وَصِيَّةُ الحَرِيقَةِ
الفَصْلُ الحَادِيَ عَشَرَ
١
بَعْدَ يَوْمَيْنِ مِنْ حَادِثَةِ الاِخْتِرَاقِ الرَّقْمِيِّ الَّتِي هَزَّتْ لِينَا فِي بَرْلِينَ، اتَّصَلَتْ بِعَدْنَانَ فِي فُنْدُقِهِ الدِّمَشْقِيِّ بِصَوْتٍ يَحْمِلُ حَمَاسًا مِهْنِيًّا وَاضِحًا، رَغْمَ كُلِّ الحَذَرِ الإِضَافِيِّ الَّذِي بَدَأَ يَطْبَعُ كُلَّ خُطْوَةٍ تَخْطُوهَا مُنْذُ ذَلِكَ التَّهْدِيدِ. كَانَتْ قَدْ قَضَتِ اليَوْمَيْنِ السَّابِقَيْنِ، كَمَا أَخْبَرَتْهُ، فِي عَمَلٍ شِبْهِ مُتَوَاصِلٍ، تَنَامُ سَاعَاتٍ قَلِيلَةً فَقَطْ بَيْنَ جَلْسَةِ بَحْثٍ وَأُخْرَى، مَدْفُوعَةً بِشُعُورٍ مُتَزَايِدٍ أَنَّهَا اقْتَرَبَتْ أَخِيرًا مِنْ شَيْءٍ حَقِيقِيٍّ يَسْتَحِقُّ كُلَّ هَذَا الجُهْدِ وَالخَطَرِ. غَيَّرَتْ، كَمَا وَعَدَتْ، كُلَّ كَلِمَاتِ مُرُورِهَا، وَاسْتَعَانَتْ بِصَدِيقٍ مُتَخَصِّصٍ فِي الأَمْنِ الرَّقْمِيِّ فَحَصَ جِهَازَهَا بِالكَامِلِ وَلَمْ يَجِدْ أَثَرًا إِضَافِيًّا لِلاِخْتِرَاقِ، لَكِنَّهُ حَذَّرَهَا بِأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ يَمْلِكُ أَدَوَاتٍ مُتَطَوِّرَةً يَصْعُبُ تَتَبُّعُهَا بِالوَسَائِلِ التِّقْنِيَّةِ العَادِيَّةِ.
“سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، أَظُنُّ أَنَّنِي وَجَدْتُ أَخِيرًا الخَيْطَ الَّذِي يَرْبِطُ كُلَّ شَيْءٍ بِبَعْضِهِ.” كَانَتْ تَتَحَدَّثُ بِسُرْعَةٍ، مُتَحَمِّسَةً بِطَرِيقَةٍ لَمْ يَسْمَعْهَا مِنْهَا مِنْ قَبْلُ. “تَمَكَّنْتُ، عَبْرَ ذَلِكَ البَاحِثِ البَيْرُوتِيِّ المُتَقَاعِدِ الَّذِي أَخْبَرْتُكَ عَنْهُ، مِنَ الوُصُولِ إِلَى مِلَفِّ شُرْطَةٍ قَدِيمٍ، مُصَنَّفٍ سِرِّيًّا جُزْئِيًّا، يَعُودُ إِلَى صَيْفِ عَامِ 1976، قَبْلَ اِخْتِفَاءِ كَمَالٍ الحَوْرَانِيِّ بِعَامَيْنِ تَقْرِيبًا.”
“مَاذَا يَقُولُ هَذَا المِلَفُّ؟”
“يَصِفُ حَادِثَةَ تَهْدِيدٍ تَلَقَّاهَا كَمَالٌ الحَوْرَانِيُّ شَخْصِيًّا، مِنْ جِهَةٍ لَمْ تُحَدَّدْ بِوُضُوحٍ فِي التَّقْرِيرِ، تَتَعَلَّقُ بِدُيُونٍ كَبِيرَةٍ، أَوْ رُبَّمَا بِمُنَافَسَةٍ تِجَارِيَّةٍ عَنِيفَةٍ، الطَّبِيعَةُ الدَّقِيقَةُ لِلتَّهْدِيدِ غَيْرُ وَاضِحَةٍ تَمَامًا بِسَبَبِ رَدَاءَةِ جَوْدَةِ النُّسْخَةِ المُصَوَّرَةِ الَّتِي حَصَلْنَا عَلَيْهَا. لَكِنَّ المُهِمَّ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، أَنَّ التَّقْرِيرَ يَذْكُرُ أَنَّ كَمَالًا قَدَّمَ شَكْوَى رَسْمِيَّةً يَوْمَ 14 تَمُّوزَ 1976، يَزْعُمُ فِيهَا أَنَّ مَجْهُولِينَ اقْتَحَمُوا أَحَدَ مَتَاجِرِهِ فِي بَيْرُوتَ، وَسَرَقُوا مَبْلَغًا كَبِيرًا مِنَ المَالِ وَالمُجَوْهَرَاتِ، وَأَنَّهُ يَخْشَى عَلَى سَلَامَةِ عَائِلَتِهِ إِنِ اسْتَمَرَّ فِي بَيْرُوتَ.”
٢
أَحَسَّ عَدْنَانُ بِقِطَعٍ أُخْرَى مِنَ الصُّورَةِ تَتَجَمَّعُ أَمَامَهُ. “هَذَا يَتَطَابَقُ تَمَامًا مَعَ الفَتْرَةِ الَّتِي زَارَ فِيهَا كَمَالٌ مَتْجَرَ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ بِرِفْقَةِ اِبْنَتِهِ، طَالِبًا اِسْتِرْدَادَ جُزْءٍ مِنْ أَمَانَتِهِ.”
“بِالضَّبْطِ. أَظُنُّ أَنَّ مَا حَدَثَ هُوَ التَّالِي، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، رَغْمَ أَنَّ هَذَا لَا يَزَالُ اِسْتِنْتَاجًا مَبْنِيًّا عَلَى أَدِلَّةٍ غَيْرِ مُكْتَمِلَةٍ: كَمَالٌ، خَائِفًا مِنَ التَّهْدِيدَاتِ المُتَصَاعِدَةِ فِي بَيْرُوتَ، قَرَّرَ أَنْ يُخْفِيَ جُزْءًا كَبِيرًا مِنْ ثَرْوَتِهِ، لَيْسَ فَقَطِ الأَمَانَةَ القَدِيمَةَ لِعَامِ 1958 الَّتِي كَانَ الحَاجُّ تَوْفِيقٌ يَحْتَفِظُ بِهَا بِالفِعْلِ دُونَ عِلْمِ كَمَالٍ بِحَجْمِهَا الحَقِيقِيِّ، بَلْ أَيْضًا أَمْوَالًا وَمُجَوْهَرَاتٍ إِضَافِيَّةً جَمَعَهَا هُوَ شَخْصِيًّا، رُبَّمَا لَمْ تَكُنْ جُزْءًا مِنْ تِلْكَ الأَمَانَةِ القَدِيمَةِ أَصْلًا.”
“وَهَلْ يَذْكُرُ التَّقْرِيرُ مَنِ الَّذِي هَدَّدَ كَمَالًا بِالتَّحْدِيدِ؟ أَوْ مَا إِذَا كَانَ يَعْرِفُ هُوِيَّتَهُمْ؟”
“التَّقْرِيرُ مُقْتَضَبٌ فِي هَذَا الجَانِبِ، لَكِنَّهُ يَذْكُرُ أَنَّ كَمَالًا أَشَارَ، فِي إِفَادَتِهِ الأَصْلِيَّةِ لِلشُّرْطَةِ، إِلَى أَنَّهُ يَشُكُّ فِي ‘مُنَافِسٍ تِجَارِيٍّ سَابِقٍ’ كَانَ قَدْ خَسِرَ أَمَامَهُ صَفْقَةً كَبِيرَةً قَبْلَ سَنَوَاتٍ، دُونَ أَنْ يَذْكُرَ اِسْمًا مُحَدَّدًا خَوْفًا، كَمَا وَرَدَ فِي التَّقْرِيرِ، مِنْ ‘عَوَاقِبَ لَا يَسْتَطِيعُ تَحَمُّلَهَا لِعَائِلَتِهِ إِنْ أَخْطَأَ فِي اِتِّهَامِهِ’. جُمْلَةٌ غَرِيبَةٌ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، تُوحِي بِأَنَّ كَمَالًا كَانَ يَعْرِفُ أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا قَالَهُ رَسْمِيًّا لِلشُّرْطَةِ، لَكِنَّهُ اِخْتَارَ الصَّمْتَ حِمَايَةً لِعَائِلَتِهِ.”
“وَهَلْ تَعْتَقِدِينَ أَنَّ هَذَا هُوَ مَا كَانَ يَطْلُبُهُ مِنَ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ فِي تِلْكَ الزِّيَارَةِ؟ لَيْسَ فَقَطْ جُزْءًا مِنْ أَمَانَةِ عَائِلَتِهِ القَدِيمَةِ، بَلْ أَيْضًا وَدِيعَةً أَحْدَثَ، خَاصَّةً بِهِ شَخْصِيًّا؟”
“هَذَا اِحْتِمَالٌ قَوِيٌّ جِدًّا، نَعَمْ. وَهُوَ مَا قَدْ يُفَسِّرُ أَيْضًا تَوَتُّرَ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ الشَّدِيدَ خِلَالَ تِلْكَ الزِّيَارَةِ، كَمَا وَصَفْتُهُ لِي: رُبَّمَا كَانَ يَخْشَى أَنْ يَكْتَشِفَ كَمَالٌ، لَوِ اكْتَشَفَ حَجْمَ الأَمَانَةِ القَدِيمَةِ الحَقِيقِيَّ، أَنَّ هُنَاكَ ثَرْوَةً عَائِلِيَّةً أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا يَتَخَيَّلُ، مَحْبُوسَةً عِنْدَهُ مُنْذُ عِقْدَيْنِ، بَيْنَمَا هُوَ، كَمَالٌ، يَتَوَسَّلُ الآنَ مِنْ أَجْلِ جُزْءٍ بَسِيطٍ نِسْبِيًّا مِنْهَا.”
٣
تَوَقَّفَتْ لِينَا لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ أَضَافَتْ بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ جِدِّيَّةً. “لَكِنَّ هَذَا يَقُودُنِي إِلَى الجُزْءِ الأَهَمِّ مِمَّا اكْتَشَفْتُهُ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ. وَاصَلْتُ البَحْثَ فِي الأَرْشِيفِ نَفْسِهِ، مُحَاوِلَةً تَتَبُّعَ مَصِيرِ القَضِيَّةِ بَعْدَ تِلْكَ الشَّكْوَى الأُولَى، وَوَجَدْتُ إِشَارَةً أُخْرَى، مُقْتَضَبَةً جِدًّا، إِلَى تَحْقِيقٍ لَاحِقٍ فُتِحَ فِي أَوَاخِرِ عَامِ 1978، بَعْدَ اِخْتِفَاءِ كَمَالٍ مُبَاشَرَةً، يَرْبِطُ بَيْنَ اِخْتِفَائِهِ وَبَيْنَ تِلْكَ الشَّكْوَى القَدِيمَةِ، مُقْتَرِحًا أَنَّ مَنْ هَدَّدَهُ عَامَ 1976 قَدْ يَكُونُ هُوَ نَفْسُهُ مَنْ نَفَّذَ التَّهْدِيدَ أَخِيرًا بَعْدَ عَامَيْنِ مِنَ التَّرَقُّبِ وَالمُرَاقَبَةِ.”
“هَلْ يَذْكُرُ التَّقْرِيرُ أَيَّ اِسْمٍ، أَيَّةَ هُوِيَّةٍ مُحْتَمَلَةٍ لِهَذَا المُهَدِّدِ؟”
“لِلْأَسَفِ لَا، لَيْسَ عَلَى نَحْوٍ مُبَاشِرٍ. لَكِنَّ هُنَاكَ تَفْصِيلًا مُثِيرًا لِلاِهْتِمَامِ: يَذْكُرُ التَّقْرِيرُ أَنَّ أَحَدَ الشُّهُودِ، جَارًا لِعَائِلَةِ الحَوْرَانِي فِي بَيْرُوتَ، أَفَادَ بِأَنَّهُ رَأَى، فِي الأَسَابِيعِ الَّتِي سَبَقَتِ اِخْتِفَاءَ كَمَالٍ، رَجُلًا يَزُورُ المَنْزِلَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، يَتَحَدَّثُ بِلَهْجَةٍ دِمَشْقِيَّةٍ لَا بَيْرُوتِيَّةٍ، وَيَبْدُو أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ كَمَالًا مَعْرِفَةً شَخْصِيَّةً سَابِقَةً.” تَوَقَّفَتْ لِينَا، وَأَضَافَتْ بِنَبْرَةٍ مُوحِيَةٍ: “هَذَا يُذَكِّرُنِي، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، بِوَصْفِكَ أَنْتَ شَخْصِيًّا لِإِلْيَاسَ النَّابُلُسِيِّ، الَّذِي أَشَرْتَ إِلَى أَنَّهُ يَتَحَدَّثُ بِلَهْجَةٍ دِمَشْقِيَّةٍ مَصْقُولَةٍ، رَغْمَ اِدِّعَائِهِ مَعْرِفَةً قَدِيمَةً بِالعَائِلَةِ.”
“كَيْفَ حَصَلْتِ عَلَى هَذَا المِلَفِّ بِالضَّبْطِ؟ ظَنَنْتُ أَنَّ أَرْشِيفَاتِ الشُّرْطَةِ مِنْ تِلْكَ الفَتْرَةِ مُصَنَّفَةٌ سِرِّيَّةً.”
“جُزْءٌ كَبِيرٌ مِنْهَا كَذَلِكَ، فِعْلًا، لَكِنَّ البَاحِثَ الَّذِي أَعْمَلُ مَعَهُ، رَجُلٌ يُدْعَى أَبُو نَبِيلٍ، عَمِلَ لِعُقُودٍ فِي أَرْشَفَةِ وَثَائِقِ وِزَارَةِ الدَّاخِلِيَّةِ اللُّبْنَانِيَّةِ قَبْلَ تَقَاعُدِهِ، وَيَعْرِفُ كُلَّ ثَغْرَةٍ بِيرُوقْرَاطِيَّةٍ يُمْكِنُ اسْتِغْلَالُهَا لِلْوُصُولِ إِلَى مِلَفَّاتٍ لَمْ تُرَقْمَنْ أَوْ تُصَنَّفْ رَسْمِيًّا بَعْدُ، مَحْفُوظَةٍ فِي صَنَادِيقَ كَرْتُونِيَّةٍ مَنْسِيَّةٍ فِي أَقْبِيَةٍ رَطْبَةٍ. دَفَعْتُ لَهُ أَجْرًا إِضَافِيًّا هَذِهِ المَرَّةَ، لِأَنَّهُ اُضْطُرَّ لِلْمُخَاطَرَةِ أَكْثَرَ مِنَ المُعْتَادِ لِلْوُصُولِ إِلَى هَذَا المِلَفِّ بِالذَّاتِ، بَعْدَ أَنْ لَاحَظَ أَنَّ أَحَدًا آخَرَ كَانَ قَدْ طَلَبَ المِلَفَّ نَفْسَهُ قَبْلَ أَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ، وَتَرَكَ أَثَرًا فِي سِجِلِّ الطَّلَبَاتِ يُثِيرُ الشَّكَّ.”
“مَنْ طَلَبَهُ مِنْ قَبْلُ؟”
“السِّجِلُّ لَا يَذْكُرُ اِسْمًا، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، فَقَطْ رَمْزَ طَلَبٍ دَاخِلِيٍّ يُمْكِنُ، نَظَرِيًّا، تَتَبُّعُهُ إِلَى الجِهَةِ أَوِ الشَّخْصِ الَّذِي قَدَّمَهُ، لَكِنَّ هَذَا سَيَتَطَلَّبُ وَقْتًا وَمَالًا إِضَافِيَّيْنِ لَمْ أَكُنْ مُسْتَعِدَّةً لِإِنْفَاقِهِمَا دُونَ مُوَافَقَتِكَ أَوَّلًا.”
“اِفْعَلِي مَا يَلْزَمُ، لِينَا. سَأُغَطِّي أَيَّةَ تَكْلِفَةٍ إِضَافِيَّةٍ.”
“شُكْرًا لَكَ. سَأُتَابِعُ هَذَا الخَيْطَ فَوْرًا.”
٤
أَحَسَّ عَدْنَانُ بِقُشَعْرِيرَةٍ بَارِدَةٍ تَسْرِي فِي جَسَدِهِ. “تَقْصِدِينَ أَنَّ إِلْيَاسَ، أَوْ شَخْصًا مِنْ عَائِلَتِهِ، قَدْ يَكُونُ مُتَوَرِّطًا فِي اِخْتِفَاءِ كَمَالٍ نَفْسِهِ، مُنْذُ عَامِ 1978؟”
“لَا أَسْتَطِيعُ الجَزْمَ بِذَلِكَ بَعْدُ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، فَإِلْيَاسُ كَانَ لَا يَزَالُ طِفْلًا صَغِيرًا فِي تِلْكَ الفَتْرَةِ، بِحَسَبِ عُمْرِهِ الحَالِيِّ التَّقْرِيبِيِّ. لَكِنْ قَدْ يَكُونُ وَالِدُهُ، أَوْ أَحَدُ أَقَارِبِهِ الأَكْبَرِ سِنًّا، هُوَ مَنْ كَانَ يَزُورُ بَيْتَ الحَوْرَانِي فِي بَيْرُوتَ، سَاعِيًا وَرَاءَ مَعْلُومَاتٍ عَنِ الأَمَانَةِ القَدِيمَةِ نَفْسِهَا، رُبَّمَا بَعْدَ أَنْ سَمِعَ بِهَا عَبْرَ رِوَايَةٍ عَائِلِيَّةٍ مُتَوَارَثَةٍ، كَمَا اقْتَرَحَ زِيَادُ سَلُّومَ مِنْ قَبْلُ.” أَخَذَتْ لِينَا نَفَسًا عَمِيقًا وَاضِحًا حَتَّى عَبْرَ سَمَّاعَةِ الهَاتِفِ. “هَذَا يَعْنِي، إِنْ صَحَّ هَذَا الاِسْتِنْتَاجُ، أَنَّ هَذِهِ القِصَّةَ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، لَيْسَتْ مُجَرَّدَ صُدْفَةٍ تَارِيخِيَّةٍ اِسْتَيْقَظَتْ بَعْدَ عُقُودٍ، بَلْ رُبَّمَا كَانَتْ هُنَاكَ عَائِلَةٌ، أَوْ شَبَكَةٌ مِنَ الأَشْخَاصِ، تُرَاقِبُ مَصِيرَ هَذِهِ الأَمَانَةِ مُنْذُ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ، مُنْتَظِرَةً اللَّحْظَةَ المُنَاسِبَةَ لِلْمُطَالَبَةِ بِهَا، أَوْ لِلاِسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا بِطَرِيقَةٍ أَوْ بِأُخْرَى.”
جَلَسَ عَدْنَانُ صَامِتًا لِلَحَظَاتٍ، يَسْتَوْعِبُ ثِقْلَ هَذَا الاِحْتِمَالِ الجَدِيدِ: أَنَّ الشَّبَكَةَ الَّتِي تُهَدِّدُهُ الآنَ لَيْسَتْ ظَاهِرَةً حَدِيثَةً، بَلِ اِمْتِدَادٌ لِمُؤَامَرَةٍ قَدِيمَةٍ، مُتَجَذِّرَةٍ فِي تَارِيخٍ عَائِلِيٍّ مُعَقَّدٍ يَمْتَدُّ لِأَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ قَرْنٍ.
“لِينَا، إِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ أَحَدًا مَا، عَائِلَةً كَامِلَةً رُبَّمَا، كَانَتْ تَعْرِفُ بِوُجُودِ هَذِهِ الأَمَانَةِ طَوَالَ كُلِّ هَذِهِ العُقُودِ، وَتَنْتَظِرُ فَقَطِ اللَّحْظَةَ المُنَاسِبَةَ، أَوِ الظَّرْفَ المُنَاسِبَ، لِلتَّحَرُّكِ.”
“بِالضَّبْطِ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ. وَهَذَا يُفَسِّرُ أَيْضًا شَيْئًا حَيَّرَنِي مُنْذُ البِدَايَةِ: كَيْفَ عَرَفَ إِلْيَاسُ بِمَوْعِدِ وُصُولِكَ إِلَى مَكْتَبِ زِيَادَ سَلُّومَ، رَغْمَ أَنَّ زِيَادًا نَفْسَهُ لَمْ يُخْبِرْهُ؟ إِنْ كَانَتْ هُنَاكَ شَبَكَةُ مُرَاقَبَةٍ قَدِيمَةٌ، رُبَّمَا تَكُونُ قَدْ رَاقَبَتْ أَيْضًا وُصُولَ تِلْكَ الرِّسَالَةِ إِلَيْكَ فِي فِرَانْكْفُورْت مِنَ اللَّحْظَةِ الأُولَى، أَوْ حَتَّى رَاقَبَتْ أَرْشِيفَ المَحْكَمَةِ نَفْسَهُ الَّذِي ‘اُكْتُشِفَتْ’ فِيهِ الوَصِيَّةُ بِالصُّدْفَةِ، كَمَا وُصِفَ لَكَ.”
“تَقْصِدِينَ أَنَّ اِكْتِشَافَ الوَثِيقَةِ نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ صُدْفَةً؟”
“هَذَا اِحْتِمَالٌ بَدَأْتُ أَجِدُهُ أَكْثَرَ إِقْنَاعًا كُلَّ يَوْمٍ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ. رُبَّمَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَعْرِفُ بِوُجُودِ هَذِهِ الوَثِيقَةِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، وَاِنْتَظَرَ فَقَطِ اللَّحْظَةَ المُنَاسِبَةَ، ظَرْفًا سِيَاسِيًّا أَوِ اِقْتِصَادِيًّا مُعَيَّنًا، لِيَجْعَلَهَا ‘تُكْتَشَفُ’ رَسْمِيًّا، بِطَرِيقَةٍ تَخْدُمُ مَصَالِحَهُ هُوَ، لَا مَصَالِحَكَ أَنْتَ أَوْ مَصَالِحَ عَائِلَةِ الحَوْرَانِي الحَقِيقِيَّةَ.”
٥
“لِينَا، هَلْ تَوَصَّلْتِ إِلَى أَيَّةِ مَعْلُومَةٍ عَنْ رِيمَ الحَوْرَانِيِّ؟ أَمَا زَالَتْ حَيَّةً؟”
سَمِعَ صَمْتًا قَصِيرًا عَلَى الطَّرَفِ الآخَرِ، ثُمَّ سَمِعَ صَوْتَ لِينَا يَحْمِلُ حَمَاسًا مُتَجَدِّدًا. “فِي الحَقِيقَةِ، نَعَمْ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، وَهَذَا خَبَرِي الأَهَمُّ لِهَذَا اليَوْمِ. وَجَدْتُ سِجِلًّا لِاِمْرَأَةٍ تُدْعَى رِيمَ الحَوْرَانِيَّ، فِي السَّبْعِينِيَّاتِ مِنْ عُمْرِهَا الآنَ، تَعِيشُ حَالِيًّا فِي مَدِينَةِ دِمَشْقَ نَفْسِهَا، فِي حَيِّ المُهَاجِرِينَ تَحْدِيدًا، بَعْدَ أَنِ اِنْتَقَلَتْ إِلَيْهَا مِنْ بَيْرُوتَ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، عَلَى مَا يَبْدُو بَعْدَ أَنِ اسْتَقَرَّتِ الأَوْضَاعُ نِسْبِيًّا هُنَاكَ فِي أَوَاخِرِ التِّسْعِينِيَّاتِ.”
أَحَسَّ قَلْبُ عَدْنَانَ يَتَوَقَّفُ لِلَحْظَةٍ. “هَلْ يُمْكِنُكِ أَنْ تُعْطِينِي عُنْوَانَهَا؟ أَوْ رَقْمَ هَاتِفِهَا؟”
“حَصَلْتُ عَلَى رَقْمِ هَاتِفٍ قَدِيمٍ مُسَجَّلٍ بِاِسْمِهَا فِي دَلِيلٍ هَاتِفِيٍّ عَامٍّ يَعُودُ لِعِدَّةِ سَنَوَاتٍ مَضَتْ، لَكِنَّنِي لَا أَضْمَنُ أَنَّهُ لَا يَزَالُ فَعَّالًا. أُرْسِلُهُ لَكَ الآنَ عَبْرَ القَنَاةِ المُشَفَّرَةِ.” تَوَقَّفَتْ لِينَا، وَأَضَافَتْ بِنَبْرَةِ تَحْذِيرٍ وَاضِحَةٍ. “لَكِنْ أَرْجُوكَ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، كُنْ حَذِرًا لِلْغَايَةِ فِي كَيْفِيَّةِ التَّوَاصُلِ مَعَهَا. إِنْ كَانَتْ هَذِهِ الشَّبَكَةُ الَّتِي نَشْتَبِهُ بِوُجُودِهَا تُرَاقِبُنَا كَمَا تُرَاقِبُنَا فِعْلًا، فَقَدْ تَكُونُ رِيمُ نَفْسُهَا هَدَفًا مُحْتَمَلًا، خَاصَّةً إِنْ كَانَتْ، كَوَالِدِهَا مِنْ قَبْلِهَا، تَحْمِلُ مَعْرِفَةً أَوْ حَقًّا فِي هَذِهِ الأَمَانَةِ لَمْ تَكْشِفْ عَنْهُ بَعْدُ.”
٦
اتَّصَلَ عَدْنَانُ بِالرَّقْمِ الَّذِي أَرْسَلَتْهُ لِينَا، بِيَدٍ تَرْتَجِفُ قَلِيلًا مِنْ مَزِيجِ التَّرَقُّبِ وَالقَلَقِ، بَعْدَ أَنْ جَلَسَ لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ يُحَدِّقُ فِي الرَّقْمِ عَلَى شَاشَةِ هَاتِفِهِ، يَتَدَرَّبُ عَلَى الجُمْلَةِ الأُولَى الَّتِي سَيَقُولُهَا، مُحَاوِلًا أَنْ يَجِدَ الطَّرِيقَةَ الأَقَلَّ إِرْبَاكًا لِتَذْكِيرِ اِمْرَأَةٍ مُسِنَّةٍ بِلِقَاءٍ عَابِرٍ جَرَى قَبْلَ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا. رَنَّ الهَاتِفُ عِدَّةَ مَرَّاتٍ، قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ صَوْتُ اِمْرَأَةٍ مُسِنَّةٍ، هَادِئٌ، حَذِرٌ.
“أَلُو؟”
“مَسَاءَ الخَيْرِ، أَتَتَحَدَّثُ مَعَ السَّيِّدَةِ رِيمَ الحَوْرَانِيِّ؟”
صَمْتٌ طَوِيلٌ عَلَى الطَّرَفِ الآخَرِ، صَمْتٌ حَمَلَ تَوَتُّرًا وَاضِحًا. “مَنِ المُتَّصِلُ؟”
“اِسْمِي عَدْنَانُ الرَّافِعِيُّ. رُبَّمَا لَا تَتَذَكَّرِينَنِي، لَكِنَّنَا الْتَقَيْنَا مَرَّةً وَاحِدَةً، مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ جِدًّا، فِي مَتْجَرِ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ النَّابُلُسِيِّ بِسُوقِ الحَرِيقَةِ، حِينَ كُنْتِ لَا تَزَالِينَ شَابَّةً، بِرِفْقَةِ وَالِدِكِ كَمَالٍ.”
سَمِعَ عَدْنَانُ لَهَاثًا خَفِيفًا عَلَى الطَّرَفِ الآخَرِ، كَأَنَّ المَرْأَةَ قَدْ فُوجِئَتْ بِشِدَّةٍ، أَوْ رُبَّمَا تَأَثَّرَتْ عَاطِفِيًّا بِذِكْرِ هَذَا الاِسْمِ بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ العُقُودِ. حِينَ تَحَدَّثَتْ أَخِيرًا، كَانَ صَوْتُهَا مُرْتَجِفًا بِوُضُوحٍ.
“عَدْنَانُ عَدْنَانُ الرَّافِعِيُّ؟ الشَّابُّ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ عِنْدَ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ؟ يَا إِلَهِي، لَمْ أَظُنَّ أَنَّنِي سَأَسْمَعُ هَذَا الاِسْمَ مَرَّةً أُخْرَى فِي حَيَاتِي.” تَوَقَّفَتْ لِلَحْظَةٍ، وَكَأَنَّهَا تُحَاوِلُ اِسْتِعَادَةَ تَوَازُنِهَا. “أَتَذَكَّرُكَ جَيِّدًا، أَتَذَكَّرُ تِلْكَ الزِّيَارَةَ كَأَنَّهَا كَانَتْ بِالأَمْسِ، رَغْمَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ الَّتِي مَرَّتْ. كُنْتَ شَابًّا نَحِيلًا، عَيْنَاكَ تَحْمِلَانِ فُضُولًا لَمْ تَسْتَطِعْ إِخْفَاءَهُ، رَغْمَ كُلِّ مُحَاوَلَاتِكَ أَنْ تَبْدُوَ رَصِينًا أَمَامَ وَالِدِي.”
٧
“سَيِّدَةَ رِيمَ، أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا مُفَاجِئٌ لِلْغَايَةِ، وَأَعْتَذِرُ عَنِ الاِتِّصَالِ بِكِ دُونَ سَابِقِ إِنْذَارٍ، لَكِنَّنِي فِي دِمَشْقَ حَالِيًّا، بِخُصُوصِ أَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِوَصِيَّةٍ قَدِيمَةٍ تَرَكَهَا الحَاجُّ تَوْفِيقٌ، وَأَعْتَقِدُ أَنَّكِ قَدْ تَمْلِكِينَ مَعْلُومَاتٍ مُهِمَّةً جِدًّا قَدْ تُسَاعِدُنِي عَلَى فَهْمِ مَا حَدَثَ لِوَالِدِكِ، وَلِمُعَلِّمِي، مُنْذُ كُلِّ تِلْكَ السَّنَوَاتِ.”
سَمِعَ تَنَهُّدَةً طَوِيلَةً عَمِيقَةً عَلَى الطَّرَفِ الآخَرِ، تَنَهُّدَةً حَمَلَتْ عُقُودًا مِنَ الحُزْنِ المَكْبُوتِ. “اِنْتَظَرْتُ هَذِهِ المُكَالَمَةَ، أَوْ مُكَالَمَةً شَبِيهَةً بِهَا، طَوَالَ حَيَاتِي تَقْرِيبًا، سَيِّدَ عَدْنَانَ، دُونَ أَنْ أَعْرِفَ أَنَّنِي كُنْتُ أَنْتَظِرُهَا فِعْلًا حَتَّى سَمِعْتُ صَوْتَكَ الآنَ. نَعَمْ، أَعْرِفُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، أَشْيَاءَ لَمْ أُشَارِكْهَا مَعَ أَحَدٍ مُنْذُ عُقُودٍ، لِأَنَّنِي لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ بِمَنْ أَثِقُ، وَلَا كَيْفَ أَبْدَأُ.”
“إِنْ سَمَحْتِ لِي بِالسُّؤَالِ، سَيِّدَةَ رِيمَ، كَيْفَ كَانَتْ حَيَاتُكِ بَعْدَ كُلِّ ذَلِكَ؟ بَعْدَ اِخْتِفَاءِ وَالِدِكِ؟”
صَمَتَتْ رِيمُ لِلَحْظَةٍ طَوِيلَةٍ، وَكَأَنَّهَا تَسْتَحْضِرُ ذِكْرَيَاتٍ لَمْ تَلْمِسْهَا مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ. “كَانَتْ حَيَاةً صَعْبَةً، سَيِّدَ عَدْنَانَ، لَنْ أُخْفِيَ عَلَيْكَ ذَلِكَ. بَقِيتُ فِي بَيْرُوتَ سَنَوَاتٍ قَلِيلَةً بَعْدَ اِخْتِفَاءِ أَبِي، أُحَاوِلُ أَنْ أَجِدَ إِجَابَاتٍ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يُقَدِّمَهَا لِي، ثُمَّ اِنْتَقَلْتُ إِلَى دِمَشْقَ فِي أَوَاخِرِ الثَّمَانِينِيَّاتِ، بَحْثًا عَنْ حَيَاةٍ أَهْدَأَ، بَعِيدًا عَنْ كُلِّ تِلْكَ الذِّكْرَيَاتِ المُؤْلِمَةِ. تَزَوَّجْتُ هُنَا، وَأَنْجَبْتُ وَلَدًا وَبِنْتًا، وَعَمِلْتُ مُعَلِّمَةَ لُغَةٍ فَرَنْسِيَّةٍ لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، حَيَاةً بَسِيطَةً، هَادِئَةً، حَاوَلْتُ فِيهَا دَائِمًا أَلَّا أُحَمِّلَ أَطْفَالِي ثِقْلَ مَاضٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ ذَنْبٌ.” تَوَقَّفَتْ، وَأَضَافَتْ بِصَوْتٍ أَخْفَضَ. “لَكِنَّ السُّؤَالَ، سَيِّدَ عَدْنَانَ، سُؤَالَ مَاذَا حَدَثَ لِأَبِي، بَقِيَ مَعِي كُلَّ يَوْمٍ، كَظِلٍّ لَا يُفَارِقُنِي، مَهْمَا حَاوَلْتُ أَنْ أَبْنِيَ حَيَاةً جَدِيدَةً بَعِيدًا عَنْهُ.”
“أَتَزَوَّجْتِ مَرَّةً أُخْرَى؟ أَمَا زَالَ زَوْجُكِ عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ؟”
“تُوُفِّيَ زَوْجِي مُنْذُ عَشْرِ سَنَوَاتٍ تَقْرِيبًا، رَحِمَهُ اللهُ، رَجُلٌ طَيِّبٌ لَمْ يَعْرِفْ أَبَدًا كَامِلَ تَفَاصِيلِ قِصَّتِي، لِأَنَّنِي لَمْ أَسْتَطِعْ، حَتَّى مَعَهُ، أَنْ أُشَارِكَ كُلَّ شَيْءٍ. أَبْنَائِي كَبِرُوا وَتَزَوَّجُوا، وَاِنْتَقَلُوا إِلَى مُدُنٍ أُخْرَى، أَحَدُهُمْ فِي حَلَبَ، وَالآخَرُ هَاجَرَ إِلَى كَنَدَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ. أَعِيشُ الآنَ وَحِيدَةً نِسْبِيًّا، مَعَ بَعْضِ الجِيرَانِ الطَّيِّبِينَ الَّذِينَ يَتَفَقَّدُونَنِي بَيْنَ الحِينِ وَالآخَرِ.”
“هَلْ يُمْكِنُ أَنْ نَلْتَقِيَ؟ فِي أَيِّ مَكَانٍ تَشْعُرِينَ فِيهِ بِالأَمَانِ؟”
فَكَّرَتْ رِيمُ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ. “نَعَمْ. هُنَاكَ مَقْهًى هَادِئٌ قُرْبَ بَيْتِي فِي المُهَاجِرِينَ، أَذْهَبُ إِلَيْهِ أَحْيَانًا، يَعْرِفُنِي صَاحِبُهُ جَيِّدًا. يُمْكِنُ أَنْ نَلْتَقِيَ هُنَاكَ غَدًا بَعْدَ الظُّهْرِ، السَّاعَةَ الثَّالِثَةَ، إِنْ كَانَ هَذَا مُنَاسِبًا لَكَ.”
“سَأَكُونُ هُنَاكَ، سَيِّدَةَ رِيمَ. شُكْرًا لَكِ، مِنْ كُلِّ قَلْبِي.”
قَبْلَ أَنْ تُنْهِيَ المُكَالَمَةَ، أَضَافَتْ رِيمُ جُمْلَةً أَخِيرَةً، بِنَبْرَةِ حَذَرٍ مُتَجَدِّدَةٍ: “سَيِّدَ عَدْنَانَ، أَرْجُوكَ، لَا تُخْبِرْ أَحَدًا بِمَوْعِدِ لِقَائِنَا هَذَا، وَلَا حَتَّى بِمَكَانِهِ. لَدَيَّ أَسْبَابٌ، أَسْبَابٌ قَدِيمَةٌ جِدًّا، تَجْعَلُنِي حَذِرَةً أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي رُبَّمَا، لَكِنَّ الحَذَرَ لَمْ يَخْذُلْنِي يَوْمًا طَوَالَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ.”
اِسْتَيْقَظَ عَدْنَانُ فِي صَبَاحِ مَوْعِدِهِ مَعَ رِيمَ قَبْلَ الفَجْرِ بِسَاعَةٍ كَامِلَةٍ، غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى مُوَاصَلَةِ النَّوْمِ رَغْمَ إِرْهَاقِ الأَيَّامِ المَاضِيَةِ. جَلَسَ عِنْدَ نَافِذَةِ غُرْفَتِهِ، يُرَاقِبُ دِمَشْقَ وَهِيَ تَسْتَيْقِظُ بِبُطْءٍ تَحْتَ ضَوْءِ الفَجْرِ الأَوَّلِ، وَيُفَكِّرُ فِي كُلِّ مَا قَدْ يَحْمِلُهُ هَذَا اللِّقَاءُ مِنْ إِجَابَاتٍ، أَوْ مِنْ أَسْئِلَةٍ جَدِيدَةٍ أَثْقَلَ مِمَّا سَبَقَهَا.
فَكَّرَ فِي رِيمَ كَمَا رَآهَا آخِرَ مَرَّةٍ، فَتَاةً فِي أَوَائِلِ العِشْرِينِيَّاتِ، حَادَّةَ الذَّكَاءِ، تَحْمِلُ فِي عَيْنَيْهَا قَلَقًا عَلَى وَالِدِهَا اليَائِسِ. حَاوَلَ أَنْ يَتَخَيَّلَهَا الآنَ، اِمْرَأَةً فِي السَّبْعِينِيَّاتِ، حَمَلَتْ طَوَالَ حَيَاتِهَا سِرًّا لَمْ تُشَارِكْهُ مَعَ أَحَدٍ، كَمَا قَالَتْ لَهُ بِنَفْسِهَا عَبْرَ الهَاتِفِ. تَسَاءَلَ كَمْ مِنَ الأَلَمِ اخْتَزَنَتْهُ تِلْكَ السَّنَوَاتُ الطَّوِيلَةُ، وَكَمْ مِنَ الإِجَابَاتِ الَّتِي يَبْحَثُ عَنْهَا الآنَ كَانَتْ، طَوَالَ هَذَا الوَقْتِ، تَعِيشُ عَلَى بُعْدِ مُكَالَمَةٍ هَاتِفِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، لَوْ أَنَّهُ فَقَطْ عَرَفَ أَيْنَ يَبْحَثُ عَنْهَا قَبْلَ عُقُودٍ.
تَذَكَّرَ أَيْضًا تِلْكَ الوَرَقَةَ الصَّغِيرَةَ الَّتِي دَسَّتْهَا فِي يَدِهِ يَوْمَ وَدَاعِهِمَا الأَوَّلِ: “اِحْذَرْ مِنْهُ.” كَلِمَتَانِ بَسِيطَتَانِ، لَكِنَّهُمَا ظَلَّتَا تَتَرَدَّدَانِ فِي ذِهْنِهِ طَوَالَ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا، دُونَ أَنْ يَعْرِفَ يَوْمًا مَعْنَاهُمَا الكَامِلَ. أَكَانَتْ تَقْصِدُ وَالِدَهَا فِعْلًا؟ أَمْ كَانَتْ تُحَذِّرُهُ مِنْ شَخْصٍ آخَرَ تَمَامًا، شَخْصٍ لَمْ يَظْهَرْ بَعْدُ فِي القِصَّةِ حِينَهَا؟ شَعَرَ أَنَّ إِجَابَةَ هَذَا السُّؤَالِ بِالذَّاتِ، مَهْمَا بَدَتْ تَفْصِيلًا صَغِيرًا وَسْطَ كُلِّ الأَلْغَازِ الأَكْبَرِ المُحِيطَةِ بِهِ، قَدْ تَحْمِلُ مِفْتَاحًا حَقِيقِيًّا لِفَهْمِ كُلِّ شَيْءٍ آخَرَ.
٨
فِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي، وَبَيْنَمَا كَانَ عَدْنَانُ يَسْتَعِدُّ لِلِّقَاءِ، اتَّصَلَتْ بِهِ لِينَا بِصَوْتٍ يَحْمِلُ تَوَتُّرًا وَاضِحًا.
“سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، اكْتَشَفْتُ شَيْئًا آخَرَ اللَّيْلَةَ المَاضِيَةَ، وَلَمْ أَسْتَطِعِ الاِنْتِظَارَ حَتَّى الصَّبَاحِ لِإِخْبَارِكَ بِهِ. تَتَبَّعْتُ بَعْضَ الحِسَابَاتِ المَصْرِفِيَّةِ المُرْتَبِطَةَ بِمَكْتَبِ إِلْيَاسَ النَّابُلُسِيِّ، عَبْرَ مَصْدَرٍ مَوْثُوقٍ يَعْمَلُ فِي القِطَاعِ المَالِيِّ وَافَقَ عَلَى مُسَاعَدَتِي دُونَ الكَشْفِ عَنْ هُوِيَّتِهِ. هُنَاكَ تَحْوِيلَاتٌ مَالِيَّةٌ كَبِيرَةٌ، غَيْرُ مُعْتَادَةٍ، جَرَتْ خِلَالَ الأُسْبُوعَيْنِ المَاضِيَيْنِ فَقَطْ، مِنْ حِسَابٍ يَرْتَبِطُ بِمَكْتَبِهِ إِلَى حِسَابَاتٍ أُخْرَى يَصْعُبُ تَتَبُّعُ أَصْحَابِهَا الحَقِيقِيِّينَ.”
“مَاذَا يَعْنِي هَذَا؟”
“يَعْنِي، عَلَى الأَرْجَحِ، أَنَّ إِلْيَاسَ يُمَوِّلُ شَيْئًا، عَمَلِيَّةً مَا، تَتَطَلَّبُ مَوَارِدَ وَأَفْرَادًا لَا يَمْتَلِكُهُمْ مُحَامٍ عَادِيٌّ بِمُفْرَدِهِ.” تَوَقَّفَتْ لِينَا، وَأَضَافَتْ بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ دِقَّةً، وَكَأَنَّهَا تُرَاجِعُ مُلَاحَظَاتِهَا أَمَامَهَا وَهِيَ تَتَحَدَّثُ. “أَحَدُ هَذِهِ الحِسَابَاتِ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، يَبْدُو مُرْتَبِطًا، بِحَسَبِ مَصْدَرِي، بِشَرِكَةٍ أَمْنِيَّةٍ خَاصَّةٍ صَغِيرَةٍ، مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يُوَفِّرُ خِدَمَاتِ ‘حِمَايَةٍ’ أَوْ ‘تَحَرٍّ’ لِعُمَلَاءَ أَثْرِيَاءَ، لَكِنَّهَا تَعْمَلُ أَحْيَانًا، حِينَ يَكُونُ الثَّمَنُ مُنَاسِبًا، فِي مَنَاطِقَ رَمَادِيَّةٍ أَقْرَبَ إِلَى التَّهْدِيدِ وَالتَّرْهِيبِ مِنْهَا إِلَى الحِمَايَةِ المَشْرُوعَةِ.”
أَحَسَّ عَدْنَانُ بِقُشَعْرِيرَةٍ تَسْرِي فِي جَسَدِهِ. “أَتَظُنِّينَ أَنَّ هَذِهِ الشَّرِكَةَ هِيَ مَنِ اقْتَحَمَتْ غُرْفَتِي فِي بَيْرُوتَ؟ وَمَنِ اخْتَرَقَتْ جِهَازَكِ؟”
“لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَجْزِمَ بِذَلِكَ مِئَةً بِالمِئَةِ، لَكِنَّ التَّوْقِيتَ وَالطَّبِيعَةَ يَتَطَابَقَانِ عَلَى نَحْوٍ مُقْلِقٍ. قَدْ يَكُونُ هَذَا مُرْتَبِطًا بِمُرَاقَبَتِكَ أَنْتَ، أَوْ بِتِلْكَ الحَادِثَةِ فِي الفُنْدُقِ بِبَيْرُوتَ، أَوْ حَتَّى، لَا سَمَحَ اللهُ، بِشَيْءٍ أَخْطَرَ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ.” تَوَقَّفَتْ لِينَا، وَأَضَافَتْ بِنَبْرَةٍ قَلِقَةٍ صَادِقَةٍ: “سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، أَرْجُوكَ، كُنْ حَذِرًا جِدًّا فِي لِقَائِكَ اليَوْمَ مَعَ رِيمَ. إِنْ كَانَ إِلْيَاسُ، أَوْ مَنْ يَقِفُ خَلْفَهُ، يُرَاقِبُكَ بِهَذَا المُسْتَوَى مِنَ التَّطَوُّرِ، فَقَدْ يَعْرِفُونَ بِأَمْرِ هَذَا اللِّقَاءِ أَيْضًا، رَغْمَ كُلِّ اِحْتِيَاطَاتِكَ.”
“أَتَظُنِّينَ أَنَّنِي يَجِبُ أَنْ أُلْغِيَ اللِّقَاءَ؟”
فَكَّرَتْ لِينَا لِلَحْظَةٍ قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ بِحَزْمٍ وَاضِحٍ. “لَا، لَا أَظُنُّ ذَلِكَ. رِيمُ قَدْ تَكُونُ المَصْدَرَ الوَحِيدَ المُتَبَقِّيَ الَّذِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يُفَسِّرَ لَنَا الكَثِيرَ مِمَّا نَجْهَلُهُ، وَتَأْجِيلُ اللِّقَاءِ قَدْ يُعَرِّضُهَا هِيَ نَفْسَهَا لِخَطَرٍ أَكْبَرَ إِنْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يُرَاقِبُهَا بِالفِعْلِ. لَكِنِ اِلْتَزِمْ بِكُلِّ اِحْتِيَاطَاتِ الحَذَرِ الَّتِي اتَّفَقْنَا عَلَيْهَا: لَا تُخْبِرْ أَحَدًا بِمَكَانِ اللِّقَاءِ أَوْ وَقْتِهِ، رَاقِبْ مُحِيطَكَ جَيِّدًا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَاِحْتَفِظْ بِهَاتِفِكَ جَاهِزًا فِي حَالِ اِحْتَجْتَ لِلاِتِّصَالِ بِي فَوْرًا.”
٩
تَوَجَّهَ عَدْنَانُ إِلَى المَقْهَى فِي حَيِّ المُهَاجِرِينَ قَبْلَ المَوْعِدِ بِنِصْفِ سَاعَةٍ كَامِلَةٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يُرَاقِبَ المَكَانَ مِنْ بَعِيدٍ قَبْلَ أَنْ يَقْتَرِبَ، بِحَذَرٍ تَعَلَّمَهُ مِنْ كُلِّ الأَحْدَاثِ الأَخِيرَةِ. كَانَ المَقْهَى صَغِيرًا هَادِئًا، طَاوِلَاتٌ خَشَبِيَّةٌ قَدِيمَةٌ مُوَزَّعَةٌ تَحْتَ أَشْجَارِ يَاسَمِينَ مُعَرَّشَةٍ، وَصَوْتُ خَرِيرِ نَافُورَةٍ صَغِيرَةٍ فِي الزَّاوِيَةِ يُضْفِي عَلَى المَكَانِ هُدُوءًا يَتَنَاقَضُ تَمَامًا مَعَ التَّوَتُّرِ الَّذِي يَعْتَصِرُ صَدْرَ عَدْنَانَ. جَلَسَ فِي زَاوِيَةٍ هَادِئَةٍ، طَلَبَ فِنْجَانَ قَهْوَةٍ لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ سِوَى رَشَفَاتٍ قَلِيلَةٍ، عَيْنَاهُ لَا تُفَارِقَانِ البَابَ، مُنْتَظِرًا وُصُولَ رِيمَ بِقَلْبٍ يَخْفِقُ بِتَرَقُّبٍ لَمْ يَعْرِفْ مِثْلَهُ مُنْذُ أَنْ بَدَأَتْ هَذِهِ الرِّحْلَةُ كُلُّهَا.
رَاقَبَ الدَّاخِلِينَ وَالخَارِجِينَ مِنَ المَقْهَى بِعَيْنٍ فَاحِصَةٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يُمَيِّزَ أَيَّ وَجْهٍ قَدْ يَبْدُو مَأْلُوفًا أَوْ مُرِيبًا، أَيَّ شَخْصٍ قَدْ يَكُونُ يُرَاقِبُهُ هُوَ نَفْسُهُ بَدَلًا مِنِ اِنْتِظَارِ رِيمَ. لَاحَظَ رَجُلًا يَجْلِسُ وَحِيدًا فِي الطَّرَفِ الآخَرِ مِنَ المَقْهَى، يَقْرَأُ جَرِيدَةً دُونَ أَنْ يُقَلِّبَ صَفَحَاتِهَا كَثِيرًا، وَتَسَاءَلَ، بِحَذَرٍ مُتَزَايِدٍ أَصْبَحَ جُزْءًا مِنْ طَبِيعَتِهِ الجَدِيدَةِ، إِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ مُرَاقِبًا حَقِيقِيًّا أَمْ مُجَرَّدَ زَبُونٍ عَادِيٍّ يَقْضِي وَقْتَ فَرَاغِهِ بِلَا أَيَّةِ صِلَةٍ بِقِصَّتِهِ.
اِسْتَغَلَّ عَدْنَانُ وَقْتَ الاِنْتِظَارِ لِيُرَاجِعَ فِي ذِهْنِهِ كُلَّ مَا جَمَعَهُ حَتَّى الآنَ مِنْ قِطَعِ هَذَا اللُّغْزِ المُتَشَابِكِ: أَمَانَةَ 1958 الَّتِي تَخُصُّ عَائِلَةَ الحَوْرَانِي الأَصْلِيَّةَ، أَمَانَةَ 1976 المُرْتَبِطَةَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ الغَامِضِ الَّذِي لَمْ يُكْشَفِ اِسْمُهُ بَعْدُ، اِخْتِفَاءَ كَمَالٍ المُرِيبَ عَامَ 1978 فِي الفَتْرَةِ نَفْسِهَا الَّتِي اِخْتَفَى فِيهَا الحَاجُّ تَوْفِيقٌ، وَأَخِيرًا تِلْكَ الجُمْلَةَ الغَامِضَةَ فِي رِسَالَةِ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ الشَّخْصِيَّةِ إِلَيْهِ: “الاِبْنُ الَّذِي لَا يَعْرِفُ أَبَاهُ”. شَعَرَ أَنَّ كُلَّ هَذِهِ الخُيُوطِ، رَغْمَ تَنَاثُرِهَا الظَّاهِرِيِّ، لَا بُدَّ أَنَّهَا تَتَشَابَكُ فِي نُقْطَةٍ وَاحِدَةٍ مَرْكَزِيَّةٍ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا بَعْدُ، نُقْطَةٍ قَدْ تَكُونُ رِيمَ، الجَالِسَةَ الآنَ فِي مَكَانٍ مَا مِنْ هَذِهِ المَدِينَةِ، أَقْرَبَ مَنْ يَمْلِكُ مِفْتَاحًا حَقِيقِيًّا لِلْوُصُولِ إِلَيْهَا.
فَكَّرَ أَيْضًا فِي اِحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ هَذَا اللِّقَاءُ بِالذَّاتِ، رَغْمَ كُلِّ حَذَرِهِ، قَدْ وَقَعَ بِالفِعْلِ تَحْتَ مُرَاقَبَةِ مَنْ لَا يُرِيدُ لَهُ أَنْ يَتِمَّ. تَذَكَّرَ كَلِمَاتِ لِينَا القَلِقَةَ، وَشَعَرَ بِنَدَمٍ خَافِتٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُصِرَّ عَلَى أَنْ تَحْضُرَ هِيَ نَفْسُهَا اللِّقَاءَ، أَوْ أَنْ يَسْتَعِينَ بِحِمَايَةٍ إِضَافِيَّةٍ، رَغْمَ أَنَّ رِيمَ نَفْسَهَا كَانَتْ قَدْ طَلَبَتْ مِنْهُ السِّرِّيَّةَ التَّامَّةَ، وَرُبَّمَا كَانَتْ مُحِقَّةً فِي حَذَرِهَا، أَكْثَرَ مِمَّا أَدْرَكَ هُوَ نَفْسُهُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ.
مَرَّتِ الثَّالِثَةُ، ثُمَّ الثَّالِثَةُ وَالرُّبْعُ، دُونَ أَنْ تَظْهَرَ رِيمُ. حَاوَلَ عَدْنَانُ أَنْ يُقْنِعَ نَفْسَهُ أَنَّ هَذَا التَّأَخُّرَ طَبِيعِيٌّ، رُبَّمَا بِسَبَبِ زَحْمَةِ السَّيْرِ المُعْتَادَةِ فِي دِمَشْقَ، أَوْ صُعُوبَةٍ فِي إِيجَادِ سَيَّارَةِ أُجْرَةٍ. لَكِنْ قَلَقًا مُتَزَايِدًا بَدَأَ يَتَسَلَّلُ إِلَيْهِ مَعَ كُلِّ دَقِيقَةٍ إِضَافِيَّةٍ تَمُرُّ، خَاصَّةً بَعْدَ كُلِّ مَا أَخْبَرَتْهُ بِهِ لِينَا عَنِ التَّحْوِيلَاتِ المَالِيَّةِ المُرِيبَةِ.
فِي الثَّالِثَةِ وَالعِشْرِينَ دَقِيقَةً، أَخْرَجَ هَاتِفَهُ وَحَاوَلَ الاِتِّصَالَ بِرِيمَ عَلَى الرَّقْمِ نَفْسِهِ الَّذِي تَحَدَّثَ مَعَهَا عَلَيْهِ سَابِقًا، لَكِنَّ الهَاتِفَ رَنَّ مَرَّاتٍ عَدِيدَةً دُونَ أَنْ يُجِيبَ أَحَدٌ، ثُمَّ اِنْتَقَلَ أَخِيرًا إِلَى بَرِيدٍ صَوْتِيٍّ لَمْ تُسَجَّلْ عَلَيْهِ أَيَّةُ رِسَالَةٍ تَرْحِيبِيَّةٍ. حَاوَلَ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ خَمْسِ دَقَائِقَ، بِالنَّتِيجَةِ نَفْسِهَا، وَبَدَأَ قَلَقٌ حَقِيقِيٌّ يَتَسَلَّلُ إِلَى صَدْرِهِ، قَلَقٌ لَمْ يَعُدْ يَسْتَطِيعُ تَبْرِيرَهُ بِمُجَرَّدِ تَفْسِيرَاتٍ مَنْطِقِيَّةٍ عَنْ زَحْمَةِ السَّيْرِ.
رَاسَلَ صَاحِبَ المَقْهَى بِلَبَاقَةٍ، سَائِلًا إِيَّاهُ إِنْ كَانَ يَعْرِفُ السَّيِّدَةَ رِيمَ الَّتِي وَصَفَتْهَا لَهُ عَبْرَ الهَاتِفِ، فَأَكَّدَ لَهُ الرَّجُلُ أَنَّهُ يَعْرِفُهَا جَيِّدًا، زَبُونَةٌ دَائِمَةٌ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، لَكِنَّهُ لَمْ يَرَهَا بَعْدُ اليَوْمَ، وَلَا يَمْلِكُ أَيَّةَ مَعْلُومَةٍ إِضَافِيَّةٍ عَنْ مَكَانِ وُجُودِهَا الحَالِيِّ.
نَظَرَ عَدْنَانُ إِلَى سَاعَتِهِ مَرَّةً أُخْرَى: الثَّالِثَةُ وَالنِّصْفُ تَقْرِيبًا. شَعَرَ بِيَدِهِ تَتَحَرَّكُ تِلْقَائِيًّا نَحْوَ هَاتِفِهِ لِطَلَبِ لِينَا، حِينَ رَنَّ الهَاتِفُ فَجْأَةً بَيْنَ يَدَيْهِ، رَقْمٌ لَمْ يَعْرِفْهُ، لَكِنَّهُ أَجَابَ فَوْرًا بِقَلَقٍ مُتَصَاعِدٍ.
“أَلُو؟”
“سَيِّدُ عَدْنَانُ الرَّافِعِيُّ؟” جَاءَ صَوْتُ رَجُلٍ غَرِيبٍ، رَسْمِيٌّ، مُتَوَتِّرٌ قَلِيلًا. “مَعَكَ مُسْعِفٌ مِنَ المُسْتَشْفَى الوَطَنِيِّ. وَجَدْنَا رَقْمَكَ فِي هَاتِفِ اِمْرَأَةٍ مُسِنَّةٍ تَعَرَّضَتْ لِحَادِثِ سَيَّارَةٍ قَبْلَ قَلِيلٍ، قُرْبَ شَارِعِ بَغْدَادَ. طَلَبَتْ مِنَّا، قَبْلَ أَنْ تَفْقِدَ وَعْيَهَا، أَنْ نَتَّصِلَ بِكَ تَحْدِيدًا، وَأَنْ نُخْبِرَكَ بِجُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ: ‘أَخْبِرُوهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَادِثًا’.”
