْعَشَاءَ مَعًا إِنِ اسْتَطَعْتَ الْمَجِيءَ.»
أَنْهَى الْمُكَالَمَةَ، وَشَعَرَ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَجَلِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلِ الْحَقِيقَةَ لِابْنِهِ الْوَحِيدِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ بَعْدُ مَا هِيَ هَذِهِ الْحَقِيقَةُ بِالضَّبْطِ، فَكَيْفَ يُشَارِكُ أَحَدًا فِي شَيْءٍ لَمْ يَفْهَمْهُ هُوَ نَفْسُهُ بَعْدُ؟
٤
نَظَرَ إِلَى الرَّقْمِ الْمُرْفَقِ فِي أَسْفَلِ الرِّسَالَةِ. رَقْمٌ دِمَشْقِيٌّ، بَادِئَةُ الْبَلَدِ ٩٦٣+. تَرَدَّدَ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يُمْسِكَ سَمَّاعَةَ الْهَاتِفِ الْمَكْتَبِيِّ، ثُمَّ قَرَّرَ أَنْ يَسْتَخْدِمَ هَاتِفَهُ الْمَحْمُولَ الْخَاصَّ بَدَلًا مِنْهُ، لِسَبَبٍ لَمْ يَسْتَطِعْ تَفْسِيرَهُ لِنَفْسِهِ، وَكَأَنَّ غَرِيزَةً قَدِيمَةً، غَرِيزَةَ الشَّابِّ الَّذِي كَانَ يَحْسِبُ كُلَّ خُطْوَةٍ فِي سُوقِ الْحَرِيقَةِ، عَادَتْ فَجْأَةً لِتَهْمِسَ لَهُ: لَا تَتْرُكْ أَثَرًا وَاضِحًا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَتَبَّعَهُ.
رَنَّ الْهَاتِفُ عَلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَجَابَ صَوْتُ رَجُلٍ يَبْدُو فِي مُنْتَصَفِ الْعُمْرِ، هَادِئٍ، رَسْمِيٍّ.
«مَكْتَبُ الْمُحَامِي زِيَادَ سَلُّومٍ، مَسَاءَ الْخَيْرِ.» كَانَ الْوَقْتُ قَدْ أَصْبَحَ بَعْدَ الظُّهْرِ فِي فْرَانْكْفُورْتَ، أَيْ بَعْدَ الظُّهْرِ أَيْضًا فِي دِمَشْقَ، إِذْ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا سِوَى فَرْقِ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ.
«مَسَاءَ الْخَيْرِ. مَعَكَ عَدْنَانُ الرَّافِعِيُّ. تَلَقَّيْتُ رِسَالَتَكُمْ هَذَا الصَّبَاحَ.»
تَوَقَّفَ الصَّوْتُ عَلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ لَحْظَةً، كَأَنَّ صَاحِبَهُ فُوجِئَ بِسُرْعَةِ الِاتِّصَالِ. «السَّيِّدُ الرَّافِعِيُّ! أَهْلًا وَسَهْلًا بِكَ، تَشَرَّفْتُ بِمَعْرِفَتِكَ، وَإِنْ كَانَ عَبْرَ الْهَاتِفِ. شُكْرًا لِتَوَاصُلِكَ السَّرِيعِ، لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُ أَنْ تَتَّصِلَ فِي الْيَوْمِ نَفْسِهِ.»
«أُرِيدُ أَنْ أَفْهَمَ مَا الْأَمْرُ بِالضَّبْطِ. الرِّسَالَةُ مُقْتَضَبَةٌ جِدًّا، وَتَتَحَدَّثُ عَنْ وَصِيَّةٍ قَدِيمَةٍ، وَعَنْ أَطْرَافٍ أُخْرَى، وَلَا أَفْهَمُ شَيْئًا بِوُضُوحٍ.»
«أَتَفَهَّمُ تَمَامًا حَيْرَتَكَ يَا سَيِّدِي، وَالْأَمْرُ فِعْلًا مُعَقَّدٌ بَعْضَ الشَّيْءِ، وَيَحْتَاجُ إِلَى وَقْتٍ لِشَرْحِهِ بِالتَّفْصِيلِ، وَأُفَضِّلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي لِقَاءٍ مُبَاشِرٍ إِنْ أَمْكَنَ، أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ عَبْرَ مُكَالَمَةِ فِيدْيُو مُطَوَّلَةٍ، لِأَنَّ هُنَاكَ مُسْتَنَدَاتٍ يَجِبُ أَنْ تَرَاهَا بِعَيْنَيْكَ، وَلَا يَكْفِي أَنْ أَصِفَهَا لَكَ بِالْكَلَامِ.»
«حَسَنًا، لَكِنْ عَلَى الْأَقَلِّ، هَلْ يُمْكِنُكَ أَنْ تُخْبِرَنِي بِشَكْلٍ عَامٍّ: مَا هِيَ هَذِهِ «الْأَمَانَةُ» الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْهَا الْوَصِيَّةُ؟»
صَمْتٌ طَوِيلٌ هَذِهِ الْمَرَّةَ، أَطْوَلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ طَبِيعِيًّا فِي مُحَادَثَةٍ هَاتِفِيَّةٍ عَادِيَّةٍ.
«سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، بِصَرَاحَةٍ تَامَّةٍ مَعَكَ، لَا أَعْرِفُ أَنَا نَفْسِي مَاهِيَّةَ هَذِهِ الْأَمَانَةِ عَلَى وَجْهِ الدِّقَّةِ. الْوَصِيَّةُ مُوَثَّقَةٌ، لَكِنَّهَا لَا تُفْصِحُ عَنْ مُحْتَوَى الْأَمَانَةِ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ، بَلْ تُشِيرُ إِلَى «صُنْدُوقٍ مُودَعٍ» فِي مَكَانٍ مُحَدَّدٍ، سَيُكْشَفُ لَكَ حِينَ تَحِينُ شُرُوطٌ مُعَيَّنَةٌ، وَأَنَا كَوَكِيلٍ قَانُونِيٍّ، مُكَلَّفٌ فَقَطْ بِإِيصَالِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ إِلَيْكَ وَالتَّأَكُّدِ مِنْ هُوِيَّتِكَ، وَالْبَاقِي يَخْرُجُ عَنْ نِطَاقِ مَعْرِفَتِي الْحَالِيَّةِ.»
«وَكَيْفَ عَرَفْتُمْ بِوُجُودِ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ أَصْلًا بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ؟»
«كَمَا ذَكَرْتُ فِي الرِّسَالَةِ، ضِمْنَ مُرَاجَعَةٍ رُوتِينِيَّةٍ لِأَرْشِيفِ الْمَحْكَمَةِ الشَّرْعِيَّةِ، ضِمْنَ مِلَفٍّ عَقَارِيٍّ مُتَوَقِّفٍ كَانَ يَخُصُّ آلَ النَّابُلُسِيِّ، عَثَرَ مُسَاعِدِي عَلَى هَذِهِ الْوَثِيقَةِ مُصَنَّفَةً بِشَكْلٍ خَاطِئٍ ضِمْنَ مِلَفَّاتٍ أُخْرَى، رُبَّمَا بِسَبَبِ فَوْضَى الْأَرْشَفَةِ الَّتِي عَانَتْ مِنْهَا الْمَحَاكِمُ خِلَالَ سَنَوَاتِ الْحَرْبِ. الْأَمْرُ أَشْبَهُ بِالْمُصَادَفَةِ الْكَامِلَةِ، لَوْلَا أَنَّ اسْمَكَ وَرَدَ فِيهَا بِوُضُوحٍ تَامٍّ، وَلَوْلَا أَنَّنِي تَعَرَّفْتُ عَلَى اسْمِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ الِاقْتِصَادِيَّةِ الْأَلْمَانِيَّةِ، إِذْ إِنَّ اسْمَكَ لَيْسَ مَجْهُولًا تَمَامًا فِي الْأَوْسَاطِ التِّجَارِيَّةِ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ.»
شَعَرَ عَدْنَانُ بِشَيْءٍ مِنَ التَّوَتُّرِ يَتَسَلَّلُ إِلَى صَوْتِهِ رَغْمًا عَنْهُ. «مِنْ أَيْنَ حَصَلْتُمْ عَلَى مَعْلُومَاتِ الِاتِّصَالِ بِي بِالضَّبْطِ؟ لَمْ أَعِشْ فِي دِمَشْقَ مُنْذُ أَرْبَعِينَ عَامًا تَقْرِيبًا.»
«الْوَثِيقَةُ نَفْسُهَا، سَيِّدِي، تَتَضَمَّنُ مَعْلُومَاتٍ تَفْصِيلِيَّةً عَنْكَ، تَعُودُ عَلَى مَا يَبْدُو إِلَى مَعْرِفَةٍ شَخْصِيَّةٍ دَقِيقَةٍ بِكَ مِنْ قِبَلِ الْمُوصِي، الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ النَّابُلُسِيِّ، بِمَا فِي ذَلِكَ اسْمُكَ الْكَامِلُ، وَتَارِيخُ مِيلَادِكَ، وَقَرْيَةُ أَهْلِكَ، بَلْ حَتَّى اسْمُ وَالِدَتِكَ مَذْكُورٌ فِي هَامِشِ الْوَثِيقَةِ. أَمَّا تَفَاصِيلُ عُنْوَانِكَ الْحَالِيِّ فِي فْرَانْكْفُورْتَ، فَقَدْ تَوَصَّلْنَا إِلَيْهَا عَبْرَ تَحَرٍّ قَانُونِيٍّ بَسِيطٍ، بِمَا أَنَّ اسْمَكَ مَعْرُوفٌ نِسْبِيًّا فِي الْأَوْسَاطِ التِّجَارِيَّةِ الْأُورُوبِّيَّةِ، وَلَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ صَعْبًا.»
كَانَ هَذَا التَّفْسِيرُ مَنْطِقِيًّا، لَكِنَّ شَيْئًا فِي دَاخِلِ عَدْنَانَ لَمْ يَقْتَنِعْ تَمَامًا. رَجُلٌ مَيِّتٌ مُنْذُ أَرْبَعِينَ عَامًا، أَوْ مُخْتَفٍ، كَمَا كَانَ يَعْتَقِدُ حَتَّى قَبْلَ سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ، يَتْرُكُ وَصِيَّةً تَحْمِلُ تَفَاصِيلَ دَقِيقَةً عَنْ حَيَاتِهِ، حَتَّى اسْمَ وَالِدَتِهِ، وَكَأَنَّهُ كَانَ يُرَاقِبُهُ مِنْ بَعِيدٍ طَوَالَ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، أَوْ كَأَنَّهُ كَتَبَ تِلْكَ الْوَصِيَّةَ وَهُوَ يَعْرِفُ أُمُورًا عَنْ مُسْتَقْبَلِ عَدْنَانَ لَمْ يَكُنْ عَدْنَانُ نَفْسُهُ يَعْرِفُهَا بَعْدُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، فِي صَيْفِ عَامِ سِتَّةٍ وَسَبْعِينَ.
«سَيِّدَ سَلُّومٍ، أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ سُؤَالًا مُبَاشِرًا: مَنْ هِيَ هَذِهِ «الْأَطْرَافُ الْأُخْرَى ذَاتُ الْمَصْلَحَةِ الْمُحْتَمَلَةِ» الَّتِي ذَكَرْتَهَا فِي رِسَالَتِكَ؟»
نَبْرَةُ الصَّوْتِ عَلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ تَغَيَّرَتْ قَلِيلًا، أَصْبَحَتْ أَكْثَرَ حَذَرًا، أَبْطَأَ فِي اخْتِيَارِ كَلِمَاتِهَا. «سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، أُفَضِّلُ أَلَّا أَخُوضَ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ عَبْرَ الْهَاتِفِ. أَرْجُوكَ أَنْ تَفْهَمَ حَسَاسِيَّةَ الْأَمْرِ. كُلُّ مَا يُمْكِنُنِي قَوْلُهُ الْآنَ هُوَ أَنَّهُ مِنَ الْحِكْمَةِ أَنْ تَتَحَرَّكَ بِسُرْعَةٍ مَعْقُولَةٍ، وَبِسِرِّيَّةٍ تَامَّةٍ، وَأَلَّا تُشَارِكَ أَحَدًا بِتَفَاصِيلِ هَذِهِ الْمُكَالَمَةِ إِلَى أَنْ نَلْتَقِيَ وَأَشْرَحَ لَكَ كُلَّ شَيْءٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ.»
«وَمَاذَا عَنْ أَتْعَابِكُمْ؟ مَنْ سَيَدْفَعُ تَكَالِيفَ هَذِهِ الْإِجْرَاءَاتِ؟»
«الْوَصِيَّةُ نَفْسُهَا تَنُصُّ عَلَى تَخْصِيصِ جُزْءٍ بَسِيطٍ مِنَ الْأَمَانَةِ لِتَغْطِيَةِ أَتْعَابِ أَيِّ وَكِيلٍ قَانُونِيٍّ يَتَوَلَّى تَنْفِيذَهَا، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، فَلَا دَاعِيَ لِلْقَلَقِ بِهَذَا الْخُصُوصِ إِطْلَاقًا. أَنَا هُنَا لِأُنَفِّذَ وَصِيَّةَ رَجُلٍ مَيِّتٍ أَوْصَى بِشَيْءٍ وَاضِحٍ وَمُحَدَّدٍ، وَلَسْتُ هُنَا لِأَرْبَحَ مِنْ مَوْقِفِكَ أَوْ مِنْ حَيْرَتِكَ.»
«حَسَنًا. سُؤَالٌ أَخِيرٌ: هَلْ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ مُزَوَّرَةً؟ أَعْنِي، هَلْ تَحَقَّقْتُمْ مِنْ أَصَالَتِهَا بِشَكْلٍ قَاطِعٍ؟»
«سُؤَالٌ مَنْطِقِيٌّ تَمَامًا، وَقَدْ طَرَحْتُهُ عَلَى نَفْسِي أَوَّلًا قَبْلَ أَنْ أَتَوَاصَلَ مَعَكَ. تَحَقَّقْنَا مِنْ تَوْقِيعِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ النَّابُلُسِيِّ بِمُقَارَنَتِهِ مَعَ تَوْقِيعِهِ عَلَى عُقُودٍ عَقَارِيَّةٍ أُخْرَى مُسَجَّلَةٍ فِي السِّجِلِّ الْعَقَارِيِّ تَعُودُ لِأَوَاخِرِ السِّتِّينِيَّاتِ، وَالتَّطَابُقُ شِبْهُ كَامِلٍ. كَمَا أَنَّ كَاتِبَ الْعَدْلِ الَّذِي وَثَّقَ الْوَصِيَّةَ، وَهُوَ شَخْصٌ مُتَوَفًّى الْآنَ هُوَ الْآخَرُ، مَعْرُوفٌ بِسِجِلِّهِ النَّظِيفِ طَوَالَ أَرْبَعِينَ عَامًا مِنَ الْخِدْمَةِ. لَا أَمْلِكُ يَقِينًا مُطْلَقًا بِطَبِيعَةِ الْحَالِ، لَكِنَّ كُلَّ الْمُؤَشِّرَاتِ الْمُتَاحَةَ لِي تَقُولُ إِنَّ الْوَثِيقَةَ أَصْلِيَّةٌ.»
«أَتَلَقَّيْتَ اتِّصَالَاتٍ أُخْرَى بِخُصُوصِ هَذَا الْمِلَفِّ؟ مِنْ أَشْخَاصٍ آخَرِينَ؟»
صَمْتٌ آخَرُ، أَطْوَلُ مِنْ سَابِقِهِ، وَسَمِعَ عَدْنَانُ فِي الْخَلْفِيَّةِ صَوْتَ بَابٍ يُغْلَقُ، كَأَنَّ الْمُحَامِيَ قَدْ نَهَضَ لِيَتَأَكَّدَ أَنَّ أَحَدًا لَا يَسْمَعُ حَدِيثَهُ.
«سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، سَأَكُونُ صَرِيحًا مَعَكَ بِقَدْرِ مَا يَسْمَحُ لِي عَمَلِي: نَعَمْ. تَلَقَّيْنَا اسْتِفْسَارَاتٍ مِنْ طَرَفٍ آخَرَ مُنْذُ فَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ، طَرَفٍ يَحْمِلُ صِلَةَ قَرَابَةٍ بِالْمَرْحُومِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ، وَيَبْدُو مُهْتَمًّا جِدًّا بِمَعْرِفَةِ مَصِيرِ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ، بَلْ وَمُتَحَمِّسًا، إِنْ جَازَ التَّعْبِيرُ، لِإِغْلَاقِ هَذَا الْمِلَفِّ بِسُرْعَةٍ، بِطَرِيقَةٍ أَوْ بِأُخْرَى.»
«وَمَاذَا يَعْنِي «بِطَرِيقَةٍ أَوْ بِأُخْرَى»؟»
«يَعْنِي، سَيِّدِي، أَنَّنِي أَنْصَحُكَ بِشِدَّةٍ أَنْ تَأْخُذَ الْأَمْرَ عَلَى مَحْمَلِ الْجِدِّ، وَأَنْ تَتَوَخَّى الْحَذَرَ الْبَالِغَ، وَأَنْ تُفَكِّرَ جَيِّدًا قَبْلَ أَنْ تَتَّخِذَ أَيَّةَ خُطْوَةٍ عَلَنِيَّةٍ بِخُصُوصِ هَذَا الْمَوْضُوعِ.»
كَانَتْ هَذِهِ آخِرَ جُمْلَةٍ مُهِمَّةٍ قَالَهَا الْمُحَامِي زِيَادُ سَلُّومٌ قَبْلَ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى لِقَاءٍ عَبْرَ الْفِيدْيُو بَعْدَ يَوْمَيْنِ، حِينَ يَكُونُ قَدْ جَهَّزَ «بَعْضَ الْمُسْتَنَدَاتِ الْإِضَافِيَّةِ» لِعَرْضِهَا، وَقَبْلَ أَنْ يُنْهِيَا الْمُكَالَمَةَ بِتَبَادُلِ عِبَارَاتِ مُجَامَلَةٍ رُوتِينِيَّةٍ لَمْ تُخْفِ التَّوَتُّرَ الَّذِي بَقِيَ عَالِقًا فِي الْهَوَاءِ بَيْنَهُمَا. وَضَعَ عَدْنَانُ الْهَاتِفَ عَلَى الْمَكْتَبِ، وَنَظَرَ إِلَى النَّهْرِ مِنْ جَدِيدٍ، لَكِنَّهُ هَذِهِ الْمَرَّةَ لَمْ يَعُدْ يَرَاهُ بِالْهُدُوءِ نَفْسِهِ الَّذِي رَآهُ بِهِ قَبْلَ سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ.
٥
مَرَّ بَاقِي يَوْمِ الْعَمَلِ وَهُوَ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ ثِقْلَ تِلْكَ الْمُكَالَمَةِ، يَحْضُرُ مُكَالَمَةَ الْمُسْتَثْمِرِينَ الْإِيطَالِيِّينَ بِجَسَدِهِ فَقَطْ بَيْنَمَا عَقْلُهُ يَهِيمُ فِي أَزِقَّةِ سُوقِ الْحَرِيقَةِ قَبْلَ أَرْبَعِينَ عَامًا، يَبْتَسِمُ لِلْمُتَّصِلِينَ وَيُجِيبُ بِثِقَةٍ مُعْتَادَةٍ عَنْ أَسْئِلَتِهِمْ بَيْنَمَا يُفَكِّرُ فِي وَجْهِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ الْهَادِئِ وَهُوَ يَعُدُّ النُّقُودَ خَلْفَ طَاوِلَتِهِ الْخَشَبِيَّةِ الْقَدِيمَةِ.
فِي الْمَسَاءِ، عَادَ إِلَى شَقَّتِهِ الْمُطِلَّةِ عَلَى النَّهْرِ، شَقَّةٍ وَاسِعَةٍ أَنِيقَةٍ، لَكِنَّهَا كَانَتْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ تُشْعِرُهُ بِفَرَاغٍ غَرِيبٍ لَمْ يَعْتَدِ الشُّعُورَ بِهِ مِنْ قَبْلُ. أَعَدَّ لِنَفْسِهِ كُوبًا مِنَ الشَّايِ بَدَلًا مِنَ الْقَهْوَةِ الَّتِي اعْتَادَ شُرْبَهَا مَسَاءً مُنْذُ سَنَوَاتٍ، وَجَلَسَ فِي صَالَتِهِ، وَأَخْرَجَ هَاتِفَهُ، وَبَدَأَ يَبْحَثُ فِي مُحَرِّكِ الْبَحْثِ عَنِ اسْمِ «الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ النَّابُلُسِيِّ»، «سُوقِ الْحَرِيقَةِ»، «دِمَشْقَ سَبْعَةٍ وَسَبْعِينَ». لَمْ يَجِدْ شَيْئًا ذَا قِيمَةٍ، كَمَا كَانَ مُتَوَقَّعًا؛ رَجُلٌ عَاشَ وَعَمِلَ قَبْلَ عَصْرِ الْإِنْتَرْنِتِ، فِي مَدِينَةٍ مَرَّتْ بِعُقُودٍ مِنَ الْحُرُوبِ وَالِاضْطِرَابَاتِ الَّتِي مَحَتْ أَرْشِيفَاتٍ كَامِلَةً وَلَمْ تُبْقِ مِنَ الْمَاضِي إِلَّا مَا تَنَاقَلَتْهُ الذَّاكِرَةُ الشَّفَوِيَّةُ بَيْنَ مَنْ بَقِيَ حَيًّا.
فَكَّرَ لِلَحْظَةٍ فِي الِاتِّصَالِ بِصَدِيقِهِ الْقَدِيمِ رَامِي، الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ مَعَهُ فِي سُوقِ دِمَشْقَ الْقَدِيمَةِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ هُوَ الْآخَرُ إِلَى فَرَنْسَا فِي التِّسْعِينِيَّاتِ، لَكِنَّهُ تَرَاجَعَ؛ لَمْ يَشَأْ أَنْ يُقْلِقَهُ بِشَيْءٍ لَمْ يَفْهَمْهُ هُوَ نَفْسُهُ بَعْدُ، وَلَمْ يَشَأْ أَيْضًا أَنْ يُخَالِفَ نَصِيحَةَ الْمُحَامِي بِأَلَّا يُشَارِكَ أَحَدًا بِالتَّفَاصِيلِ قَبْلَ أَنْ يَفْهَمَ الصُّورَةَ كَامِلَةً.
كَانَ قَدْ بَدَأَ يُفَكِّرُ فِي النَّوْمِ، حِينَ رَنَّ هَاتِفُهُ الْمَحْمُولُ فَجْأَةً بِرَقْمٍ غَيْرِ مَعْرُوفٍ، لَا بَادِئَةَ دَوْلَةٍ وَاضِحَةً، مُجَرَّدَ سِلْسِلَةِ أَرْقَامٍ غَرِيبَةٍ عَلَى الشَّاشَةِ، تَبْدُو وَكَأَنَّهَا لَا تَنْتَمِي إِلَى أَيَّةِ شَبَكَةِ اتِّصَالَاتٍ مَأْلُوفَةٍ لَهُ.
تَرَدَّدَ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ. «أَلُو؟»
صَمْتٌ فِي الْبِدَايَةِ. ثُمَّ صَوْتُ رَجُلٍ، مُنْخَفِضٍ، هَادِئٍ بِشَكْلٍ مَقْصُودٍ، وَكَأَنَّ صَاحِبَهُ يَتَحَدَّثُ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ لِيَضْمَنَ أَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ تَصِلُ بِوُضُوحٍ تَامٍّ إِلَى أُذُنِ مُسْتَمِعِهِ.
«مَسَاءَ الْخَيْرِ يَا سَيِّدَ عَدْنَانَ الرَّافِعِيِّ.»
شَعَرَ عَدْنَانُ بِقُشَعْرِيرَةٍ خَفِيفَةٍ تَسْرِي فِي ظَهْرِهِ. «مَنِ الْمُتَّصِلُ؟»
«لَا يُهِمُّ مَنْ أَنَا الْآنَ. الْمُهِمُّ أَنَّكَ تَلَقَّيْتَ رِسَالَةً هَذَا الصَّبَاحَ، مِنْ مَكْتَبِ مُحَامَاةٍ فِي دِمَشْقَ، وَأَنَّكَ اتَّصَلْتَ بِذَلِكَ الْمَكْتَبِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَتَحَدَّثْتَ لِمُدَّةِ إِحْدَى عَشْرَةَ دَقِيقَةً تَقْرِيبًا.»
جَلَسَ عَدْنَانُ مُسْتَقِيمًا عَلَى الْفَوْرِ، قَلْبُهُ بَدَأَ يَخْفِقُ بِسُرْعَةٍ أَكْبَرَ. كَيْفَ عَرَفَ هَذَا الرَّجُلُ مُدَّةَ الْمُكَالَمَةِ بِالضَّبْطِ؟ «مَنْ أَنْتَ؟ وَكَيْفَ عَرَفْتَ بِهَذِهِ التَّفَاصِيلِ؟»
«أَنَا شَخْصٌ يَعْرِفُ أَكْثَرَ مِمَّا تَتَخَيَّلُ يَا سَيِّدَ عَدْنَانَ. وَأَنَا أَتَّصِلُ بِكَ الْآنَ كَصَدِيقٍ، رَغْمَ أَنَّكَ لَا تَعْرِفُنِي، لِأَنْصَحَكَ نَصِيحَةً صَادِقَةً، قَبْلَ أَنْ تَتَوَرَّطَ فِي شَيْءٍ أَنْتَ فِي غِنًى عَنْهُ تَمَامًا، فِي هَذَا الْعُمْرِ، وَبَعْدَ كُلِّ مَا بَنَيْتَهُ لِنَفْسِكَ.»
«أَيَّةُ نَصِيحَةٍ؟»
«انْسَ الْأَمْرَ. أَحْرِقِ الرِّسَالَةَ، امْحُ رَقْمَ ذَلِكَ الْمُحَامِي مِنْ هَاتِفِكَ، وَعُدْ إِلَى حَيَاتِكَ الْجَمِيلَةِ هُنَا فِي أُورُوبَّا. لَدَيْكَ كُلُّ شَيْءٍ يَا سَيِّدَ عَدْنَانَ: شَرِكَةٌ نَاجِحَةٌ، اسْمٌ مُحْتَرَمٌ، ابْنٌ يَدْرُسُ الطِّبَّ فِي هَامْبُورْغَ. لِمَ تُرِيدُ أَنْ تَفْتَحَ بَابًا أُغْلِقَ مُنْذُ أَرْبَعِينَ عَامًا؟ بَابًا أُغْلِقَ لِسَبَبٍ وَجِيهٍ؟»
«أَنْتَ تَعْرِفُ اسْمِي، وَتَعْرِفُ عَنِ ابْنِي وَعَنْ دِرَاسَتِهِ، وَتَعْرِفُ حَتَّى عَنْ شَرِكَتِي. مَنْ أَنْتَ بِالضَّبْطِ؟ وَمَاذَا تُرِيدُ؟»
ضَحِكَ الصَّوْتُ ضَحْكَةً قَصِيرَةً، جَافَّةً، خَالِيَةً مِنْ أَيِّ مَرَحٍ حَقِيقِيٍّ. «أَنَا لَا أُرِيدُ شَيْئًا مِنْكَ يَا سَيِّدِي. أَنَا فَقَطْ أُحَذِّرُكَ، لِأَنَّ هَذَا أَفْضَلُ لَكَ بِكَثِيرٍ مِنْ أَيِّ بَدِيلٍ آخَرَ. هُنَاكَ أَشْيَاءُ دُفِنَتْ لِسَبَبٍ، وَبَعْضُ الْأَشْيَاءِ يَجِبُ أَنْ تَبْقَى مَدْفُونَةً، لِخَيْرِكَ أَنْتَ أَوَّلًا، وَلِخَيْرِ أَشْخَاصٍ آخَرِينَ لَا تَعْرِفُهُمْ بَعْدُ، وَلَا أَظُنُّ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَعْرِفَهُمْ.»
«وَإِذَا لَمْ أَسْتَمِعْ لِنَصِيحَتِكَ؟ إِذَا قَرَّرْتُ أَنْ أَذْهَبَ إِلَى دِمَشْقَ وَأَنْ أَعْرِفَ الْحَقِيقَةَ كَامِلَةً؟»
تَوَقَّفَ الصَّوْتُ لَحْظَةً طَوِيلَةً، قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ بُرُودَةً مِنْ ذِي قَبْلُ، نَبْرَةٍ فَقَدَتْ فَجْأَةً كُلَّ لَبَاقَتِهَا السَّابِقَةِ.
«عِنْدَهَا، يَا سَيِّدَ عَدْنَانَ، سَنَكْتَشِفُ مَعًا أَنَّ سُوقَ الْحَرِيقَةِ مَا زَالَ يَسْتَحِقُّ اسْمَهُ حَتَّى الْيَوْمِ. النَّارُ لَا تَنْطَفِئُ دَائِمًا حِينَ نَظُنُّ أَنَّهَا انْطَفَأَتْ. أَحْيَانًا تَبْقَى جَمْرَةٌ صَغِيرَةٌ تَحْتَ الرَّمَادِ، تَنْتَظِرُ فَقَطْ مَنْ يَنْفُخُ فِيهَا قَلِيلًا لِتَسْتَعِيدَ كَامِلَ أُوَارِهَا الْقَدِيمِ.»
«أَهَذَا تَهْدِيدٌ؟»
«هَذِهِ، يَا سَيِّدِي، نَصِيحَةٌ أَخِيرَةٌ مِنْ شَخْصٍ يَتَمَنَّى لَكَ السَّلَامَةَ.» ثُمَّ أَضَافَ بِصَوْتٍ أَخْفَضَ، شِبْهِ هَامِسٍ، كَأَنَّهُ يَقْتَرِبُ بِفَمِهِ أَكْثَرَ مِنْ سَمَّاعَةِ هَاتِفِهِ: «سَلَامُكَ، وَسَلَامُ كُلِّ مَنْ تُحِبُّ.»
انْقَطَعَ الِاتِّصَالُ.
٦
بَقِيَ عَدْنَانُ جَالِسًا فِي مَكَانِهِ، الْهَاتِفُ فِي يَدِهِ، قَلْبُهُ يَخْفِقُ بِعُنْفٍ، وَالصَّمْتُ فِي الشَّقَّةِ يَبْدُو فَجْأَةً أَثْقَلَ بِكَثِيرٍ مِمَّا كَانَ قَبْلَ دَقَائِقَ قَلِيلَةٍ. نَظَرَ إِلَى شَاشَةِ الْهَاتِفِ: «مُكَالَمَةٌ مُنْتَهِيَةٌ – ٠٠:٠٢:٤٧». حَاوَلَ أَنْ يُعِيدَ الِاتِّصَالَ بِالرَّقْمِ نَفْسِهِ، لَكِنَّ رِسَالَةً آلِيَّةً أَجَابَتْهُ فَوْرًا بِالْأَلْمَانِيَّةِ: «الرَّقْمُ الَّذِي طَلَبْتَهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ».
نَهَضَ مِنْ مَكَانِهِ بِبُطْءٍ، وَسَارَ نَحْوَ النَّافِذَةِ، وَنَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ الْهَادِئَةِ أَمَامَهُ، بِأَضْوَائِهَا الصَّفْرَاءِ الدَّافِئَةِ وَحَرَكَتِهَا الْبَطِيئَةِ اللَّيْلِيَّةِ، وَحَاوَلَ أَنْ يُقْنِعَ نَفْسَهُ أَنَّ مَا حَدَثَ لِلتَّوِّ لَيْسَ أَكْثَرَ مِنْ مَزْحَةٍ سَخِيفَةٍ، أَوْ رَقْمًا وَصَلَهُ بِالْخَطَأِ، أَوْ مُحَاوَلَةَ ابْتِزَازٍ رُوتِينِيَّةً مِنْ شَخْصٍ يَعْرِفُ أَنَّ رَجُلَ أَعْمَالٍ ثَرِيًّا تَلَقَّى رِسَالَةً مِنْ دِمَشْقَ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَغِلَّ الْمَوْقِفَ بِطَرِيقَةٍ مَا. لَكِنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ، فِي أَعْمَاقِهِ، أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ لَا يُقْنِعُهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ الصَّوْتَ كَانَ يَعْرِفُ تَفَاصِيلَ دَقِيقَةً جِدًّا، دَقِيقَةً إِلَى دَرَجَةِ أَنَّ لَا أَحَدَ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَعْرِفَهَا لَوْلَا أَنَّهُ كَانَ يُرَاقِبُهُ فِعْلًا، أَوْ أَنَّ أَحَدًا قَرِيبًا مِنْهُ كَانَ يُبَلِّغُهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ.
أَكَانَتْ سَارَةُ تَتَجَسَّسُ عَلَيْهِ؟ فِكْرَةٌ سَخِيفَةٌ رَفَضَهَا فَوْرًا؛ كَانَتْ تَعْمَلُ مَعَهُ مُنْذُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَلَمْ يَشُكَّ فِيهَا يَوْمًا، بَلْ كَانَتْ مِنْ أَكْثَرِ مَنْ يَثِقُ بِهِمْ فِي حَيَاتِهِ كُلِّهَا. تَذَكَّرَ كَيْفَ نَظَرَتْ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ الْمَكْتَبَ مَسَاءً، بَعْدَ أَنْ لَاحَظَتْ شُرُودَهُ الْمُتَكَرِّرَ طَوَالَ الْيَوْمِ، وَسَأَلَتْهُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ حَرِيصٍ: «سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، أَكُلُّ شَيْءٍ عَلَى مَا يُرَامُ؟ أَنْتَ لَسْتَ عَلَى طَبِيعَتِكَ الْيَوْمَ إِطْلَاقًا.» فَأَجَابَهَا بِابْتِسَامَةٍ مُصْطَنَعَةٍ إِنَّهُ فَقَطْ مُتْعَبٌ قَلِيلًا، وَإِنَّهُ سَيَرْتَاحُ فِي عُطْلَةِ نِهَايَةِ الْأُسْبُوعِ. لَمْ تَقْتَنِعْ تَمَامًا، كَمَا بَدَا مِنْ نَظْرَتِهَا الْأَخِيرَةِ قَبْلَ أَنْ تُغْلِقَ الْبَابَ خَلْفَهَا، لَكِنَّهَا لَمْ تُلِحَّ، لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْرِفُ حُدُودَ عَمَلِهَا جَيِّدًا.
أَكَانَ هَاتِفُهُ مُخْتَرَقًا؟ فِكْرَةٌ أَكْثَرُ مَنْطِقِيَّةً، خَاصَّةً أَنَّ شَرِكَتَهُ تَتَعَامَلُ مَعَ صَفَقَاتٍ كَبِيرَةٍ تَجْذِبُ أَحْيَانًا اهْتِمَامًا غَيْرَ مَرْغُوبٍ فِيهِ، وَقَدْ سَمِعَ مِنْ قَبْلُ عَنْ قِصَصٍ مُشَابِهَةٍ حَدَثَتْ لِزُمَلَاءَ لَهُ فِي عَالَمِ الْأَعْمَالِ. لَكِنْ حَتَّى لَوْ كَانَ هَاتِفُهُ مُخْتَرَقًا، فَإِنَّ هَذَا لَا يُفَسِّرُ كَيْفَ عَرَفَ ذَلِكَ الصَّوْتُ الْمَجْهُولُ بِوُجُودِ الرِّسَالَةِ أَصْلًا فِي الْيَوْمِ نَفْسِهِ الَّذِي وَصَلَتْ فِيهِ، عَبْرَ الْبَرِيدِ الْمُسَجَّلِ، مِنْ دِمَشْقَ إِلَى فْرَانْكْفُورْتَ، وَلَا كَيْفَ عَرَفَ تَفَاصِيلَ مُكَالَمَتِهِ مَعَ الْمُحَامِي بِدِقَّةٍ مُتَنَاهِيَةٍ وَصَلَتْ إِلَى حَدِّ مَعْرِفَةِ مُدَّتِهَا بِالثَّانِيَةِ.
فَكَّرَ أَيْضًا فِي احْتِمَالٍ آخَرَ، أَكْثَرَ إِزْعَاجًا: رُبَّمَا كَانَ الْمُحَامِي زِيَادُ سَلُّومٌ نَفْسُهُ، أَوْ أَحَدٌ فِي مَكْتَبِهِ، هُوَ مَنْ سَرَّبَ الْمَعْلُومَاتِ إِلَى ذَلِكَ «الطَّرَفِ الْآخَرِ» الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ. فِكْرَةٌ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَسْتَبْعِدَهَا كُلِّيًّا، رَغْمَ أَنَّ صَوْتَ الْمُحَامِي بَدَا صَادِقًا وَقَلِقًا بِمَا يَكْفِي لِيُقْنِعَهُ، عَلَى الْأَقَلِّ مَبْدَئِيًّا، بِأَنَّهُ لَيْسَ جُزْءًا مِنَ الْمُؤَامَرَةِ، إِنْ كَانَتْ هُنَاكَ مُؤَامَرَةٌ فِعْلًا.
نَهَضَ مِنْ مَكَانِهِ، وَسَارَ نَحْوَ غُرْفَةِ مَكْتَبِهِ الصَّغِيرَةِ فِي الشَّقَّةِ، حَيْثُ يَحْتَفِظُ بِبَعْضِ أَوْرَاقِهِ الشَّخْصِيَّةِ الْقَدِيمَةِ. فَتَحَ دُرْجًا سُفْلِيًّا فِي الْخِزَانَةِ، أَزَاحَ عَنْهُ بَعْضَ الْمِلَفَّاتِ الْحَدِيثَةِ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى عُلْبَةٍ كَرْتُونِيَّةٍ صَغِيرَةٍ، بَالِيَةِ الْأَطْرَافِ، لَمْ يَفْتَحْهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ.
فَتَحَهَا بِحَذَرٍ، وَكَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يُوقِظَ شَيْئًا نَائِمًا بِدَاخِلِهَا مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ.
كَانَتِ الْعُلْبَةُ تَحْتَوِي عَلَى صُوَرٍ فُوتُوغْرَافِيَّةٍ قَدِيمَةٍ بِالْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ، بَعْضُهَا مُصْفَرٌّ مِنَ الزَّمَنِ، وَبَعْضِ الْأَوْرَاقِ الْمُتَنَاثِرَةِ: شَهَادَةٌ دِرَاسِيَّةٌ قَدِيمَةٌ، بِطَاقَةُ هُوِيَّةٍ سُورِيَّةٍ بَالِيَةٍ، رِسَالَةٌ وَاحِدَةٌ بِخَطِّ وَالِدَتِهِ الَّتِي لَمْ تَتَعَلَّمِ الْكِتَابَةَ جَيِّدًا فَأَمْلَتْهَا عَلَى جَارَتِهَا. أَخْرَجَ صُورَةً وَاحِدَةً، بِعِنَايَةٍ شَدِيدَةٍ، وَنَظَرَ إِلَيْهَا طَوِيلًا.
كَانَتْ صُورَةً لِشَابٍّ نَحِيلٍ، فِي الْحَادِيَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهِ، يَقِفُ أَمَامَ وَاجِهَةِ مَتْجَرِ أَقْمِشَةٍ، يَبْتَسِمُ بِخَجَلٍ لِلْكَامِيرَا، وَإِلَى جَانِبِهِ رَجُلٌ مُسِنٌّ نِسْبِيًّا، جَادُّ الْمَلَامِحِ، لَا تَعْلُو وَجْهَهُ ابْتِسَامَةٌ وَاضِحَةٌ، لَكِنْ فِي عَيْنَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الدِّفْءِ الْهَادِئِ الَّذِي لَا يُخْطِئُهُ مَنْ يَعْرِفُ كَيْفَ يَقْرَأُ الْعُيُونَ. كُتِبَ عَلَى ظَهْرِ الصُّورَةِ بِخَطِّ يَدٍ بَالٍ: «أَنَا وَأُسْتَاذِي، صَيْفَ سِتَّةٍ وَسَبْعِينَ – سُوقُ الْحَرِيقَةِ».
نَظَرَ عَدْنَانُ طَوِيلًا إِلَى وَجْهِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ فِي الصُّورَةِ، وَحَاوَلَ أَنْ يَتَذَكَّرَ آخِرَ مَرَّةٍ رَآهُ فِيهَا بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ، قَبْلَ أَنْ يَخْتَفِيَ فَجْأَةً ذَلِكَ الصَّيْفَ الْغَرِيبَ مِنْ عَامِ سَبْعَةٍ وَسَبْعِينَ، تَارِكًا وَرَاءَهُ سُوقًا كَامِلًا حَائِرًا، وَشَابًّا فِي الْحَادِيَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهِ لَمْ يَفْهَمْ يَوْمًا مَا الَّذِي حَدَثَ بِالضَّبْطِ، وَلَمْ يَجِدِ الْجُرْأَةَ الْكَافِيَةَ، طَوَالَ أَرْبَعِينَ عَامًا، لِيَعُودَ وَيَبْحَثَ عَنِ الْجَوَابِ، مُكْتَفِيًا بِأَنْ يَحْمِلَ السُّؤَالَ مَعَهُ أَيْنَمَا ذَهَبَ، كَحَصَاةٍ صَغِيرَةٍ فِي جَيْبِهِ لَا تُثْقِلُ كَثِيرًا، لَكِنَّهَا لَا تَخْتَفِي أَبَدًا أَيْضًا.
وَالْآنَ، وَبَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، عَادَ السُّؤَالُ نَفْسُهُ يَطْرُقُ بَابَهُ مِنْ جَدِيدٍ، هَذِهِ الْمَرَّةَ بِرِسَالَةٍ قَانُونِيَّةٍ مُوَثَّقَةٍ، وَمُكَالَمَةٍ هَاتِفِيَّةٍ مَجْهُولَةٍ تَحْمِلُ تَهْدِيدًا مُبَطَّنًا وَاضِحَ الْمَعْنَى تَمَامًا رَغْمَ كُلِّ مُحَاوَلَاتِ صَاحِبِهِ أَنْ يُجَمِّلَهُ بِكَلِمَاتِ النُّصْحِ وَالْمَوَدَّةِ.
نَظَرَ عَدْنَانُ إِلَى الصُّورَةِ مَرَّةً أَخِيرَةً، ثُمَّ إِلَى هَاتِفِهِ الصَّامِتِ عَلَى الطَّاوِلَةِ، ثُمَّ إِلَى النَّافِذَةِ حَيْثُ كَانَتْ أَضْوَاءُ فْرَانْكْفُورْتَ اللَّيْلِيَّةُ تَلْمَعُ بِهُدُوئِهَا الْمُعْتَادِ، غَيْرَ مُبَالِيَةٍ بِمَا يَدُورُ فِي دَاخِلِ هَذَا الرَّجُلِ الْجَالِسِ وَحِيدًا فِي شَقَّتِهِ، بَيْنَ حَاضِرٍ بَنَاهُ بِيَدَيْهِ عَلَى مَدَى أَرْبَعِينَ عَامًا، وَمَاضٍ بَدَأَ يَتَسَلَّلُ إِلَيْهِ الْآنَ مِنْ كُلِّ الِاتِّجَاهَاتِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يُغَادِرْهُ يَوْمًا حَقِيقِيًّا، بَلْ ظَلَّ يَنْتَظِرُهُ بِصَبْرٍ شَدِيدٍ فِي مَكَانٍ مَا، يَعْرِفُ أَنَّهُ سَيَعُودُ إِلَيْهِ عَاجِلًا أَوْ آجِلًا.
٧
أَخْرَجَ هَاتِفَهُ، وَفَتَحَ تَطْبِيقَ الْحَجُوزَاتِ، وَبَدَأَ يَبْحَثُ عَنْ أَقْرَبِ رِحْلَةِ طَيَرَانٍ إِلَى بَيْرُوتَ، الْمَدِينَةِ الْأَقْرَبِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يَبْدَأَ مِنْهَا رِحْلَتَهُ نَحْوَ دِمَشْقَ الَّتِي لَمْ يَرَهَا مُنْذُ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ. أَصَابِعُهُ كَانَتْ تَرْتَجِفُ قَلِيلًا وَهِيَ تَكْتُبُ عَلَى الشَّاشَةِ، ارْتِجَافَةً خَفِيفَةً لَمْ يَشْعُرْ بِمِثْلِهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ، مُنْذُ آخِرِ مَرَّةٍ وَقَّعَ فِيهَا صَفْقَةً كَبِيرَةً قَدْ تُفْلِسُ شَرِكَتَهُ إِنْ أَخْطَأَ فِي حِسَابِهَا.
تَوَقَّفَ قَبْلَ أَنْ يَضْغَطَ «بَحْثٌ»، وَفَكَّرَ مَرَّةً أُخْرَى فِي كَلِمَاتِ ذَلِكَ الصَّوْتِ الْمَجْهُولِ: «سَلَامُكَ، وَسَلَامُ كُلِّ مَنْ تُحِبُّ.» أَكَانَ هَذَا تَهْدِيدًا مُوَجَّهًا لِكَرِيمٍ أَيْضًا؟ لِأُمِّهِ الَّتِي مَا زَالَتْ، رَغْمَ تَقَدُّمِهَا فِي السِّنِّ الشَّدِيدِ، تَعِيشُ فِي دَارِ مُسِنِّينَ هَادِئَةٍ قُرْبَ دِمَشْقَ يَزُورُهَا بِانْتِظَامٍ؟ كَانَتِ الْفِكْرَةُ وَحْدَهَا كَافِيَةً لِتُشْعِلَ فِي صَدْرِهِ غَضَبًا هَادِئًا بَارِدًا، غَضَبًا لَمْ يَشْعُرْ بِمِثْلِهِ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، غَضَبًا بَدَأَ يَتَحَوَّلُ تَدْرِيجِيًّا، وَهُوَ يَجْلِسُ هُنَاكَ وَحِيدًا فِي صَالَتِهِ الْمُضَاءَةِ بِضَوْءٍ خَافِتٍ، إِلَى عَزِيمَةٍ صُلْبَةٍ لَا تَقْبَلُ التَّرَاجُعَ.
لَمْ يَكُنْ عَدْنَانُ الرَّافِعِيُّ رَجُلًا يَهْرُبُ مِنَ الْمَخَاطِرِ. لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ يَوْمًا، لَا حِينَ كَانَ فَتًى فَقِيرًا يَعْمَلُ فِي مَتْجَرِ أَقْمِشَةٍ، وَلَا حِينَ قَرَّرَ تَرْكَ كُلِّ مَا يَعْرِفُهُ لِيَبْدَأَ مِنَ الصِّفْرِ فِي بَلَدٍ لَا يُتْقِنُ لُغَتَهُ، وَلَا حِينَ خَاضَ مَعَارِكَ تِجَارِيَّةً صَعْبَةً كَادَتْ أَنْ تُودِيَ بِكُلِّ مَا بَنَاهُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ. وَهُوَ لَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ الْآنَ، مَهْمَا بَلَغَ عُمْرُهُ، وَمَهْمَا بَلَغَتْ رَاحَتُهُ الَّتِي اعْتَادَهَا.
أَعَادَ فَتْحَ تَطْبِيقِ الْحَجُوزَاتِ، وَاخْتَارَ رِحْلَةَ صَبَاحِ الْغَدِ إِلَى بَيْرُوتَ، ثُمَّ تَوَقَّفَتْ أَصَابِعُهُ فَوْقَ زِرِّ «تَأْكِيدِ الْحَجْزِ» لَحْظَةً طَوِيلَةً، مُتَرَدِّدَةً، وَكَأَنَّ جُزْءًا صَغِيرًا بِدَاخِلِهِ، جُزْءًا حَكِيمًا حَذِرًا، كَانَ يَهْمِسُ لَهُ بِأَنْ يُفَكِّرَ مَرَّةً أُخْرَى قَبْلَ أَنْ يَخْطُوَ هَذِهِ الْخُطْوَةَ الَّتِي لَا رَجْعَةَ عَنْهَا.
ثُمَّ، وَقَبْلَ أَنْ يُعِيدَ التَّفْكِيرَ مَرَّةً أُخْرَى، ضَغَطَ عَلَى الزِّرِّ.
كَانَ قَدِ اتُّخِذَ الْقَرَارُ. سَيَعُودُ إِلَى الشَّرْقِ. سَيَعُودُ لِيَعْرِفَ أَخِيرًا مَا الَّذِي حَدَثَ لِأُسْتَاذِهِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ النَّابُلُسِيِّ مُنْذُ أَرْبَعِينَ عَامًا، وَمَنْ هُوَ ذَلِكَ الصَّوْتُ الْمَجْهُولُ الَّذِي يَعْرِفُ عَنْ حَيَاتِهِ أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا يَنْبَغِي لِغَرِيبٍ أَنْ يَعْرِفَ، وَلِمَاذَا، بَعْدَ كُلِّ هَذَا الصَّمْتِ الطَّوِيلِ، اخْتَارَ سُوقُ الْحَرِيقَةِ أَنْ يَسْتَيْقِظَ فَجْأَةً، فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ بِالذَّاتِ، لِيَطْرُقَ بَابَهُ مِنْ جَدِيدٍ بَعْدَ أَرْبَعَةِ عُقُودٍ كَامِلَةٍ مِنَ الصَّمْتِ الْمُطْبَقِ.
كَتَبَ رِسَالَةً نَصِّيَّةً قَصِيرَةً لِسَارَةَ، يَطْلُبُ مِنْهَا أَنْ تُلْغِيَ مَوَاعِيدَهُ لِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ قَادِمَةٍ، وَأَنْ تُخْبِرَ مَجْلِسَ الْإِدَارَةِ أَنَّهُ فِي «مُهِمَّةٍ عَائِلِيَّةٍ طَارِئَةٍ»، دُونَ أَنْ يُفْصِحَ عَنْ أَيَّةِ تَفَاصِيلَ أُخْرَى. ثُمَّ فَكَّرَ قَلِيلًا، وَأَضَافَ جُمْلَةً أُخْرَى إِلَى الرِّسَالَةِ: «إِذَا اتَّصَلَ بِكِ أَحَدٌ يَسْأَلُ عَنْ مَكَانِي أَوْ عَنْ سَبَبِ سَفَرِي، أَخْبِرِيهِ أَنَّكِ لَا تَعْرِفِينَ شَيْئًا، مَهْمَا كَانَ مُقْنِعًا.» تَرَدَّدَتْ أَصَابِعُهُ فَوْقَ زِرِّ الْإِرْسَالِ، مُدْرِكًا أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ وَحْدَهَا سَتُثِيرُ قَلَقَ سَارَةَ أَكْثَرَ مِمَّا تُهَدِّئُهُ، لَكِنَّهُ أَرْسَلَهَا رَغْمَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ شَعَرَ أَنَّ الْحَذَرَ، فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، أَهَمُّ مِنْ طُمَأْنَةِ أَيِّ أَحَدٍ.
ثُمَّ أَطْفَأَ هَاتِفَهُ تَمَامًا، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ، وَلَوْ مُؤَقَّتًا، كُلَّ خَيْطٍ يُمْكِنُ أَنْ يَرْبِطَهُ بِمَنْ كَانَ يُرَاقِبُهُ. جَلَسَ فِي الْعَتْمَةِ الْخَفِيفَةِ لِصَالَتِهِ، يَسْتَمِعُ إِلَى صَمْتِ الشَّقَّةِ، وَصَوْتِ النَّهْرِ الْبَعِيدِ الْخَافِتِ الْمُتَسَلِّلِ مِنَ النَّافِذَةِ الْمَفْتُوحَةِ قَلِيلًا، وَشَعَرَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ بِأَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ الرَّجُلَ الْقَوِيَّ الْوَاثِقَ الَّذِي اعْتَادَ النَّاسُ أَنْ يَرَوْهُ فِي اجْتِمَاعَاتِ مَجْلِسِ الْإِدَارَةِ وَصَالَاتِ الْمُؤْتَمَرَاتِ؛ بَلْ هُوَ، مِنْ جَدِيدٍ، ذَلِكَ الْفَتَى النَّحِيلُ الْخَائِفُ الَّذِي وَقَفَ يَوْمًا أَمَامَ بَابِ مَتْجَرِ أَقْمِشَةٍ فِي سُوقِ الْحَرِيقَةِ، لَا يَعْرِفُ مَاذَا يَنْتَظِرُهُ خَلْفَ ذَلِكَ الْبَابِ، لَكِنَّهُ طَرَقَهُ رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ خِيَارًا آخَرَ سِوَى الْمُضِيِّ قُدُمًا.
مَا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ عَدْنَانُ، وَهُوَ يُطْفِئُ أَخِيرًا أَنْوَارَ شَقَّتِهِ اسْتِعْدَادًا لِلَيْلَةٍ يَعْلَمُ تَمَامًا أَنَّهُ لَنْ يَنَامَ فِيهَا، هُوَ أَنَّ رِحْلَتَهُ إِلَى بَيْرُوتَ لَنْ تَكُونَ بِدَايَةَ الْبَحْثِ عَنْ حَقِيقَةِ اخْتِفَاءِ أُسْتَاذِهِ فَحَسْبُ، بَلْ بِدَايَةَ اكْتِشَافِ حَقِيقَةٍ أَعْمَقَ بِكَثِيرٍ عَنْ نَفْسِهِ هُوَ، حَقِيقَةٍ ظَلَّتْ مَدْفُونَةً مُنْذُ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا، تَحْتَ رَمَادِ سُوقٍ لَمْ تَنْطَفِئْ نَارُهُ الْحَقِيقِيَّةُ يَوْمًا، كَمَا حَذَّرَهُ ذَلِكَ الصَّوْتُ الْمَجْهُولُ بِوُضُوحٍ تَامٍّ، بَلْ بَقِيَتْ جَمْرَتُهُ الْأَخِيرَةُ تَنْتَظِرُ، بِصَبْرٍ شَدِيدٍ لَا يَعْرِفُ الْمَلَلَ، اللَّحْظَةَ الْمُنَاسِبَةَ لِتَشْتَعِلَ مِنْ جَدِيدٍ، وَتُحْرِقَ مَعَهَا كُلَّ الْحُدُودِ الْهَادِئَةَ الَّتِي رَسَمَهَا عَدْنَانُ الرَّافِعِيُّ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ حَوْلَ حَيَاتِهِ عَلَى مَدَى أَرْبَعِينَ عَامًا كَامِلَةً.
