Numan Albarbari نعمان البربري

وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ 17

وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ

الْفَصْلُ السَّابِعَ عَشَرَ

١
اسْتَغْرَقَ تَرْتِيبُ جَلْسَةِ الِاسْتِمَاعِ أَمَامَ لَجْنَةِ التَّحْكِيمِ الْقَانُونِيَّةِ الْمُخْتَصَّةِ بِمُنَازَعَاتِ الْإِرْثِ تِسْعَةَ أَيَّامٍ كَامِلَةً، تِسْعَةَ أَيَّامٍ مَرَّتْ عَلَى عَدْنَانَ بِثِقَلٍ اسْتِثْنَائِيٍّ، بَيْنَ تَحْضِيرِ الْأَدِلَّةِ مَعَ زِيَادٍ سَلُّومٍ، وَمُحَاوَلَاتٍ مُتَكَرِّرَةٍ مِنْ إِلْيَاسَ النَّابُلُسِيِّ، عَبْرَ مُحَامِيهِ الْخَاصِّ، لِتَأْجِيلِ الْجَلْسَةِ أَوْ نَقْلِهَا إِلَى مَحْكَمَةٍ مَدَنِيَّةٍ عَادِيَّةٍ أَبْطَأَ إِجْرَاءَاتٍ وَأَكْثَرَ تَعْقِيدًا، مُحَاوَلَاتٍ فَشِلَتْ جَمِيعُهَا بِفَضْلِ إِصْرَارِ زِيَادٍ وَمَهَارَتِهِ الْقَانُونِيَّةِ.
قَضَى عَدْنَانُ تِلْكَ الْأَيَّامَ التِّسْعَةَ بَيْنَ اجْتِمَاعَاتٍ مُطَوَّلَةٍ مَعَ زِيَادٍ لِمُرَاجَعَةِ كُلِّ تَفْصِيلٍ قَانُونِيٍّ مُمْكِنٍ، وَمُكَالَمَاتٍ مُتَكَرِّرَةٍ مَعَ لِينَا الَّتِي وَاصَلَتْ، رَغْمَ كُلِّ الْمَخَاطِرِ، تَجْمِيعَ أَدِلَّةٍ إِضَافِيَّةٍ تَدْعَمُ الْقَضِيَّةَ، مِنْ بَيْنِهَا مَعْلُومَاتٌ جَدِيدَةٌ حَصَلَتْ عَلَيْهَا عَنِ الشَّرِكَةِ الْعَقَارِيَّةِ الَّتِي تَوَرَّطَ فِيهَا إِلْيَاسُ فِي عَمَلِيَّاتِ بَيْعٍ مَشْبُوهَةٍ لِأَرَاضٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَبْرَ السِّنِينَ، لَا أَرْضَ الْحَوْرَانِيِّ وَحْدَهَا، وَمُكَالَمَاتٍ يَوْمِيَّةٍ مَعَ كَرِيمٍ فِي أَلْمَانِيَا، الَّذِي أَصَرَّ أَخِيرًا، بَعْدَ أَنْ شَرَحَ لَهُ عَدْنَانُ جُزْءًا كَافِيًا مِنَ الْقِصَّةِ لِيَقْتَنِعَ بِخُطُورَةِ الْمَوْقِفِ، عَلَى أَنْ يَحْضُرَ إِلَى دِمَشْقَ بِنَفْسِهِ لِدَعْمِ وَالِدِهِ فِي يَوْمِ الْجَلْسَةِ، رَغْمَ مُحَاوَلَاتِ عَدْنَانَ الْمُتَكَرِّرَةِ لِإِثْنَائِهِ خَوْفًا عَلَى سَلَامَتِهِ.
فِي صَبَاحِ يَوْمِ الْجَلْسَةِ، وَصَلَ عَدْنَانُ إِلَى مَبْنَى الْمَحْكَمَةِ بِرِفْقَةِ زِيَادٍ وَلِينَا وَكَرِيمٍ، مُرْتَدِيًا بَدْلَةً رَسْمِيَّةً دَاكِنَةً اخْتَارَهَا بِعِنَايَةٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يَسْتَحْضِرَ كُلَّ ثِقَةِ رَجُلِ الْأَعْمَالِ الْمُخَضْرَمِ الَّذِي بَنَاهُ عَلَى مَدَى أَرْبَعِينَ عَامًا، رَغْمَ أَنَّ قَلْبَهُ كَانَ يَخْفِقُ بِتَوَتُّرٍ لَمْ يَعْرِفْهُ فِي أَيِّ اجْتِمَاعِ مَجْلِسِ إِدَارَةٍ سَابِقٍ مَهْمَا بَلَغَتْ أَهَمِّيَّتُهُ.
كَانَتْ قَاعَةُ الْجَلْسَةِ مُتَوَسِّطَةَ الْحَجْمِ، طَاوِلَةٌ طَوِيلَةٌ فِي الْمُقَدِّمَةِ تَجْلِسُ خَلْفَهَا لَجْنَةٌ مِنْ ثَلَاثَةِ قُضَاةٍ مُتَخَصِّصِينَ، وَمَقَاعِدُ مُتَقَابِلَةٌ لِلْأَطْرَافِ الْمُتَنَازِعَةِ، وَمَقَاعِدُ إِضَافِيَّةٌ مَحْدُودَةٌ لِلْحُضُورِ الْمَسْمُوحِ لَهُمْ بِمُتَابَعَةِ الْجَلْسَةِ. لَاحَظَ عَدْنَانُ، بِقَلَقٍ مُتَزَايِدٍ، وُجُودَ عَدَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ مِنَ الصُّحُفِيِّينَ، عَلَى الْأَرْجَحِ بِدَعْوَةٍ مِنْ إِلْيَاسَ نَفْسِهِ، سَاعِيًا لِتَحْوِيلِ هَذِهِ الْجَلْسَةِ الْقَانُونِيَّةِ إِلَى عَرْضٍ إِعْلَامِيٍّ يَخْدُمُ رِوَايَتَهُ.
٢
جَلَسَ إِلْيَاسُ فِي الطَّرَفِ الْمُقَابِلِ، أَنِيقًا كَعَادَتِهِ، بِابْتِسَامَةٍ وَاثِقَةٍ لَمْ تُفَارِقْ وَجْهَهُ، يُرَافِقُهُ مُحَامٍ شَابٌّ يَحْمِلُ حَقِيبَةَ أَوْرَاقٍ سَمِيكَةً. حِينَ الْتَقَتْ أَعْيُنُهُمَا لَحْظَةً عَابِرَةً، أَوْمَأَ إِلْيَاسُ بِرَأْسِهِ نَحْوَ عَدْنَانَ بِتَحِيَّةٍ بَارِدَةٍ رَسْمِيَّةٍ، لَا أَثَرَ فِيهَا لِأَيِّ نَدَمٍ أَوْ تَرَدُّدٍ، بَلْ بَدَا، إِنْ أَمْكَنَ وَصْفُهُ، أَكْثَرَ ثِقَةً مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى، كَأَنَّ الضَّجَّةَ الْإِعْلَامِيَّةَ الَّتِي أَثَارَهَا مَنَحَتْهُ شُعُورًا زَائِفًا بِالْقُوَّةِ.
افْتَتَحَ رَئِيسُ اللَّجْنَةِ الْجَلْسَةَ بِصَوْتٍ رَسْمِيٍّ هَادِئٍ، رَجُلٌ فِي السِّتِّينِيَّاتِ مِنْ عُمْرِهِ، ذُو نَظْرَةٍ فَاحِصَةٍ حَكِيمَةٍ، مُوجِزًا طَبِيعَةَ النِّزَاعِ الْمَعْرُوضِ لِلْحُضُورِ وَالصُّحُفِيِّينَ: وَصِيَّتَانِ مُتَعَارِضَتَانِ تَعُودَانِ إِلَى الْمَرْحُومِ تَوْفِيقٍ النَّابُلُسِيِّ، الْأُولَى مُؤَرَّخَةٌ عَامَ ١٩٧٦ تُشِيرُ إِلَى عَدْنَانَ الرَّافِعِيِّ كَأَمِينٍ، وَالثَّانِيَةُ، الْأَحْدَثُ، مُؤَرَّخَةٌ عَامَ ١٩٧٩، تُلْغِي الْأُولَى وَتُؤَسِّسُ لِمَشْرُوعٍ خَيْرِيٍّ بِإِدَارَةِ عَدْنَانَ الرَّافِعِيِّ نَفْسِهِ، مَعَ طَرَفٍ ثَالِثٍ، إِلْيَاسَ النَّابُلُسِيِّ، يَطْعَنُ بِأَصَالَةِ الْوَثِيقَةِ الثَّانِيَةِ وَيَدَّعِي حُقُوقًا عَائِلِيَّةً فِي أَيِّ إِرْثٍ مُتَبَقٍّ لِلْمَرْحُومِ تَوْفِيقٍ النَّابُلُسِيِّ.
قَدَّمَ زِيَادٌ سَلُّومٌ مُرَافَعَتَهُ الْأُولَى بِثِقَةٍ مِهَنِيَّةٍ هَادِئَةٍ، وَاقِفًا أَمَامَ اللَّجْنَةِ بِحَقِيبَةِ أَوْرَاقِهِ الْمُرَتَّبَةِ بِدِقَّةٍ، عَارِضًا الْوَصِيَّةَ الثَّانِيَةَ مُوَثَّقَةً بِخَتْمِ كَاتِبِ الْعَدْلِ الرَّسْمِيِّ، مَدْعُومَةً بِتَقْرِيرِ خَبِيرِ الْخُطُوطِ الْمُسْتَقِلِّ الَّذِي أَكَّدَ، بِنِسْبَةِ تَطَابُقٍ تَفُوقُ سَبْعَةً وَتِسْعِينَ بِالْمِئَةِ، أَصَالَةَ تَوْقِيعِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ النَّابُلُسِيِّ عَلَى الْوَثِيقَةِ، مُقَارَنَةً بِعَيِّنَاتٍ مُوَثَّقَةٍ أُخْرَى مِنْ تَوْقِيعِهِ عَلَى عُقُودٍ تِجَارِيَّةٍ قَدِيمَةٍ مَحْفُوظَةٍ فِي السِّجِلِّ الْعَقَارِيِّ. اسْتَعْرَضَ زِيَادٌ أَيْضًا، بِتَرْتِيبٍ مَنْطِقِيٍّ مُحْكَمٍ، سِلْسِلَةَ الْأَحْدَاثِ الَّتِي أَدَّتْ لِاكْتِشَافِ الْوَثِيقَةِ، دُونَ الْخَوْضِ فِي تَفَاصِيلَ حَسَّاسَةٍ رُبَّمَا تُعَرِّضُ فَارِسًا أَوْ حَسَنًا لِأَيِّ خَطَرٍ إِضَافِيٍّ.
٣
نَهَضَ مُحَامِي إِلْيَاسَ، رَجُلٌ شَابٌّ يَحْمِلُ حَمَاسًا وَاضِحًا لَكِنَّهُ أَقَلُّ خِبْرَةً بِوُضُوحٍ مِنْ زِيَادٍ، مُحَاوِلًا الطَّعْنَ فِي الْإِجْرَاءَاتِ الشَّكْلِيَّةِ لِلْوَثِيقَةِ، مُدَّعِيًا أَنَّ كَاتِبَ الْعَدْلِ الَّذِي وَثَّقَهَا عَامَ ١٩٧٩ مُتَوَفًّى الْآنَ، وَلَا يُمْكِنُ اسْتِدْعَاؤُهُ لِلشَّهَادَةِ عَلَى ظُرُوفِ التَّوْثِيقِ، مَا يَفْتَحُ، حَسَبَ زَعْمِهِ، مَجَالًا لِلشَّكِّ فِي الْمَلَابَسَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ لِتِلْكَ الْوَثِيقَةِ. حَاوَلَ أَيْضًا أَنْ يُثِيرَ الشَّكَّ حَوْلَ سَبَبِ عَدَمِ ظُهُورِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ عَلَنًا طَوَالَ تِلْكَ السِّنِينَ إِنْ كَانَ حَيًّا فِعْلًا عَامَ ١٩٧٩ كَمَا تَدَّعِي الْوَثِيقَةُ، مُتَسَائِلًا بِنَبْرَةٍ اسْتِنْكَارِيَّةٍ: «أَيْنَ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ طَوَالَ كُلِّ هَذِهِ الْعُقُودِ، سِيَادَةَ الرَّئِيسِ؟ وَلِمَ لَمْ يَتَوَاصَلْ مَعَ أَيِّ فَرْدٍ مِنْ عَائِلَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ؟»
رَدَّ زِيَادٌ بِهُدُوءٍ، مُسْتَشْهِدًا بِسِجِلَّاتِ الْمَحْكَمَةِ الشَّرْعِيَّةِ الرَّسْمِيَّةِ الَّتِي تَحْتَفِظُ بِنُسْخَةٍ مُصَدَّقَةٍ مِنَ الْوَثِيقَةِ نَفْسِهَا، مُسْتَقِلَّةً تَمَامًا عَنْ أَيَّةِ شَهَادَةٍ شَخْصِيَّةٍ رُبَّمَا تَكُونُ غَيْرَ مُتَاحَةٍ الْيَوْمَ، وَهُوَ مَا يَكْفِي قَانُونِيًّا لِإِثْبَاتِ صِحَّةِ التَّوْثِيقِ دُونَ الْحَاجَةِ لِشَهَادَةِ كَاتِبِ الْعَدْلِ نَفْسِهِ. وَبِخُصُوصِ سُؤَالِ اخْتِفَاءِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ، أَجَابَ زِيَادٌ بِأَنَّ هَذَا السُّؤَالَ بِالذَّاتِ هُوَ مَا سَتَكْشِفُهُ شَهَادَاتُ الشُّهُودِ التَّالِيَةُ، وَأَنَّهُ مِنَ السَّابِقِ لِأَوَانِهِ أَنْ يُسْتَخْدَمَ غِيَابُ تَفْسِيرٍ كَامِلٍ كَدَلِيلٍ ضِدَّ أَصَالَةِ الْوَثِيقَةِ، بَيْنَمَا الدَّلِيلُ الْمَادِّيُّ وَالْخَبِيرُ الْفَنِّيُّ يُؤَكِّدَانِ صِحَّتَهَا.
اسْتَدْعَتِ اللَّجْنَةُ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّاهِدَةَ الْأُولَى: رِيمَ الْحَوْرَانِيَّ، الَّتِي دَخَلَتِ الْقَاعَةَ بِمُسَاعَدَةِ عُكَّازٍ خَفِيفٍ، لَا تَزَالُ آثَارُ الْحَادِثِ الْمُدَبَّرِ ظَاهِرَةً فِي حَرَكَتِهَا الْبَطِيئَةِ الْحَذِرَةِ، لَكِنَّ عَيْنَيْهَا حَمَلَتَا عَزِيمَةً صُلْبَةً لَا تُخْطِئُهَا الْعَيْنُ. سَاعَدَهَا أَحَدُ الْحُضُورِ عَلَى الْوُصُولِ إِلَى مَقْعَدِ الشُّهُودِ، بَيْنَمَا رَاقَبَهَا عَدْنَانُ بِمَزِيجٍ مِنَ الِامْتِنَانِ الْعَمِيقِ وَالْقَلَقِ عَلَى صِحَّتِهَا الَّتِي لَا تَزَالُ تَتَعَافَى.
٤
جَلَسَتْ رِيمُ فِي مَقْعَدِ الشُّهُودِ، وَنَظَرَتْ مُبَاشَرَةً نَحْوَ إِلْيَاسَ لِلَحْظَةٍ طَوِيلَةٍ، نَظْرَةً لَمْ تَحْمِلْ خَوْفًا بَلْ تَحَدِّيًا هَادِئًا، قَبْلَ أَنْ تَبْدَأَ شَهَادَتَهَا بِصَوْتٍ وَاضِحٍ ثَابِتٍ، رَغْمَ كُلِّ مَا مَرَّتْ بِهِ مُؤَخَّرًا.
«سِيَادَةَ اللَّجْنَةِ، اسْمِي رِيمُ الْحَوْرَانِيُّ، ابْنَةُ كَمَالٍ الْحَوْرَانِيِّ، صَاحِبِ أَرْضِ الْغُوطَةِ الْمُتَنَازَعِ عَلَيْهَا ضِمْنًا فِي هَذَا الْمِلَفِّ. أَشْهَدُ أَنِّي اكْتَشَفْتُ، عَبْرَ مُسْتَنَدَاتٍ وَصَلَتْنِي بِالصُّدْفَةِ مِنْ مُحَامٍ سَابِقٍ تَعَامَلَ مَعَهُ وَالِدِي، أَنَّ أَرْضًا تَعُودُ لِعَائِلَتِنَا بِيعَتْ جُزْئِيًّا، خِلَالَ السِّنِينَ الْأَخِيرَةِ، بِتَوْقِيعَاتٍ تَحْمِلُ اسْمَ وَالِدِي كَمَالٍ الْحَوْرَانِيِّ، رَغْمَ أَنَّهُ كَانَ، حَسَبَ كُلِّ مَا أَعْرِفُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، فِي عِدَادِ الْمَفْقُودِينَ مُنْذُ عَامِ ١٩٧٨، أَيْ قَبْلَ تِلْكَ الْمَبِيعَاتِ الْمَزْعُومَةِ بِعُقُودٍ طَوِيلَةٍ.»
سَرَتْ هَمْهَمَةٌ خَافِتَةٌ بَيْنَ الْحُضُورِ، وَالْتَفَتَ رَئِيسُ اللَّجْنَةِ نَحْوَ إِلْيَاسَ بِنَظْرَةِ اسْتِفْهَامٍ حَادَّةٍ، بَيْنَمَا بَدَأَ الصُّحُفِيُّونَ فِي الصُّفُوفِ الْخَلْفِيَّةِ يَكْتُبُونَ بِسُرْعَةٍ مُتَزَايِدَةٍ عَلَى دَفَاتِرِهِمْ وَلَوْحَاتِ هَوَاتِفِهِمْ.
«هَلْ يُمْكِنُكِ أَنْ تُوَضِّحِي، سَيِّدَةَ رِيمَ، مَنْ كَانَ الطَّرَفَ الْمُسْتَفِيدَ مِنْ عَمَلِيَّاتِ الْبَيْعِ هَذِهِ؟» سَأَلَ رَئِيسُ اللَّجْنَةِ بِجِدِّيَّةٍ مُتَزَايِدَةٍ، وَقَدْ وَضَعَ نَظَّارَتَهُ جَانِبًا لِيُرَكِّزَ نَظَرَهُ مُبَاشَرَةً عَلَى الشَّاهِدَةِ.
«الشَّرِكَةُ الْمُشْتَرِيَةُ، سِيَادَةَ الرَّئِيسِ، مُسَجَّلَةٌ بِاسْمِ مَكْتَبِ اسْتِشَارَاتٍ عَقَارِيَّةٍ، لَكِنَّ الْمُسْتَنَدَاتِ الَّتِي بِحَوْزَتِي، وَالَّتِي سَلَّمْتُ نُسَخًا مُوَثَّقَةً مِنْهَا لِمَكْتَبِ السَّيِّدِ سَلُّومٍ قَبْلَ هَذِهِ الْجَلْسَةِ، تُظْهِرُ أَنَّ الشَّخْصَ الَّذِي أَشْرَفَ مُبَاشَرَةً عَلَى إِجْرَاءَاتِ الْبَيْعِ، وَوَقَّعَ كَوَكِيلٍ قَانُونِيٍّ عَنِ ‘الْوَرَثَةِ’، هُوَ السَّيِّدُ إِلْيَاسُ النَّابُلُسِيُّ نَفْسُهُ، رَغْمَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ، حَسَبَ عِلْمِي التَّامِّ، أَيَّ تَوْكِيلٍ رَسْمِيٍّ شَرْعِيٍّ مِنْ عَائِلَتِي لِلتَّصَرُّفِ بِأَمْلَاكِنَا.» تَوَقَّفَتْ رِيمُ لِلَحْظَةٍ، تَلْتَقِطُ أَنْفَاسَهَا، ثُمَّ أَضَافَتْ بِصَوْتٍ أَكْثَرَ حِدَّةً: «بَلْ إِنَّ التَّوْقِيعَاتِ الْمَنْسُوبَةَ لِوَالِدِي عَلَى وَثَائِقِ الْبَيْعِ تَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا وَاضِحًا عَنْ تَوْقِيعِهِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي أَحْتَفِظُ بِنَمَاذِجَ مِنْهُ مِنْ مُرَاسَلَاتِهِ الْقَدِيمَةِ مَعِي، وَقَدْ عَرَضْتُ هَذِهِ النَّمَاذِجَ أَيْضًا عَلَى خَبِيرِ الْخُطُوطِ الْمُسْتَقِلِّ الَّذِي رَاجَعَ الْقَضِيَّةَ.»
٥
اضْطَرَبَ إِلْيَاسُ فِي مَقْعَدِهِ بِشَكْلٍ مَلْحُوظٍ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ بِدَايَةِ الْجَلْسَةِ، وَتَبَادَلَ نَظْرَةً سَرِيعَةً قَلِقَةً مَعَ مُحَامِيهِ، الَّذِي بَدَا هُوَ الْآخَرُ مُرْتَبِكًا مِنْ هَذَا الْمُنْعَطَفِ غَيْرِ الْمُتَوَقَّعِ فِي الشَّهَادَةِ.
«اعْتِرَاضٌ، سِيَادَةَ الرَّئِيسِ!» قَالَ مُحَامِي إِلْيَاسَ بِسُرْعَةٍ، مُحَاوِلًا كَسْبَ بَعْضِ الْوَقْتِ لِمُوَكِّلِهِ لِيَسْتَجْمِعَ أَفْكَارَهُ. «هَذِهِ مَزَاعِمُ غَيْرُ مُوَثَّقَةٍ، وَلَا صِلَةَ مُبَاشِرَةً لَهَا بِمَوْضُوعِ النِّزَاعِ الْأَسَاسِيِّ حَوْلَ صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ. نَطْلُبُ مِنَ اللَّجْنَةِ الْمُوَقَّرَةِ أَنْ تَقْتَصِرَ الشَّهَادَةُ عَلَى مَا يَخُصُّ الْوَصِيَّةَ الْمُتَنَازَعَ عَلَيْهَا فَقَطْ.»
«بَلْ لَهَا صِلَةٌ مُبَاشِرَةٌ تَمَامًا.» رَدَّ زِيَادٌ سَلُّومٌ بِهُدُوءٍ وَاثِقٍ، وَاقِفًا مَرَّةً أُخْرَى لِيُؤَكِّدَ نُقْطَتَهُ بِثِقَةٍ مَحْسُوبَةٍ. «فَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ إِلْيَاسُ النَّابُلُسِيُّ قَدْ تَوَرَّطَ فِي التَّصَرُّفِ غَيْرِ الْقَانُونِيِّ بِأَمْلَاكِ عَائِلَةٍ أُخْرَى مُسْتَغِلًّا غِيَابَ صَاحِبِهَا الشَّرْعِيِّ، فَهَذَا يُلْقِي بِظِلَالٍ قَوِيَّةٍ جِدًّا عَلَى مِصْدَاقِيَّةِ ادِّعَاءَاتِهِ الْحَالِيَّةِ بِخُصُوصِ إِرْثِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ النَّابُلُسِيِّ، وَيُثْبِتُ نَمَطَ سُلُوكٍ مُتَكَرِّرًا لَا يُمْكِنُ تَجَاهُلُهُ، نَمَطَ اسْتِغْلَالٍ مُمَنْهَجٍ لِغِيَابِ أَصْحَابِ الْحُقُوقِ الشَّرْعِيِّينَ لِتَحْقِيقِ مَكَاسِبَ شَخْصِيَّةٍ غَيْرِ مَشْرُوعَةٍ.»
فَكَّرَ رَئِيسُ اللَّجْنَةِ قَلِيلًا، مُتَشَاوِرًا بِصَوْتٍ خَافِتٍ مَعَ زَمِيلَيْهِ الْقَاضِيَيْنِ، قَبْلَ أَنْ يُعْلِنَ قَرَارَهُ. «الِاعْتِرَاضُ مَرْفُوضٌ. الشَّهَادَةُ ذَاتُ صِلَةٍ مُبَاشِرَةٍ بِتَقْيِيمِ مِصْدَاقِيَّةِ الطَّرَفِ الْمُدَّعِي فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ. تَابِعِي، سَيِّدَةَ رِيمَ.»
سَمَحَ رَئِيسُ اللَّجْنَةِ، بَعْدَ مُدَاوَلَةٍ قَصِيرَةٍ مَعَ زَمِيلَيْهِ، لِرِيمَ بِمُتَابَعَةِ شَهَادَتِهَا، وَأَضَافَتْ تَفَاصِيلَ إِضَافِيَّةً عَنِ اكْتِشَافِهَا لِلْوَثَائِقِ، وَعَنْ مُحَاوَلَةِ اغْتِيَالِهَا الْمُدَبَّرَةِ الَّتِي وَقَعَتْ بَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ مِنْ إِخْبَارِهَا لِعَدْنَانَ بِهَذِهِ الْمَعْلُومَاتِ، حَادِثَةَ سَيَّارَةٍ سَجَّلَتِ الشُّرْطَةُ تَفَاصِيلَهَا رَسْمِيًّا، لَكِنَّهَا لَمْ تُحَدِّدْ بَعْدُ الْجِهَةَ الْمَسْؤُولَةَ عَنْهَا، مَعَ ذِكْرِ أَنَّ الْحَادِثَةَ وَقَعَتْ مُبَاشَرَةً بَعْدَ أَنِ اتَّصَلَتْ هَاتِفِيًّا لِتَحْدِيدِ مَوْعِدِ لِقَائِهَا الْأَوَّلِ مَعَ عَدْنَانَ، مَا يُوحِي بِأَنَّ اتِّصَالَاتِهَا كَانَتْ مُرَاقَبَةً بِشَكْلٍ مَا.
٦
بَعْدَ شَهَادَةِ رِيمَ، طَلَبَ مُحَامِي إِلْيَاسَ فُرْصَةً لِلرَّدِّ، مُحَاوِلًا تَصْوِيرَ كُلِّ هَذِهِ الِاتِّهَامَاتِ عَلَى أَنَّهَا «سِلْسِلَةٌ مِنْ سُوءِ الْفَهْمِ وَالْمُصَادَفَاتِ غَيْرِ الْمُتَرَابِطَةِ»، وَأَنَّ مُوَكِّلَهُ «مُجَرَّدُ قَرِيبٍ حَرِيصٍ يُحَاوِلُ فَقَطْ أَنْ يَفْهَمَ حَقِيقَةَ إِرْثٍ عَائِلِيٍّ مُعَقَّدٍ»، دُونَ أَيَّةِ نِيَّةٍ سَيِّئَةٍ تُذْكَرُ. ادَّعَى أَنَّ أَيَّ تَعَامُلٍ مَعَ أَرَاضِي عَائِلَةِ الْحَوْرَانِيِّ كَانَ «بِحُسْنِ نِيَّةٍ»، بِنَاءً عَلَى مَعْلُومَاتٍ مُضَلِّلَةٍ تَلَقَّاهَا مُوَكِّلُهُ مِنْ وُسَطَاءَ عَقَارِيِّينَ لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْ مِصْدَاقِيَّتِهِمْ بِالْكَامِلِ، وَأَنَّ إِلْيَاسَ نَفْسَهُ «ضَحِيَّةٌ» فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ بِقَدْرِ مَا هُوَ طَرَفٌ فِيهَا.
لَكِنَّ رَئِيسَ اللَّجْنَةِ قَاطَعَهُ بِحِدَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ، نَافِدَ صَبْرِهِ أَمَامَ هَذَا الدِّفَاعِ الَّذِي بَدَا هَشًّا بِشَكْلٍ مُتَزَايِدٍ أَمَامَ الْأَدِلَّةِ الْمُتَرَاكِمَةِ. «سَيِّدَ الْمُحَامِي، أَمَامَنَا الْآنَ اتِّهَامَاتٌ مُوَثَّقَةٌ بِتَزْوِيرٍ مُحْتَمَلٍ لِسَنَدَاتِ مِلْكِيَّةٍ، وَمُحَاوَلَةِ اغْتِيَالٍ مُرْتَبِطَةٍ زَمَنِيًّا بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ بِالذَّاتِ. هَذِهِ لَيْسَتْ مُصَادَفَاتٍ يُمْكِنُ تَجَاهُلُهَا بِسُهُولَةٍ أَوْ تَبْرِيرُهَا بِـ’حُسْنِ نِيَّةٍ’ مَزْعُومٍ. أَطْلُبُ مِنْ مُوَكِّلِكَ أَنْ يُقَدِّمَ تَوْضِيحًا مُبَاشِرًا وَوَاضِحًا لِهَذِهِ الِاتِّهَامَاتِ، أَوْ سَأَضْطَرُّ لِتَحْوِيلِ هَذَا الْمِلَفِّ بِأَكْمَلِهِ إِلَى النِّيَابَةِ الْعَامَّةِ لِلتَّحْقِيقِ الْجِنَائِيِّ، بِشَكْلٍ مُسْتَقِلٍّ تَمَامًا عَنْ نِزَاعِ الْإِرْثِ الْمَدَنِيِّ الَّذِي اجْتَمَعْنَا مِنْ أَجْلِهِ الْيَوْمَ.»
بَدَا عَلَى وَجْهِ إِلْيَاسَ تَوَتُّرٌ حَقِيقِيٌّ وَاضِحٌ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى، وَتَحَدَّثَ بِنَفْسِهِ، مُتَجَاوِزًا مُحَامِيَهُ، بِصَوْتٍ حَاوَلَ أَنْ يُبْقِيَهُ هَادِئًا وَاثِقًا رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ، لَكِنَّ ارْتِعَاشَةً خَفِيفَةً تَسَلَّلَتْ إِلَيْهِ رَغْمًا عَنْهُ.
«سِيَادَةَ الرَّئِيسِ، أَنَا رَجُلُ قَانُونٍ مُحْتَرَمٌ، وَلَنْ أَسْمَحَ لِهَذِهِ الِاتِّهَامَاتِ الْمُلَفَّقَةِ أَنْ تُشَوِّهَ سُمْعَتِي الْمِهَنِيَّةَ الَّتِي بَنَيْتُهَا بِجُهْدِ سِنِينَ طَوِيلَةٍ. كُلُّ تَعَامُلَاتِي كَانَتْ قَانُونِيَّةً بِالْكَامِلِ، وَأَتَحَدَّى أَيَّ طَرَفٍ أَنْ يُثْبِتَ الْعَكْسَ بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ لَا لَبْسَ فِيهِ.» نَظَرَ نَحْوَ الصُّحُفِيِّينَ فِي الصُّفُوفِ الْخَلْفِيَّةِ، وَكَأَنَّهُ يُخَاطِبُهُمْ مُبَاشَرَةً أَكْثَرَ مِنْ مُخَاطَبَتِهِ اللَّجْنَةَ نَفْسَهَا، مُحَاوِلًا أَخِيرًا اسْتِخْدَامَ حُضُورِهِمْ لِصَالِحِهِ بَدَلَ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا عَلَى انْهِيَارِ رِوَايَتِهِ.
٧
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، انْفَتَحَ بَابُ الْقَاعَةِ الْخَلْفِيُّ فَجْأَةً، بِصَوْتِ صَرِيرٍ عَالٍ لَفَتَ انْتِبَاهَ الْجَمِيعِ فَوْرًا، وَسَادَ صَمْتٌ مُفَاجِئٌ حِينَ دَخَلَ رَجُلٌ مُسِنٌّ، يَتَّكِئُ عَلَى عَصًا خَشَبِيَّةٍ، يُرَافِقُهُ رَجُلَانِ يَبْدُوَانِ كَمُسَاعِدَيْنِ طِبِّيَّيْنِ يَرْتَدِيَانِ زِيًّا يُوحِي بِخِدْمَةِ إِسْعَافٍ خَاصَّةٍ، وَامْرَأَةٌ مُتَوَسِّطَةُ الْعُمْرِ تُسَانِدُهُ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ بِحِرْصٍ وَاضِحٍ، وَكَأَنَّهَا مُمَرِّضَةٌ خَاصَّةٌ اعْتَنَتْ بِهِ لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ.
تَوَقَّفَ كُلُّ مَنْ فِي الْقَاعَةِ عَنِ الْحَرَكَةِ تَقْرِيبًا، وَالْتَفَتَتْ كُلُّ الْأَنْظَارِ نَحْوَ الدَّاخِلِ الْجَدِيدِ، رَجُلٍ فِي أَوَاخِرِ التِّسْعِينِيَّاتِ مِنْ عُمْرِهِ، نَحِيلِ الْجَسَدِ بِشِدَّةٍ حَتَّى تَبْدُوَ مَلَابِسُهُ فَضْفَاضَةً عَلَيْهِ، بَشَرَتُهُ شَاحِبَةٌ تَحْمِلُ آثَارَ سِنِينَ طَوِيلَةٍ مِنَ الْعُزْلَةِ بَعِيدًا عَنِ الشَّمْسِ، لَكِنَّ عَيْنَيْهِ، رَغْمَ كُلِّ عَلَامَاتِ الشَّيْخُوخَةِ الْوَاضِحَةِ، حَمَلَتَا حِدَّةً وَوَعْيًا كَامِلًا بِمَنْ حَوْلَهُ، نَظْرَةَ رَجُلٍ لَمْ يَفْقِدْ يَوْمًا وُضُوحَ عَقْلِهِ رَغْمَ كُلِّ مَا تَحَمَّلَهُ جَسَدُهُ مِنْ وَهْنٍ.
نَهَضَتْ رِيمُ مِنْ مَقْعَدِهَا فَجْأَةً، بِحَرَكَةٍ سَرِيعَةٍ لَمْ تُلَائِمْ إِصَابَتَهَا الْمُتْعِبَةَ، مُتَجَاهِلَةً الْأَلَمَ الَّذِي لَا بُدَّ أَنَّهَا شَعَرَتْ بِهِ، وَوَجْهُهَا فَقَدَ كُلَّ لَوْنِهِ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، صَوْتُهَا يَخْرُجُ بِالْكَادِ كَهَمْسٍ مُرْتَجِفٍ يَكَادُ لَا يُسْمَعُ: «أَبِي؟»
بَدَأَ الْحُضُورُ يَتَهَامَسُونَ بِصَوْتٍ مُتَصَاعِدٍ، وَالصُّحُفِيُّونَ فِي الْخَلْفِ بَدَأُوا يَلْتَقِطُونَ صُوَرًا بِسُرْعَةٍ مَحْمُومَةٍ، بَيْنَمَا حَاوَلَ رَئِيسُ اللَّجْنَةِ، بِضَرَبَاتِ مِطْرَقَتِهِ الْمُتَكَرِّرَةِ، اسْتِعَادَةَ النِّظَامِ فِي الْقَاعَةِ الْمُضْطَرِبَةِ فَجْأَةً.
«الْهُدُوءُ رَجَاءً! الْهُدُوءُ فِي الْقَاعَةِ!»
٨
جَمَدَ إِلْيَاسُ فِي مَكَانِهِ تَمَامًا، وَجْهُهُ يَشْحَبُ بِسُرْعَةٍ أَكْبَرَ مِنْ أَيَّةِ لَحْظَةٍ أُخْرَى فِي هَذِهِ الْجَلْسَةِ، يَدَاهُ تَرْتَجِفَانِ بِشَكْلٍ وَاضِحٍ فَوْقَ الطَّاوِلَةِ أَمَامَهُ، بَيْنَمَا سَاعَدَ الْمُرَافِقُونَ الرَّجُلَ الْمُسِنَّ عَلَى التَّقَدُّمِ بِبُطْءٍ نَحْوَ مُنْتَصَفِ الْقَاعَةِ، خُطْوَةً بَعْدَ خُطْوَةٍ بَطِيئَةٍ مُثْقَلَةٍ بِعِبْءِ سِنِينَ طَوِيلَةٍ، حَتَّى وَقَفَ، أَوْ بِالْأَحْرَى اتَكَّأَ عَلَى عَصَاهُ بِثَبَاتٍ نِسْبِيٍّ، أَمَامَ لَجْنَةِ الْقُضَاةِ الْمَذْهُولِينَ هُمْ أَيْضًا مِنْ هَذَا التَّطَوُّرِ غَيْرِ الْمُتَوَقَّعِ كُلِّيًّا الَّذِي لَمْ يَرِدْ ذِكْرُهُ فِي أَيٍّ مِنَ الْأَوْرَاقِ الْمُقَدَّمَةِ قَبْلَ هَذِهِ الْجَلْسَةِ.
«سِيَادَةَ الرَّئِيسِ،» قَالَ الرَّجُلُ الْمُسِنُّ بِصَوْتٍ أَجَشَّ ضَعِيفٍ لَكِنَّهُ وَاضِحٌ تَمَامًا، صَوْتٍ حَمَلَ ثِقَلَ عُقُودٍ مِنَ الصَّمْتِ الْقَسْرِيِّ، «اسْمَحُوا لِي أَنْ أُقَدِّمَ نَفْسِي: أَنَا كَمَالٌ الْحَوْرَانِيُّ. حَيٌّ، كَمَا تَرَوْنَ، رَغْمَ كُلِّ الظُّنُونِ الَّتِي سَادَتْ طَوَالَ سَبْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا كَامِلَةً بِأَنِّي فِي عِدَادِ الْمَفْقُودِينَ أَوِ الْمَوْتَى.»
سَادَ الْقَاعَةَ صَمْتٌ تَامٌّ مُطْبِقٌ، لَا صَوْتَ فِيهِ سِوَى تَنَفُّسِ عَدْنَانَ الْمُتَسَارِعِ، وَهُوَ يُحَدِّقُ بِذُهُولٍ تَامٍّ فِي الرَّجُلِ الَّذِي حَمَلَ اسْمَهُ، طَوَالَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ مَضَتْ، احْتِمَالَ أَنْ يَكُونَ وَالِدَهُ الْبَيُولُوجِيَّ، ذَلِكَ الِاحْتِمَالَ الَّذِي رَجَّحَتْ أُمُّهُ أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، لَكِنَّهُ ظَلَّ مُعَلَّقًا فِي ذِهْنِهِ رَغْمَ ذَلِكَ، ثِقَلًا لَمْ يَتَخَلَّصْ مِنْهُ تَمَامًا بَعْدُ. نَظَرَ إِلَى كَمَالٍ بِعَيْنَيْنِ تُحَاوِلَانِ أَنْ تَقْرَآَ فِي مَلَامِحِهِ أَيَّ شَبَهٍ، أَيَّ إِشَارَةٍ، أَيَّ شَيْءٍ رُبَّمَا يَحْسِمُ هَذَا السُّؤَالَ الَّذِي طَالَمَا طَارَدَهُ.
رَفَعَ رَئِيسُ اللَّجْنَةِ يَدَهُ طَالِبًا الْهُدُوءَ التَّامَّ مَرَّةً أُخْرَى، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الرَّجُلِ الْمُسِنِّ الْوَاقِفِ أَمَامَهُ بِمَزِيجٍ مِنَ الدَّهْشَةِ الْمِهَنِيَّةِ وَالْفُضُولِ الْإِنْسَانِيِّ الصَّادِقِ. «سَيِّدَ الْحَوْرَانِيِّ، إِنْ كُنْتَ فِعْلًا مَنْ تَدَّعِي، فَأَنْتَ شَاهِدٌ بَالِغُ الْأَهَمِّيَّةِ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ. هَلْ أَنْتَ مُسْتَعِدٌّ لِتَقْدِيمِ شَهَادَةٍ رَسْمِيَّةٍ أَمَامَ هَذِهِ اللَّجْنَةِ؟»
أَوْمَأَ كَمَالٌ بِرَأْسِهِ بِبُطْءٍ، عَيْنَاهُ لَا تُفَارِقَانِ إِلْيَاسَ النَّابُلُسِيَّ، الَّذِي بَدَا الْآنَ وَكَأَنَّهُ يَتَمَنَّى لَوِ ابْتَلَعَتْهُ الْأَرْضُ، مُحَاوِلًا دُونَ جَدْوَى أَنْ يَتَفَادَى تِلْكَ النَّظْرَةَ الثَّاقِبَةَ الْمُوَجَّهَةَ إِلَيْهِ مُبَاشَرَةً.
«لَقَدْ جِئْتُ الْيَوْمَ،» تَابَعَ كَمَالٌ، بِنَظْرَةٍ حَادَّةٍ مُوَجَّهَةٍ مُبَاشَرَةً نَحْوَ إِلْيَاسَ النَّابُلُسِيِّ، «لِأَرْوِيَ، أَخِيرًا، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ الْعُقُودِ مِنَ الصَّمْتِ الْقَسْرِيِّ، الْحَقِيقَةَ الْكَامِلَةَ حَوْلَ مَا حَدَثَ لِي فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِنْ عَامِ ١٩٧٨، وَحَوْلَ الرَّجُلِ الَّذِي أَجْبَرَنِي عَلَى الِاخْتِفَاءِ، بِتَهْدِيدٍ مُبَاشِرٍ ضِدَّ حَيَاةِ ابْنَتِي الَّتِي تَجْلِسُ أَمَامِي الْآنَ، امْرَأَةٍ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَحْتَضِنَهَا مُنْذُ كَانَتْ فِي الرَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهَا فَقَطْ، وَلَمْ أَرَ وَجْهَهَا إِلَّا فِي أَحْلَامٍ مُتَقَطِّعَةٍ طَوَالَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ الطَّوِيلَةِ مِنَ الْمَنْفَى الْقَسْرِيِّ.»
تَقَدَّمَتْ رِيمُ، بِمُسَاعَدَةِ عُكَّازِهَا، خُطُوَاتٍ مُتَعَثِّرَةً نَحْوَ وَالِدِهَا، وَدُمُوعُهَا تَنْهَمِرُ بِلَا تَوَقُّفٍ الْآنَ، بَيْنَمَا وَقَفَ رَئِيسُ اللَّجْنَةِ، مُتَجَاوِزًا لِلَحْظَةٍ رَسْمِيَّتَهُ الْمُعْتَادَةَ أَمَامَ هَذَا الْمَشْهَدِ الْإِنْسَانِيِّ الْعَمِيقِ، مَانِحًا الطَّرَفَيْنِ لَحْظَةَ صَمْتٍ قَصِيرَةً قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْنِفَ إِجْرَاءَاتِ الْجَلْسَةِ الرَّسْمِيَّةِ.
نَظَرَ عَدْنَانُ إِلَى كَرِيمٍ الْجَالِسِ بِجَانِبِهِ، فَوَجَدَ ابْنَهُ يُرَاقِبُ الْمَشْهَدَ بِذُهُولٍ تَامٍّ هُوَ الْآخَرُ، غَيْرَ مُصَدِّقٍ حَجْمَ الدَّرَامَا الْإِنْسَانِيَّةِ الَّتِي يَشْهَدُهَا وَالِدُهُ مُنْذُ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ دُونَ أَنْ يُشَارِكَهُ إِيَّاهَا كَامِلَةً مِنْ قَبْلُ. أَمْسَكَ كَرِيمٌ بِيَدِ وَالِدِهِ بِقُوَّةٍ، إِشَارَةً صَامِتَةً لِلدَّعْمِ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ الْمَشْحُونَةِ بِكُلِّ هَذِهِ الْمَشَاعِرِ الْمُتَضَارِبَةِ.
نَظَرَتْ لِينَا إِلَى عَدْنَانَ بِابْتِسَامَةٍ صَغِيرَةٍ رَغْمَ الدُّمُوعِ الَّتِي لَمَعَتْ فِي عَيْنَيْهَا هِيَ الْأُخْرَى، وَهَمَسَتْ لَهُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ: «هَذَا مَا كُنَّا نَنْتَظِرُهُ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ. الْحَقِيقَةُ، أَخِيرًا، بَعْدَ كُلِّ هَذَا الطَّرِيقِ الطَّوِيلِ.»


وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ 18


وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ 16