وَصِيَّةُ الحَرِيقَةِ
الفَصْلُ التَّاسِعُ
١
فِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي لِلِقَائِهِ بِإِلْيَاسَ النَّابُلْسِيِّ، اسْتَيْقَظَ عَدْنَانُ مُبَكِّرًا، وَقَدِ اتَّخَذَ قَرَارًا وَاضِحًا خِلَالَ لَيْلَةِ نَوْمٍ مُتَقَطِّعٍ: كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى شَخْصٍ يَثِقُ بِهِ تَمَامًا، شَخْصٍ مِنْ خَارِجِ هَذِهِ الشَّبَكَةِ المُتَشَابِكَةِ مِنَ المُحَامِينَ وَالأَقَارِبِ الغَامِضِينَ، لِيُسَاعِدَهُ فِي التَّحَقُّقِ مِنْ كُلِّ هَذِهِ الخُيُوطِ المُتَنَاثِرَةِ.
تَذَكَّرَ اسْمًا سَمِعَهُ قَبْلَ سَنَوَاتٍ فِي مُؤْتَمَرِ أَعْمَالٍ فِي بِرْلِينَ: لِينَا كَرَمْ، صَحَفِيَّةٌ اسْتِقْصَائِيَّةٌ لُبْنَانِيَّةٌ – أَلْمَانِيَّةٌ، عَمِلَتْ عَلَى تَحْقِيقَاتٍ مُعَقَّدَةٍ عَنْ أَمْوَالٍ مُهَاجِرَةٍ وَمُمْتَلَكَاتٍ ضَائِعَةٍ خِلَالَ الحُرُوبِ الأَهْلِيَّةِ فِي المِنْطَقَةِ، وَكَانَتْ قَدْ قَدَّمَتْ مُحَاضَرَةً مُوجَزَةً فِي ذَلِكَ المُؤْتَمَرِ عَنْ كَيْفِيَّةِ تَتَبُّعِ الأَرْشِيفَاتِ العَائِلِيَّةِ القَدِيمَةِ عَبْرَ الحُدُودِ. تَذَكَّرَ تَفَاصِيلَ تِلْكَ المُحَاضَرَةِ بِوُضُوحٍ مُفَاجِئٍ الآنَ: وَقَفَتْ أَمَامَ قَاعَةٍ نِصْفِ مُمْتَلِئَةٍ، تَشْرَحُ بِثِقَةٍ كَيْفَ تَمَكَّنَتْ مِنْ إِعَادَةِ تَوْثِيقِ مِلْكِيَّةِ عَائِلَةٍ كَامِلَةٍ لِأَرْضٍ زِرَاعِيَّةٍ فِي البِقَاعِ، ضَاعَتْ أَوْرَاقُهَا خِلَالَ سَنَوَاتِ النُّزُوحِ، عَبْرَ مُضَاهَاةِ سِجِلَّاتٍ ضَرِيبِيَّةٍ عَثَرَتْ عَلَيْهَا فِي أَرْشِيفٍ عُثْمَانِيٍّ قَدِيمٍ بِإِسْطَنْبُولَ. أُعْجِبَ حِينَهَا بِدِقَّتِهَا وَصَبْرِهَا، وَتَبَادَلَ مَعَهَا بِطَاقَةَ عَمَلٍ بِأَدَبٍ مُعْتَادٍ، دُونَ أَنْ يَتَخَيَّلَ يَوْمًا أَنَّهُ سَيَحْتَاجُ إِلَى خَدَمَاتِهَا فِعْلِيًّا، أَوْ أَنَّ اسْمَهَا سَيَعُودُ إِلَى ذَاكِرَتِهِ فِي لَحْظَةِ أَزْمَةٍ حَقِيقِيَّةٍ كَهَذِهِ.
بَحَثَ عَنْ رَقْمِهَا فِي هَاتِفِهِ القَدِيمِ، وَسْطَ جِهَاتِ اتِّصَالٍ لَمْ يَسْتَخْدِمْهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ، وَوَجَدَهَا أَخِيرًا. اتَّصَلَ بِهَا مُبَاشَرَةً، مُتَرَدِّدًا قَلِيلًا وَهُوَ يَنْتَظِرُ أَنْ يَرُدَّ أَحَدٌ.
«لِينَا كَرَمْ.» أَجَابَتْ بِصَوْتٍ وَاضِحٍ حَازِمٍ، صَوْتِ امْرَأَةٍ مُعْتَادَةٍ أَنْ تَتَلَقَّى مُكَالَمَاتٍ مِنْ أَرْقَامٍ غَيْرِ مَأْلُوفَةٍ فِي أَيِّ وَقْتٍ.
«مَرْحَبًا، مَعَكِ عَدْنَانُ الرَّافِعِيُّ. لَا أَعْرِفُ إِنْ كُنْتِ تَتَذَكَّرِينَنِي، الْتَقَيْنَا فِي مُؤْتَمَرِ الأَعْمَالِ بِبِرْلِينَ قَبْلَ نَحْوِ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ.»
تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً، ثُمَّ أَجَابَتْ بِنَبْرَةٍ تُعْرَفُ فِيهَا فُضُولًا مُتَزَايِدًا. «عَدْنَانُ الرَّافِعِيُّ، رَجُلُ الأَعْمَالِ السُّورِيُّ الأَلْمَانِيُّ. نَعَمْ، أَتَذَكَّرُكَ. لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُ اتِّصَالًا مِنْكَ بَعْدَ كُلِّ هَذَا الوَقْتِ. مَا الَّذِي يُمْكِنُنِي مُسَاعَدَتَكَ بِهِ؟»
٢
شَرَحَ لَهَا عَدْنَانُ، بِإِيجَازٍ حَذِرٍ فِي البِدَايَةِ، طَبِيعَةَ المَوْقِفِ: وَصِيَّةٌ قَدِيمَةٌ، عَائِلَةُ الحَوْرَانِيِّ، صُنْدُوقُ أَمَانَاتٍ مَفْقُودٌ، وَرَجُلٌ غَامِضٌ يَدَّعِي القَرَابَةَ يُثِيرُ الشُّكُوكَ. تَوَقَّفَ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يُضِيفَ، بِصِدْقٍ لَمْ يُخَطِّطْ لَهُ بِالضَّبْطِ: «وَحَادِثَتَا تَهْدِيدٍ، وَاحِدَةٌ فِي فرانكفورت وَوَاحِدَةٌ فِي بَيْرُوتَ، جَعَلَتَانِي أُدْرِكُ أَنَّنِي بِحَاجَةٍ لِشَخْصٍ مُحْتَرِفٍ يُسَاعِدُنِي عَلَى التَّحَقُّقِ مِنَ الحَقَائِقِ، بَعِيدًا عَنِ الأَطْرَافِ المُتَوَرِّطَةِ مُبَاشَرَةً فِي هَذَا المِلَفِّ.»
اسْتَمَعَتْ لِينَا بِصَمْتٍ مِهَنِيٍّ، تُسَجِّلُ مُلَاحَظَاتِهَا عَلَى مَا بَدَا مِنْ صَوْتِ كِتَابَةٍ خَافِتٍ فِي الخَلْفِيَّةِ. حِينَ انْتَهَى عَدْنَانُ مِنَ الشَّرْحِ، سَأَلَتْهُ بِأَسْئِلَةٍ دَقِيقَةٍ، أَسْئِلَةٍ صَحَفِيَّةٍ مُحْتَرِفَةٍ تَكْشِفُ عَنْ عَقْلٍ تَحْلِيلِيٍّ مُدَرَّبٍ: تَوَارِيخَ مُحَدَّدَةً، أَسْمَاءً كَامِلَةً، أَرْقَامَ هَوَاتِفَ، تَفَاصِيلَ دَقِيقَةً عَنْ كُلِّ شَخْصٍ الْتَقَاهُ.
«حَسَنًا، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، هَذِهِ قِصَّةٌ مُثِيرَةٌ لِلِاهْتِمَامِ حَقًّا، وَتَلْمِسُ بِالضَّبْطِ نَوْعَ المِلَفَّاتِ الَّتِي أُحِبُّ العَمَلَ عَلَيْهَا: أَرْشِيفَاتٍ عَائِلِيَّةً ضَائِعَةً، عَدَالَةً مُؤَجَّلَةً مُنْذُ عُقُودٍ.» تَوَقَّفَتْ قَلِيلًا، وَنَبْرَةُ صَوْتِهَا اكْتَسَتْ جِدِّيَّةً مِهَنِيَّةً أَكْبَرَ. «لَكِنْ قَبْلَ أَنْ أُوَافِقَ، يَجِبُ أَنْ أَكُونَ وَاضِحَةً مَعَكَ: إِنْ كَانَتْ هَذِهِ القِصَّةُ تَحْمِلُ خَطَرًا حَقِيقِيًّا كَمَا تَصِفُهُ، فَسَأَحْتَاجُ أَنْ أَعْرِفَ بِوُضُوحٍ مَا هِيَ حُدُودُ مَا تَطْلُبُهُ مِنِّي بِالضَّبْطِ، وَمُسْتَوَى الحِمَايَةِ الَّتِي يُمْكِنُكَ تَقْدِيمَهَا إِنْ تَطَلَّبَ الأَمْرُ ذَلِكَ.»
«أَفْهَمُ تَمَامًا، وَسَأَدْفَعُ لَكِ أَجْرًا كَامِلًا مُقَابِلَ وَقْتِكِ وَخِبْرَتِكِ، بِالإِضَافَةِ إِلَى تَغْطِيَةِ أَيَّةِ تَكَالِيفِ حِمَايَةٍ إِضَافِيَّةٍ قَدْ تَحْتَاجِينَهَا. كُلُّ مَا أَطْلُبُهُ هُوَ مُسَاعَدَتِي فِي التَّحَقُّقِ مِنْ خَلْفِيَّةِ بَعْضِ الأَشْخَاصِ، وَالبَحْثِ فِي الأَرْشِيفَاتِ العَامَّةِ عَنْ تَارِيخِ عَائِلَةِ الحَوْرَانِيِّ، وَرُبَّمَا التَّحَقُّقِ مِنْ رَقْمِ هَاتِفٍ وَاحِدٍ اتَّصَلَ بِي مِنْ بَيْرُوتَ.»
٣
وَافَقَتْ لِينَا أَخِيرًا، بَعْدَ أَنْ حَصَلَتْ عَلَى تَفَاصِيلِ الدَّفْعِ وَالشُّرُوطِ بِوُضُوحٍ تَامٍّ، وَحَدَّدَا مَوْعِدًا لِمُكَالَمَةِ فِيدْيُو مُطَوَّلَةٍ فِي المَسَاءِ نَفْسِهِ، حِينَ يَكُونُ قَدْ جَمَعَ لَهَا كُلَّ الوَثَائِقِ الَّتِي يَمْلِكُهَا: صُورَةً عَنِ الوَصِيَّةِ، تَفَاصِيلَ عَنْ رِسَالَةِ زِيَادٍ سَلُّومٍ الأُولَى، وَوَصْفًا دَقِيقًا لِكُلٍّ مِنْ إِلْيَاسَ النَّابُلْسِيِّ وَالصَّوْتِ المَجْهُولِ الَّذِي هَدَّدَهُ مَرَّتَيْنِ.
قَبْلَ أَنْ تُنْهِيَ المُكَالَمَةَ الأُولَى، أَضَافَتْ لِينَا مُلَاحَظَةً أَخِيرَةً، بِنَبْرَةٍ مِهَنِيَّةٍ حَازِمَةٍ: «سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، شَرْطٌ أَخِيرٌ قَبْلَ أَنْ أَبْدَأَ: أُرِيدُ أَنْ تَعِدَنِي بِشَيْءٍ وَاحِدٍ. إِنْ وَصَلْنَا، فِي أَيَّةِ مَرْحَلَةٍ مِنْ هَذَا التَّحْقِيقِ، إِلَى مَعْلُومَةٍ تُشَكِّلُ خَطَرًا حَقِيقِيًّا وَشِيكًا عَلَى حَيَاةِ أَيِّ شَخْصٍ، بِمَنْ فِيهِمْ أَنْتَ أَوْ أَنَا، فَسَنَتَوَقَّفُ فَوْرًا وَنَتَشَاوَرُ قَبْلَ أَيَّةِ خُطْوَةٍ إِضَافِيَّةٍ. لَا مُغَامَرَاتٍ فَرْدِيَّةً مِنْ أَيٍّ مِنَّا، اتَّفَقْنَا؟»
«اتَّفَقْنَا تَمَامًا.» أَجَابَ عَدْنَانُ، مُمْتَنًّا لِهَذَا الحَذَرِ المِهَنِيِّ الَّذِي بَدَأَ يَشْعُرُ أَنَّهُ يَفْتَقِدُهُ هُوَ نَفْسُهُ وَسْطَ انْدِفَاعِهِ العَاطِفِيِّ نَحْوَ حَلِّ هَذَا اللُّغْزِ.
أَنْهَيَا المُكَالَمَةَ عَلَى هَذَا الِاتِّفَاقِ، وَشَعَرَ عَدْنَانُ، لِلْمَرَّةِ الأُولَى مُنْذُ أَيَّامٍ، بِشَيْءٍ أَقْرَبَ إِلَى الطُّمَأْنِينَةِ، لَيْسَ لِأَنَّ الخَطَرَ قَدْ زَالَ، بَلْ لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ يُوَاجِهُهُ وَحِيدًا تَمَامًا كَمَا كَانَ الحَالُ مُنْذُ تِلْكَ الرِّسَالَةِ الأُولَى فِي فرانكفورت.
فِي المُكَالَمَةِ المَسَائِيَّةِ، ظَهَرَتْ لِينَا عَلَى الشَّاشَةِ فِي مَكْتَبٍ صَغِيرٍ مُرَتَّبٍ بِعِنَايَةٍ، رُفُوفُ كُتُبٍ خَلْفَهَا مُصَنَّفَةٌ بِدِقَّةٍ وَاضِحَةٍ حَسَبَ المَوْضُوعِ، وَخَرِيطَةٌ قَدِيمَةٌ لِبَيْرُوتَ مُعَلَّقَةٌ عَلَى الحَائِطِ، عَلَيْهَا دَوَائِرُ حَمْرَاءُ صَغِيرَةٌ تُشِيرُ إِلَى مَوَاقِعَ لَمْ يَسْتَطِعْ عَدْنَانُ تَمْيِيزَهَا مِنْ بَعِيدٍ عَلَى الشَّاشَةِ. كَانَتِ امْرَأَةً فِي الأَرْبَعِينِيَّاتِ مِنْ عُمْرِهَا، شَعْرُهَا القَصِيرُ مُصَفَّفٌ بِبَسَاطَةٍ أَنِيقَةٍ، نَظْرَةُ عَيْنَيْهَا حَادَّةٌ يَقِظَةٌ، تَحْمِلُ مَلَامِحَ مَنْ نَشَأَ بَيْنَ ثَقَافَتَيْنِ وَلُغَتَيْنِ، عَرَبِيَّةَ المَلَامِحِ لَكِنْ بِلَكْنَةٍ أَلْمَانِيَّةٍ طَفِيفَةٍ تَتَسَلَّلُ أَحْيَانًا إِلَى عَرَبِيَّتِهَا الفَصِيحَةِ، خَاصَّةً حِينَ تَنْطِقُ مُصْطَلَحَاتٍ تِقْنِيَّةً أَوْ قَانُونِيَّةً لَمْ تَعْتَدْ اسْتِخْدَامَهَا بِالعَرَبِيَّةِ كَثِيرًا.
لَاحَظَ عَدْنَانُ، حَتَّى عَبْرَ شَاشَةٍ صَغِيرَةٍ، طَرِيقَتَهَا الحَازِمَةَ فِي الحَدِيثِ، كَأَنَّهَا اعْتَادَتْ أَنْ تَتَعَامَلَ مَعَ مَصَادِرَ مُتَرَدِّدَةٍ أَوْ خَائِفَةٍ وَتَحْتَاجُ أَنْ تُطَمْئِنَهُمْ بِثِقَتِهَا الهَادِئَةِ، دُونَ أَنْ تَفْقِدَ أَبَدًا تِلْكَ اليَقَظَةَ المِهَنِيَّةَ الَّتِي تَجْعَلُهَا تُلَاحِظُ كُلَّ تَفْصِيلٍ صَغِيرٍ فِي كَلَامِ مُحَدِّثِهَا.
«إِذَنْ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، دَعْنِي أُلَخِّصْ مَا فَهِمْتُهُ حَتَّى الآنَ.» نَظَرَتْ إِلَى مُلَاحَظَاتِهَا المَكْتُوبَةِ أَمَامَهَا. «تَاجِرُ أَقْمِشَةٍ دِمَشْقِيٌّ، الحَاجُّ تَوْفِيقٌ النَّابُلْسِيُّ، يَخْتَفِي بِشَكْلٍ غَامِضٍ مِنْ مُسْتَشْفًى عَامَ ١٩٧٧، بَعْدَ أَنِ ائْتَمَنَكَ عَلَى سِرٍّ يَتَعَلَّقُ بِأَمَانَةٍ عَائِلِيَّةٍ قَدِيمَةٍ تَعُودُ لِعَامِ ١٩٥٨، تَخُصُّ عَائِلَةَ الحَوْرَانِيِّ اللُّبْنَانِيَّةَ. بَعْدَ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا، تَصِلُكَ وَصِيَّةٌ رَسْمِيَّةٌ تُوَثِّقُ هَذِهِ الأَمَانَةَ، وَيَظْهَرُ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ رَجُلٌ يَدَّعِي القَرَابَةَ بِالحَاجِّ تَوْفِيقٍ، مُحَامٍ دِمَشْقِيٌّ، يُلِحُّ بِشَكْلٍ مُرِيبٍ عَلَى مَعْرِفَةِ تَفَاصِيلَ حَسَّاسَةٍ. أَهَذَا صَحِيحٌ حَتَّى الآنَ؟»
«صَحِيحٌ تَمَامًا.»
«جَيِّدٌ. سَأَبْدَأُ بِشَيْءٍ بَسِيطٍ نِسْبِيًّا: التَّحَقُّقُ مِنْ خَلْفِيَّةِ إِلْيَاسَ النَّابُلْسِيِّ القَانُونِيَّةِ، وَهَذَا يُمْكِنُنِي الوُصُولُ إِلَيْهِ عَبْرَ سِجِلَّاتِ نِقَابَةِ المُحَامِينَ السُّورِيَّةِ، مُتَاحَةٍ جُزْئِيًّا عَلَى الأَقَلِّ عَبْرَ قَنَوَاتٍ رَسْمِيَّةٍ. وَسَأُحَاوِلُ مُوَازَاةَ ذَلِكَ بِالبَحْثِ فِي أَرْشِيفَاتِ الصُّحُفِ اللُّبْنَانِيَّةِ القَدِيمَةِ عَنْ أَيِّ ذِكْرٍ لِعَائِلَةِ الحَوْرَانِيِّ فِي تِلْكَ الفَتْرَةِ، خَاصَّةً أَوَاخِرَ السَّبْعِينِيَّاتِ.»
٤
مَرَّتِ الأَيَّامُ التَّالِيَةُ بِتَرَقُّبٍ مُتَزَايِدٍ، عَدْنَانُ يَقْضِي وَقْتَهُ مُتَنَقِّلًا بِحَذَرٍ بَيْنَ فُنْدُقِهِ وَمَكْتَبِ زِيَادٍ سَلُّومٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يَتَحَرَّكَ بِأَقَلِّ قَدْرٍ مُمْكِنٍ مِنَ الظُّهُورِ العَلَنِيِّ، بَيْنَمَا كَانَتْ لِينَا تَعْمَلُ مِنْ مَكْتَبِهَا فِي بِرْلِينَ، تُرْسِلُ لَهُ تَحْدِيثَاتٍ دَوْرِيَّةً عَبْرَ رَسَائِلَ مُشَفَّرَةٍ اقْتَرَحَتْ عَلَيْهِ اسْتِخْدَامَهَا بَدَلَ الرَّسَائِلِ النَّصِّيَّةِ العَادِيَّةِ، حِرْصًا إِضَافِيًّا مِنْهَا.
كَانَتْ تَعْمَلُ بِمَنْهَجِيَّةٍ دَقِيقَةٍ، تَشْرَحُهَا لَهُ فِي كُلِّ مُكَالَمَةٍ: تَبْدَأُ بِالأَرْشِيفَاتِ الصَّحَفِيَّةِ المُتَاحَةِ رَقْمِيًّا، ثُمَّ تَنْتَقِلُ إِلَى سِجِلَّاتِ المَحَاكِمِ وَالمِلْكِيَّةِ العَامَّةِ، ثُمَّ، إِنْ لَزِمَ الأَمْرُ، تَتَوَاصَلُ مَعَ شَبَكَةٍ مِنَ البَاحِثِينَ وَالمُؤَرِّخِينَ المَحَلِّيِّينَ الَّذِينَ تَعَاوَنَتْ مَعَهُمْ فِي تَحْقِيقَاتٍ سَابِقَةٍ، أَشْخَاصٍ يَعْرِفُونَ كَيْفَ يَصِلُونَ إِلَى أَرْشِيفَاتٍ وَرَقِيَّةٍ لَمْ تُرَقَّمْ بَعْدُ، مُخَبَّأَةٍ فِي أَقْبِيَةِ مُؤَسَّسَاتٍ حُكُومِيَّةٍ مَنْسِيَّةٍ. أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا اسْتَعَانَتْ بِالفِعْلِ بِبَاحِثٍ بَيْرُوتِيٍّ مُتَقَاعِدٍ، عَمِلَ سَابِقًا فِي وِزَارَةِ الدَّاخِلِيَّةِ اللُّبْنَانِيَّةِ، لِيُسَاعِدَهَا فِي الوُصُولِ إِلَى سِجِلَّاتِ الشُّرْطَةِ القَدِيمَةِ، رَغْمَ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ كَانَ يَتَطَلَّبُ حَذَرًا إِضَافِيًّا، وَرَشْوَةً صَغِيرَةً «لِتَسْرِيعِ الإِجْرَاءَاتِ» كَمَا وَصَفَتْهَا بِابْتِسَامَةٍ عَابِرَةٍ عَبْرَ الشَّاشَةِ.
فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ، وَصَلَتْهُ رِسَالَةٌ مِنْهَا تَحْمِلُ أَوَّلَ اكْتِشَافٍ حَقِيقِيٍّ: «وَجَدْتُ شَيْئًا مُثِيرًا. أَرْشِيفُ جَرِيدَةِ النَّهَارِ اللُّبْنَانِيَّةِ، عَدَدٌ يَعُودُ إِلَى آذَارَ ١٩٧٨، يَذْكُرُ، فِي خَبَرٍ صَغِيرٍ مُقْتَضَبٍ عَلَى الصَّفْحَةِ الدَّاخِلِيَّةِ، اخْتِفَاءَ رَجُلِ أَعْمَالٍ لُبْنَانِيٍّ يُدْعَى كَمَالَ الحَوْرَانِيِّ، بَعْدَ أَنْ غَادَرَ مَنْزِلَهُ فِي بَيْرُوتَ وَلَمْ يَعُدْ. الخَبَرُ يَذْكُرُ أَنَّ التَّحْقِيقَاتِ لَمْ تَصِلْ إِلَى نَتِيجَةٍ، وَأَنَّ المِلَفَّ أُغْلِقَ لَاحِقًا دُونَ حَلٍّ، ضِمْنَ فَوْضَى الحَرْبِ الأَهْلِيَّةِ المُتَصَاعِدَةِ فِي تِلْكَ الفَتْرَةِ.»
أَرْفَقَتْ لِينَا مَعَ الرِّسَالَةِ صُورَةً لِصَفْحَةِ الجَرِيدَةِ القَدِيمَةِ نَفْسِهَا، وَرَقًا مُصْفَرًّا بَاهِتًا، بِخَطٍّ طِبَاعِيٍّ قَدِيمٍ كَادَ عَدْنَانُ يَحْتَاجُ إِلَى تَكْبِيرِ الصُّورَةِ عِدَّةَ مَرَّاتٍ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ قِرَاءَتِهِ بِوُضُوحٍ. تَحْتَ العُنْوَانِ الصَّغِيرِ «اخْتِفَاءٌ غَامِضٌ لِتَاجِرٍ مَعْرُوفٍ»، كَانَ الخَبَرُ مُقْتَضَبًا إِلَى دَرَجَةٍ مُؤْلِمَةٍ: بِضْعَةُ أَسْطُرٍ تَصِفُ كَمَالَ الحَوْرَانِيِّ بِأَنَّهُ «تَاجِرُ أَقْمِشَةٍ مَعْرُوفٌ فِي الأَوْسَاطِ التِّجَارِيَّةِ البَيْرُوتِيَّةِ، غَادَرَ مَنْزِلَهُ صَبَاحَ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَلَمْ يَعُدْ، وَسْطَ تَكَهُّنَاتِ عَائِلَتِهِ بِأَنَّ اخْتِفَاءَهُ قَدْ يَكُونُ مُرْتَبِطًا بِدُيُونٍ تِجَارِيَّةٍ مُتَرَاكِمَةٍ أَوْ بِتَهْدِيدَاتٍ تَلَقَّاهَا مُؤَخَّرًا مِنْ جِهَاتٍ لَمْ تُحَدَّدْ.»
شَعَرَ عَدْنَانُ بِصَدْمَةٍ حَقِيقِيَّةٍ وَهُوَ يَقْرَأُ هَذِهِ الرِّسَالَةَ، وَيُعِيدُ قِرَاءَةَ تِلْكَ الجُمْلَةِ الأَخِيرَةِ مِرَارًا: «تَهْدِيدَاتٍ تَلَقَّاهَا مُؤَخَّرًا مِنْ جِهَاتٍ لَمْ تُحَدَّدْ.» كَمَالٌ الحَوْرَانِيُّ، ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي رَآهُ بِعَيْنَيْهِ، يَائِسًا لَكِنْ حَيًّا، فِي مَتْجَرِ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ قَبْلَ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا، اخْتَفَى هُوَ الآخَرُ، فِي نَفْسِ الفَتْرَةِ تَقْرِيبًا الَّتِي اخْتَفَى فِيهَا الحَاجُّ تَوْفِيقٌ نَفْسُهُ مِنَ المُسْتَشْفَى. هَلْ كَانَ هَذَا مُجَرَّدَ صُدْفَةٍ مَأْسَاوِيَّةٍ، أَمْ أَنَّ الحَدَثَيْنِ مُرْتَبِطَانِ بِبَعْضِهِمَا بِطَرِيقَةٍ لَمْ يَفْهَمْهَا بَعْدُ؟
اتَّصَلَ بِلِينَا فَوْرًا عَبْرَ مُكَالَمَةِ فِيدْيُو. «هَلْ تَظُنِّينَ أَنَّ اخْتِفَاءَ كَمَالٍ مُرْتَبِطٌ بِاخْتِفَاءِ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ؟ التَّوْقِيتُ مُتَقَارِبٌ جِدًّا لِيَكُونَ صُدْفَةً.»
فَكَّرَتْ لِينَا قَلِيلًا، بِحَذَرٍ مِهَنِيٍّ مُعْتَادٍ عَلَى عَدَمِ القَفْزِ إِلَى اسْتِنْتَاجَاتٍ مُتَسَرِّعَةٍ. «مِنَ المُبَكِّرِ الجَزْمُ بِذَلِكَ، لَكِنَّ التَّوْقِيتَ فِعْلًا مُثِيرٌ لِلرِّيبَةِ. سَأُحَاوِلُ التَّعَمُّقَ أَكْثَرَ، وَالبَحْثَ عَنْ أَيَّةِ وَثَائِقَ شُرْطَةٍ رَسْمِيَّةٍ مِنْ تِلْكَ الفَتْرَةِ، رَغْمَ أَنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا سَيَكُونُ صَعْبًا جِدًّا، فَأَرْشِيفَاتُ الشُّرْطَةِ اللُّبْنَانِيَّةِ مِنْ فَتْرَةِ الحَرْبِ الأَهْلِيَّةِ إِمَّا فُقِدَتْ أَوْ مَا زَالَتْ مُصَنَّفَةً سِرِّيَّةً جُزْئِيًّا.»
٥
«هَلْ عَثَرْتِ عَلَى أَيَّةِ مَعْلُومَاتٍ عَنِ ابْنَتِهِ؟ رِيمَ الحَوْرَانِيِّ؟»
بَحَثَتْ لِينَا فِي مُلَاحَظَاتِهَا. «اسْمٌ شَائِعٌ نِسْبِيًّا، لِلْأَسَفِ، مِمَّا يُصَعِّبُ البَحْثَ. لَكِنْ وَجَدْتُ إِشَارَةً وَاحِدَةً مُحْتَمَلَةً: امْرَأَةٌ تُدْعَى رِيمَ الحَوْرَانِيِّ، عُمْرُهَا يَتَوَافَقُ تَقْرِيبًا مَعَ مَنْ تَصِفُهَا، سُجِّلَتْ كَمُهَاجِرَةٍ إِلَى كَنَدَا فِي أَوَاخِرِ الثَّمَانِينِيَّاتِ، وَاسْتَقَرَّتْ فِي مُونْتَريَال. لَا أَسْتَطِيعُ تَأْكِيدَ أَنَّهَا الشَّخْصُ نَفْسُهُ بِيَقِينٍ تَامٍّ بَعْدُ، لَكِنَّنِي سَأُتَابِعُ هَذَا الخَيْطَ.»
«كَيْفَ وَصَلْتِ إِلَى هَذِهِ المَعْلُومَةِ بِالذَّاتِ؟»
«سِجِلَّاتُ الهِجْرَةِ الكَنَدِيَّةُ العَامَّةُ، جُزْءٌ كَبِيرٌ مِنْهَا مُتَاحٌ رَقْمِيًّا لِأَغْرَاضٍ بَحْثِيَّةٍ أَوْ نَسَبٍ عَائِلِيٍّ، خَاصَّةً لِلسِّجِلَّاتِ الأَقْدَمِ مِنْ عَامِ ٢٠٠٠. وَجَدْتُ اسْمَ ‘رِيمَ كَمَالَ الحَوْرَانِيِّ’ فِي قَائِمَةِ وَافِدِينَ جُدُدٍ عَامَ ١٩٨٨، عُمْرُهَا المُسَجَّلُ فِي تِلْكَ الوَثِيقَةِ يَتَوَافَقُ مَعَ عُمْرِ ابْنَةِ كَمَالٍ الحَوْرَانِيِّ لَوْ كَانَتْ فِي العِشْرِينِيَّاتِ مِنْ عُمْرِهَا عَامَ ١٩٧٦، كَمَا وَصَفْتَهَا أَنْتَ.» تَوَقَّفَتْ لِينَا قَلِيلًا. «لَكِنْ هَذَا لَا يَكْفِي وَحْدَهُ لِلتَّأْكِيدِ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ. أَحْتَاجُ إِلَى تَأْكِيدٍ إِضَافِيٍّ، رُبَّمَا عَبْرَ سِجِلَّاتِ زَوَاجٍ أَوْ عَمَلٍ لَاحِقَةٍ، أَوْ حَتَّى مُحَاوَلَةِ التَّوَاصُلِ المُبَاشِرِ إِنِ اسْتَطَعْتَ تَحْدِيدَ عُنْوَانٍ أَوْ رَقْمِ هَاتِفٍ حَالِيٍّ.»
شَعَرَ عَدْنَانُ بِأَمَلٍ خَافِتٍ يَتَسَلَّلُ إِلَيْهِ؛ رِيمُ، تِلْكَ الفَتَاةُ الَّتِي هَمَسَتْ لَهُ تَحْذِيرًا غَامِضًا قَبْلَ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا، قَدْ تَكُونُ لَا تَزَالُ حَيَّةً، فِي مَكَانٍ مَا بَعِيدٍ، تَحْمِلُ رُبَّمَا إِجَابَاتٍ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ آخَرُ تَقْدِيمَهَا. تَخَيَّلَهَا لِلَحْظَةٍ، امْرَأَةً فِي السَّبْعِينِيَّاتِ مِنْ عُمْرِهَا الآنَ، رُبَّمَا جَالِسَةً فِي مَكَانٍ مَا فِي مُونْتَريَال البَعِيدَةِ، لَا تَعْرِفُ أَنَّ اسْمَهَا وَوَالِدَهَا يَعُودَانِ الآنَ لِلظُّهُورِ فِي قِصَّةٍ لَمْ تُغْلَقْ فُصُولُهَا بَعْدُ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ العُقُودِ مِنَ الصَّمْتِ.
«وَمَاذَا عَنْ إِلْيَاسَ النَّابُلْسِيِّ؟ هَلْ وَجَدْتِ شَيْئًا عَنْ خَلْفِيَّتِهِ؟»
نَظَرَتْ لِينَا إِلَى مِلَفٍّ آخَرَ عَلَى شَاشَتِهَا. «هُنَا الأَمْرُ أَكْثَرُ تَعْقِيدًا وَإِثَارَةً لِلْقَلَقِ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ. إِلْيَاسُ النَّابُلْسِيُّ مُحَامٍ مُرَخَّصٌ فِعْلًا، هَذَا صَحِيحٌ. لَكِنْ سِجِلَّهُ المِهَنِيَّ يَحْمِلُ ثَلَاثَ شَكَاوَى رَسْمِيَّةً مُقَدَّمَةً ضِدَّهُ خِلَالَ العَقْدِ الأَخِيرِ، جَمِيعُهَا مِنْ وَرَثَةٍ فِي قَضَايَا إِرْثٍ مُعَقَّدَةٍ، يَتَّهِمُونَهُ بِالتَّلَاعُبِ بِالوَثَائِقِ أَوِ الضَّغْطِ عَلَى الوَرَثَةِ الأَضْعَفِ لِتَوْقِيعِ تَنَازُلَاتٍ مُقَابِلَ مَبَالِغَ زَهِيدَةٍ جِدًّا مُقَارَنَةً بِالقِيمَةِ الحَقِيقِيَّةِ لِلْإِرْثِ. جَمِيعُ الشَّكَاوَى أُغْلِقَتْ لَاحِقًا دُونَ إِدَانَةٍ رَسْمِيَّةٍ، إِمَّا لِسَحْبِ الشَّاكِينَ شَكَاوَاهُمْ فَجْأَةً، أَوْ لِعَدَمِ كِفَايَةِ الأَدِلَّةِ.»
«سَحْبِ الشَّاكِينَ شَكَاوَاهُمْ فَجْأَةً؟ هَذَا يَبْدُو مُرِيبًا جِدًّا.»
«بِالضَّبْطِ مَا فَكَّرْتُ فِيهِ أَنَا أَيْضًا.» أَوْمَأَتْ لِينَا بِرَأْسِهَا بِجِدِّيَّةٍ. «هَذَا نَمَطُ سُلُوكٍ أَرَاهُ كَثِيرًا فِي تَحْقِيقَاتِي، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ: شَخْصٌ بَارِعٌ فِي الضَّغْطِ عَلَى النَّاسِ بِطُرُقٍ لَا تَتْرُكُ أَثَرًا قَانُونِيًّا وَاضِحًا، سَوَاءٌ عَبْرَ تَهْدِيدَاتٍ مُبَطَّنَةٍ أَوْ إِغْرَاءَاتٍ مَالِيَّةٍ سَرِيعَةٍ تُغْلِقُ الأَفْوَاهَ بِسُرْعَةٍ أَكْبَرَ مِنْ أَيَّةِ دَعْوَى قَضَائِيَّةٍ مُطَوَّلَةٍ.»
٦
سَأَلَهَا عَدْنَانُ، بِفُضُولٍ مُتَزَايِدٍ عَنْ هَذِهِ المَرْأَةِ الَّتِي بَدَأَ يَثِقُ بِحُكْمِهَا المِهَنِيِّ بِسُرْعَةٍ: «لِينَا، مَا الَّذِي دَفَعَكِ لِتَخَصُّصِي فِي هَذَا النَّوْعِ بِالذَّاتِ مِنَ التَّحْقِيقَاتِ؟ أَرْشِيفَاتٌ عَائِلِيَّةٌ، إِرْثٌ ضَائِعٌ؟»
صَمَتَتْ لِلَحْظَةٍ، وَكَأَنَّهَا تُقَرِّرُ كَمْ مِنْ قِصَّتِهَا الشَّخْصِيَّةِ تُرِيدُ أَنْ تُشَارِكَهَا مَعَ رَجُلٍ تَعْرِفُهُ بِالكَادِ. «عَائِلَتِي، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، فَقَدَتْ بَيْتَهَا وَأَرْضَهَا فِي الجَنُوبِ اللُّبْنَانِيِّ خِلَالَ الِاجْتِيَاحِ الإِسْرَائِيلِيِّ عَامَ ١٩٨٢. حَاوَلَ جَدِّي، طَوَالَ عِشْرِينَ عَامًا بَعْدَهَا، أَنْ يُثْبِتَ مِلْكِيَّتَهُ لِتِلْكَ الأَرْضِ عَبْرَ أَوْرَاقٍ ضَاعَتْ فِي فَوْضَى النُّزُوحِ، وَمَاتَ دُونَ أَنْ يَحْصُلَ عَلَى أَيِّ تَعْوِيضٍ أَوِ اعْتِرَافٍ رَسْمِيٍّ. شَعَرْتُ، مُنْذُ صِغَرِي، بِغَضَبٍ عَمِيقٍ تِجَاهَ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الظُّلْمِ الصَّامِتِ، الظُّلْمِ الَّذِي لَا يُطْلِقُ عَلَيْهِ أَحَدٌ رَصَاصَةً، لَكِنَّهُ يَسْرِقُ مِنَ النَّاسِ تَارِيخَهُمْ وَحَقَّهُمْ بِهُدُوءٍ بِيرُوقْرَاطِيٍّ بَارِدٍ.» نَظَرَتْ مُبَاشَرَةً إِلَى الكَامِيرَا. «لِهَذَا، حِينَ تَحَدَّثْتَ مَعِي عَنْ أَمَانَةٍ قَدِيمَةٍ ضَاعَتْ بَيْنَ الحُرُوبِ وَالتَّأْمِيمِ وَالنِّسْيَانِ، شَعَرْتُ بِأَنَّنِي أَعْرِفُ هَذِهِ القِصَّةَ جَيِّدًا، وَلَوْ مِنْ زَاوِيَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.»
شَعَرَ عَدْنَانُ بِامْتِنَانٍ أَعْمَقَ تِجَاهَ هَذِهِ المَرْأَةِ، مُدْرِكًا أَنَّ دَافِعَهَا لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ أَجْرٍ مِهَنِيٍّ، بَلْ قَنَاعَةً شَخْصِيَّةً عَمِيقَةً، وَهَذَا بِالذَّاتِ مَا جَعَلَهُ يَثِقُ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَخْصٍ آخَرَ الْتَقَاهُ مُنْذُ بِدَايَةِ هَذِهِ الرِّحْلَةِ الغَرِيبَةِ.
٧
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِالذَّاتِ، وَبَيْنَمَا كَانَتْ لِينَا لَا تَزَالُ مُنْهَمِكَةً فِي عَمَلِهَا المُتَأَخِّرِ دَاخِلَ مَكْتَبِهَا بِبِرْلِينَ، السَّاعَةُ تَقْتَرِبُ مِنْ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، وَفِنْجَانُ قَهْوَتِهَا الثَّالِثُ بَارِدٌ بِالفِعْلِ بِجَانِبِهَا، تُرَاجِعُ أَرْشِيفَاتٍ إِضَافِيَّةً وَتُقَارِنُ بَيْنَ أَسْمَاءَ وَتَوَارِيخَ مُتَنَاثِرَةٍ، مُحَاوِلَةً أَنْ تَجِدَ خَيْطًا يَرْبِطُ بَيْنَ تَارِيخِ اخْتِفَاءِ كَمَالٍ الحَوْرَانِيِّ وَتَارِيخِ اخْتِفَاءِ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ بِدِقَّةٍ أَكْبَرَ، حَدَثَ شَيْءٌ غَرِيبٌ عَلَى حَاسُوبِهَا المَحْمُولِ.
تَوَقَّفَتِ الشَّاشَةُ فَجْأَةً عَنِ الِاسْتِجَابَةِ لِلَحْظَةٍ قَصِيرَةٍ، تَجَمَّدَتِ الصُّورَةُ تَمَامًا وَكَأَنَّ الجِهَازَ بِأَكْمَلِهِ قَدْ تَعَطَّلَ، ثُمَّ ظَهَرَتْ نَافِذَةٌ صَغِيرَةٌ غَيْرُ مَأْلُوفَةٍ، لَا تَنْتَمِي إِلَى أَيِّ بَرْنَامَجٍ تَسْتَخْدِمُهُ عَادَةً، بِتَصْمِيمٍ بَسِيطٍ تَقْرِيبًا بَدَائِيٍّ، خَالٍ مِنْ أَيِّ شِعَارٍ أَوْ عَلَامَةٍ تِجَارِيَّةٍ يُمْكِنُ تَتَبُّعُهَا، تَحْمِلُ رِسَالَةً نَصِّيَّةً بَسِيطَةً، مَكْتُوبَةً بِالعَرَبِيَّةِ وَالإِنْكِلِيزِيَّةِ مَعًا، بِخَطٍّ أَبْيَضَ عَلَى خَلْفِيَّةٍ سَوْدَاءَ صَارِمَةٍ:
«تَوَقَّفِي عَنْ حَفْرِ مَا لَا يَخُصُّكِ. بَعْضُ القُبُورِ يَجِبُ أَنْ تَبْقَى مُغْلَقَةً. هَذَا تَحْذِيرٌ أَوَّلٌ وَأَخِيرٌ.»
اخْتَفَتِ النَّافِذَةُ بَعْدَ ثَوَانٍ قَلِيلَةٍ، بِسُرْعَةٍ لَافِتَةٍ، وَكَأَنَّهَا لَمْ تَظْهَرْ قَطُّ، وَالشَّاشَةُ عَادَتْ إِلَى طَبِيعَتِهَا كَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَحْدُثْ، لَكِنَّ لِينَا، الصَّحَفِيَّةَ المُحْتَرِفَةَ الَّتِي وَاجَهَتْ مِنْ قَبْلُ مُحَاوَلَاتِ تَرْهِيبٍ مُشَابِهَةً خِلَالَ تَحْقِيقَاتٍ سَابِقَةٍ، كَانَتْ سَرِيعَةً بِمَا يَكْفِي لِالْتِقَاطِ صُورَةِ شَاشَةٍ بِهَاتِفِهَا المَحْمُولِ قَبْلَ أَنْ تَخْتَفِيَ الرِّسَالَةُ تَمَامًا مِنْ حَاسُوبِهَا.
جَلَسَتْ لِلَحَظَاتٍ، قَلْبُهَا يَخْفِقُ بِسُرْعَةٍ رَغْمَ كُلِّ خِبْرَتِهَا السَّابِقَةِ مَعَ مَوَاقِفَ مُشَابِهَةٍ، تُحَدِّقُ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ المُلْتَقَطَةِ عَلَى شَاشَةِ هَاتِفِهَا، مُحَاوِلَةً أَنْ تَسْتَوْعِبَ سُرْعَةَ وُصُولِ هَذَا التَّهْدِيدِ؛ فَهِيَ لَمْ تُشَارِكْ تَفَاصِيلَ تَحْقِيقِهَا مَعَ أَيِّ شَخْصٍ خَارِجَ دَائِرَةِ عَدْنَانَ الضَّيِّقَةِ، وَلَمْ تَنْشُرْ أَيَّ شَيْءٍ عَلَنًا بَعْدُ، مَا يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَرْسَلَ هَذَا التَّحْذِيرَ كَانَ يُرَاقِبُ نَشَاطَهَا الرَّقْمِيَّ مُبَاشَرَةً، بِطَرِيقَةٍ أَوْ بِأُخْرَى، رُبَّمَا عَبْرَ اخْتِرَاقِ حَاسُوبِهَا نَفْسِهِ، أَوْ رُبَّمَا عَبْرَ وَسِيلَةٍ أَكْثَرَ تَطَوُّرًا لَمْ تَخْطُرْ بِبَالِهَا بَعْدُ.
فَحَصَتْ سِجِلَّ شَبَكَتِهَا بِسُرْعَةٍ، بِخِبْرَةٍ تِقْنِيَّةٍ اكْتَسَبَتْهَا عَبْرَ سَنَوَاتٍ مِنَ العَمَلِ الصَّحَفِيِّ الحَسَّاسِ، فَوَجَدَتْ أَنَّ اتِّصَالَ الإِنْتَرْنِتِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ كَانَ قَدْ مَرَّ عَبْرَ خَادِمٍ وَسِيطٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ، لَمْ تَسْتَخْدِمْهُ مِنْ قَبْلُ، وَكَأَنَّ أَحَدًا قَدْ تَدَخَّلَ فِي مَسَارِ اتِّصَالِهَا لِلَحَظَاتٍ كَافِيَةٍ فَقَطْ لِإِيصَالِ تِلْكَ الرِّسَالَةِ، قَبْلَ أَنْ يَخْتَفِيَ أَثَرُهُ بِالكَامِلِ.
اتَّصَلَتْ بِعَدْنَانَ فَوْرًا، رَغْمَ تَأَخُّرِ الوَقْتِ، صَوْتُهَا يَحْمِلُ تَوَتُّرًا مِهَنِيًّا مَحْسُوبًا، لَكِنَّهُ حَقِيقِيٌّ أَيْضًا.
«سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، أَعْتَقِدُ أَنَّ عَلَيْنَا التَّحَدُّثَ الآنَ. حَدَثَ شَيْءٌ يَجِبُ أَنْ تَرَاهُ بِنَفْسِكَ.»
٨
أَرْسَلَتْ لَهُ صُورَةَ الشَّاشَةِ عَبْرَ القَنَاةِ المُشَفَّرَةِ نَفْسِهَا الَّتِي اتَّفَقَا عَلَى اسْتِخْدَامِهَا، وَانْتَظَرَتْ رَدَّ فِعْلِهِ بِصَمْتٍ مُتَوَتِّرٍ.
قَرَأَ عَدْنَانُ الرِّسَالَةَ مِرَارًا، شُعُورُهُ بِالذَّنْبِ يَتَصَاعَدُ بِسُرْعَةٍ؛ فَقَدْ جَرَّ امْرَأَةً لَا تَرْبِطُهُ بِهَا سِوَى مَعْرِفَةٍ سَطْحِيَّةٍ قَدِيمَةٍ إِلَى خَطَرٍ حَقِيقِيٍّ، خَطَرٍ لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ تَهْدِيدٍ هَاتِفِيٍّ بَعِيدٍ، بَلِ اقْتِحَامًا رَقْمِيًّا مُبَاشِرًا لِأَدَوَاتِهَا المِهَنِيَّةِ الخَاصَّةِ.
«لِينَا، أَنَا آسِفٌ جِدًّا. لَمْ أَكُنْ أَتَخَيَّلُ أَنَّ الأَمْرَ سَيَصِلُ إِلَى هَذَا الحَدِّ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ. رُبَّمَا مِنَ الأَفْضَلِ أَنْ تَتَوَقَّفِي، أَنْ تَحْمِي نَفْسَكِ، لَا تَسْتَحِقِّينَ هَذَا الخَطَرَ مُقَابِلَ أَجْرٍ مَهْمَا بَلَغَ.»
لَكِنَّ صَوْتَ لِينَا، حِينَ أَجَابَتْ، حَمَلَ حَزْمًا لَمْ يَتَوَقَّعْهُ عَدْنَانُ. «سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، لَا أَعْمَلُ فِي هَذَا المَجَالِ مُنْذُ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا لِأَتَرَاجَعَ عِنْدَ أَوَّلِ تَهْدِيدٍ رَقْمِيٍّ. فِي الحَقِيقَةِ، هَذَا التَّهْدِيدُ بِالذَّاتِ يُؤَكِّدُ لِي شَيْئًا وَاحِدًا بِوُضُوحٍ تَامٍّ: نَحْنُ نَقْتَرِبُ مِنْ شَيْءٍ حَقِيقِيٍّ، شَيْءٍ يُخِيفُ أَشْخَاصًا حَقِيقِيِّينَ بِمَا يَكْفِي لِيَتَحَرَّكُوا بِهَذِهِ السُّرْعَةِ وَهَذَا التَّطَوُّرِ التِّقْنِيِّ. هَذَا، بِالنِّسْبَةِ لِي، لَيْسَ سَبَبًا لِلتَّرَاجُعِ، بَلْ سَبَبٌ إِضَافِيٌّ لِلِاسْتِمْرَارِ، بِحَذَرٍ أَكْبَرَ بِالطَّبْعِ، لَكِنْ دُونَ تَرَاجُعٍ.»
«لَكِنَّ الخَطَرَ حَقِيقِيٌّ، لِينَا. رَأَيْتُ بِنَفْسِي مَاذَا حَدَثَ فِي بَيْرُوتَ، وَسَمِعْتُ تَهْدِيدَاتٍ مُبَاشِرَةً.»
«وَأَنَا أَيْضًا وَاجَهْتُ تَهْدِيدَاتٍ مُبَاشِرَةً مِنْ قَبْلُ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، فِي تَحْقِيقَاتٍ أُخْرَى، وَمَا زِلْتُ هُنَا. سَأَتَّخِذُ احْتِيَاطَاتٍ إِضَافِيَّةً بِالطَّبْعِ، سَأُغَيِّرُ كَلِمَاتِ مُرُورِي، سَأَسْتَخْدِمُ شَبَكَةً أَكْثَرَ أَمَانًا، وَسَأَطْلُبُ مِنْ صَدِيقٍ مُتَخَصِّصٍ فِي الأَمْنِ الرَّقْمِيِّ أَنْ يَفْحَصَ جِهَازِي بِالكَامِلِ غَدًا صَبَاحًا. لَكِنَّنِي لَنْ أَتَوَقَّفَ عَنْ هَذَا التَّحْقِيقِ الآنَ، لَيْسَ بَعْدَ أَنِ اقْتَرَبْنَا هَذَا القَدْرَ مِنَ الحَقِيقَةِ.»
٩
«هَلْ لَدَيْكِ أَيَّةُ فِكْرَةٍ كَيْفَ تَمَكَّنُوا مِنِ اخْتِرَاقِ جِهَازِكِ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ؟ لَمْ يَمُرَّ سِوَى أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ مُنْذُ أَنْ بَدَأْنَا العَمَلَ مَعًا.»
فَكَّرَتْ لِينَا بِجِدِّيَّةٍ، تُرَاجِعُ فِي ذِهْنِهَا كُلَّ خُطْوَةٍ اتَّخَذَتْهَا. «احْتِمَالَانِ يَخْطُرَانِ بِبَالِي، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ. الأَوَّلُ، أَنْ يَكُونَ جِهَازِي قَدِ اخْتُرِقَ بِطَرِيقَةٍ عَامَّةٍ، غَيْرِ مُرْتَبِطَةٍ تَحْدِيدًا بِهَذَا التَّحْقِيقِ، ثُمَّ لَاحَظَ مَنِ اخْتَرَقَهُ أَنَّنِي أَعْمَلُ عَلَى شَيْءٍ يَخُصُّهُمْ. لَكِنْ هَذَا احْتِمَالٌ ضَعِيفٌ نِسْبِيًّا، فَالتَّوْقِيتُ دَقِيقٌ جِدًّا لِيَكُونَ صُدْفَةً.» تَوَقَّفَتْ، وَأَكْمَلَتْ بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ قَلَقًا. «الِاحْتِمَالُ الثَّانِي، الأَكْثَرُ إِثَارَةً لِلْقَلَقِ، هُوَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الأَطْرَافِ الَّتِي تَعَامَلْنَا مَعَهَا مُبَاشَرَةً، أَنْتَ أَوْ أَنَا، قَدْ سَرَّبَ مَعْلُومَاتٍ عَنْ هَذَا التَّحْقِيقِ، عَنْ قَصْدٍ أَوْ دُونِ قَصْدٍ. هَلْ أَخْبَرْتَ أَيَّ شَخْصٍ آخَرَ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، بِأَنَّكَ اسْتَعَنْتَ بِي تَحْدِيدًا؟»
فَكَّرَ عَدْنَانُ بِسُرْعَةٍ فِي كُلِّ مَنْ تَحَدَّثَ مَعَهُمْ مُنْذُ وُصُولِهِ: زِيَادٌ سَلُّومٌ، إِلْيَاسُ النَّابُلْسِيُّ، حَتَّى ابْنُهُ كَرِيمٌ بِشَكْلٍ عَابِرٍ. «لَمْ أَذْكُرِ اسْمَكِ تَحْدِيدًا لِأَيِّ شَخْصٍ، لَكِنَّنِي ذَكَرْتُ لِزِيَادٍ سَلُّومٍ أَنَّنِي أَسْتَعِينُ بِمُسَاعَدَةٍ خَارِجِيَّةٍ لِلتَّحَقُّقِ مِنْ بَعْضِ التَّفَاصِيلِ، دُونَ تَسْمِيَةِ أَحَدٍ بِالضَّبْطِ.»
«وَهَلْ طَلَبَ مِنْكَ زِيَادٌ أَيَّةَ تَفَاصِيلَ إِضَافِيَّةٍ عَنْ هَذِهِ المُسَاعَدَةِ الخَارِجِيَّةِ؟»
تَذَكَّرَ عَدْنَانُ المُحَادَثَةَ بِدِقَّةٍ أَكْبَرَ. «سَأَلَنِي، نَعَمْ، إِنْ كَانَتْ هَذِهِ المُسَاعَدَةُ مَوْثُوقَةً، وَإِنْ كَانَتْ تَعْمَلُ مِنْ دَاخِلِ سُورِيَا أَوْ مِنْ خَارِجِهَا. أَخْبَرْتُهُ أَنَّهَا تَعْمَلُ مِنْ أُورُوبَّا، دُونَ تَفَاصِيلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.»
«هَذَا قَدْ يَكُونُ كَافِيًا، لِلْأَسَفِ، إِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ يُرَاقِبُ اتِّصَالَاتِكَ عَنْ كَثَبٍ، أَوْ إِنْ كَانَ لَدَيْهِ وَسِيلَةٌ أُخْرَى لِمَعْرِفَةِ مَنْ تَتَوَاصَلُ مَعَهُ، أَوْ حَتَّى إِنْ كَانَ زِيَادٌ نَفْسُهُ، عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ، قَدْ ذَكَرَ هَذَا التَّفْصِيلَ لِشَخْصٍ آخَرَ يَظُنُّهُ بَرِيئًا مِنَ الأَمْرِ.» نَظَرَتْ لِينَا إِلَى الكَامِيرَا بِجِدِّيَّةٍ. «سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، أَقْتَرِحُ أَنْ نَكُونَ أَكْثَرَ حَذَرًا مِنَ الآنَ فَصَاعِدًا بِخُصُوصِ مَنْ نُطْلِعُهُ عَلَى تَفَاصِيلِ تَحَرُّكَاتِنَا، حَتَّى وَلَوْ بَدَا ذَلِكَ الشَّخْصُ جَدِيرًا بِالثِّقَةِ تَمَامًا. حَتَّى زِيَادٌ سَلُّومٌ نَفْسُهُ، رَغْمَ أَنَّنِي لَا أَمْلِكُ سَبَبًا مُحَدَّدًا لِلشَّكِّ فِيهِ شَخْصِيًّا، يَجِبُ أَنْ يَبْقَى خَارِجَ دَائِرَةِ التَّفَاصِيلِ الدَّقِيقَةِ مِنَ الآنَ فَصَاعِدًا.»
١٠
بَعْدَ أَنْ أَنْهَيَا المُكَالَمَةَ، جَلَسَ عَدْنَانُ طَوِيلًا فِي غُرْفَةِ فُنْدُقِهِ، يُفَكِّرُ فِي كُلِّ مَا حَدَثَ خِلَالَ الأَيَّامِ القَلِيلَةِ المَاضِيَةِ: تَهْدِيدٌ فِي فرانكفورت، غُرْفَةٌ مُفَتَّشَةٌ فِي بَيْرُوتَ، رَجُلٌ غَامِضٌ يُلِحُّ عَلَى التَّفَاصِيلِ فِي دِمَشْقَ، وَأَخِيرًا، اخْتِرَاقٌ رَقْمِيٌّ مُبَاشِرٌ لِحَاسُوبِ صَحَفِيَّةٍ فِي بِرْلِينَ، لَمْ تَكُنْ حَتَّى قَدْ بَدَأَتْ بِنَشْرِ أَيِّ شَيْءٍ بَعْدُ.
بَدَأَ يُدْرِكُ، بِوُضُوحٍ مُتَزَايِدٍ يَقْتَرِبُ مِنَ اليَقِينِ، أَنَّ مَنْ يَقِفُ خَلْفَ هَذِهِ التَّهْدِيدَاتِ المُتَلَاحِقَةِ لَيْسَ شَخْصًا وَاحِدًا يَعْمَلُ بِمُفْرَدِهِ، بَلْ شَبَكَةً مُنَظَّمَةً، تَمْلِكُ مَوَارِدَ وَقُدُرَاتٍ تِقْنِيَّةً مُتَطَوِّرَةً، تُرَاقِبُ كُلَّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا هُوَ وَلِينَا مَعًا، بِسُرْعَةِ اسْتِجَابَةٍ تَفُوقُ كَثِيرًا مَا يَتَوَقَّعُهُ المَرْءُ مِنْ مُجَرَّدِ «قَرِيبٍ بَعِيدٍ» يَدَّعِي الِاهْتِمَامَ الأَخْلَاقِيَّ بِذِكْرَى عَائِلَتِهِ، كَمَا وَصَفَ إِلْيَاسُ نَفْسَهُ.
فَكَّرَ مُطَوَّلًا فِي التَّسَلْسُلِ الزَّمَنِيِّ الغَرِيبِ لِكُلِّ هَذِهِ الأَحْدَاثِ: خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ عَامًا مِنَ الصَّمْتِ التَّامِّ، لَا رِسَالَةَ، لَا اتِّصَالَ، لَا أَيَّةَ إِشَارَةٍ إِلَى أَنَّ أَحَدًا يُتَابِعُ مَصِيرَ تِلْكَ الأَمَانَةِ القَدِيمَةِ. ثُمَّ، فَجْأَةً، فِي غُضُونِ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ فَقَطْ، تَسْتَيْقِظُ القِصَّةُ كُلُّهَا مِنْ سُبَاتِهَا الطَّوِيلِ: وَصِيَّةٌ تُكْتَشَفُ «بِالصُّدْفَةِ» فِي أَرْشِيفِ مَحْكَمَةٍ، رَجُلٌ يَدَّعِي القَرَابَةَ يَظْهَرُ بِسُرْعَةٍ مُرِيبَةٍ، وَشَبَكَةُ مُرَاقَبَةٍ تِقْنِيَّةٍ مُتَطَوِّرَةٌ تَتَحَرَّكُ فِي اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا الَّتِي يَبْدَأُ فِيهَا أَيُّ تَحْقِيقٍ جَدِّيٍّ. تَسَاءَلَ إِنْ كَانَتْ هَذِهِ «الصُّدْفَةُ» فِي اكْتِشَافِ الوَثِيقَةِ حَقِيقِيَّةً فِعْلًا، أَمْ أَنَّ أَحَدًا، لِسَبَبٍ مَا، قَرَّرَ أَنَّ الوَقْتَ قَدْ حَانَ أَخِيرًا لِإِيقَاظِ هَذِهِ القِصَّةِ مِنْ جَدِيدٍ، بَعْدَ عُقُودٍ مِنَ الِانْتِظَارِ المُتَعَمَّدِ.
فَكَّرَ فِي كَمَالٍ الحَوْرَانِيِّ، الَّذِي اخْتَفَى فِي الظَّرْفِ نَفْسِهِ تَقْرِيبًا الَّذِي اخْتَفَى فِيهِ الحَاجُّ تَوْفِيقٌ، وَفِي رِيمَ، الَّتِي رُبَّمَا لَا تَزَالُ حَيَّةً فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ تَحْمِلُ إِجَابَاتٍ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ الوُصُولَ إِلَيْهَا بَعْدُ. وَفَكَّرَ، بِقَلَقٍ مُتَصَاعِدٍ، فِي أَنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا نَحْوَ الحَقِيقَةِ، تُقَرِّبُهُ أَيْضًا، خُطْوَةً بِخُطْوَةٍ، مِنْ خَطَرٍ حَقِيقِيٍّ مُتَزَايِدٍ، لَا يَعْرِفُ بَعْدُ حَجْمَهُ الكَامِلَ، وَلَا هُوِيَّةَ مَنْ يَقِفُ خَلْفَهُ بِالضَّبْطِ.
نَظَرَ إِلَى هَاتِفِهِ، إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ الَّتِي أَرْسَلَتْهَا لَهُ لِينَا: «تَوَقَّفِي عَنْ حَفْرِ مَا لَا يَخُصُّكِ. بَعْضُ القُبُورِ يَجِبُ أَنْ تَبْقَى مُغْلَقَةً.» شَعَرَ بِقُشَعْرِيرَةٍ بَارِدَةٍ تَسْرِي فِي جَسَدِهِ وَهُوَ يَقْرَأُ الجُمْلَةَ لِلْمَرَّةِ العَاشِرَةِ تَقْرِيبًا، مُتَسَائِلًا، بِخَوْفٍ صَامِتٍ لَمْ يُشَارِكْهُ مَعَ أَحَدٍ، أَيَّ قُبُورٍ بِالضَّبْطِ كَانَتْ تُقْصَدُ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ، وَكَمْ عَدَدُ الأَسْرَارِ المَدْفُونَةِ الَّتِي أَوْشَكُوا، هُوَ وَلِينَا مَعًا، عَلَى إِيقَاظِهَا مِنْ رُقَادِهَا الطَّوِيلِ.
تَذَكَّرَ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، جُمْلَةً قَالَهَا لَهُ الحَاجُّ تَوْفِيقٌ قَبْلَ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا، فِي ذَلِكَ المَخْزَنِ المُظْلِمِ المَلِيءِ بِالغُبَارِ وَأَسْرَارِ عَامِ ١٩٥٨: «الثَّرْوَةُ المُخْفَاةُ نِعْمَةٌ وَنِقْمَةٌ فِي آنٍ وَاحِدٍ، خَاصَّةً حِينَ يُكْشَفُ عَنْهَا فِي وَقْتِ الضَّعْفِ لَا وَقْتِ القُوَّةِ.» تَسَاءَلَ إِنْ كَانَ هُوَ الآنَ، فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، يَقِفُ فِي «وَقْتِ الضَّعْفِ» الَّذِي حَذَّرَهُ مِنْهُ مُعَلِّمُهُ القَدِيمُ، مُحَاطًا بِأَعْدَاءَ لَا يَعْرِفُ عَدَدَهُمْ وَلَا هُوِيَّتَهُمُ الحَقِيقِيَّةَ، أَمْ أَنَّهُ، رَغْمَ كُلِّ الخَطَرِ المُحِيطِ بِهِ، بَدَأَ أَخِيرًا يَقْتَرِبُ مِنْ «وَقْتِ القُوَّةِ» الَّذِي طَالَ انْتِظَارُهُ.
قَبْلَ أَنْ يَنَامَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، أَرْسَلَ رِسَالَةً أَخِيرَةً إِلَى لِينَا: «شُكْرًا لَكِ عَلَى شَجَاعَتِكِ. سَنَكُونُ حَذِرِينَ مَعًا، خُطْوَةً بِخُطْوَةٍ.» جَاءَ رَدُّهَا بَعْدَ دَقَائِقَ قَلِيلَةٍ، مُقْتَضَبًا لَكِنَّهُ حَمَلَ عَزِيمَةً وَاضِحَةً: «مَعًا، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ. حَتَّى النِّهَايَةِ، أَيًّا كَانَتْ.»
