Numan Albarbari نعمان البربري

الجلسة الثالثة

النَّدْوَةُ الْحِوَارِيَّةُ حَوْلَ رِوَايَةِ
“مُتْحَفُ الْأَيَّامِ الْمَفْقُودَةِ”
الْجَلْسَةُ الْحِوَارِيَّةُ الثَّالِثَةُ

رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
بُوسْطُنُ، سَنَةَ أَلْفَيْنِ وَتِسْعَةَ عَشَرَ لِلْمِيلَادِ.
مُخْتَبَرٌ هَادِئٌ تَمْلَؤُهُ شَاشَاتٌ تَعْرِضُ صُوَرًا لِلدِّمَاغِ الْبَشَرِيِّ. امْرَأَةٌ تَحْمِلُ فِي يَدِهَا صُورَةً لِلْحُصَيْنِ، لَا بِوَصْفِهِ قِطْعَةً تَشْرِيحِيَّةً، بَلْ جُزْءًا مِنْ قِصَّةِ إِنْسَانٍ يَبْحَثُ عَنْ يَوْمٍ ضَائِعٍ مِنْ حَيَاتِهِ. لَا تَعِدُ سَامِرًا بِاسْتِعَادَةِ مَا فَقَدَهُ، وَلَا تَنْفِي إِمْكَانَ عَوْدَتِهِ، بَلْ تَبْدَأُ بِجُمْلَةٍ تَبْدُو بَسِيطَةً لَكِنَّهَا تَحْمِلُ أَمَانَةَ الْعِلْمِ كُلَّهَا: “لَا أَعْرِفُ بَعْدُ.” ثُمَّ تُضِيفُ: “لَكِنَّ عَدَمَ مَعْرِفَتِي لَا يَعْنِي أَنَّ الْبَابَ مُغْلَقٌ.”
أَتْرُكُ الْمِنَصَّةَ لِلْفَرِيقِ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
أَرَى أَنَّ هَذَا الْفَصْلَ يُمَثِّلُ لَحْظَةَ نُضْجٍ عِلْمِيٍّ فِي رِحْلَةِ سَامِرٍ كُلِّهَا.
فَالْعُلُومُ الْحَقِيقِيَّةُ لَا تَبْدَأُ عَادَةً بِإِجَابَةٍ، بَلْ بِسُؤَالٍ مَصُوغٍ بِدِقَّةٍ. وَأَكْثَرُ مَا لَفَتَنِي هُوَ رَفْضُ الْعَالاِمَةِ تَحْوِيلَ فُقْدَانِ يَوْمٍ وَاحِدٍ إِلَى قِصَّةٍ دِرَامِيَّةٍ جَاهِزَةٍ. فَهِيَ لَا تَقُولُ فَوْرًا: إِنَّهَا صَدْمَةٌ، أَوْ مَرَضٌ، أَوْ سِرٌّ غَامِضٌ، بَلْ تَفْتَحُ الاِاحْتِمَالَاتِ كُلَّهَا: تَغَيُّرَاتٌ عَصَبِيَّةٌ، أَوْ إِرْهَاقٌ شَدِيدٌ، أَوْ ضَغْطٌ نَفْسِيٌّ، أَوْ تَجْرِبَةٌ انْفِصَالاِيَّةٌ، أَوْ أَسْبَابٌ أُخْرَى تَحْتَاجُ إِلَى فَحْصٍ.
وَتَشْبِيهُهَا لِلْحُصَيْنِ بِأَنَّهُ لَيْسَ مَخْزَنًا لِلذِّكْرَيَاتِ بَلْ أَشْبَهُ بِأَمِينِ مَكْتَبَةٍ يُسَاعِدُ عَلَى تَرْتِيبِ الْوُصُولِ إِلَيْهَا، أَدَقُّ مِنْ فِكْرَةِ أَنَّ الذِّكْرَيَاتِ مَحْفُوظَةٌ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ. فَالذَّاكِرَةُ لَيْسَتْ كِتَابًا مُغْلَقًا عَلَى رَفٍّ، بَلْ شَبَكَةٌ حَيَّةٌ يُعِيدُ الدِّمَاغُ تَنْظِيمَهَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ نَسْتَدْعِيهَا فِيهَا.
وَأَهَمُّ نَصِيحَةٍ أَعْطَتْهَا لِسَامِرٍ: لَا تُحَاوِلْ اقْتِحَامَ الْبَابِ بِالْقُوَّةِ. فَالذَّاكِرَةُ، خُصُوصًا حِينَ تَرْتَبِطُ بِأَلَمٍ أَوْ صَدْمَةٍ، قَدْ تَحْتَاجُ إِلَى اقْتِرَابٍ هَادِئٍ لَا إِلَى مُطَارَدَةٍ عَنِيفَةٍ. فَأَحْيَانًا يَكُونُ احْتِرَامُ الصَّمْتِ أَكْثَرَ عِلَاجًا مِنْ إِجْبَارِ الصَّمْتِ عَلَى الْكَلَامِ.
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى :
أَوَدُّ أَنْ أُلْفِتَ الاِانْتِبَاهَ إِلَى أَنَّ تَصَوُّرَ الْإِنْسَانِ لِلذَّاكِرَةِ تَغَيَّرَ عَبْرَ التَّارِيخِ.
فَفِي عُصُورٍ كَثِيرَةٍ كَانَ يُنْظَرُ إِلَى الذَّاكِرَةِ كَأَنَّهَا مَخْزَنٌ ثَابِتٌ يَحْتَفِظُ بِالْمَاضِي كَمَا هُوَ، ثُمَّ جَاءَتِ الْعُلُومُ الْحَدِيثَةُ لِتَكْشِفَ أَنَّهَا عَمَلِيَّةٌ حَيَّةٌ يُعِيدُ الْإِنْسَانُ بِنَاءَهَا بِاسْتِمْرَارٍ. وَهُنَا أَرَى رَابِطًا جَمِيلًا مَعَ الْمُتْحَفِ نَفْسِهِ: فَالْمُتْحَفُ لَا يَحْتَفِظُ بِالْأَشْيَاءِ كَمَا كَانَتْ لَحْظَةَ حُدُوثِهَا فَقَطْ، بَلْ يُعِيدُ عَرْضَهَا وَتَأْوِيلَهَا. وَكَذَلِكَ الذَّاكِرَةُ الْإِنْسَانِيَّةُ لَيْسَتْ أَرْشِيفًا صَامِتًا، بَلْ مَكَانًا يُعِيدُ فِيهِ الْإِنْسَانُ تَرْتِيبَ عَلَاقَتِهِ بِمَاضِيهِ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
مَا يُعْجِبُنِي فِي هَذَا الْفَصْلِ أَنَّهُ يُعِيدُ صِيَاغَةَ سُؤَالاِ الرِّوَايَةِ الْأَسَاسِيِّ.
فَطَوَالَ الرِّحْلَةِ كَانَ السُّؤَالُ: أَيْنَ ذَهَبَ الْيَوْمُ الْمَفْقُودُ؟ أَمَّا هُنَا فَيُصْبِحُ السُّؤَالُ: أَالْيَوْمُ مَوْجُودٌ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ عَمَّا يَتَصَوَّرُ سَامِرٌ؟
فَثَمَّةَ فَرْقٌ فَلْسَفِيٌّ عَمِيقٌ بَيْنَ غِيَابِ شَيْءٍ مَا وَبَيْنَ عَدَمِ وُجُودِهِ. فَالْعِلْمُ هُنَا لَا يَقُولُ لِسَامِرٍ: يَوْمُكَ لَمْ يُوجَدْ لِأَنَّكَ لَا تَتَذَكَّرُهُ، وَلَا يَقُولُ: إِنَّهُ مَحْفُوظٌ بِالْكَامِلِ فِي مَكَانٍ مَا. بَلْ يَضَعُهُ أَمَامَ مِنْطَقَةٍ أَكْثَرَ تَعْقِيدًا: وُجُودٌ لَا نَمْلِكُ طَرِيقًا كَامِلًا لِلْوُصُولِ إِلَيْهِ. وَهَذَا يُعِيدُنَا إِلَى فِكْرَةٍ ظَهَرَتْ فِي جَلَسَاتٍ سَابِقَةٍ: حُدُودُ الْمَعْرِفَةِ لَيْسَتْ فَشَلًا لِلْإِنْسَانِ، بَلْ جُزْءٌ مِنْ طَبِيعَتِهِ.
الدُّكْتُورُ كَرِيمٌ “الرِّيَاضِيَّاتُ وَمَنْهَجِيَّةُ الْعُلُومِ):
أَرَى أَنَّ أَجْمَلَ مَا فِي مَوْقِفِ عَالاِمَةِ الْأَعْصَابِ هُوَ احْتِرَامُهَا لِلِاحْتِمَالَاتِ. فَفِي الرِّيَاضِيَّاتِ وَالْعُلُومِ لَا تَكْمُنُ الْقُوَّةُ فِي إِعْطَاءِ رَقْمٍ أَوْ جَوَابٍ سَرِيعٍ، بَلْ فِي مَعْرِفَةِ دَرَجَةِ الثِّقَةِ الَّتِي نَمْلِكُهَا.
فَحِينَ تَقُولُ: لَا أَعْرِفُ بَعْدُ، فَهِيَ لَا تُعْلِنُ عَجْزَهَا، بَلْ تُحَافِظُ عَلَى مَسَاحَةِ الاِاحْتِمَالاِ. وَهَذِهِ الْمَسَاحَةُ هِيَ الَّتِي تَسْمَحُ بِاكْتِشَافٍ جَدِيدٍ. فَالْجَوَابُ الْخَاطِئُ الْمُغْلَقُ أَخْطَرُ مِنَ السُّؤَالاِ الْمَفْتُوحِ. وَرُبَّمَا يَكُونُ هَذَا الْفَصْلُ أَقْرَبَ إِلَى الرِّيَاضِيَّاتِ مِمَّا يَبْدُو؛ لِأَنَّ الْبَحْثَ عَنِ الْحَقِيقَةِ يَبْدَأُ دَائِمًا بِتَحْدِيدِ مَا نَعْرِفُهُ وَمَا لَا نَعْرِفُهُ.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
أُلَاحِظُ تَحَوُّلًا مُهِمًّا فِي إِيقَاعِ الرِّوَايَةِ.
فَخِلَالَ الْأَبْوَابِ السَّابِقَةِ كَانَ سَامِرٌ يَلْتَقِي شَخْصِيَّاتٍ تَمْنَحُهُ رُؤًى كُبْرَى عَنِ الْإِنْسَانِ وَالْوُجُودِ وَالْمَعْنَى. أَمَّا هُنَا، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى، يَلْتَقِي شَخْصًا لَا يَمْنَحُهُ مَعْنًى جَاهِزًا.
فَالْعَالاِمَةُ لَا تُقَدِّمُ حِكْمَةً شِعْرِيَّةً، وَلَا اسْتِعَارَةً رُوحِيَّةً، بَلْ تُقَدِّمُ لَهُ شَيْئًا أَصْعَبَ: طَرِيقَةً أَكْثَرَ صِدْقًا فِي مُوَاجَهَةِ الْمَجْهُولِ. فَبَعْدَ اثْنَيْ عَشَرَ صَوْتًا فَلْسَفِيًّا، يَأْتِي الْعِلْمُ لَا لِيَهْدِمَ الْأَسْئِلَةَ، بَلْ لِيُعَلِّمَ سَامِرًا كَيْفَ يَحْمِلُهَا دُونَ خَوْفٍ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ الْأَصْوَاتِ الْفَلْسَفِيَّةِ الَّتِي تَحَدَّثَتْ عَنِ الذَّاكِرَةِ وَالْهُوِيَّةِ وَالزَّمَنِ، كَانَ يُمْكِنُ أَنْ تَبْدَأَ مِحْوَرَ الْعُلُومِ بِاكْتِشَافٍ مُذْهِلٍ أَوْ نَظَرِيَّةٍ كُبْرَى. لَكِنَّكَ اخْتَرْتَ عَالاِمَةً تَقُولُ لِسَامِرٍ: “لَا أَعْرِفُ بَعْدُ.” لِمَاذَا؟
الْأُسْتَاذُ نُعْمَان:
لِأَنِّي أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ دُخُولُ الْعِلْمِ مُخْتَلِفًا عَنِ الصُّورَةِ النَّمَطِيَّةِ عَنْهُ. فَالْعِلْمُ لَيْسَ مَكَانًا تُوجَدُ فِيهِ كُلُّ الْإِجَابَاتِ، بَلِ الْمَكَانَ الَّذِي نَتَعَلَّمُ فِيهِ كَيْفَ نَطْرَحُ الْأَسْئِلَةَ بِطَرِيقَةٍ أَكْثَرَ صِدْقًا.
فَلَوْ جَعَلْتُ الْعَالاِمَةَ تُعْطِي سَامِرًا تَفْسِيرًا نِهَائِيًّا، لَكُنْتُ خَالَفْتُ رُوحَ الرِّوَايَةِ نَفْسِهَا. فَـ”مُتْحَفُ الْأَيَّامِ الْمَفْقُودَةِ” لَا يَبْحَثُ عَنْ صُنْدُوقٍ مُغْلَقٍ يَحْتَوِي الْحَقِيقَةَ، بَلْ عَنِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَمَا لَا يَسْتَطِيعُ امْتِلَاكَهُ كَامِلًا.
كَمَا أَنِّي أَرَدْتُ لِسَامِرٍ أَنْ يَتَعَلَّمَ شَيْئًا جَدِيدًا: أَحْيَانًا لَا تَكُونُ الْخُطْوَةُ الْأُولَى نَحْوَ اسْتِعَادَةِ الذَّاكِرَةِ أَنْ تَتَذَكَّرَ، بَلْ أَنْ تَقْبَلَ أَنَّكَ لَا تَتَذَكَّرُ بَعْدُ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نَتَوَقَفُ عَلَى صُورَةِ سَاعَةٍ رَمْلِيَّةٍ مُتَوَقِّفَةٍ، لَا لِأَنَّ الزَّمَنَ تَوَقَّفَ، بَلْ لِأَنَّنَا لَمْ نَعُدْ مُتَأَكِّدِينَ مِنْ مَعْنَى حَرَكَتِهِ.
فِي الْبَابِ التَّالاِي لَنْ نَسْأَلَ: كَيْفَ يَتَذَكَّرُ الدِّمَاغُ؟ بَلْ سَنَسْأَلُ سُؤَالًا أَقْدَمَ وَأَصْعَبَ: أَالزَّمَنُ نَفْسُهُ شَيْءٌ يَتَحَرَّكُ… أَمْ إِنَّنَا نَحْنُ الَّذِينَ نَتَحَرَّكُ دَاخِلَهُ؟
فِيزْيَائِيُّ الْكَمِّ وَالزَّمَنِ
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:

Section 2

جِنِيفُ، سَنَةَ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَةَ عَشَرَ لِلْمِيلَادِ.
قَاعَةٌ وَاسِعَةٌ تُحِيطُ بِهَا أَلْوَاحٌ زُجَاجِيَّةٌ امْتَلَأَتْ بِمُعَادَلَاتٍ وَرُمُوزٍ تَبْدُو كَأَنَّهَا لُغَةٌ أُخْرَى لِلْكَوْنِ. يَقِفُ فِيزْيَائِيٌّ أَمَامَ سَامِرٍ، لَا لِيَشْرَحَ لَهُ كَيْفَ يَسْتَعِيدُ يَوْمَهُ الْمَفْقُودَ، بَلْ لِيَهْدِمَ افْتِرَاضًا كَانَ يَحْمِلُهُ مُنْذُ الْبِدَايَةِ: أَنَّ الْمَاضِيَ شَيْءٌ رَحَلَ وَانْتَهَى. يَقُولُ لَهُ: “رُبَّمَا مَا نُسَمِّيهِ ضَيَاعًا لَيْسَ اخْتِفَاءً… رُبَّمَا هُوَ فَقَطِ ابْتِعَادٌ عَنْ طَرِيقَةِ وُصُولِنَا إِلَيْهِ.” ثُمَّ يُشِيرُ إِلَى مُعَادَلَةٍ عَلَى الزُّجَاجِ وَيُضِيفُ: “الزَّمَنُ، فِي أَعْمَاقِ الْفِيزْيَاءِ، لَيْسَ دَائِمًا كَمَا نَشْعُرُ بِهِ.”
الدُّكْتُورُ كَرِيمٌ “الرِّيَاضِيَّاتُ وَالْفِيزْيَاءُ الرِّيَاضِيَّةُ):
أَرَى أَنَّ هَذَا الْفَصْلَ مِنْ أَكْثَرِ الْفُصُولِ حَاجَةً إِلَى التَّوَازُنِ بَيْنَ الدِّقَّةِ وَالدَّهْشَةِ. فَالْفِكْرَةُ الْأَسَاسِيَّةُ الَّتِي يَطْرَحُهَا الْفِيزْيَائِيُّ صَحِيحَةٌ مِنْ حَيْثُ الْمَبْدَأُ: كَثِيرٌ مِنَ الْقَوَانِينِ الْأَسَاسِيَّةِ فِي الْفِيزْيَاءِ لَا تَحْتَوِي فِي صِيَاغَتِهَا عَلَى اتِّجَاهٍ مُفَضَّلٍ لِلزَّمَنِ.
فَمُعَادَلَاتُ الْحَرَكَةِ فِي الْفِيزْيَاءِ الْكِلَاسِيكِيَّةِ، وَمُعَادَلَاتُ الْمَجَالِ الْكَهْرُومَغْنَاطِيسِيِّ، وَحَتَّى مُعَادَلَةُ شْرُودِنْغَرَ فِي مِيكَانِيكَا الْكَمِّ، تَتَمَتَّعُ فِي صِيَاغَاتٍ وَظُرُوفٍ مُعَيَّنَةٍ بِخَوَاصَّ تَجْعَلُ عَكْسَ اتِّجَاهِ الزَّمَنِ مُمْكِنًا رِيَاضِيًّا؛ لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَعْنِي أَنَّ كُلَّ الظَّوَاهِرِ الْفِيزْيَائِيَّةِ الْوَاقِعِيَّةِ تَبْدُو مُتَمَاثِلَةً زَمَنِيًّا.
لَكِنَّ هُنَا تَظْهَرُ الْمُفَارَقَةُ الْكُبْرَى: لِمَ نَشْعُرُ إِذَنْ بِأَنَّ الزَّمَنَ يَسِيرُ مِنَ الْمَاضِي نَحْوَ الْمُسْتَقْبَلِ؟ لِمَ نَتَذَكَّرُ الْأَمْسَ وَلَا نَتَذَكَّرُ الْغَدَ؟ وَهُنَا يَرْتَبِطُ أَحَدُ أَهَمِّ التَّفْسِيرَاتِ الْفِيزْيَائِيَّةِ بِمَفْهُومِ الْإِنْتُرُوبْيَا، أَيِ ازْدِيَادِ الْإِنْتُرُوبْيَا فِي الْأَنْظِمَةِ الَّتِي تَخْضَعُ لِلدِّرَاسَةِ، وَهُوَ مَا يَرْتَبِطُ بِمَا نُسَمِّيهِ سَهْمَ الزَّمَنِ. لَكِنَّ سُؤَالَ كَيْفَ نَنْشَأُ مِنْ هَذَا سَهْمُ الزَّمَنِ، وَكَيْفَ يَرْتَبِطُ بِالتَّذَكُّرِ وَالْوَعْيِ، أَكْثَرُ تَعْقِيدًا مِنْ أَنْ تُقَدِّمَهُ الْإِنْتُرُوبْيَا وَحْدَهَا كَإِجَابَةٍ نِهَائِيَّةٍ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
مَا يُهِمُّنِي فِي هَذَا الْفَصْلِ لَيْسَ فَقَطِ الْجَانِبُ الْفِيزْيَائِيُّ، بَلِ التَّحَوُّلُ الْفَلْسَفِيُّ الَّذِي يَحْدُثُ فِي ذِهْنِ سَامِرٍ.
فَطَوَالَ حَيَاتِهِ كَانَ يَتَعَامَلُ مَعَ الْمَاضِي كَأَنَّهُ مَكَانٌ مُغْلَقٌ خَلْفَهُ. أَمَّا هُنَا فَيُوَاجِهُ احْتِمَالًا آخَرَ: رُبَّمَا الْمَاضِي لَيْسَ خَلْفَنَا تَمَامًا، بَلْ جُزْءٌ مِنْ بِنْيَةٍ أَكْبَرَ لَا نَمْلِكُ الْقُدْرَةَ عَلَى رُؤْيَتِهَا كَامِلَةً. وَفِكْرَةُ “الْكَوْنِ الْكُتْلِيِّ”، أَوْ تَصَوُّرُ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ بِنْيَةً رُبَاعِيَّةَ الْأَبْعَادِ، حَيْثُ تُعَالَجُ أَحْدَاثُ الْمَاضِي وَالْحَاضِرِ وَالْمُسْتَقْبَلِ ضِمْنَ بِنْيَةٍ وَاحِدَةٍ، هِيَ تَأْوِيلٌ فَلْسَفِيٌّ-فِيزْيَائِيٌّ مَعْرُوفٌ يَرْتَبِطُ بِقِرَاءَاتٍ مُعَيَّنَةٍ لِنَظَرِيَّةِ النِّسْبِيَّةِ، وَلَيْسَ حَقِيقَةً تَجْرِيبِيَّةً مُسْتَقِلَّةً مَحْسُومَةً.
لَكِنْ، وَبِحَذَرٍ، تَكْمُنُ قُوَّةُ الْفَصْلِ فِي أَنَّ الْفِيزْيَائِيَّ لَا يُحَوِّلُ هَذِهِ الْفِكْرَةَ إِلَى وَعْدٍ سِحْرِيٍّ. فَهُوَ لَا يَقُولُ لِسَامِرٍ: يَوْمُكَ الْمَفْقُودُ مَوْجُودٌ إِذَنْ يُمْكِنُكَ اسْتِعَادَتَهُ، بَلْ يَقُولُ: رُبَّمَا يَجِبُ أَنْ نُعِيدَ تَعْرِيفَ مَعْنَى الْفُقْدَانِ نَفْسِهِ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى “طِبُّ الْأَعْصَابِ وَعِلْمُ النَّفْسِ الْمَعْرِفِيُّ):
أَجِدُ أَنَّ أَهَمَّ جُمْلَةٍ فِي الْفَصْلِ مِنَ النَّاحِيَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ هِيَ: “الْفِيزْيَاءُ لَا تَحُلُّ حُزْنَكَ، لَكِنَّهَا تُغَيِّرُ شَكْلَ الْحُزْنِ.”
وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ مَفْهُومٍ مَعْرُوفٍ فِي بَعْضِ مُقَارَبَاتِ الْعِلَاجِ النَّفْسِيِّ يُسَمَّى إِعَادَةَ التَّأْطِيرِ الْمَعْرِفِيِّ. فَأَحْيَانًا لَا نَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَ الْحَدَثِ الَّذِي حَدَثَ، وَلَا نَسْتَطِيعُ إِعَادَةَ الزَّمَنِ إِلَى الْوَرَاءِ، لَكِنَّنَا نَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي نَفْهَمُ بِهَا الْحَدَثَ وَنَحْمِلُ أَثَرَهُ دَاخِلَ وَعْيِنَا.
فَثَمَّةَ فَرْقٌ نَفْسِيٌّ عَمِيقٌ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ الْإِنْسَانُ: فَقَدْتُ شَيْئًا وَلَمْ يَعُدْ مَوْجُودًا، وَبَيْنَ أَنْ يَقُولَ: فَقَدْتُ الْوُصُولَ إِلَى شَيْءٍ مَا. فَالْحَقِيقَةُ الْخَارِجِيَّةُ قَدْ لَا تَتَغَيَّرُ، لَكِنَّ الْعَلَاقَةَ الدَّاخِلِيَّةَ مَعَهَا قَدْ تَتَغَيَّرُ كَثِيرًا.
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ “عِلْمُ الدَّلَالَةِ وَاللِّسَانِيَّاتُ):
أَرَى أَنَّ جَوْهَرَ الْفَصْلِ يَخْتَبِئُ فِي الْكَلِمَاتِ نَفْسِهَا. فَكَلِمَةُ “فُقْدَانٍ” تَحْمِلُ ضِمْنِيًّا مَعْنَى النِّهَايَةِ، بَيْنَمَا كَلِمَةُ “ابْتِعَادٍ” تَحْمِلُ إِمْكَانَ وُجُودِ مَسَافَةٍ فَقَطْ.
وَهَذَا التَّحَوُّلُ الدَّلَالاِيُّ لَيْسَ تَجْمِيلًا لُغَوِيًّا، بَلْ يُغَيِّرُ طَرِيقَةَ التَّفْكِيرِ. فَاللُّغَةُ لَا تَصِفُ الْعَالَمَ فَقَطْ، بَلْ تُحَدِّدُ أَحْيَانًا الْإِطَارَ الَّذِي نَرَى الْعَالَمَ مِنْ خِلَالاِهِ. وَرُبَّمَا لِهَذَا السَّبَبِ لَمْ يَسْتَخْدِمِ الْفِيزْيَائِيُّ كَلِمَةَ “اخْتِفَاءٍ”، لِأَنَّ الاِاخْتِفَاءَ حُكْمٌ نِهَائِيٌّ، بَيْنَمَا الْعِلْمُ الْحَقِيقِيُّ يَتْرُكُ دَائِمًا مَسَاحَةً لِاحْتِمَالٍ لَا نَعْرِفُهُ بَعْدُ.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
أَهَمُّ مَا يَلْفِتُنِي فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ سَامِرًا لَمْ يَعُدْ يَسْتَقْبِلُ الْأَفْكَارَ كَزَائِرٍ يَمُرُّ أَمَامَ أَبْوَابِ الْمُتْحَفِ، بَلْ بَدَأَ يَحْمِلُهَا مَعَهُ.
فَحِينَ يَرْبِطُ بِنَفْسِهِ بَيْنَ هَذَا الْفَصْلِ وَفَصْلِ النَّجْمَةِ الْمُحْتَضِرَةِ، نَكْتَشِفُ أَنَّ الرِّحْلَةَ لَمْ تَعُدْ مُجَرَّدَ سِلْسِلَةِ لِقَاءَاتٍ مُنْفَصِلَةٍ. فَالْأَفْكَارُ بَدَأَتْ تَتَرَاكَمُ دَاخِلَ الشَّخْصِيَّةِ، وَتُعِيدُ تَشْكِيلَ طَرِيقَةِ نَظَرِهَا إِلَى الْعَالَمِ.
فِي بِدَايَةِ الرِّوَايَةِ كَانَ سَامِرٌ يَسْأَلُ: أَيْنَ ذَهَبَ يَوْمِي؟ أَمَّا الْآنَ فَبَدَأَ يَسْأَلُ سُؤَالًا أَعْمَقَ: مَا مَعْنَى أَنْ نَقُولَ إِنَّ شَيْئًا ذَهَبَ أَصْلًا؟
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
سُؤَالٌ حَوْلَ نُقْطَةٍ حَسَّاسَةٍ. فَالْفَصْلُ يَقْتَرِبُ مِنْ فِكْرَةِ الْأَكْوَانِ الْمُتَعَدِّدَةِ، وَهِيَ فِكْرَةٌ شَدِيدَةُ الْإِغْرَاءِ رِوَائِيًّا. كَانَ يُمْكِنُ أَنْ تَجْعَلَ هُنَاكَ نُسْخَةً أُخْرَى مِنْ سَامِرٍ فِي كَوْنٍ آخَرَ تَمْلِكُ ذَاكِرَتَهُ الْكَامِلَةَ. لِمَ لَمْ تَسْتَثْمِرْ هَذَا الاِاحْتِمَالَ حَلًّا سَرْدِيًّا؟
الْأُسْتَاذُ نُعْمَان:
لِأَنِّي شَعَرْتُ أَنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ خِيَانَةً لِرُوحِ الرِّوَايَةِ. كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَلًّا جَمِيلًا وَمُرِيحًا، لَكِنَّهُ سَيَكُونُ هُرُوبًا مِنَ السُّؤَالاِ الْحَقِيقِيِّ.
فَفِكْرَةُ الْأَكْوَانِ الْمُتَعَدِّدَةِ، فِي بَعْضِ النَّمَاذِجِ وَالتَّأْوِيلَاتِ النَّظَرِيَّةِ فِي الْفِيزْيَاءِ الْحَدِيثَةِ، تَحْمِلُ قِيمَةً فِكْرِيَّةً هَائِلَةً، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ مِفْتَاحًا سِحْرِيًّا لِكُلِّ أَلَمٍ إِنْسَانِيٍّ، وَلَا هِيَ فِي صُورَتِهَا الْعَامَّةِ حَقِيقَةٌ تَجْرِيبِيَّةٌ مُحْسَمَةٌ. كُنْتُ حَرِيصًا طَوَالَ الْكِتَابِ أَلَّا أَسْتَخْدِمَ الْعِلْمَ آلَةً لِتَحْقِيقِ الْأُمْنِيَاتِ. فَالْعِلْمُ أَجْمَلُ حِينَ يَكْشِفُ لَنَا حُدُودَ مَعْرِفَتِنَا، لَا حِينَ يَتَحَوَّلُ إِلَى وَسِيلَةٍ لِمَنْحِنَا الْإِجَابَاتِ الَّتِي نُرِيدُهَا فَقَطْ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نَتَوَقَفُ عَلَى صُورَةِ نَجْمٍ بَعِيدٍ لَا نَرَاهُ مُبَاشَرَةً، لَكِنَّ ضَوْءَهُ مَا زَالَ يَصِلُ إِلَيْنَا بَعْدَ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ فِي الزَّمَنِ.
وَعَلَى الْبَابِ التَّالاِي تَظْهَرُ مِجْرَفَةٌ قَدِيمَةٌ تَغُوصُ فِي طَبَقَاتِ الْأَرْضِ، كَأَنَّهَا تَقُولُ إِنَّ الْأَشْيَاءَ الَّتِي ظَنَنَّا أَنَّهَا اخْتَفَتْ قَدْ تَكُونُ فَقَطْ مَدْفُونَةً تَحْتَ طَبَقَاتٍ لَا نَعْرِفُ كَيْفَ نَفْتَحُهَا.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نِينَوَى، سَنَةَ أَلْفَيْنِ وَثَلَاثٍ لِلْمِيلَادِ.
أَرْضٌ مَفْتُوحَةٌ تَحْتَ شَمْسٍ قَاسِيَةٍ، وَحُفْرَةٌ صَغِيرَةٌ تَكْشِفُ طَبَقَةً بَعْدَ أُخْرَى مِنْ زَمَنٍ غَابِرٍ. يَنْحَنِي عَالاِمُ الْآثَارِ فَوْقَ التُّرَابِ، لَا كَمَنْ يَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ مَيِّتٍ، بَلْ كَمَنْ يُصْغِي إِلَى شَيْءٍ يَنْتَظِرُ أَنْ يُفْهَمَ. يُمْسِكُ قِطْعَةً فَخَّارِيَّةً صَغِيرَةً بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يُعِيدُهَا إِلَى مَكَانِهَا قَبْلَ أَنْ يَكْتُبَ مُلَاحَظَاتِهِ. يَقُولُ لِسَامِرٍ: “أَكْبَرُ أَخْطَاءِ الْبَاحِثِ أَنْ يَظُنَّ أَنَّ الْعُثُورَ عَلَى الشَّيْءِ يَعْنِي امْتِلَاكَهُ. أَحْيَانًا تَكُونُ الطَّرِيقَةُ الَّتِي نَقْتَرِبُ بِهَا مِنَ الْأَثَرِ أَهَمَّ مِنَ الْأَثَرِ نَفْسِهِ.” ثُمَّ يُضِيفُ: “لَا تَحْفِرْ بِعُنْفٍ بَحْثًا عَنِ الصُّورَةِ الْكَامِلَةِ. ابْدَأْ بِالْقِطْعَةِ الصَّغِيرَةِ… فَالْآثَارُ لَا تَكْشِفُ أَسْرَارَهَا لِمَنْ يَسْتَعْجِلُهَا.”
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى “التَّارِيخُ وَعِلْمُ الْآثَارِ):
هَذَا الْفَصْلُ مِنْ أَكْثَرِ الْفُصُولِ دِقَّةً فِي تَمْثِيلِ مَنْهَجِ عِلْمِ الْآثَارِ الْحَقِيقِيِّ. فَالْقِطْعَةُ الْأَثَرِيَّةُ لَا تَحْمِلُ مَعْنَاهَا مُنْفَرِدَةً، بَلْ مِنْ خِلَالاِ مَوْقِعِهَا، وَطَبَقَتِهَا، وَعَلَاقَتِهَا بِمَا حَوْلَهَا. وَفِي عِلْمِ الْآثَارِ يُسَمَّى هَذَا بِـ”السِّيَاقِ الْأَثَرِيِّ”، وَهُوَ أَحَدُ الْمَبَادِئِ الْأَسَاسِيَّةِ الَّتِي تُمَيِّزُ الْحَفْرَ الْعِلْمِيَّ الْحَدِيثَ عَنِ الْبَحْثِ الْقَدِيمِ عَنِ الْكُنُوزِ.

Section 3

فَاللَّوْحُ الطِّينِيُّ، أَوِ التِّمْثَالُ، أَوْ قِطْعَةُ الْفَخَّارِ، قَدْ يَفْقِدُ جُزْءًا كَبِيرًا مِنْ قِيمَتِهِ الْعِلْمِيَّةِ إِذَا أُخْرِجَ مِنْ مَكَانِهِ دُونَ تَسْجِيلٍ دَقِيقٍ لِلطَّبَقَةِ الَّتِي وُجِدَ فِيهَا. وَهُنَا تَكْمُنُ قُوَّةُ التَّشْبِيهِ مَعَ ذَاكِرَةِ سَامِرٍ: فَالذِّكْرَى لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَعْلُومَةٍ مُنْفَصِلَةٍ نَبْحَثُ عَنْهَا، بَلْ قِطْعَةٌ دَاخِلَ سِيَاقٍ كَامِلٍ مِنَ الْمَشَاعِرِ وَالْأَمَاكِنِ وَالْأَشْخَاصِ وَالْأَزْمِنَةِ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
أَرَى أَنَّ هَذَا الْبَابَ يُقَدِّمُ تَحَوُّلًا مُهِمًّا فِي مَسَارِ الرِّوَايَةِ. فَمُعْظَمُ الشَّخْصِيَّاتِ السَّابِقَةِ كَانَتْ تُقَدِّمُ لِسَامِرٍ طَرِيقَةً جَدِيدَةً لِلنَّظَرِ إِلَى فُقْدَانِهِ، أَمَّا عَالاِمُ الْآثَارِ فَيُقَدِّمُ لَهُ طَرِيقَةً جَدِيدَةً لِلْعَمَلِ عَلَيْهِ.
فَثَمَّةَ فَرْقٌ بَيْنَ السُّؤَالاِ: لِمَ فَقَدْتُ هَذَا الْيَوْمَ؟ وَالسُّؤَالاِ: كَيْفَ أَقْتَرِبُ مِنْهُ بِطَرِيقَةٍ لَا أُدَمِّرُ بِهَا مَا تَبَقَّى مِنْهُ؟ وَبِهَذَا الْمَعْنَى، يُشْبِهُ عَالاِمُ الْآثَارِ الْبَاحِثَ عَنِ الْحَقِيقَةِ عِنْدَ الْفَلَاسِفَةِ: لَيْسَ مَنْ يَبْحَثُ عَنْ جَوَابٍ سَرِيعٍ، بَلْ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ الاِاقْتِرَابَ الْمُتَسَرِّعَ مِنَ الْحَقِيقَةِ قَدْ يُشَوِّهُهَا.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى “طِبُّ الْأَعْصَابِ وَعِلْمُ النَّفْسِ الْمَعْرِفِيُّ):
أَجِدُ أَنَّ اسْتِعَارَةَ الطَّبَقَاتِ الْأَثَرِيَّةِ مِنْ أَجْمَلِ اسْتِعَارَاتِ الْفَصْلِ مِنَ النَّاحِيَةِ النَّفْسِيَّةِ. فَالذَّاكِرَةُ الْإِنْسَانِيَّةُ، خُصُوصًا بَعْدَ التَّجَارِبِ الْقَاسِيَةِ، لَا تَكُونُ دَائِمًا مُرَتَّبَةً زَمَنِيًّا كَمَا نَتَصَوَّرُهَا.
فَقَدْ تَخْتَلِطُ مَشَاعِرُ مِنْ مَرْحَلَةٍ، بِصُوَرٍ مِنْ مَرْحَلَةٍ أُخْرَى، وَقَدْ يَرْتَبِطُ حَدَثٌ قَدِيمٌ بِإِحْسَاسٍ حَاضِرٍ. وَفِي عِلْمِ النَّفْسِ ثَمَّةَ مَفْهُومٌ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِصُعُوبَةِ تَحْدِيدِ مَصْدَرِ الذِّكْرَى أَوْ زَمَنِهَا بِدِقَّةٍ، خُصُوصًا بَعْدَ التَّجَارِبِ الضَّاغِطَةِ. لَكِنَّ الْفَرْقَ الْمُهِمَّ أَنَّ الْمُعَالاِجَ، مِثْلَ عَالاِمِ الْآثَارِ، لَا يُحَاوِلُ اقْتِحَامَ الطَّبَقَاتِ بِالْقُوَّةِ، بَلْ يُحَاوِلُ فَهْمَهَا وَاحْتِرَامَ تَرْتِيبِ ظُهُورِهَا.
الدُّكْتُورُ كَرِيمٌ “الرِّيَاضِيَّاتُ وَمَنْهَجِيَّةُ الْبَحْثِ):
لَفَتَنِي الْجَانِبُ الْمَنْهَجِيُّ فِي كَلَامِ عَالاِمِ الْآثَارِ. فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ يُقَدِّمُ نَمُوذَجًا عَامًّا لِبِنَاءِ الْمَعْرِفَةِ: مُلَاحَظَةٌ صَغِيرَةٌ، تَسْجِيلٌ دَقِيقٌ، مُقَارَنَةٌ، ثُمَّ اسْتِنْتَاجٌ تَدْرِيجِيٌّ.
وَهَذَا يُشْبِهُ كَثِيرًا طَرِيقَةَ بِنَاءِ النَّظَرِيَّاتِ الْعِلْمِيَّةِ؛ فَلَا يَبْدَأُ الْبَاحِثُ بِصُورَةٍ نِهَائِيَّةٍ ثُمَّ يَبْحَثُ عَمَّا يُؤَيِّدُهَا، بَلْ يَجْمَعُ الْبَيَانَاتِ الصَّغِيرَةَ وَيُحَاوِلُ أَنْ يَرَى النَّمَطَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْهَا. وَرُبَّمَا لِهَذَا السَّبَبِ لَا يُعْطِيهِ الْفَصْلُ اكْتِشَافًا كَبِيرًا، بَلْ يُعْطِيهِ الصَّبْرَ. وَالصَّبْرُ هُنَا لَيْسَ فَضِيلَةً أَخْلَاقِيَّةً فَقَطْ، بَلْ أَدَاةٌ مَعْرِفِيَّةٌ.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
أَرَى أَنَّ هَذَا الْبَابَ يُمَثِّلُ نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ فِي شَخْصِيَّةِ سَامِرٍ. فَفِي الْبِدَايَةِ كَانَ يَبْحَثُ عَنْ يَوْمِهِ الْمَفْقُودِ كَمَا يَبْحَثُ الْإِنْسَانُ عَنْ شَيْءٍ سُرِقَ مِنْهُ، أَمَّا الْآنَ فَبَدَأَ يَتَعَامَلُ مَعَهُ كَبَاحِثٍ يُحَاوِلُ إِعَادَةَ بِنَاءِ قِصَّةٍ.
فَلَمْ يَعُدْ يُرِيدُ انْتِزَاعَ الذَّاكِرَةِ مِنْ مَكَانٍ مُخْفًى، بَلْ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَمِعَ إِلَى الْإِشَارَاتِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تَقُودُهُ إِلَيْهَا. وَهَذَا يَنْسَجِمُ مَعَ طَبِيعَةِ الرِّوَايَةِ نَفْسِهَا: فَالْمُتْحَفُ لَا يَعْرِضُ الْأَيَّامَ كَامِلَةً، بَلْ يَعْرِضُ شَظَايَا مِنْهَا، وَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَفْهَمَ الْحِكَايَةَ مِنْ خِلَالاِ هَذِهِ الشَّظَايَا.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
سُؤَالٌ حَوْلَ التَّوَازِي بَيْنَ عَمَلِ عَالاِمِ الْآثَارِ وَعَمَلِ الْكَاتِبِ: هَذَا الْعَالاِمُ يَخَافُ أَنْ يَكْسِرَ أَثْنَاءَ الْحَفْرِ شَيْئًا لَا يُمْكِنُ إِصْلَاحُهُ. أَكَانَ هَذَا الْخَوْفُ انْعِكَاسًا وَاعِيًا لِخَوْفِ الْكَاتِبِ نَفْسِهِ حِينَ يَكْتُبُ عَنْ ذَاكِرَةٍ شَخْصِيَّةٍ أَوْ جَمَاعِيَّةٍ حَسَّاسَةٍ؟
الْأُسْتَاذُ نُعْمَان:
نَعَمْ، وَرُبَّمَا كَانَ هَذَا مِنْ أَكْثَرِ الْفُصُولِ قُرْبًا إِلَى تَجْرِبَتِي فِي الْكِتَابَةِ.
فَحِينَ يَكْتُبُ الْإِنْسَانُ عَنْ ذَاكِرَةِ فَرْدٍ أَوْ شَعْبٍ أَوْ مَرْحَلَةٍ مُؤْلِمَةٍ، فَهُوَ لَا يَتَعَامَلُ مَعَ مَادَّةٍ عَادِيَّةٍ. إِنَّهُ يَقْتَرِبُ مِنْ شَيْءٍ هَشٍّ عَاشَهُ آخَرُونَ، وَرُبَّمَا مَا زَالُوا يَحْمِلُونَ أَثَرَهُ. فَالْكَاتِبُ الْمُتَسَرِّعُ قَدْ يُحَوِّلُ الْأَلَمَ إِلَى مَشْهَدٍ، أَوِ التَّجْرِبَةَ إِلَى شِعَارٍ. أَمَّا الْكَاتِبُ الَّذِي يَحْتَرِمُ الذَّاكِرَةَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحْفِرَ بِبُطْءٍ، وَأَنْ يَسْأَلَ قَبْلَ أَنْ يَرْوِيَ: هَلْ أُضِيفُ فَهْمًا جَدِيدًا، أَمْ أُضِيفُ جُرْحًا جَدِيدًا؟
وَرُبَّمَا كَانَتْ قَاعِدَةُ عَالاِمِ الْآثَارِ: “وَثِّقْ قَبْلَ أَنْ تَرْفَعَ” قَرِيبَةً جِدًّا مِنْ قَاعِدَتِي فِي الْكِتَابَةِ: “افْهَمْ قَبْلَ أَنْ تَصِفَ.”
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نَتَوَقَفُ عَلَى صُورَةِ قِطْعَةِ فَخَّارٍ صَغِيرَةٍ أَعَادَهَا عَالاِمُ الْآثَارِ إِلَى مَكَانِهَا مُؤَقَّتًا، وَكَأَنَّهَا تَقُولُ إِنَّ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ لَا تَحْتَاجُ أَنْ تُنْتَزَعَ فَوْرًا كَيْ تُنْقَذَ.
وَعَلَى الْبَابِ التَّالاِي تَظْهَرُ مِرْآةٌ مَكْسُورَةٌ جُزْئِيًّا، لَا تَعْكِسُ وَجْهًا كَامِلًا، بَلْ أَجْزَاءً مُتَنَاثِرَةً مِنْهُ. وَيُخْبِرُ الْعَجُوزُ سَامِرًا أَنَّ الْقَاعَةَ الْقَادِمَةَ سَتَكُونُ مِنْ أَصْعَبِ الْقَاعَاتِ عَاطِفِيًّا: حِينَ يَبْقَى الْجَسَدُ حَاضِرًا… بَيْنَمَا تَبْدَأُ الذَّاكِرَةُ فِي الرَّحِيلِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
طُوكِيُو، خَرِيفَ سَنَةِ أَلْفَيْنِ وَعِشْرِينَ.
فِي غُرْفَةٍ هَادِئَةٍ لَا تَكَادُ تُسْمَعُ فِيهَا إِلَّا حَرَكَةُ الْأَوْرَاقِ، تَجْلِسُ طَبِيبَةٌ كَرَّسَتْ سَنَوَاتِهَا لِمُرَافَقَةِ الَّذِينَ تَتَرَاجَعُ ذَاكِرَتُهُمْ بِبُطْءٍ. لَا تَدْخُلُ لِتُقَدِّمَ لِسَامِرٍ تَفْسِيرًا تِقْنِيًّا لِفُقْدَانِهِ، بَلْ لِتَفْتَحَ أَمَامَهُ بَابًا أَكْثَرَ قَسْوَةً: مَاذَا يَحْدُثُ حِينَ لَا نَفْقِدُ شَخْصًا مَرَّةً وَاحِدَةً، بَلْ نَفْقِدُهُ عَلَى مَرَاحِلَ، بَيْنَمَا يَبْقَى جَسَدُهُ أَمَامَنَا؟ تَتَحَدَّثُ عَنِ الْحِدَادِ الْمُعَلَّقِ؛ ذَلِكَ الْحُزْنِ الَّذِي لَا يَمْلِكُ لَحْظَةَ نِهَايَةٍ وَاضِحَةً، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ الَّذِي نُحِبُّهُ لَمْ يَرْحَلْ تَمَامًا، لَكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ حَاضِرًا بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي عَرَفْنَاهَا.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
أَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا الْبَابَ مِنْ أَكْثَرِ الْأَبْوَابِ الطِّبِّيَّةِ إِنْسَانِيَّةً فِي الرِّوَايَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَعَامَلُ مَعَ الزَّهَايْمَرِ بِوَصْفِهِ مَرَضًا يُصِيبُ الدِّمَاغَ فَقَطْ، بَلْ بِوَصْفِهِ تَجْرِبَةً تُصِيبُ شَبَكَةً كَامِلَةً مِنَ الْعَلَاقَاتِ حَوْلَ الْمَرِيضِ.
فَالتَّمْيِيزُ الَّذِي تُقَدِّمُهُ الطَّبِيبَةُ بَيْنَ أَنْوَاعِ الذَّاكِرَةِ دَقِيقٌ جِدًّا؛ فَهُنَاكَ ذَاكِرَةٌ مَعْرِفِيَّةٌ وَسَرْدِيَّةٌ تَتَرَاجَعُ غَالاِبًا مَعَ تَطَوُّرِ الْمَرَضِ، وَهُنَاكَ ذَاكِرَةٌ عَاطِفِيَّةٌ وَانْفِعَالاِيَّةٌ قَدْ تَبْقَى لِفَتَرَاتٍ أَطْوَلَ. فَقَدْ لَا يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ اسْمَ ابْنِهِ، لَكِنَّهُ يَشْعُرُ بِالْأَمَانِ حِينَ يُمْسِكُ يَدَهُ. وَقَدْ يَنْسَى قِصَّةً عَاشَهَا، لَكِنَّهُ يَحْتَفِظُ بِإِحْسَاسِ الْمَحَبَّةِ الْمُرْتَبِطِ بِهَا.
وَهُنَا تَظْهَرُ فِكْرَةُ الْحِدَادِ الْمُعَلَّقِ، وَهُوَ مَفْهُومٌ مَعْرُوفٌ فِي عِلْمِ النَّفْسِ الْإِنْسَانِيِّ، ارْتَبَطَ خُصُوصًا بِأَبْحَاثِ الْبَاحِثَةِ بُولِينَ بُوسَ. إِنَّهُ فَقْدٌ مُخْتَلِفٌ عَنِ الْمَوْتِ؛ فَفِي الْمَوْتِ يَغِيبُ الْجَسَدُ وَيَبْقَى الْحُضُورُ فِي الذَّاكِرَةِ، أَمَّا هُنَا فَيَبْقَى الْجَسَدُ بَيْنَمَا تَتَغَيَّرُ مَلَامِحُ الْحُضُورِ. وَلِهَذَا يُصْبِحُ الْحُزْنُ أَكْثَرَ تَعْقِيدًا، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَعْرِفُ مَتَى يَبْدَأُ الْوَدَاعُ وَلَا مَتَى يَنْتَهِي.
وَمَشْهَدُ الْمَرْأَةِ الَّتِي تُمَشِّطُ شَعْرَ زَوْجِهَا رَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ يَعْرِفُهَا لَيْسَ مُجَرَّدَ مَشْهَدٍ مُؤَثِّرٍ، بَلْ يُلَخِّصُ مَأْسَاةً كَامِلَةً: فَالْحُبُّ أَحْيَانًا لَا يَعْتَمِدُ عَلَى أَنْ يَتَعَرَّفَ الْآخَرُ عَلَيْنَا، بَلْ عَلَى أَنَّنَا مَا زِلْنَا قَادِرِينَ عَلَى التَّعَرُّفِ إِلَيْهِ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
هَذَا الْفَصْلُ يُعِيدُنَا إِلَى سُؤَالٍ قَدِيمٍ رَافَقَ الرِّوَايَةَ مُنْذُ بِدَايَتِهَا: أَالذَّاكِرَةُ هِيَ الَّتِي تَصْنَعُ الْإِنْسَانَ، أَمْ إِنَّهَا مُجَرَّدُ طَبَقَةٍ مِنْ طَبَقَاتِ وُجُودِهِ؟
فَمُنْذُ جُونَ لُوكَ ارْتَبَطَ مَفْهُومُ الْهُوِيَّةِ الشَّخْصِيَّةِ ارْتِبَاطًا قَوِيًّا بِالذَّاكِرَةِ: أَنَا أَنَا لِأَنِّي أَتَذَكَّرُ سِلْسِلَةَ حَيَاتِي. لَكِنَّ طَبِيبَةَ الزَّهَايْمَرِ هُنَا تُقَدِّمُ تَحَدِّيًا مُؤْلِمًا لِهَذَا التَّصَوُّرِ: مَاذَا يَبْقَى مِنَ الْإِنْسَانِ حِينَ تَتَفَكَّكُ قِصَّتُهُ الَّتِي كَانَ يَرْوِيهَا عَنْ نَفْسِهِ؟
لَكِنِّي أَعْتَقِدُ أَنَّ الرِّوَايَةَ لَا تُجِيبُ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَخْتَفِي حِينَ تَضِيعُ ذَاكِرَتُهُ، بَلْ تَقْتَرِحُ شَيْئًا أَكْثَرَ تَعْقِيدًا: رُبَّمَا تُوجَدُ طَبَقَاتٌ أَعْمَقُ مِنَ الذَّاتِ لَا تَظْهَرُ فَقَطْ فِي السَّرْدِ وَالْكَلِمَاتِ، بَلْ فِي طَرِيقَةِ النَّظَرِ، وَفِي الْإِحْسَاسِ بِالْأَمَانِ، وَفِي الْقُدْرَةِ عَلَى الْحُبِّ وَالتَّعَلُّقِ. وَهَذَا يُقَرِّبُنَا مِنَ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي مَرَرْنَا بِهَا سَابِقًا مَعَ ابْنِ سِينَا وَفِتْغِنْشْتَايْنَ: الْإِنْسَانُ أَكْبَرُ مِنْ مَجْمُوعِ مَا يَسْتَطِيعُ قَوْلَهُ عَنْ نَفْسِهِ.

Section 4

الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى :
اخْتِيَارُ طُوكِيُو مَكَانًا لِهَذَا اللِّقَاءِ يَحْمِلُ دَلَالَةً تَتَجَاوَزُ الْجُغْرَافْيَا. فَثَمَّةَ صِلَةٌ وَاضِحَةٌ بَيْنَ أَجْوَاءِ هَذَا الْفَصْلِ وَبَعْضِ الْجَمَالاِيَّاتِ الْيَابَانِيَّةِ الَّتِي ظَهَرَتْ سَابِقًا فِي الرِّوَايَةِ: قَبُولُ النَّقْصِ، وَاحْتِرَامُ اللَّحْظَةِ الْعَابِرَةِ، وَرُؤْيَةُ الْقِيمَةِ فِي الْأَشْيَاءِ غَيْرِ الْمُكْتَمِلَةِ.
فَالْغُرْفَةُ الْهَادِئَةُ الَّتِي تَصِفُهَا الطَّبِيبَةُ لَا تَبْدُو مَكَانًا لِمُحَارَبَةِ النِّسْيَانِ، بَلْ مَكَانًا لِتَعَلُّمِ طَرِيقَةٍ جَدِيدَةٍ لِلْحُضُورِ. وَهَذَا يَتَقَاطَعُ مَعَ مَفْهُومِ الْجَمَالاِ الْيَابَانِيِّ الَّذِي يَرَى فِي آثَارِ الزَّمَنِ وَالشَّيْخُوخَةِ جُزْءًا مِنْ قِيمَةِ الشَّيْءِ لَا عَيْبًا فِيهِ. وَكَأَنَّ الرِّوَايَةَ تَقُولُ إِنَّ مُوَاجَهَةَ فُقْدَانِ الذَّاكِرَةِ لَا تَكُونُ دَائِمًا بِاسْتِعَادَةِ مَا ذَهَبَ، بَلْ أَحْيَانًا بِتَعَلُّمِ كَيْفَ نُحِبُّ مَا بَقِيَ.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
أَرَى أَنَّ هَذَا الْبَابَ يَعْكِسُ صُورَةً مُعَاكِسَةً تَمَامًا لِبِدَايَةِ رِحْلَةِ سَامِرٍ.
فَسَامِرٌ يَخَافُ مِنْ يَوْمٍ اخْتَفَى مِنْ ذَاكِرَتِهِ، لِأَنَّهُ يَشْعُرُ أَنَّ شَيْئًا مِنْ هُوِيَّتِهِ سُرِقَ مِنْهُ. أَمَّا مَرْضَى الزَّهَايْمَرِ وَعَائِلَاتُهُمْ فَيُوَاجِهُونَ السُّؤَالَ الْأَصْعَبَ: مَاذَا نَفْعَلُ حِينَ لَا تَعُودُ الذَّاكِرَةُ قَادِرَةً عَلَى حَمْلِ الْهُوِيَّةِ؟ وَهُنَا يَتَحَوَّلُ السُّؤَالُ مِنْ: كَيْفَ أَسْتَعِيدُ مَا فَقَدْتُهُ؟ إِلَى سُؤَالٍ أَعْمَقَ: كَيْفَ أُحَافِظُ عَلَى الْمَحَبَّةِ حَتَّى حِينَ لَا تَعُودُ الذَّاكِرَةُ قَادِرَةً عَلَى حِفْظِهَا؟ وَهَذَا يَجْعَلُ الْبَابَ لَيْسَ مُجَرَّدَ فَصْلٍ طِبِّيٍّ عَنِ الزَّهَايْمَرِ، بَلْ مِرْآةً فَلْسَفِيَّةً لِسُؤَالاِ الرِّوَايَةِ الْأَسَاسِيِّ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
هَذَا الْبَابُ مُخْتَلِفٌ عَنْ مُعْظَمِ الْأَبْوَابِ السَّابِقَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَحَدَّثُ عَنِ اسْتِعَادَةِ ذَاكِرَةٍ مَفْقُودَةٍ، بَلْ عَنْ قَبُولِ أَنَّ بَعْضَ الذَّاكِرَةِ قَدْ لَا تَعُودَ. كَيْفَ اقْتَرَبْتَ مِنْ كِتَابَةِ مَوْضُوعٍ بِهَذِهِ الْحَسَاسِيَّةِ دُونَ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى مُجَرَّدِ حُزْنٍ؟
الْأُسْتَاذُ نُعْمَان:
كُنْتُ حَرِيصًا مُنْذُ الْبِدَايَةِ أَلَّا أَكْتُبَ عَنِ الزَّهَايْمَرِ بِاعْتِبَارِهِ قِصَّةَ فُقْدَانٍ فَقَطْ. فَالْفُقْدَانُ جُزْءٌ مِنَ الْحَقِيقَةِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ الْحَقِيقَةَ كُلَّهَا. أَرَدْتُ أَنْ أَقْتَرِبَ مِنْ سُؤَالٍ أَكْثَرَ إِنْسَانِيَّةً: إِذَا فَقَدَ الْإِنْسَانُ قُدْرَتَهُ عَلَى تَذَكُّرِنَا، أَفَنَفْقِدُ نَحْنُ حَقَّنَا فِي مَحَبَّتِهِ؟
وَرُبَّمَا كَانَتِ الْإِجَابَةُ الَّتِي حَاوَلَتِ الطَّبِيبَةُ تَقْدِيمَهَا أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَعِيشُ فَقَطْ دَاخِلَ ذَاكِرَتِهِ، بَلْ يَعِيشُ أَيْضًا دَاخِلَ ذَاكِرَةِ الْآخَرِينَ عَنْهُ، وَدَاخِلَ الْأَثَرِ الَّذِي تَرَكَهُ فِي قُلُوبِهِمْ. وَفِي النِّهَايَةِ، هَذَا الْبَابُ لَا يَتَحَدَّثُ عَنِ الَّذِينَ يَنْسَوْنَ فَقَطْ، بَلْ عَنِ الَّذِينَ يَبْقَوْنَ وَيَتَعَلَّمُونَ كَيْفَ يُحِبُّونَ شَخْصًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعِيدَ إِلَيْهِمُ الْحُبَّ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي اعْتَادُوا عَلَيْهَا.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نَتَوَقَفُ بِهُدُوءٍ. لَا بَابَ يُغْلَقُ هَذِهِ الْمَرَّةَ، بَلْ يَدٌ تَبْقَى مُمْسِكَةً بِيَدٍ أُخْرَى حَتَّى بَعْدَ أَنْ يَضِيعَ الاِاسْمُ.
عَلَى الْبَابِ التَّالاِي يَظْهَرُ حَلَزُونٌ مُزْدَوَجٌ مَنْقُوشٌ بِدِقَّةٍ، كَأَنَّهُ يُذَكِّرُنَا بِأَنَّ بَعْضَ الذِّكْرَيَاتِ لَا تَعِيشُ فِي أَذْهَانِنَا فَقَطْ، بَلْ رُبَّمَا تَحْمِلُهَا أَجْسَادُنَا أَيْضًا.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
قَاعَةٌ بَيْضَاءُ تَمْلَؤُهَا شَاشَاتٌ تَعْرِضُ خَرَائِطَ جُزَيْئِيَّةً لَا تَكَادُ تُرَى بِالْعَيْنِ الْمُجَرَّدَةِ. يَقِفُ عَالاِمُ أَحْيَاءَ جِينِيٌّ أَمَامَ صُورَةٍ لِسِلْسِلَةِ الْحَمْضِ النَّوَوِيِّ، ثُمَّ يُشِيرُ إِلَى طَبَقَةٍ أُخْرَى أَكْثَرَ خَفَاءً. لَا يَتَحَدَّثُ عَنِ الْجِينَاتِ بِوَصْفِهَا كِتَابًا مُغْلَقًا يُحَدِّدُ مَصِيرَ الْإِنْسَانِ، بَلْ عَنْ شَيْءٍ أَكْثَرَ تَعْقِيدًا: كَيْفَ يُمْكِنُ لِتَجَارِبِ الْحَيَاةِ نَفْسِهَا أَنْ تَتْرُكَ عَلَامَاتٍ عَلَى طَرِيقَةِ قِرَاءَةِ هَذَا الْكِتَابِ. يُقَدِّمُ مَفْهُومَ التَّخَلُّقِ الْوِرَاثِيِّ عَبْرَ الْأَجْيَالاِ؛ الْفِكْرَةَ الَّتِي تَقُولُ إِنَّ بَعْضَ آثَارِ الصَّدَمَاتِ أَوِ الْبِيئَاتِ الْقَاسِيَةِ قَدْ تَتْرُكُ بَصَمَاتٍ كِيمْيَائِيَّةً فِي تَنْظِيمِ عَمَلِ الْجِينَاتِ، وَرُبَّمَا تَمْتَدُّ آثَارُهَا إِلَى أَجْيَالٍ لَاحِقَةٍ. ثُمَّ يَلْتَفِتُ إِلَى سَامِرٍ: “رُبَّمَا لَا تَحْمِلُ فَقَطْ مَا تَتَذَكَّرُهُ… بَلْ قَدْ تَحْمِلُ أَيْضًا أَشْيَاءَ لَمْ تَعِشْهَا بِوَعْيٍ كَامِلٍ.”
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
هَذَا مِنْ أَكْثَرِ الْأَبْوَابِ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى تَوَازُنٍ بَيْنَ الدِّقَّةِ الْعِلْمِيَّةِ وَجَاذِبِيَّةِ الْفِكْرَةِ، وَأَعْتَقِدُ أَنَّ الرِّوَايَةَ نَجَحَتْ فِي الاِاقْتِرَابِ مِنْ هَذَا التَّوَازُنِ.
فَعِلْمُ التَّخَلُّقِ الْوِرَاثِيِّ مَجَالٌ حَقِيقِيٌّ وَمُهِمٌّ فِي عِلْمِ الْأَحْيَاءِ الْحَدِيثِ. فَنَحْنُ نَعْرِفُ أَنَّ الْخَلَايَا لَا تَسْتَخْدِمُ كُلَّ الْجِينَاتِ بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا دَائِمًا، وَأَنَّ ثَمَّةَ عَلَامَاتٍ كِيمْيَائِيَّةً — مِثْلَ مِثْيَلَةِ الْحَمْضِ النَّوَوِيِّ — يُمْكِنُ أَنْ تُؤَثِّرَ فِي دَرَجَةِ نَشَاطِ بَعْضِ الْجِينَاتِ دُونَ تَغْيِيرِ الشِّفْرَةِ الْوِرَاثِيَّةِ نَفْسِهَا.
وَهُنَا يَأْتِي التَّفْرِيقُ الْعِلْمِيُّ الضَّرُورِيُّ: فَالصَّدْمَةُ لَا تُكْتَبُ فِي الْجِينِ كَمَا تُكْتَبُ مَعْلُومَةٌ فِي كِتَابٍ، وَلَا تَنْتَقِلُ الذِّكْرَيَاتُ الشَّخْصِيَّةُ عَبْرَ الدَّمِ. وَمَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَقِلَ هُوَ تَغَيُّرٌ فِي أَنْمَاطِ تَنْظِيمِ بَعْضِ الْوَظَائِفِ الْبَيُولُوجِيَّةِ، مِثْلَ الاِاسْتِجَابَةِ لِلتَّوَتُّرِ أَوْ بَعْضِ الْعَمَلِيَّاتِ الاِاسْتِقْلَابِيَّةِ.
فَثَمَّةَ دِرَاسَاتٌ شَهِيرَةٌ بَحَثَتْ آثَارَ ظُرُوفٍ قَاسِيَةٍ مِثْلِ مَجَاعَةِ الشِّتَاءِ الْهُولَنْدِيَّةِ خِلَالَ الْحَرْبِ الْعَالَمِيَّةِ الثَّانِيَةِ، وَدِرَاسَاتٌ أُخْرَى حَوْلَ أَحْفَادِ النَّاجِينَ مِنَ الْمَحْرَقَةِ، وَوَجَدَتْ مُؤَشِّرَاتٍ بَيُولُوجِيَّةً مُثِيرَةً لِلِاهْتِمَامِ. لَكِنَّ الْعِلْمَ مَا زَالَ حَذِرًا فِي تَحْدِيدِ مَدَى انْتِقَالاِ هَذِهِ الْآثَارِ وَمُدَّتِهَا وَآلِيَّاتِهَا الدَّقِيقَةِ. وَلِهَذَا فَإِنَّ أَجْمَلَ مَا فِي هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ الْعَالاِمَ لَا يَقُولُ لِسَامِرٍ: أَنْتَ تَحْمِلُ مَاضِيَ أَسْلَافِكَ بِالتَّأْكِيدِ، بَلْ يَقُولُ: ثَمَّةَ احْتِمَالٌ عِلْمِيٌّ يَفْتَحُ سُؤَالًا جَدِيدًا.
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى :
أَجِدُ أَنَّ هَذَا الْفَصْلَ يَمْنَحُ بُعْدًا جَدِيدًا لِفِكْرَةٍ ظَهَرَتْ فِي الرِّوَايَةِ مُنْذُ بِدَايَتِهَا: أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَبْدَأُ وُجُودَهُ مِنَ الصِّفْرِ.
فَفِي التَّارِيخِ، تَحَدَّثْنَا طَوِيلًا عَنْ ذَاكِرَةِ الشُّعُوبِ، عَنِ الْهِجْرَةِ وَالْحُرُوبِ وَالاِاقْتِلَاعِ، وَعَنْ آثَارِ الْأَحْدَاثِ الْكُبْرَى الَّتِي لَا تَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ الْجِيلِ الَّذِي عَاشَهَا. لَكِنَّ هَذَا الْبَابَ يَنْقُلُ السُّؤَالَ مِنْ مُسْتَوَى الْجَمَاعَةِ إِلَى دَاخِلِ الْجَسَدِ نَفْسِهِ. وَكَأَنَّ الرِّوَايَةَ تَسْأَلُ: مَاذَا لَوْ لَمْ تَكُنْ آثَارُ التَّارِيخِ مَحْفُوظَةً فَقَطْ فِي الْكُتُبِ وَالْآثَارِ وَالْأَغَانِي، بَلْ فِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي يَسْتَجِيبُ بِهَا جَسَدُ الْإِنْسَانِ لِلْعَالَمِ؟
وَبِالنِّسْبَةِ لِشَخْصِيَّةِ سَامِرٍ، اللَّاجِئِ الَّذِي يَحْمِلُ تَجْرِبَةَ اقْتِلَاعٍ مِنَ الْمَكَانِ، يَفْتَحُ هَذَا الْبَابُ احْتِمَالًا رَمْزِيًّا عَمِيقًا: رُبَّمَا لَا يَبْحَثُ فَقَطْ عَنْ يَوْمٍ فَقَدَهُ، بَلْ يُوَاجِهُ طَبَقَاتٍ أَقْدَمَ مِنَ الْإِحْسَاسِ بِالْخَوْفِ وَالاِانْتِمَاءِ وَالرَّحِيلِ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
لَكِنِّي أُرِيدُ هُنَا أَنْ أُحَافِظَ عَلَى الْحُدُودِ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالتَّأْوِيلِ.
فَالْقُوَّةُ الْفَلْسَفِيَّةُ لِهَذَا الْفَصْلِ لَيْسَتْ فِي الْقَوْلِ إِنَّ كُلَّ شُعُورٍ غَامِضٍ سَبَبُهُ جِينِيٌّ، فَهَذَا سَيَكُونُ تَبْسِيطًا خَطِيرًا، بَلْ فِي فَتْحِ سُؤَالٍ أَعْمَقَ: مَا مَعْنَى أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ امْتِدَادًا لِمَا سَبَقَهُ؟ فَالْفَلْسَفَةُ لَطَالَمَا سَأَلَتْ: أَأَنَا مُجَرَّدُ قِصَّةٍ أَرْوِيهَا عَنْ نَفْسِي؟ أَمْ إِنِّي أَيْضًا نَتِيجَةُ أَشْيَاءَ سَبَقَتْنِي وَلَمْ أَخْتَرْهَا؟
وَالْمِثَالُ الَّذِي يُقَدِّمُهُ الْعَالاِمُ عَنْ رَائِحَةٍ مُعَيَّنَةٍ تُثِيرُ فِي الْجَسَدِ اسْتِجَابَةً قَبْلَ أَنْ يَجِدَ الْعَقْلُ تَفْسِيرًا لَهَا، يَلْمِسُ سُؤَالًا قَدِيمًا فِي فَلْسَفَةِ الْعَقْلِ: أَيَبْدَأُ الْإِدْرَاكُ مِنَ الْوَعْيِ فَقَطْ، أَمْ إِنَّ الْجَسَدَ يَحْمِلُ مَعْرِفَةً صَامِتَةً تَسْبِقُ التَّفْكِيرَ؟ لَكِنَّ أَجْمَلَ مَا فِي الْفَصْلِ أَنَّ الْعَالاِمَ يَرْفُضُ تَحْوِيلَ هَذِهِ الْفِكْرَةِ إِلَى قَدَرٍ مَحْتُومٍ. فَالْمَاضِي قَدْ يَتْرُكُ أَثَرًا، لَكِنَّهُ لَا يَكْتُبُ الْمُسْتَقْبَلَ بِالْكَامِلِ.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
أَرَى أَنَّ هَذَا الْبَابَ يُعِيدُ صِيَاغَةَ سُؤَالاِ الرِّوَايَةِ الْمَرْكَزِيِّ بِطَرِيقَةٍ جَدِيدَةٍ. فَفِي الْبِدَايَةِ كَانَ السُّؤَالُ: أَيْنَ ذَهَبَ الْيَوْمُ الَّذِي نَسِيَهُ سَامِرٌ؟ ثُمَّ أَصْبَحَ: أَيُمْكِنُ أَنْ تُوجَدَ ذَاكِرَةٌ خَارِجَ الْعَقْلِ؟ أَمَّا هُنَا فَيُصْبِحُ السُّؤَالُ: أَيُمْكِنُ أَنْ تُوجَدَ ذَاكِرَةٌ قَبْلَ أَنْ نَمْتَلِكَ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّذَكُّرِ أَصْلًا؟
وَهَذَا انْتِقَالٌ مُهِمٌّ جِدًّا فِي الْبِنَاءِ. فَالرِّوَايَةُ تُوَسِّعُ مَفْهُومَ الذَّاكِرَةِ تَدْرِيجِيًّا: مِنْ يَوْمٍ شَخْصِيٍّ مَفْقُودٍ، إِلَى ذَاكِرَةٍ جَمَاعِيَّةٍ، إِلَى ذَاكِرَةِ الْمَكَانِ، ثُمَّ إِلَى ذَاكِرَةِ الْجَسَدِ. لَكِنَّ النَّصَّ يُحَافِظُ عَلَى نُقْطَةٍ أَسَاسِيَّةٍ: الْإِنْسَانُ لَيْسَ سَجِينًا لِمَاضِيهِ، بَلْ كَائِنٌ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَةِ تَفْسِيرِ مَا وَرِثَهُ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
هَذَا الْبَابُ يَبْدُو وَكَأَنَّهُ يَعُودُ إِلَى فِكْرَةٍ ظَهَرَتْ مُبَكِّرًا فِي الرِّوَايَةِ: أَنَّ ثَمَّةَ أَشْيَاءَ أَقْدَمَ مِنَ الْوَعْيِ تَسْكُنُ الْإِنْسَانَ. أَكَانَ الرَّبْطُ بَيْنَ بِدَايَةِ الرِّوَايَةِ وَهَذَا الْفَصْلِ مُخَطَّطًا مُنْذُ الْبِدَايَةِ؟

Section 5

الْأُسْتَاذُ نُعْمَان:
لَيْسَ بِالْكَامِلِ.
فَحِينَ كَتَبْتُ الْفُصُولَ الْأُولَى، كَانَتِ الْفِكْرَةُ أَقْرَبَ إِلَى إِحْسَاسٍ رِوَائِيٍّ: أَنَّ الْإِنْسَانَ يَحْمِلُ آثَارًا لَا يَعْرِفُ مَصْدَرَهَا دَائِمًا، وَأَنَّ بَعْضَ الْمَخَاوِفِ أَوِ الاِانْجِذَابَاتِ أَوِ الْأَحْزَانِ تَبْدُو أَقْدَمَ مِنْ تَجْرِبَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ. وَلَاحِقًا، حِينَ بَحَثْتُ فِي عِلْمِ التَّخَلُّقِ الْوِرَاثِيِّ، اكْتَشَفْتُ أَنَّ الْعِلْمَ لَا يُقَدِّمُ الْإِجَابَةَ نَفْسَهَا الَّتِي يُقَدِّمُهَا الْخَيَالُ، لَكِنَّهُ يَفْتَحُ نَافِذَةً قَرِيبَةً جِدًّا مِنَ السُّؤَالاِ الَّذِي كُنْتُ أُحَاوِلُ طَرْحَهُ.
وَهُنَا كَانَ عَلَيَّ أَنْ أُرَاجِعَ نَفْسِي: فَالرِّوَائِيُّ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْلُمَ، لَكِنْ عَلَيْهِ حِينَ يَدْخُلُ أَرْضَ الْعِلْمِ أَنْ يَعْرِفَ حُدُودَ الْحُلْمِ. لِذَلِكَ لَمْ أُرِدْ أَنْ أَقُولَ إِنَّ سَامِرًا يَحْمِلُ ذَاكِرَةَ أَسْلَافِهِ، بَلْ أَرَدْتُ أَنْ أَضَعَ أَمَامَهُ سُؤَالًا جَدِيدًا: كَمْ مِنْ أَنْفُسِنَا نَعْرِفُ فِعْلًا، وَكَمْ مِنْهَا جَاءَ إِلَيْنَا مِنْ طُرُقٍ لَا نَرَاهَا؟
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نَتَوَقَفُ عَلَى أُنْبُوبِ اخْتِبَارٍ صَغِيرٍ لَا يَحْتَوِي عَلَى إِجَابَةٍ، بَلْ عَلَى سُؤَالٍ. وَعَلَى الزُّجَاجَةِ كُتِبَتْ عِبَارَةٌ وَاحِدَةٌ: “لَيْسَ كُلُّ مَا يَسْكُنُكَ… عِشْتَهُ أَنْتَ.”
عَلَى الْبَابِ التَّالاِي يَظْهَرُ مِجْهَرٌ يَتَّجِهُ نَحْوَ خَلِيَّةٍ عَصَبِيَّةٍ، وَكَأَنَّ الرِّحْلَةَ تَنْتَقِلُ مِنْ ذَاكِرَةِ الْجَسَدِ إِلَى ذَاكِرَةِ الدِّمَاغِ نَفْسِهِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
فِي قَاعَةِ أَرْشِيفٍ تَمْتَدُّ رُفُوفُهَا حَتَّى السَّقْفِ، تَتَجَاوَرُ آلَافُ الْوَثَائِقِ الصَّامِتَةِ. بَيْنَ الْخَرَائِطِ الصَّفْرَاءِ وَالرَّسَائِلِ الْبَاهِتَةِ، تَقِفُ مُؤَرِّخَةٌ كَرَّسَتْ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً لِاسْتِعَادَةِ أَسْمَاءِ أَشْخَاصٍ غَابُوا عَنِ السَّرْدِيَّاتِ الرَّسْمِيَّةِ، لَا لِأَنَّهُمْ لَمْ يَصْنَعُوا التَّارِيخَ، بَلْ لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَكْتُبْ أَسْمَاءَهُمْ. تَلْتَفِتُ إِلَى سَامِرٍ وَتَقُولُ: “الْمُؤَرِّخُ لَا يَبْحَثُ فَقَطْ عَمَّا بَقِيَ، بَلْ يَسْأَلُ دَائِمًا: مَاذَا اخْتَفَى؟ وَلِمَ اخْتَفَى؟”
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى :
أَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا الْبَابَ مِنْ أَكْثَرِ الْأَبْوَابِ وَفَاءً لِمَنْهَجِ الْبَحْثِ التَّارِيخِيِّ الْحَقِيقِيِّ.
فَكَثِيرُونَ يَظُنُّونَ أَنَّ الْمُؤَرِّخَ يَكْتَفِي بِجَمْعِ الْوَثَائِقِ، لَكِنَّ الْعَمَلَ التَّارِيخِيَّ يَبْدَأُ غَالاِبًا حِينَ تَنْدُرُ الْوَثَائِقُ لَا حِينَ تَكْثُرُ. فَغِيَابُ الْمَصْدَرِ لَيْسَ نِهَايَةَ الْبَحْثِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ أَوَّلَ أَسْئِلَتِهِ.
وَالرِّوَايَةُ تُشِيرُ بِدِقَّةٍ إِلَى مَنْهَجٍ مَعْرُوفٍ فِي الدِّرَاسَاتِ التَّارِيخِيَّةِ الْحَدِيثَةِ: قِرَاءَةُ الْوَثِيقَةِ بِمَا تَقُولُهُ، وَبِمَا تُحَاوِلُ إِخْفَاءَهُ أَيْضًا. فَأَحْيَانًا لَا تَحْفَظُ السُّلْطَةُ اسْمَ الشَّخْصِ تَكْرِيمًا لَهُ، بَلْ لِأَنَّهُ شَكَّلَ خَطَرًا عَلَيْهَا. وَهَكَذَا تُصْبِحُ الْوَثِيقَةُ الَّتِي كُتِبَتْ لِإِدَانَتِهِ، بَعْدَ قُرُونٍ، الدَّلِيلَ الْوَحِيدَ عَلَى وُجُودِهِ.
وَمِنْ هُنَا جَاءَتْ أَهَمِّيَّةُ اسْتِعَادَةِ أَصْوَاتِ النِّسَاءِ وَالْفِئَاتِ الْمُهَمَّشَةِ وَالشُّعُوبِ الَّتِي لَمْ تَكْتُبْ تَارِيخَهَا بِنَفْسِهَا. فَالْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ أَنَّهُمْ لَمْ يَصْنَعُوا التَّارِيخَ، بَلْ أَنَّ غَيْرَهُمْ هُوَ الَّذِي كَتَبَ رِوَايَتَهُ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
مَا يَلْفِتُنِي هُنَا أَنَّ الْمُؤَرِّخَةَ لَا تَتَحَدَّثُ عَنِ الْمَاضِي فَقَطْ، بَلْ عَنْ طَبِيعَةِ الْحَقِيقَةِ نَفْسِهَا.
فَنَحْنُ عَادَةً نَرْبِطُ الْحَقِيقَةَ بِمَا نَسْتَطِيعُ إِثْبَاتَهُ مُبَاشَرَةً، لَكِنَّهَا تَدْعُونَا إِلَى الاِانْتِبَاهِ إِلَى نَوْعٍ آخَرَ مِنَ الْأَدِلَّةِ: الْفَرَاغَاتِ. فَغِيَابُ وَثِيقَةٍ فِي لَحْظَةٍ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تُوجَدَ فِيهَا وَثِيقَةٌ، قَدْ يَكُونُ مَعْلُومَةً بِحَدِّ ذَاتِهِ. وَالصَّمْتُ الْمُتَكَرِّرُ أَحْيَانًا يُصْبِحُ أَكْثَرَ بَلَاغَةً مِنَ الْكَلَامِ.
وَلِهَذَا أَجِدُ أَنَّ هَذَا الْبَابَ يُوَاصِلُ، بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، الْأَسْئِلَةَ الَّتِي أَثَارَهَا فُوكُو حَوْلَ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْمَعْرِفَةِ وَالسُّلْطَةِ؛ لَيْسَ لِأَنَّ كُلَّ غِيَابٍ مُؤَامَرَةٌ، بَلْ لِأَنَّ التَّارِيخَ نَفْسَهُ نِتَاجُ اخْتِيَارَاتٍ بَشَرِيَّةٍ: مَاذَا نَكْتُبُ؟ وَمَاذَا نَحْفَظُ؟ وَمَاذَا نَتْرُكُ لِلنِّسْيَانِ؟
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
مَا يُعْجِبُنِي أَنَّ الرِّوَايَةَ لَا تَكْتَفِي بِتَشَابُهِ الْأَفْكَارِ، بَلْ تَبْنِي تَشَابُهًا فِي الْمَنَاهِجِ.
فَعَالاِمَةُ الْأَعْصَابِ طَلَبَتْ مِنْ سَامِرٍ أَلَّا يَعْتَمِدَ عَلَى ذَاكِرَةٍ وَاحِدَةٍ. وَعَالاِمُ الْآثَارِ عَلَّمَهُ أَلَّا يَقْتَلِعَ قِطْعَةً قَبْلَ فَهْمِ سِيَاقِهَا. وَالْيَوْمَ تُضِيفُ الْمُؤَرِّخَةُ خُطْوَةً ثَالاِثَةً: لَا تَجْعَلْ غِيَابَ الدَّلِيلِ نِهَايَةَ الْبَحْثِ.
وَهَذَا يُشْبِهُ كَثِيرًا مَا نَفْعَلُهُ فِي الطِّبِّ. فَقَدْ يَأْتِي الْمَرِيضُ دُونَ نَتِيجَةٍ مُخْتَبَرِيَّةٍ حَاسِمَةٍ، لَكِنَّ الطَّبِيبَ لَا يَقُولُ عِنْدَئِذٍ: إِذَنْ لَا يُوجَدُ مَرَضٌ. بَلْ يُعِيدُ تَرْتِيبَ الْأَسْئِلَةِ، وَيَبْحَثُ عَنْ أَدِلَّةٍ غَيْرِ مُبَاشِرَةٍ، وَيُقَارِنُ بَيْنَ الشَّوَاهِدِ حَتَّى تَتَكَوَّنَ الصُّورَةُ. فَأَحْيَانًا يَكُونُ الطَّرِيقُ إِلَى الْحَقِيقَةِ سِلْسِلَةً مِنَ الْمُؤَشِّرَاتِ الصَّغِيرَةِ، لَا شَاهِدًا وَاحِدًا قَاطِعًا.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
أَرَى أَنَّ هَذَا الْبَابَ يُمَثِّلُ تَحَوُّلًا مُهِمًّا فِي رِحْلَةِ سَامِرٍ.
فَفِي الْبِدَايَةِ كَانَ يَبْحَثُ عَنْ يَوْمٍ مَفْقُودٍ كَمَا يَبْحَثُ الْإِنْسَانُ عَنْ شَيْءٍ ضَاعَ مِنْهُ مَرَّةً وَاحِدَةً. أَمَّا الْآنَ فَقَدْ أَصْبَحَ يَتَعَلَّمُ طَرِيقَةً جَدِيدَةً فِي النَّظَرِ: لَيْسَ كُلُّ مَا غَابَ قَدِ انْدَثَرَ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا بَقِيَ يَرْوِي الْحَقِيقَةَ كَامِلَةً.
وَهَذَا يَنْسَجِمُ مَعَ الْبِنْيَةِ الْعَامَّةِ لِلرِّوَايَةِ، الَّتِي لَا تُعِيدُ بِنَاءَ الذَّاكِرَةِ عَبْرَ مُعْجِزَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ عَبْرَ شَذَرَاتٍ مُتَنَاثِرَةٍ تَتَجَمَّعُ تَدْرِيجِيًّا. إِنَّهَا رِوَايَةٌ تُؤْمِنُ بِأَنَّ الصُّورَةَ الْكَامِلَةَ لَا تُعْثَرُ عَلَيْهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً، بَلْ تُبْنَى قِطْعَةً بَعْدَ قِطْعَةٍ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
تَتَكَرَّرُ فِي الرِّوَايَةِ شَخْصِيَّاتٌ كَثِيرَةٌ تُحَاوِلُ اسْتِعَادَةَ مَا أُهْمِلَ أَوْ نُسِيَ: الْمَرْأَةُ الْإِغْرِيقِيَّةُ، وَسِيمُونُ دُو بُوفْوَارَ، وَالْآنَ هَذِهِ الْمُؤَرِّخَةُ. أَكُنْتَ تَقْصِدُ أَنْ تَجْعَلَ هَذَا خَيْطًا مُسْتَمِرًّا فِي الْعَمَلِ؟
الْأُسْتَاذُ نُعْمَان:
أَظُنُّ أَنِّي كُنْتُ أَكْتُبُ الْفِكْرَةَ قَبْلَ أَنْ أُدْرِكَ أَنَّهَا أَصْبَحَتْ خَيْطًا.
فَكُلَّمَا تَقَدَّمْتُ فِي الرِّوَايَةِ، اكْتَشَفْتُ أَنَّ الذَّاكِرَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَا يَتَذَكَّرُهُ الْفَرْدُ، بَلْ أَيْضًا مَا تَخْتَارُ الْمُجْتَمَعَاتُ أَنْ تَتَذَكَّرَهُ أَوْ تَنْسَاهُ. وَلِهَذَا جَاءَتْ هَذِهِ الْمُؤَرِّخَةُ لِتُضِيفَ شَيْئًا جَدِيدًا. فَالشَّخْصِيَّاتُ السَّابِقَةُ كَشَفَتِ الظُّلْمَ أَوْ فَسَّرَتْهُ، أَمَّا هِيَ فَتُقَدِّمُ طَرِيقَةً لِمُقَاوَمَتِهِ.
وَرُبَّمَا لِهَذَا السَّبَبِ شَعَرْتُ أَنَّهَا لَا تَمْنَحُ سَامِرًا جَوَابًا جَدِيدًا فَقَطْ، بَلْ تَمْنَحُهُ مَنْهَجًا فِي الْبَحْثِ: حِينَ لَا تَجِدُ مَا تَبْحَثُ عَنْهُ، لَا تَتَوَقَّفْ عِنْدَ الْفَرَاغِ، بَلِ اسْأَلْ أَوَّلًا لِمَ وُجِدَ هَذَا الْفَرَاغُ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نَتَوَقَفُ وَقَدْ أَدْرَكْنَا أَنَّ الْأَرْشِيفَ لَا يَتَكَوَّنُ مِمَّا حُفِظَ وَحْدَهُ، بَلْ أَيْضًا مِمَّا فُقِدَ.

Section 6

وَعَلَى الْبَابِ التَّالاِي يَلْمَعُ تِلِسْكُوبٌ مُوَجَّهٌ نَحْوَ السَّمَاءِ. يَقُولُ الْعَجُوزُ وَهُوَ يَتَوَقَّفُ لَحْظَةً: “ثَمَّةَ نُجُومٌ مَا زِلْنَا نَرَى ضَوْءَهَا… رَغْمَ أَنَّهَا رَحَلَتْ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ.”
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
قُبَّةُ مَرْصَدٍ مَفْتُوحَةٌ عَلَى سَمَاءٍ صَافِيَةٍ، وَصَمْتٌ لَا يَقْطَعُهُ إِلَّا دَوَرَانُ التِّلِسْكُوبِ. يَقِفُ عَالاِمُ فَلَكٍ أَمَامَ خَرِيطَةٍ لِلسَّمَاءِ، وَيَبْدَأُ مِنْ حَقِيقَةٍ فِيزْيَائِيَّةٍ بَسِيطَةٍ لَكِنَّهَا تَقُودُ إِلَى سُؤَالٍ إِنْسَانِيٍّ بَالاِغِ الْعُمْقِ: نَحْنُ لَا نَرَى النُّجُومَ كَمَا هِيَ الْآنَ، بَلْ كَمَا كَانَتْ حِينَ غَادَرَهَا الضَّوْءُ.
الدُّكْتُورُ مَازِنٌ “الْفَلَكُ):
مِنَ النَّاحِيَةِ الْعِلْمِيَّةِ، هَذَا مِنْ أَكْثَرِ الْأَبْوَابِ انْضِبَاطًا فِي الرِّوَايَةِ. فَالْفِكْرَةُ الْأَسَاسِيَّةُ لَيْسَتِ اسْتِعَارَةً أَدَبِيَّةً، بَلْ حَقِيقَةٌ رَاسِخَةٌ فِي عِلْمِ الْفَلَكِ: يَحْتَاجُ الضَّوْءُ إِلَى زَمَنٍ لِيَصِلَ إِلَيْنَا، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ رُؤْيَةَ نَجْمٍ يَبْعُدُ أَلْفَ سَنَةٍ ضَوْئِيَّةٍ تَعْنِي أَنَّنَا نَرَاهُ كَمَا كَانَ قَبْلَ أَلْفِ عَامٍ. وَإِنْ كَانَ النَّجْمُ قَدِ انْتَهَى خِلَالَ هَذِهِ الْمُدَّةِ، فَلَنْ نَعْرِفَ ذَلِكَ إِلَّا حِينَ يَتَوَقَّفَ ضَوْؤُهُ عَنِ الْوُصُولِ.
وَمَا أَعْجَبَنِي أَنَّ النَّصَّ لَمْ يَسْتَغِلَّ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ لِيُبَالاِغَ فِي الاِاسْتِنْتَاجَاتِ، بَلِ اكْتَفَى بِمَا تَسْمَحُ بِهِ الْفِيزْيَاءُ نَفْسُهَا.
الدُّكْتُورُ كَرِيمٌ :
شَدَّنِي أَنَّ الْفَصْلَ يُذَكِّرُ الْقَارِئَ بِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ الْعِلْمِيَّةَ نَفْسَهَا تَعْتَمِدُ دَائِمًا عَلَى آثَارٍ مُتَأَخِّرَةٍ، لَا عَلَى حُضُورٍ مُبَاشِرٍ. فَنَحْنُ لَا نَتَعَامَلُ مَعَ الظَّاهِرَةِ ذَاتِهَا، بَلْ مَعَ الْمَعْلُومَاتِ الَّتِي وَصَلَتْ إِلَيْنَا عَنْهَا.
وَبِهَذَا الْمَعْنَى، يُصْبِحُ سُؤَالُ سَامِرٍ عَنْ يَوْمِهِ الْمَفْقُودِ قَرِيبًا مِنْ عَمَلِ الْفِيزْيَائِيِّ: كِلَاهُمَا يُحَاوِلُ إِعَادَةَ بِنَاءِ حَدَثٍ لَمْ يَعُدْ حَاضِرًا، اعْتِمَادًا عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ آثَارِهِ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
أَرَى أَنَّ أَجْمَلَ مَا فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ يُقَاوِمُ الْإِغْرَاءَ الْعَاطِفِيَّ. كَانَ يُمْكِنُ لِلنَّصِّ أَنْ يَقُولَ بِبَسَاطَةٍ: إِذَا كَانَ ضَوْءُ النُّجُومِ يَبْقَى، فَذِكْرَيَاتُ الْإِنْسَانِ تَبْقَى أَيْضًا. لَكِنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ. عَالاِمُ الْفَلَكِ يُفَرِّقُ بِوُضُوحٍ بَيْنَ الظَّاهِرَةِ الْفِيزْيَائِيَّةِ وَبَيْنَ التَّجْرِبَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ.
فَهُوَ لَا يَعِدُ سَامِرًا بِأَنَّ يَوْمَهُ مَا يَزَالُ مَوْجُودًا بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا، وَإِنَّمَا يَفْتَحُ لَهُ احْتِمَالًا أَكْثَرَ تَوَاضُعًا: أَنَّ اخْتِفَاءَ الشَّيْءِ لَا يَعْنِي اخْتِفَاءَ كُلِّ أَثَرٍ لَهُ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
أَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا الْفَصْلَ يُحَاوِرُ بَابَ فِيزْيَائِيِّ الْكَمِّ أَكْثَرَ مِمَّا يُحَاوِرُ أَيَّ بَابٍ آخَرَ. هُنَاكَ قِيلَ إِنَّ الْمَاضِيَ قَدْ لَا يَكُونُ مَعْدُومًا فِي نَسِيجِ الزَّمَنِ، وَهُنَا نَرَى مِثَالًا كَوْنِيًّا يَجْعَلُ هَذِهِ الْفِكْرَةَ أَقَلَّ غَرَابَةً: الْمَاضِي يَسْتَمِرُّ أَحْيَانًا بِوَصْفِهِ أَثَرًا لَا بِوَصْفِهِ حُضُورًا.
لَكِنِّي أُلَاحِظُ فَرْقًا مُهِمًّا بَيْنَ الْبَابَيْنِ؛ فَفِيزْيَائِيُّ الْكَمِّ يُنَاقِشُ طَبِيعَةَ الزَّمَنِ، أَمَّا عَالاِمُ الْفَلَكِ فَيُنَاقِشُ حُدُودَ مَعْرِفَتِنَا بِالزَّمَنِ. الْأَوَّلُ سُؤَالٌ أُنْطُولُوجِيٌّ، وَالثَّانِي سُؤَالٌ إِبِسْتِمُولُوجِيٌّ. وَالْفَصْلُ يُحَافِظُ عَلَى هَذَا الْفَرْقِ بِدِقَّةٍ.
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ :
لَفَتَنِي أَنَّ الْحِوَارَ يَكَادُ يَخْلُو مِنَ الاِاسْتِعَارَاتِ اللُّغَوِيَّةِ الثَّقِيلَةِ مُقَارَنَةً بِالْأَبْوَابِ السَّابِقَةِ. اللُّغَةُ هُنَا أَكْثَرُ هُدُوءًا، كَأَنَّ الْكَاتِبَ تَعَمَّدَ أَنْ يَتْرُكَ لِلْكَوْنِ نَفْسِهِ مُهِمَّةَ الْإِقْنَاعِ. وَرُبَّمَا لِهَذَا بَدَا الْمَشْهَدُ أَكْثَرَ تَأْثِيرًا؛ فَحِينَ تَكُونُ الْحَقِيقَةُ الْعِلْمِيَّةُ مُدْهِشَةً بِذَاتِهَا، لَا تَحْتَاجُ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الزَّخْرَفَةِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
أَوَدُّ أَنْ أَسْأَلَ عَنِ اخْتِيَارٍ بِنْيَوِيٍّ أَكْثَرَ مِنْهُ عِلْمِيًّا. طَوَالَ الرِّوَايَةِ نَرَى سَامِرًا يَبْحَثُ عَنْ أَثَرٍ يَقُودُهُ إِلَى يَوْمِهِ الْمَفْقُودِ، بَيْنَمَا يُقَدِّمُ هَذَا الْبَابُ مِثَالًا كَوْنِيًّا يَقُولُ إِنَّ الْأَثَرَ قَدْ يَسْتَمِرُّ حَتَّى بَعْدَ زَوَالاِ الْمَصْدَرِ بِوَقْتٍ طَوِيلٍ. أَكَانَ هَذَا الْبَابُ مَقْصُودًا لِيَمْنَحَ رِحْلَةَ سَامِرٍ أَمَلًا جَدِيدًا، أَمْ لِيُغَيِّرَ فَقَطْ طَرِيقَةَ فَهْمِهِ لِمَا يَبْحَثُ عَنْهُ؟
الْأُسْتَاذُ نُعْمَان:
كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الاِاحْتِمَالاِ الثَّانِي أَكْثَرَ مِنَ الْأَوَّلِ.
لَمْ أُرِدْ أَنْ أُقَدِّمَ وَعْدًا بِأَنَّ كُلَّ مَا نَفْقِدُهُ يُمْكِنُ اسْتِعَادَتُهُ، لِأَنَّ الرِّوَايَةَ مُنْذُ بِدَايَتِهَا تَتَجَنَّبُ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْوُعُودِ. مَا أَرَدْتُهُ هُوَ تَغْيِيرُ زَاوِيَةِ النَّظَرِ: رُبَّمَا لَا نَسْتَطِيعُ الْوُصُولَ إِلَى الْأَصْلِ نَفْسِهِ، لَكِنَّنَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَفْهَمَهُ مِنْ خِلَالاِ آثَارِهِ الْبَاقِيَةِ. وَهَذَا، فِي رَأْيِي، مَا يَفْعَلُهُ الْمُؤَرِّخُ، وَعَالاِمُ الْآثَارِ، وَالطَّبِيبُ، وَعَالاِمُ الْفَلَكِ أَيْضًا؛ جَمِيعُهُمْ يَعْمَلُونَ انْطِلَاقًا مِنْ أَثَرٍ وَصَلَ مُتَأَخِّرًا.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نَتَوَقَفُ وَقَدْ بَقِيَتِ السَّمَاءُ فَوْقَ الْمَرْصَدِ كَمَا هِيَ، لَكِنَّنَا لَمْ نَعُدْ نَنْظُرُ إِلَيْهَا بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا.
وَعَلَى الْبَابِ التَّالاِي حُرُوفٌ مِنْ لُغَةٍ تَكَادُ تَنْقَرِضُ، تَنْتَظِرُ مَنْ يُصْغِي إِلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يَسْكُتَ آخِرُ صَوْتٍ يَنْطِقُ بِهَا.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
قَرْيَةٌ جَبَلِيَّةٌ مَعْزُولَةٌ، وَامْرَأَةٌ تَجْلِسُ أَمَامَ مُسَجِّلِ صَوْتٍ صَغِيرٍ. أَمَامَهَا آخِرُ إِنْسَانٍ يَتَحَدَّثُ لُغَةً لَمْ يَعُدْ يَعْرِفُهَا أَحَدٌ غَيْرُهُ. تُدْرِكُ أَنَّ اللُّغَةَ لَنْ تَنْجُوَ، لَكِنَّهَا تُؤْمِنُ أَنَّ تَسْجِيلَ مَا تَبَقَّى مِنْهَا لَيْسَ عَمَلًا عَبَثِيًّا، بَلْ وَاجِبًا أَخْلَاقِيًّا تِجَاهَ الْمُسْتَقْبَلِ.
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ :
هَذَا الْفَصْلُ مِنْ أَكْثَرِ الْفُصُولِ وَفَاءً لِرُوحِ عِلْمِ اللُّغَوِيَّاتِ الْمَيْدَانِيِّ. فَنَحْنُ لَا نُوَثِّقُ اللُّغَاتِ الْمُهَدَّدَةَ لِأَنَّنَا نَتَوَقَّعُ إِنْقَاذَهَا جَمِيعًا، بَلْ لِأَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ تُسَجَّلُ تَحْفَظُ جُزْءًا مِنْ تَجْرِبَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ تَخْتَفِيَ إِلَى الْأَبَدِ.
وَقَدْ أَعْجَبَنِي أَنَّ الرِّوَايَةَ لَمْ تَجْعَلِ اللُّغَةَ مُجَرَّدَ قَائِمَةِ مُفْرَدَاتٍ أَوْ قَوَاعِدَ، بَلْ طَرِيقَةً خَاصَّةً لِرُؤْيَةِ الْعَالَمِ. وَلِهَذَا يُصْبِحُ مَوْتُ اللُّغَةِ أَكْثَرَ مِنِ اخْتِفَاءِ وَسِيلَةٍ لِلتَّوَاصُلِ؛ إِنَّهُ اخْتِفَاءُ زَاوِيَةٍ كَامِلَةٍ لِلنَّظَرِ إِلَى الْوُجُودِ.
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى :
لَفَتَنِي أَنَّ هَذَا الْبَابَ يُوَاصِلُ خَيْطًا بَدَأَ مَعَ الْمُؤَرِّخَةِ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ. هُنَاكَ كَانَ السُّؤَالُ: كَيْفَ نَسْتَعِيدُ مَنْ مُحِيَ اسْمُهُ مِنَ السِّجِلِّ؟ وَهُنَا يُصْبِحُ السُّؤَالُ: كَيْفَ نُوَثِّقُ مَا نَعْرِفُ أَنَّهُ يُوشِكُ عَلَى الاِاخْتِفَاءِ قَبْلَ أَنْ يُمْحَى؟
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ مُهِمٌّ؛ فَالْمُؤَرِّخَةُ تَعْمَلُ مَعَ آثَارِ الْمَاضِي، أَمَّا اللُّغَوِيَّةُ فَتَعْمَلُ فِي اللَّحْظَةِ الْأَخِيرَةِ قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ الْحَاضِرُ نَفْسُهُ إِلَى مَاضٍ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :

Section 7

أَعْتَقِدُ أَنَّ الْفِكْرَةَ الْفَلْسَفِيَّةَ الْأَعْمَقَ لَيْسَتِ انْقِرَاضَ اللُّغَةِ، بَلِ اسْتِحَالَةَ اسْتِعَادَتِهَا كَامِلَةً حَتَّى لَوْ وَثَّقْنَاهَا. فَالتَّسْجِيلُ يَحْفَظُ الْأَصْوَاتَ، لَكِنَّهُ لَا يَحْفَظُ الْحَيَاةَ الَّتِي كَانَتْ تَمْنَحُ تِلْكَ الْأَصْوَاتَ مَعْنَاهَا.
وَهَذَا يُفَسِّرُ نَصِيحَتَهَا لِسَامِرٍ: لَا تَطْلُبْ اسْتِرْجَاعَ يَوْمِكَ كَمَا كَانَ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ الَّذِي عَاشَ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَمْ يَعُدْ هُوَ الْإِنْسَانَ الَّذِي يَتَذَكَّرُهُ الْآنَ. فَأَقْصَى مَا يَسْتَطِيعُ بُلُوغَهُ شَهَادَةٌ صَادِقَةٌ، لَا نُسْخَةٌ مُطَابِقَةٌ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
أَعْجَبَتْنِي النَّصِيحَةُ الْعَمَلِيَّةُ الَّتِي تُقَدِّمُهَا فِي نِهَايَةِ اللِّقَاءِ: اُكْتُبْ مَا تَعْرِفُهُ الْآنَ، حَتَّى لَوْ بَدَا نَاقِصًا. وَهَذِهِ النَّصِيحَةُ نَجِدُ مَا يُشْبِهُهَا فِي الْعِلَاجِ النَّفْسِيِّ؛ فَالْكِتَابَةُ الْجُزْئِيَّةُ تُسَاعِدُ الْإِنْسَانَ عَلَى تَنْظِيمِ خِبْرَتِهِ حَتَّى حِينَ تَكُونُ بَعْضُ التَّفَاصِيلِ غَائِبَةً.
فَلَيْسَ الْمَطْلُوبُ مَلْءَ كُلِّ الْفَرَاغَاتِ، بَلْ مَنْعَ الصَّمْتِ مِنْ أَنْ يَبْتَلِعَ مَا بَقِيَ.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
مِنَ النَّاحِيَةِ السَّرْدِيَّةِ، أَشْعُرُ أَنَّ هَذَا الْفَصْلَ يُمَثِّلُ نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ فِي رِحْلَةِ سَامِرٍ. فَطَوَالَ الرِّوَايَةِ كَانَ يَبْحَثُ عَنْ ذَاكِرَةٍ كَامِلَةٍ، أَمَّا هُنَا فَيَتَلَقَّى اقْتِرَاحًا مُخْتَلِفًا تَمَامًا: رُبَّمَا تَكْمُنُ الْقِيمَةُ فِي حِفْظِ الشَّاهِدِ، لَا فِي اسْتِعَادَةِ الْحَدَثِ بِحَذَافِيرِهِ.
وَهَذَا تَحَوُّلٌ هَادِئٌ، لَكِنَّهُ يُغَيِّرُ طَبِيعَةَ الرِّحْلَةِ نَفْسِهَا.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
يَلْفِتُنِي أَنَّ هَذَا الْبَابَ لَا يَنْتَهِي بِالدَّعْوَةِ إِلَى الْبَحْثِ عَنِ الْمَزِيدِ، بَلْ بِالدَّعْوَةِ إِلَى الْبَدْءِ بِمَا هُوَ مَوْجُودٌ الْآنَ. أَأَرَدْتَ أَنْ يَصِلَ سَامِرٌ، بَعْدَ خَمْسِينَ بَابًا تَقْرِيبًا، إِلَى لَحْظَةٍ يَتَوَقَّفُ فِيهَا عَنِ انْتِظَارِ الاِاكْتِمَالاِ، وَيَبْدَأَ بِبِنَاءِ ذَاكِرَتِهِ مِمَّا بَقِيَ بَيْنَ يَدَيْهِ؟
الْأُسْتَاذُ نُعْمَان:
نَعَمْ، لِأَنِّي شَعَرْتُ أَنَّ انْتِظَارَ الاِاكْتِمَالاِ قَدْ يَتَحَوَّلُ إِلَى ذَرِيعَةٍ لِعَدَمِ الْبَدْءِ.
سَوَاءٌ فِي الْبَحْثِ الْعِلْمِيِّ، أَوْ فِي كِتَابَةِ التَّارِيخِ، أَوْ فِي كِتَابَةِ الرِّوَايَةِ، نَادِرًا مَا نَمْلِكُ الصُّورَةَ كَامِلَةً. وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَكْتُبُ، وَيُوَثِّقُ، وَيُحَاوِلُ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا لِمَا وَصَلَ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّ مَا يَكْتُبُهُ سَيَظَلُّ نَاقِصًا. لَمْ أُرِدْ أَنْ يَتَخَلَّى سَامِرٌ عَنِ الْبَحْثِ، بَلْ أَنْ يَتَخَلَّى عَنِ الْوَهْمِ بِأَنَّ الْحَقِيقَةَ لَا تَسْتَحِقُّ أَنْ تُكْتَبَ إِلَّا إِذَا اكْتَمَلَتْ تَمَامًا.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نُغَادِرُ الْقَرْيَةَ وَقَدْ بَقِيَ صَوْتُ الرَّجُلِ الْعَجُوزِ مَحْفُوظًا فِي جِهَازِ تَسْجِيلٍ صَغِيرٍ، لَكِنَّهُ أَصْبَحَ، فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، شَاهِدًا عَلَى عَالَمٍ كَامِلٍ لَمْ يَعُدْ مَوْجُودًا.
وَعَلَى الْبَابِ التَّالاِي رُمُوزٌ رِيَاضِيَّةٌ تَبْدُو بَسِيطَةً لِأَوَّلِ وَهْلَةٍ، لَكِنَّهَا تُخْفِي أَحَدَ أَعْظَمِ الاِاكْتِشَافَاتِ الْفِكْرِيَّةِ فِي الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ: أَنَّ حَتَّى أَكْثَرَ الْأَنْظِمَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ صَرَامَةً تَحْمِلُ فِي دَاخِلِهَا حُدُودًا لَا تَسْتَطِيعُ تَجَاوُزَهَا.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
فِيينَّا، سَنَةَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَثَلَاثِينَ.
قَاعَةٌ جَامِعِيَّةٌ هَادِئَةٌ، وَسَبُّورَةٌ امْتَلَأَتْ بِرُمُوزَ لَا يَفْهَمُهَا إِلَّا قِلَّةٌ مِنَ الْحَاضِرِينَ. يَقِفُ كُورْتُ غُودِلَ لِيَعْرِضَ بُرْهَانًا سَيُغَيِّرُ نَظْرَةَ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ إِلَى الْمَنْطِقِ وَالْيَقِينِ، ثُمَّ يَلْتَفِتُ إِلَى سَامِرٍ بِسُؤَالٍ يَبْدُو بَعِيدًا عَنِ الرِّيَاضِيَّاتِ، لَكِنَّهُ يَمَسُّ رِحْلَتَهُ مُنْذُ بِدَايَتِهَا.
الدُّكْتُورُ كَرِيمٌ :
أَكْثَرُ مَا شَدَّنِي أَنَّ الْفَصْلَ لَمْ يُحَاوِلْ تَبْسِيطَ غُودِلَ إِلَى حَدِّ التَّشْوِيهِ. فَالْفِكْرَةُ الْجَوْهَرِيَّةُ بَقِيَتْ كَمَا هِيَ: فِي أَيِّ نِظَامٍ صُورِيٍّ مُتَّسِقٍ، قَابِلٍ لِلتَّأْطِيرِ الْفَعَّالِ، وَيَحْتَوِي قَدْرًا كَافِيًا مِنَ الْحِسَابِ، تُوجَدُ عِبَارَاتٌ لَا يَسْتَطِيعُ النِّظَامُ أَنْ يُثْبِتَهَا وَلَا أَنْ يَدْحَضَهَا مِنْ دَاخِلِهِ؛ وَفِي صِيَاغَةٍ أُخْرَى، لَا يَكُونُ النِّظَامُ كَامِلًا بِالْمَعْنَى الْمَنْطِقِيِّ الْمَقْصُودِ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
وَأَظُنُّ أَنَّ أَهَمَّ مَا فَعَلَهُ الْكَاتِبُ هُوَ مُقَاوَمَةُ إِغْرَاءِ تَطْبِيقِ النَّظَرِيَّةِ حَرْفِيًّا عَلَى الْإِنْسَانِ. فَغُودِلُ لَا يَقُولُ إِنَّ الْإِنْسَانَ نِظَامٌ رِيَاضِيٌّ، بَلْ يَقْتَرِحُ اسْتِعَارَةً مَعْرِفِيَّةً: إِذَا كَانَ حَتَّى النِّظَامُ الْمَنْطِقِيُّ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْظُورٍ أَوْسَعَ لِيُدْرِكَ حُدُودَهُ، فَلَيْسَ غَرِيبًا أَنْ تَحْتَاجَ ذَاكِرَةُ سَامِرٍ إِلَى مَا هُوَ خَارِجُهَا كَيْ تَقْتَرِبَ مِنَ الْحَقِيقَةِ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
وَهَذَا مَا جَعَلَ الْحِوَارَ مُتَوَازِنًا بِالنِّسْبَةِ لِي. فَكَثِيرٌ مِنَ النُّصُوصِ تَقَعُ فِي فَخِّ اسْتِعْمَالاِ النَّظَرِيَّاتِ الْعِلْمِيَّةِ لِإِنْتَاجِ يَقِينٍ نَفْسِيٍّ جَدِيدٍ، بَيْنَمَا يَفْعَلُ هَذَا الْفَصْلُ الْعَكْسَ؛ فَهُوَ يُخَفِّفُ عِبْءَ الشُّعُورِ بِالْفَشَلِ. سَامِرٌ لَمْ يَعْجِزْ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْذُلْ جُهْدًا كَافِيًا، بَلْ لِأَنَّ بَعْضَ الْأَسْئِلَةِ قَدْ تَكُونُ أَكْبَرَ مِنَ الْأَدَاةِ الَّتِي يُحَاوِلُ الْإِجَابَةَ بِهَا.
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى :
وَلِذَلِكَ شَعَرْتُ أَنَّ الْبَابَ يَرْتَبِطُ طَبِيعِيًّا بِالْمُؤَرِّخَةِ وَعَالاِمِ الْآثَارِ. فَهُنَاكَ أَيْضًا لَمْ تَكُنِ الْحَقِيقَةُ كَامِنَةً فِي وَثِيقَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ قِطْعَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ فِي جَمْعِ شَوَاهِدَ مُتَعَدِّدَةٍ. وَهُنَا يَكْتَسِبُ هَذَا الْمَنْهَجُ أَسَاسًا مَنْطِقِيًّا جَدِيدًا: الْمَعْرِفَةُ لَا تَكْتَمِلُ دَائِمًا مِنَ الدَّاخِلِ.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
لَفَتَنِي كَذَلِكَ التَّحَوُّلُ الَّذِي طَرَأَ عَلَى سَامِرٍ نَفْسِهِ. فَفِي الْأَبْوَابِ الْأُولَى كَانَ يَبْحَثُ عَنْ جَوَابٍ نِهَائِيٍّ، أَمَّا الْآنَ فَلَمْ يَعُدْ يَسْأَلُ بِالطَّرِيقَةِ ذَاتِهَا. وَكَأَنَّ غُودِلَ لَا يُغَيِّرُ مَعْلُومَاتِهِ، بَلْ يُغَيِّرُ تَوَقُّعَاتِهِ مِنَ الْمَعْرِفَةِ نَفْسِهَا. وَهَذَا تَطَوُّرٌ هَادِئٌ، لَكِنَّهُ مُهِمٌّ فِي بِنَاءِ الشَّخْصِيَّةِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
لَمْ تُقَدِّمْ غُودِلَ فِي هَذَا الْبَابِ بِوَصْفِهِ عَبْقَرِيًّا مَعْزُولًا، وَلَا بِوَصْفِهِ صَاحِبَ مَأْسَاةٍ شَخْصِيَّةٍ، بَلْ رَكَّزْتَ عَلَى الْفِكْرَةِ الَّتِي غَيَّرَتْ تَارِيخَ الْفِكْرِ. أَكَانَ هَذَا اخْتِيَارًا مَقْصُودًا حَتَّى يَبْقَى الْحِوَارُ مُنْصَبًّا عَلَى أَثَرِ الاِاكْتِشَافِ نَفْسِهِ، لَا عَلَى سِيرَةِ صَاحِبِهِ؟
الْأُسْتَاذُ نُعْمَان:
نَعَمْ، لِأَنِّي أَرَدْتُ أَنْ يَتَذَكَّرَ الْقَارِئُ الْفِكْرَةَ قَبْلَ أَنْ يَتَذَكَّرَ صَاحِبَهَا. سِيرَةُ غُودِلَ الْإِنْسَانِيَّةُ مُؤَثِّرَةٌ بِلَا شَكٍّ، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ مَوْضُوعَ هَذَا الْبَابِ.
كَانَ هَدَفِي أَنْ أَصِلَ بِسَامِرٍ إِلَى قَنَاعَةٍ مُخْتَلِفَةٍ: أَنَّ وُجُودَ حُدُودٍ لِمَا يَسْتَطِيعُ الْإِنْسَانُ إِثْبَاتَهُ أَوْ تَذَكُّرَهُ لَا يَعْنِي خَلَلًا فِيهِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ جُزْءًا مِنْ طَبِيعَةِ الْمَعْرِفَةِ نَفْسِهَا. شَعَرْتُ أَنَّ هَذِهِ الْفِكْرَةَ تَسْتَحِقُّ أَنْ تَبْقَى فِي مَرْكَزِ الْمَشْهَدِ دُونَ أَنْ تُنَافِسَهَا عَنَاصِرُ أُخْرَى، مَهْمَا كَانَتْ مُؤَثِّرَةً.

Section 8

رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نَتَوَقَفُ وَقَدْ تَعَلَّمَ سَامِرٌ دَرْسًا لَا يَقُولُهُ الْمَنْطِقُ عَادَةً بِهَذِهِ الرِّقَّةِ: أَنَّ حُدُودَ الْمَعْرِفَةِ لَيْسَتْ دَائِمًا عَلَامَةَ ضَعْفٍ، بَلْ قَدْ تَكُونُ عَلَامَةَ صِدْقٍ.
وَعَلَى الْبَابِ التَّالاِي لَا تَنْتَظِرُهُ مُعَادَلَاتٌ وَلَا رُمُوزٌ، بَلْ يَدٌ مَمْدُودَةٌ بِصَمْتٍ نَحْوَ يَدٍ أُخْرَى؛ فَالشَّجَاعَةُ الْحَقِيقِيَّةُ أَحْيَانًا لَيْسَتْ أَنْ تُوَاجِهَ وَحْدَكَ، بَلْ أَنْ تَطْلُبَ يَدًا تُمْسِكُ بِيَدِكَ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
بَيْرُوتُ، سَنَةَ أَلْفَيْنِ وَسِتَّةٍ.
طَبِيبٌ أَمْضَى سَنَوَاتٍ يَعْمَلُ مَعَ مَنْ حَمَلُوا آثَارَ الْحُرُوبِ فِي ذَاكِرَتِهِمْ وَأَجْسَادِهِمْ. يَبْدَأُ حَدِيثَهُ مَعَ سَامِرٍ بِتَمْيِيزٍ هَادِئٍ بَيْنَ الْأَلَمِ الَّذِي يَرَاهُ كُلَّ يَوْمٍ، وَبَيْنَ السُّؤَالاِ الَّذِي يَحْمِلُهُ سَامِرٌ، ثُمَّ يُذَكِّرُهُ بِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ، مَهْمَا بَلَغَتْ، لَا تُغْنِي دَائِمًا عَنِ الْمُرَافَقَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ الْمُتَخَصِّصَةِ.
أَتْرُكُ الْمِنَصَّةَ لِلْفَرِيقِ، رَاجِيًا أَنْ يَبْقَى النِّقَاشُ وَفِيًّا لِحَسَاسِيَّةِ هَذَا الْمَوْضُوعِ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
أَحْسَبُ أَنَّ هَذَا مِنْ أَكْثَرِ الْأَبْوَابِ انْضِبَاطًا مِنَ النَّاحِيَةِ الطِّبِّيَّةِ. فَالنَّصُّ لَا يَخْلِطُ بَيْنَ اضْطِرَابِ مَا بَعْدَ الصَّدْمَةِ وَبَيْنَ فُقْدَانِ الذَّاكِرَةِ التَّفَارُقِيِّ، مَعَ أَنَّ الْقَارِئَ قَدْ يَمِيلُ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا. فَالطَّبِيبُ يُوَضِّحُ الْفُرُوقَ بِهُدُوءٍ، ثُمَّ يَرْفُضُ أَنْ يُحَوِّلَ الْحِوَارَ الرَّمْزِيَّ إِلَى بَدِيلٍ عَنِ الْعِلَاجِ الْحَقِيقِيِّ. وَهَذِهِ نُقْطَةٌ أُقَدِّرُهَا كَثِيرًا؛ لِأَنَّهَا تُحَافِظُ عَلَى الْأَمَانَةِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْإِنْسَانِيَّةِ مَعًا.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
وَأَرَى أَنَّ أَهَمَّ مَا يَقُولُهُ الطَّبِيبُ لَيْسَ تَشْخِيصًا، بَلْ تَصْحِيحٌ لِفِكْرَةِ الشَّجَاعَةِ. فَكَثِيرُونَ يَظُنُّونَ أَنَّ الْقُوَّةَ تَعْنِي أَنْ يَحْمِلَ الْإِنْسَانُ أَلَمَهُ وَحْدَهُ، بَيْنَمَا يَقْتَرِحُ هَذَا الْفَصْلُ تَصَوُّرًا مُخْتَلِفًا: أَنَّ الاِاعْتِرَافَ بِالْحَاجَةِ إِلَى الْآخَرِينَ قَدْ يَكُونُ، فِي بَعْضِ اللَّحَظَاتِ، أَعْلَى دَرَجَاتِ الْقُوَّةِ. وَهُنَا يَعُودُ صَدَى مَا سَمِعْنَاهُ سَابِقًا فِي بَابِ “أُوبُونْتُو”، لَكِنْ فِي سِيَاقٍ عِلَاجِيٍّ هَذِهِ الْمَرَّةَ.
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى :
كَمَا لَفَتَنِي اخْتِيَارُ الْمَكَانِ. فَبَيْرُوتُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ خَلْفِيَّةٍ جُغْرَافِيَّةٍ، بَلْ مَدِينَةٌ تَعْرِفُ مَعْنَى الذَّاكِرَةِ الْمُثْقَلَةِ بِالْحُرُوبِ. وَدُونَ أَنْ يَسْتَثْمِرَ النَّصُّ هَذَا التَّارِيخَ مُبَاشَرَةً، فَإِنَّهُ يَمْنَحُ حُضُورَ الطَّبِيبِ مِصْدَاقِيَّةً إِضَافِيَّةً، لِأَنَّ خِبْرَتَهُ تَبْدُو نَابِعَةً مِنْ وَاقِعٍ عَاشَهُ، لَا مِنْ فَرَضِيَّةٍ نَظَرِيَّةٍ.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
عَلَى الْمُسْتَوَى السَّرْدِيِّ، أُلَاحِظُ أَنَّ هَذَا الْبَابَ يَخْتَلِفُ عَنْ مُعْظَمِ مَا سَبَقَهُ. فَالشَّخْصِيَّاتُ السَّابِقَةُ كَانَتْ تَمْنَحُ سَامِرًا أَفْكَارًا أَوْ أَدَوَاتٍ، أَمَّا هَذَا الطَّبِيبُ فَيَرْسُمُ حَدًّا وَاضِحًا لِلرِّوَايَةِ نَفْسِهَا. وَكَأَنَّهُ يَقُولُ لِلْقَارِئِ: لِلْأَدَبِ دَوْرُهُ، وَلِلْعِلْمِ دَوْرُهُ، وَلِلْعِلَاجِ دَوْرُهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدِهَا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ يُغْنِي عَنِ الْآخَرِ. وَقَدْ أَعْجَبَتْنِي هَذِهِ الْحُدُودُ لِأَنَّهَا تَزِيدُ الْعَمَلَ صِدْقًا.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
هَذَا الْبَابُ يَخْتَلِفُ عَنْ غَيْرِهِ فِي أَنَّهُ يَضَعُ حُدُودًا صَرِيحَةً لِقُدْرَةِ الرِّوَايَةِ عَلَى الْمُسَاعَدَةِ. فَلَمْ يُحَاوِلِ الطَّبِيبُ أَنْ يَمْنَحَ سَامِرًا عَزَاءً أَدَبِيًّا مُكْتَفِيًا بِذَاتِهِ، بَلْ أَصَرَّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْأَسْئِلَةِ تَحْتَاجُ إِلَى مُخْتَصِّينَ، لَا إِلَى الْكُتُبِ وَحْدَهَا. أَكَانَ هَذَا الْحِرْصُ جُزْءًا مِنْ رُؤْيَتِكَ لِلرِّوَايَةِ مُنْذُ الْبِدَايَةِ، أَمْ فَرَضَهُ عَلَيْكَ تَطَوُّرُ الْعَمَلِ لَاحِقًا؟
الْأُسْتَاذُ نُعْمَان:
كَانَ هَذَا الْقَرَارُ حَاضِرًا فِي ذِهْنِي مُنْذُ اللَّحْظَةِ الَّتِي قَرَّرْتُ فِيهَا أَنْ تَمَسَّ الرِّوَايَةُ مَوْضُوعَ الذَّاكِرَةِ وَالاِاضْطِرَابَاتِ النَّفْسِيَّةِ.
كُنْتُ أَخْشَى أَنْ يَلْتَبِسَ الْأَمْرُ عَلَى بَعْضِ الْقُرَّاءِ، فَيَظُنُّوا أَنَّ رِحْلَةَ سَامِرٍ الرَّمْزِيَّةَ يُمْكِنُ أَنْ تَقُومَ مَقَامَ الْمُسَاعَدَةِ الْمُتَخَصِّصَةِ. لِذَلِكَ أَرَدْتُ أَنْ يَقُولَ الطَّبِيبُ ذَلِكَ بِوُضُوحٍ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ: الْأَدَبُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْتَحَ بَابًا لِلْفَهْمِ، وَأَنْ يَمْنَحَ الْإِنْسَانَ عَزَاءً أَوْ بَصِيرَةً، لَكِنَّهُ لَا يَحُلُّ مَحَلَّ الْعِلَاجِ حِينَ يَكُونُ الْعِلَاجُ ضَرُورَةً. شَعَرْتُ أَنَّ هَذِهِ الْأَمَانَةَ تِجَاهَ الْقَارِئِ أَهَمُّ مِنْ أَيِّ تَأْثِيرٍ أَدَبِيٍّ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَخْلُقَهُ الْغُمُوضُ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نَتَوَقَفُ وَقَدْ تَعَلَّمَ سَامِرٌ دَرْسًا لَا يَقِلُّ أَهَمِّيَّةً عَنْ كُلِّ مَا سَبَقَهُ: أَنَّ طَلَبَ الْمُسَاعَدَةِ لَيْسَ ضَعْفًا، بَلْ خُطْوَةً مِنْ خُطُوَاتِ الشَّجَاعَةِ.
وَعَلَى الْبَابِ التَّالاِي تَنْتَظِرُهُ امْرَأَةٌ تَقْرَأُ فِي طَبَقَاتِ الْجَلِيدِ وَحَلَقَاتِ الْأَشْجَارِ ذَاكِرَةَ كَوْكَبٍ بِأَكْمَلِهِ، لِتُذَكِّرَهُ بِأَنَّ لَا شَيْءَ يَحْفَظُ كُلَّ شَيْءٍ بِصُورَةٍ مِثَالاِيَّةٍ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
الْقُطْبُ الْجَنُوبِيُّ، سَنَةَ أَلْفَيْنِ وَاثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ.
أَمَامَ أُسْطُوَانَةٍ جَلِيدِيَّةٍ اسْتُخْرِجَتْ مِنْ أَعْمَاقِ الْقَارَّةِ الْمُتَجَمِّدَةِ، تَقِفُ عَالاِمَةُ مُنَاخٍ تَقْرَأُ فِي فُقَاعَاتِ هَوَاءٍ عُمْرُهَا عَشَرَاتُ آلَافِ السِّنِينَ، ثُمَّ تَقُولُ لِسَامِرٍ: حَتَّى الْجَلِيدُ، وَهُوَ أَكْثَرُ مَا نَعْرِفُهُ قُدْرَةً عَلَى الْحِفْظِ، لَا يَحْتَفِظُ بِكُلِّ شَيْءٍ.
الدُّكْتُورُ مَازِنٌ “الْفَلَكُ وَعُلُومُ الْأَرْضِ):
أَعْجَبَنِي أَنَّ الْفَصْلَ لَمْ يُحَوِّلِ الْجَلِيدَ إِلَى خِزَانَةِ ذَاكِرَةٍ مِثَالاِيَّةٍ. فَعِلْمِيًّا، اللُّبَابُ الْجَلِيدِيُّ يَمْنَحُنَا سِجِلًّا مُذْهِلًا فِعْلًا لِتَرْكِيبِ الْغِلَافِ الْجَوِّيِّ الْقَدِيمِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ سِجِلًّا كَامِلًا وَلَا مَعْصُومًا. فَهُنَاكَ فَجَوَاتٌ، وَتَشَوُّهَاتٌ، وَطَبَقَاتٌ تَضِيعُ بِفِعْلِ الْحَرَكَةِ وَالضَّغْطِ وَالذَّوَبَانِ الْجُزْئِيِّ.
وَهَذِهِ الْأَمَانَةُ الْعِلْمِيَّةُ مُهِمَّةٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ الْقَارِئَ قَدْ يَخْرُجُ بِسُهُولَةٍ بِانْطِبَاعٍ أَنَّ الطَّبِيعَةَ تَحْفَظُ كُلَّ شَيْءٍ بِدِقَّةٍ مُطْلَقَةٍ، بَيْنَمَا الْحَقِيقَةُ أَنَّ الطَّبِيعَةَ نَفْسَهَا تَتْرُكُ فَرَاغَاتٍ، كَمَا تَفْعَلُ الذَّاكِرَةُ الْإِنْسَانِيَّةُ.
وَأَطْرَحُ سُؤَالًا عَلَى الدُّكْتُورَةِ لُبْنَى: إِذَا كَانَتْ حَتَّى الطَّبِيعَةُ لَا تَحْفَظُ الْمَاضِيَ كَامِلًا، فَهَلْ يُغَيِّرُ هَذَا شَيْئًا فِي نَظْرَتِنَا إِلَى الْوَثِيقَةِ التَّارِيخِيَّةِ؟
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى :
أَعْتَقِدُ أَنَّهُ يُغَيِّرُ الْكَثِيرَ. فَالْمُؤَرِّخُ الْجَيِّدُ لَا يَبْحَثُ عَنْ وَثِيقَةٍ كَامِلَةٍ، لِأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّهَا غَيْرُ مَوْجُودَةٍ أَصْلًا، بَلْ يَبْحَثُ عَنْ مَجْمُوعَةِ آثَارٍ نَاقِصَةٍ تَتَكَامَلُ تَدْرِيجِيًّا. وَلِهَذَا أَعْجَبَنِي قَوْلُ الْعَالاِمَةِ إِنَّ الطَّبَقَةَ الْوَاحِدَةَ لَا تَحْكِي الْمُنَاخَ كُلَّهُ، كَمَا أَنَّ شَهَادَةَ شَخْصٍ وَاحِدٍ لَا تَرْوِي التَّارِيخَ كُلَّهُ.
لَكِنْ لَدَيَّ مُلَاحَظَةٌ صَغِيرَةٌ. شَعَرْتُ أَنَّ سَامِرًا اسْتَقْبَلَ الْفِكْرَةَ بِسُرْعَةٍ كَبِيرَةٍ نِسْبِيًّا. فَبَعْدَ كُلِّ رِحْلَتِهِ الطَّوِيلَةِ مَعَ الْبَحْثِ عَنِ الْكَمَالاِ، تَوَقَّعْتُ شَيْئًا مِنَ الْمُقَاوَمَةِ الدَّاخِلِيَّةِ قَبْلَ أَنْ يَتَقَبَّلَ أَنَّ حَتَّى الْجَلِيدَ لَا يَحْتَفِظُ بِكُلِّ شَيْءٍ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :

Section 9

وَأَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الْمُقَاوَمَةَ مَوْجُودَةٌ ضِمْنِيًّا، لَكِنَّهَا لَمْ تُقَلْ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ. أَكْثَرُ مَا شَدَّنِي لَيْسَ الْجَانِبَ الْعِلْمِيَّ، بَلِ الْعِبَارَةَ الْأَخْلَاقِيَّةَ الَّتِي تَقُولُهَا الْعَالاِمَةُ: لَا تَجْعَلْ مُعَانَاتَكَ تَحْتَاجُ إِلَى مُقَارَنَةٍ حَتَّى تَسْتَحِقَّ الْإِصْغَاءَ.
فَهَذِهِ الْعِبَارَةُ لَا تَخُصُّ الْمُنَاخَ أَصْلًا، بَلْ تَخُصُّ الْإِنْسَانَ. وَهِيَ، فِي رَأْيِي، أَحَدُ الْمَفَاتِيحِ الْفِكْرِيَّةِ الْكُبْرَى لِلرِّوَايَةِ.
وَأَسْأَلُ الدُّكْتُورَةَ سَلْمَى: أَيَكُونُ رَفْضُ مُقَارَنَةِ الْآلَامِ دَائِمًا مُفِيدًا نَفْسِيًّا؟ أَلَيْسَ الْإِنْسَانُ أَحْيَانًا بِحَاجَةٍ إِلَى رُؤْيَةِ مُعَانَاتِهِ ضِمْنَ سِيَاقٍ أَوْسَعَ حَتَّى يَخِفَّ حَمْلُهَا؟
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
سُؤَالٌ جَمِيلٌ، وَالْإِجَابَةُ لَيْسَتْ بَسِيطَةً. نَعَمْ، رُؤْيَةُ الصُّورَةِ الْأَكْبَرِ قَدْ تُسَاعِدُ أَحْيَانًا، لَكِنَّهَا تُصْبِحُ مُؤْذِيَةً حِينَ تَتَحَوَّلُ إِلَى إِلْغَاءٍ لِلْمَشَاعِرِ الشَّخْصِيَّةِ. فَفِي الْعِيَادَةِ نَرَى كَثِيرًا مِنَ الْمَرْضَى يَقُولُونَ لِأَنْفُسِهِمْ: “هُنَاكَ مَنْ يَتَأَلَّمُ أَكْثَرَ مِنِّي، إِذَنْ لَا يَحِقُّ لِي أَنْ أَحْزَنَ.” وَهَذِهِ لَيْسَتْ مُرُونَةً نَفْسِيَّةً، بَلْ قَسْوَةٌ عَلَى الذَّاتِ.
وَلِهَذَا أَعْجَبَتْنِي الْعَالاِمَةُ حِينَ رَفَضَتِ الْمُفَاضَلَةَ بَيْنَ الْأَلَمِ الْإِنْسَانِيِّ وَأَلَمِ الْكَوْكَبِ. فَهِيَ لَا تَطْلُبُ مِنْ سَامِرٍ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَنْ حُزْنِهِ، وَلَا تَطْلُبُ مِنَ الْعَالَمِ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَنِ الْقَلَقِ عَلَى الْمُنَاخِ، بَلْ تَرْفُضُ أَصْلَ فِكْرَةِ الْمُنَافَسَةِ بَيْنَهُمَا.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
وَأَعْتَقِدُ أَنَّ هَذِهِ النُّقْطَةَ تَكْشِفُ بِنَاءً دَاخِلِيًّا فِي الرِّوَايَةِ كُلِّهَا. فَلَوْ تَأَمَّلْنَا الْمَسَارَ مُنْذُ الْبِدَايَةِ، سَنَجِدُ أَنَّ الْعَمَلَ كَانَ يَرْفُضُ بِاسْتِمْرَارٍ تَرْتِيبَ الْأَحْزَانِ فِي سُلَّمٍ لِلْقِيمَةِ. فَالنَّجْمَةُ الْمُحْتَضِرَةُ، وَالْحَاخَامُ، وَحَكِيمُ الْقَبِيلَةِ، وَعَالاِمَةُ الْمُنَاخِ… جَمِيعُهُمْ يَقُولُونَ الْفِكْرَةَ نَفْسَهَا بِلُغَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
وَأَظُنُّ أَنَّ هَذَا لَيْسَ تَكْرَارًا، بَلْ تَرْسِيخٌ لِفِكْرَةٍ مَرْكَزِيَّةٍ تَتَكَشَّفُ تَدْرِيجِيًّا لِلْقَارِئِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
بَعْدَ ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ بَابًا، يَبْدُو أَنَّ هَذِهِ الْفِكْرَةَ أَصْبَحَتْ خَيْطًا يَجْمَعُ شَخْصِيَّاتٍ مُتَبَاعِدَةً جِدًّا: لَا تُوجَدُ مُعَانَاةٌ تَحْتَاجُ إِلَى أَنْ تُثْبِتَ أَنَّهَا أَكْبَرُ مِنْ غَيْرِهَا كَيْ تَسْتَحِقَّ الْإِصْغَاءَ. أَكُنْتَ وَاعِيًا مُنْذُ بِدَايَةِ الْمَشْرُوعِ بِأَنَّ هَذَا سَيَكُونُ أَحَدَ الْمَبَادِئِ الْمُؤَسِّسَةِ لِلرِّوَايَةِ، أَمْ إِنَّكَ اكْتَشَفْتَهُ بِنَفْسِكَ أَثْنَاءَ الْكِتَابَةِ؟
الْأُسْتَاذُ نُعْمَان:
أَظُنُّ أَنِّي اكْتَشَفْتُهُ أَثْنَاءَ الْكِتَابَةِ أَكْثَرَ مِمَّا خَطَّطْتُ لَهُ مُنْذُ الْبِدَايَةِ. كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي أَكْتُبُ عَنِ الذَّاكِرَةِ، ثُمَّ اكْتَشَفْتُ أَنِّي أَكْتُبُ أَيْضًا عَنِ الْعَدَالَةِ فِي الْإِصْغَاءِ.
كَثِيرًا مَا نُحَاوِلُ، نَحْنُ الْبَشَرَ، أَنْ نُقْنِعَ الْآخَرِينَ بِأَنَّ أَلَمَنَا يَسْتَحِقُّ الاِاهْتِمَامَ لِأَنَّهُ أَكْبَرُ، أَوْ أَقْدَمُ، أَوْ أَكْثَرُ مَأْسَاوِيَّةً. لَكِنِّي، كُلَّمَا تَقَدَّمْتُ فِي كِتَابَةِ الرِّوَايَةِ، شَعَرْتُ أَنَّ هَذَا الْمَنْطِقَ نَفْسَهُ يَظْلِمُ الْجَمِيعَ.
لِذَلِكَ لَمْ أُحَاوِلْ أَنْ أَجْعَلَ فُقْدَانَ سَامِرٍ أَهَمَّ مِنِ انْقِرَاضِ لُغَةٍ، وَلَا تَهْجِيرَ شَعْبٍ أَهَمَّ مِنْ فُقْدَانِ شَخْصٍ لِذِكْرَى وَاحِدَةٍ، وَلَا خَوْفَ عَالاِمَةِ الْمُنَاخِ أَهَمَّ مِنْ حُزْنِ طَبِيبَةِ الزَّهَايْمَرِ. فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جُرْحُهُ الْخَاصُّ، وَلِكُلِّ جُرْحٍ حَقُّهُ فِي أَنْ يُرْوَى دُونَ أَنْ يَدْخُلَ فِي مُنَافَسَةٍ مَعَ جِرَاحِ الْآخَرِينَ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نُغَادِرُ الْقُطْبَ الْجَنُوبِيَّ بِمُلَاحَظَةٍ بَسِيطَةٍ لَكِنَّهَا ثَقِيلَةُ الْأَثَرِ: مَا لَا تَحْفَظُهُ الطَّبِيعَةُ كَامِلًا، لَا يَحْتَاجُ الْإِنْسَانُ إِلَى أَنْ يَشْعُرَ بِالذَّنْبِ لِأَنَّهُ لَا يَحْفَظُهُ هُوَ الْآخَرُ كَامِلًا.
وَعَلَى الْبَابِ التَّالاِي يَنْتَظِرُ صَوْتٌ مِنْ عَالَمٍ مُخْتَلِفٍ كُلِّيًّا، حَيْثُ تُصْبِحُ الْفَجَوَاتُ نَفْسُهَا جُزْءًا أَصِيلًا مِمَّا يَجْعَلُنَا بَشَرًا حَقِيقِيِّينَ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
سَانْ فْرَانْسِيسْكُو، زَمَنُنَا الْحَاضِرُ.
أَمَامَ شَاشَاتٍ تَعْرِضُ مَلَايِينَ الْأَسْطُرِ الْبَرْمَجِيَّةِ، يَجْلِسُ شَابٌّ يَعْمَلُ عَلَى بِنَاءِ نِظَامٍ يُسَاعِدُ الْإِنْسَانَ عَلَى تَنْظِيمِ ذَاكِرَتِهِ. لَكِنَّهُ، بَدَلَ أَنْ يَعِدَ سَامِرًا بِاسْتِعَادَةِ يَوْمِهِ الْمَفْقُودِ، يُفَاجِئُهُ بِسُؤَالٍ آخَرَ: مَاذَا لَوْ أَصْبَحَتِ التِّقْنِيَّةُ قَادِرَةً يَوْمًا عَلَى مَحْوِ الذِّكْرَيَاتِ الْمُؤْلِمَةِ؟ أَسَيَكُونُ ذَلِكَ انْتِصَارًا لِلْإِنْسَانِ… أَمْ خَسَارَةً لِشَيْءٍ جَوْهَرِيٍّ فِيهِ؟
الدُّكْتُورُ كَرِيمٌ “الرِّيَاضِيَّاتُ وَالْحَوْسَبَةُ):
أَعْجَبَنِي أَنَّ الْفَصْلَ لَمْ يَقَعْ فِي الْمُبَالَغَاتِ الْمُعْتَادَةِ حَوْلَ الذَّكَاءِ الاِاصْطِنَاعِيِّ. فَالْمُبَرْمِجُ يَعْتَرِفُ بِوُضُوحٍ أَنَّ النِّظَامَ الَّذِي يَعْمَلُ عَلَيْهِ لَا يَخْلُقُ ذَاكِرَةً جَدِيدَةً، وَلَا يُعِيدُ مَا اخْتَفَى، بَلْ يُسَاعِدُ الْإِنْسَانَ عَلَى تَنْظِيمِ مَا يَمْلِكُهُ أَصْلًا. وَهَذِهِ أَمَانَةٌ تِقْنِيَّةٌ نَفْتَقِدُهَا كَثِيرًا فِي الْخِطَابِ الْمُعَاصِرِ، حَيْثُ تُنْسَبُ إِلَى الذَّكَاءِ الاِاصْطِنَاعِيِّ قُدُرَاتٌ لَيْسَتْ لَهُ.
ثُمَّ أَلْتَفِتُ إِلَى الدُّكْتُورِ بَاسِلٌ بِسُؤَالٍ: إِذَا اسْتَطَاعَتِ التِّقْنِيَّةُ مُسْتَقْبَلًا أَنْ تُخَفِّفَ عِبْءَ الذِّكْرَيَاتِ الْمُؤْلِمَةِ، أَفَيُصْبِحُ اسْتِخْدَامُهَا وَاجِبًا أَخْلَاقِيًّا، أَمْ يَبْقَى مُجَرَّدَ خِيَارٍ شَخْصِيٍّ؟
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
أَمِيلُ إِلَى اعْتِبَارِهِ خِيَارًا، لَا وَاجِبًا. لِأَنَّ الْمُشْكِلَةَ لَيْسَتْ فِي الْأَلَمِ وَحْدَهُ، بَلْ فِي حَقِّ الْإِنْسَانِ فِي أَنْ يُقَرِّرَ عَلَاقَتَهُ بِذَاكِرَتِهِ بِنَفْسِهِ. وَلِهَذَا أَعْجَبَتْنِي الْجُمْلَةُ الَّتِي يُكَرِّرُهَا الْمُبَرْمِجُ: “أَنَا لَا أُقَرِّرُ مَاذَا تَحْتَفِظُ بِهِ… أَنَا أَبْنِي أَدَاةً فَقَطْ.”
هُنَا يَلْتَقِي الْعِلْمُ بِالْأَخْلَاقِ. فَالتِّقْنِيَّةُ قَدْ تَمْنَحُ الْقُدْرَةَ، لَكِنَّهَا لَا تَمْلِكُ حَقَّ اتِّخَاذِ الْقَرَارِ بَدَلَ الْإِنْسَانِ.
وَمَعَ ذَلِكَ، خَطَرَ بِبَالاِي سُؤَالٌ آخَرُ: أَيُمْكِنُ لِإِنْسَانٍ أَنْ يَحْذِفَ جُزْءًا مِنْ مَاضِيهِ وَيَبْقَى الشَّخْصَ نَفْسَهُ بَعْدَ ذَلِكَ؟
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
هَذَا هُوَ السُّؤَالُ الَّذِي يَشْغَلُ الطِّبَّ أَيْضًا. فَثَمَّةَ بِالْفِعْلِ أَبْحَاثٌ تُحَاوِلُ تَخْفِيفَ الشَّحْنَةِ الاِانْفِعَالاِيَّةِ لِبَعْضِ الذِّكْرَيَاتِ الصَّادِمَةِ، لَكِنَّهَا لَا تَهْدِفُ إِلَى مَحْوِ الْمَاضِي، بَلْ إِلَى تَخْفِيفِ قُدْرَةِ الْمَاضِي عَلَى إِيذَاءِ الْحَاضِرِ.
وَلِهَذَا أُقَدِّرُ أَنَّ الْفَصْلَ لَمْ يُقَدِّمِ التِّقْنِيَّةَ حَلًّا سِحْرِيًّا. فَالذَّاكِرَةُ لَيْسَتْ مِلَفًّا إِلِكْتْرُونِيًّا يُمْكِنُ حَذْفُ سَطْرٍ مِنْهُ دُونَ أَنْ يَتَغَيَّرَ مَا حَوْلَهُ. كُلُّ ذِكْرَى تَعِيشُ دَاخِلَ شَبَكَةٍ وَاسِعَةٍ مِنَ الْخِبْرَاتِ وَالْعَلَاقَاتِ، وَأَيُّ تَدَخُّلٍ فِيهَا يَحْتَاجُ إِلَى حَذَرٍ شَدِيدٍ.
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى :
لَفَتَنِي جَانِبٌ آخَرُ. طَوَالَ مِحْوَرِ الْعُلُومِ رَأَيْنَا الْبَاحِثِينَ يَعْتَرِفُونَ بِحُدُودِ تَخَصُّصَاتِهِمْ: عَالاِمَةُ الْأَعْصَابِ قَالَتْ “لَا أَعْرِفُ”، وَعَالاِمُ الْآثَارِ حَذَّرَ مِنَ التَّسَرُّعِ، وَالْمُؤَرِّخَةُ قَبِلَتْ بِالنَّقْصِ، وَعَالاِمَةُ الْمُنَاخِ اعْتَرَفَتْ بِأَنَّ حَتَّى الْجَلِيدَ لَا يَحْفَظُ كُلَّ شَيْءٍ.
وَيَأْتِي هَذَا الْمُبَرْمِجُ لِيُضِيفَ الْحَلْقَةَ الْأَخِيرَةَ: حَتَّى أَكْثَرُ الْآلَاتِ تَطَوُّرًا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَجْعَلَ الْإِنْسَانَ كَامِلًا. أَشْعُرُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ اسْتِنْتَاجًا عَنِ التِّقْنِيَّةِ وَحْدَهَا، بَلْ عَنِ الْمَعْرِفَةِ الْبَشَرِيَّةِ كُلِّهَا.

Section 10

الدُّكْتُورُ فَادِي :
وَأَرَى أَنَّ نِهَايَةَ الْفَصْلِ تُؤَدِّي وَظِيفَةً أَدَبِيَّةً جَمِيلَةً أَيْضًا. سَامِرٌ بَدَأَ رِحْلَتَهُ وَهُوَ يَرَى الْفَجْوَةَ فِي ذَاكِرَتِهِ عَيْبًا يَجِبُ إِصْلَاحُهُ بِأَيِّ ثَمَنٍ، بَيْنَمَا يَصِلُ هُنَا إِلَى احْتِمَالٍ جَدِيدٍ: رُبَّمَا لَيْسَتْ كُلُّ فَجْوَةٍ خَلَلًا، وَبَعْضُ النَّقْصِ هُوَ مَا يَجْعَلُ السِّيرَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ قَابِلَةً لِلنُّمُوِّ.
وَبِهَذَا الْمَعْنَى، لَا يَخْتِمُ الْمُبَرْمِجُ مِحْوَرَ الْعُلُومِ بِإِجَابَةٍ، بَلْ يُغَيِّرُ طَبِيعَةَ السُّؤَالاِ نَفْسِهِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
بَعْدَ اثْنَيْ عَشَرَ بَابًا عِلْمِيًّا، يَبْدُو أَنَّ جَمِيعَ الْعُلَمَاءِ، رَغْمَ اخْتِلَافِ تَخَصُّصَاتِهِمْ، انْتَهَوْا إِلَى نَتِيجَةٍ وَاحِدَةٍ تَقْرِيبًا: لَا وُجُودَ لِكَمَالٍ مُطْلَقٍ، لَا فِي الذَّاكِرَةِ، وَلَا فِي الْمَعْرِفَةِ، وَلَا فِي الْإِنْسَانِ. أَكَانَ هَذَا الْخَيْطُ حَاضِرًا فِي ذِهْنِكَ مُنْذُ الْبِدَايَةِ، أَمْ إِنَّهُ تَكَشَّفَ لَكَ تَدْرِيجِيًّا أَثْنَاءَ كِتَابَةِ الْمِحْوَرِ؟
الْأُسْتَاذُ نُعْمَان:
لَمْ أَبْدَأْ بِهَذَا الاِاسْتِنْتَاجِ، بَلْ وَصَلْتُ إِلَيْهِ مَعَ الشَّخْصِيَّاتِ نَفْسِهَا. كُلَّمَا أَنْهَيْتُ بَابًا، كُنْتُ أَجِدُ أَنَّ صَاحِبَهُ، مَهْمَا بَلَغَ عِلْمُهُ، يَنْتَهِي عِنْدَ مِنْطَقَةٍ لَا يَسْتَطِيعُ تَجَاوُزَهَا. لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ضَعْفًا فِي الْعِلْمِ، بَلْ أَحَدَ أَجْمَلِ وُجُوهِهِ؛ فَالْعِلْمُ الْحَقِيقِيُّ لَا يَخْجَلُ مِنَ الاِاعْتِرَافِ بِحُدُودِهِ.
وَأَظُنُّ أَنَّ الْأَمْرَ نَفْسَهُ يَنْطَبِقُ عَلَى الْأَدَبِ. فَالرِّوَايَةُ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُولَ كُلَّ شَيْءٍ، كَمَا لَا يَسْتَطِيعُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَتَذَكَّرَ كُلَّ شَيْءٍ. وَرُبَّمَا لِهَذَا شَعَرْتُ، وَأَنَا أَكْتُبُ هَذَا الْبَابَ الْأَخِيرَ، أَنَّ النَّقْصَ لَيْسَ عَيْبًا يَنْبَغِي أَنْ أُخْفِيَهُ، بَلْ جُزْءٌ مِنْ صِدْقِ التَّجْرِبَةِ نَفْسِهَا. فَالْعَمَلُ الَّذِي يَتْرُكُ مَسَاحَةً لِلْأَسْئِلَةِ، يُشْبِهُ الْإِنْسَانَ أَكْثَرَ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي يَدَّعِي امْتِلَاكَ جَمِيعِ الْإِجَابَاتِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
بِهَذَا تُطْوَى صَفْحَةُ مِحْوَرِ الْعُلُومِ، بَعْدَ اثْنَيْ عَشَرَ بَابًا بَدَأَتْ بِالدِّمَاغِ وَانْتَهَتْ بِالذَّكَاءِ الاِاصْطِنَاعِيِّ، لَكِنَّهَا عَادَتْ فِي النِّهَايَةِ إِلَى الْإِنْسَانِ نَفْسِهِ.
وَنَحْنُ نَتَوَقَفُ ، تَتَلَاشَى الشَّاشَاتُ الْمُضِيئَةُ تَدْرِيجِيًّا، لِتَحُلَّ مَحَلَّهَا لَوْحَةٌ زَيْتِيَّةٌ لَمْ تَكْتَمِلْ بَعْدُ، تَتَوَسَّطُهَا فُرْشَاةٌ مَا تَزَالُ مُبَلَّلَةً بِالْأَلْوَانِ.
لَقَدِ انْتَهَى زَمَنُ الْمُخْتَبَرَاتِ…
وَيَبْدَأُ الْآنَ مِحْوَرُ الْفُنُونِ وَالْإِبْدَاعِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
تَحْتَ شَجَرَةِ بَاوْبَابَ عَتِيقَةٍ فِي غَرْبِ أَفْرِيقِيَا، يَجْلِسُ رَجُلٌ ضَرِيرٌ تَجَاوَزَ الثَّمَانِينَ عَامًا، لَا يَحْمِلُ كِتَابًا وَلَا وَرَقَةً، لَكِنَّهُ يَحْمِلُ فِي صَوْتِهِ تَارِيخَ أَجْيَالٍ كَامِلَةٍ. غْرِيُوتٌ يَحْفَظُ أَسْمَاءَ الْأَجْدَادِ، وَالْقِصَصَ، وَالْهَزَائِمَ وَالاِانْتِصَارَاتِ، لَا بِوَصْفِهَا مَعْلُومَاتٍ، بَلْ بِوَصْفِهَا حَيَاةً مَا زَالَتْ تَتَنَفَّسُ فِي الذَّاكِرَةِ الْجَمَاعِيَّةِ.
ثُمَّ يَقُولُ لِسَامِرٍ: “لَا تُحَاوِلْ أَنْ تَحْمِلَ ذَاكِرَتَكَ وَحْدَكَ… اجْمَعْ مَنْ يَعْرِفُونَكَ. قِطْعَةُ خَشَبٍ وَاحِدَةٍ لَا تَصْنَعُ نَارًا.”
أَتْرُكُ الْمِنَصَّةَ لِلْفَرِيقِ، لِافْتِتَاحِ مِحْوَرِ الْفُنُونِ وَالْإِبْدَاعِ.
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى :
اخْتِيَارُ الْغْرِيُوتِ بِدَايَةً لِهَذَا الْمِحْوَرِ مُوَفَّقٌ جِدًّا مِنَ النَّاحِيَةِ الثَّقَافِيَّةِ. فَنَحْنُ أَمَامَ مُؤَسَّسَةٍ حَقِيقِيَّةٍ لَا شَخْصِيَّةٍ رَمْزِيَّةٍ فَقَطْ. فَفِي كَثِيرٍ مِنْ مُجْتَمَعَاتِ غَرْبِ أَفْرِيقِيَا، كَانَ الْغْرِيُوتُ حَافِظًا لِلْأَنْسَابِ وَالتَّارِيخِ وَالسِّيَرِ، وَكَانَتْ كَلِمَتُهُ تَحْمِلُ وَظِيفَةً قَرِيبَةً مِنْ وَظِيفَةِ الْأَرْشِيفِ الْمَكْتُوبِ فِي مُجْتَمَعَاتٍ أُخْرَى.
لَكِنَّ أَكْثَرَ مَا أَعْجَبَنِي أَنَّ الرِّوَايَةَ لَمْ تُقَدِّمْهُ بِاعْتِبَارِهِ شَخْصًا يَمْلِكُ ذَاكِرَةً خَارِقَةً، بَلْ بِاعْتِبَارِهِ جُزْءًا مِنْ مَنْظُومَةٍ كَامِلَةٍ. فَالْغْرِيُوتُ لَا يَحْفَظُ الْمَاضِيَ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنَ الْآخَرِينَ، بَلْ لِأَنَّ الْمُجْتَمَعَ سَلَّمَهُ هَذِهِ الْمُهِمَّةَ.
وَهُنَا يَبْرُزُ سُؤَالٌ أَطْرَحُهُ عَلَى الدُّكْتُورِ بَاسِلٌ: أَتَعْنِي الذَّاكِرَةُ الْجَمَاعِيَّةُ أَنَّ الْفَرْدَ يَفْقِدُ اسْتِقْلَالَهُ، أَمْ إِنَّهَا تَمْنَحُهُ وُجُودًا أَوْسَعَ؟
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
أَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا الْبَابَ يُقَدِّمُ جَوَابًا مُخْتَلِفًا عَنْ مُعْظَمِ الْأَبْوَابِ السَّابِقَةِ. فَسَامِرٌ قَضَى نِصْفَ رِحْلَتِهِ تَقْرِيبًا وَهُوَ يَبْحَثُ عَنْ يَوْمِهِ الْمَفْقُودِ دَاخِلَ نَفْسِهِ: دَاخِلَ دِمَاغِهِ، وَوَعْيِهِ، وَذِكْرَيَاتِهِ الْخَاصَّةِ. أَمَّا الْغْرِيُوتُ فَيَقْلِبُ السُّؤَالَ بِالْكَامِلِ: مَاذَا لَوْ لَمْ تَكُنِ الذَّاكِرَةُ مِلْكَ الْفَرْدِ أَصْلًا؟
وَهَذَا لَا يَعْنِي أَنَّ الْجَمَاعَةَ تُلْغِي الْفَرْدَ، بَلْ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُصْبِحُ نَفْسَهُ إِلَّا عَبْرَ شَبَكَةٍ مِنَ الشَّهَادَاتِ وَالْعَلَاقَاتِ. وَهُوَ امْتِدَادٌ طَبِيعِيٌّ لِلْفِكْرَةِ الَّتِي ظَهَرَتْ سَابِقًا حَوْلَ “أُوبُونْتُو”: أَنَا لَا أَكْتَمِلُ وَحْدِي.
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ :
أَوَدُّ أَنْ أُضِيفَ أَنَّ طَرِيقَةَ حِفْظِ الْغْرِيُوتِ لِلذَّاكِرَةِ مُهِمَّةٌ بِقَدْرِ مُحْتَوَاهَا. فَهُوَ لَا يُخَزِّنُ الْمَعْلُومَاتِ كَمَا يُخَزِّنُ الْحَاسُوبُ مِلَفًّا. الْإِيقَاعُ، وَالنَّبْرَةُ، وَالْحَرَكَةُ، وَالتَّكْرَارُ، كُلُّهَا أَدَوَاتٌ لِلْحِفْظِ.
فَفِي التَّقَالاِيدِ الشَّفَهِيَّةِ، الْأَدَاءُ لَيْسَ مُجَرَّدَ طَرِيقَةٍ لِنَقْلِ النَّصِّ، بَلْ جُزْءٌ مِنَ النَّصِّ نَفْسِهِ. فَالْقِصَّةُ لَا تَعِيشُ فَقَطْ فِي الْكَلِمَاتِ، بَلْ فِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي تُقَالُ بِهَا، وَفِي الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الرَّاوِي وَالْمُسْتَمِعِ.
وَهَذَا يَطْرَحُ سُؤَالًا مُهِمًّا لِسَامِرٍ: إِذَا اسْتَعَادَ يَوْمَهُ الْمَفْقُودَ مِنْ خِلَالاِ الْآخَرِينَ، أَفَتَكُونُ تِلْكَ الذِّكْرَى أَقَلَّ حَقِيقَةً لِأَنَّهَا لَمْ تَأْتِ مِنْ دَاخِلِهِ؟
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
مِنَ النَّاحِيَةِ النَّفْسِيَّةِ، لَا. فَنَحْنُ جَمِيعًا نَبْنِي جُزْءًا كَبِيرًا مِنْ ذَاكِرَتِنَا عَبْرَ الْآخَرِينَ. كَمْ مِنْ أَحْدَاثِ طُفُولَتِنَا لَا نَتَذَكَّرُهَا بِأَنْفُسِنَا، بَلْ نَعْرِفُهَا مِنْ صُوَرِ الْعَائِلَةِ أَوْ قِصَصِ الْوَالاِدَيْنِ أَوْ شَهَادَاتِ مَنْ عَاشُوا مَعَنَا؟
وَالْمُهِمُّ أَلَّا تَتَحَوَّلَ هَذِهِ الشَّهَادَاتُ إِلَى اسْتِبْدَالٍ قَسْرِيٍّ لِصَوْتِ الْإِنْسَانِ الدَّاخِلِيِّ. فَالْغْرِيُوتُ لَا يَقُولُ لِسَامِرٍ: خُذْ ذَاكِرَةَ الْآخَرِينَ بَدَلَ ذَاكِرَتِكَ، بَلْ يَقُولُ لَهُ: لَا تَحْرِمْ نَفْسَكَ مِنَ الذَّاكِرَةِ الَّتِي يَحْمِلُهَا الْآخَرُونَ عَنْكَ.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
وَأَرَى أَنَّ هَذَا الْبَابَ يُمَثِّلُ انْتِقَالًا مُهِمًّا فِي الرِّوَايَةِ. فَفِي الْمَحَاوِرِ السَّابِقَةِ كَانَ السُّؤَالُ غَالاِبًا: كَيْفَ نَسْتَعِيدُ مَا فَقَدْنَاهُ؟ أَمَّا هُنَا فَيَظْهَرُ سُؤَالٌ جَدِيدٌ: مَنْ كَانَ يَحْمِلُ جُزْءًا مِمَّا فَقَدْنَاهُ دُونَ أَنْ نَعْرِفَ؟
وَلِهَذَا فَإِنَّ افْتِتَاحَ مِحْوَرِ الْفُنُونِ بِالْغْرِيُوتِ ذَكِيٌّ جِدًّا؛ لِأَنَّ الْفَنَّ نَفْسَهُ نَوْعٌ مِنَ الذَّاكِرَةِ الْجَمَاعِيَّةِ. الْأُغْنِيَةُ، وَالْحِكَايَةُ، وَالْقَصِيدَةُ، وَاللَّوْحَةُ… كُلُّهَا طُرُقٌ تَجْعَلُ تَجْرِبَةَ فَرْدٍ وَاحِدٍ قَابِلَةً لِأَنْ تُصْبِحَ مِلْكًا لِلْجَمِيعِ.

Section 11

رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
بَعْدَ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ بَابًا كَانَ سَامِرٌ غَالاِبًا فِي مُوَاجَهَةٍ ثُنَائِيَّةٍ مَعَ شَخْصِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، أَمَّا هُنَا فَنَرَاهُ أَمَامَ جَمَاعَةٍ كَامِلَةٍ تَحْتَ شَجَرَةِ الْبَاوْبَابِ. أَكَانَ هَذَا الاِانْتِقَالُ مِنَ الْحِوَارِ الْفَرْدِيِّ إِلَى الْحَلْقَةِ الْجَمَاعِيَّةِ اخْتِيَارًا رَمْزِيًّا مَقْصُودًا لِافْتِتَاحِ مِحْوَرِ الْفُنُونِ؟
الْأُسْتَاذُ نُعْمَان:
نَعَمْ، كَانَ مَقْصُودًا تَمَامًا. شَعَرْتُ أَنَّ الْفَنَّ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَبْدَأَ بِصَوْتٍ مُنْفَرِدٍ فَقَطْ، لِأَنَّ كُلَّ عَمَلٍ فَنِّيٍّ، مَهْمَا خَرَجَ مِنْ عُزْلَةِ الْمُبْدِعِ، يَحْمِلُ دَاخِلَهُ أَصْوَاتًا كَثِيرَةً سَبَقَتْهُ وَاحْتَضَنَتْهُ وَأَعْطَتْهُ مَعْنًى.
وَشَجَرَةُ الْبَاوْبَابِ كَانَتْ بِالنِّسْبَةِ لِي أَكْثَرَ مِنْ مَكَانٍ؛ كَانَتْ صُورَةً لِلرِّوَايَةِ نَفْسِهَا. جُذُورُهَا عَمِيقَةٌ فِي الْمَاضِي، وَجِذْعُهَا قَائِمٌ فِي الْحَاضِرِ، وَظِلَالُهَا تَتَّسِعُ لِمَنْ يَجْلِسُونَ تَحْتَهَا. وَهَكَذَا أَرَى الذَّاكِرَةَ أَيْضًا: لَيْسَتْ صُنْدُوقًا مُغْلَقًا دَاخِلَ الْإِنْسَانِ، بَلْ مَسَاحَةً يَلْتَقِي فِيهَا مَا عِشْتُهُ أَنَا بِمَا عَاشَهُ الْآخَرُونَ عَنِّي.
وَلِذَلِكَ لَمْ أُرِدْ أَنْ يَبْدَأَ مِحْوَرُ الْفُنُونِ بِفَنَّانٍ مُنْعَزِلٍ، بَلْ بِرَاوٍ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مَكْتُوبًا، وَمَعَ ذَلِكَ يَحْمِلُ عَالَمًا كَامِلًا فِي دَاخِلِهِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نُغَادِرُ ظِلَّ الْبَاوْبَابِ وَقَدْ أَدْرَكْنَا أَنَّ الذَّاكِرَةَ، كَالنَّارِ، لَا تَشْتَعِلُ مِنْ قِطْعَةِ خَشَبٍ وَاحِدَةٍ.
وَعَلَى الْبَابِ التَّالاِي يَنْتَظِرُ صَوْتٌ مُخْتَلِفٌ تَمَامًا: امْرَأَةٌ لَا تَسْمَعُ نَغَمَاتِ الْمُوسِيقَى، وَمَعَ ذَلِكَ تَحْمِلُهَا فِي جَسَدِهَا بِطَرِيقَةٍ رُبَّمَا لَمْ يُدْرِكْهَا سَامِرٌ مِنْ قَبْلُ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
فِيينَّا، سَنَةَ أَلْفٍ وَثَمَانِمِئَةٍ وَعِشْرِينَ.
امْرَأَةٌ فَقَدَتِ السَّمْعَ تَمَامًا، لَكِنَّهَا لَمْ تَفْقِدِ الْمُوسِيقَى. تَقِفُ أَمَامَ آلَةٍ لَا تَسْمَعُ أَصْوَاتَهَا كَمَا يَسْمَعُهَا الْآخَرُونَ، بَلْ تَسْتَقْبِلُهَا عَبْرَ جَسَدِهَا وَذَاكِرَتِهَا الْعَمِيقَةِ. تَشْرَحُ لِسَامِرٍ أَنَّ بَعْضَ الْأَلْحَانِ لَا تَسْكُنُ الْأُذُنَ، بَلْ تَسْكُنُ مَكَانًا أَقْدَمَ وَأَعْمَقَ فِي الْإِنْسَانِ؛ مَكَانًا لَا تَصِلُ إِلَيْهِ الْحَوَاسُّ وَحْدَهَا.
تُقَدِّمُ لَهُ فِكْرَةً مُقْلِقَةً وَجَمِيلَةً فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ: رُبَّمَا لَيْسَتْ كُلُّ الذِّكْرَيَاتِ الَّتِي نَبْحَثُ عَنْهَا مَوْجُودَةً فِي وَعْيِنَا الْمُبَاشِرِ، وَرُبَّمَا يَحْتَفِظُ الْجَسَدُ وَالرُّوحُ بِمَا يَعْجِزُ الْعَقْلُ عَنِ اسْتِعَادَتِهِ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
هَذَا مِنْ أَكْثَرِ الْفُصُولِ حَسَاسِيَّةً فِي تَعَامُلِهِ مَعَ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْفَقْدِ وَالْقُدْرَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ. فَالتَّجْرِبَةُ تَسْتَحْضِرُ بِوُضُوحٍ حَالَةً تَارِيخِيَّةً مَعْرُوفَةً، لَكِنَّ إِعَادَةَ صِيَاغَتِهَا مِنْ خِلَالاِ شَخْصِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمْنَحُ الْفِكْرَةَ اسْتِقْلَالًا أَكْبَرَ.
عِلْمِيًّا، مَا تَصِفُهُ الْمُوسِيقِيَّةُ مُمْكِنٌ وَمُوَثَّقٌ مِنْ حَيْثُ الْمَبْدَأِ: فَإِدْرَاكُ الْمُوسِيقَى لَا يَعْتَمِدُ عَلَى الْأُذُنِ وَحْدَهَا، بَلْ عَلَى شَبَكَةٍ مُعَقَّدَةٍ تَشْمَلُ الْمَعَالِجَةَ السَّمْعِيَّةَ وَالذَّاكِرَةَ وَالِانْتِبَاهَ وَالْإِحْسَاسَ الْجَسَدِيَّ بِالاهْتِزَازَاتِ وَالْإِيقَاعِ. وَلَا يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ الْجَسَدَ يَسْتَمِرُّ فِي سَمَاعِ الصَّوْتِ بَعْدَ فَقْدِ السَّمْعِ، بَلْ أَنَّ التَّجْرِبَةَ الْمُوسِيقِيَّةَ قَدْ تَعْتَمِدُ أَيْضًا عَلَى مَسَارَاتٍ حِسِّيَّةٍ وَذِهْنِيَّةٍ غَيْرِ السَّمْعِ الْمُبَاشِرِ.
وَالْأَهَمُّ أَنَّ الْفَصْلَ لَا يُقَدِّمُ فُقْدَانَ السَّمْعِ كَأَنَّهُ “هَدِيَّةٌ مُخْفَاةٌ”، بَلْ كَخَسَارَةٍ حَقِيقِيَّةٍ تَعَامَلَتْ مَعَهَا الشَّخْصِيَّةُ بِطَرِيقَةٍ خَلَّاقَةٍ. وَهَذَا التَّوَازُنُ هُوَ مَا يَمْنَحُهُ صِدْقَهُ الْإِنْسَانِيَّ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
أَرَى أَنَّ هَذَا الْبَابَ يُعِيدُ صِيَاغَةَ سُؤَالاِ الرِّوَايَةِ الْأَسَاسِيِّ بِطَرِيقَةٍ جَدِيدَةٍ: أَيْنَ تَسْكُنُ الْأَشْيَاءُ الَّتِي نَظُنُّ أَنَّنَا فَقَدْنَاهَا؟
فَالْمُوسِيقِيَّةُ لَا تَقُولُ إِنَّ الصَّوْتَ لَمْ يَخْتَفِ، بَلْ تَقُولُ إِنَّ أَثَرَهُ انْتَقَلَ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ. وَهَذَا يَرْبِطُهُ مُبَاشَرَةً بِمَا رَأَيْنَاهُ مَعَ النَّجْمَةِ الْبَعِيدَةِ، وَاللُّغَةِ الْمُنْقَرِضَةِ، وَالذَّاكِرَةِ الْمَوْرُوثَةِ: الْوُجُودُ لَا يَبْقَى دَائِمًا فِي شَكْلِهِ الْأَوَّلِ، لَكِنَّهُ قَدْ يَسْتَمِرُّ فِي صُورَةٍ أُخْرَى.
وَجُمْلَتُهَا الَّتِي تَقُولُ إِنَّ الْمُوسِيقَى لَمْ تَكُنْ فِي أُذُنِهَا بَلْ فِي دَاخِلِهَا، تَفْتَحُ سُؤَالًا فَلْسَفِيًّا عَمِيقًا: أَالْإِنْسَانُ هُوَ مَجْمُوعُ مَا يَسْتَقْبِلُهُ مِنَ الْعَالَمِ، أَمْ مَجْمُوعُ مَا يَتْرُكُهُ الْعَالَمُ فِيهِ بَعْدَ أَنْ يُغَادِرَ؟
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ :
يَلْفِتُنِي أَنَّ هَذَا الْفَصْلَ لَا يَتَحَدَّثُ عَنِ الْمُوسِيقَى بِوَصْفِهَا أَصْوَاتًا فَقَطْ، بَلْ بِوَصْفِهَا لُغَةً سَابِقَةً لِلْكَلِمَاتِ.
فَالْإِيقَاعُ، وَالتَّكْرَارُ، وَالتَّنَاغُمُ، كُلُّهَا عَنَاصِرُ تَشْتَرِكُ فِيهَا الْمُوسِيقَى وَاللُّغَةُ وَالذَّاكِرَةُ. لِذَلِكَ فَإِنَّ تَجْرِبَةَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ تَقْتَرِبُ مِنْ تَجْرِبَةِ الْغْرِيُوتِ السَّابِقَةِ: ثَمَّةَ مَعْرِفَةٌ لَا تَحْفَظُهَا الْجُمَلُ وَحْدَهَا، بَلْ تَحْفَظُهَا الْبِنْيَةُ وَالْإِيقَاعُ وَالْجَسَدُ.
وَكَأَنَّ الرِّوَايَةَ تَقُولُ إِنَّ بَعْضَ أَشْكَالاِ الذَّاكِرَةِ لَا تُقْرَأُ، بَلْ تُؤَدَّى.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
أَهَمُّ مَا يُمَيِّزُ هَذَا الْفَصْلَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ فِي الْفَخِّ الشَّائِعِ الَّذِي يُحَوِّلُ الْمُعَانَاةَ إِلَى أُسْطُورَةٍ جَمِيلَةٍ فَقَطْ.
فَالشَّخْصِيَّةُ لَا تَنْتَصِرُ لِأَنَّهَا فَقَدَتِ السَّمْعَ، بَلْ لِأَنَّهَا وَجَدَتْ طَرِيقَةً جَدِيدَةً لِلتَّعَامُلِ مَعَ مَا فَقَدَتْهُ. وَهَذِهِ نُقْطَةٌ أَخْلَاقِيَّةٌ مُهِمَّةٌ: الْأَلَمُ لَيْسَ مَصْدَرَ الْعَبْقَرِيَّةِ تِلْقَائِيًّا، لَكِنَّهُ قَدْ يُصْبِحُ جُزْءًا مِنْ رِحْلَةِ الْإِنْسَانِ حِينَ يَمْتَلِكُ الْقُدْرَةَ عَلَى إِعَادَةِ بِنَاءِ عَلَاقَتِهِ بِهِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
سُؤَالٌ أَخِيرٌ: اخْتَرْتَ أَلَّا تُسَمِّيَ هَذِهِ الشَّخْصِيَّةَ بِاسْمِ الْمُوسِيقَارِ الَّذِي تُشِيرُ إِلَيْهِ التَّجْرِبَةُ ضِمْنًا، رَغْمَ أَنَّ الْإِشَارَةَ وَاضِحَةٌ، كَمَا فَعَلْتَ مَعَ شَخْصِيَّاتٍ أُخْرَى مُسْتَوْحَاةٍ مِنْ أَسْمَاءَ تَارِيخِيَّةٍ مَعْرُوفَةٍ. أَكَانَ الْهَدَفُ تَحْرِيرَ التَّجْرِبَةِ مِنْ شُهْرَةِ صَاحِبِهَا، أَمْ مَنْحَ مَسَاحَةٍ أَكْبَرَ لِفِكْرَةِ أَنَّ الْمُعْجِزَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ لَا تَنْتَمِي إِلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ؟
الْأُسْتَاذُ نُعْمَان:
كَانَ الْهَدَفُ الْأَمْرَيْنِ مَعًا.
فَالشَّخْصِيَّاتُ التَّارِيخِيَّةُ الْكُبْرَى تَحْمِلُ مَعَهَا ضَوْءًا قَوِيًّا قَدْ يَحْجُبُ الْفِكْرَةَ نَفْسَهَا. حِينَ أَذْكُرُ اسْمًا مَشْهُورًا، يَدْخُلُ الْقَارِئُ مُبَاشَرَةً إِلَى مِنْطَقَةٍ يَعْرِفُهَا مُسْبَقًا: الْعَبْقَرِيَّةُ، وَالصَّمَمُ، وَالْأُسْطُورَةُ الْمُكْتَمِلَةُ.
لَكِنِّي كُنْتُ أُرِيدُ شَيْئًا آخَرَ هُنَا: أَنْ نَنْسَى الاِاسْمَ وَنَبْقَى أَمَامَ الْإِنْسَانِ. أَمَامَ امْرَأَةٍ فَقَدَتْ نَافِذَةً أَسَاسِيَّةً مِنْ نَوَافِذِ الْعَالَمِ، ثُمَّ اكْتَشَفَتْ أَنَّ الْعَالَمَ لَمْ يُغَادِرْهَا بِالْكَامِلِ.

Section 12

أَرَدْتُ أَنْ تُصْبِحَ التَّجْرِبَةُ إِنْسَانِيَّةً قَبْلَ أَنْ تَكُونَ تَارِيخِيَّةً؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ الَّذِي يُهِمُّ سَامِرًا لَيْسَ: “مَنْ كَانَ هَذَا الشَّخْصُ؟” بَلْ: “مَا الَّذِي يَبْقَى فِي الْإِنْسَانِ حِينَ يُنْتَزَعُ مِنْهُ شَيْءٌ كَانَ يَظُنُّهُ جُزْءًا مِنْ هُوِيَّتِهِ؟”
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نَتَوَقَفُ وَقَدْ أَدْرَكْنَا أَنَّ الصَّمْتَ الَّذِي عَاشَتْهُ هَذِهِ الْمَرْأَةُ لَمْ يَكُنْ فَرَاغًا، بَلْ كَانَ نَوْعًا آخَرَ مِنَ الاِاسْتِمَاعِ.
وَعَلَى الْبَابِ التَّالاِي يَنْتَظِرُ صَوْتٌ جَدِيدٌ سَيَقُودُ سَامِرًا إِلَى سُؤَالٍ مُخْتَلِفٍ عَنِ الْفَنِّ وَالْمَعْنَى.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
أُوفِيرْ-سُورْ-وَازْ، سَنَةَ أَلْفٍ وَثَمَانِمِئَةٍ وَتِسْعِينَ.
رَسَّامٌ يَجْلِسُ أَمَامَ قِمَاشِهِ، لَا يَمْلِكُ سِوَى أَلْوَانِهِ وَإِيمَانِهِ بِمَا يَرَى. الْعَالَمُ مِنْ حَوْلِهِ لَا يَفْهَمُهُ، وَالنُّقَّادُ يَمُرُّونَ أَمَامَ لَوْحَاتِهِ دُونَ أَنْ يَرَوْا مَا يَرَاهُ هُوَ.
يَقِفُ سَامِرٌ أَمَامَ سُؤَالٍ لَمْ يُوَاجِهْهُ مِنْ قَبْلُ: إِذَا كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ سَيُصْبِحُ بَعْدَ رَحِيلِهِ وَاحِدًا مِنْ أَشْهَرِ فَنَّانِي الْعَالَمِ، أَفَيَمْلِكُ الْحَقَّ فِي أَنْ يُخْبِرَهُ؟ أَيَمْنَحُهُ مَعْرِفَةً قَدْ تَمْنَحُهُ الْعَزَاءَ، أَمْ يَسْلُبُ مِنْهُ تَجْرِبَةَ الْبَحْثِ الَّتِي صَنَعَتْ فَنَّهُ؟
اسْتِحْضَارٌ وَاضِحٌ لِتَجْرِبَةِ فَنَّانٍ هُولَنْدِيٍّ شَهِيرٍ، لَكِنَّ السُّؤَالَ هُنَا يَتَجَاوَزُ الْفَنَّانَ نَفْسَهُ لِيَصِلَ إِلَى مَعْنَى الْإِبْدَاعِ، وَقِيمَةِ الطَّرِيقِ قَبْلَ الْوُصُولِ.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
يَسْتَحْضِرُ الْفَصْلُ التَّجْرِبَةَ التَّارِيخِيَّةَ الْمَعْرُوفَةَ بِدِقَّةٍ كَبِيرَةٍ، دُونَ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى إِعَادَةِ سَرْدٍ لِسِيرَتِهَا.
فَتَفَاصِيلُ الْحَيَاةِ الْأَسَاسِيَّةُ حَاضِرَةٌ: الْفَقْرُ، وَالْعُزْلَةُ، وَسُوءُ الْفَهْمِ الَّذِي وَاجَهَ الْفَنَّ فِي حَيَاةِ صَاحِبِهِ، وَاعْتِمَادُهُ عَلَى دَعْمِ أَخِيهِ، ثُمَّ الاِاعْتِرَافُ الْعَالَمِيُّ الَّذِي جَاءَ بَعْدَ رَحِيلِهِ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ.
لَكِنَّ الْقِيمَةَ الْحَقِيقِيَّةَ فِي هَذَا الْبَابِ لَيْسَتْ فِي قِصَّةِ الْفَنَّانِ الَّذِي لَمْ يُقَدَّرْ، بَلْ فِي السُّؤَالاِ الَّذِي يَطْرَحُهُ سَامِرٌ: أَيُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَعِيشَ التَّجْرِبَةَ نَفْسَهَا إِذَا عَرَفَ نِهَايَتَهَا مُسْبَقًا؟
وَهُنَا يَنْتَقِلُ الْفَصْلُ مِنَ السِّيرَةِ الْفَنِّيَّةِ إِلَى سُؤَالٍ إِنْسَانِيٍّ عَامٍّ عَنِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْمَعْنَى وَالزَّمَنِ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
هَذِهِ مِنْ أَعْمَقِ الْمُعْضِلَاتِ الْأَخْلَاقِيَّةِ الَّتِي وَاجَهَهَا سَامِرٌ حَتَّى الْآنَ.
فَالْمَعْرِفَةُ بِالْمُسْتَقْبَلِ تَبْدُو فِي ظَاهِرِهَا هَدِيَّةً، لَكِنَّهَا قَدْ تَكُونُ عِبْئًا أَيْضًا. فَالْإِنْسَانُ لَا يَصْنَعُ نَفْسَهُ بِالنَّتِيجَةِ فَقَطْ، بَلْ بِالْجَهْلِ، وَالْبَحْثِ، وَالشَّكِّ، وَالْمُحَاوَلَاتِ الَّتِي لَا يَعْرِفُ إِلَى أَيْنَ سَتَقُودُهُ.
فَلَوْ أَخْبَرَهُ سَامِرٌ بِأَنَّهُ سَيُصْبِحُ عَظِيمًا بَعْدَ مَوْتِهِ، فَقَدْ يَمْنَحُهُ عَزَاءً، لَكِنَّهُ قَدْ يُغَيِّرُ طَبِيعَةَ عَلَاقَتِهِ بِالْفَنِّ نَفْسِهِ. رُبَّمَا سَيُصْبِحُ يَرْسُمُ مِنْ أَجْلِ الاِاعْتِرَافِ الْقَادِمِ بَدَلَ أَنْ يَرْسُمَ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ إِلَّا أَنْ يَرْسُمَ.
وَالْجَمِيلُ فِي الْفَصْلِ أَنَّهُ لَا يُقَدِّمُ إِجَابَةً مُطْلَقَةً، بَلْ يَتْرُكُ الْقَرَارَ أَخْلَاقِيًّا وَشَخْصِيًّا: أَحْيَانًا تَكُونُ الْحَقِيقَةُ رَحْمَةً، وَأَحْيَانًا تَكُونُ تَدَخُّلًا فِي حُرِّيَّةِ الْإِنْسَانِ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
أَهَمُّ تَحَوُّلٍ نَفْسِيٍّ فِي حَدِيثِ الرَّسَّامِ هُوَ انْتِقَالُهُ مِنِ انْتِظَارِ الاِاعْتِرَافِ الْخَارِجِيِّ إِلَى اكْتِشَافِ قِيمَةِ الْفِعْلِ ذَاتِهِ.
فَالْإِنْسَانُ يَحْتَاجُ بِطَبِيعَتِهِ إِلَى أَنْ يُرَى وَيُقَدَّرَ، وَهَذَا أَمْرٌ صِحِّيٌّ وَلَيْسَ ضَعْفًا. لَكِنَّ هُنَاكَ مَرْحَلَةً أَكْثَرَ نُضْجًا يُصْبِحُ فِيهَا مَعْنَى الْعَمَلِ نَابِعًا مِنَ الْعَلَاقَةِ الدَّاخِلِيَّةِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَمَا يَفْعَلُهُ.
فَالرَّسَّامُ لَا يُنْكِرُ أَلَمَ التَّجَاهُلِ، وَلَا يَدَّعِي أَنَّ الاِاعْتِرَافَ الْمُتَأَخِّرَ يُعَوِّضُ كُلَّ شَيْءٍ، لَكِنَّهُ يَكْتَشِفُ أَنَّ قِيمَةَ اللَّوْحَةِ لَمْ تَبْدَأْ يَوْمَ صَفَّقَ لَهَا الْآخَرُونَ؛ كَانَتْ مَوْجُودَةً مُنْذُ لَحْظَةِ وِلَادَتِهَا.
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ :
أَرَى أَنَّ أَجْمَلَ اسْتِعَارَةٍ فِي هَذَا الْفَصْلِ هِيَ اللَّوْحَةُ غَيْرُ الْمُكْتَمِلَةِ.
فَهِيَ تُشْبِهُ ذَاكِرَةَ سَامِرٍ نَفْسَهَا: شَيْءٌ لَمْ يَصِلْ بَعْدُ إِلَى صُورَتِهِ النِّهَائِيَّةِ، لَكِنَّهُ يَحْمِلُ قِيمَتَهُ أَثْنَاءَ تَشَكُّلِهِ.
فَنَحْنُ نَمِيلُ دَائِمًا إِلَى تَقْيِيمِ الْأَشْيَاءِ مِنْ نِهَايَاتِهَا: أَنَجَحَتْ؟ أَاكْتَمَلَتْ؟ أَاعْتَرَفَ بِهَا الْآخَرُونَ؟ أَمَّا الْفَنَّانُ فَيُذَكِّرُنَا بِأَنَّ ثَمَّةَ جَمَالًا خَاصًّا لِلَحْظَةِ الَّتِي تَقَعُ بَيْنَ الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ؛ حَيْثُ لَا يَكُونُ الطَّرِيقُ مُجَرَّدَ وَسِيلَةٍ لِلْوُصُولِ، بَلْ يُصْبِحُ جُزْءًا مِنَ الْمَعْنَى نَفْسِهِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
هَذَا أَوَّلُ بَابٍ لَا يَكُونُ فِيهِ سَامِرٌ مُجَرَّدَ مُسْتَمِعٍ لِلْحِكْمَةِ، بَلْ يَجِدُ نَفْسَهُ أَمَامَ قَرَارٍ أَخْلَاقِيٍّ حَقِيقِيٍّ: أَيَكْشِفُ لِإِنْسَانٍ مَا يَنْتَظِرُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَمْ يَتْرُكُ لَهُ حَقَّ عَيْشِ مَجْهُولِهِ؟ أَكَانَ هَذَا التَّحَوُّلُ مَقْصُودًا مَعَ اقْتِرَابِ الرِّحْلَةِ مِنْ مَرَاحِلِهَا الْأَخِيرَةِ؟
الْأُسْتَاذُ نُعْمَان:
كَانَ مَقْصُودًا تَمَامًا.
مُنْذُ بِدَايَةِ الرِّحْلَةِ كَانَ سَامِرٌ يَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ يَخُصُّهُ: يَوْمَهُ الْمَفْقُودَ، وَذَاكِرَتَهُ الْغَائِبَةَ، وَالْجُزْءَ الَّذِي يَشْعُرُ أَنَّهُ انْفَصَلَ عَنْهُ. وَكَانَ أَغْلَبُ مَا يَتَلَقَّاهُ مِنَ الشَّخْصِيَّاتِ السَّابِقَةِ أَشْبَهَ بِالْمَرَايَا الَّتِي تُسَاعِدُهُ عَلَى رُؤْيَةِ نَفْسِهِ مِنْ زَوَايَا جَدِيدَةٍ.
لَكِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَنْضَجُ بِالْمَعْرِفَةِ وَحْدَهَا؛ يَنْضَجُ حِينَ يُصْبِحُ مَسْؤُولًا عَنْ أَثَرِ هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ عَلَى الْآخَرِينَ.
لِذَلِكَ كَانَ هَذَا الْبَابُ نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ: لَمْ يَعُدِ السُّؤَالُ فَقَطْ “مَاذَا أَتَعَلَّمُ؟”، بَلْ أَصْبَحَ “مَاذَا أَفْعَلُ بِمَا تَعَلَّمْتُهُ؟”.
أَرَدْتُ أَنْ يَبْدَأَ سَامِرٌ بِالاِانْتِقَالاِ مِنْ بَاحِثٍ عَنْ أَثَرٍ مَفْقُودٍ إِلَى شَخْصٍ قَادِرٍ عَلَى حِمَايَةِ أَثَرِ الْآخَرِينَ، حَتَّى لَوْ كَانَ ذَلِكَ يَعْنِي احْتِرَامَ حَقِّهِمْ فِي خَوْضِ طَرِيقِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نَتَوَقَفُ عَلَى قَلَمٍ وَأَوْرَاقٍ مُتَطَايِرَةٍ، وَكَلِمَاتٍ بِلُغَةٍ لَا يَعْرِفُهَا سَامِرٌ.
شَاعِرَةٌ تَكْتُبُ فِي مَنْفَاهَا بِلُغَةٍ يَقِلُّ عَدَدُ قُرَّائِهَا، لَكِنَّهَا تَعْرِفُ أَنَّ مَوْتَ اللُّغَةِ لَا يَبْدَأُ حِينَ تَخْتَفِي الْكَلِمَاتُ، بَلْ حِينَ يَتَوَقَّفُ أَحَدٌ عَنْ حَمْلِهَا.


الجلسة الرابعة


الجلسة الثانية