اللَّوْحَةُ الَّتِي لَمْ تُرْسَمْ بَعْدُ
الرِوَايَةُ الكَامِلَةُ
كَانَتِ السَّاعَةُ تَقْتَرِبُ مِنَ الرَّابِعَةِ بَعْدَ الظُّهْرِ حِينَ وَضَعَتْ رِيمَا نَجَّارٍ فُرْشَاتَهَا جَانِبًا، وَتَرَاجَعَتْ خُطْوَتَيْنِ إِلَى الْوَرَاءِ لِتَتَأَمَّلَ اللَّوْحَةَ الْمُمَدَّدَةَ أَمَامَهَا عَلَى الطَّاوِلَةِ الْمَائِلَةِ.
لَوْحَةٌ فَلَمَنْكِيَّةٌ مِنَ الْقَرْنِ السَّابِعَ عَشَرَ، وَصَلَتْ إِلَى قِسْمِ التَّرْمِيمِ فِي الْمَتْحَفِ قَبْلَ ثَلَاثَةِ أَسَابِيعَ، مُحَمَّلَةً بِطَبَقَاتٍ مِنَ الْوَرْنِيشِ الْمُصْفَرِّ الَّذِي أَخْفَى تَفَاصِيلَ الْوَجْهِ الْمَرْكَزِيِّ فِيهَا تَمَامًا:
امْرَأَةٌ تَجْلِسُ قُرْبَ نَافِذَةٍ، يَدَاهَا مُتَشَابِكَتَانِ فِي حِجْرِهَا، وَعَيْنَاهَا مُوَجَّهَتَانِ إِلَى نُقْطَةٍ لَا تُرَى خَارِجَ إِطَارِ اللَّوْحَةِ، كَأَنَّهَا تَنْتَظِرُ أَحَدًا لَنْ يَأْتِيَ.
“لَا يَزَالُ هُنَاكَ بُقْعَةٌ عَنِيدَةٌ عِنْدَ الزَّاوِيَةِ الْيُسْرَى،”
قَالَتْ كْلَارَا، زَمِيلَتُهَا فِي الْقِسْمِ، وَهِيَ تَقْتَرِبُ حَامِلَةً كُوبَيْنِ مِنَ الْقَهْوَةِ. “أَنْتِ تَعْمَلِينَ عَلَى هَذِهِ اللَّوْحَةِ مُنْذُ الصَّبَاحِ دُونَ تَوَقُّفٍ.”
ابْتَسَمَتْ رِيمَا وَأَخَذَتْ أَحَدَ الْكُوبَيْنِ.
“الْوَجْهُ بَدَأَ يَظْهَرُ أَخِيرًا. أَتُلَاحِظِينَ؟ كَانَتِ الطَّبَقَةُ السُّفْلَى تُخْفِي تَعْبِيرًا مُخْتَلِفًا تَمَامًا عَمَّا تَوَقَّعْنَاهُ.
الْمَرْأَةُ لَا تَبْتَسِمُ كَمَا كُنَّا نَظُنُّ، إِنَّهَا… قَلِقَةٌ.”
“رُبَّمَا كَانَتْ تَنْتَظِرُ خِطَابًا لَمْ يَصِلْ أَبَدًا،”
قَالَتْ كْلَارَا وَهِيَ تَحْتَسِي قَهْوَتَهَا.
“هَذَا مَا يَحْدُثُ دَائِمًا فِي هَذِهِ اللَّوْحَاتِ الْقَدِيمَةِ: حِكَايَةٌ مَدْفُونَةٌ تَحْتَ طَبَقَةٍ مِنَ الْوَرْنِيشِ، وَنَحْنُ نُمْضِي أَعْمَارَنَا فِي كَشْطِهَا بِصَبْرِ الرُّهْبَانِ.”
ضَحِكَتْ رِيمَا بِهُدُوءٍ. كَانَتْ تُحِبُّ هَذَا الْجُزْءَ مِنْ عَمَلِهَا أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ: تِلْكَ اللَّحْظَةُ الَّتِي تَنْكَشِفُ فِيهَا الْحَقِيقَةُ تَحْتَ الطَّبَقَاتِ الْمُتَرَاكِمَةِ مِنَ الزَّمَنِ وَالْإِهْمَالِ.
أَرْبَعَةٌ وَثَلَاثُونَ عَامًا مِنْ حَيَاتِهَا الْقَصِيرَةِ نِسْبِيًّا، أَمْضَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا مِنْهَا فِي هَذِهِ الْغُرْفَةِ الْهَادِئَةِ الْمُطِلَّةِ عَلَى شَارِعٍ مَرْصُوفٍ بِالْحِجَارَةِ فِي قَلْبِ فِيينَا، تُعِيدُ لِلْوُجُوهِ الْقَدِيمَةِ مَلَامِحَهَا الْمَنْسِيَّةَ.
وُلِدَتْ فِي دِمَشْقَ، لَكِنَّهَا لَا تَحْمِلُ مِنْ تِلْكَ الْمَدِينَةِ سِوَى شَذَرَاتٍ مُتَنَاثِرَةٍ:
رَائِحَةُ يَاسَمِينٍ فِي فِنَاءٍ لَمْ تَعُدْ تَذْكُرُ شَكْلَهُ بِدِقَّةٍ، وَصَوْتُ امْرَأَةٍ تُغَنِّي فِي مَطْبَخٍ ضَيِّقٍ، وَيَدٌ كَبِيرَةٌ دَافِئَةٌ تُمْسِكُ يَدَهَا الصَّغِيرَةَ وَهُمَا يَعْبُرَانِ شَارِعًا مُزْدَحِمًا.
كَانَتْ هَذِهِ الذِّكْرَيَاتُ أَشْبَهَ بِصُوَرٍ مُمَزَّقَةٍ، حَوَافُّهَا مَفْقُودَةٌ إِلَى الْأَبَدِ، لَا يُمْكِنُهَا أَبَدًا أَنْ تَجْمَعَهَا فِي مَشْهَدٍ كَامِلٍ مَهْمَا حَاوَلَتْ.
هَاجَرَتِ الْعَائِلَةُ حِينَ كَانَتْ فِي الرَّابِعَةِ مِنْ عُمْرِهَا، فِي ظُرُوفٍ لَمْ تَفْهَمْ يَوْمًا تَفَاصِيلَهَا الْكَامِلَةَ؛ كَانَ وَالِدُهَا يَتَحَدَّثُ عَنْهَا بِحَذَرٍ شَدِيدٍ كُلَّمَا سَأَلَتْ، وَكَانَتْ وَالِدَتُهَا تَبْكِي بِصَمْتٍ كُلَّمَا ذُكِرَتْ دِمَشْقُ فِي حَدِيثٍ عَابِرٍ، ثُمَّ تُغَيِّرُ الْمَوْضُوعَ بِسُرْعَةٍ. اسْتَقَرَّتِ الْعَائِلَةُ فِي فِيينَا، حَيْثُ بَدَأَ وَالِدُهَا عَمَلًا مُتَوَاضِعًا فِي التِّجَارَةِ، وَنَجَحَ مَعَ الْوَقْتِ فِي بِنَاءِ حَيَاةٍ مُسْتَقِرَّةٍ.
ثُمَّ مَاتَ وَالِدَاهَا مَعًا فِي حَادِثِ سَيَّارَةٍ عَلَى طَرِيقٍ جَبَلِيٍّ حِينَ كَانَتْ رِيمَا فِي السَّادِسَةَ عَشْرَةَ، عَائِدَةً مِنْ رِحْلَةٍ مَدْرَسِيَّةٍ قَصِيرَةٍ لَمْ تَكُنْ مَعَهُمَا فِيهَا، وَهُوَ مَا اعْتَبَرَتْهُ عَلَى مَدَى سَنَوَاتٍ نَجَاةً عَبَثِيَّةً لَا تَسْتَحِقُّهَا.
تَوَلَّى عَمُّهَا كَمَالٌ رِعَايَتَهَا مُنْذُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْمَشْؤُومَةِ، رَغْمَ أَنَّهُ كَانَ يُقِيمُ غَالِبَ وَقْتِهِ بَيْنَ دُبَيَّ وَبَيْرُوتَ، رَجُلُ أَعْمَالٍ نَاجِحٌ وَمَشْغُولٌ دَائِمًا، مُكْتَفِيًا بِمُكَالَمَاتٍ هَاتِفِيَّةٍ دَوْرِيَّةٍ قَصِيرَةٍ، وَتَحْوِيلَاتٍ مَصْرِفِيَّةٍ سَخِيَّةٍ غَطَّتْ دِرَاسَتَهَا الْجَامِعِيَّةَ بِأَكْمَلِهَا، لَكِنَّهَا لَمْ تَسُدَّ يَوْمًا فَرَاغَ الْعَائِلَةِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي افْتَقَدَتْهَا. كَانَ لَطِيفًا مَعَهَا دَائِمًا، مُهَذَّبًا، كَرِيمًا، لَكِنَّهُ أَيْضًا كَانَ بَعِيدًا بِطَرِيقَةٍ يَصْعُبُ وَصْفُهَا بِدِقَّةٍ، كَأَنَّ هُنَاكَ جِدَارًا زُجَاجِيًّا شَفَّافًا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا، تَرَاهُ لَكِنْ لَا تَسْتَطِيعُ اخْتِرَاقَهُ مَهْمَا حَاوَلَتْ.
“أَسَتَأْتِينَ إِلَى الْمُعَايَنَةِ الْخَاصَّةِ اللَّيْلَةَ؟” سَأَلَتْ كْلَارَا، مُقَاطِعَةً تَأَمُّلَاتِهَا.
“بَيْتُ الْمَزَادَاتِ يَفْتَتِحُ صَالَةً جَدِيدَةً، وَهُنَاكَ قِطْعَتَانِ قَدْ تَهُمَّانِكِ، مِنْ مَجْمُوعَةٍ سُورِيَّةٍ خَاصَّةٍ وَصَلَتْ حَدِيثًا مِنْ إِسْطَنْبُولَ.”
“رُبَّمَا،”
قَالَتْ رِيمَا دُونَ أَنْ تَرْفَعَ عَيْنَيْهَا عَنِ اللَّوْحَةِ.
“أَنْهَيْتُ لِتَوِّي هَذَا الْجُزْءَ، وَأُرِيدُ أَنْ أُثَبِّتَ الطَّبَقَةَ قَبْلَ أَنْ أُغَادِرَ.”
عَمِلَتْ فِي صَمْتٍ لِسَاعَةٍ أُخْرَى، تُمَرِّرُ الْقُطْنَةَ الْمُبَلَّلَةَ بِالْمُذِيبِ بِرِفْقٍ فَوْقَ سَطْحِ الْقُمَاشِ، فَتَنْكَشِفُ تَفَاصِيلُ جَدِيدَةٌ:
ظِلٌّ خَفِيفٌ تَحْتَ الْعَيْنِ الْيُسْرَى، وَرْدَةٌ صَغِيرَةٌ مُطَرَّزَةٌ عَلَى طَرَفِ كُمِّهَا، وَخَيْطٌ رَفِيعٌ مِنَ الضَّوْءِ يَسْقُطُ عَلَى جَبِينِهَا مِنْ نَافِذَةٍ لَا تَظْهَرُ فِي اللَّوْحَةِ نَفْسِهَا.
كَانَتْ هَذِهِ اللَّحَظَاتُ هِيَ الَّتِي تَجْعَلُهَا تَنْسَى الْوَقْتَ تَمَامًا؛ حِينَ تَتَحَوَّلُ اللَّوْحَةُ مِنْ سَطْحٍ جَامِدٍ بَاهِتٍ إِلَى نَافِذَةٍ عَلَى حَيَاةٍ كَامِلَةٍ، حَيَاةِ شَخْصٍ عَاشَ وَأَحَبَّ وَانْتَظَرَ، وَرُبَّمَا مَاتَ مُنْتَظِرًا شَيْئًا لَمْ يَصِلْ أَبَدًا.
مَرَّ بِهَا مُدِيرُ الْقِسْمِ، الْبْرُوفِيسُورُ شْتَايْنَرُ، رَجُلٌ فِي السِّتِّينَ اعْتَادَ أَنْ يَتَفَقَّدَ وَرْشَاتِ التَّرْمِيمِ فِي نِهَايَةِ كُلِّ يَوْمٍ.
“عَمَلٌ رَائِعٌ كَالْعَادَةِ يَا رِيمَا،”
قَالَ وَهُوَ يَتَفَحَّصُ اللَّوْحَةَ.
“بِالْمُنَاسَبَةِ، أَسَمِعْتِ عَنْ مَجْمُوعَةِ الْقِطَعِ السُّورِيَّةِ الَّتِي وَصَلَتْ إِلَى بَيْتِ الْمَزَادَاتِ هَذَا الْأُسْبُوعَ؟ يَبْدُو أَنَّهَا مِنْ تَرِكَةِ عَائِلَةٍ دِمَشْقِيَّةٍ قَدِيمَةٍ، تَصَفَّتْ مُقْتَنَيَاتُهَا بَعْدَ وَفَاةِ آخِرِ وَرَثَتِهَا فِي إِسْطَنْبُولَ.
رُبَّمَا تُحِبِّينَ أَنْ تُلْقِيَ نَظْرَةً عَلَيْهَا بِحُكْمِ خَلْفِيَّتِكِ.”
“سَمِعْتُ شَيْئًا مِنْ كْلَارَا، نَعَمْ،” قَالَتْ رِيمَا، وَقَدْ شَعَرَتْ لِلَحْظَةٍ بِفُضُولٍ عَابِرٍ لَمْ تُدْرِكْ حِينَهَا أَنَّهُ سَيُصْبِحُ، خِلَالَ سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ، تَفْصِيلَةً صَغِيرَةً فِي مَشْهَدٍ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَتَخَيَّلُ.
“افْعَلِي ذَلِكَ،”
قَالَ شْتَايْنَرُ وَهُوَ يَسْتَدِيرُ لِلْمُغَادَرَةِ.
“أَحْيَانًا تَحْمِلُ هَذِهِ الْمَجْمُوعَاتُ الْمُتَفَرِّقَةُ مُفَاجَآتٍ لَا يَتَوَقَّعُهَا أَحَدٌ.”
ابْتَسَمَتْ رِيمَا بِأَدَبٍ دُونَ أَنْ تُعَلِّقَ، وَلَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ حِينَهَا كَمْ كَانَتْ كَلِمَاتُ مُدِيرِهَا الْعَابِرَةُ نُبُوءَةً دَقِيقَةً لِمَا يَنْتَظِرُهَا.
حِينَ غَادَرَتِ الْمَتْحَفَ كَانَتِ السَّاعَةُ قَدْ تَجَاوَزَتِ السَّابِعَةَ، وَالشَّارِعُ مَغْسُولٌ بِضَوْءِ الْمَسَاءِ الْبُرْتُقَالِيِّ الْخَفِيفِ الَّذِي تُحِبُّهُ فِيينَا فِي هَذَا الْفَصْلِ مِنَ السَّنَةِ.
سَارَتْ كَعَادَتِهَا إِلَى شَقَّتِهَا فِي الْحَيِّ التَّاسِعِ، عَبْرَ الْجِسْرِ الْحَجَرِيِّ الصَّغِيرِ فَوْقَ الْقَنَاةِ، مُتَوَقِّفَةً عِنْدَ الْمَخْبَزِ الَّذِي يَبِيعُ خُبْزَ الْجَاوَدَارِ الطَّازِجَ، ثُمَّ عِنْدَ بَائِعِ الزُّهُورِ الْعَجُوزِ الَّذِي يَعْرِفُهَا بِالِاسْمِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ.
“وَرْدَةٌ بَيْضَاءُ وَاحِدَةٌ الْيَوْمَ يَا آنِسَةَ رِيمَا؟”
سَأَلَهَا الرَّجُلُ بِابْتِسَامَتِهِ الْمُعْتَادَةِ.
“لَا، شُكْرًا يَا هِير فَايْسَ، لَيْسَ الْيَوْمَ،” قَالَتْ وَهِيَ تَبْتَسِمُ بِدَوْرِهَا.
“أَشْعُرُ أَنَّ هَذَا الْأُسْبُوعَ لَنْ يَحْتَاجَ إِلَى زُهُورٍ.”
لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ حِينَهَا، وَهِيَ تَسِيرُ بِخُطًى هَادِئَةٍ نَحْوَ مَنْزِلِهَا، كَمْ كَانَتْ مُخْطِئَةً فِي تِلْكَ الْجُمْلَةِ الْعَابِرَةِ.
حِينَ وَصَلَتْ إِلَى مَدْخَلِ الْبِنَايَةِ، وَجَدَتِ السَّيِّدَ بِيرْغَرَ، حَارِسَ الْمَبْنَى الْعَجُوزَ الَّذِي يَعْمَلُ هُنَاكَ مُنْذُ عَقْدَيْنِ، يَنْتَظِرُهَا بِوَجْهٍ يَحْمِلُ تَعْبِيرًا غَرِيبًا، مَزِيجًا مِنَ الْحَيْرَةِ وَالْفُضُولِ لَمْ تَعْتَدْ رُؤْيَتَهُ عَلَى وَجْهِهِ الْهَادِئِ.
“آنِسَةَ نَجَّارٍ، وَصَلَكِ طَرْدٌ الْيَوْمَ. لَمْ أَعْهَدْ مِثْلَهُ مِنْ قَبْلُ، بِصَرَاحَةٍ.”
“طَرْدٌ؟ لَمْ أَطْلُبْ شَيْئًا، وَلَا أَتَذَكَّرُ أَنَّنِي أَخْبَرْتُ أَحَدًا بِعُنْوَانِي مُؤَخَّرًا.”
“لَمْ يَتْرُكْهُ سَاعِي بَرِيدٍ عَادِيٌّ عَلَى أَيِّ حَالٍ،”
قَالَ بِيرْغَرُ وَهُوَ يَتَنَاوَلُ مِنْ خَلْفِ مَكْتَبِهِ صُنْدُوقًا خَشَبِيًّا مُسْتَطِيلًا، مُغَلَّفًا بِقُمَاشٍ كَتَّانِيٍّ خَشِنٍ وَمَرْبُوطًا بِحَبْلِ جُوتٍ مَتِينٍ.
“رَجُلٌ غَرِيبُ الْمَلَامِحِ، طَوِيلُ الْقَامَةِ، يَرْتَدِي مِعْطَفًا دَاكِنًا رَغْمَ دِفْءِ الطَّقْسِ، لَمْ يَتَحَدَّثْ كَثِيرًا، طَلَبَ مِنِّي فَقَطْ أَنْ أُسَلِّمَهُ لَكِ شَخْصِيًّا حِينَ تَصِلِينَ، ثُمَّ غَادَرَ مَاشِيًا قَبْلَ أَنْ أَتَمَكَّنَ مِنْ سُؤَالِهِ عَنِ اسْمِهِ.
لَا عُنْوَانَ مُرْسِلٍ عَلَى الصُّنْدُوقِ، وَلَا طَابَعَ بَرِيدٍ، وَلَا حَتَّى اسْمَكِ مَطْبُوعًا كَمَا هِيَ الْعَادَةُ؛ إِنَّهُ مَكْتُوبٌ بِخَطِّ الْيَدِ، وَبِأَنَاقَةٍ لَافِتَةٍ.”
تَنَاوَلَتْ رِيمَا الصُّنْدُوقَ بِحَذَرٍ.
كَانَ أَثْقَلَ مِمَّا تَوَقَّعَتْ، وَخَشَبُهُ قَدِيمٌ يَحْمِلُ رَائِحَةَ غُبَارٍ وَزَمَنٍ، تُذَكِّرُهَا بِغُرَفِ التَّخْزِينِ فِي الْمَتْحَفِ.
نَظَرَتْ إِلَى الِاسْمِ الْمَكْتُوبِ عَلَى الْغِلَافِ بِحِبْرٍ أَسْوَدَ دَاكِنٍ:
“رِيمَا نَجَّارٍ”
بِخَطٍّ عَرَبِيٍّ أَنِيقٍ، مُتْقَنٍ، يُشْبِهُ خَطَّ الرَّسَّامِينَ أَكْثَرَ مِمَّا يُشْبِهُ خَطَّ النَّاسِ الْعَادِيِّينَ، ثُمَّ تَحْتَهُ بِخَطٍّ أَصْغَرَ قَلِيلًا:
“يُفْتَحُ بِمُفْرَدِهَا فَقَطْ.”
شَعَرَتْ بِقَشْعَرِيرَةٍ خَفِيفَةٍ تَسْرِي فِي ذِرَاعَيْهَا رَغْمَ دِفْءِ الْمَدْخَلِ.
لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَعْرِفُ اسْمَهَا الْكَامِلَ بِالْعَرَبِيَّةِ بِهَذَا الشَّكْلِ الرَّسْمِيِّ سِوَى عَائِلَتِهَا الْقَلِيلَةِ الْمُتَبَقِّيَةِ.
“شُكْرًا يَا هِير بِيرْغَرَ،”
قَالَتْ وَهِيَ تُحَاوِلُ أَنْ تَبْدُوَ هَادِئَةً أَكْثَرَ مِمَّا تَشْعُرُ فِعْلِيًّا.
“لَا بُدَّ أَنَّهَا هَدِيَّةٌ مُتَأَخِّرَةٌ مِنْ أَحَدِ الْأَقَارِبِ.”
“رُبَّمَا،”
قَالَ الرَّجُلُ الْعَجُوزُ، لَكِنَّ نَظْرَتَهُ لَمْ تَكُنْ مُقْتَنِعَةً تَمَامًا.
“احْرِصِي عَلَى نَفْسِكِ يَا آنِسَةَ نَجَّارٍ.
الرَّجُلُ تَرَكَ انْطِبَاعًا غَرِيبًا، لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَصِفُهُ بِدِقَّةٍ.”
صَعِدَتْ إِلَى شَقَّتِهَا فِي الطَّابِقِ الرَّابِعِ، وَوَضَعَتِ الصُّنْدُوقَ عَلَى طَاوِلَةِ الطَّعَامِ دُونَ أَنْ تَنْزِعَ مِعْطَفَهَا. جَلَسَتْ أَمَامَهُ لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ، تَتَأَمَّلُهُ كَأَنَّهُ كَائِنٌ حَيٌّ قَدْ يَتَحَرَّكُ فَجْأَةً.
أَخِيرًا، وَبَعْدَ أَنْ صَبَّتْ لِنَفْسِهَا كَأْسًا صَغِيرَةً مِنَ النَّبِيذِ الْأَبْيَضِ، حَلَّتِ الْعُقْدَةَ بِبُطْءٍ، وَرَفَعَتِ الْغِطَاءَ الْخَشَبِيَّ.
فِي الدَّاخِلِ، مَلْفُوفَةً بِطَبَقَاتٍ مِنْ وَرَقِ حَرِيرٍ أَبْيَضَ نَاعِمٍ، كَانَتْ لَوْحَةٌ صَغِيرَةٌ نِسْبِيًّا، لَا تَتَجَاوَزُ خَمْسِينَ فِي أَرْبَعِينَ سَنْتِيمِتْرًا.
أَزَالَتِ الْوَرَقَ طَبَقَةً تِلْوَ الْأُخْرَى بِأَصَابِعَ تَرْتَجِفُ قَلِيلًا، مَدْفُوعَةً بِفُضُولٍ مِهَنِيٍّ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ شَخْصِيًّا.
ثُمَّ رَأَتِ الْوَجْهَ.
تَوَقَّفَ قَلْبُهَا لِلَحْظَةٍ كَامِلَةٍ، وَشَعَرَتْ وَكَأَنَّ الْهَوَاءَ فِي الْغُرْفَةِ قَدْ تَجَمَّدَ فَجْأَةً.
كَانَتِ اللَّوْحَةُ بُورْتْرِيهًا زَيْتِيًّا لِامْرَأَةٍ تَجْلِسُ فِي وَضْعِيَّةٍ جَانِبِيَّةٍ قَلِيلًا، تَرْتَدِي فُسْتَانًا كُحْلِيَّ اللَّوْنِ بِيَاقَةٍ بَيْضَاءَ بَسِيطَةٍ، وَشَعْرُهَا الدَّاكِنُ مَجْمُوعٌ خَلْفَ رَأْسِهَا بِإِهْمَالٍ أَنِيقٍ.
لَكِنَّ الْوَجْهَ…
الْوَجْهَ كَانَ وَجْهَهَا هِيَ بِالضَّبْطِ.
لَمْ يَكُنْ شَبَهًا عَابِرًا، وَلَا تَشَابُهًا عَائِلِيًّا غَامِضًا يُمْكِنُ تَبْرِيرُهُ بِجِينَاتٍ مُشْتَرَكَةٍ.
كَانَتْ كُلُّ التَّفَاصِيلِ مُطَابِقَةً تَمَامًا:
انْحِنَاءَةُ الْحَاجِبِ الْأَيْسَرِ الَّتِي تَرْتَفِعُ قَلِيلًا أَكْثَرَ مِنَ الْيُمْنَى فِي تَعْبِيرٍ مَأْلُوفٍ مِنَ التَّسَاؤُلِ الصَّامِتِ، وَالشَّامَةُ الصَّغِيرَةُ أَسْفَلَ زَاوِيَةِ الْفَمِ الْيُمْنَى بِالضَّبْطِ فِي مَكَانِهَا الْحَقِيقِيِّ، حَتَّى الطَّرِيقَةُ الَّتِي تُمِيلُ بِهَا رَأْسَهَا قَلِيلًا إِلَى الْيَسَارِ حِينَ تَكُونُ غَارِقَةً فِي التَّفْكِيرِ الْعَمِيقِ، وَهِيَ عَادَةٌ لَطَالَمَا لَاحَظَتْهَا كْلَارَا فِيهَا.
جَلَسَتْ رِيمَا بِبُطْءٍ عَلَى الْكُرْسِيِّ، رُكْبَتَاهَا تَكَادَانِ لَا تَحْمِلَانِهَا، عَيْنَاهَا مُثَبَّتَتَانِ عَلَى اللَّوْحَةِ دُونَ أَنْ تَرْمُشَا، كَأَنَّهَا تَنْتَظِرُ أَنْ يَتَحَرَّكَ الْوَجْهُ الْمَرْسُومُ فَجْأَةً وَيَقُولَ شَيْئًا يُفَسِّرُ كُلَّ هَذَا الْغُمُوضِ الْمُفَاجِئِ.
“هَذَا مُسْتَحِيلٌ،”
هَمَسَتْ لِنَفْسِهَا بِالْعَرَبِيَّةِ، وَهِيَ لُغَةٌ نَادِرًا مَا تَسْتَخْدِمُهَا حِينَ تَكُونُ وَحِيدَةً فِي شَقَّتِهَا الْفِيينِيَّةِ.
“لَا بُدَّ أَنَّ هُنَاكَ تَفْسِيرًا مَنْطِقِيًّا.”
أَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا لِلَحْظَةٍ، وَفَجْأَةً طَفَتْ إِلَى ذِهْنِهَا صُورَةٌ لَمْ تَزُرْهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ:
فِنَاءٌ صَغِيرٌ مُبَلَّطٌ بِالْحَجَرِ الْأَبْيَضِ، وَشَجَرَةُ يَاسَمِينٍ تَتَسَلَّقُ جِدَارًا مَطْلِيًّا بِالْأَزْرَقِ الْفَاتِحِ، وَامْرَأَتَانِ تَجْلِسَانِ عَلَى مَقْعَدٍ خَشَبِيٍّ، إِحْدَاهُمَا تُمْسِكُ يَدَهَا الصَّغِيرَةَ، وَالْأُخْرَى تَجْلِسُ خَلْفَهُمَا قَلِيلًا، فِي الظِّلِّ، بِحَيْثُ لَا تَسْتَطِيعُ رُؤْيَةَ وَجْهِهَا بِوُضُوحٍ مَهْمَا حَاوَلَتْ فِي الذَّاكِرَةِ أَنْ تُقَرِّبَ الصُّورَةَ.
لَمَاذَا عَادَتْ إِلَيْهَا الْآنَ، فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ؟
فَتَحَتْ عَيْنَيْهَا مُجَدَّدًا عَلَى وَجْهِ اللَّوْحَةِ الصَّامِتِ أَمَامَهَا، وَشَعَرَتْ أَنَّ شَيْئًا فِي أَعْمَاقِهَا، نَائِمًا مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، قَدْ بَدَأَ يَسْتَيْقِظُ بِبُطْءٍ.
أَحْضَرَتْ عَدَسَةَ التَّكْبِيرِ الْمِهَنِيَّةَ الَّتِي تَحْتَفِظُ بِهَا دَوْمًا فِي حَقِيبَةِ عَمَلِهَا، وَبَدَأَتْ تَفْحَصُ اللَّوْحَةَ بِعَيْنِ الْخَبِيرَةِ.
طَبَقَةُ الطِّلَاءِ كَانَتْ قَدِيمَةً بِلَا شَكٍّ، بِهَا تَشَقُّقَاتٌ دَقِيقَةٌ مُتَجَانِسَةٌ تُعْرَفُ مِهَنِيًّا بِمُصْطَلَحِ “الْكَرَاكِيلُورِ”، تَتَوَافَقُ مَعَ عُمْرٍ لَا يَقِلُّ عَنْ ثَلَاثِينَ إِلَى أَرْبَعِينَ عَامًا.
الْقُمَاشُ مِنْ نَوْعِ الْكَتَّانِ الثَّقِيلِ الَّذِي كَانَ شَائِعًا فِي وَرْشَاتٍ مُعَيَّنَةٍ فِي الشَّرْقِ الْأَوْسَطِ فِي تِلْكَ الْحُقْبَةِ تَحْدِيدًا.
مَالَتْ أَكْثَرَ لِتَفْحَصَ طَبَقَةَ الطِّلَاءِ عِنْدَ حَوَافِّ الْوَجْهِ.
لَاحَظَتْ طَرِيقَةَ مُعَالَجَةِ الظِّلِّ تَحْتَ الذَّقْنِ، تَدَرُّجًا لَوْنِيًّا دَقِيقًا بَيْنَ الْبُنِّيِّ الْمَحْرُوقِ وَالْأَحْمَرِ الْفَاتِحِ، تِقْنِيَّةً كَانَتْ تَعْرِفُهَا جَيِّدًا مِنْ دِرَاسَتِهَا لِمَدْرَسَةٍ فَنِّيَّةٍ ازْدَهَرَتْ فِي بَيْرُوتَ وَدِمَشْقَ خِلَالَ ثَمَانِينِيَّاتِ الْقَرْنِ الْمَاضِي.
لَمْ تَكُنْ هَذِهِ يَدَ هَاوٍ بِأَيِّ حَالٍ؛ كَانَتْ يَدَ فَنَّانٍ مُتَمَرِّسٍ، تَحْمِلُ بَصْمَةً وَاضِحَةً يُمْكِنُ، لَوْ أُتِيحَ لَهَا الْوَقْتُ الْكَافِي، أَنْ تَتَعَرَّفَ عَلَيْهَا بَيْنَ أَلْفِ لَوْحَةٍ أُخْرَى.
قَلَبَتِ اللَّوْحَةَ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ لِتَفْحَصَ ظَهْرَهَا.
وَجَدَتْ هُنَاكَ، مَكْتُوبًا بِقَلَمِ رَصَاصٍ بَاهِتٍ عَلَى الْقُمَاشِ الْخَلْفِيِّ الْخَشِنِ، تَارِيخًا وَاضِحًا رَغْمَ مُرُورِ الزَّمَنِ عَلَيْهِ:
“خَرِيفُ 1987″، وَتَحْتَهُ حَرْفَانِ بِالْعَرَبِيَّةِ، مُتَشَابِكَانِ بِأُسْلُوبِ تَوْقِيعٍ فَنِّيٍّ مُمَيَّزٍ:
“أ. ح.”
حَدَّقَتْ رِيمَا فِي التَّارِيخِ طَوِيلًا. وُلِدَتْ فِي رَبِيعِ عَامِ 1992. كَانَتْ هَذِهِ اللَّوْحَةُ، بِحَسَبِ كُلِّ الْأَدِلَّةِ الْمَادِّيَّةِ الَّتِي تَرَاهَا أَمَامَهَا بِعَيْنَيْهَا الْمُدَرَّبَتَيْنِ، قَدْ رُسِمَتْ قَبْلَ خَمْسِ سَنَوَاتٍ كَامِلَةٍ مِنْ وِلَادَتِهَا هِيَ شَخْصِيًّا، بِوَجْهٍ يُطَابِقُ وَجْهَهَا الْحَالِيَّ بِدِقَّةٍ مُذْهِلَةٍ.
اتَّصَلَتْ بِكْلَارَا فَوْرًا، أَصَابِعُهَا تَرْتَجِفُ قَلِيلًا.
“كْلَارَا، أَحْتَاجُ رَأْيَكِ فِي شَيْءٍ غَرِيبٍ جِدًّا.
الْآنَ، إِنْ أَمْكَنَ.”
بَعْدَ أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ دَقِيقَةً، كَانَتْ كْلَارَا تَقِفُ فِي شَقَّةِ رِيمَا، تُحَدِّقُ فِي اللَّوْحَةِ بِصَمْتٍ مُطْبِقٍ لِأَكْثَرَ مِنْ دَقِيقَةٍ كَامِلَةٍ، وَجْهُهَا يَتَحَوَّلُ تَدْرِيجِيًّا مِنَ الْفُضُولِ إِلَى الذُّهُولِ الصَّرِيحِ.
“رِيمَا،”
قَالَتْ أَخِيرًا بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ مُتَوَتِّرٍ،
“أَهَذِهِ… مَزْحَةٌ مِنْ نَوْعٍ مَا؟”
“لَا. لَمْ أَطْلُبْ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا، أُقْسِمُ لَكِ.”
“لَكِنَّ هَذَا وَجْهُكِ بِالضَّبْطِ يَا رِيمَا.
حَتَّى الشَّامَةُ فِي مَكَانِهَا تَمَامًا.”
“وَهَذَا التَّارِيخُ الْمَكْتُوبُ خَلْفَهَا… 1987. قَبْلَ مِيلَادِي بِخَمْسِ سَنَوَاتٍ كَامِلَةٍ.
تَحَقَّقْتُ مِنَ الْحِسَابِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.”
قَضَتِ الصَّدِيقَتَانِ السَّاعَةَ التَّالِيَةَ تَتَفَحَّصَانِ اللَّوْحَةَ مِنْ كُلِّ زَاوِيَةٍ مُمْكِنَةٍ، تُقَارِنَانِ تَفَاصِيلَهَا بِصُوَرٍ قَدِيمَةٍ لِرِيمَا بَحْثًا عَنْ أَيِّ تَفْسِيرٍ مَنْطِقِيٍّ.
اقْتَرَحَتْ كْلَارَا أَخِيرًا أَنْ تَأْخُذَ رِيمَا اللَّوْحَةَ إِلَى مُخْتَبَرِ تَحْلِيلِ الْقُمَاشِ وَالْأَلْوَانِ التَّابِعِ لِلْمَتْحَفِ، لِتَحْدِيدِ عُمْرِهَا الْحَقِيقِيِّ بِدِقَّةٍ عِلْمِيَّةٍ.
“سَأَفْعَلُ ذَلِكَ غَدًا صَبَاحًا،”
قَالَتْ رِيمَا.
“لَكِنْ أَرْجُوكِ، لَا تُخْبِرِي أَحَدًا فِي الْمَتْحَفِ بَعْدُ.”
“بِالطَّبْعِ. لَكِنْ رِيمَا… أَلَا يُخِيفُكِ هَذَا حَقًّا؟ شَخْصٌ مَا يَعْرِفُ اسْمَكِ الْكَامِلَ بِالْعَرَبِيَّةِ، يَعْرِفُ وَجْهَكِ بِأَدَقِّ تَفَاصِيلِهِ قَبْلَ أَنْ تُخْلَقِي بِسَنَوَاتٍ، ثُمَّ يُرْسِلُ لَكِ اللَّوْحَةَ سِرًّا عَبْرَ رَجُلٍ غَامِضٍ؟”
اعْتَرَفَتْ رِيمَا لِنَفْسِهَا أَنَّ الْخَوْفَ كَانَ قَدْ بَدَأَ يَتَسَلَّلُ إِلَى صَدْرِهَا مُنْذُ اللَّحْظَةِ الَّتِي رَفَعَتْ فِيهَا وَرَقَ الْحَرِيرِ الْأَوَّلَ عَنْ وَجْهِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ الْغَرِيبَةِ الَّتِي هِيَ هِيَ، وَالَّتِي لَيْسَتْ هِيَ فِي آنٍ وَاحِدٍ مُتَنَاقِضٍ لَا تَفْهَمُهُ.
قَبْلَ أَنْ تُغَادِرَ، قَالَتْ كْلَارَا:
“دَعِينَا نُفَكِّرْ فِي هَذَا بِمَنْطِقٍ.
أَوَّلًا:
قَدْ تَكُونُ هَذِهِ لَوْحَةً مُزَوَّرَةً حَدِيثًا بِمَهَارَةٍ عَالِيَةٍ، صُنِعَتْ خِصِّيصًا لِتَبْدُوَ قَدِيمَةً، بِاسْتِخْدَامِ صُورَةٍ حَقِيقِيَّةٍ لَكِ.”
“فَكَّرْتُ فِي ذَلِكَ.
لَكِنَّ التَّشَقُّقَاتِ فِي الطِّلَاءِ طَبِيعِيَّةٌ تَمَامًا، لَيْسَتْ مُصْطَنَعَةً بِأَيٍّ مِنَ الطُّرُقِ الَّتِي أَعْرِفُهَا.”
“ثَانِيًا إِذَنْ، قَدْ تَكُونُ هُنَاكَ حَقًّا امْرَأَةٌ أُخْرَى، مِنْ جِيلٍ سَابِقٍ، تُشْبِهُكِ إِلَى هَذَا الْحَدِّ الْمُذْهِلِ.”
“لَكِنَّ الشَّامَةَ يَا كْلَارَا. وَالْحَاجِبَ.
وَمَيْلَةَ الرَّأْسِ.
هَذِهِ لَيْسَتْ صُدْفَةَ تَشَابُهٍ عَامٍّ.”
صَمَتَتْ كْلَارَا لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ قَالَتْ بِصَوْتٍ أَكْثَرَ جِدِّيَّةً:
“إِذَنْ يَبْقَى احْتِمَالٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ الَّذِي أَظُنُّ أَنَّكِ تُفَكِّرِينَ فِيهِ فِعْلًا مُنْذُ الْبِدَايَةِ:
أَنَّ هُنَاكَ شَخْصًا فِي عَائِلَتِكِ، رُبَّمَا جِيلًا كَامِلًا، أَخْفَى عَنْكِ شَيْئًا جَوْهَرِيًّا.
قِصَّةً لَمْ تُرْوَ لَكِ يَوْمًا.
وَأَنَّ هَذِهِ اللَّوْحَةَ، وَمَنْ أَرْسَلَهَا، يُحَاوِلَانِ كَسْرَ ذَلِكَ الصَّمْتِ الْعَائِلِيِّ الْقَدِيمِ.”
نَظَرَتْ رِيمَا إِلَى صَدِيقَتِهَا طَوِيلًا، ثُمَّ إِلَى اللَّوْحَةِ، ثُمَّ أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، كَأَنَّهَا تُوَافِقُ أَخِيرًا، وَلَوْ بِصَمْتٍ دَاخِلِيٍّ فَقَطْ، عَلَى الِاحْتِمَالِ الَّذِي كَانَتْ تَتَجَنَّبُ مُوَاجَهَتَهُ مُنْذُ سَاعَتَيْنِ.
بَعْدَ أَنْ غَادَرَتْ كْلَارَا قُرْبَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، بَقِيَتْ رِيمَا وَحِيدَةً فِي شَقَّتِهَا، جَالِسَةً أَمَامَ اللَّوْحَةِ حَتَّى سَاعَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ جِدًّا. حَاوَلَتْ أَنْ تَقْرَأَ، أَنْ تُشَاهِدَ شَيْئًا خَفِيفًا عَلَى التِّلْفَازِ، أَنْ تَشْغَلَ نَفْسَهَا بِعَمَلٍ مَنْزِلِيٍّ بَسِيطٍ، لَكِنَّ عَيْنَيْهَا كَانَتَا تَعُودَانِ دَائِمًا، كَأَنَّهُمَا مُسَيَّرَتَانِ بِإِرَادَةٍ خَاصَّةٍ بِهِمَا، إِلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ الْمُعَلَّقِ عَلَى حَامِلِ الرَّسْمِ فِي زَاوِيَةِ غُرْفَةِ الْمَعِيشَةِ.
قَبْلَ أَنْ تُفَكِّرَ فِي الِاتِّصَالِ بِعَمِّهَا، جَلَسَتْ إِلَى حَاسُوبِهَا الْمَحْمُولِ، وَبَحَثَتْ عَنْ “أ. ح.”
مَعَ كَلِمَةِ
“رَسَّامٌ”
وَ”دِمَشْقُ”
وَ”1987″،
فَظَهَرَتْ لَهَا نَتَائِجُ مُتَنَاثِرَةٌ لَا مَعْنَى لَهَا.
شَعَرَتْ بِإِحْبَاطٍ مُتَصَاعِدٍ؛ فَهِيَ الْمُعْتَادَةُ عَلَى إِيجَادِ إِجَابَاتٍ دَقِيقَةٍ لِكُلِّ سُؤَالٍ يَخُصُّ أَصَالَةَ قِطْعَةٍ فَنِّيَّةٍ، وَوَجَدَتْ نَفْسَهَا الْآنَ عَاجِزَةً تَمَامًا أَمَامَ لُغْزٍ يَخُصُّ وَجْهَهَا هِيَ بِالذَّاتِ.
تَرَدَّدَتْ فِي الِاتِّصَالِ بِعَمِّهَا كَمَالٍ رَغْمَ فَارِقِ التَّوْقِيتِ.
كَانَتْ عَلَاقَتُهُمَا دَائِمًا مُهَذَّبَةً لَكِنَّهَا بَعِيدَةٌ.
كُلَّمَا سَأَلَتْهُ عَبْرَ السِّنِينَ عَنْ تَفَاصِيلَ مِنْ طُفُولَتِهَا فِي دِمَشْقَ، كَانَ يُجِيبُ بِإِجَابَاتٍ عَامَّةٍ مُقْتَضَبَةٍ، ثُمَّ يُغَيِّرُ الْمَوْضُوعَ.
فِي حَوَالَيِ السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ صَبَاحًا، رَنَّ هَاتِفُهَا فَجْأَةً.
رَقْمٌ مَجْهُولٌ، بِدُونِ بَادِئَةِ دَوْلَةٍ وَاضِحَةٍ.
أَجَابَتْ أَخِيرًا.
“أَلُو؟”
صَمْتٌ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ، ثُمَّ صَوْتُ رَجُلٍ، مُنْخَفِضٌ، هَادِئٌ بِطَرِيقَةٍ تُنْذِرُ بِأَكْثَرَ مِمَّا تُظْهِرُهُ الْكَلِمَاتُ نَفْسُهَا، يَتَحَدَّثُ عَرَبِيَّةً فَصِيحَةً سَلِيمَةً بِلَكْنَةٍ يَصْعُبُ تَحْدِيدُ أَصْلِهَا:
“آنِسَةَ نَجَّارٍ.
مَسَاءُ الْخَيْرِ.
أَرْجُو أَلَّا تَطْرَحِي أَسْئِلَةً كَثِيرَةً، وَبِسُرْعَةٍ كَبِيرَةٍ، عَلَى مَنْ لَا تَعْرِفِينَهُمْ بَعْدُ.
لَيْسَ كُلُّ تَشَابُهٍ فِي هَذَا الْعَالَمِ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُكْشَفَ فَوْرًا، وَلَيْسَ كُلُّ سِرٍّ قَدِيمٍ يَجِبُ أَنْ يُفْتَحَ بِلَا اسْتِعْدَادٍ كَافٍ.”
“مَنْ أَنْتَ؟ مَنْ أَرْسَلَ هَذِهِ اللَّوْحَةَ إِلَيَّ؟”
“لَسْتُ الْعَدُوَّ الَّذِي تَتَخَيَّلِينَهُ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، لَكِنَّنِي لَسْتُ الصَّدِيقَ الَّذِي تَحْتَاجِينَهُ أَيْضًا، لَيْسَ بَعْدُ.
سَيَأْتِي وَقْتٌ تَفْهَمِينَ فِيهِ كُلَّ شَيْءٍ. لَكِنْ حَتَّى ذَلِكَ الْحِينِ، احْتَفِظِي بِاللَّوْحَةِ فِي مَكَانٍ آمِنٍ، وَلَا تُرِيهَا لِأَحَدٍ.
وَأَرْجُوكِ، لَا تَتَّصِلِي بِعَمِّكِ كَمَالٍ بِشَأْنِهَا الْآنَ.”
تَوَقَّفَ قَلْبُ رِيمَا فِعْلِيًّا عِنْدَ ذِكْرِ اسْمِ عَمِّهَا.
“كَيْفَ تَعْرِفُ عَمِّي؟”
“أُرِيدُ أَنْ تَبْقَيْ حَيَّةً، وَأَنْ تَبْقَيْ كَمَا أَنْتِ، دُونَ أَنْ يَتَغَيَّرَ شَيْءٌ فِي حَيَاتِكِ قَبْلَ أَنْ تَكُونِي مُسْتَعِدَّةً لِذَلِكَ.
هُنَاكَ مَنْ يُرِيدُ أَنْ تَبْقَى هَذِهِ اللَّوْحَةُ، وَمَا تَحْمِلُهُ مِنْ حَقِيقَةٍ، مَدْفُونَةً إِلَى الْأَبَدِ.
أَنَا لَسْتُ مِنْهُمْ.”
“إِذَنْ مَنْ أَنْتَ؟”
“لِأَنَّ بَعْضَ الْحَقَائِقِ، حِينَ تُقَالُ بِسُرْعَةٍ وَدُونَ تَمْهِيدٍ كَافٍ، تُدَمِّرُ أَكْثَرَ مِمَّا تُصْلِحُ.
ثِقِي بِي فِي هَذَا الْأَمْرِ الْوَاحِدِ:
لَنْ أَتْرُكَكِ تَسِيرِينَ وَحْدَكِ فِي هَذَا الطَّرِيقِ حِينَ يَحِينُ وَقْتُهُ الْحَقِيقِيُّ.”
“وَمَاذَا لَوْ رَفَضْتُ الِانْتِظَارَ؟”
سَادَ صَمْتٌ قَصِيرٌ.
“عِنْدَهَا سَأَكُونُ مُضْطَرًّا لِلتَّحَرُّكِ أَسْرَعَ مِمَّا خَطَّطْتُ لَهُ، وَهَذَا قَدْ يُعَرِّضُ كِلَيْنَا لِخَطَرٍ لَمْ نَكُنْ مُسْتَعِدَّيْنِ لَهُ بَعْدُ. أَرْجُوكِ، امْنَحِينِي بَعْضَ الْوَقْتِ فَقَطْ.”
لَكِنَّ الْخَطَّ كَانَ قَدِ انْقَطَعَ بِالْفِعْلِ، تَارِكًا إِيَّاهَا فِي صَمْتِ الشَّقَّةِ الثَّقِيلِ، صَوْتُ نَبْضِهَا الْخَاصُّ هُوَ الصَّوْتُ الْوَحِيدُ الَّذِي تَسْمَعُهُ بِوُضُوحٍ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ.
وَقَفَتْ وَسَطَ غُرْفَةِ الْمَعِيشَةِ الْمُعْتِمَةِ جُزْئِيًّا لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ، عَيْنَاهَا تَتَنَقَّلَانِ بِلَا تَوَقُّفٍ بَيْنَ الشَّاشَةِ الْمُظْلِمَةِ الْآنَ وَالْوَجْهِ الْمَرْسُومِ الَّذِي يُحَدِّقُ فِيهَا مِنْ زَاوِيَةِ الْغُرْفَةِ بِهُدُوءٍ لَا يَتَزَعْزَعُ، كَأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ طَوَالَ الْوَقْتِ، مُنْذُ أَنْ رُسِمَ قَبْلَ خَمْسِ سَنَوَاتٍ مِنْ وِلَادَتِهَا هِيَ بِالذَّاتِ، أَنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ بِالضَّبْطِ سَتَأْتِي يَوْمًا مَا.
لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ بَعْدُ أَنَّ هَذَا الِاتِّصَالَ الْغَامِضَ لَمْ يَكُنْ سِوَى أَوَّلِ خَيْطٍ فِي شَبَكَةٍ مُعَقَّدَةٍ سَتَمْتَدُّ بِهَا الْأَسَابِيعُ الْقَادِمَةُ إِلَى دِمَشْقَ الَّتِي بِالْكَادِ تَذْكُرُهَا، وَإِلَى سِرٍّ عَائِلِيٍّ دُفِنَ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ عَامًا كَامِلَةً، وَإِلَى رَجُلٍ لَمْ تَلْتَقِ بِهِ وَجْهًا لِوَجْهٍ بَعْدُ، لَكِنَّهُ كَانَ يُرَاقِبُهَا مِنْ بَعِيدٍ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ.
جَلَسَتْ أَخِيرًا عَلَى الْأَرِيكَةِ، احْتَضَنَتْ رُكْبَتَيْهَا بِذِرَاعَيْهَا كَطِفْلَةٍ صَغِيرَةٍ خَائِفَةٍ، وَنَظَرَتْ مُطَوَّلًا إِلَى اللَّوْحَةِ فِي الظَّلَامِ النِّصْفِيِّ لِلْغُرْفَةِ، مُحَاوِلَةً أَنْ تُقْنِعَ نَفْسَهَا بِأَنَّ كُلَّ هَذَا مُجَرَّدُ سُوءِ فَهْمٍ كَبِيرٍ سَيَنْحَلُّ تَفْسِيرُهُ فِي ضَوْءِ الصَّبَاحِ.
لَكِنَّ جُزْءًا عَمِيقًا فِيهَا، لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ بِوُجُودِهِ حَتَّى تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِالذَّاتِ، كَانَ يَهْمِسُ لَهَا بِشَيْءٍ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا:
أَنَّ حَيَاتَهَا، بِكُلِّ مَا عَرَفَتْهُ وَاعْتَادَتْهُ وَبَنَتْهُ بِجُهْدٍ عَبْرَ أَرْبَعَةٍ وَثَلَاثِينَ عَامًا، عَلَى وَشْكِ أَنْ تَتَغَيَّرَ جَذْرِيًّا، بِشَكْلٍ لَا رَجْعَةَ فِيهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي، حِينَ اسْتَيْقَظَتْ رِيمَا بَعْدَ لَيْلَةٍ قَلِقَةٍ قَلِيلَةِ النَّوْمِ، وَجَدَتْ رِسَالَةً نَصِّيَّةً وَاحِدَةً عَلَى هَاتِفِهَا، وَصَلَتْ فِي تَمَامِ السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَجْرًا مِنَ الرَّقْمِ الْمَجْهُولِ نَفْسِهِ، تَتَأَلَّفُ مِنْ جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ قَصِيرَةٍ، لَكِنَّهَا كَافِيَةٌ لِتُجَمِّدَ دَمَهَا فِي عُرُوقِهَا:
“لَسْتِ الْوَحِيدَةَ.”
تَحْتَ الْجُمْلَةِ مُبَاشَرَةً، صُورَةٌ صَغِيرَةٌ مُرْفَقَةٌ بِجَوْدَةٍ مُنْخَفِضَةٍ عَمْدًا:
صُورَةٌ أُخْرَى لِلَّوْحَةِ نَفْسِهَا، لَكِنْ مِنْ زَاوِيَةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا، تُظْهِرُ أَنَّ هُنَاكَ جُزْءًا مِنَ اللَّوْحَةِ الْأَصْلِيَّةِ كَانَ مَطْوِيًّا بِعِنَايَةٍ خَلْفَ الْإِطَارِ الْخَشَبِيِّ، مُخْفِيًّا عَمْدًا عَنِ الْعَيْنِ الْمُبَاشِرَةِ، وَفِيهِ مَلَامِحُ غَامِضَةٌ لِوَجْهٍ ثَانٍ، امْرَأَةٌ أُخْرَى تَقِفُ خَلْفَ الْمَرْأَةِ الْجَالِسَةِ فِي الْمُقَدِّمَةِ بِوُضُوحٍ، وَجْهُهَا غَيْرُ مُكْتَمِلٍ تَمَامًا، كَأَنَّ الرَّسَّامَ قَدْ تَوَقَّفَ فَجْأَةً عَنِ الْعَمَلِ، رُبَّمَا مُقَاطَعًا، قَبْلَ أَنْ يُنْهِيَ رَسْمَ مَلَامِحِهَا الْأَخِيرَةِ.
وَجْهٌ يُشْبِهُ وَجْهَ رِيمَا أَيْضًا بِشَكْلٍ مُقْلِقٍ، إِلَى حَدٍّ بَعِيدٍ جِدًّا، لَكِنَّهُ لَيْسَ هُوَ تَمَامًا، لَيْسَ هُوَ عَلَى الْإِطْلَاقِ إِذَا دَقَّقَتِ النَّظَرَ جَيِّدًا فِي الْفُرُوقِ الطَّفِيفَةِ الَّتِي بَدَأَتْ عَيْنَاهَا الْمُدَرَّبَتَانِ تَلْتَقِطَانِهَا بِبُطْءٍ.
وَقَفَتْ طَوِيلًا فِي مَطْبَخِهَا الصَّغِيرِ، وَقَهْوَتُهَا الصَّبَاحِيَّةُ تَبْرُدُ دُونَ أَنْ تَلْمِسَهَا. حَاوَلَتْ أَنْ تَكْتُبَ رَدًّا عَلَى الرَّقْمِ الْمَجْهُولِ:
“مَنْ أَنْتِ؟ مَنْ هِيَ الْمَرْأَةُ الثَّانِيَةُ فِي اللَّوْحَةِ؟”
لَكِنَّهَا مَحَتِ الْجُمْلَةَ قَبْلَ أَنْ تُرْسِلَهَا.
شَعَرَتْ أَنَّ أَيَّ كَلِمَةٍ تَكْتُبُهَا قَدْ تَكُونُ خَطَأً لَا يُمْكِنُ التَّرَاجُعُ عَنْهُ، فِي لُعْبَةٍ لَا تَعْرِفُ قَوَاعِدَهَا بَعْدُ.
فَكَّرَتْ فِي اتِّصَالِ اللَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ، وَفِي تَحْذِيرِ الرَّجُلِ الْغَرِيبِ مِنَ الِاتِّصَالِ بِعَمِّهَا كَمَالٍ تَحْدِيدًا، وَفِي الْمُفَارَقَةِ الْمُؤْلِمَةِ أَنَّهَا كَانَتْ، قَبْلَ سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ، عَلَى وَشْكِ فِعْلِ ذَلِكَ بِالضَّبْطِ. لِمَاذَا كَانَ يَعْرِفُ أَنَّهَا سَتُفَكِّرُ فِي الِاتِّصَالِ بِهِ تَحْدِيدًا؟
نَظَرَتْ إِلَى سَاعَتِهَا؛ كَانَ عَلَيْهَا أَنْ تَتَجَهَّزَ لِلذَّهَابِ إِلَى الْمَتْحَفِ، حَيْثُ سَتَأْخُذُ اللَّوْحَةَ سِرًّا إِلَى مُخْتَبَرِ التَّحْلِيلِ كَمَا وَعَدَتْ كْلَارَا، لَكِنَّهَا شَعَرَتْ فَجْأَةً أَنَّ هَذَا لَنْ يَكُونَ كَافِيًا، وَأَنَّ الْإِجَابَاتِ الَّتِي تَبْحَثُ عَنْهَا لَنْ تُوجَدَ فِي تَقْرِيرٍ عِلْمِيٍّ عَنْ عُمْرِ الْقُمَاشِ وَالطِّلَاءِ، بَلْ فِي مَكَانٍ أَبْعَدَ بِكَثِيرٍ، مَكَانٍ لَمْ تَزُرْهُ مُنْذُ ثَلَاثِينَ عَامًا كَامِلَةً.
وَبَيْنَمَا كَانَتْ تَضَعُ كُوبَ الْقَهْوَةِ الْبَارِدَ جَانِبًا، تَذَكَّرَتْ فَجْأَةً كَلِمَاتِ الْبْرُوفِيسُورِ شْتَايْنَرَ مِنَ الْيَوْمِ السَّابِقِ:
مَجْمُوعَةُ قِطَعٍ سُورِيَّةٍ وَصَلَتْ إِلَى بَيْتِ الْمَزَادَاتِ، مِنْ تَرِكَةِ عَائِلَةٍ دِمَشْقِيَّةٍ قَدِيمَةٍ تَصَفَّتْ مُقْتَنَيَاتُهَا بَعْدَ وَفَاةِ آخِرِ وَرَثَتِهَا فِي إِسْطَنْبُولَ.
شَعَرَتْ بِقَشْعَرِيرَةٍ بَارِدَةٍ تَسْرِي فِي جَسَدِهَا كُلِّهِ.
أَكَانَ ذَلِكَ مَحْضَ صُدْفَةٍ؟ أَمْ أَنَّ هُنَاكَ خَيْطًا خَفِيًّا يَرْبِطُ بَيْنَ تِلْكَ الْمَجْمُوعَةِ الْغَامِضَةِ وَبَيْنَ اللَّوْحَةِ الَّتِي وَصَلَتْهَا اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ؟ قَرَّرَتْ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ أَنَّ أَوَّلَ مَحَطَّةٍ لَهَا هَذَا الصَّبَاحَ لَنْ تَكُونَ مُخْتَبَرَ التَّحْلِيلِ كَمَا وَعَدَتْ كْلَارَا، بَلْ بَيْتَ الْمَزَادَاتِ نَفْسَهُ.
وَقَفَتْ أَمَامَ الْمِرْآةِ الْكَبِيرَةِ فِي مَدْخَلِ الشَّقَّةِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ، تَنْظُرُ إِلَى انْعِكَاسِ وَجْهِهَا فِيهَا لِلَحْظَةٍ طَوِيلَةٍ، كَمَا لَوْ كَانَتْ تُقَارِنُهُ، مِنْ دُونِ وَعْيٍ كَامِلٍ مِنْهَا، بِالْوَجْهِ الْمَرْسُومِ الْمُعَلَّقِ خَلْفَهَا فِي الْغُرْفَةِ. كَانَتْ هِيَ نَفْسَهَا، دُونَ شَكٍّ، لَكِنَّهَا شَعَرَتْ فَجْأَةً أَنَّ هُنَاكَ وَجْهًا آخَرَ يُحَدِّقُ فِيهَا مِنْ عُمْقِ ذَلِكَ الِانْعِكَاسِ، وَجْهًا لَمْ تَرَهُ مِنْ قَبْلُ لَكِنَّهُ مَأْلُوفٌ بِطَرِيقَةٍ غَرِيبَةٍ.
أَغْلَقَتِ الْبَابَ خَلْفَهَا، وَنَزَلَتِ الدَّرَجَ بِخُطًى أَسْرَعَ مِنَ الْمُعْتَادِ، تَحْمِلُ فِي حَقِيبَتِهَا اللَّوْحَةَ مَلْفُوفَةً بِعِنَايَةٍ مِنْ جَدِيدٍ، وَفِي صَدْرِهَا سُؤَالٌ وَاحِدٌ كَبِيرٌ بَدَأَ يَبْتَلِعُ كُلَّ الْأَسْئِلَةِ الْأَصْغَرِ الَّتِي أَرَّقَتْهَا طَوَالَ اللَّيْلِ:
مَنْ تَكُونُ هِيَ فِعْلًا، إِنْ لَمْ تَكُنْ، كَمَا ظَنَّتْ طَوَالَ أَرْبَعَةٍ وَثَلَاثِينَ عَامًا، مُجَرَّدَ امْرَأَةٍ عَادِيَّةٍ وُلِدَتْ فِي دِمَشْقَ وَهَاجَرَتْ طِفْلَةً إِلَى فِيينَا؟
لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، وَجَدَتْ رِيمَا نَفْسَهَا تُفَكِّرُ جَدِّيًّا، وَبِشَكْلٍ وَاعٍ تَمَامًا هَذِهِ الْمَرَّةَ، فِي السَّفَرِ إِلَى دِمَشْقَ.
كَانَ بَيْتُ الْمَزَادَاتِ يَقَعُ فِي بِنَايَةٍ حَجَرِيَّةٍ أَنِيقَةٍ عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنَ الْحَلْقَةِ الدَّائِرِيَّةِ الْكُبْرَى فِي وَسَطِ فِيينَا، وَاجِهَتُهَا مُزَيَّنَةٌ بِنَوَافِذَ عَالِيَةٍ يَتَدَلَّى مِنْهَا سِتَارٌ مُخْمَلِيٌّ دَاكِنُ اللَّوْنِ.
وَقَفَتْ رِيمَا أَمَامَ الْبَابِ الزُّجَاجِيِّ الْفَخْمِ لِدَقِيقَةٍ كَامِلَةٍ قَبْلَ أَنْ تَدْفَعَهُ، تُحَاوِلُ أَنْ تَتَذَكَّرَ الْحُجَّةَ الَّتِي أَعَدَّتْهَا فِي طَرِيقِهَا إِلَى هُنَاكَ:
أَنَّهَا جَاءَتْ بِصِفَتِهَا الْمِهَنِيَّةَ فَقَطْ، خَبِيرَةَ تَرْمِيمٍ فُضُولِيَّةً بِطَبِيعَةِ عَمَلِهَا، لَا امْرَأَةً تُطَارِدُ شَبَحَ وَجْهِهَا الْخَاصِّ عَبْرَ ثَلَاثَةِ عُقُودٍ مِنَ الزَّمَنِ.
اسْتَقْبَلَتْهَا امْرَأَةٌ فِي الْأَرْبَعِينَ مِنْ عُمْرِهَا، أَنِيقَةٌ بِطَرِيقَةٍ مَدْرُوسَةٍ، تُقَدِّمُ نَفْسَهَا بِاسْمِ “فَيرُونِيكَا هُوفَر”، مَسْؤُولَةُ الْقِسْمِ الشَّرْقِيِّ فِي بَيْتِ الْمَزَادِ.
“آنِسَةُ نَجَّارٍ! يَا لَهَا مِنْ مُفَاجَأَةٍ سَارَّةٍ. الْبْرُوفِيسُورُ شْتَايْنَرُ أَخْبَرَنِي أَنَّكِ قَدْ تَمُرِّينَ. تَفَضَّلِي، الْمَجْمُوعَةُ مَعْرُوضَةٌ فِي الصَّالَةِ الْخَلْفِيَّةِ لِلْمُعَايَنَةِ الْخَاصَّةِ.”
سَارَتْ رِيمَا خَلْفَهَا عَبْرَ مَمَرٍّ طَوِيلٍ تُزَيِّنُ جُدْرَانَهُ لَوْحَاتٌ مِنْ حِقَبٍ مُخْتَلِفَةٍ، شَاعِرَةً بِأَنَّ قَلْبَهَا يَنْبِضُ أَسْرَعَ مِمَّا يَنْبَغِي لِمُجَرَّدِ زِيَارَةٍ مِهَنِيَّةٍ رُوتِينِيَّةٍ. حِينَ دَخَلَتِ الصَّالَةَ، تَوَقَّفَتْ عِنْدَ الْعَتَبَةِ لِلَحْظَةٍ.
كَانَتِ الْقِطَعُ مَنْشُورَةً عَلَى طَاوِلَاتٍ مُغَطَّاةٍ بِقُمَاشٍ أَسْوَدَ:
صَحْنٌ نُحَاسِيٌّ مَنْقُوشٌ، مَجْمُوعَةٌ مِنَ الْمَخْطُوطَاتِ الصَّغِيرَةِ، عِقْدٌ فِضِّيٌّ قَدِيمٌ، وَعَلَى الطَّاوِلَةِ الْأَخِيرَةِ فِي الطَّرَفِ الْبَعِيدِ مِنَ الصَّالَةِ، ثَلَاثُ لَوْحَاتٍ مُسْنَدَةٍ إِلَى حَامِلٍ خَشَبِيٍّ.
اقْتَرَبَتْ بِخُطًى بَطِيئَةٍ مُتَعَمَّدَةٍ، مُحَاوِلَةً أَلَّا تُظْهِرَ شَيْئًا مِنَ التَّوَتُّرِ الَّذِي يَعْتَصِرُ صَدْرَهَا.
اللَّوْحَةُ الْأُولَى كَانَتْ مَنْظَرًا طَبِيعِيًّا لِبُسْتَانٍ، بِلَا تَوْقِيعٍ وَاضِحٍ. الثَّانِيَةُ صُورَةٌ لِرَجُلٍ عَجُوزٍ يَرْتَدِي طَرْبُوشًا، تَبْدُو مِنْ مَطْلَعِ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ.
أَمَّا الثَّالِثَةُ فَجَعَلَتْهَا تَتَجَمَّدُ فِي مَكَانِهَا.
كَانَتْ صُورَةً جَمَاعِيَّةً صَغِيرَةً، بِالْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ فِي الْأَصْلِ ثُمَّ لُوِّنَتْ يَدَوِيًّا بِأَلْوَانٍ مَائِيَّةٍ خَفِيفَةٍ حَسْبَ عَادَةِ ذَلِكَ الزَّمَنِ، لِعَائِلَةٍ كَامِلَةٍ تَقِفُ أَمَامَ بَيْتٍ دِمَشْقِيٍّ تَقْلِيدِيٍّ، بَابُهُ الْخَشَبِيُّ الْمَنْقُوشُ يُشْبِهُ إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ أَبْوَابًا رَأَتْهَا فِي كُتُبٍ عَنْ دِمَشْقَ الْقَدِيمَةِ.
فِي الصَّفِّ الْأَمَامِيِّ، جَلَسَتِ امْرَأَتَانِ مُتَشَابِهَتَانِ إِلَى حَدِّ التَّطَابُقِ تَقْرِيبًا، تَرْتَدِيَانِ فُسْتَانَيْنِ مُتَمَاثِلَيْنِ بِتَفْصِيلٍ مُخْتَلِفٍ طَفِيفٍ فِي الطَّوْقِ، وَقَدْ وَضَعَتْ كُلٌّ مِنْهُمَا يَدَهَا عَلَى كَتِفِ الْأُخْرَى.
لَمْ يَكُنْ فِي الصُّورَةِ مَا يُثْبِتُ شَيْئًا بِعَيْنِهِ، لَكِنَّ شَيْئًا فِي شَكْلِ الْوَجْهَيْنِ، فِي طَرِيقَةِ الْجُلُوسِ، فِي ذَلِكَ التَّطَابُقِ الْغَرِيبِ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ تَبْدُوَانِ تَوْأَمَيْنِ، جَعَلَ يَدَ رِيمَا تَرْتَجِفُ وَهِيَ تَمُدُّهَا لِتُمْسِكَ بِإِطَارِ الصُّورَةِ.
“أَتَعْرِفِينَ مَنْ هُمْ؟”
سَأَلَتْ، مُحَاوِلَةً أَنْ يَبْدُوَ صَوْتُهَا عَابِرًا، غَيْرَ مَشْدُودٍ.
تَقَدَّمَتْ فَيرُونِيكَا وَنَظَرَتْ إِلَى بِطَاقَةِ التَّعْرِيفِ الصَّغِيرَةِ الْمُلْصَقَةِ عَلَى ظَهْرِ الْإِطَارِ.
“الْمُلَاحَظَاتُ الَّتِي وَصَلَتْنَا مَعَ الْمَجْمُوعَةِ مُقْتَضَبَةٌ جِدًّا لِلْأَسَفِ، مُعْظَمُ الْوَثَائِقِ الْأَصْلِيَّةِ فُقِدَتْ أَوْ لَمْ تُحْفَظْ. لَكِنْ هُنَا مَكْتُوبٌ: ‘عَائِلَةُ نَجَّارٍ الدِّمَشْقِيَّةُ، حَوَالَيْ 1965’.”
شَعَرَتْ رِيمَا بِالْأَرْضِ تَمِيلُ تَحْتَ قَدَمَيْهَا قَلِيلًا.
“نَجَّارٌ؟ هَذَا… هَذَا اسْمُ عَائِلَتِي.”
رَفَعَتْ فَيرُونِيكَا حَاجِبَيْهَا بِمُفَاجَأَةٍ حَقِيقِيَّةٍ.
“حَقًّا؟ يَا لَهَا مِنْ مُصَادَفَةٍ لَافِتَةٍ! لَكِنَّ نَجَّارٌ اسْمٌ شَائِعٌ نِسْبِيًّا فِي الشَّرْقِ الْأَوْسَطِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ رُبَّمَا لَا صِلَةَ حَقِيقِيَّةً.”
لَمْ تُجِبْ رِيمَا.
كَانَتْ عَيْنَاهَا مُثَبَّتَتَيْنِ عَلَى الْمَرْأَتَيْنِ الْمُتَشَابِهَتَيْنِ فِي الصُّورَةِ، تُحَاوِلُ أَنْ تَقْرَأَ فِي مَلَامِحِهِمَا الْبَاهِتَةِ شَيْئًا يُشْبِهُ إِجَابَةً.
خَلْفَ الْمَرْأَتَيْنِ مُبَاشَرَةً، وَاقِفٌ بِثِقَةٍ وَاضِحَةٍ، رَجُلٌ فِي مُنْتَصَفِ الْعُمْرِ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كَتِفِ إِحْدَاهُمَا تَحْدِيدًا، الْمَرْأَةُ الَّتِي تَجْلِسُ إِلَى الْيَمِينِ، بِإِيمَاءَةٍ تَحْمِلُ شَيْئًا مِنَ الْمُلْكِيَّةِ أَكْثَرَ مِمَّا تَحْمِلُ مِنَ الْحُنُوِّ الْأبَوِيِّ الْمُعْتَادِ.
“هَلْ يُمْكِنُنِي رُؤْيَةُ بَاقِي الْوَثَائِقِ الَّتِي وَصَلَتْ مَعَ هَذِهِ الْقِطْعَةِ تَحْدِيدًا؟”
سَأَلَتْ أَخِيرًا.
“بِصِفَتِي خَبِيرَةَ تَرْمِيمٍ، قَدْ أَتَمَكَّنُ مِنَ الْمُسَاعَدَةِ فِي تَوْثِيقِ الْمَجْمُوعَةِ بِشَكْلٍ أَفْضَلَ.”
تَرَدَّدَتْ فَيرُونِيكَا لَحْظَةً، ثُمَّ قَالَتْ:
“الْمِلَفُّ الْكَامِلُ مَحْفُوظٌ فِي الْأَرْشِيفِ، لَكِنِّي أَسْتَطِيعُ أَنْ أُرِيَكِ صُورَةً عَنْهُ. تَعَالَيْ.”
قَادَتْهَا إِلَى مَكْتَبٍ صَغِيرٍ خَلْفَ الصَّالَةِ، وَفَتَحَتْ مِلَفًّا رَقْمِيًّا عَلَى شَاشَةِ حَاسُوبِهَا.
“الْمَجْمُوعَةُ بِأَكْمَلِهَا جَاءَتْنَا مِنْ مُحَامٍ فِي إِسْطَنْبُولَ، يُمَثِّلُ تَرِكَةَ سَيِّدَةٍ تُوُفِّيَتْ الشَّهْرَ الْمَاضِيَ، آخِرُ فَرْدٍ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ مِنْ فَرْعٍ مُعَيَّنٍ لِلْعَائِلَةِ.
اسْمُهَا… هُنَا، ‘وَفَاءُ نَجَّارٍ’، مَوَالِيدُ 1961، تُوُفِّيَتْ فِي إِسْطَنْبُولَ بِلَا وَرَثَةٍ مُبَاشِرِينَ.”
قَرَأَتْ رِيمَا الِاسْمَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مُتَتَالِيَةً، كَأَنَّهَا تَتَوَقَّعُ أَنْ تَتَغَيَّرَ الْحُرُوفُ أَمَامَ عَيْنَيْهَا إِنْ حَدَّقَتْ فِيهَا طَوِيلًا بِمَا يَكْفِي.
لَمْ تَسْمَعْ هَذَا الِاسْمَ فِي حَيَاتِهَا مِنْ قَبْلُ، لَا مِنْ وَالِدِهَا وَلَا مِنْ عَمِّهَا كَمَالٍ، لَا فِي حَدِيثٍ عَابِرٍ وَلَا فِي أَيِّ مُنَاسَبَةٍ عَائِلِيَّةٍ.
وَمَعَ ذَلِكَ، كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ فِي طَرِيقَةِ كِتَابَةِ الِاسْمِ فِي الْمِلَفِّ، رَقْمُ هَاتِفٍ قَدِيمٌ مَشْطُوبٌ عَلَيْهِ بِخَطٍّ يَدَوِيٍّ فِي هَامِشِ الْوَثِيقَةِ، جَعَلَهَا تَشْعُرُ أَنَّهَا لَيْسَتْ أَمَامَ اسْمٍ غَرِيبٍ تَمَامًا، بَلْ أَمَامَ قِطْعَةٍ مِنْ أُحْجِيَّةٍ كَانَتْ تُخْفَى عَنْهَا عَمْدًا طَوَالَ حَيَاتِهَا.
“هَلْ يُمْكِنُنِي الْحُصُولُ عَلَى مَعْلُومَاتِ الْمُحَامِي الَّذِي تَعَامَلْتُمْ مَعَهُ؟”
سَأَلَتْ، وَهِيَ تُحَاوِلُ إِخْفَاءَ الِارْتِجَافِ الطَّفِيفِ فِي صَوْتِهَا.
“لِأَغْرَاضِ التَّوْثِيقِ الْمِهَنِيِّ فَقَطْ، بِالطَّبْعِ.”
نَظَرَتْ فَيرُونِيكَا إِلَيْهَا بِفُضُولٍ خَفِيفٍ، كَأَنَّهَا بَدَأَتْ تَلْمَحُ أَنَّ الْأَمْرَ أَكْبَرَ مِنْ مُجَرَّدِ اهْتِمَامٍ مِهَنِيٍّ عَابِرٍ، لَكِنَّهَا لَمْ تُعَلِّقْ.
“بِالطَّبْعِ، سَأُرْسِلُ لَكِ بِطَاقَتَهُ. اسْمُهُ السَّيِّدُ أُونَال، لَهُ مَكْتَبٌ فِي حَيِّ نِيشَانْتَاشِي.”
بَيْنَمَا كَانَتْ فَيرُونِيكَا تَبْحَثُ عَنِ الْبِطَاقَةِ، أَلْقَتْ رِيمَا نَظْرَةً أَخِيرَةً عَلَى الشَّاشَةِ، عَلَى قَائِمَةِ الْقِطَعِ الْمُدْرَجَةِ تَحْتَ اسْمِ التَّرِكَةِ نَفْسِهَا.
كَانَ هُنَاكَ بَنْدٌ وَاحِدٌ لَمْ يُعْرَضْ فِي الصَّالَةِ، مَكْتُوبٌ بِإِيجَازٍ شَدِيدٍ:
“دَفْتَرُ رَسَائِلَ شَخْصِيَّةٍ، عَرَبِيٌّ، غَيْرُ مُصَنَّفٍ لِلْبَيْعِ، مَحْفُوظٌ لِلْوَرَثَةِ الْمُحْتَمَلِينَ إِنْ وُجِدُوا.”
قَرَأَتِ الْجُمْلَةَ الْأَخِيرَةَ مَرَّتَيْنِ.
“الْوَرَثَةُ الْمُحْتَمَلُونَ إِنْ وُجِدُوا.”
كَأَنَّ أَحَدًا كَانَ يَعْرِفُ، حَتَّى فِي هَذِهِ الْوَثِيقَةِ الْقَانُونِيَّةِ الْجَافَّةِ، أَنَّ هُنَاكَ مَنْ سَيَأْتِي يَوْمًا يَبْحَثُ.
خَرَجَتْ رِيمَا مِنْ بَيْتِ الْمَزَادَاتِ وَالشَّمْسُ لَا تَزَالُ عَالِيَةً فِي سَمَاءِ الظُّهِيرَةِ، لَكِنَّهَا شَعَرَتْ وَكَأَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ نَفَقٍ مُظْلِمٍ إِلَى ضَوْءٍ لَمْ تَعُدْ عَيْنَاهَا تَتَحَمَّلَانِهِ بِسُهُولَةٍ.
جَلَسَتْ عَلَى مَقْعَدٍ حَجَرِيٍّ فِي الْحَدِيقَةِ الْمُجَاوِرَةِ، وَأَخْرَجَتْ هَاتِفَهَا لِتَتَّصِلَ بِكْلَارَا، ثُمَّ تَوَقَّفَتْ.
فَكَّرَتْ فِي كَلِمَاتِ الرَّجُلِ الْمَجْهُولِ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ:
“لَيْسَ كُلُّ سِرٍّ قَدِيمٍ يَجِبُ أَنْ يُفْتَحَ بِلَا اسْتِعْدَادٍ كَافٍ.”
وَمَعَ ذَلِكَ، هَا هِيَ تَفْتَحُ بَابًا بَعْدَ بَابٍ بِيَدِهَا، وَلَا تَشْعُرُ بِأَيِّ نَدَمٍ، فَقَطْ بِجُوعٍ مُتَزَايِدٍ لِلْمَعْرِفَةِ، كَأَنَّ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ عَامًا مِنَ الْأَسْئِلَةِ الْمُؤَجَّلَةِ قَدِ اسْتَيْقَظَتْ دَفْعَةً وَاحِدَةً فِي دَاخِلِهَا.
نَظَرَتْ إِلَى الْبِطَاقَةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي أَعْطَتْهَا إِيَّاهَا فَيرُونِيكَا:
“أُونَال دَمِيرْ، مُحَامٍ، نِيشَانْتَاشِي، إِسْطَنْبُولُ.”
أَرْسَلَتْ رِسَالَةً قَصِيرَةً إِلَى كْلَارَا:
“لَنْ أَذْهَبَ إِلَى الْمُخْتَبَرِ الْيَوْمَ. سَأُخْبِرُكِ بِكُلِّ شَيْءٍ اللَّيْلَةَ. أَحْتَاجُ أَنْ أَحْجِزَ تَذْكِرَةَ طَيَرَانٍ.”
لَمْ يَمْضِ أَكْثَرُ مِنْ دَقِيقَتَيْنِ حَتَّى رَنَّ هَاتِفُهَا بِرِسَالَةٍ. لَمْ تَكُنْ مِنْ كْلَارَا.
كَانَتْ مِنَ الرَّقْمِ الْمَجْهُولِ نَفْسِهِ.
“لَاحَظْتُ أَنَّكِ زُرْتِ بَيْتَ الْمَزَادِ. حَذَّرْتُكِ مِنَ التَّسَرُّعِ، لَا مِنَ التَّوَقُّفِ. إِذَا كُنْتِ عَازِمَةً حَقًّا عَلَى الذَّهَابِ إِلَى إِسْطَنْبُولَ، فَلَا تُخْبِرِي الْمُحَامِيَ أُونَال بِاسْمِكِ الْكَامِلِ قَبْلَ أَنْ نَلْتَقِيَ أَنَا وَأَنْتِ وَجْهًا لِوَجْهٍ. سَأَكُونُ فِي مَقْهَى قُرْبَ الْمَحَطَّةِ الْمَرْكَزِيَّةِ، غَدًا فِي الرَّابِعَةِ عَصْرًا. تَعَالَيْ وَحْدَكِ.”
حَدَّقَتْ رِيمَا فِي الرِّسَالَةِ طَوِيلًا، شُعُورٌ بَارِدٌ يَتَسَلَّلُ إِلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهَا رَغْمَ دِفْءِ الشَّمْسِ فَوْقَ رَأْسِهَا.
كَيْفَ عَرَفَ بِزِيَارَتِهَا لِبَيْتِ الْمَزَادِ فِي غُضُونِ سَاعَاتٍ فَقَطْ؟
هَلْ كَانَ يُرَاقِبُهَا فِعْلًا، أَمْ أَنَّ أَحَدًا دَاخِلَ بَيْتِ الْمَزَادِ نَفْسِهِ يُبَلِّغُهُ بِتَحَرُّكَاتِهَا؟
نَظَرَتْ حَوْلَهَا فِي الْحَدِيقَةِ، إِلَى الْمَارَّةِ الْعَابِرِينَ، إِلَى النَّوَافِذِ الْمُطِلَّةِ مِنَ الْأَبْنِيَةِ الْمُجَاوِرَةِ، تَتَسَاءَلُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ إِنْ كَانَتْ عَيْنٌ مَا تُرَاقِبُهَا فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، مِنْ مَكَانٍ لَا تَسْتَطِيعُ تَحْدِيدَهُ.
وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ وَصَلَ الصُّنْدُوقُ الْخَشَبِيُّ إِلَى بَابِ بِنَايَتِهَا، لَمْ يَعُدِ الْخَوْفُ الَّذِي يَعْتَصِرُ صَدْرَهَا نَاتِجًا عَنِ الْغُمُوضِ وَحْدَهُ، بَلْ عَنْ إِدْرَاكٍ جَدِيدٍ وَمُقْلِقٍ:
أَنَّهَا لَمْ تَعُدْ تَبْحَثُ عَنِ الْحَقِيقَةِ فِي الظَّلَامِ وَحِيدَةً كَمَا ظَنَّتْ، بَلْ إِنَّ شَخْصًا مَا كَانَ يَمْشِي إِلَى جِوَارِهَا فِي ذَلِكَ الظَّلَامِ نَفْسِهِ مُنْذُ الْبِدَايَةِ، خُطْوَةً بِخُطْوَةٍ، دُونَ أَنْ تَرَاهُ وَلَوْ لِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ.
قَضَتْ رِيمَا لَيْلَتَهَا تِلْكَ فِي حَالَةٍ بَيْنَ الْيَقَظَةِ وَالنَّوْمِ، تَتَقَلَّبُ فِي فِرَاشِهَا وَذِهْنُهَا يُعِيدُ تَرْتِيبَ الْأَحْجِيَةِ نَفْسِهَا مِرَارًا: وَجْهٌ، صُورَةٌ، اسْمٌ، رِسَالَةٌ.
حِينَ اتَّصَلَتْ بِكْلَارَا فِي الصَّبَاحِ لِتُخْبِرَهَا بِمَا اكْتَشَفَتْهُ فِي بَيْتِ الْمَزَادِ، سَمِعَتْ صَمْتًا طَوِيلًا فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ مِنَ الْخَطِّ قَبْلَ أَنْ تَتَكَلَّمَ صَدِيقَتُهَا.
“رِيمَا، أَنْصِتِي إِلَيَّ جَيِّدًا. أَعْرِفُ أَنَّكِ لَنْ تَتَوَقَّفِي، وَلَنْ أُحَاوِلَ إِقْنَاعَكِ بِذَلِكَ لِأَنَّنِي أَعْرِفُكِ جَيِّدًا بِمَا يَكْفِي لِأَعْلَمَ أَنَّهُ عَبَثٌ. لَكِنِّي أَرْفُضُ أَنْ تَذْهَبِي إِلَى مَوْعِدٍ مَعَ رَجُلٍ لَا تَعْرِفِينَ عَنْهُ شَيْئًا، فِي مَقْهَى، وَحْدَكِ، دُونَ أَنْ يَعْرِفَ أَحَدٌ آخَرُ مَكَانَكِ.”
“سَأُرْسِلُ لَكِ الْمَوْقِعَ بِالضَّبْطِ قَبْلَ أَنْ أَذْهَبَ. وَسَأَبْقَى فِي مَكَانٍ عَامٍّ طَوَالَ الْوَقْتِ.”
“هَذَا لَيْسَ كَافِيًا، وَتَعْرِفِينَ ذَلِكَ.”
تَنَهَّدَتْ كْلَارَا بِوُضُوحٍ عَبْرَ الْهَاتِفِ.
“عَلَى الْأَقَلِّ، دَعِينِي أَجْلِسُ عَلَى طَاوِلَةٍ أُخْرَى فِي الْمَقْهَى نَفْسِهِ، مِنْ بَعِيدٍ، دُونَ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّنِي مَعَكِ.”
تَرَدَّدَتْ رِيمَا لَحْظَةً، ثُمَّ وَافَقَتْ، شَاعِرَةً بِارْتِيَاحٍ خَفِيٍّ لَمْ تُرِدْ أَنْ تَعْتَرِفَ بِهِ حَتَّى لِنَفْسِهَا:
أَنَّهَا كَانَتْ خَائِفَةً فِعْلًا، أَكْثَرَ مِمَّا سَمَحَتْ لِنَفْسِهَا أَنْ تُظْهِرَ.
قَبْلَ أَنْ تَتَوَجَّهَ إِلَى الْمَقْهَى، مَرَّتْ رِيمَا بِمُخْتَبَرِ التَّحْلِيلِ فِي الْمَتْحَفِ، حَيْثُ كَانَ زَمِيلُهَا الْقَدِيمُ يُورِيغْ، الْمُخْتَصُّ فِي تَحْلِيلِ الْأَصْبِغَةِ وَالْأَقْمِشَةِ، يَنْتَظِرُهَا بِنَتَائِجَ الْفَحْصِ الَّذِي أَجْرَتْهُ لَهُ سِرًّا قَبْلَ يَوْمَيْنِ عَلَى عَيِّنَةٍ دَقِيقَةٍ جِدًّا مِنْ حَافَّةِ اللَّوْحَةِ.
“النَّتِيجَةُ قَاطِعَةٌ يَا رِيمَا،”
قَالَ يُورِيغُ وَهُوَ يُقَلِّبُ أَوْرَاقَهُ.
“تَحْلِيلُ الْكَرْبُونِ الْمُشِعِّ لِلْقُمَاشِ، وَتَحْلِيلُ تَرْكِيبَةِ الْأَصْبِغَةِ الزَّيْتِيَّةِ، كِلَاهُمَا يُشِيرَانِ بِوُضُوحٍ إِلَى فَتْرَةٍ زَمَنِيَّةٍ تَتَرَاوَحُ بَيْنَ عَامَيْ 1985 وَ1990. لَا يُوجَدُ أَيُّ أَثَرٍ لِمَوَادَّ حَدِيثَةٍ، وَلَا أَيُّ عَلَامَةٍ عَلَى تَقْنِيَاتِ تَزْوِيرٍ مَعْرُوفَةٍ. اللَّوْحَةُ أَصْلِيَّةٌ، وَقَدِيمَةٌ فِعْلًا، كَمَا كُنَّا نَظُنُّ.”
هَزَّتْ رِيمَا رَأْسَهَا بِبُطْءٍ، وَكَأَنَّهَا كَانَتْ تَنْتَظِرُ هَذِهِ النَّتِيجَةَ بِالضَّبْطِ، وَمَعَ ذَلِكَ شَعَرَتْ بِثِقَلٍ إِضَافِيٍّ يَسْتَقِرُّ عَلَى صَدْرِهَا حِينَ سَمِعَتِ التَّأْكِيدَ الْعِلْمِيَّ النِّهَائِيَّ. لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ مَجَالٌ لِلشَّكِّ، وَلَا مُتَّسَعٌ لِلْأَمَلِ بِأَنَّ كُلَّ هَذَا مُجَرَّدُ خُدْعَةٍ مُتْقَنَةٍ سَتَنْكَشِفُ فِي أَيَّةِ لَحْظَةٍ.
“شَيْءٌ آخَرُ،”
أَضَافَ يُورِيغُ، وَهُوَ يُخْفِضُ صَوْتَهُ رَغْمَ أَنَّهُمَا كَانَا وَحْدَهُمَا فِي الْمُخْتَبَرِ.
“وَجَدْتُ أَثَرًا خَفِيفًا جِدًّا مِنْ طَبَقَةِ طِلَاءٍ ثَانِيَةٍ تَحْتَ الطَّبَقَةِ الظَّاهِرَةِ، فِي الرُّكْنِ الْعُلْوِيِّ الْأَيْمَنِ بِالتَّحْدِيدِ. يَبْدُو أَنَّ الرَّسَّامَ بَدَأَ بِرَسْمِ شَيْءٍ هُنَاكَ، ثُمَّ غَطَّاهُ عَمْدًا قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَهُ. لَا أَسْتَطِيعُ تَحْدِيدَ مَاهِيَّتِهِ بِدُونِ فَحْصٍ بِالْأَشِعَّةِ تَحْتَ الْحَمْرَاءِ فِي مُخْتَبَرٍ مُتَخَصِّصٍ أَكْثَرَ.”
فِي تَمَامِ السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ إِلَّا رُبْعًا، دَخَلَتْ رِيمَا الْمَقْهَى الْوَاقِعَ قُرْبَ الْمَحَطَّةِ الْمَرْكَزِيَّةِ، مَكَانٌ صَغِيرٌ يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْخَشَبُ الدَّاكِنُ وَرَائِحَةُ الْقَهْوَةِ الْمُحَمَّصَةِ حَدِيثًا.
اخْتَارَتْ طَاوِلَةً قُرْبَ النَّافِذَةِ، مِنْ حَيْثُ يُمْكِنُهَا رُؤْيَةُ الْبَابِ بِوُضُوحٍ.
جَلَسَتْ كْلَارَا عَلَى مَسَافَةِ عِدَّةِ طَاوِلَاتٍ، مُتَظَاهِرَةً بِالِانْشِغَالِ بِهَاتِفِهَا.
عِنْدَ السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ تَمَامًا، دَخَلَ رَجُلٌ فِي مُنْتَصَفِ الْأَرْبَعِينَاتِ تَقْرِيبًا، طَوِيلُ الْقَامَةِ كَمَا وَصَفَهُ بِيرْغَرُ، لَكِنَّ مَعْطِفَهُ هَذِهِ الْمَرَّةَ كَانَ فَاتِحَ اللَّوْنِ، أَخَفَّ وَقْعًا مِمَّا تَخَيَّلَتْهُ.
تَقَدَّمَ نَحْوَ طَاوِلَتِهَا مُبَاشَرَةً، دُونَ أَنْ يَتَرَدَّدَ أَوْ يَبْحَثَ حَوْلَهُ، كَأَنَّهُ يَعْرِفُ مَكَانَهَا بِالضَّبْطِ حَتَّى قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ.
“شُكْرًا لِمَجِيئِكِ،”
قَالَ وَهُوَ يَجْلِسُ أَمَامَهَا مُبَاشَرَةً، بِنَفْسِ الصَّوْتِ الْهَادِئِ الَّذِي سَمِعَتْهُ فِي الْمُكَالَمَةِ الْأُولَى.
كَانَ وَجْهُهُ عَادِيًّا بِطَرِيقَةٍ مُقْلِقَةٍ، مَلَامِحُ لَا تَلْفِتُ النَّظَرَ وَلَا تُنْسَى بِسُهُولَةٍ، عَيْنَانِ بُنِّيَّتَانِ هَادِئَتَانِ تَحْمِلَانِ شَيْئًا يُشْبِهُ الْحُزْنَ الْقَدِيمَ أَكْثَرَ مِمَّا تَحْمِلَانِ التَّهْدِيدَ.
“اسْمِي نَبِيلٌ. لَنْ أُعْطِيَكِ اسْمَ عَائِلَتِي الْآنَ، لَيْسَ لِأَنَّنِي لَا أَثِقُ بِكِ، بَلْ لِأَسْبَابٍ سَتَفْهَمِينَهَا لَاحِقًا.”
“وَلِمَاذَا يَجِبُ أَنْ أَثِقَ أَنَا بِكَ؟”
سَأَلَتْ رِيمَا مُبَاشَرَةً، مُحَاوِلَةً أَنْ يَبْدُوَ صَوْتُهَا أَقْوَى مِمَّا تَشْعُرُ بِهِ فِعْلًا.
ابْتَسَمَ نَبِيلٌ ابْتِسَامَةً خَفِيفَةً حَزِينَةً.
“لَا يَجِبُ. لَمْ أَطْلُبْ مِنْكِ ذَلِكَ. أَطْلُبُ فَقَطْ أَنْ تَسْتَمِعِي، ثُمَّ تُقَرِّرِي بِنَفْسِكِ.”
طَلَبَ فِنْجَانَ قَهْوَةٍ مِنَ النَّادِلِ الَّذِي مَرَّ بِجِوَارِهِمَا، ثُمَّ عَادَ لِيُتَابِعَ حَدِيثَهُ.
“كُنْتُ أَعْرِفُ وَفَاءَ نَجَّارٍ. عَمِلْتُ لِحِسَابِهَا لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، مُنْذُ كُنْتُ شَابًّا فِي إِسْطَنْبُولَ. كَانَتِ امْرَأَةً تَحْمِلُ سِرًّا ثَقِيلًا جِدًّا، وَقَضَتِ الْعِشْرِينَ سَنَةً الْأَخِيرَةَ مِنْ حَيَاتِهَا تُحَاوِلُ أَنْ تَجِدَ الطَّرِيقَةَ الصَّحِيحَةَ لِتُوصِلَهُ إِلَيْكِ، دُونَ أَنْ تُدَمِّرَ حَيَاتَكِ فِي هَذِهِ الْعَمَلِيَّةِ.”
“مَنْ كَانَتْ بِالنِّسْبَةِ لِي؟”
همست رِيمَا، وَقَدْ شَعَرَتْ فَجْأَةً أَنَّ صَوْتَهَا يَكَادُ يَخُونُهَا.
نَظَرَ نَبِيلٌ إِلَيْهَا طَوِيلًا، كَأَنَّهُ يَزِنُ كُلَّ كَلِمَةٍ سَيَقُولُهَا بِمِيزَانٍ دَقِيقٍ لَا يُخْطِئُ.
“كَانَتْ خَالَةَ وَالِدَتِكِ. الْأُخْتَ الْكُبْرَى لِامْرَأَةٍ اسْمُهَا لَمِيسُ، وَالَّتِي كَانَتْ، إِنْ صَحَّتْ كُلُّ الْأَدِلَّةِ الَّتِي بَيْنَ يَدَيَّ، جَدَّتَكِ الْحَقِيقِيَّةَ. لَا الْمَرْأَةَ الَّتِي عَرَفْتِهَا بِهَذَا الِاسْمِ فِي عَائِلَتِكِ.”
تَجَمَّدَتْ رِيمَا فِي مَكَانِهَا.
“هَذَا مُسْتَحِيلٌ. جَدَّتِي تُوُفِّيَتْ قَبْلَ وِلَادَتِي بِسَنَوَاتٍ، أَعْرِفُ ذَلِكَ جَيِّدًا، وَالِدِي كَانَ يَتَحَدَّثُ عَنْهَا أَحْيَانًا.”
“وَالِدُكِ،”
قَالَ نَبِيلٌ بِهُدُوءٍ مُؤْلِمٍ،
“كَانَ يَعْرِفُ الْحَقِيقَةَ جُزْئِيًّا فَقَطْ، وَرُبَّمَا لَمْ يَعْرِفْهَا كَامِلَةً أَبَدًا قَبْلَ وَفَاتِهِ. الْمَرْأَةُ الَّتِي رَبَّتْهُ وَظَنَّ طَوَالَ حَيَاتِهِ أَنَّهَا أُمُّهُ الْحَقِيقِيَّةُ، هِيَ سَلْمَى، تَوْأَمُ لَمِيسَ. تَبَادَلَتَا مَكَانَيْهِمَا فِي ظُرُوفٍ اسْتِثْنَائِيَّةٍ جِدًّا، عَامَ 1988، لِأَسْبَابٍ لَمْ تَكُنْ سَلْمَى نَفْسُهَا تَظُنُّهَا سَتَسْتَمِرُّ أَكْثَرَ مِنْ بِضْعَةِ أَشْهُرٍ.”
شَعَرَتْ رِيمَا بِالْغُرْفَةِ تَدُورُ حَوْلَهَا بُطْأً.
“وَ… أَنْوَرُ حِلْمِي؟”
سَأَلَتْ، مُتَذَكِّرَةً الْحُرُوفَ الْمُوَقَّعَةَ خَلْفَ اللَّوْحَةِ.
لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ جُلُوسِهِ، بَدَا شَيْءٌ مِنَ التَّرَدُّدِ الْحَقِيقِيِّ عَلَى وَجْهِ نَبِيلٍ.
“كَانَ الرَّجُلَ الَّذِي رَسَمَ لَمِيسَ، ذَلِكَ الْخَرِيفَ، فِي دِمَشْقَ. كَانَ أَيْضًا…”
تَوَقَّفَ لَحْظَةً، كَأَنَّهُ يُعِيدُ حِسَابَ مَا يَجِبُ أَنْ يُقَالَ الْآنَ وَمَا يَجِبُ تَأْجِيلُهُ.
“كَانَ أَيْضًا سَبَبَ اخْتِفَاءِ لَمِيسَ فِي شَهْرِ كَانُونَ الْأَوَّلِ مِنْ ذَلِكَ الْعَامِ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَرَهَا أَحَدٌ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ بَعْدَ ذَلِكَ التَّارِيخِ.”
سَادَ صَمْتٌ ثَقِيلٌ بَيْنَهُمَا.
مِنْ بَعِيدٍ، كَانَتْ كْلَارَا تُرَاقِبُ الْمَشْهَدَ بِقَلَقٍ وَاضِحٍ عَلَى وَجْهِهَا، غَيْرَ قَادِرَةٍ عَلَى سَمَاعِ الْكَلِمَاتِ لَكِنَّهَا تَرَى بِوُضُوحٍ أَنَّ شَيْئًا جَلَلًا يَتَكَشَّفُ عَلَى تِلْكَ الطَّاوِلَةِ.
“إِذَنْ سَلْمَى، الَّتِي رَبَّتْ وَالِدِي، هِيَ نَفْسُهَا الَّتِي…”
لَمْ تَسْتَطِعْ رِيمَا إِكْمَالَ الْجُمْلَةِ.
“لَا أَعْرِفُ التَّفَاصِيلَ الْكَامِلَةَ لِمَا حَدَثَ لِلَمِيسَ، وَلَا دَوْرَ سَلْمَى الْحَقِيقِيَّ فِي ذَلِكَ. هَذَا بِالضَّبْطِ مَا كَانَتْ وَفَاءُ تُحَاوِلُ أَنْ تَكْتَشِفَهُ فِي السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةِ مِنْ حَيَاتِهَا، قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهَا الْمَرَضُ. تَرَكَتْ لَكِ دَفْتَرَ رَسَائِلَ، مَحْفُوظًا فِي إِسْطَنْبُولَ، تَظُنُّ أَنَّهُ يَحْمِلُ الْإِجَابَاتِ الَّتِي بَحَثَتْ عَنْهَا طَوَالَ عُمْرِهَا وَلَمْ تَجِدْهَا كَامِلَةً.”
نَظَرَتْ رِيمَا إِلَيْهِ طَوِيلًا.
“لِمَاذَا أَنْتَ؟ لِمَاذَا تُخْبِرُنِي أَنْتَ كُلَّ هَذَا، وَلَيْسَ الْمُحَامِي، أَوْ عَمِّي كَمَالٌ؟”
اسْتَقَامَ نَبِيلٌ فِي جِلْسَتِهِ، وَنَظَرَ حَوْلَهُ بِسُرْعَةٍ تَكَادُ لَا تُلَاحَظُ، حَرَكَةً اعْتَادَ عَلَيْهَا مَنْ يَعِيشُ حَذِرًا لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ.
“لِأَنَّ عَمَّكِ كَمَالًا،”
قَالَ أَخِيرًا بِصَوْتٍ أَخْفَضَ مِمَّا سَبَقَ،
“هُوَ بِالضَّبْطِ مَنْ لَا يُرِيدُ لِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى النُّورِ أَبَدًا. وَقَدْ بَذَلَ، عَلَى مَدَى سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، جُهْدًا لَيْسَ بِالْقَلِيلِ لِيَبْقَى الْأَمْرُ كَذَلِكَ.”
غَادَرَ نَبِيلٌ الْمَقْهَى بَعْدَ أَنْ تَرَكَ لَهَا بِطَاقَةً صَغِيرَةً بَيْضَاءَ، لَا تَحْمِلُ سِوَى رَقْمِ هَاتِفٍ مَكْتُوبٍ بِخَطِّ الْيَدِ، دُونَ اسْمٍ أَوْ عُنْوَانٍ. “اتَّصِلِي بِهَذَا الرَّقْمِ حِينَ تَصِلِينَ إِلَى إِسْطَنْبُولَ، لَا قَبْلَ ذَلِكَ. وَأَرْجُوكِ، لَا تُخْبِرِي الْمُحَامِيَ أُونَال بِأَيِّ شَيْءٍ مِمَّا سَمِعْتِهِ الْيَوْمَ. دَعِيهِ يَظُنُّ أَنَّكِ مُجَرَّدُ قَرِيبَةٍ بَعِيدَةٍ جَاءَتْ لِتَتَحَقَّقَ مِنَ التَّرِكَةِ، لَا أَكْثَرَ.”
ثُمَّ نَهَضَ، وَانْسَلَّ بَيْنَ الطَّاوِلَاتِ وَاخْتَفَى فِي زِحَامِ الْمَحَطَّةِ الْمَرْكَزِيَّةِ بِسُرْعَةٍ لَافِتَةٍ، كَأَنَّهُ يَعْرِفُ كُلَّ مَخْرَجٍ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ.
هَرَعَتْ كْلَارَا إِلَى طَاوِلَتِهَا بِمُجَرَّدِ أَنِ اخْتَفَى الرَّجُلُ عَنِ الْأَنْظَارِ.
“رِيمَا، وَجْهُكِ شَاحِبٌ تَمَامًا. مَاذَا قَالَ لَكِ؟”
جَلَسَتْ رِيمَا صَامِتَةً لِلَحْظَاتٍ، تُحَاوِلُ أَنْ تَجِدَ نُقْطَةَ بِدَايَةٍ لِمَا سَمِعَتْهُ لِتوِّهَا، شَيْئًا يَجْعَلُ الْقِصَّةَ تَبْدُو مَعْقُولَةً حِينَ تُقَالُ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ فِي مَقْهًى صَاخِبٍ فِي وَسَطِ فِيينَا. أَخِيرًا، رَوَتْ لِكْلَارَا كُلَّ شَيْءٍ، كَلِمَةً كَلِمَةً، بَيْنَمَا كَانَتْ صَدِيقَتُهَا تُصْغِي بِعَيْنَيْنِ تَتَّسِعَانِ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ.
حِينَ انْتَهَتْ، بَقِيَتْ كْلَارَا صَامِتَةً طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ:
“إِذَنِ الْمَرْأَةُ الَّتِي رَبَّتْ وَالِدَكِ لَيْسَتْ جَدَّتَكِ الْحَقِيقِيَّةَ؟ وَعَمُّكِ كَمَالٌ يَعْرِفُ، وَيُخْفِي هَذَا مُنْذُ عُقُودٍ؟”
هَزَّتْ رِيمَا رَأْسَهَا بِبُطْءٍ، غَيْرَ قَادِرَةٍ عَلَى النُّطْقِ بِالْمَزِيدِ مِنَ الْكَلِمَاتِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ.
“رِيمَا، لَا يُمْكِنُكِ أَنْ تُصَدِّقِي كُلَّ كَلِمَةٍ قَالَهَا رَجُلٌ غَرِيبٌ الْتَقَيْتِهِ لِتَوِّكِ. رُبَّمَا يَكْذِبُ. رُبَّمَا لَهُ مَصْلَحَةٌ خَفِيَّةٌ لَا تَعْرِفِينَهَا.” “أَعْرِفُ ذَلِكَ،”
قَالَتْ رِيمَا أَخِيرًا.
“لَكِنَّ الصُّورَةَ فِي بَيْتِ الْمَزَادِ، وَاسْمَ وَفَاءَ، وَالتَّارِيخَ الْمَكْتُوبَ خَلْفَ اللَّوْحَةِ… كُلُّ هَذِهِ التَّفَاصِيلِ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مَحْضَ اخْتِلَاقٍ. هُنَاكَ خَيْطٌ حَقِيقِيٌّ هُنَا، حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ صَادِقًا فِي كُلِّ تَفْصِيلٍ.”
فِي طَرِيقِهَا إِلَى الْبَيْتِ، مَرَّتْ رِيمَا مَرَّةً أُخْرَى عَلَى الْمَتْحَفِ، وَنَزَلَتْ إِلَى الْأَرْشِيفِ فِي الطَّابِقِ السُّفْلِيِّ، حَيْثُ تُحْفَظُ كَتَالُوجَاتُ الْمَعَارِضِ الْقَدِيمَةِ وَسِجِلَّاتُ التَّبَادُلِ الثَّقَافِيِّ مَعَ الْمَتَاحِفِ الْأُخْرَى مُنْذُ عُقُودٍ. كَانَتِ الْأَمِينَةُ الْمَسْؤُولَةُ، سَيِّدَةٌ عَجُوزٌ تُدْعَى فْرَاو فِيرْتِيلَ، تَعْرِفُ رِيمَا جَيِّدًا مِنْ زِيَارَاتِهَا الْبَحْثِيَّةِ الْمُتَكَرِّرَةِ عَبْرَ السَّنَوَاتِ.
“أَبْحَثُ عَنْ أَيِّ إِشَارَةٍ إِلَى رَسَّامٍ سُورِيٍّ اسْمُهُ أَنْوَرُ حِلْمِي، رُبَّمَا مَعْرِضٌ خُطِّطَ لَهُ فِي أَوَاخِرِ الثَّمَانِينِيَّاتِ،”
قَالَتْ رِيمَا، مُحَاوِلَةً أَنْ يَبْدُوَ سُؤَالُهَا بَحْثًا أَكَادِيمِيًّا رُوتِينِيًّا.
بَحَثَتِ الْأَمِينَةُ فِي حَوَاسِيبِهَا الْقَدِيمَةِ وَسِجِلَّاتِهَا الْوَرَقِيَّةِ لِأَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ سَاعَةٍ، قَبْلَ أَنْ تَعُودَ بِمجَلَّدٍ رَقِيقٍ مُغَبَّرٍ.
“وَجَدْتُ شَيْئًا وَاحِدًا فَقَطْ،”
قَالَتْ، وَهِيَ تَفْتَحُ الْمجَلَّدَ عَلَى صَفْحَةٍ مُحَدَّدَةٍ.
“مُرَاسَلَةٌ بَيْنَ مَتْحَفِنَا وَمَعْهَدٍ ثَقَافِيٍّ فِي دِمَشْقَ، مُؤَرَّخَةٌ فِي تَشْرِينَ الثَّانِي مِنْ عَامِ 1987، تَتَحَدَّثُ عَنِ التَّحْضِيرِ لِمَعْرِضٍ مُشْتَرَكٍ لِفَنَّانٍ شَابٍّ وَاعِدٍ، يُدْعَى أَنْوَرُ حِلْمِي، كَانَ مُقَرَّرًا لَهُ أَنْ يُقَامَ فِي فِيينَا فِي رَبِيعِ 1988. لَكِنَّ الْمُرَاسَلَاتِ تَتَوَقَّفُ فَجْأَةً بَعْدَ ذَلِكَ، دُونَ أَيِّ تَفْسِيرٍ. لَا يُوجَدُ أَيُّ ذِكْرٍ لَاحِقٍ لِلْمَعْرِضِ، وَلَا لِإِلْغَائِهِ، كَأَنَّ الْمَلَفَّ أُغْلِقَ بِبَسَاطَةٍ وَلَمْ يُفْتَحْ مُجَدَّدًا.”
نَظَرَتْ رِيمَا إِلَى تَارِيخِ آخِرِ رِسَالَةٍ فِي الْمجَلَّدِ: الثَّانِي عَشَرَ مِنْ كَانُونَ الْأَوَّلِ 1987.
نَفْسُ الشَّهْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ نَبِيلٌ بِالضَّبْطِ، الشَّهْرُ الَّذِي اخْتَفَتْ فِيهِ لَمِيسُ.
“هَلْ يُمْكِنُنِي أَنْ آخُذَ صُورَةً عَنْ هَذِهِ الصَّفَحَاتِ؟”
سَأَلَتْ، وَصَوْتُهَا يَكَادُ يَخْتَنِقُ.
وَافَقَتِ الْأَمِينَةُ دُونَ تَرَدُّدٍ، غَيْرَ مُدْرِكَةٍ لِلثِّقَلِ الَّذِي تَحْمِلُهُ تِلْكَ الْأَوْرَاقُ الْمُتَجَعِّدَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ الْوَاقِفَةِ أَمَامَهَا.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، جَلَسَتْ رِيمَا فِي شَقَّتِهَا أَمَامَ حَاسُوبِهَا الْمَحْمُولِ، صَفْحَةُ حَجْزِ تَذَاكِرِ الطَّيَرَانِ مَفْتُوحَةٌ أَمَامَهَا، إِصْبَعُهَا يَتَرَدَّدُ فَوْقَ زِرِّ التَّأْكِيدِ.
فِيينَا – إِسْطَنْبُولُ، رِحْلَةٌ صَبَاحِيَّةٌ بَعْدَ يَوْمَيْنِ.
نَظَرَتْ إِلَى اللَّوْحَةِ الْمُعَلَّقَةِ فِي زَاوِيَةِ الْغُرْفَةِ، إِلَى وَجْهِ لَمِيسَ الَّذِي هُوَ وَجْهُهَا هِيَ بِالضَّبْطِ، وَشَعَرَتْ لِلَحْظَةٍ أَنَّ الْعَيْنَيْنِ الْمَرْسُومَتَيْنِ تُشَجِّعَانِهَا بِصَمْتٍ عَلَى الْمُضِيِّ قُدُمًا، رَغْمَ كُلِّ التَّحْذِيرَاتِ، رَغْمَ الْخَطَرِ الْغَامِضِ الَّذِي بَدَأَ يَتَشَكَّلُ فِي الْأُفُقِ.
فَكَّرَتْ فِي عَمِّهَا كَمَالٍ، فِي كُلِّ تِلْكَ الْمُكَالَمَاتِ الْقَصِيرَةِ عَبْرَ السَّنَوَاتِ، فِي بُعْدِهِ الَّذِي طَالَمَا ظَنَّتْهُ مُجَرَّدَ انْشِغَالٍ بِرَجُلِ أَعْمَالٍ مَشْغُولٍ، وَاسْتَعَادَتِ الْآنَ، فِي ضَوْءِ مَا سَمِعَتْهُ مِنْ نَبِيلٍ، مَعْنًى جَدِيدًا مُقْلِقًا لِذَلِكَ الْبُعْدِ:
رَجُلٌ يَحْمِلُ سِرًّا ثَقِيلًا، يُبْقِي مَسَافَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا لِأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ تَكْتَشِفَ يَوْمًا مَا مَا يُخْفِيهِ.
ضَغَطَتْ زِرَّ التَّأْكِيدِ أَخِيرًا.
اهْتَزَّتِ الشَّاشَةُ بِرِسَالَةِ تَأْكِيدِ الْحَجْزِ الْخَضْرَاءِ.
قَبْلَ أَنْ تُطْفِئَ الْحَاسُوبَ، تَرَدَّدَتْ لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ فَتَحَتْ سِجِلَّ جِهَاتِ الِاتِّصَالِ فِي هَاتِفِهَا، وَبَقِيَ إِصْبَعُهَا مُعَلَّقًا فَوْقَ اسْمِ
“الْعَمُّ كَمَالٌ” طَوِيلًا.
تَذَكَّرَتْ تَحْذِيرَ نَبِيلٍ الْأَوَّلَ:
“لَا تَتَّصِلِي بِعَمِّكِ كَمَالٍ بِشَأْنِهَا الْآنَ.”
لَكِنَّهَا شَعَرَتْ أَيْضًا أَنَّ الصَّمْتَ الْكَامِلَ تِجَاهَهُ، وَهِيَ عَلَى وَشَكِ السَّفَرِ إِلَى إِسْطَنْبُولَ لِتَتَعَقَّبَ سِرًّا يَخُصُّهُ هُوَ نَفْسَهُ، يَبْدُو خِيَانَةً مِنْ نَوْعٍ مَا، وَإِنْ كَانَ هُوَ مَنْ خَانَ ثِقَتَهَا أَوَّلًا بِإِخْفَائِهِ الْحَقِيقَةَ طَوَالَ هَذِهِ السَّنَوَاتِ.
فِي النِّهَايَةِ، أَغْلَقَتِ الْهَاتِفَ دُونَ أَنْ تَتَّصِلَ، وَاخْتَارَتْ بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكْتُبَ رِسَالَةً نَصِّيَّةً قَصِيرَةً، مُحَايِدَةً بِمَا يَكْفِي لِئَلَّا تُثِيرَ شُكُوكَهُ:
“عَمُّ كَمَالٌ، سَأُسَافِرُ إِلَى إِسْطَنْبُولَ لِأَيَّامٍ قَلِيلَةٍ لِعَمَلٍ يَخُصُّ الْمُتْحَفَ. أَرَدْتُ فَقَطْ أَنْ تَعْرِفَ.”
وَصَلَ الرَّدُّ بَعْدَ دَقَائِقَ قَلِيلَةٍ جِدًّا، أَسْرَعَ مِمَّا اعْتَادَتْهُ مِنْهُ عَادَةً:
“إِسْطَنْبُولُ؟ لِأَيِّ سَبَبٍ بِالتَّحْدِيدِ؟ هَلْ كُلُّ شَيْءٍ عَلَى مَا يُرَامُ يَا رِيمَا؟”
قَرَأَتِ الرِّسَالَةَ مَرَّتَيْنِ، تَتَحَسَّسُ نَبْرَتَهَا الْمَكْتُوبَةَ بِعَيْنِ مَنْ تَبْحَثُ عَنْ عَلَامَاتِ الْقَلَقِ الْحَقِيقِيِّ خَلْفَ الْكَلِمَاتِ الْمُحَايِدَةِ. لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِهَا، شَعَرَتْ أَنَّهَا لَا تَقْرَأُ رِسَالَةً مِنْ عَمِّهَا الْبَعِيدِ الْمَشْغُولِ فَحَسْبُ، بَلْ تَقْرَأُ رِسَالَةً مِنْ رَجُلٍ يُحَاوِلُ، بِطَرِيقَةٍ مُهَذَّبَةٍ هَادِئَةٍ كَعَادَتِهِ دَائِمًا، أَنْ يَعْرِفَ بِالضَّبْطِ كَمْ تَعْرِفُ هِيَ، وَإِلَى أَيْنَ وَصَلَتْ.
كَتَبَتْ رَدًّا مُقْتَضَبًا:
“كُلُّ شَيْءٍ عَلَى مَا يُرَامُ. سَأَتَّصِلُ بِكَ حِينَ أَعُودُ.”
ثُمَّ أَغْلَقَتِ الْهَاتِفَ تَمَامًا، وَوَضَعَتْهُ فِي الدُّرْجِ الْبَعِيدِ عَنْ فِرَاشِهَا، كَأَنَّهَا تُرِيدُ أَنْ تَضَعَ مَسَافَةً، وَلَوْ رَمْزِيَّةً، بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَوْتِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي بَدَأَتْ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى فِي حَيَاتِهَا، تَتَسَاءَلُ إِنْ كَانَتْ تَعْرِفُهُ حَقًّا عَلَى الْإِطْلَاقِ.
هَبَطَتِ الطَّائِرَةُ فِي مَطَارِ إِسْطَنْبُولَ عِنْدَ الظُّهِيرَةِ، تَحْتَ سَمَاءٍ رَمَادِيَّةٍ خَفِيفَةٍ تُنْذِرُ بِمَطَرٍ لَمْ يَهْطُلْ بَعْدُ. مِنْ نَافِذَةِ سَيَّارَةِ الْأُجْرَةِ، رَاقَبَتْ رِيمَا الْمَدِينَةَ وَهِيَ تَنْبَسِطُ أَمَامَهَا: مَآذِنُ نَحِيلَةٌ تَتَخَلَّلُ خَطَّ الْأُفُقِ، عِمَارَاتٌ مُتَرَاصَّةٌ عَلَى تِلَالٍ مُتَدَاخِلَةٍ، وَبُيُوتٌ خَشَبِيَّةٌ قَدِيمَةٌ هُنَا وَهُنَاكَ تُقَاوِمُ زَحْفَ الْحَدَاثَةِ بِعِنَادٍ هَادِئٍ. لَمْ تَكُنْ قَدْ زَارَتْ إِسْطَنْبُولَ مِنْ قَبْلُ، وَشَعَرَتْ لِلَحْظَةٍ غَرِيبَةٍ أَنَّهَا تَقْتَرِبُ مِنْ شَيْءٍ يُشْبِهُ عَتَبَةً، مَدِينَةٌ لَيْسَتْ دِمَشْقَ الَّتِي بِالْكَادِ تَذْكُرُهَا، وَلَيْسَتْ فِيينَا الَّتِي عَاشَتْ فِيهَا كُلَّ حَيَاتِهَا الْوَاعِيَةِ، بَلْ مَحَطَّةٌ وَسِيطَةٌ، كَأَنَّ الْقَدَرَ اخْتَارَهَا عَمْدًا لِتَكُونَ الْبَابَ الَّذِي تَعْبُرُ مِنْهُ بَيْنَ حَيَاتَيْنِ.
اسْتَقَرَّتْ فِي فُنْدُقٍ صَغِيرٍ فِي حَيِّ نِيشَانْتَاشِي، عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْ مَكْتَبِ الْمُحَامِي أُونَال. اتَّصَلَتْ بِمَكْتَبِهِ فَوْرَ وُصُولِهَا، وَحُدِّدَ لَهَا مَوْعِدٌ فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي.
قَبْلَ أَنْ تَتَّصِلَ بِالرَّقْمِ الَّذِي أَعْطَاهَا إِيَّاهُ نَبِيلٌ، جَلَسَتْ عَلَى حَافَّةِ سَرِيرِ الْفُنْدُقِ طَوِيلًا، تُحَاوِلُ أَنْ تُهَدِّئَ خَفَقَانَ قَلْبِهَا.
أَخِيرًا، ضَغَطَتْ زِرَّ الِاتِّصَالِ.
رَدَّ عَلَيْهَا مِنَ الرَّنَّةِ الْأُولَى، كَأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ الْهَاتِفَ بِيَدِهِ.
“وَصَلْتِ بِسَلَامٍ إِذَنْ. جَيِّدٌ.”
تَوَقَّفَ لَحْظَةً، ثُمَّ أَضَافَ:
“الْمُحَامِي أُونَال رَجُلٌ نَزِيهٌ، لَا تَقْلَقِي مِنْ نَاحِيَتِهِ، لَكِنَّهُ لَا يَعْرِفُ شَيْئًا عَنِ الْقِصَّةِ الْكَامِلَةِ، وَمِنَ الْأَفْضَلِ أَنْ يَبْقَى الْأَمْرُ كَذَلِكَ. هُوَ يَتَعَامَلُ مَعَ تَرِكَةِ وَفَاءٍ بِصِفَتِهِ الْقَانُونِيَّةِ الْبَحْتَةِ فَقَطْ.”
“وَأَنْتَ؟”
سَأَلَتْ رِيمَا.
“هَلْ سَتَحْضُرُ الِاجْتِمَاعَ مَعِي؟”
“لَا. لَكِنِّي سَأَكُونُ قَرِيبًا. اتَّصِلِي بِي فَوْرَ انْتِهَاءِ الِاجْتِمَاعِ.”
كَانَ مَكْتَبُ الْمُحَامِي أُونَال دَمِيرْ يَقَعُ فِي الطَّابِقِ الثَّالِثِ مِنْ بِنَايَةٍ قَدِيمَةٍ أَنِيقَةٍ، أَثَاثُهُ خَشَبِيٌّ دَاكِنٌ يُوحِي بِأَنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ مُنْذُ عُقُودٍ. اسْتَقْبَلَهَا رَجُلٌ فِي أَوَاخِرِ الْخَمْسِينَاتِ، أَنِيقٌ بِبَذْلَةٍ رَمَادِيَّةٍ، وَنَظَّارَاتٍ سَمِيكَةِ الْإِطَارِ.
“آنِسَةُ نَجَّارٍ، تَشَرَّفْتُ. تَفَضَّلِي بِالْجُلُوسِ.”
أَشَارَ إِلَى كُرْسِيٍّ أَمَامَ مَكْتَبِهِ الْمُثْقَلِ بِالْأَوْرَاقِ الْمُرَتَّبَةِ بِعِنَايَةٍ.
“أَخْبَرَتْنِي السَّيِّدَةُ فَيرُونِيكَا مِنْ بَيْتِ الْمَزَادِ أَنَّكِ مُهْتَمَّةٌ بِمَعْرِفَةِ الْمَزِيدِ عَنْ تَرِكَةِ السَّيِّدَةِ وَفَاءَ نَجَّارٍ.”
“نَعَمْ،”
قَالَتْ رِيمَا، مُخْتَارَةً كَلِمَاتِهَا بِحَذَرٍ شَدِيدٍ كَمَا نَصَحَهَا نَبِيلٌ.
“اسْمُ عَائِلَتِي نَجَّارٌ أَيْضًا، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ يَكُونَ هُنَاكَ صِلَةُ قَرَابَةٍ بَعِيدَةٍ. أُرِيدُ فَقَطْ أَنْ أَفْهَمَ خَلْفِيَّةَ السَّيِّدَةِ وَفَاءَ قَلِيلًا، إِنْ كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا.”
فَتَحَ الْمُحَامِي مِلَفًّا سَمِيكًا أَمَامَهُ.
“السَّيِّدَةُ وَفَاءُ نَجَّارٌ عَاشَتْ فِي إِسْطَنْبُولَ مُنْذُ أَوَاخِرِ الثَّمَانِينِيَّاتِ، بَعْدَ أَنْ غَادَرَتْ دِمَشْقَ فِي ظُرُوفٍ لَمْ تُصَرِّحْ بِهَا يَوْمًا لِأَحَدٍ حَسْبَ عِلْمِي، وَعَمِلَتْ لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ فِي مَجَالِ تِجَارَةِ التُّحَفِ وَالْقِطَعِ الْفَنِّيَّةِ. لَمْ تَتَزَوَّجْ قَطُّ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَوْلَادٌ. بَقِيَتْ عَلَى تَوَاصُلٍ مَحْدُودٍ جِدًّا مَعَ عَائِلَتِهَا فِي سُورِيَا، وَفِي السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةِ مِنْ حَيَاتِهَا، مَرِضَتْ بِمَرَضٍ عُضَالٍ، وَقَضَتْ مُعْظَمَ وَقْتِهَا فِي تَرْتِيبِ شُؤُونِهَا الشَّخْصِيَّةِ وَمُقْتَنَيَاتِهَا.”
“هَلْ تَرَكَتْ وَصِيَّةً مُحَدَّدَةً؟”
سَأَلَتْ رِيمَا.
“بِمَا أَنَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا وَرَثَةٌ مُبَاشِرُونَ.”
أَوْمَأَ الْمُحَامِي بِرَأْسِهِ بِبُطْءٍ.
“هَذَا هُوَ الْجُزْءُ غَيْرُ الِاعْتِيَادِيِّ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، آنِسَةُ نَجَّارٍ. تَرَكَتِ الْمُعْظَمَ لِمُؤَسَّسَةٍ خَيْرِيَّةٍ، لَكِنَّهَا خَصَّصَتْ بَنْدًا وَاحِدًا، عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ، لِمَنْ وَصَفَتْهُمْ بِـ’الْوَرَثَةِ الْمُحْتَمَلِينَ إِنْ وُجِدُوا وَتَقَدَّمُوا بِأَنْفُسِهِمْ خِلَالَ خَمْسِ سَنَوَاتٍ مِنْ وَفَاتِهَا’:
دَفْتَرُ رَسَائِلَ شَخْصِيَّةٍ، مَحْفُوظٌ فِي خِزَانَةِ إِيدَاعٍ فِي أَحَدِ الْمَصَارِفِ هُنَا فِي إِسْطَنْبُولَ، مَعَ تَعْلِيمَاتٍ صَارِمَةٍ بِأَلَّا يُفْتَحَ إِلَّا مِنْ قِبَلِ الشَّخْصِ الَّذِي يُثْبِتُ صِلَتَهُ بِالِاسْمِ الْمُحَدَّدِ فِي وَصِيَّتِهَا.”
شَعَرَتْ رِيمَا بِقَلْبِهَا يَتَسَارَعُ.
“وَمَا هُوَ ذَلِكَ الِاسْمُ؟”
نَظَرَ الْمُحَامِي إِلَيْهَا مُبَاشَرَةً، وَفِي عَيْنَيْهِ لَمْحَةٌ مِنَ الْفُضُولِ الْمِهَنِيِّ الْمَكْبُوتِ.
“كَتَبَتِ السَّيِّدَةُ وَفَاءُ فِي وَصِيَّتِهَا:
‘لِلْحَفِيدَةِ الْوَحِيدَةِ لِلَمِيسَ نَجَّارٍ، أَيًّا كَانَ اسْمُهَا الَّذِي كَبُرَتْ بِهِ، وَأَيًّا كَانَتِ الْبِلَادُ الَّتِي عَاشَتْ فِيهَا. سَتَعْرِفُ نَفْسَهَا حِينَ تَرَى الْوَجْهَ فِي دَفْتَرِ الرَّسَائِلِ.'”
سَادَ صَمْتٌ طَوِيلٌ فِي الْمَكْتَبِ. كَانَ الْمُحَامِي يُرَاقِبُ رِيمَا بِانْتِبَاهٍ دَقِيقٍ، كَأَنَّهُ يُدْرِكُ الْآنَ فَقَطْ، فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالضَّبْطِ، أَنَّ الْمَرْأَةَ الْجَالِسَةَ أَمَامَهُ رُبَّمَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ زَائِرَةٍ فُضُولِيَّةٍ تَحْمِلُ اسْمَ عَائِلَةٍ مُتَشَابِهٍ.
“أَنَا لَمِيسُ… أَقْصِدُ، جَدَّتِي اسْمُهَا لَمِيسُ،”
قَالَتْ رِيمَا أَخِيرًا، شَاعِرَةً بِأَنَّ الْكَلِمَاتِ تَخْرُجُ مِنْ فَمِهَا بِصُعُوبَةٍ غَرِيبَةٍ، كَأَنَّهَا تَنْطِقُ اسْمًا لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ حَتَّى قَبْلَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ أَنَّهُ يَخُصُّهَا.
اسْتَنَدَ الْمُحَامِي إِلَى ظَهْرِ كُرْسِيِّهِ، وَنَظَرَ إِلَيْهَا طَوِيلًا.
“إِذَنْ فَلْنَذْهَبْ إِلَى الْمَصْرِفِ الْآنَ، آنِسَةُ نَجَّارٍ. أَظُنُّ أَنَّ لَدَيْنَا أَوْرَاقًا كَثِيرَةً لِنُنْجِزَهَا، وَدَفْتَرًا يَنْتَظِرُكِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ.”
اسْتَغْرَقَتِ الْإِجْرَاءَاتُ فِي الْمَصْرِفِ سَاعَتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ:
تَحَقُّقٌ مِنَ الْهُوِيَّةِ، تَوْقِيعَاتٌ عَلَى وَثَائِقَ لَا حَصْرَ لَهَا، مُكَالَمَاتٌ هَاتِفِيَّةٌ مَعَ مُوَظَّفِي الْمَصْرِفِ الْمَرْكَزِيِّينَ لِتَأْكِيدِ صَلَاحِيَّةِ الْوَصِيَّةِ. أَخِيرًا، وَجَدَتْ رِيمَا نَفْسَهَا وَحِيدَةً فِي غُرْفَةٍ صَغِيرَةٍ مُخَصَّصَةٍ لِفَتْحِ خَزَائِنِ الْإِيدَاعِ، أَمَامَهَا صُنْدُوقٌ مَعْدِنِيٌّ مُسْتَطِيلٌ.
فَتَحَتْهُ بِيَدَيْنِ تَرْتَجِفَانِ. فِي الدَّاخِلِ، دَفْتَرٌ جِلْدِيٌّ سَمِيكٌ، غِلَافُهُ الْبُنِّيُّ مُتَآكِلٌ عِنْدَ الْحَوَافِّ، وَفَوْقَهُ، مَحْفُوظَةً بَيْنَ صَفْحَتَيْنِ فِي بِدَايَةِ الدَّفْتَرِ، صُورَةٌ فُوتُوغْرَافِيَّةٌ صَغِيرَةٌ بِالْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ.
رَفَعَتِ الصُّورَةَ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ. كَانَتِ امْرَأَةً شَابَّةً، فِي أَوَاخِرِ الْعِشْرِينَاتِ رُبَّمَا، تَقِفُ أَمَامَ مَشْغَلٍ فَنِّيٍّ يَبْدُو مِنَ اللَّوْحَاتِ الْمُنْتَشِرَةِ خَلْفَهَا، تَبْتَسِمُ ابْتِسَامَةً حَقِيقِيَّةً كَامِلَةً، مُخْتَلِفَةً تَمَامًا عَنِ التَّعْبِيرِ الْقَلِقِ الَّذِي رَأَتْهُ رِيمَا فِي اللَّوْحَةِ الْمُرْسَلَةِ إِلَيْهَا. وَفِي جَانِبِ الصُّورَةِ، وَاقِفٌ إِلَى جِوَارِهَا، رَجُلٌ نَحِيلٌ يَحْمِلُ فُرْشَاةَ رَسْمٍ فِي يَدِهِ، يَنْظُرُ إِلَيْهَا لَا إِلَى الْكَامِيرَا، بِنَظْرَةٍ لَا تَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ كَبِيرٍ لِيُدْرِكَ الْمَرْءُ طَبِيعَتَهَا.
عَلَى ظَهْرِ الصُّورَةِ، بِخَطِّ يَدٍ نِسَائِيٍّ أَنِيقٍ:
“أَنَا وَأَنْوَرُ، فِي الْمَشْغَلِ، صَيْفَ 1987. قَبْلَ أَنْ يَتَغَيَّرَ كُلُّ شَيْءٍ.”
جَلَسَتْ رِيمَا فِي تِلْكَ الْغُرْفَةِ الصَّغِيرَةِ الْبَارِدَةِ، تُحَدِّقُ فِي وَجْهِ الْمَرْأَةِ الَّتِي هِيَ جَدَّتُهَا، وَشَعَرَتْ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِهَا أَنَّهَا تَنْظُرُ إِلَى شَيْءٍ يُشْبِهُ الْمِرْآةَ حَقًّا، مِرْآةً تَعْبُرُ الزَّمَنَ لَا الْمَكَانَ فَقَطْ، وَتَعُودُ إِلَيْهَا بِوَجْهٍ يَحْمِلُ كُلَّ مَلَامِحِهَا، لَكِنَّهُ يَحْمِلُ أَيْضًا حَيَاةً كَامِلَةً لَمْ تَعِشْهَا هِيَ، حُبًّا لَمْ تَعْرِفْهُ، وَنِهَايَةً لَمْ تَكْتَشِفْهَا بَعْدُ.
فَتَحَتِ الصَّفْحَةَ الْأُولَى مِنَ الدَّفْتَرِ بِيَدٍ مُرْتَجِفَةٍ، وَبَدَأَتْ تَقْرَأُ.
كَانَ الدَّفْتَرُ مَكْتُوبًا بِخَطِّ يَدٍ أَنِيقٍ مَائِلٍ قَلِيلًا نَحْوَ الْيَمِينِ، حِبْرٌ أَزْرَقُ بَهَتَ فِي بَعْضِ الصَّفَحَاتِ حَتَّى صَارَ رَمَادِيًّا شَاحِبًا. لَمْ تَكُنْ رَسَائِلَ مُرْسَلَةً فِعْلِيًّا، بَلِ اعْتِرَافَاتٍ يَوْمِيَّةً، تَكْتُبُهَا لَمِيسُ لِنَفْسِهَا، أَوْ رُبَّمَا لِقَارِئٍ مُتَخَيَّلٍ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ يَوْمًا أَنَّهُ سَيَكُونُ حَفِيدَتَهَا، بَعْدَ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ، فِي غُرْفَةٍ بَارِدَةٍ فِي مَصْرِفٍ بِإِسْطَنْبُولَ.
قَرَأَتْ رِيمَا الصَّفْحَةَ الْأُولَى:
“دِمَشْقُ، آذَارُ 1987. الْتَقَيْتُ بِهِ الْيَوْمَ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى فِي مَعْرِضِ الرَّسَّامِينَ الشُّبَّانِ الَّذِي أَقَامَهُ الْمَعْهَدُ. لَمْ يَكُنِ اسْمُهُ مَعْرُوفًا بَعْدُ خَارِجَ دَائِرَةٍ صَغِيرَةٍ مِنَ الْفَنَّانِينَ، لَكِنَّ لَوْحَتَهُ الْمُعَلَّقَةَ فِي الرُّكْنِ الْأَخِيرِ مِنَ الصَّالَةِ أَوْقَفَتْنِي فِي مَكَانِي دُونَ أَنْ أَقْصِدَ ذَلِكَ. كَانَ يَقِفُ خَلْفِي حِينَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ:
‘أَنْتِ الشَّخْصُ الْوَحِيدُ الَّذِي وَقَفَ أَمَامَهَا أَكْثَرَ مِنْ دَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ.’
اسْمُهُ أَنْوَرُ.
رَسَّامٌ فَقِيرٌ، عَنِيدٌ، وَجْهُهُ يَحْمِلُ تَعَبَ لَيَالٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْعَمَلِ دُونَ نَوْمٍ كَافٍ.”
تَوَقَّفَتْ رِيمَا لَحْظَةً، تَتَخَيَّلُ الْمَشْهَدَ:
صَالَةُ عَرْضٍ فِي دِمَشْقَ عَامَ 1987، امْرَأَةٌ شَابَّةٌ تَقِفُ أَمَامَ لَوْحَةٍ، وَرَجُلٌ يُقَدِّمُ نَفْسَهُ بِجُمْلَةٍ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ يَوْمَئِذٍ أَنَّهَا سَتَحْمِلُ ثِقَلَ التَّارِيخِ كُلِّهِ فِيمَا بَعْدُ.
تَابَعَتِ الْقِرَاءَةَ، مُتَنَقِّلَةً عَبْرَ صَفَحَاتٍ كَتَبَتْ فِيهَا لَمِيسُ عَنْ زِيَارَاتِهَا الْمُتَكَرِّرَةِ إِلَى مَشْغَلِ أَنْوَرَ الصَّغِيرِ فِي حَيِّ الْقَيْمَرِيَّةِ، عَنِ الشَّاي الَّذِي كَانَا يَشْرَبَانِهِ عَلَى سَطْحِ الْمَبْنَى وَهُمَا يُرَاقِبَانِ الشَّمْسَ تَغِيبُ خَلْفَ الْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ، عَنِ الْحِوَارَاتِ الطَّوِيلَةِ حَوْلَ الْفَنِّ وَالسِّيَاسَةِ وَالْبِلَادِ الَّتِي كَانَا يَحْلُمَانِ بِهَا وَلَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً بَعْدُ.
“أَيْلُولُ 1987. أُخْتِي سَلْمَى تَقُولُ إِنِّي أَتَصَرَّفُ بِتَهَوُّرٍ، أَنَّ أَنْوَرَ لَيْسَ الرَّجُلَ الَّذِي تَتَخَيَّلُهُ عَائِلَتُنَا لِي. رُبَّمَا هِيَ مُحِقَّةٌ. لَكِنِّي لَمْ أَشْعُرْ يَوْمًا بِمَا أَشْعُرُ بِهِ حِينَ أَكُونُ فِي ذَلِكَ الْمَشْغَلِ، بَيْنَ رَائِحَةِ الْأَلْوَانِ الزَّيْتِيَّةِ وَصَوْتِهِ الْهَادِئِ يَشْرَحُ لِي لِمَاذَا اخْتَارَ لَوْنًا دُونَ آخَرَ لِيَمْلَأَ بِهِ ظِلًّا صَغِيرًا فِي زَاوِيَةِ لَوْحَةٍ. سَلْمَى، تَوْأَمِي، تَعْرِفُنِي أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ أَحَدٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، لَكِنَّهَا لَا تَفْهَمُ هَذَا الشُّعُورَ بِالتَّحْدِيدِ، وَرُبَّمَا لَنْ تَفْهَمَهُ أَبَدًا.”
شَعَرَتْ رِيمَا بِقُشَعْرِيرَةٍ عِنْدَ ذِكْرِ اسْمِ سَلْمَى لِلْمَرَّةِ الْأُولَى بِخَطِّ لَمِيسَ نَفْسِهَا، لَا بِرِوَايَةِ نَبِيلٍ. كَانَتْ صَادِقَةً إِذَنْ، كُلُّ تِلْكَ التَّفَاصِيلِ الَّتِي بَدَتْ لَهَا فِي الْبِدَايَةِ أَشْبَهَ بِحِكَايَةٍ مُسْتَحِيلَةٍ.
تَابَعَتِ الْقِرَاءَةَ لِسَاعَةٍ كَامِلَةٍ، تَتَنَقَّلُ بَيْنَ صَفَحَاتٍ تَحْمِلُ فَرَحًا هَادِئًا وَأُخْرَى تَحْمِلُ قَلَقًا مُتَصَاعِدًا. كَانَتْ لَمِيسُ تَكْتُبُ عَنْ عَائِلَتِهَا الَّتِي بَدَأَتْ تَضْغَطُ عَلَيْهَا لِتَتَزَوَّجَ رَجُلًا آخَرَ، مِنْ عَائِلَةٍ ثَرِيَّةٍ ذَاتِ نُفُوذٍ، اخْتَارَهُ وَالِدُهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ دُونَ أَنْ يَسْتَشِيرَهَا حَقًّا. كَانَتْ تَكْتُبُ عَنْ خَوْفِهَا الْمُتَنَامِي، وَعَنْ إِصْرَارِهَا فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ عَلَى أَلَّا تَتَخَلَّى عَنْ أَنْوَرَ رَغْمَ كُلِّ الضُّغُوطِ.
ثُمَّ وَصَلَتْ إِلَى صَفْحَةٍ مُؤَرَّخَةٍ فِي أَوَاخِرِ تِشْرِينَ الثَّانِي، خَطُّ الْيَدِ فِيهَا أَكْثَرُ اضْطِرَابًا مِنْ كُلِّ الصَّفَحَاتِ السَّابِقَةِ:
“تِشْرِينُ الثَّانِي 1987. حَدَثَ الْيَوْمَ مَا كُنْتُ أَخْشَاهُ. عَلِمَ وَالِدِي بِأَمْرِ أَنْوَرَ، وَبِأَنَّ الْمَعْرِضَ الَّذِي كَانَ سَيُقَامُ لَهُ فِي فِيينَا رُبَّمَا سَيَجْعَلُنَا نَتَزَوَّجُ وَنُغَادِرُ الْبِلَادَ مَعًا. ثَارَ ثَوْرَةً لَمْ أَرَ مِثْلَهَا مِنْهُ مِنْ قَبْلُ. قَالَ إِنَّ ‘رَجُلًا بِلَا نَسَبٍ وَلَا مَالٍ لَنْ يَحْمِلَ اسْمَ عَائِلَتِنَا أَبَدًا’، وَإِنَّ لِأَنْوَرَ ‘صِلَاتٍ مَشْبُوهَةً’ لَمْ يُفَصِّلْهَا لِي، مُلَمِّحًا إِلَى أَنَّ لِلرَّجُلِ عَلَاقَاتٍ بِأَشْخَاصٍ يَنْتَقِدُونَ السُّلْطَةَ عَلَنًا فِي لَوْحَاتِهِ وَكِتَابَاتِهِ الْخَاصَّةِ، وَأَنَّ هَذَا وَحْدَهُ كَافٍ لِيُدَمِّرَ الْعَائِلَةَ بِأَكْمَلِهَا إِنِ اسْتَمَرَّتْ عَلَاقَتِي بِهِ ظَاهِرَةً لِلْعَيَانِ. سَلْمَى وَقَفَتْ إِلَى جَانِبِي أَمَامَ وَالِدِي، لَكِنِّي رَأَيْتُ فِي عَيْنَيْهَا شَيْئًا لَمْ أَفْهَمْهُ حِينَهَا: خَوْفًا لَيْسَ عَلَيَّ فَقَطْ، بَلْ خَوْفًا مِنْ شَيْءٍ آخَرَ، أَكْبَرَ، لَمْ تَكُنْ مُسْتَعِدَّةً لِمُشَارَكَتِي إِيَّاهُ.”
نَظَرَتْ رِيمَا طَوِيلًا إِلَى تِلْكَ الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ.
“خَوْفٌ لَيْسَ عَلَيَّ فَقَطْ.”
كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ آخَرُ تَحْتَ السَّطْحِ، شَيْءٌ لَمْ تَكُنْ لَمِيسُ نَفْسُهَا تُدْرِكُهُ بِوُضُوحٍ حِينَ كَتَبَتْ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ.
قَلَّبَتِ الصَّفَحَاتِ بِسُرْعَةٍ أَكْبَرَ الْآنَ، مَدْفُوعَةً بِإِلْحَاحٍ يَقْتَرِبُ مِنَ الذُّعْرِ، تَبْحَثُ عَنِ الصَّفَحَاتِ الْأَخِيرَةِ، عَمَّا حَدَثَ فِي كَانُونَ الْأَوَّلِ. لَكِنَّهَا وَجَدَتِ الدَّفْتَرَ يَنْتَهِي فَجْأَةً عِنْدَ صَفْحَةٍ مُؤَرَّخَةٍ فِي الثَّامِنِ مِنْ كَانُونَ الْأَوَّلِ 1987، أَقْصَرَ بِكَثِيرٍ مِنْ بَاقِي الصَّفَحَاتِ، وَخَطُّ الْيَدِ فِيهَا مُتَسَارِعٌ، كَأَنَّهَا كَتَبَتْهَا عَلَى عَجَلٍ فِي لَحْظَةِ خَوْفٍ حَقِيقِيَّةٍ:
“لَا وَقْتَ لَدَيَّ لِلتَّفْصِيلِ. أَنْوَرُ يَقُولُ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نُغَادِرَ قَبْلَ نِهَايَةِ الشَّهْرِ، أَنَّ ثَمَّةَ مَنْ يُرَاقِبُهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ آمِنًا لَا لَهُ وَلَا لِي. سَلْمَى عَرَضَتْ عَلَيَّ خِطَّةً جُنُونِيَّةً الْبَارِحَةَ، لَمْ أَكُنْ أَظُنُّهَا سَتَذْهَبُ إِلَى هَذَا الْحَدِّ مِنْ أَجْلِي. سَأَكْتُبُ الْمَزِيدَ حِينَ…”
كَانَتِ الْجُمْلَةُ الْأَخِيرَةُ غَيْرَ مُكْتَمِلَةٍ، مَقْطُوعَةً فِي مُنْتَصَفِهَا كَأَنَّ يَدًا مَا انْتَزَعَتِ الْقَلَمَ مِنْ يَدِ لَمِيسَ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالضَّبْطِ، أَوْ كَأَنَّهَا لَمْ تَعُدْ قَادِرَةً عَلَى مُتَابَعَةِ الْكِتَابَةِ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَبَدًا.
بَقِيَتْ بَاقِي صَفَحَاتِ الدَّفْتَرِ فَارِغَةً تَمَامًا.
جَلَسَتْ رِيمَا فِي صَمْتٍ طَوِيلٍ، الدَّفْتَرُ مَفْتُوحٌ عَلَى تِلْكَ الصَّفْحَةِ الْأَخِيرَةِ فِي حِجْرِهَا، وَشَعَرَتْ بِدُمُوعٍ تَتَجَمَّعُ فِي عَيْنَيْهَا لِامْرَأَةٍ لَمْ تَلْتَقِ بِهَا يَوْمًا، لَكِنَّهَا شَعَرَتْ فَجْأَةً أَنَّهَا تَعْرِفُهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَرَفَتْ أَيَّ أَحَدٍ آخَرَ فِي حَيَاتِهَا، رُبَّمَا لِأَنَّهَا رَأَتْ فِي تِلْكَ الْكَلِمَاتِ الْمُرْتَبِكَةِ الْمُتَسَارِعَةِ شَيْئًا مِنْ نَفْسِهَا هِيَ، خَوْفًا تَعْرِفُهُ جَيِّدًا، وَإِصْرَارًا عَلَى الْحُبِّ رَغْمَ كُلِّ التَّحْذِيرَاتِ يُشْبِهُ إِلَى حَدٍّ مُقْلِقٍ إِصْرَارَهَا هِيَ نَفْسِهَا الْآنَ عَلَى مُتَابَعَةِ هَذَا اللُّغْزِ رَغْمَ كُلِّ مَنْ حَذَّرَهَا مِنَ الِاسْتِمْرَارِ.
“خِطَّةٌ جُنُونِيَّةٌ.”
أَعَادَتْ رِيمَا قِرَاءَةَ تِلْكَ الْعِبَارَةِ مِرَارًا.
مَاذَا فَعَلَتْ سَلْمَى بِالضَّبْطِ؟ وَكَيْفَ انْتَهَى الْأَمْرُ بِهَا هِيَ نَفْسِهَا، تَوْأَمَ لَمِيسَ، تُرَبِّي طِفْلًا يَحْمِلُ فِي عُرُوقِهِ دَمَ أُخْتِهَا لَا دَمَهَا، وَتَعِيشُ بَقِيَّةَ حَيَاتِهَا مُتَظَاهِرَةً بِأَنَّهَا أُمُّهُ الْحَقِيقِيَّةُ؟
أَغْلَقَتِ الدَّفْتَرَ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، وَاحْتَضَنَتْهُ إِلَى صَدْرِهَا لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ أَخْرَجَتْ هَاتِفَهَا وَاتَّصَلَتْ بِنَبِيلٍ فَوْرًا كَمَا وَعَدَتْهُ.
“وَجَدْتِ الدَّفْتَرَ إِذَنْ،”
قَالَ بِمُجَرَّدِ أَنْ رَدَّ، لَيْسَ سُؤَالًا بَلْ تَأْكِيدًا.
“الرَّسَائِلُ تَتَوَقَّفُ فَجْأَةً، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ فِي الثَّامِنِ مِنْ كَانُونَ الْأَوَّلِ.”
“كَيْفَ تَعْرِفُ ذَلِكَ بِالضَّبْطِ؟”
“لِأَنَّ وَفَاءَ أَخْبَرَتْنِي بِذَلِكَ بِنَفْسِهَا، مِرَارًا، فِي السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةِ مِنْ حَيَاتِهَا. كَانَتْ تُحَاوِلُ حَتَّى آخِرِ يَوْمٍ فِي حَيَاتِهَا أَنْ تَفْهَمَ مَاذَا حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ التَّارِيخِ بِالضَّبْطِ. لَمْ تَنْجَحْ أَبَدًا. لَكِنَّهَا تَرَكَتْ لِي، قَبْلَ وَفَاتِهَا بِأَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ، عُنْوَانًا وَاحِدًا فِي دِمَشْقَ، امْرَأَةٌ عَجُوزٌ لَا تَزَالُ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ، رُبَّمَا آخِرُ مَنْ يَعْرِفُ شَيْئًا حَقِيقِيًّا عَمَّا جَرَى فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ الْأَخِيرَةِ.”
شَعَرَتْ رِيمَا بِنَبْضِ قَلْبِهَا يَتَسَارَعُ مِنْ جَدِيدٍ، لَكِنَّ هَذِهِ الْمَرَّةَ لَمْ يَكُنْ خَوْفًا فَقَطْ، بَلْ شَيْئًا أَشْبَهَ بِالْحَتْمِيَّةِ.
“دِمَشْقُ إِذَنْ.”
“نَعَمْ،”
قَالَ نَبِيلٌ بِهُدُوءٍ.
“أَظُنُّكِ تَعْرِفِينَ ذَلِكَ مُنْذُ الْبِدَايَةِ، حَتَّى قَبْلَ أَنْ نَلْتَقِيَ فِي فِيينَا. كُلُّ خَيْطٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ يَقُودُ إِلَى مَكَانٍ وَاحِدٍ فِي النِّهَايَةِ.”
عَادَتْ رِيمَا إِلَى غُرْفَةِ الْفُنْدُقِ فِي إِسْطَنْبُولَ وَقَدْ أَصْبَحَ قَرَارُ السَّفَرِ إِلَى دِمَشْقَ، الَّذِي كَانَ حَتَّى سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ مُجَرَّدَ فِكْرَةٍ غَامِضَةٍ تَتَرَدَّدُ فِي ذِهْنِهَا، حَقِيقَةً لَا مَفَرَّ مِنْهَا.
جَلَسَتْ عَلَى حَافَّةِ السَّرِيرِ، تُحَدِّقُ فِي جَوَازِ سَفَرِهَا النِّمْسَاوِيِّ الْمَفْتُوحِ أَمَامَهَا، وَفَكَّرَتْ لِلَحْظَةٍ فِي مُفَارَقَةٍ غَرِيبَةٍ:
أَنَّهَا سَتَعُودُ إِلَى الْمَدِينَةِ الَّتِي وُلِدَتْ فِيهَا، كَسَائِحَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ تَحْمِلُ جَوَازَ سَفَرٍ لَا يَمُتُّ إِلَيْهَا بِصِلَةٍ ظَاهِرَةٍ، تَبْحَثُ عَنْ جَذُورٍ لَا تَعْرِفُ حَتَّى شَكْلَهَا الْحَقِيقِيَّ.
اتَّصَلَتْ بِكْلَارَا لِتُخْبِرَهَا بِمَا اكْتَشَفَتْهُ فِي الدَّفْتَرِ، وَبِقَرَارِهَا الْجَدِيدِ.
صَمَتَتْ كْلَارَا طَوِيلًا فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ مِنَ الْخَطِّ، ثُمَّ قَالَتْ بِصَوْتٍ يَحْمِلُ قَلَقًا حَقِيقِيًّا:
“دِمَشْقُ، رِيمَا؟ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ بِالتَّحْدِيدِ؟ أَنْتِ تَعْرِفِينَ أَنَّ الْوَضْعَ هُنَاكَ لَيْسَ بَسِيطًا، وَأَنَّكِ لَا تَعْرِفِينَ أَحَدًا هُنَاكَ حَقًّا، وَلَا حَتَّى اللُّغَةَ الْمَحَلِّيَّةَ الدَّارِجَةَ بِطَلَاقَةٍ كَامِلَةٍ.”
“أَعْرِفُ اللُّغَةَ الْفُصْحَى جَيِّدًا، وَبَعْضًا مِنَ الْعَامِّيَّةِ الَّتِي تَعَلَّمْتُهَا مِنْ عَمِّي عَلَى مَرِّ السِّنِينَ. سَأَكُونُ حَذِرَةً، أَعِدُكِ.”
“وَنَبِيلٌ؟ هَلْ سَيَذْهَبُ مَعَكِ؟”
“لَا أَعْرِفُ بَعْدُ. لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ صَرَاحَةً.”
بَعْدَ أَنْ أَنْهَتِ الْمُكَالَمَةَ، اتَّصَلَتْ بِنَبِيلٍ مَرَّةً أُخْرَى.
“أُرِيدُ الذَّهَابَ إِلَى الْعُنْوَانِ الَّذِي تَرَكَتْهُ وَفَاءُ. هَلْ سَتُسَاعِدُنِي؟”
سَادَ صَمْتٌ قَصِيرٌ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ.
“سَأُرْسِلُ لَكِ الْعُنْوَانَ، وَاسْمَ الْمَرْأَةِ: خَدِيجَةُ، كَانَتْ جَارَةَ عَائِلَةِ نَجَّارٍ فِي حَيِّ الشَّاغُورِ لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، وَلَا تَزَالُ تَعِيشُ فِي الْبَيْتِ نَفْسِهِ حَسْبَ آخِرِ مَعْلُومَاتٍ لَدَيَّ. لَكِنِّي لَنْ أَتَمَكَّنَ مِنْ مُرَافَقَتِكِ، آنِسَةَ نَجَّارٍ. دُخُولِي إِلَى سُورِيَا… مُعَقَّدٌ لِأَسْبَابٍ لَا أَسْتَطِيعُ الدُّخُولَ فِي تَفَاصِيلِهَا الْآنَ.”
“إِذَنْ سَأَذْهَبُ وَحْدِي.”
“أَعْرِفُ أَنَّكِ قَرَّرْتِ ذَلِكَ فِعْلًا، وَلَنْ أُحَاوِلَ ثَنْيَكِ. لَكِنْ أَرْجُوكِ، كُونِي حَذِرَةً جِدًّا، وَتَجَنَّبِي ذِكْرَ اسْمِ عَمِّكِ كَمَالٍ لِأَيِّ أَحَدٍ هُنَاكَ. لِعَائِلَةِ نَجَّارٍ لَا تَزَالُ عَلَاقَاتٌ وَاسِعَةٌ فِي دِمَشْقَ، وَلَا أَحَدَ يَعْرِفُ بِالضَّبْطِ مَنْ يُخْبِرُ مَنْ.”
قَبْلَ أَنْ تُغَادِرَ إِسْطَنْبُولَ، رَنَّ هَاتِفُهَا بِمُكَالَمَةٍ لَمْ تَكُنْ تَتَوَقَّعُهَا:
عَمُّهَا كَمَالٌ.
تَرَدَّدَتْ لِلَحْظَةٍ قَبْلَ أَنْ تَرُدَّ، ثُمَّ قَرَّرَتْ أَنَّ تَجَاهُلَ الْمُكَالَمَةِ سَيُثِيرُ شُكُوكَهُ أَكْثَرَ مِمَّا سَيُهَدِّئُهَا.
“أَلُو، عَمُّ كَمَالٌ.”
“رِيمَا! أَخِيرًا. حَاوَلْتُ الِاتِّصَالَ بِكِ مَرَّاتٍ عِدَّةً. كَيْفَ حَالُكِ فِي إِسْطَنْبُولَ؟ مَا الْعَمَلُ الَّذِي أَخَذَكِ إِلَى هُنَاكَ بِالتَّحْدِيدِ؟”
كَانَ صَوْتُهُ يَحْمِلُ نَبْرَةً وُدِّيَّةً كَعَادَتِهِ، لَكِنَّ رِيمَا، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِهَا، أَصْغَتْ إِلَى مَا وَرَاءَ النَّبْرَةِ، إِلَى التَّوَتُّرِ الْخَفِيفِ الَّذِي يَسْكُنُ خَلْفَ كُلِّ كَلِمَةٍ.
“عَمَلٌ يَخُصُّ قِطْعَةً فَنِّيَّةً وَصَلَتْ إِلَى الْمَتْحَفِ،”
قَالَتْ، مُخْتَارَةً كَذِبَةً بَيْضَاءَ قَرِيبَةً مِنَ الْحَقِيقَةِ بِمَا يَكْفِي لِتَبْدُوَ مُقْنِعَةً.
“تَحْقِيقٌ فِي أَصْلِ لَوْحَةٍ قَدِيمَةٍ، لَا شَيْءَ مُثِيرًا.”
“فَهِمْتُ.”
تَوَقَّفَ قَلِيلًا، ثُمَّ أَضَافَ بِنَبْرَةٍ حَذِرَةٍ:
“وَهَلْ سَتَبْقَيْنَ فِي إِسْطَنْبُولَ، أَمْ لَدَيْكِ خُطَطٌ أُخْرَى؟”
شَعَرَتْ رِيمَا أَنَّ السُّؤَالَ لَيْسَ بَرِيئًا كَمَا يَبْدُو، وَأَنَّهُ يَحْمِلُ خَلْفَهُ قَلَقًا حَقِيقِيًّا يُحَاوِلُ إِخْفَاءَهُ بِعِنَايَةٍ.
“لَا أَعْرِفُ بَعْدُ،”
قَالَتْ، مُتَجَنِّبَةً الْجَوَابَ الْمُبَاشِرَ.
“رُبَّمَا أَمْتَدُّ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ إِنِ اقْتَضَتِ الضَّرُورَةُ الْمِهَنِيَّةُ ذَلِكَ.”
سَادَ صَمْتٌ عَلَى الْخَطِّ لِثَوَانٍ طَوِيلَةٍ، ثُمَّ قَالَ كَمَالٌ، بِصَوْتٍ أَخَفَضَ مِمَّا سَبَقَ، وَبِنَبْرَةٍ لَمْ تَسْمَعْهَا مِنْهُ مِنْ قَبْلُ قَطُّ:
“رِيمَا، أَيًّا كَانَ مَا تُفَكِّرِينَ فِي فِعْلِهِ، أُرِيدُكِ أَنْ تَعْرِفِي شَيْئًا وَاحِدًا: كُلُّ مَا فَعَلْتُهُ، أَوْ لَمْ أَفْعَلْهُ، عَبْرَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، كَانَ بِدَافِعِ حِمَايَتِكِ أَنْتِ، لَا أَكْثَرَ. أَرْجُوكِ ثِقِي بِذَلِكَ، حَتَّى لَوْ لَمْ تَفْهَمِي كُلَّ شَيْءٍ بَعْدُ.”
تَجَمَّدَتْ رِيمَا فِي مَكَانِهَا.
لَمْ يَقُلْ أَبَدًا شَيْئًا بِهَذَا الْوُضُوحِ الْمُقْلِقِ مِنْ قَبْلُ، لَمْ يَعْتَرِفْ صَرَاحَةً بِوُجُودِ شَيْءٍ يَحْتَاجُ إِلَى
“فَهْمٍ” … مِنْ الْأَسَاسِ.
“عَمُّ كَمَالٌ، مَاذَا تَقْصِدُ بِالضَّبْطِ؟”
سَأَلَتْهُ مُبَاشَرَةً، شَاعِرَةً أَنَّ هَذِهِ رُبَّمَا أَقْرَبُ لَحْظَةٍ اقْتَرَبَتْ فِيهَا مِنَ الِاعْتِرَافِ الْكَامِلِ.
لَكِنَّهُ تَرَاجَعَ فَوْرًا، كَأَنَّهُ أَدْرَكَ أَنَّهُ تَجَاوَزَ حَدًّا لَمْ يَكُنْ يَنْوِي تَجَاوُزَهُ.
“لَا شَيْءَ مُحَدَّدًا، فَقَطْ… اعْتَنِي بِنَفْسِكِ، هَذَا كُلُّ مَا أَقْصِدُهُ. اتَّصِلِي بِي حِينَ تَسْتَقِرِّينَ فِي أَيِّ مَكَانٍ تَذْهَبِينَ إِلَيْهِ.”
وَأَغْلَقَ الْخَطَّ قَبْلَ أَنْ تَتَمَكَّنَ مِنْ طَرْحِ أَيِّ سُؤَالٍ آخَرَ.
بَقِيَتْ رِيمَا تُحَدِّقُ فِي الْهَاتِفِ الصَّامِتِ فِي يَدِهَا، تُعِيدُ فِي ذِهْنِهَا كُلَّ كَلِمَةٍ قَالَهَا عَمُّهَا، وَتَشْعُرُ أَنَّهَا اقْتَرَبَتْ لِلتَّوِّ مِنْ حَافَّةِ شَيْءٍ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا كَانَتْ تَتَخَيَّلُ، شَيْءٍ يَجْعَلُ رَجُلًا يُعْرَفُ بِبُرُودَةِ أَعْصَابِهِ وَهُدُوئِهِ الدَّائِمِ يَنْزَلِقُ، وَلَوْ لِلَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ، إِلَى شَيْءٍ يُشْبِهُ الِاعْتِرَافَ.
فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي، وَقَفَتْ رِيمَا فِي طَابُورِ الرُّكَّابِ فِي مَطَارِ إِسْطَنْبُولَ، تَنْتَظِرُ الصُّعُودَ إِلَى الطَّائِرَةِ الْمُتَّجِهَةِ إِلَى دِمَشْقَ.
حَمَلَتْ فِي حَقِيبَتِهَا الْيَدَوِيَّةِ دَفْتَرَ لَمِيسَ الْجِلْدِيَّ مَلْفُوفًا بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ، وَالصُّورَةَ الْفُوتُوغْرَافِيَّةَ الصَّغِيرَةَ، وَقَدْ تَرَكَتِ اللَّوْحَةَ الْأَصْلِيَّةَ فِي فِيينَا، فِي خِزَانَةٍ مُحْكَمَةِ الْإِغْلَاقِ فِي شَقَّةِ كْلَارَا، بَعْدَ أَنِ اتَّفَقَتَا عَلَى أَنَّ حَمْلَهَا إِلَى دِمَشْقَ سَيَكُونُ مُخَاطَرَةً لَا دَاعِيَ لَهَا.
وَبَيْنَمَا كَانَتْ تَنْتَظِرُ فِي الطَّابُورِ، شَعَرَتْ بِنَظْرَةٍ ثَابِتَةٍ عَلَى ظَهْرِهَا، تِلْكَ النَّظَرَةَ الَّتِي بَدَأَتْ تَتَعَرَّفُ عَلَيْهَا بِفِطْرَتِهَا الْجَدِيدَةِ الْمُتَيَقِّظَةِ لِكُلِّ مَنْ حَوْلَهَا. اسْتَدَارَتْ بِسُرْعَةٍ، لَكِنَّهَا لَمْ تَجِدْ سِوَى وُجُوهٍ عَابِرَةٍ لَا تَعْرِفُ مِنْهَا أَحَدًا، رُكَّابٌ مُنْشَغِلُونَ بِأَمْتِعَتِهِمْ وَهَوَاتِفِهِمْ.
رُبَّمَا كَانَ الْأَمْرُ مُجَرَّدَ وَهْمٍ، نَتِيجَةَ أَيَّامٍ مُتَوَتِّرَةٍ وَنَوْمٍ قَلِيلٍ. أَوْ رُبَّمَا، كَمَا بَدَأَتْ تَشْتَبِهُ بِعُمْقٍ مُتَزَايِدٍ، لَمْ تَكُنْ وَحِيدَةً فِعْلًا فِي هَذَا الطَّرِيقِ مُنْذُ الْبِدَايَةِ، كَمَا قَالَ نَبِيلٌ نَفْسُهُ فِي لَيْلَتِهِمَا الْأُولَى.
حِينَ أُعْلِنَ عَنِ الصُّعُودِ إِلَى الطَّائِرَةِ، سَارَتْ رِيمَا نَحْوَ الْبَوَّابَةِ بِخُطًى ثَابِتَةٍ رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ، مُدْرِكَةً أَنَّهَا عَلَى وَشَكِ عُبُورِ عَتَبَةٍ لَنْ تَكُونَ حَيَاتُهَا بَعْدَهَا كَمَا كَانَتْ قَبْلَهَا أَبَدًا.
مِنَ ارْتِفَاعِ آلَافِ الْأَقْدَامِ، بَدَتْ دِمَشْقُ لِرِيمَا كَبُقْعَةٍ ذَهَبِيَّةٍ مُتَرَامِيَةٍ عَلَى سَفْحِ جَبَلٍ عَارٍ، تَتَوَسَّطُهَا خُضْرَةٌ خَفِيفَةٌ يَعْرِفُ كُلُّ سُورِيٍّ أَنَّهَا الْغُوطَةُ، حَتَّى مَنْ لَمْ يَرَهَا مِنْ قَبْلُ بِعَيْنَيْهِ الْحَقِيقِيَّتَيْنِ.
ضَغَطَتْ جَبْهَتَهَا عَلَى زُجَاجِ النَّافِذَةِ الْبَارِدِ، وَشَعَرَتْ بِشَيْءٍ يَتَحَرَّكُ فِي أَعْمَاقِهَا لَمْ تَشْعُرْ بِمِثْلِهِ مِنْ قَبْلُ، لَيْسَ ذِكْرَى بِالْمَعْنَى الدَّقِيقِ لِلْكَلِمَةِ، بَلْ شَيْئًا أَقْدَمَ مِنَ الذِّكْرَى، كَأَنَّ جَسَدَهَا يَتَعَرَّفُ عَلَى هَذَا الْمَكَانِ حَتَّى قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ عَقْلُهَا ذَلِكَ.
عِنْدَ بَوَّابَةِ الْمَطَارِ، وَقَفَتْ فِي طَابُورٍ طَوِيلٍ لِلتَّفْتِيشِ وَخَتْمِ الْجَوَازِ، تُرَاقِبُ الْوُجُوهَ مِنْ حَوْلِهَا:
عَائِلَاتٍ عَائِدَةً مِنَ السَّفَرِ، رِجَالًا يَحْمِلُونَ أَمْتِعَةً مُرْهَقَةً، أَطْفَالًا يَرْكُضُونَ بَيْنَ السَّاقَيْنِ ضَاحِكِينَ رَغْمَ التَّعَبِ الْوَاضِحِ عَلَى وُجُوهِ ذَوِيهِمْ.
سَأَلَهَا ضَابِطُ الْجَوَازَاتِ عَنْ سَبَبِ زِيَارَتِهَا، فَأَجَابَتْ بِأَنَّهَا سَائِحَةٌ نِمْسَاوِيَّةُ الْجِنْسِيَّةِ جَاءَتْ لِزِيَارَةِ مَعَالِمَ الْمَدِينَةِ الْقَدِيمَةِ، وَشَعَرَتْ بِمَرَارَةٍ خَفِيفَةٍ وَهِيَ تَنْطِقُ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ، إِذْ لَمْ تَكُنْ سِوَى نِصْفِ كَذِبَةٍ، إِذْ كَيْفَ لَهَا أَنْ تُوصَفَ بِـ”سَائِحَةٍ” فِي مَدِينَةٍ وُلِدَتْ فِيهَا؟
اسْتَقَلَّتْ سَيَّارَةَ أُجْرَةٍ نَحْوَ فُنْدُقٍ صَغِيرٍ اخْتَارَتْهُ فِي حَيِّ الْقَيْمَرِيَّةِ، عَلَى مَقْرُبَةٍ نِسْبِيَّةٍ مِنَ الْعُنْوَانِ الَّذِي أَعْطَاهَا إِيَّاهُ نَبِيلٌ.
مِنْ نَافِذَةِ السَّيَّارَةِ، بَدَأَتِ الْمَدِينَةُ تَتَكَشَّفُ أَمَامَهَا شَيْئًا فَشَيْئًا:
شَوَارِعُ ضَيِّقَةٌ تَتَشَابَكُ بِفَوْضَى تَحْمِلُ نِظَامَهَا الْخَاصَّ، أَسْوَاقٌ مُزْدَحِمَةٌ تَفُوحُ مِنْهَا رَوَائِحُ الْبَهَارَاتِ وَالْقَهْوَةِ الْمُحَمَّصَةِ، جُدْرَانٌ حَجَرِيَّةٌ قَدِيمَةٌ تَحْمِلُ آثَارَ قُرُونٍ مِنَ التَّارِيخِ الْمُتَرَاكِمِ فَوْقَ بَعْضِهِ الْبَعْضِ دُونَ تَرْتِيبٍ وَاضِحٍ.
ثُمَّ، عِنْدَ مُنْعَطَفٍ مُفَاجِئٍ، مَرَّتِ السَّيَّارَةُ بِجَانِبِ سُورٍ حَجَرِيٍّ قَدِيمٍ تَتَسَلَّقُهُ شَجَرَةُ يَاسَمِينٍ كَثِيفَةٍ، عِطْرُهَا يَتَسَلَّلُ حَتَّى مِنْ خِلَالِ نَافِذَةِ السَّيَّارَةِ الْمُغْلَقَةِ.
تَجَمَّدَتْ رِيمَا فِي مَقْعَدِهَا.
كَانَتِ الرَّائِحَةُ نَفْسَهَا بِالضَّبْطِ، تِلْكَ الَّتِي طَالَمَا زَارَتْهَا فِي شَذَرَاتِ ذِكْرَيَاتِهَا الْمُبَعْثَرَةِ عَنْ فِنَاءٍ لَمْ تَعُدْ تَذْكُرُ شَكْلَهُ بِدِقَّةٍ.
أَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا لِلَحْظَةٍ، وَعَادَتِ الصُّورَةُ نَفْسُهَا الَّتِي زَارَتْهَا فِي فِيينَا لَيْلَةَ وُصُولِ اللَّوْحَةِ:
فِنَاءٌ صَغِيرٌ مُبَلَّطٌ بِالْحَجَرِ الْأَبْيَضِ، امْرَأَتَانِ تَجْلِسَانِ عَلَى مَقْعَدٍ خَشَبِيٍّ، إِحْدَاهُمَا تُمْسِكُ يَدَهَا الصَّغِيرَةَ.
لَكِنَّ الصُّورَةَ هَذِهِ الْمَرَّةَ كَانَتْ أَكْثَرَ وُضُوحًا مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ يَوْمًا، كَأَنَّ عَوْدَتَهَا الْفِعْلِيَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَعَادَتْ صَقْلَ حَوَافِّ تِلْكَ الذِّكْرَى الْبَعِيدَةِ.
رَأَتِ الْمَرْأَةَ الثَّانِيَةَ، الْجَالِسَةَ خَلْفَهُمَا قَلِيلًا فِي الظِّلِّ، تَتَحَرَّكُ لِلَحْظَةٍ، وَتُدِيرُ رَأْسَهَا نَحْوَهَا بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، كَأَنَّهَا عَلَى وَشَكِ أَنْ تُظْهِرَ وَجْهَهَا أَخِيرًا بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ مِنَ الْغُمُوضِ…
ثُمَّ اهْتَزَّتِ السَّيَّارَةُ فَوْقَ حُفْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ، وَعَادَتْ رِيمَا إِلَى الْحَاضِرِ فَجْأَةً، قَلْبُهَا يَخْفِقُ بِعُنْفٍ، وَيَدَاهَا مُتَعَرِّقَتَانِ عَلَى حَقِيبَتِهَا.
“هَلْ أَنْتِ بِخَيْرٍ، آنِسَةُ؟”
سَأَلَهَا السَّائِقُ مِنْ خِلَالِ الْمِرْآةِ، مُلَاحِظًا شُحُوبَ وَجْهِهَا فَجْأَةً.
“نَعَمْ، أَعْتَذِرُ، شَرَدَ ذِهْنِي قَلِيلًا،”
قَالَتْ، مُحَاوِلَةً أَنْ يَبْدُوَ صَوْتُهَا طَبِيعِيًّا.
بَعْدَ أَنِ اسْتَقَرَّتْ فِي الْفُنْدُقِ وَاسْتَحَمَّتْ سَرِيعًا لِتَنْفُضَ عَنْهَا تَعَبَ الرِّحْلَةِ، خَرَجَتْ رِيمَا لِتَتَمَشَّى وَحْدَهَا فِي الْمَدِينَةِ الْقَدِيمَةِ قَبْلَ أَنْ تَذْهَبَ فِي زِيَارَتِهَا الْأُولَى إِلَى بَيْتِ خَدِيجَةَ فِي حَيِّ الشَّاغُورِ، قَرَّرَتْ أَنْ تَمْنَحَ نَفْسَهَا بَعْضَ الْوَقْتِ لِتَتَعَافَى مِنَ الِارْتِبَاكِ الَّذِي اجْتَاحَهَا فِي السَّيَّارَةِ.
سَارَتْ عَبْرَ سُوقِ الْحَمِيدِيَّةِ الْمُسْقُوفِ، وَسَطَ زِحَامٍ صَاخِبٍ مِنَ الْبَاعَةِ وَالْمُشْتَرِينَ وَالسُّيَّاحِ الْمَحَلِّيِّينَ، تَحْتَ سَقْفٍ مَعْدِنِيٍّ قَدِيمٍ تَتَسَلَّلُ مِنْ ثُقُوبِهِ خُيُوطُ ضَوْءٍ رَقِيقَةٍ تُشْبِهُ نُجُومًا مُتَنَاثِرَةً فِي نَهَارٍ كَامِلِ الْإِضَاءَةِ.
وَقَفَتْ لِدَقِيقَةٍ أَمَامَ بَاعَةِ الْحُلَى وَالنُّحَاسِيَّاتِ، مُتَذَكِّرَةً وَصْفَ اللَّوْحَةِ الْأُولَى الَّتِي بَدَأَتْ بِهَا كُلَّ هَذِهِ الرِّحْلَةَ، لَوْحَةٌ فَلَمَنْكِيَّةٌ لِامْرَأَةٍ تَنْتَظِرُ رِسَالَةً لَمْ تَصِلْ أَبَدًا، وَشَعَرَتْ بِسُخْرِيَةٍ خَفِيفَةٍ مِنَ الْقَدَرِ:
هَا هِيَ أَيْضًا تَنْتَظِرُ رَسَائِلَ، لَكِنَّهَا هَذِهِ الْمَرَّةَ تُحَاوِلُ أَنْ تُجْبِرَ الْقَدَرَ عَلَى تَسْلِيمِهَا إِيَّاهَا بِنَفْسِهَا.
اسْتَمَرَّتْ فِي طَرِيقِهَا حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى سَاحَةِ الْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ، وَوَقَفَتْ طَوِيلًا تَتَأَمَّلُ الْمِئْذَنَتَيْنِ الشَّامِخَتَيْنِ فِي السَّمَاءِ الزَّرْقَاءِ الصَّافِيَةِ.
تَذَكَّرَتْ سَطْرًا مِنْ دَفْتَرِ لَمِيسَ:
“الشَّاي عَلَى سَطْحِ الْمَبْنَى وَنَحْنُ نُرَاقِبُ الشَّمْسَ تَغِيبُ خَلْفَ الْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ.”
نَظَرَتْ حَوْلَهَا إِلَى الْأَسْطُحِ الْمُحِيطَةِ، تَتَسَاءَلُ أَيُّهَا كَانَ سَطْحَ مَشْغَلِ أَنْوَرَ، ذَلِكَ الْمَكَانَ الَّذِي شَهِدَ بِدَايَةَ حِكَايَةٍ انْتَهَتْ، أَوْ رُبَّمَا لَمْ تَنْتَهِ بَعْدُ، بِتَشَابُكٍ عَجِيبٍ عَبْرَ ثَلَاثِينَ عَامًا حَتَّى وَصَلَتْ إِلَيْهَا هِيَ نَفْسُهَا فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ.
وَبَيْنَمَا كَانَتْ تَقِفُ هُنَاكَ، شَعَرَتْ بِيَدٍ خَفِيفَةٍ تَلْمِسُ كَتِفَهَا.
اسْتَدَارَتْ بِسُرْعَةٍ، قَلْبُهَا يَقْفِزُ فِي صَدْرِهَا، لِتَجِدَ أَمَامَهَا امْرَأَةً مُسِنَّةً، تَرْتَدِي عَبَاءَةً سَوْدَاءَ بَسِيطَةً وَغِطَاءَ رَأْسٍ أَبْيَضَ، وَجْهُهَا مَحْفُورٌ بِتَجَاعِيدَ عَمِيقَةٍ تَحْمِلُ حِكْمَةَ سِنِينَ طَوِيلَةٍ، تُحَدِّقُ فِيهَا بِنَظْرَةٍ ثَابِتَةٍ لَا تُخْطِئُهَا رِيمَا:
نَظْرَةُ مَنْ يَرَى وَجْهًا يَعْرِفُهُ جَيِّدًا، فِي مَكَانٍ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ.
“يَا إِلَهِي،”
هَمَسَتِ الْمَرْأَةُ الْعَجُوزُ بِالْعَرَبِيَّةِ، يَدُهَا تَرْتَجِفُ وَهِيَ تَرْفَعُهَا لِتُلَامِسَ خَدَّ رِيمَا بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، كَأَنَّهَا تَتَحَقَّقُ أَنَّ مَا تَرَاهُ حَقِيقِيٌّ وَلَيْسَ خَيَالًا.
“لَمِيسُ؟ هَلْ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونِي أَنْتِ حَقًّا؟ بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ الطَّوِيلَةِ؟”
وَقَفَتْ رِيمَا صَامِتَةً لِلَحْظَةٍ، غَيْرَ قَادِرَةٍ عَلَى إِيجَادِ كَلِمَاتٍ مُنَاسِبَةٍ لِلَحْظَةٍ لَمْ تَتَخَيَّلْ يَوْمًا أَنَّهَا سَتَعِيشُهَا:
امْرَأَةٌ غَرِيبَةٌ تَمَامًا فِي سَاحَةِ الْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ تُنَادِيهَا بِاسْمِ جَدَّتِهَا الرَّاحِلَةِ، وَكَأَنَّ ثَلَاثِينَ عَامًا لَمْ تَمُرَّ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
“لَسْتُ لَمِيسَ،”
قَالَتْ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ يَرْتَجِفُ رَغْمَ مُحَاوَلَتِهَا الْحِفَاظَ عَلَى هُدُوئِهَا.
“اسْمِي رِيمَا. رِيمَا نَجَّارٍ. أَظُنُّ أَنَّ لَمِيسَ… كَانَتْ جَدَّتِي.”
نَظَرَتِ الْمَرْأَةُ الْعَجُوزُ إِلَيْهَا طَوِيلًا، عَيْنَاهَا تَمْتَلِئَانِ بِدُمُوعٍ لَمْ تَسْقُطْ بَعْدُ، ثُمَّ أَطْبَقَتْ يَدَيْهَا عَلَى فَمِهَا لِلَحْظَةٍ كَأَنَّهَا تَكْبَحُ نَشِيجًا يُوشِكُ أَنْ يَنْطَلِقَ.
“بِالطَّبْعِ، بِالطَّبْعِ يَا بُنَيَّتِي، كَيْفَ لِي أَنْ أَنْسَى؟ لَمِيسُ رَحَلَتْ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ جِدًّا، أَعْرِفُ ذَلِكَ جَيِّدًا، لَكِنَّ وَجْهَكِ… وَجْهَكِ أَعَادَنِي فَجْأَةً إِلَى أَيَّامٍ ظَنَنْتُ أَنِّي دَفَنْتُهَا مَعَ ذَاكِرَتِي إِلَى الْأَبَدِ.”
مَسَحَتْ عَيْنَيْهَا بِطَرَفِ عَبَاءَتِهَا السَّوْدَاءِ.
“أَنَا خَدِيجَةُ، يَا بُنَيَّتِي. كُنْتُ جَارَةَ عَائِلَتِكُمْ فِي حَيِّ الشَّاغُورِ لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ.”
شَعَرَتْ رِيمَا بِقُشَعْرِيرَةٍ تَسْرِي فِي جَسَدِهَا كُلِّهِ.
“خَدِيجَةُ؟ أَنْتِ… أَنْتِ بِالضَّبْطِ مَنْ كُنْتُ أَنْوِي زِيَارَتَهَا الْيَوْمَ!”
أَخْرَجَتْ مِنْ حَقِيبَتِهَا الْوَرَقَةَ الصَّغِيرَةَ الَّتِي كَتَبَ عَلَيْهَا نَبِيلٌ الْعُنْوَانَ.
“كَيْفَ… كَيْفَ الْتَقَيْنَا هُنَا بِالضَّبْطِ، فِي هَذِهِ السَّاحَةِ، بِلَا مَوْعِدٍ؟”
ابْتَسَمَتْ خَدِيجَةُ ابْتِسَامَةً حَزِينَةً غَرِيبَةً.
“لَا مُصَادَفَاتٍ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ الْقَدِيمَةِ يَا بُنَيَّتِي، أَؤُمِنُ بِذَلِكَ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ. أَنَا أَمُرُّ مِنْ هُنَا كُلَّ يَوْمٍ فِي هَذَا الْوَقْتِ بِالضَّبْطِ، فِي طَرِيقِي إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ، مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ عَامًا. رُبَّمَا كَانَ الْقَدَرُ يَنْتَظِرُ هَذِهِ اللَّحْظَةَ بِالضَّبْطِ لِيُقَرِّبَنَا.”
أَمْسَكَتْ بِيَدِ رِيمَا بِحَنَانٍ لَمْ تَعْرِفْهُ مِنْ أَحَدٍ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ.
“تَعَالَيْ مَعِي إِلَى الْبَيْتِ، أَرْجُوكِ. لَدَيَّ الْكَثِيرُ لِأُخْبِرَكِ بِهِ، وَأَظُنُّ أَنَّكِ جِئْتِ مِنْ بَعِيدٍ جِدًّا لِتَسْمَعِيهِ.”
كَانَ بَيْتُ خَدِيجَةَ فِي حَيِّ الشَّاغُورِ بَيْتًا دِمَشْقِيًّا تَقْلِيدِيًّا، بِفِنَاءٍ دَاخِلِيٍّ صَغِيرٍ تَتَوَسَّطُهُ نَافُورَةٌ حَجَرِيَّةٌ صَغِيرَةٌ جَافَّةٌ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، وَأَشْجَارُ لَيْمُونٍ تُظَلِّلُ زَاوِيَةً مِنْهُ.
جَلَسَتَا عَلَى مَقَاعِدَ مُبَطَّنَةٍ قُرْبَ النَّافُورَةِ، بَيْنَمَا أَحْضَرَتِ ابْنَةُ خَدِيجَةَ الشَّابَّةُ صِينِيَّةً مِنَ الشَّايِ وَالْحَلْوَى.
“عَائِلَتُكُمْ كَانَتْ تَسْكُنُ فِي الْبَيْتِ الْمُجَاوِرِ مُبَاشَرَةً،”
بَدَأَتْ خَدِيجَةُ حَدِيثَهَا، عَيْنَاهَا تَائِهَتَانِ فِي ذِكْرَى بَعِيدَةٍ.
“كُنْتُ فِي مِثْلِ عُمُرِ لَمِيسَ وَسَلْمَى تَقْرِيبًا، كُنَّا صَدِيقَاتٍ مُنْذُ الطُّفُولَةِ، نَلْعَبُ مَعًا فِي هَذَا الْفِنَاءِ الَّذِي تَجْلِسِينَ فِيهِ الْآنَ.”
تَوَقَّفَتْ لِتَحْتَسِيَ رَشْفَةً مِنَ الشَّايِ، كَأَنَّهَا تُجَمِّعُ شَجَاعَتَهَا لِمُتَابَعَةِ الْحَدِيثِ.
“كَانَتَا مُتَشَابِهَتَيْنِ إِلَى حَدِّ الْإِعْجَازِ فِي الشَّكْلِ الْخَارِجِيِّ، لَمِيسُ وَسَلْمَى، لَكِنَّهُمَا كَانَتَا مُخْتَلِفَتَيْنِ تَمَامًا فِي الرُّوحِ. لَمِيسُ كَانَتْ حَالِمَةً، شُجَاعَةً بِطَرِيقَةٍ تَكَادُ تَكُونُ تَهَوُّرًا، تُحِبُّ الرَّسْمَ وَالشِّعْرَ وَكُلَّ مَا هُوَ خَارِجَ الْمَأْلُوفِ. أَمَّا سَلْمَى، فَكَانَتْ عَمَلِيَّةً، حَذِرَةً، تُحِبُّ أُخْتَهَا لِدَرَجَةِ الْجُنُونِ لَكِنَّهَا كَانَتْ تَخَافُ عَلَيْهَا دَائِمًا أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي.”
“وَأَنْوَرُ؟”
سَأَلَتْ رِيمَا، غَيْرَ قَادِرَةٍ عَلَى الِانْتِظَارِ أَكْثَرَ.
اكْفَهَرَّ وَجْهُ خَدِيجَةَ فَجْأَةً.
“أَنْوَرُ حِلْمِي، نَعَمْ. رَسَّامٌ مَوْهُوبٌ، لَكِنَّهُ كَانَ أَيْضًا شَابًّا لَا يَخَافُ مِنْ قَوْلِ مَا يُفَكِّرُ فِيهِ، حَتَّى فِي زَمَنٍ كَانَ فِيهِ الصَّمْتُ أَكْثَرَ أَمَانًا مِنَ الْكَلَامِ. كَانَ يَجْتَمِعُ مَعَ مَجْمُوعَةٍ صَغِيرَةٍ مِنَ الْأَصْدِقَاءِ، كُتَّابٌ وَفَنَّانُونَ شَبَابٌ، يَتَحَدَّثُونَ عَنِ التَّغْيِيرِ، عَنِ الْحُرِّيَّةِ، عَنْ أَشْيَاءَ كَانَتْ تُثِيرُ حَفِيظَةَ مَنْ لَا يُحِبُّونَ سَمَاعَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ.”
وَضَعَتْ خَدِيجَةُ فِنْجَانَ الشَّايِ عَلَى الطَّاوِلَةِ الصَّغِيرَةِ بِحَرَكَةٍ بَطِيئَةٍ مُثْقَلَةٍ.
“وَالِدُ لَمِيسَ وَسَلْمَى، أَبُو خَالِدٍ، كَانَ رَجُلًا لَهُ مَكَانَتُهُ وَعَلَاقَاتُهُ، وَكَانَ يَخْشَى أَنْ يَجْلِبَ ارْتِبَاطُ ابْنَتِهِ بِأَنْوَرَ أَنْظَارَ الْأَجْهِزَةِ الْأَمْنِيَّةِ إِلَى عَائِلَتِهِ بِأَكْمَلِهَا. حَاوَلَ كُلَّ شَيْءٍ لِيُنْهِيَ الْعَلَاقَةَ:
التَّهْدِيدَ، ثُمَّ الْإِغْرَاءَ بِزَوَاجٍ آخَرَ، ثُمَّ التَّهْدِيدَ مَرَّةً أُخْرَى، بِشَكْلٍ أَكْثَرَ خُطُورَةً هَذِهِ الْمَرَّةَ.”
“مَاذَا حَدَثَ بِالضَّبْطِ فِي كَانُونَ الْأَوَّلِ؟”
سَأَلَتْ رِيمَا بِصَوْتٍ يَكَادُ يَخْتَنِقُ.
“قَرَأْتُ فِي دَفْتَرِ لَمِيسَ أَنَّهَا كَانَتْ تَنْوِي الْهُرُوبَ مَعَ أَنْوَرَ، وَأَنَّ سَلْمَى اقْتَرَحَتْ عَلَيْهَا خُطَّةً… لَكِنَّ الدَّفْتَرَ يَتَوَقَّفُ فَجْأَةً هُنَاكَ.”
نَظَرَتْ خَدِيجَةُ إِلَى رِيمَا طَوِيلًا، وَجْهُهَا يَحْمِلُ صِرَاعًا دَاخِلِيًّا وَاضِحًا، كَأَنَّهَا تُقَرِّرُ، بَعْدَ ثَلَاثِينَ عَامًا مِنَ الصَّمْتِ، هَلْ حَانَ الْوَقْتُ أَخِيرًا لِلْكَلَامِ أَمْ لَا. أَخِيرًا، أَخَذَتْ نَفَسًا عَمِيقًا.
“فِي لَيْلَةِ الثَّامِنِ عَشَرَ مِنْ كَانُونَ الْأَوَّلِ،”
قَالَتْ بِصَوْتٍ خَافِتٍ لَا يَتَجَاوَزُ هَمْسًا،
“كَانَ مِنَ الْمُفْتَرَضِ أَنْ تَهْرُبَ لَمِيسُ مَعَ أَنْوَرَ إِلَى بَيْرُوتَ، وَمِنْهَا إِلَى أُورُبَّا، حَيْثُ كَانَ مَعْرِضُهُ فِي فِيينَا سَيَمْنَحُهُمَا سَبَبًا ظَاهِرِيًّا مَقْبُولًا لِلسَّفَرِ. سَلْمَى، الَّتِي كَانَتْ تُشْبِهُهَا تَمَامًا فِي الشَّكْلِ، اقْتَرَحَتْ أَنْ تَبْقَى هِيَ فِي دِمَشْقَ، مُنْتَحِلَةً هُوِيَّةَ أُخْتِهَا لِبِضْعَةِ أَيَّامٍ فَقَطْ، حَتَّى تَتَأَكَّدَا مِنْ أَنَّ لَمِيسَ وَصَلَتْ بِأَمَانٍ وَأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَلْحَظِ اخْتِفَاءَهَا فَوْرًا، لِتُرْبِكَ أَيَّ مُحَاوَلَةِ مُطَارَدَةٍ مُحْتَمَلَةٍ.”
توقفت خَدِيجَةُ لَحْظَةً، وَعَيْنَاهَا امْتَلَأَتَا بِدُمُوعٍ حَقِيقِيَّةٍ هَذِهِ الْمَرَّةَ.
“لَكِنَّ شَيْئًا اشْتَبَهَ بِهِ أَحَدُهُمْ. رِجَالٌ جَاءُوا فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ إِلَى بَيْتِ الْعَائِلَةِ، يَسْأَلُونَ عَنْ لَمِيسَ بِالِاسْمِ، وَوَجَدُوا سَلْمَى بَدَلًا مِنْهَا، وَاعْتَقَدُوا، وَلَوْ لِسَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ، أَنَّهُمْ أَمْسَكُوا بِالْمَرْأَةِ الَّتِي كَانُوا يَبْحَثُونَ عَنْهَا.”
“مَاذَا فَعَلُوا بِهَا؟”
هَمَسَتْ رِيمَا، وَهِيَ تُدْرِكُ أَنَّهَا عَلَى وَشَكِ سَمَاعِ الْجُزْءِ الْأَخْطَرِ مِنَ الْحِكَايَةِ كُلِّهَا.
“احْتَجَزُوهَا لِيَوْمَيْنِ كَامِلَيْنِ،”
قَالَتْ خَدِيجَةُ، صَوْتُهَا يَتَحَطَّمُ تَدْرِيجِيًّا.
“قَبْلَ أَنْ يَكْتَشِفُوا الْخَطَأَ وَيُطْلِقُوا سَرَاحَهَا. لَكِنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَتَيْنِ امْرَأَةً مُخْتَلِفَةً تَمَامًا عَنِ الْفَتَاةِ الَّتِي عَرَفْتُهَا طَوَالَ حَيَاتِي. وَحِينَ عَلِمَتْ أَنَّ لَمِيسَ لَمْ تَصِلْ إِلَى بَيْرُوتَ أَبَدًا، وَأَنَّ أَنْوَرَ اخْتَفَى هُوَ الْآخَرُ فِي الطَّرِيقِ، شَيْءٌ فِي دَاخِلِ سَلْمَى انْكَسَرَ، وَلَمْ يَعُدْ إِلَى مَكَانِهِ أَبَدًا.”
سَادَ صَمْتٌ طَوِيلٌ فِي الْفِنَاءِ، لَا يَكْسِرُهُ سِوَى حَفِيفِ أَوْرَاقِ شَجَرَةِ اللَّيْمُونِ فِي نَسِيمٍ خَفِيفٍ. كَانَتْ رِيمَا تَشْعُرُ أَنَّ قَلْبَهَا يَنْبِضُ فِي حَلْقِهَا، لَا فِي صَدْرِهَا، وَأَنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ قَدْ تَقَلَّصَ لِيُصْبِحَ هَذَا الْفِنَاءَ الصَّغِيرَ، هَذِهِ النَّافُورَةَ الْجَافَّةَ، وَهَذَا الصَّوْتَ الْمُتَحَطِّمَ الَّذِي يَرْوِي حِكَايَةَ عَائِلَتِهَا الْحَقِيقِيَّةَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ.
“وَاصِلِي، أَرْجُوكِ،”
هَمَسَتْ رِيمَا.
“أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ كُلَّ شَيْءٍ، مَهْمَا كَانَ صَعْبًا.”
تَنَهَّدَتْ خَدِيجَةُ تَنَهُّدَةً طَوِيلَةً، كَأَنَّهَا تُفَرِّغُ ثِقَلَ سَنَوَاتٍ مِنْ رِئَتَيْهَا.
“لَمْ نَعْرِفْ أَبَدًا التَّفَاصِيلَ الْكَامِلَةَ لِمَا حَدَثَ لِلَمِيسَ وَأَنْوَرَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَلَا أَحَدَ فِي الْحَيِّ يَعْرِفُهَا حَتَّى الْيَوْمَ عَلَى وَجْهِ الْيَقِينِ. مَا نَعْرِفُهُ فَقَطْ، مِمَّا تَسَرَّبَ لَاحِقًا عَبْرَ أَشْخَاصٍ كَانُوا يَعْمَلُونَ فِي ذَلِكَ الْجِهَازِ نَفْسِهِ، هُوَ أَنَّهُمَا أُوقِفَا عِنْدَ نُقْطَةِ تَفْتِيشٍ عَلَى طَرِيقِ بَيْرُوتَ، قَبْلَ أَنْ يَصِلَا إِلَى الْحُدُودِ بِسَاعَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ. كَانَ سَيَّارَتُهُمَا تَحْمِلُ لَوْحَاتٍ وَأَغْرَاضًا فَنِّيَّةً لِمَعْرِضِ أَنْوَرَ، وَهَذَا وَحْدَهُ كَانَ كَافِيًا لِيُثِيرَ شُكُوكَهُمْ.”
“وَبَعْدَ ذَلِكَ؟”
سَأَلَتْ رِيمَا، وَإِنْ كَانَ صَوْتُهَا يَتَمَنَّى أَلَّا يَسْمَعَ الْجَوَابَ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ.
“احْتُجِزَا كِلَاهُمَا،”
قَالَتْ خَدِيجَةُ،
“لَكِنِّي لَا أَعْرِفُ بِالضَّبْطِ إِلَى أَيْنَ نُقِلَا، وَلَا كَمْ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ الِاحْتِجَازُ. مَا وَصَلَ إِلَيْنَا مِنْ رِوَايَاتٍ مُتَنَاقِضَةٍ عَبْرَ السَّنَوَاتِ:
بَعْضُهُمْ قَالَ إِنَّهُمَا أُطْلِقَ سَرَاحُهُمَا بَعْدَ أَسَابِيعَ، وَغَادَرَا الْبِلَادَ سِرًّا فِي النِّهَايَةِ بِطَرِيقَةٍ مَا، دُونَ أَنْ يَتَجَرَّآ عَلَى التَّوَاصُلِ مَعَ أَحَدٍ خَوْفًا مِنْ تَعْرِيضِ الْعَائِلَةِ لِمَزِيدٍ مِنَ الْأَذَى. وَبَعْضُهُمُ الْآخَرُ يَقُولُ إِنَّ أَنْوَرَ لَمْ يُطْلَقْ سَرَاحُهُ أَبَدًا، وَأَنَّ مَصِيرَهُ بَقِيَ مَجْهُولًا تَمَامًا.”
نَظَرَتْ رِيمَا إِلَى وَجْهِ خَدِيجَةَ، تَتَحَسَّسُ فِيهِ عَنْ إِجَابَةٍ لَمْ تَتَجَرَّأِ الْمَرْأَةُ الْعَجُوزُ عَلَى قَوْلِهَا صَرَاحَةً.
“وَأَنْتِ، فِي دَاخِلِكِ، أَيَّ الرِّوَايَتَيْنِ تُصَدِّقِينَ؟”
أَطْرَقَتْ خَدِيجَةُ بِرَأْسِهَا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَتْهُ أَخِيرًا، وَفِي عَيْنَيْهَا شَيْءٌ يُشْبِهُ الِاعْتِذَارَ.
“أُصَدِّقُ أَنَّ أَحَدَهُمَا نَجَا، يَا بُنَيَّتِي. وَإِلَّا فَكَيْفَ أُفَسِّرُ خَبَرًا وَصَلَ إِلَى وَالِدِ لَمِيسَ، أَبِي خَالِدٍ، بَعْدَ أَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ مِنِ اخْتِفَائِهَا:
أَنَّ ابْنَتَهُ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ، لَكِنَّهَا لَنْ تَعُودَ أَبَدًا، وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعَائِلَةِ أَنْ تَنْسَاهَا تَمَامًا مِنْ أَجْلِ سَلَامَتِهَا هِيَ نَفْسِهَا وَسَلَامَةِ الْجَمِيعِ.”
شَعَرَتْ رِيمَا بِدُمُوعٍ سَاخِنَةٍ تَنْحَدِرُ عَلَى خَدَّيْهَا دُونَ أَنْ تُدْرِكَ مَتَى بَدَأَتْ بِالْبُكَاءِ بِالضَّبْطِ.
“إِذَنْ رُبَّمَا لَا تَزَالُ حَيَّةً؟ رُبَّمَا فِي مَكَانٍ مَا؟”
مَدَّتْ خَدِيجَةُ يَدَهَا وَأَمْسَكَتْ يَدَ رِيمَا بِحُنُوٍّ.
“بَعْدَ ثَلَاثِينَ عَامًا يَا بُنَيَّتِي، إِنْ كَانَتْ لَا تَزَالُ حَيَّةً، فَهِيَ الْآنَ فِي مِثْلِ عُمْرِي أَنَا تَقْرِيبًا. لَا أَعْرِفُ إِنِ اسْتَطَاعَتْ يَوْمًا أَنْ تَتَجَرَّأَ عَلَى التَّوَاصُلِ مَعَ أَحَدٍ، أَوْ إِنْ كَانَتْ لَا تَزَالُ خَائِفَةً حَتَّى الْآنَ. لَكِنَّ شَيْئًا وَاحِدًا أَعْرِفُهُ يَقِينًا:
وَفَاءَ، شَقِيقَةَ سَلْمَى وَلَمِيسَ الْأُخْرَى، الَّتِي انْتَقَلَتْ إِلَى إِسْطَنْبُولَ بَعْدَهَا بِسَنَوَاتٍ، كَانَتْ تَظُنُّ الشَّيْءَ نَفْسَهُ، وَقَضَتْ عُمُرَهَا كُلَّهُ تُحَاوِلُ أَنْ تَعْثُرَ عَلَى أَثَرٍ، أَيِّ أَثَرٍ، يُثْبِتُ أَوْ يَنْفِي هَذَا الِاحْتِمَالَ.”
“وَسَلْمَى؟”
سَأَلَتْ رِيمَا بَعْدَ صَمْتٍ طَوِيلٍ.
“كَيْفَ انْتَهَى بِهَا الْأَمْرُ لِتَعِيشَ بَقِيَّةَ حَيَاتِهَا مُنْتَحِلَةً هُوِيَّةَ أُخْتِهَا؟”
عَادَتْ خَدِيجَةُ لِتَحْتَسِيَ رَشْفَةً مِنَ الشَّايِ الَّذِي بَرَدَ الْآنَ تَمَامًا فِي فِنْجَانِهَا.
“بَعْدَ أَنِ اخْتَفَتْ لَمِيسُ، انْهَارَتِ الْعَائِلَةُ بِأَكْمَلِهَا. أَبُو خَالِدٍ، الَّذِي كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَحْمِي عَائِلَتَهُ بِمَنْعِ ابْنَتِهِ مِنَ الزَّوَاجِ مِمَّنْ تُحِبُّ، وَجَدَ نَفْسَهُ قَدْ خَسِرَهَا إِلَى الْأَبَدِ، وَعَاشَ بَقِيَّةَ حَيَاتِهِ يَحْمِلُ ذَلِكَ الذَّنْبَ كَحَجَرٍ ثَقِيلٍ عَلَى صَدْرِهِ. أُمُّهُمَا مَرِضَتْ بَعْدَ أَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ، حُزْنًا لَا شَكَّ، وَتُوُفِّيَتْ فِي غُضُونِ عَامَيْنِ.”
“وَبَقِيَتْ سَلْمَى وَحْدَهَا،”
تَابَعَتْ خَدِيجَةُ،
“تَحْمِلُ اسْمَ أُخْتِهَا الَّذِي كَانَتْ قَدِ انْتَحَلَتْهُ لِبِضْعَةِ أَيَّامٍ فَقَطْ، دُونَ أَنْ تَعْرِفَ كَيْفَ تَتَخَلَّى عَنْهُ الْآنَ بَعْدَ فَوَاتِ الْأَوَانِ. كَانَ النَّاسُ فِي الْحَيِّ، الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ التَّفَاصِيلَ الْكَامِلَةَ، قَدِ اعْتَادُوا عَلَى أَنَّ ‘لَمِيسَ’ هِيَ الَّتِي بَقِيَتْ، وَ’سَلْمَى’ هِيَ الَّتِي هَرَبَتْ وَاخْتَفَتْ فِي ظُرُوفٍ غَامِضَةٍ. تَصْحِيحُ ذَلِكَ كَانَ يَعْنِي فَتْحَ الْمِلَفِّ كُلِّهِ مِنْ جَدِيدٍ، وَتَعْرِيضَ مَنْ بَقِيَ مِنَ الْعَائِلَةِ لِخَطَرٍ جَدِيدٍ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مُسْتَعِدًّا لِتَحَمُّلِهِ.”
“وَحِينَ تَزَوَّجَتْ، وَأَنْجَبَتْ وَالِدِي…”
قَالَتْ رِيمَا، تَشْعُرُ أَنَّ الْقِطَعَ تَتَرَاصُّ أَخِيرًا فِي مَكَانِهَا الصَّحِيحِ.
“كَانَتْ أَصَلًا تَحْمِلُ اسْمَ ‘لَمِيسَ’ فِي كُلِّ الْأَوْرَاقِ الرَّسْمِيَّةِ.”
أَوْمَأَتْ خَدِيجَةُ بِرَأْسِهَا بِحُزْنٍ عَمِيقٍ.
“بِالضَّبْطِ يَا بُنَيَّتِي. تَزَوَّجَتْ بِاسْمِ أُخْتِهَا، وَأَنْجَبَتْ بِاسْمِ أُخْتِهَا، وَمَاتَتْ بِاسْمِ أُخْتِهَا فِي النِّهَايَةِ، حَامِلَةً سِرًّا أَثْقَلَ مِمَّا يُمْكِنُ لِأَيِّ إِنْسَانٍ أَنْ يَتَحَمَّلَهُ طَوَالَ عُمْرٍ كَامِلٍ.
وَوَالِدُكِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، نَشَأَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ أُمَّهُ هِيَ لَمِيسُ الْحَقِيقِيَّةُ، بَيْنَمَا كَانَتْ خَالَتَهُ الَّتِي حَمَلَتْ اسْمَهَا فِي الْحَقِيقَةِ.”
جَلَسَتْ رِيمَا صَامِتَةً طَوِيلًا، تُحَاوِلُ أَنْ تَسْتَوْعِبَ ثِقَلَ مَا سَمِعَتْهُ لِتَوِّهَا:
أَنَّ حَيَاتَهَا كُلَّهَا، اسْمَهَا الَّذِي حَمَلَتْهُ، الْعَائِلَةَ الَّتِي نَشَأَتْ فِيهَا، كَانَتْ جَمِيعًا مَبْنِيَّةً عَلَى انْتِحَالٍ اضْطِرَارِيٍّ دَامَ ثَلَاثِينَ عَامًا، بَدَأَ كَخُطَّةٍ يَائِسَةٍ لِأَيَّامٍ قَلِيلَةٍ لِحِمَايَةِ أُخْتٍ تُحِبُّهَا.
“عَمُّ كَمَالٌ،”
قَالَتْ أَخِيرًا، وَقَدْ بَدَأَتْ خُيُوطُ قَلَقٍ جَدِيدٍ تَتَشَابَكُ فِي ذِهْنِهَا.
“أَبِي وَعَمِّي وُلِدَا مِنْ سَلْمَى نَفْسِهَا، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ إِذَنْ هُوَ يَعْرِفُ كُلَّ هَذَا؟”
نَظَرَتْ خَدِيجَةُ إِلَيْهَا بِتَرَدُّدٍ وَاضِحٍ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ بَدْءِ حَدِيثِهِمَا.
“كَمَالٌ كَانَ الْأَصْغَرَ، وَلَمْ يُولَدْ إِلَّا بَعْدَ سِتِّ سَنَوَاتٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ. لَا أَعْرِفُ مَتَى أَوْ كَيْفَ عَرَفَ الْحَقِيقَةَ، إِنْ كَانَ يَعْرِفُهَا فِعْلًا كَامِلَةً. لَكِنِّي أَعْرِفُ شَيْئًا وَاحِدًا يَا بُنَيَّتِي، وَأَرَاهُ وَاجِبًا عَلَيَّ أَنْ أُحَذِّرَكِ مِنْهُ: قَبْلَ عِدَّةِ سَنَوَاتٍ، جَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ فِي الْحَيِّ عَنْ تَفَاصِيلِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، يَحْمِلُ بِطَاقَةَ عَمَلٍ تَحْمِلُ اسْمَ شَرِكَةٍ تِجَارِيَّةٍ فِي دُبَيَّ. حِينَ سَأَلْتُهُ لِمَنْ يَعْمَلُ، أَجَابَنِي، بَعْدَ تَرَدُّدٍ، أَنَّهُ يَعْمَلُ لِحِسَابِ رَجُلِ أَعْمَالٍ سُورِيٍّ اسْمُهُ كَمَالٌ، يُحَاوِلُ التَّأَكُّدَ مِنْ أَنَّ ‘أَحَدًا لَا يُثِيرُ قِصَصًا قَدِيمَةً قَدْ تُسِيءُ إِلَى سُمْعَةِ الْعَائِلَةِ’.”
غَادَرَتْ رِيمَا بَيْتَ خَدِيجَةَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَالْمَدِينَةُ خَلْفَهَا تَغْرَقُ تَدْرِيجِيًّا فِي ذَلِكَ الضَّوْءِ الذَّهَبِيِّ الْخَاصِّ الَّذِي تَشْتَهِرُ بِهِ دِمَشْقُ فِي هَذَا الْوَقْتِ مِنَ الْيَوْمِ.
لَمْ تَكُنْ تَشْعُرُ بِرِجْلَيْهَا تَحْتَهَا حَقًّا، كَأَنَّ ثِقَلَ مَا سَمِعَتْهُ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ الْقَلِيلَةِ قَدْ سَلَبَ جَسَدَهَا كُلَّ إِحْسَاسٍ بِالْوَاقِعِ الْمَادِيِّ الْمُبَاشِرِ.
قَبْلَ أَنْ تُغَادِرَ، طَلَبَتْ خَدِيجَةُ مِنْهَا شَيْئًا وَاحِدًا:
أَنْ تَزُورَ بَيْتَ الْعَائِلَةِ الْقَدِيمَ، الْمُجَاوِرَ مُبَاشَرَةً، وَإِنْ كَانَ قَدْ بِيعَ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ لِعَائِلَةٍ أُخْرَى.
“الْمَالِكُ الْحَالِيُّ رَجُلٌ طَيِّبٌ،”
قَالَتْ خَدِيجَةُ،
“يَعْرِفُنِي جَيِّدًا، وَلَنْ يُمَانِعَ إِنْ أَخْبَرْتِهِ أَنَّكِ حَفِيدَةُ الْعَائِلَةِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي بَنَتِ الْبَيْتَ.”
وَقَفَتْ رِيمَا أَمَامَ الْبَابِ الْخَشَبِيِّ الْمَنْقُوشِ، مُقَارِنَةً إِيَّاهُ فِي ذِهْنِهَا بِالصُّورَةِ الَّتِي رَأَتْهَا فِي بَيْتِ الْمَزَادِ فِي فِيينَا:
الْبَابُ نَفْسُهُ بِالضَّبْطِ، رَغْمَ طَبَقَاتِ الطِّلَاءِ الْجَدِيدَةِ الَّتِي حَاوَلَتِ إِخْفَاءَ عُمْرِهِ الْحَقِيقِيِّ. طَرَقَتِ الْبَابَ بِتَرَدُّدٍ، وَاسْتَقْبَلَهَا رَجُلٌ فِي الْخَمْسِينَاتِ، رَحَّبَ بِهَا بِحَفَاوَةٍ حِينَ عَرَفَ سَبَبَ زِيَارَتِهَا، وَسَمَحَ لَهَا بِالدُّخُولِ وَالتَّجَوُّلِ فِي الْفِنَاءِ الَّذِي كَانَتْ تَزُورُهُ فِي ذِكْرَيَاتِهَا الْمُبَعْثَرَةِ طَوَالَ حَيَاتِهَا.
كَانَ الْفِنَاءُ أَصْغَرَ مِمَّا تَخَيَّلَتْهُ دَائِمًا، لَكِنَّهُ كَانَ هُوَ نَفْسَهُ بِلَا شَكٍّ:
الْحَجَرُ الْأَبْيَضُ الْمُبَلَّطُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَآكَلَ فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ، وَالْجِدَارُ الْمَطْلِيُّ بِالْأَزْرَقِ الْفَاتِحِ، وَإِنْ كَانَ اللَّوْنُ قَدْ تَغَيَّرَ الْآنَ إِلَى دَرَجَةٍ مُخْتَلِفَةٍ قَلِيلًا. لَمْ تَجِدْ شَجَرَةَ الْيَاسَمِينِ الَّتِي طَالَمَا رَافَقَتْ ذِكْرَاهَا، فَقَدْ قُطِعَتْ مُنْذُ سَنَوَاتٍ حَسْبَ مَا أَخْبَرَهَا صَاحِبُ الْبَيْتِ، لَكِنَّهَا وَقَفَتْ فِي مَكَانِ الْمَقْعَدِ الْخَشَبِيِّ الْقَدِيمِ، الَّذِي لَمْ يَعُدْ مَوْجُودًا، وَأَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا، وَلِلَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، شَعَرَتْ بِيَدٍ صَغِيرَةٍ دَافِئَةٍ تُمْسِكُ بِيَدِهَا.
فِي طَرِيقِ عَوْدَتِهَا إِلَى الْفُنْدُقِ، وَقَدْ حَلَّ الظَّلَامُ تَمَامًا الْآنَ، لَاحَظَتْ رِيمَا سَيَّارَةً سَوْدَاءَ تَسِيرُ بِبُطْءٍ عَلَى مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ جِدًّا خَلْفَهَا، بِنَفْسِ السُّرْعَةِ الَّتِي تَسِيرُ بِهَا هِيَ عَلَى الرَّصِيفِ تَقْرِيبًا.
حَاوَلَتْ أَلَّا تُظْهِرَ قَلَقَهَا، فَغَيَّرَتِ اتِّجَاهَهَا فَجْأَةً نَحْوَ شَارِعٍ جَانِبِيٍّ ضَيِّقٍ.
اسْتَمَرَّتِ السَّيَّارَةُ فِي مُتَابَعَتِهَا لِبِضْعَةِ أَمْتَارٍ أُخْرَى، ثُمَّ تَوَقَّفَتْ فَجْأَةً.
تَرَجَّلَ مِنْهَا رَجُلٌ طَوِيلُ الْقَامَةِ، يَرْتَدِي بَذْلَةً دَاكِنَةَ اللَّوْنِ، وَاقْتَرَبَ مِنْهَا بِخُطًى ثَابِتَةٍ.
تَجَمَّدَ قَلْبُ رِيمَا فِي صَدْرِهَا.
فَكَّرَتْ لِلَحْظَةٍ فِي الصُّرَاخِ، لَكِنَّ الشَّارِعَ كَانَ شِبْهَ خَالٍ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ.
“آنِسَةُ نَجَّارٍ،”
قَالَ الرَّجُلُ بِنَبْرَةٍ هَادِئَةٍ لَكِنَّهَا بَارِدَةٌ تَمَامًا، بِلَا أَيِّ دِفْءٍ فِيهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ، مُخْتَلِفَةٌ تَمَامًا عَنْ صَوْتِ نَبِيلٍ الْهَادِئِ الْحَزِينِ.
“زِيَارَتُكِ لِدِمَشْقَ لَفَتَتْ أَنْظَارًا كَثِيرَةً أَكْثَرَ مِمَّا تَتَخَيَّلِينَ. أَنْصَحُكِ بِشِدَّةٍ أَنْ تُنْهِي هَذِهِ الرِّحْلَةَ الصَّغِيرَةَ، وَأَنْ تَعُودِي إِلَى فِيينَا، إِلَى حَيَاتِكِ الْهَادِئَةِ، قَبْلَ أَنْ تُوَرِّطِي نَفْسَكِ فِي أُمُورٍ لَا تَخُصُّكِ.”
“مَنْ أَنْتَ؟”
سَأَلَتْهُ رِيمَا، مُحَاوِلَةً أَنْ يَبْدُوَ صَوْتُهَا أَقْوَى مِنَ الِارْتِجَافِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي تَشْعُرُ بِهِ.
“وَمَنْ أَرْسَلَكَ؟”
ابْتَسَمَ الرَّجُلُ ابْتِسَامَةً بَارِدَةً لَا تَصِلُ إِلَى عَيْنَيْهِ.
“لَسْتُ هُنَا لِأُقَدِّمَ نَفْسِي، وَلَا لِأُخْبِرَكِ بِأَسْمَاءَ. أَنَا هُنَا فَقَطْ لِأَنْقُلَ رِسَالَةً بَسِيطَةً وَاضِحَةً:
بَعْضُ الْأَبْوَابِ أُغْلِقَتْ لِسَبَبٍ وَجِيهٍ، مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، وَأُولَئِكَ الَّذِينَ يُحَاوِلُونَ فَتْحَهَا مِنْ جَدِيدٍ عَادَةً مَا يَنْدَمُونَ عَلَى ذَلِكَ، هُمْ وَمَنْ يُحِبُّونَهُمْ.”
شَعَرَتْ رِيمَا بِبَرْدٍ حَقِيقِيٍّ يَسْرِي فِي عُرُوقِهَا عِنْدَ ذِكْرِ
“مَنْ يُحِبُّونَهُمْ”.
“هَلْ هَذَا تَهْدِيدٌ؟”
“إِنَّهَا نَصِيحَةٌ يَا آنِسَةُ نَجَّارٍ، مُقَدَّمَةٌ بِنِيَّةٍ حَسَنَةٍ حَقًّا. اِسْتَمْتِعِي بِبَقِيَّةِ إِقَامَتِكِ فِي دِمَشْقَ، زُورِي الْمَعَالِمَ السِّيَاحِيَّةَ إِنْ أَحْبَبْتِ، ثُمَّ عُودِي إِلَى بَيْتِكِ. لَا دَاعِيَ لِلْبَحْثِ أَكْثَرَ عَنْ حِكَايَاتٍ عَائِلِيَّةٍ قَدِيمَةٍ، مَاتَ أَصْحَابُهَا الْحَقِيقِيُّونَ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، وَلَا فَائِدَةَ تُرْجَى مِنْ إِزْعَاجِ رُقَادِهِمْ.”
ثُمَّ اسْتَدَارَ الرَّجُلُ بِهُدُوءٍ، وَعَادَ إِلَى سَيَّارَتِهِ، وَابْتَعَدَتِ السَّيَّارَةُ فِي الشَّارِعِ الْمُظْلِمِ، تَارِكَةً رِيمَا وَاقِفَةً وَحِيدَةً، جَسَدُهَا كُلُّهُ يَرْتَجِفُ الْآنَ رَغْمَ دِفْءِ اللَّيْلَةِ الرَّبِيعِيَّةِ.
عَادَتْ رِيمَا إِلَى الْفُنْدُقِ رَاكِضَةً تَقْرِيبًا، وَأَغْلَقَتْ بَابَ غُرْفَتِهَا خَلْفَهَا، وَاسْتَنَدَتْ إِلَيْهِ لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ، تُحَاوِلُ أَنْ تُهَدِّئَ أَنْفَاسَهَا الْمُتَقَطِّعَةَ. أَخِيرًا، اتَّصَلَتْ بِنَبِيلٍ.
“حَدَثَ شَيْءٌ لِتَوِّي،”
قَالَتْ، بِصَوْتٍ لَا يَزَالُ يَرْتَجِفُ.
رَوَتْ لَهُ كُلَّ تَفَاصِيلِ الْمُوَاجَهَةِ، بَيْنَمَا كَانَ يُصْغِي بِصَمْتٍ تَامٍّ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ.
حِينَ انْتَهَتْ، سَادَ صَمْتٌ طَوِيلٌ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ نَبِيلٌ أَخِيرًا، وَصَوْتُهُ يَحْمِلُ قَلَقًا لَمْ تَسْمَعْهُ فِيهِ مِنْ قَبْلُ.
“هَذَا أَسْرَعُ وَأَخْطَرُ مِمَّا كُنْتُ أَتَوَقَّعُ. لَمْ أَظُنَّ أَنَّهُمْ سَيَتَحَرَّكُونَ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ.”
“مَنْ هُمْ؟ هَلْ هَذَا عَمِّي كَمَالٌ؟”
“لَا أَعْتَقِدُ أَنَّ عَمَّكِ يُرْسِلُ رِجَالًا يُهَدِّدُونَكِ فِي شَوَارِعِ دِمَشْقَ لَيْلًا، رِيمَا. هَذَا لَيْسَ أُسْلُوبَهُ، وَلَيْسَ فِي مَصْلَحَتِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَنْ يُشَوِّهَ سُمْعَةَ الْعَائِلَةِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ الْفَجَّةِ.”
تَوَقَّفَ لَحْظَةً، كَأَنَّهُ يُفَكِّرُ بِعُمْقٍ فِيمَا سَيَقُولُهُ.
“أَظُنُّ أَنَّ هُنَاكَ طَرَفًا آخَرَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، رِيمَا، لَمْ نَكُنْ نَعْرِفُ بِوُجُودِهِ بَعْدُ، طَرَفًا لَهُ مَصْلَحَةٌ أَعْمَقُ بِكَثِيرٍ فِي أَنْ تَبْقَى حِكَايَةُ أَنْوَرَ حِلْمِي مَدْفُونَةً إِلَى الْأَبَدِ، أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِنْ مُجَرَّدِ حِمَايَةِ سُمْعَةِ عَائِلَةٍ وَاحِدَةٍ.”
“مَاذَا تَقْصِدُ؟”
“أَقْصِدُ يَا رِيمَا أَنَّ عَلَيْكِ أَنْ تُغَادِرِي دِمَشْقَ فِي أَقْرَبِ فُرْصَةٍ مُمْكِنَةٍ، غَدًا صَبَاحًا إِنْ أَمْكَنَ. وَحِينَ تَصِلِينَ إِلَى مَكَانٍ آمِنٍ، سَأُخْبِرُكِ بِمَا أَخْشَاهُ حَقًّا، وَبِسَبَبِ صَمْتِي حَوْلَهُ حَتَّى الْآنَ.”
لَمْ تَنَمْ رِيمَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ سِوَى سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ مُتَقَطِّعَةٍ، وَحَجَزَتْ فِي الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ عَلَى أَوَّلِ رِحْلَةٍ مُتَاحَةٍ تُغَادِرُ دِمَشْقَ، هَذِهِ الْمَرَّةَ إِلَى بَيْرُوتَ، عَلَى أَنْ تُكْمِلَ مِنْهَا طَرِيقَهَا لَاحِقًا.
شَعَرَتْ بِثِقَلٍ غَرِيبٍ وَهِيَ تَتْرُكُ الْمَدِينَةَ الَّتِي كَانَتْ، حَتَّى أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ مَضَتْ، مُجَرَّدَ اسْمٍ بَاهِتٍ فِي ذَاكِرَةٍ لَا تَتَّضِحُ مَعَالِمُهَا، وَأَصْبَحَتِ الْآنَ، فِي غُضُونِ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ، مَكَانًا يَحْمِلُ كُلَّ أَسْرَارِ حَيَاتِهَا الْحَقِيقِيَّةِ.
وَدَّعَتْ خَدِيجَةَ عَبْرَ الْهَاتِفِ قَبْلَ مُغَادَرَتِهَا الْفُنْدُقَ، وَبَكَتَا مَعًا لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ، امْرَأَتَانِ غَرِيبَتَانِ عَنْ بَعْضِهِمَا حَتَّى بِالْأَمْسِ، تَجْمَعُهُمَا الْآنَ رَابِطَةٌ لَا تُوصَفُ بِالْكَلِمَاتِ بِسُهُولَةٍ.
“عُودِي إِلَيَّ يَا بُنَيَّتِي، حِينَ يَهْدَأُ كُلُّ شَيْءٍ،”
قَالَتْ خَدِيجَةُ.
“دِمَشْقُ مَدِينَتُكِ أَنْتِ أَيْضًا، لَنْ أَسْمَحَ لِأَحَدٍ بِأَنْ يَجْعَلَكِ تَنْسَيْنَ ذَلِكَ.”
فِي مَطَارِ بَيْرُوتَ، بَيْنَمَا كَانَتْ تَنْتَظِرُ رِحْلَتَهَا الْمُتَّصِلَةَ إِلَى فِيينَا، اتَّصَلَتْ بِنَبِيلٍ كَمَا وَعَدَتْهُ.
“وَصَلْتِ إِذَنْ بِأَمَانٍ،”
قَالَ، وَبَدَا صَوْتُهُ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُرْتَاحًا حَقًّا.
“الْآنَ يُمْكِنُنِي أَنْ أُخْبِرَكِ بِمَا كُنْتُ أَخْشَاهُ.”
جَلَسَتْ رِيمَا فِي زَاوِيَةٍ هَادِئَةٍ مِنْ صَالَةِ الِانْتِظَارِ، وَأَصْغَتْ بِكُلِّ حَوَاسِّهَا.
“أَنْوَرُ حِلْمِي لَمْ يَمُتْ فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ عَامَ 1987،”
قَالَ نَبِيلٌ بِبُطْءٍ، وَكَأَنَّهُ يَخْتَارُ كُلَّ كَلِمَةٍ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ بَعْدَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الصَّمْتِ.
“احْتُجِزَ لِأَشْهُرٍ طَوِيلَةٍ، وَعُومِلَ بِقَسْوَةٍ لَا أُرِيدُ أَنْ أَصِفَهَا بِالتَّفْصِيلِ الْآنَ. لَكِنَّ ضَابِطًا كَبِيرًا فِي ذَلِكَ الْجِهَازِ، لِأَسْبَابٍ خَاصَّةٍ بِهِ لَمْ يُفْصِحْ عَنْهَا يَوْمًا، قَرَّرَ أَنْ يُنْقِذَهُ بَدَلًا مِنْ أَنْ يَتْرُكَ مَصِيرَهُ يَنْتَهِي كَمَا انْتَهَى مَصِيرُ كَثِيرِينَ غَيْرِهِ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ. أُطْلِقَ سَرَاحُهُ سِرًّا فِي النِّهَايَةِ، لَكِنْ بِشَرْطٍ لَا رَجْعَةَ فِيهِ:
أَنْ يَخْتَفِيَ إِلَى الْأَبَدِ، أَنْ يَتَخَلَّى عَنِ اسْمِهِ وَهَوِيَّتِهِ الْكَامِلَةِ، وَأَلَّا يُحَاوِلَ التَّوَاصُلَ مَعَ لَمِيسَ أَوْ أَيِّ فَرْدٍ مِنْ عَائِلَتِهَا مُطْلَقًا، مَهْمَا حَدَثَ، طَوَالَ بَقِيَّةِ حَيَاتِهِ.”
شَعَرَتْ رِيمَا بِقَلْبِهَا يَتَوَقَّفُ لِلَحْظَةٍ.
“وَلَمِيسُ؟”
“لَا أَعْرِفُ مَصِيرَهَا بِيَقِينٍ تَامٍّ حَتَّى الْآنَ،”
قَالَ نَبِيلٌ بِصِدْقٍ يَحْمِلُ حُزْنًا حَقِيقِيًّا.
“أَنْوَرُ نَفْسُهُ لَمْ يَعْرِفْ أَبَدًا مَاذَا حَدَثَ لَهَا بَعْدَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي فُرِّقَ بَيْنَهُمَا فِيهَا. عَاشَ بَقِيَّةَ حَيَاتِهِ يَحْمِلُ ذَلِكَ السُّؤَالَ كَجُرْحٍ لَمْ يُشْفَ أَبَدًا.”
“أَنْتَ تَعْرِفُ كُلَّ هَذِهِ التَّفَاصِيلِ بِدِقَّةٍ مُذْهِلَةٍ، نَبِيلٌ،”
قَالَتْ رِيمَا بَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ، شَاعِرَةً أَنَّ شَيْئًا فِي طَرِيقَةِ رِوَايَتِهِ يُخْفِي حَقِيقَةً أَعْمَقَ مِمَّا يَقُولُ.
“أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا يَعْرِفُهُ مُوَظَّفٌ عَادِيٌّ كَانَ يَعْمَلُ لِحِسَابِ وَفَاءَ فَقَطْ.”
سَادَ صَمْتٌ طَوِيلٌ فِي الْخَطِّ، أَطْوَلُ مِنْ أَيِّ صَمْتٍ سَبَقَهُ بَيْنَهُمَا.
“لِأَنَّ أَنْوَرَ حِلْمِي،”
قَالَ نَبِيلٌ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ يَكَادُ يَنْكَسِرُ،
“هُوَ وَالِدِي، رِيمَا. عَاشَ بَقِيَّةَ حَيَاتِهِ تَحْتَ اسْمٍ آخَرَ، فِي بَلَدٍ آخَرَ، تَزَوَّجَ لَاحِقًا مِنِ امْرَأَةٍ أُخْرَى وَأَنْجَبَنِي، لَكِنَّهُ ظَلَّ حَتَّى آخِرِ يَوْمٍ فِي حَيَاتِهِ يَتَحَدَّثُ عَنْ لَمِيسَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ يَظُنُّ فِيهَا أَنِّي نَائِمٌ وَلَا أَسْمَعُهُ.”
جَلَسَتْ رِيمَا مُتَجَمِّدَةً فِي مَقْعَدِهَا، غَيْرَ قَادِرَةٍ عَلَى النُّطْقِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لِثَوَانٍ طَوِيلَةٍ.
“أَنْتَ… أَنْتَ ابْنُهُ؟ إِذَنْ لِمَاذَا لَمْ تُخْبِرْنِي بِهَذَا مُنْذُ الْبِدَايَةِ؟”
“لِأَنَّ وَالِدِي تُوُفِّيَ قَبْلَ سَنَتَيْنِ فَقَطْ، رِيمَا، وَهُوَ لَا يَزَالُ يَحْمِلُ اسْمًا مُسْتَعَارًا حَتَّى فِي شَهَادَةِ وَفَاتِهِ. وَلِأَنَّ الضَّابِطَ نَفْسَهُ الَّذِي أَنْقَذَ حَيَاتَهُ يَوْمًا مَا، هُوَ الْآنَ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، رَجُلُ أَعْمَالٍ نَافِذٌ جِدًّا، لَا يَزَالُ يُرَاقِبُ عَنْ كَثَبٍ أَيَّ مُحَاوَلَةٍ لِفَتْحِ هَذَا الْمِلَفِّ الْقَدِيمِ، خَوْفًا مِنْ أَنْ تُكْشَفَ تَفَاصِيلُ مَا فَعَلَهُ آنَذَاكَ، سَوَاءٌ الْجُزْءُ الَّذِي أَنْقَذَ فِيهِ حَيَاةَ وَالِدِي، أَوِ الْجُزْءُ الْآخَرُ، الْأَظْلَمُ بِكَثِيرٍ، الَّذِي لَمْ يَتَحَدَّثْ عَنْهُ وَالِدِي أَبَدًا صَرَاحَةً حَتَّى مَعِي.”
شَعَرَتْ رِيمَا بِجُزْءٍ صَغِيرٍ مِنَ اللُّغْزِ يَتَّضِحُ أَخِيرًا.
“وَهَذَا الرَّجُلُ الَّذِي هَدَّدَنِي فِي الشَّارِعِ، هُوَ يَعْمَلُ لِحِسَابِ هَذَا الضَّابِطِ السَّابِقِ؟”
“أَظُنُّ ذَلِكَ، نَعَمْ. وَهُوَ مَا يُخِيفُنِي أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا أَخْشَاهُ مِنْ عَمِّكِ كَمَالٍ. هَذَا الرَّجُلُ لَدَيْهِ الْقُدْرَةُ وَالنُّفُوذُ لِيَحْمِيَ سِرَّهُ بِأَيِّ ثَمَنٍ، رِيمَا، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ مَعَ أَشْخَاصٍ آخَرِينَ حَاوَلُوا الِاقْتِرَابَ مِنَ الْحَقِيقَةِ عَبْرَ السَّنَوَاتِ.”
تَنَفَّسَتْ رِيمَا بِعُمْقٍ، مُحَاوِلَةً اسْتِيعَابَ هَذَا الْكَشْفِ الْأَخِيرِ.
“إِذَنْ نَحْنُ… أَنَا وَأَنْتَ، لَسْنَا أَقْرِبَاءَ بِالدَّمِ؟”
سَأَلَتْ، وَشَعَرَتْ بِسُخْفِ السُّؤَالِ حَتَّى وَهِيَ تَنْطِقُهُ، لَكِنَّهَا احْتَاجَتْ أَنْ تَتَأَكَّدَ.
ضَحِكَ نَبِيلٌ ضَحْكَةً حَزِينَةً خَفِيفَةً، أَوَّلُ ضَحْكَةٍ حَقِيقِيَّةٍ تَسْمَعُهَا مِنْهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
“لَا، لَسْنَا أَقْرِبَاءَ بِالدَّمِ، رِيمَا. لَكِنَّ قِصَّتَيْ عَائِلَتَيْنَا مُتَشَابِكَتَانِ بِطَرِيقَةٍ لَا يُمْكِنُ فَصْلُهَا، وَأَظُنُّ أَنَّ هَذَا كَافٍ لِيَجْعَلَنَا، عَلَى الْأَقَلِّ، شَيْئًا أَقْرَبَ مِنَ الْغُرَبَاءِ الَّذِينَ الْتَقَيَا صُدْفَةً فِي مَقْهًى فِي فِيينَا.”
حِينَ هَبَطَتِ الطَّائِرَةُ فِي مَطَارِ فِيينَا، شَعَرَتْ رِيمَا بِإِحْسَاسٍ غَرِيبٍ مُزْدَوِجٍ:
ارْتِيَاحٌ لِلْعَوْدَةِ إِلَى مَكَانٍ آمِنٍ مَأْلُوفٍ، وَشُعُورٌ بِأَنَّ هَذَا الْمَكَانَ نَفْسَهُ لَمْ يَعُدْ يُشْبِهُ “بَيْتَهَا” بِنَفْسِ الْمَعْنَى الَّذِي اعْتَادَتْهُ طَوَالَ أَرْبَعَةٍ وَثَلَاثِينَ عَامًا. كَانَتْ فِيينَا الْمَدِينَةَ الَّتِي نَشَأَتْ فِيهَا، لَكِنَّ دِمَشْقَ أَصْبَحَتِ الْآنَ، بَعْدَ زِيَارَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ، شَيْئًا أَعْمَقَ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، شَيْئًا يُشْبِهُ الْجَذْرَ الَّذِي لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ أَنَّهَا تَحْتَاجُهُ حَتَّى وَجَدَتْهُ أَخِيرًا.
كَانَتْ كْلَارَا فِي انْتِظَارِهَا عِنْدَ بَوَّابَةِ الْوُصُولِ، وَعَانَقَتْهَا بِقُوَّةٍ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تَتَرَاجَعَ لِتَتَفَحَّصَ وَجْهَهَا بِقَلَقٍ.
“أَنْتِ شَاحِبَةٌ جِدًّا يَا رِيمَا. مَاذَا حَدَثَ هُنَاكَ؟ رِسَائِلُكِ الْمُقْتَضَبَةُ لَمْ تُخْبِرْنِي بِمَا يَكْفِي.”
قَضَتِ الصَّدِيقَتَانِ بَقِيَّةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي شَقَّةِ رِيمَا، حَيْثُ رَوَتْ لَهَا كُلَّ شَيْءٍ بِالتَّفْصِيلِ:
خَدِيجَةُ، الْبَيْتُ الْقَدِيمُ، الرَّجُلُ الَّذِي هَدَّدَهَا فِي الشَّارِعِ، وَأَخِيرًا كَشْفُ نَبِيلٍ عَنْ هُوِيَّتِهِ الْحَقِيقِيَّةِ.
جَلَسَتْ كْلَارَا صَامِتَةً طَوِيلًا حِينَ انْتَهَتِ الْحِكَايَةُ، تُحَدِّقُ فِي فِنْجَانِ قَهْوَتِهَا الْبَارِدِ.
“رِيمَا، أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا سَيَبْدُو قَاسِيًا، لَكِنِّي أَشْعُرُ بِوَاجِبٍ أَنْ أَسْأَلَكِ:
كَيْفَ نَتَأَكَّدُ أَنَّ نَبِيلًا يَقُولُ الْحَقِيقَةَ فِعْلًا؟ كُلُّ مَا نَعْرِفُهُ عَنْهُ يَأْتِي مِنْ فَمِهِ هُوَ فَقَطْ.”
“أَعْرِفُ ذَلِكَ،”
قَالَتْ رِيمَا بِهُدُوءٍ.
“لَكِنَّ خَدِيجَةَ أَكَّدَتْ جُزْءًا كَبِيرًا مِنَ الْقِصَّةِ بِشَكْلٍ مُسْتَقِلٍّ تَمَامًا، دُونَ أَنْ تَعْرِفَ حَتَّى بِوُجُودِ نَبِيلٍ. وَأَنَا رَأَيْتُ التَّهْدِيدَ بِعَيْنَيَّ، وَشَعَرْتُ بِالْخَوْفِ الْحَقِيقِيِّ فِي صَوْتِهِ حِينَ حَذَّرَنِي. لَا أَظُنُّ أَنَّ رَجُلًا يَخْتَلِقُ كُلَّ هَذِهِ التَّفَاصِيلِ عَنْ وَالِدٍ مُتَوَفًّى، وَعَنْ خَوْفٍ عَاشَهُ طَوَالَ حَيَاتِهِ.”
فِي الْمَسَاءِ، بَعْدَ أَنْ غَادَرَتْ كْلَارَا، جَلَسَتْ رِيمَا وَحِيدَةً أَمَامَ اللَّوْحَةِ الَّتِي أَعَادَتْهَا مِنْ خِزَانَةِ كْلَارَا، وَنَظَرَتْ إِلَى وَجْهِ لَمِيسَ طَوِيلًا، بِمَعْرِفَةٍ جَدِيدَةٍ كَامِلَةٍ الْآنَ عَنْ حَيَاتِهَا وَحُبِّهَا وَاخْتِفَائِهَا الْغَامِضِ.
ثُمَّ أَخَذَتْ هَاتِفَهَا، وَاتَّصَلَتْ بِعَمِّهَا كَمَالٍ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ مُغَادَرَتِهَا إِسْطَنْبُولَ.
رَدَّ عَلَيْهَا بَعْدَ رَنَّتَيْنِ فَقَطْ.
“رِيمَا! أَخِيرًا، كُنْتُ قَلِقًا جِدًّا. أَيْنَ أَنْتِ الْآنَ؟”
“فِي فِيينَا، عَمُّ كَمَالٌ. عُدْتُ الْيَوْمَ.”
تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً، تَجْمَعُ شَجَاعَتَهَا لِمَا سَتَقُولُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
“لَكِنِّي لَمْ أَذْهَبْ إِلَى إِسْطَنْبُولَ لِعَمَلٍ يَخُصُّ الْمَتْحَفَ فَقَطْ كَمَا أَخْبَرْتُكَ. ذَهَبْتُ لِأَتَتَبَّعَ تَرِكَةَ امْرَأَةٍ اسْمُهَا وَفَاءُ نَجَّارٍ. ثُمَّ ذَهَبْتُ إِلَى دِمَشْقَ، عَمُّ كَمَالٌ. الْتَقَيْتُ خَدِيجَةَ.”
سَادَ صَمْتٌ طَوِيلٌ ثَقِيلٌ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ مِنَ الْخَطِّ، صَمْتٌ لَمْ تَسْمَعْ مِثْلَهُ مِنْ عَمِّهَا مُنْذُ عَرَفَتْهُ.
حِينَ تَكَلَّمَ أَخِيرًا، كَانَ صَوْتُهُ مُخْتَلِفًا تَمَامًا، مُنْهَكًا، كَأَنَّ سِنِينَ طَوِيلَةً مِنَ الثِّقَلِ قَدْ سَقَطَتْ عَنْ كَاهِلِهِ فَجْأَةً وَلَمْ يَعُدْ قَادِرًا عَلَى حَمْلِهَا وَحْدَهُ لَحْظَةً أُخْرَى.
“إِذَنْ تَعْرِفِينَ الْآنَ،”
قَالَ بِبَسَاطَةٍ، بِلَا إِنْكَارٍ وَلَا مُحَاوَلَةٍ لِلتَّهَرُّبِ.
“كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ سَيَأْتِي يَوْمًا مَا. لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ فَقَطْ مَتَى، وَلَا كَيْفَ سَأَتَحَمَّلُ سَمَاعَ صَوْتِكِ وَأَنْتِ تَقُولِينَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ.”
“لِمَاذَا لَمْ تُخْبِرْنِي أَبَدًا؟”
سَأَلَتْهُ رِيمَا، وَقَدْ شَعَرَتْ بِدُمُوعِهَا تَعُودُ مِنْ جَدِيدٍ.
“طَوَالَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، تَرَكْتَنِي أَعِيشُ دُونَ أَنْ أَعْرِفَ مَنْ أَنَا حَقًّا.”
تَنَهَّدَ كَمَالٌ تَنَهُّدَةً طَوِيلَةً مُتْعَبَةً.
“لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ الْحَقِيقَةَ الْكَامِلَةَ يَا رِيمَا، لَيْسَ فِي بِدَايَةِ حَيَاتِي عَلَى الْأَقَلِّ. وَالِدَتِي، الَّتِي كُنْتُ أَظُنُّهَا سَلْمَى طَوَالَ عُمْرِي، أَخْبَرَتْنِي الْحَقِيقَةَ عَلَى فِرَاشِ مَوْتِهَا فَقَطْ، حِينَ كُنْتُ فِي الثَّلَاثِينَ مِنْ عُمْرِي. طَلَبَتْ مِنِّي شَيْئًا وَاحِدًا قَبْلَ أَنْ تَرْحَلَ: أَنْ أَحْمِيَ الْعَائِلَةَ، وَأَنْ أَحْمِيَكِ أَنْتِ خَاصَّةً، لِأَنَّكِ كُنْتِ حِينَهَا لَا تَزَالِينَ طِفْلَةً صَغِيرَةً فَقَدَتْ وَالِدَيْهَا لِتَوِّهَا، مِنَ الْحَقِيقَةِ الَّتِي أَظُنُّهَا كَانَتْ سَتُدَمِّرُكِ فِي ذَلِكَ الْعُمْرِ.”
تَوَقَّفَ لَحْظَةً.
“وَمِنَ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ لَا يَزَالُ، حَتَّى وَفَاةِ أُمِّي، يُرَاقِبُ عَنْ كَثَبٍ أَيَّ تَحَرُّكٍ فِي هَذَا الْمِلَفِّ.”
“الضَّابِطُ السَّابِقُ،”
قَالَتْ رِيمَا.
“الَّذِي أَنْقَذَ أَنْوَرَ.”
“تَعْرِفِينَ ذَلِكَ أَيْضًا إِذَنْ.”
شَعَرَتْ رِيمَا أَنَّ صَوْتَ عَمِّهَا يَحْمِلُ الْآنَ رَاحَةً غَرِيبَةً، رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ، كَأَنَّهُ يَشْعُرُ أَخِيرًا، بَعْدَ عُقُودٍ مِنَ الْعُزْلَةِ فِي هَذَا السِّرِّ، أَنَّهُ لَيْسَ وَحِيدًا فِيهِ بَعْدَ الْآنَ.
“نَعَمْ، أَعْرِفُهُ، وَأَخْشَاهُ أَكْثَرَ مِمَّا تَتَخَيَّلِينَ يَا رِيمَا. وَهُوَ سَبَبُ كُلِّ تِلْكَ الرَّسَائِلِ الْمُقْتَضَبَةِ الَّتِي كُنْتُ أُرْسِلُهَا إِلَيْكِ عَلَى مَرِّ السَّنِينَ، وَكُلِّ تِلْكَ الْمَسَافَاتِ الَّتِي أَبْقَيْتُهَا بَيْنَنَا عَمْدًا. كُنْتُ أَخْشَى أَنَّ قُرْبِي مِنْكِ سَيَجْعَلُكِ هَدَفًا لَهُ يَوْمًا مَا، إِنِ اشْتَبَهَ أَنَّنِي أُخْفِي عَنْكِ شَيْئًا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُكْشَفَ.”
جَلَسَتْ رِيمَا صَامِتَةً، تَشْعُرُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِهَا أَنَّهَا تَفْهَمُ حَقًّا ذَلِكَ الْجِدَارَ الزُّجَاجِيَّ الَّذِي طَالَمَا شَعَرَتْ بِوُجُودِهِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ عَمِّهَا: لَمْ يَكُنْ جِدَارَ لَامُبَالَاةٍ كَمَا ظَنَّتْ دَائِمًا، بَلْ جِدَارُ حِمَايَةٍ، بُنِيَ بِخَوْفٍ صَامِتٍ اسْتَمَرَّ عُقُودًا طَوِيلَةً.
“أَحْتَاجُ أَنْ أَعْرِفَ كُلَّ شَيْءٍ، عَمُّ كَمَالٌ،”
قَالَتْ أَخِيرًا.
“كُلَّ مَا تَعْرِفُهُ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، وَعَنْ مَا فَعَلَهُ بِالضَّبْطِ. لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَوَقَّفَ الْآنَ، لَيْسَ بَعْدَ كُلِّ مَا رَأَيْتُهُ وَسَمِعْتُهُ.”
“أَعْرِفُ ذَلِكَ،”
قَالَ كَمَالٌ بِحُزْنٍ هَادِئٍ.
“وَرُبَّمَا حَانَ الْوَقْتُ أَخِيرًا لِتَتَوَقَّفَ هَذِهِ الْعَائِلَةُ عَنِ الِاخْتِبَاءِ. سَآتِي إِلَى فِيينَا بَعْدَ يَوْمَيْنِ، رِيمَا. سَأُخْبِرُكِ بِكُلِّ شَيْءٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ، كَمَا كَانَ يَجِبُ أَنْ أَفْعَلَ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ.”
وَصَلَ كَمَالٌ إِلَى فِيينَا بَعْدَ يَوْمَيْنِ كَمَا وَعَدَ، وَوَقَفَتْ رِيمَا فِي صَالَةِ الْوُصُولِ تُرَاقِبُ الْبَابَ بِتَوَتُّرٍ لَمْ تَشْعُرْ بِمِثْلِهِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ. لَمْ يَكُنِ اللِّقَاءُ الْأَخِيرُ بَيْنَهُمَا وَجْهًا لِوَجْهٍ يَعُودُ إِلَّا إِلَى جِنَازَةِ وَالِدَيْهَا، حِينَ كَانَتْ لَا تَزَالُ فَتَاةً فِي السَّادِسَةَ عَشْرَةَ، تَقِفُ خَلْفَ سِتَارٍ سَمِيكٍ مِنَ الْحُزْنِ لَا تَرَى مِنْ خِلَالِهِ إِلَّا الْوُجُوهَ الْمُتَعَاطِفَةَ الْمُبْهَمَةَ.
حِينَ ظَهَرَ أَخِيرًا، شَعَرَتْ رِيمَا بِصَدْمَةٍ خَفِيفَةٍ:
رَجُلٌ فِي أَوَاخِرِ الْخَمْسِينَاتِ، أَنِيقٌ كَعَادَتِهِ، لَكِنَّ شَيْئًا فِي عَيْنَيْهِ بَدَا مُخْتَلِفًا تَمَامًا عَنِ الصُّورَةِ الَّتِي بَنَتْهَا عَنْهُ فِي ذِهْنِهَا عَلَى مَرِّ السَّنِينَ:
رَجُلٌ بَعِيدٌ، بَارِدٌ، مَشْغُولٌ دَائِمًا.
الرَّجُلُ الْوَاقِفُ أَمَامَهَا الْآنَ بَدَا مُرْهَقًا، هَشًّا بِطَرِيقَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ عَمِيقَةٍ لَمْ تَتَوَقَّعْهَا مِنْهُ يَوْمًا.
عَانَقَهَا بِقُوَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ، احْتِضَانٌ طَوِيلٌ صَامِتٌ، كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يُعَوِّضَ فِي دَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ كُلَّ سَنَوَاتِ الْبُعْدِ الَّتِي فَرَضَهَا عَلَى نَفْسِهِ.
“كَبُرْتِ كَثِيرًا يَا رِيمَا،”
قَالَ أَخِيرًا، وَصَوْتُهُ يَخْتَنِقُ قَلِيلًا.
“وَتُشْبِهِينَهَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ كُلَّمَا نَظَرْتُ إِلَيْكِ.”
جَلَسَا فِي شَقَّةِ رِيمَا حَتَّى سَاعَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَاللَّوْحَةُ مُعَلَّقَةٌ فِي زَاوِيَةِ الْغُرْفَةِ تُرَاقِبُهُمَا بِصَمْتِهَا الْمُعْتَادِ.
أَخْرَجَ كَمَالٌ مِنْ حَقِيبَتِهِ مِلَفًّا سَمِيكًا مِنَ الْأَوْرَاقِ، جَمَعَهَا عَلَى مَرِّ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ فِي صَمْتٍ، دُونَ أَنْ يَتَجَرَّأَ يَوْمًا عَلَى اسْتِخْدَامِهَا.
“اسْمُهُ فَارُوقُ الْمَصْرِيُّ،”
قَالَ كَمَالٌ، وَاضِعًا صُورَةً فُوتُوغْرَافِيَّةً قَدِيمَةً عَلَى الطَّاوِلَةِ:
رَجُلٌ فِي الْأَرْبَعِينَاتِ، بِزِيٍّ عَسْكَرِيٍّ رَسْمِيٍّ، مَلَامِحُهُ حَادَّةٌ وَعَيْنَاهُ بَارِدَتَانِ.
“كَانَ ضَابِطًا كَبِيرَ النُّفُوذِ فِي ذَلِكَ الْجِهَازِ الَّذِي احْتَجَزَ أَنْوَرَ وَسَلْمَى تِلْكَ اللَّيْلَةَ.
بَعْدَ سَنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ، اسْتَقَالَ فَجْأَةً مِنَ الْخِدْمَةِ الْعَسْكَرِيَّةِ، وَاسْتَخْدَمَ عَلَاقَاتِهِ الْوَاسِعَةِ وَمَعْلُومَاتِهِ الْحَسَّاسَةِ لِيَبْنِيَ إِمْبِرَاطُورِيَّةً تِجَارِيَّةً ضَخْمَةً، امْتَدَّتْ لَاحِقًا إِلَى دُبَيَّ وَبَيْرُوتَ وَعِدَّةِ عَوَاصِمَ أُخْرَى.”
“وَمَا الَّذِي يَخَافُهُ بِالضَّبْطِ؟”
سَأَلَتْ رِيمَا، تَتَفَحَّصُ الصُّورَةَ بِعَيْنَيْنِ بَارِدَتَيْنِ، تُحَاوِلُ أَنْ تَرَى فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ الرَّجُلَ الَّذِي هَدَّدَهَا مُتَخَفِّيًا خَلْفَ رَجُلٍ آخَرَ فِي شَارِعٍ مُظْلِمٍ فِي دِمَشْقَ.
“مَعَ أَنَّهُ أَنْقَذَ حَيَاةَ أَنْوَرَ فِي النِّهَايَةِ، إِلَّا أَنَّ الطَّرِيقَةَ الَّتِي أَنْقَذَهُ بِهَا لَمْ تَكُنْ نَظِيفَةً عَلَى الْإِطْلَاقِ،”
قَالَ كَمَالٌ بِمَرَارَةٍ وَاضِحَةٍ.
“حَسْبَ مَا أَعْرِفُهُ مِنْ أُمِّي، فَإِنَّ فَارُوقَ لَمْ يُطْلِقْ سَرَاحَ أَنْوَرَ مَجَّانًا، بَلْ اسْتَخْدَمَهُ لِسَنَوَاتٍ لَاحِقَةٍ كَشَاهِدٍ صَامِتٍ عَلَى صَفَقَاتٍ وَتَعَامُلَاتٍ لَمْ تَكُنْ قَانُونِيَّةً بِأَيِّ حَالٍ، مُسْتَغِلًّا خَوْفَ الرَّجُلِ الدَّائِمَ مِنَ الْعَوْدَةِ إِلَى الِاحْتِجَازِ إِنْ رَفَضَ التَّعَاوُنَ.
أَنْوَرُ حَمَلَ فِي ذَاكِرَتِهِ، حَتَّى وَفَاتِهِ، أَسْمَاءَ وَتَوَارِيخَ وَتَفَاصِيلَ كَافِيَةً لِتُدَمِّرَ سُمْعَةَ فَارُوقَ الْمَصْرِيِّ بِأَكْمَلِهَا، إِنْ خَرَجَتْ يَوْمًا إِلَى الْعَلَنِ.”
فَهِمَتْ رِيمَا فَجْأَةً بُعْدًا جَدِيدًا لِلْقِصَّةِ لَمْ تَكُنْ تَتَوَقَّعُهُ.
“إِذَنْ نَبِيلٌ رُبَّمَا يَحْمِلُ هُوَ نَفْسُهُ مَعْلُومَاتٍ خَطِيرَةً وَرِثَهَا عَنْ وَالِدِهِ؟”
“مِنَ الْمُحْتَمَلِ جِدًّا، نَعَمْ. وَهَذَا يُفَسِّرُ رُبَّمَا لِمَاذَا يَتَحَرَّكُ فَارُوقُ الْآنَ، بَعْدَ وَفَاةِ أَنْوَرَ بِسَنَتَيْنِ فَقَطْ، حِينَ بَدَأَ يَخْشَى أَنَّ الِابْنَ قَدْ يَرِثُ لَيْسَ فَقَطِ الْحُزْنَ، بَلِ الْأَسْرَارَ أَيْضًا، وَقَدْ يَسْتَخْدِمُهَا يَوْمًا مَا.”
نَظَرَتْ رِيمَا إِلَى عَمِّهَا طَوِيلًا، وَسَأَلَتْ سُؤَالًا كَانَ يُلِحُّ عَلَيْهَا مُنْذُ بِدَايَةِ الْحَدِيثِ.
“عَمُّ كَمَالٌ، مَاذَا نَفْعَلُ الْآنَ؟ هَلْ نُوَاجِهُهُ؟ هَلْ نُبَلِّغُ السُّلُطَاتِ؟ لَا أَعْرِفُ حَتَّى مِنْ أَيْنَ نَبْدَأُ.”
فَكَّرَ كَمَالٌ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ، أَصَابِعُهُ تُدَاعِبُ حَافَّةَ الطَّاوِلَةِ بِعَصَبِيَّةٍ خَفِيفَةٍ.
“أَظُنُّ أَنَّ عَلَيْنَا أَوَّلًا أَنْ نَتَحَدَّثَ مَعَ نَبِيلٍ مُبَاشَرَةً، وَجْهًا لِوَجْهٍ، ثَلَاثَتُنَا مَعًا. إِنْ كَانَ يَحْمِلُ فِعْلًا مَعْلُومَاتٍ أَوْ أَوْرَاقًا تَرَكَهَا لَهُ وَالِدُهُ، فَهِيَ قَدْ تَكُونُ سِلَاحَنَا الْوَحِيدَ فِي مُوَاجَهَةِ رَجُلٍ بِنُفُوذِ فَارُوقَ.
لَا يُمْكِنُنَا الِاعْتِمَادَ عَلَى السُّلُطَاتِ فِي بَلَدٍ لَا يَزَالُ فِيهِ الرَّجُلُ نَفْسُهُ يَتَمَتَّعُ بِعَلَاقَاتٍ وَاسِعَةٍ حَتَّى الْآنَ.”
اتَّصَلَتْ رِيمَا بِنَبِيلٍ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، وَوَضَعَتِ الْهَاتِفَ عَلَى وَضْعِ مُكَبِّرِ الصَّوْتِ.
“نَبِيلٌ، عَمِّي كَمَالٌ هُنَا مَعِي فِي فِيينَا. نَحْتَاجُ أَنْ نَلْتَقِيَ ثَّلَاثَتُنَا، فِي أَقْرَبِ وَقْتٍ مُمْكِنٍ.”
سَادَ صَمْتٌ قَصِيرٌ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ مِنَ الْخَطِّ.
“غَدًا،”
قَالَ نَبِيلٌ أَخِيرًا، صَوْتُهُ يَحْمِلُ حَزْمًا جَدِيدًا لَمْ تَسْمَعْهُ فِيهِ مِنْ قَبْلُ.
“سَأَكُونُ فِي فِيينَا صَبَاحًا. وَسَأُحْضِرُ مَعِي شَيْئًا تَرَكَهُ وَالِدِي لِي قَبْلَ وَفَاتِهِ، ظَنَنْتُ طَوِيلًا أَنَّهُ لَنْ يَحِينَ الْوَقْتُ الْمُنَاسِبُ لِاسْتِخْدَامِهِ أَبَدًا. رُبَّمَا حَانَ ذَلِكَ الْوَقْتُ أَخِيرًا.”
وَصَلَ نَبِيلٌ إِلَى شَقَّةِ رِيمَا فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي، حَامِلًا حَقِيبَةً جِلْدِيَّةً صَغِيرَةً بَدَتْ قَدِيمَةً، أَنِيقَةَ الصُّنْعِ، تَحْمِلُ آثَارَ اسْتِخْدَامٍ طَوِيلٍ. وَقَفَ عِنْدَ الْبَابِ لِلَحْظَةٍ حِينَ رَأَى كَمَالًا وَاقِفًا فِي الدَّاخِلِ، وَكَأَنَّ شَيْئًا فِي مُوَاجَهَةِ الرَّجُلِ الَّذِي عَاشَ عُقُودًا مِنَ الْجِهَةِ الْأُخْرَى مِنَ الصَّمْتِ نَفْسِهِ أَرْبَكَهُ لِثَوَانٍ قَلِيلَةٍ.
“سَيِّدُ كَمَالٌ،”
قَالَ نَبِيلٌ أَخِيرًا، مَادًّا يَدَهُ بِتَهْذِيبٍ حَذِرٍ.
“وَالِدِي كَانَ يَتَحَدَّثُ عَنْ عَائِلَةِ نَجَّارٍ كَثِيرًا، رَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَلْتَقِ بِكَ يَوْمًا بِالطَّبْعِ، إِذْ وُلِدْتَ بَعْدَ اخْتِفَائِهِ.”
صَافَحَهُ كَمَالٌ بِقُوَّةٍ، وَفِي عَيْنَيْهِ مَزِيجٌ غَرِيبٌ مِنَ الْحُزْنِ وَالِامْتِنَانِ.
“أَبُوكَ أَنْقَذَ حَيَاةَ عَائِلَتِنَا بِصَمْتِهِ لِثَلَاثِينَ عَامًا، رَغْمَ كُلِّ مَا عَانَاهُ. أَشْكُرُكَ عَلَى مَجِيئِكَ، يَا بُنَيَّ.”
جَلَسُوا الثَّلَاثَةُ حَوْلَ الطَّاوِلَةِ نَفْسِهَا الَّتِي وُضِعَ عَلَيْهَا الصُّنْدُوقُ الْخَشَبِيُّ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي بِدَايَةِ هَذِهِ الْحِكَايَةِ كُلِّهَا، وَفَتَحَ نَبِيلٌ حَقِيبَتَهُ الْجِلْدِيَّةَ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ.
“وَالِدِي تَرَكَ لِي هَذَا قَبْلَ وَفَاتِهِ بِأَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ فَقَطْ،”
قَالَ، وَهُوَ يُخْرِجُ حُزْمَةً مِنَ الْأَوْرَاقِ الْمُصَفَرَّةِ، بَعْضُهَا مَطْبُوعٌ وَبَعْضُهَا الْآخَرُ مَكْتُوبٌ بِخَطِّ يَدٍ مُرْتَجِفٍ.
“أَمَرَنِي أَلَّا أَفْتَحَهَا إِلَّا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ: إِنْ شَعَرْتُ يَوْمًا أَنَّ فَارُوقَ الْمَصْرِيَّ، أَوْ أَيَّ شَخْصٍ يَعْمَلُ لِحِسَابِهِ، يُشَكِّلُ خَطَرًا حَقِيقِيًّا عَلَى أَحَدٍ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ. قَالَ لِي: ‘هَذِهِ الْأَوْرَاقُ لَيْسَتْ لِلِانْتِقَامِ، بَلْ لِلْحِمَايَةِ فَقَطْ، إِنِ احْتَجْتَ يَوْمًا لِحِمَايَةِ نَفْسِكَ أَوْ أَيِّ شَخْصٍ بَرِيءٍ آخَرَ.'”
نَشَرَ الْأَوْرَاقَ عَلَى الطَّاوِلَةِ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ:
نُسَخٌ مِنْ وَثَائِقَ رَسْمِيَّةٍ قَدِيمَةٍ، أَسْمَاءُ وَتَوَارِيخُ مُفَصَّلَةٌ، صُوَرٌ لِإِيصَالَاتٍ مَصْرِفِيَّةٍ تَحْمِلُ تَوْقِيعَ فَارُوقَ الْمَصْرِيِّ نَفْسِهِ، وَأَسَمَاءَ شَرِكَاتٍ وَهْمِيَّةٍ اسْتُخْدِمَتْ، حَسْبَ مَا كَتَبَهُ أَنْوَرُ فِي هَامِشٍ بِخَطِّ يَدِهِ،
“لِتَهْرِيبِ أَمْوَالِ صَفَقَاتٍ لَمْ تَكُنْ لِتَرَى النُّورَ أَبَدًا لَوْ عُرِفَتْ حَقِيقَتُهَا.”
تَفَحَّصَتْ رِيمَا الْأَوْرَاقَ بِعَيْنِ خَبِيرَةِ التَّرْمِيمِ الَّتِي اعْتَادَتْ عَلَى فَحْصِ الْوَثَائِقِ الْقَدِيمَةِ بِدِقَّةٍ، وَشَعَرَتْ بِثِقَلِ مَا بَيْنَ يَدَيْهَا:
لَيْسَ مُجَرَّدَ حِكَايَةٍ عَائِلِيَّةٍ بَعْدَ الْآنَ، بَلْ دَلِيلًا مَادِّيًّا مَلْمُوسًا عَلَى جَرَائِمَ حَقِيقِيَّةٍ، مُوَثَّقَةً بِيَدِ رَجُلٍ عَاشَ سِنِينَ طَوِيلَةً مُجْبَرًا عَلَى الصَّمْتِ.
“لِمَاذَا لَمْ يَسْتَخْدِمْهَا وَالِدُكَ يَوْمًا؟”
سَأَلَ كَمَالٌ، وَهُوَ يَتَفَحَّصُ إِحْدَى الْوَثَائِقِ بِيَدٍ تَرْتَجِفُ قَلِيلًا.
اسْتَنَدَ نَبِيلٌ إِلَى ظَهْرِ كُرْسِيِّهِ، وَنَظَرَ إِلَى الْبَعِيدِ لِلَحْظَةٍ، كَأَنَّهُ يَسْتَحْضِرُ ذِكْرَى وَالِدِهِ.
“كَانَ خَائِفًا طَوَالَ حَيَاتِهِ، سَيِّدَ كَمَالٍ. لَيْسَ عَلَى نَفْسِهِ فَقَطْ، بَلْ عَلَيَّ، وَعَلَى أُمِّي، وَعَلَى أَيِّ شَخْصٍ قَدْ يَتَعَرَّضُ لِلْأَذَى إِنْ حَاوَلَ فَارُوقُ الِانْتِقَامَ. كَانَ يَقُولُ لِي دَائِمًا:
‘الِانْتِقَامُ لَا يُعِيدُ مَا فَقَدْنَاهُ، بَلْ يُعَرِّضُ لِلْخَطَرِ مَنْ بَقِيَ لَدَيْنَا.’
لَكِنَّهُ، فِي أَيَّامِهِ الْأَخِيرَةِ، حِينَ عَرَفَ أَنَّهُ لَنْ يَعِيشَ طَوِيلًا، بَدَأَ يُفَكِّرُ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
قَالَ لِي إِنَّهُ رُبَّمَا حَانَ الْوَقْتُ لِيَتَوَقَّفَ الْخَوْفُ عِنْدَ جِيلِهِ، لَا أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَى جِيلٍ آخَرَ.”
جَلَسَتْ رِيمَا صَامِتَةً طَوِيلًا، تُقَلِّبُ فِي يَدِهَا صُورَةً لِإِيصَالٍ مَصْرِفِيٍّ يَحْمِلُ تَارِيخًا مِنْ عَامِ 1991، وَشَعَرَتْ أَنَّهَا تَحْمِلُ الْآنَ فِعْلًا سِلَاحًا حَقِيقِيًّا، لَا مُجَرَّدَ فُضُولٍ عَائِلِيٍّ عَابِرٍ.
“مَاذَا نَفْعَلُ بِهَذِهِ الْأَوْرَاقِ الْآنَ؟”
سَأَلَتْ.
“هَلْ نُسَلِّمُهَا لِلسُّلُطَاتِ؟ لِصَحِيفَةٍ؟ نُوَاجِهُ فَارُوقَ مُبَاشَرَةً؟”
نَظَرَ كَمَالٌ وَنَبِيلٌ إِلَى بَعْضِهِمَا الْبَعْضِ لِلَحْظَةٍ، وَكَأَنَّهُمَا يَتَبَادَلَانِ سُؤَالًا صَامِتًا لَمْ يَتَجَرَّآ عَلَى نُطْقِهِ صَرَاحَةً بَعْدُ.
“أَعْتَقِدُ،”
قَالَ نَبِيلٌ أَخِيرًا، بِبُطْءٍ حَذِرٍ،
“أَنَّ أَفْضَلَ طَرِيقَةٍ لِلتَّعَامُلِ مَعَ رَجُلٍ كَفَارُوقَ لَيْسَتِ الْمُوَاجَهَةَ الْمُبَاشِرَةَ الَّتِي قَدْ تُعَرِّضُنَا لِلْخَطَرِ، بَلْ إِرْسَالُ رِسَالَةٍ وَاضِحَةٍ لَهُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَدِلَّةَ مَوْجُودَةٌ، مَحْفُوظَةٌ فِي مَكَانٍ آمِنٍ، وَأَنَّهَا سَتُنْشَرُ تِلْقَائِيًّا إِنْ حَدَثَ أَيُّ مَكْرُوهٍ لِأَيٍّ مِنَّا. رَجُلٌ مِثْلُهُ يَفْهَمُ لُغَةَ الرَّدْعِ أَكْثَرَ مِمَّا يَفْهَمُ لُغَةَ الْعَدَالَةِ الْمُبَاشِرَةِ.”
هَزَّتْ رِيمَا رَأْسَهَا بِبُطْءٍ، تُوَافِقُ عَلَى مَنْطِقِ الْخُطَّةِ، لَكِنَّ سُؤَالًا آخَرَ كَانَ لَا يَزَالُ يُثْقِلُ صَدْرَهَا.
“وَلَمِيسُ؟ مَا زَالَ هُنَاكَ سُؤَالٌ لَمْ نُجِبْ عَنْهُ بَعْدُ:
هَلْ هِيَ حَيَّةٌ حَقًّا فِي مَكَانٍ مَا؟
هَلْ يَعْرِفُ فَارُوقُ شَيْئًا عَنْ مَصِيرِهَا لَمْ يُخْبِرْنَا بِهِ أَحَدٌ بَعْدُ؟”
نَظَرَ نَبِيلٌ إِلَيْهَا طَوِيلًا، وَفِي عَيْنَيْهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ التَّرَدُّدَ الْأَخِيرَ.
“هُنَاكَ وَرَقَةٌ وَاحِدَةٌ فِي هَذِهِ الْحُزْمَةِ لَمْ أُرِكِ إِيَّاهَا بَعْدُ، رِيمَا.
كَتَبَهَا وَالِدِي بِخَطِّ يَدِهِ، فِي آخِرِ أَيَّامِهِ، حِينَ لَمْ يَعُدْ يَخْشَى أَيَّ شَيْءٍ حَقًّا.
أَظُنُّ أَنَّ عَلَيْكِ أَنْ تَقْرَئِيهَا بِنَفْسِكِ.”
أَخْرَجَ مِنَ الْحُزْمَةِ وَرَقَةً وَاحِدَةً صَغِيرَةً، مَطْوِيَّةً بِعِنَايَةٍ، وَمَدَّهَا نَحْوَ رِيمَا بِيَدٍ تَرْتَجِفُ قَلِيلًا.
فَتَحَتْ رِيمَا الْوَرَقَةَ بِيَدَيْنِ تَرْتَجِفَانِ بِوُضُوحٍ لَا تُحَاوِلُ حَتَّى إِخْفَاءَهُ بَعْدَ الْآنَ.
كَانَ خَطُّ الْيَدِ ضَعِيفًا، مُتَقَطِّعًا فِي بَعْضِ الْكَلِمَاتِ، كَخَطِّ رَجُلٍ يَكْتُبُ وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّ يَدَهُ لَنْ تَحْمِلَ قَلَمًا لِوَقْتٍ طَوِيلٍ آخَرَ.
“إِلَى مَنْ يَعْنِيهِ الْأَمْرُ، إِنْ كَانَ الْقَدَرُ سَيَجْمَعُ يَوْمًا مَا حَفِيدَةَ لَمِيسَ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ:
لَمْ أَعْرِفْ مَصِيرَ لَمِيسَ الْحَقِيقِيَّ إِلَّا بَعْدَ عِشْرِينَ عَامًا كَامِلَةً مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي فُرِّقَ بَيْنَنَا فِيهَا عِنْدَ نُقْطَةِ التَّفْتِيشِ. فِي عَامِ 2007، وَكُنْتُ حِينَهَا أَعِيشُ فِي مَدِينَةٍ صَغِيرَةٍ فِي جَنُوبِ فَرَنْسَا تَحْتَ اسْمٍ لَيْسَ اسْمِي، تَلَقَّيْتُ رِسَالَةً لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُهَا أَبَدًا، مُرْسَلَةً مِنْ مُحَامٍ فِي جِنِيفَ، يُخْبِرُنِي أَنَّ امْرَأَةً تُدْعَى ‘كَاتْرِين لُورَان’، فَرَنْسِيَّةَ الْجِنْسِيَّةِ، تُوُفِّيَتْ مُنْذُ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ، وَتَرَكَتْ وَصِيَّةً تَطْلُبُ فِيهَا أَنْ يُبْحَثَ عَنِّي، وَأَنْ يُسَلَّمَنِي دَفْتَرَ رَسَائِلَ صَغِيرًا كَانَتْ تَحْتَفِظُ بِهِ طَوَالَ حَيَاتِهَا.
كَاتْرِين لُورَان كَانَتْ لَمِيسَ، يَا مَنْ تَقْرَئِينَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ. أُطْلِقَ سَرَاحُهَا هِيَ الْأُخْرَى، بَعْدَ أَشْهُرٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الِاحْتِجَازِ، لَكِنْ بِشَرْطٍ مُمَاثِلٍ تَمَامًا لِشَرْطِي:
أَنْ تَخْتَفِيَ إِلَى الْأَبَدِ، أَنْ تَتَبَنَّى هُوِيَّةً جَدِيدَةً كَامِلَةً، وَأَلَّا تُحَاوِلَ يَوْمًا الْبَحْثَ عَنِّي أَوْ عَنْ عَائِلَتِهَا.
أُرْسِلَتْ إِلَى فَرَنْسَا فِي إِطَارِ صَفْقَةٍ سِرِّيَّةٍ لَمْ أَفْهَمْ تَفَاصِيلَهَا يَوْمًا بِوُضُوحٍ كَامِلٍ، بَنَتْ حَيَاةً هَادِئَةً بَسِيطَةً كَمُعَلِّمَةِ رَسْمٍ فِي مَدْرَسَةٍ صَغِيرَةٍ، وَلَمْ تَتَزَوَّجْ قَطُّ، وَلَمْ تُنْجِبْ.
عَاشَتْ وَحِيدَةً، تَرْسُمُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ لَوْحَةً وَاحِدَةً لِوَجْهٍ لَمْ تَرَهُ فِي الْوَاقِعِ مُنْذُ عَقْدَيْنِ، ثُمَّ تُمَزِّقُ اللَّوْحَةَ فِي الصَّبَاحِ، خَوْفًا مِنْ أَنْ يَعْثُرَ عَلَيْهَا أَحَدٌ بِسَبَبِ تِلْكَ اللَّوْحَاتِ يَوْمًا مَا.
لَمْ يُتَحْ لِي أَنْ أَرَاهَا.
الْمُحَامِي أَخْبَرَنِي أَنَّهَا تُوُفِّيَتْ بِهُدُوءٍ، فِي نَوْمِهَا، بَعْدَ مَرَضٍ قَصِيرٍ.
لَكِنَّ دَفْتَرَهَا كَانَ مَلِيئًا بِذِكْرَيَاتٍ عَنَّا، عَنْ أَحْلَامِنَا الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَمْ تَتَحَقَّقْ، وَعَنْ شَيْءٍ آخَرَ أَهَمَّ بِكَثِيرٍ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهُ يَوْمَ فُرِّقْنَا:
أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا حِينَ اعْتُقِلَتْ، بِأَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ فَقَطْ، وَلَمْ تَكْتَشِفْ ذَلِكَ إِلَّا لَاحِقًا، وَقَرَّرَتْ أَنْ تُخْفِيَ الْأَمْرَ حَتَّى عَنِ الطِّفْلِ نَفْسِهِ حِينَ كَبِرَ، خَوْفًا مِنْ أَنْ يُصْبِحَ هُوَ الْآخَرُ هَدَفًا لِلَّذِينَ لَا يَزَالُونَ يَخَافُونَ مِنْ عَوْدَةِ اسْمِ لَمِيسَ نَجَّارٍ إِلَى الْحَيَاةِ.”
تَوَقَّفَتْ رِيمَا عَنِ الْقِرَاءَةِ، يَدَاهَا تَرْتَجِفَانِ بِعُنْفٍ الْآنَ.
“طِفْلٌ؟”
هَمَسَتْ، صَوْتُهَا يَخْتَنِقُ تَمَامًا.
“كَانَ لِلَمِيسَ طِفْلٌ؟”
تَابَعَتِ الْقِرَاءَةَ، وَقَلْبُهَا يَنْبِضُ بِعُنْفٍ يَكَادُ يُؤْلِمُهَا:
“رَبَّتْهُ فِي جِنِيفَ تَحْتَ اسْمٍ آخَرَ، ابْنَةً، وُلِدَتْ عَامَ 1988، بَعْدَ أَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ مِنْ إِطْلَاقِ سَرَاحِهَا.
سَمَّتْهَا ‘صَوْفِي’، لَكِنَّهَا كَتَبَتْ فِي دَفْتَرِهَا أَنَّهَا كَانَتْ تُنَادِيهَا فِي سِرِّهَا ‘رِيمَا’، اسْمًا كَانَتْ تَنْوِي أَنْ تُطْلِقَهُ عَلَى ابْنَتِهَا لَوْ قُدِّرَ لِحَيَاتِهَا أَنْ تَسِيرَ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
صَوْفِي تِلْكَ، ابْنَةُ لَمِيسَ الْحَقِيقِيَّةُ، لَا تَزَالُ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ حَسْبَ آخِرِ مَا أَعْرِفُهُ، تَعِيشُ فِي مَكَانٍ مَا فِي أُورُبَّا، وَلَا تَعْرِفُ شَيْئًا عَنْ أَصْلِهَا الْحَقِيقِيِّ، وَلَا حَتَّى أَنَّهَا وُلِدَتْ فِي ظُرُوفٍ سِرِّيَّةٍ اسْتَثْنَائِيَّةٍ.”
سَقَطَتِ الْوَرَقَةُ مِنْ يَدِ رِيمَا، وَجَلَسَتْ صَامِتَةً تَمَامًا لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ، غَيْرَ قَادِرَةٍ عَلَى النُّطْقِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ.
كَانَ لَدَيْهَا خَالَةٌ. اسْمُهَا صَوْفِي. ابْنَةُ لَمِيسَ الْحَقِيقِيَّةُ، لَا تَعْرِفُ شَيْئًا عَنْ نَفْسِهَا، تَعِيشُ فِي مَكَانٍ مَا فِي أُورُبَّا، رُبَّمَا عَلَى مَسَافَةِ سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ مِنْ فِيينَا نَفْسِهَا.
“رِيمَا،”
هَمَسَ نَبِيلٌ بِحَذَرٍ، وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى كَتِفِهَا.
“هَلْ أَنْتِ بِخَيْرٍ؟”
رَفَعَتْ رِيمَا عَيْنَيْهَا إِلَيْهِ، دُمُوعٌ تَنْحَدِرُ عَلَى وَجْهِهَا الَّذِي يَحْمِلُ فَجْأَةً مَعْنًى جَدِيدًا كَامِلًا لَمْ تَتَوَقَّعْهُ قَطُّ.
“هَذِهِ الرِّحْلَةُ لَمْ تَنْتَهِ بَعْدُ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ لَدَيَّ خَالَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، فِي مَكَانٍ مَا، لَا تَعْرِفُ حَتَّى مَنْ تَكُونُ فِعْلًا. لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَتْرُكَ الْأَمْرَ هَكَذَا. يَجِبُ أَنْ أَجِدَهَا.”
بَقِيَ الثَّلَاثَةُ جَالِسِينَ حَوْلَ الطَّاوِلَةِ حَتَّى سَاعَاتِ الْمَسَاءِ الْمُتَأَخِّرَةِ، يُنَاقِشُونَ خُطَّتَيْنِ مُتَوَازِيَتَيْنِ لَا بُدَّ مِنَ التَّعَامُلِ مَعَهُمَا فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ:
كَيْفِيَّةُ الْبَحْثِ عَنْ صَوْفِي، وَكَيْفِيَّةُ إِرْسَالِ رِسَالَةِ الرَّدْعِ إِلَى فَارُوقَ الْمَصْرِيِّ دُونَ تَعْرِيضِ أَحَدٍ لِخَطَرٍ إِضَافِيٍّ.
“لِنَبْدَأْ بِالْمُحَامِي فِي جِنِيفَ،”
اقْتَرَحَ نَبِيلٌ.
“الَّذِي تَوَاصَلَ مَعَ وَالِدِي عَامَ 2007. رُبَّمَا لَا يَزَالُ حَيًّا، أَوْ عَلَى الْأَقَلَّ رُبَّمَا يَحْتَفِظُ مَكْتَبُهُ بِسِجِلَّاتٍ عَنِ الْقَضِيَّةِ.”
“لَدَيَّ اسْمُهُ فِي الرِّسَالَةِ الَّتِي أَرْسَلَهَا،”
أَضَافَ، وَهُوَ يَبْحَثُ فِي حُزْمَةِ الْأَوْرَاقِ حَتَّى وَجَدَ الرِّسَالَةَ الْأَصْلِيَّةَ:
“الْمُحَامِي جَان-بِيَيْر رُوسُو، مَكْتَبٌ فِي جِنِيفَ.”
كَتَبَتْ رِيمَا الِاسْمَ عَلَى دَفْتَرِ مُلَاحَظَاتِهَا بِيَدٍ لَا تَزَالُ تَرْتَجِفُ قَلِيلًا.
“سَأَتَّصِلُ بِهِ غَدًا صَبَاحًا. لَكِنْ حَتَّى لَوْ كَانَتْ صَوْفِي لَا تَزَالُ حَيَّةً، كَيْفَ سَأُخْبِرُهَا؟ هِيَ لَا تَعْرِفُ شَيْئًا عَنِّي، وَلَا عَنْ حَقِيقَتِهَا هِيَ نَفْسِهَا. رُبَّمَا بَنَتْ حَيَاةً كَامِلَةً لَا تُرِيدُ أَنْ تَهْتَزَّ فَجْأَةً بِسَبَبِ امْرَأَةٍ غَرِيبَةٍ تَظْهَرُ لَهَا مِنَ الْعَدَمِ لِتُخْبِرَهَا أَنَّ كُلَّ مَا عَرَفَتْهُ عَنْ نَفْسِهَا كَانَ كَذبَةً.”
نَظَرَ إِلَيْهَا كَمَالٌ بِعَيْنَيْنِ تَحْمِلَانِ فَهْمًا عَمِيقًا لَمْ تَتَوَقَّعْهُ.
“أَنْتِ تَعْرِفِينَ الْآنَ بِالضَّبْطِ مَا يَعْنِيهِ أَنْ تَكْتَشِفِي حَقِيقَةً كَهَذِهِ فَجْأَةً، رِيمَا. رُبَّمَا هَذَا يَجْعَلُكِ الشَّخْصَ الْوَحِيدَ فِي هَذَا الْعَالَمِ الْقَادِرَ عَلَى إِخْبَارِهَا بِلُطْفٍ وَحِكْمَةٍ كَافِيَيْنِ.”
قَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ نَبِيلٌ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، تَحَدَّثُوا طَوِيلًا عَنْ فَارُوقَ الْمَصْرِيِّ.
اقْتَرَحَ كَمَالٌ أَنْ يُصَوِّرُوا نُسَخًا مُتَعَدِّدَةً مِنَ الْوَثَائِقِ، وَيُودِعُوهَا لَدَى ثَلَاثَةِ مُحَامِينَ فِي بُلْدَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، مَعَ تَعْلِيمَاتٍ وَاضِحَةٍ بِنَشْرِهَا آلِيًّا إِنْ تَعَرَّضَ أَيٌّ مِنْهُمُ الثَّلَاثَةِ، أَوْ خَدِيجَةُ، أَوْ صَوْفِي حِينَ يَجِدُونَهَا، لِأَذًى مُبَاشِرٍ أَوْ غَيْرِ مُبَاشِرٍ.
“سَأَتَوَلَّى إِرْسَالَ رِسَالَةٍ إِلَى فَارُوقَ بِنَفْسِي،”
قَالَ كَمَالٌ بِعَزْمٍ لَمْ تَعْهَدْهُ رِيمَا فِيهِ مِنْ قَبْلُ.
“أَعْرِفُ طَرِيقَةَ التَّوَاصُلِ مَعَهُ، عَبْرَ وَسِيطٍ اسْتَخْدَمْتُهُ لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ لِدَفْعِ مَا كُنْتُ أَظُنُّهُ ثَمَنَ صَمْتِهِ. سَأُخْبِرُهُ أَنَّ الْعَائِلَةَ لَمْ تَعُدْ خَائِفَةً، وَأَنَّ أَيَّ مُحَاوَلَةٍ أُخْرَى لِتَهْدِيدِنَا سَتُقَابَلُ بِنَشْرِ كُلِّ مَا نَعْرِفُهُ فَوْرًا.”
شَعَرَتْ رِيمَا بِفَخْرٍ غَرِيبٍ لِعَمِّهَا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، رَجُلٌ عَاشَ عُقُودًا خَاضِعًا لِخَوْفِهِ، يَتَحَوَّلُ الْآنَ أَمَامَ عَيْنَيْهَا إِلَى شَخْصٍ آخَرَ تَمَامًا، كَأَنَّ كَشْفَ السِّرِّ نَفْسَهُ حَرَّرَهُ مِنْ ثِقَلٍ لَمْ يَعُدْ يَحْتَمِلُهُ.
فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي، اتَّصَلَتْ رِيمَا بِمَكْتَبِ الْمُحَامِي رُوسُو فِي جِنِيفَ.
رَدَّتْ عَلَيْهَا سِكْرِتِيرَةٌ بِلَهْجَةٍ فَرَنْسِيَّةٍ رَسْمِيَّةٍ، أَخْبَرَتْهَا أَنَّ السَّيِّدَ رُوسُو تَقَاعَدَ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، لَكِنَّ الْمَكْتَبَ لَا يَزَالُ يَحْتَفِظُ بِأَرْشِيفِ قَضَايَاهُ الْقَدِيمَةِ، وَأَنَّهَا سَتَحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتِ صِلَةِ قَرَابَةٍ رَسْمِيَّةٍ لِلْحُصُولِ عَلَى أَيِّ مَعْلُومَاتٍ تَخُصُّ قَضِيَّةَ “كَاتْرِين لُورَان”.
قَضَتْ رِيمَا الْأَيَّامَ التَّالِيَةَ فِي دَوَّامَةٍ مِنَ الْأَوْرَاقِ الرَّسْمِيَّةِ:
طَلَبُ نُسْخَةٍ مِنْ شَهَادَةِ مِيلَادِ وَالِدِهَا، إِثْبَاتُ نَسَبِهَا بِوَاسِطَةِ فَحْصٍ جِينِيٍّ مُقَارِنٍ مَعَ حَمْضٍ نَوَوِيٍّ اسْتَخْرَجَتْهُ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ مِنْ خُصْلَةِ شَعْرٍ عَالِقَةٍ فِي الدَّفْتَرِ الْجِلْدِيِّ الْقَدِيمِ لِلَمِيسَ نَفْسِهَا، مُرَاسَلَاتٍ رَسْمِيَّةٍ لَا تَنْتَهِي مَعَ سُلُطَاتِ السِّجِلِّ الْمَدَنِيِّ السُّوِيسْرِيِّ.
كَانَتْ كُلُّ خُطْوَةٍ فِي هَذَا الطَّرِيقِ بَطِيئَةً، مُرْهِقَةً، بِيرُوقْرَاطِيَّةً بِشَكْلٍ يَكَادُ يَكْسِرُ صَبْرَهَا مِرَارًا، لَكِنَّهَا كَانَتْ تُذَكِّرُ نَفْسَهَا كُلَّ مَرَّةٍ بِوَجْهِ لَمِيسَ فِي اللَّوْحَةِ، وَبِتِلْكَ الْجُمْلَةِ الَّتِي كَتَبَهَا أَنْوَرُ:
“كَانَتْ تُنَادِيهَا فِي سِرِّهَا رِيمَا.” شَعَرَتْ أَنَّهَا تَحْمِلُ الْآنَ أَمَانَةً حَقِيقِيَّةً، لَا مُجَرَّدَ فُضُولٍ شَخْصِيٍّ، بَلْ وَعْدًا صَامِتًا لِامْرَأَةٍ لَمْ تَلْتَقِ بِهَا يَوْمًا، لِتُكْمِلَ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ هِيَ إِكْمَالَهُ.
بَعْدَ أَسْبُوعَيْنِ كَامِلَيْنِ مِنَ الِانْتِظَارِ الْمُضْنِي، وَصَلَتْهَا رِسَالَةٌ إِلِكْتِرُونِيَّةٌ مِنْ مَكْتَبِ الْمُحَامِي رُوسُو، تَحْمِلُ فِي مَوْضُوعِهَا كَلِمَاتٍ قَلِيلَةً غَيَّرَتْ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ جَدِيدٍ:
“بِخُصُوصِ اسْتِفْسَارِكِ عَنِ السَّيِّدَةِ صَوْفِي لُورَان — عُنْوَانٌ حَالِيٌّ مُتَوَفِّرٌ.”
كَانَ الْعُنْوَانُ يَقُودُ إِلَى قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ هَادِئَةٍ فِي مِنْطَقَةِ الْأَلْزَاسِ، عَلَى الْحُدُودِ بَيْنَ فَرَنْسَا وَأَلْمَانْيَا، حَيْثُ تَعْمَلُ صَوْفِي لُورَان، حَسْبَ مَا كَشَفَتْهُ رِيمَا بِبَحْثٍ حَذِرٍ عَبْرَ الْإِنْتَرْنِتِ، مُعَلِّمَةَ فَنٍّ فِي مَدْرَسَةٍ ثَانَوِيَّةٍ صَغِيرَةٍ، تَمَامًا كَمَا كَانَتْ أُمُّهَا مِنْ قَبْلِهَا، دُونَ أَنْ تَعْرِفَ يَوْمًا أَنَّهَا تَسِيرُ عَلَى خُطَاهَا.
قَرَّرَتْ رِيمَا أَنْ تَذْهَبَ وَحْدَهَا فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ بِالتَّحْدِيدِ، شَاعِرَةً أَنَّ حُضُورَ نَبِيلٍ أَوْ كَمَالٍ قَدْ يَجْعَلُ الْمَوْقِفَ أَكْثَرَ إِرْبَاكًا لِامْرَأَةٍ لَا تَعْرِفُ شَيْئًا عَنْ كُلِّ هَذَا التَّارِيخِ الْمُعَقَّدِ.
اسْتَقَلَّتْ قِطَارًا مِنْ فِيينَا، وَقَضَتِ السَّاعَاتِ الطَّوِيلَةَ لِلرِّحْلَةِ تُحَاوِلُ أَنْ تَجِدَ الْكَلِمَاتِ الْمُنَاسِبَةَ، الطَّرِيقَةَ الْأَقَلَّ صَدْمَةً لِتَقُولَ لِامْرَأَةٍ غَرِيبَةٍ تَمَامًا:
“أَنَا ابْنَةُ خَالَتِكِ. أُمُّكِ لَيْسَتِ الْمَرْأَةَ الَّتِي تَظُنِّينَهَا.”
فِي الصَّبَاحِ التَّالِي، وَقَفَتْ رِيمَا أَمَامَ الْمَدْرَسَةِ الصَّغِيرَةِ، تُرَاقِبُ الْبَابَ بِقَلَقٍ شَبِيهٍ بِمَا شَعَرَتْ بِهِ حِينَ رَأَتِ اللَّوْحَةَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ. رَأَتْهَا أَخِيرًا حِينَ خَرَجَتْ فِي فُسْحَةِ الظَّهِيرَةِ: امْرَأَةٌ فِي أَوَاخِرِ الثَّلَاثِينَاتِ، شَعْرُهَا دَاكِنٌ مَجْمُوعٌ بِإِهْمَالٍ أَنِيقٍ خَلْفَ رَأْسِهَا، تَحْمِلُ لَفَّةَ رَسْمٍ تَحْتَ ذِرَاعِهَا، وَعَلَى وَجْهِهَا، رَغْمَ اخْتِلَافِ الْمَلَامِحِ الدَّقِيقَةِ عَنْ وَجْهِ رِيمَا، شَيْءٌ لَا يُخْطِئُهُ عَيْنُ خَبِيرَةِ تَرْمِيمٍ اعْتَادَتْ عَلَى قِرَاءَةِ الْوُجُوهِ بِدِقَّةٍ: انْحِنَاءَةُ الْحَاجِبِ نَفْسُهَا، مَيْلَةُ الرَّأْسِ نَفْسُهَا حِينَ تُفَكِّرُ.
اقْتَرَبَتْ رِيمَا بِخُطًى مُتَرَدِّدَةٍ.
“الْمَعْذِرَةُ، هَلْ أَنْتِ صَوْفِي لُورَان؟”
نَظَرَتِ الْمَرْأَةُ إِلَيْهَا بِفُضُولٍ مُهَذَّبٍ.
“نَعَمْ، أَنَا هِيَ. هَلْ يُمْكِنُنِي مُسَاعَدَتُكِ؟”
تَرَدَّدَتْ رِيمَا لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ قَرَّرَتْ أَنَّ الصِّدْقَ الْمُبَاشِرَ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ صَادِمًا، أَفْضَلُ مِنْ أَيِّ مُقَدِّمَاتٍ مُلْتَوِيَةٍ.
“اسْمِي رِيمَا نَجَّارٍ. أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا سَيَبْدُو غَرِيبًا جِدًّا، لَكِنِّي أَحْمِلُ لَكِ مَعْلُومَاتٍ عَنْ وَالِدَتِكِ الرَّاحِلَةً، عَنْ حَيَاتِهَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ إِلَى فَرَنْسَا. ظَنَنْتُ أَنَّ مِنْ حَقِّكِ أَنْ تَعْرِفِيهَا.”
اكْفَهَرَّ وَجْهُ صَوْفِي فَجْأَةً، مَزِيجٌ مِنَ الْحَذَرِ وَالْفُضُولِ الْحَقِيقِيِّ.
“أُمِّي لَمْ تَتَحَدَّثْ يَوْمًا عَنْ مَاضِيهَا. كَانَتْ تَقُولُ دَائِمًا إِنَّهَا لَا تُحِبُّ النَّظَرَ إِلَى الْوَرَاءِ. مَنْ أَنْتِ بِالضَّبْطِ، وَكَيْفَ تَعْرِفِينَ عَنْهَا شَيْئًا لَمْ أَعْرِفْهُ أَنَا نَفْسِي؟”
“هَلْ يُمْكِنُنَا أَنْ نَجْلِسَ فِي مَكَانٍ هَادِئٍ؟”
سَأَلَتْ رِيمَا بِلُطْفٍ.
“الْقِصَّةُ طَوِيلَةٌ، وَأُرِيدُ أَنْ أَحْكِيَهَا لَكِ بِالشَّكْلِ الصَّحِيحِ، دُونَ عَجَلَةٍ.”
جَلَسَتَا فِي مَقْهًى صَغِيرٍ قُرْبَ الْمَدْرَسَةِ، وَبَدَأَتْ رِيمَا تَرْوِي الْحِكَايَةَ مِنَ الْبِدَايَةِ:
اللَّوْحَةُ الَّتِي وَصَلَتْهَا فِي فِيينَا، الشَّبَهُ الْمُذْهِلُ، الدَّفْتَرُ فِي إِسْطَنْبُولَ، خَدِيجَةُ فِي دِمَشْقَ، وَأَخِيرًا، الْوَرَقَةُ الْأَخِيرَةُ الَّتِي كَتَبَهَا أَنْوَرُ حِلْمِي قَبْلَ وَفَاتِهِ.
اسْتَمَعَتْ صَوْفِي بِصَمْتٍ مُطْبِقٍ طَوَالَ الْوَقْتِ، وَجْهُهَا يَتَحَوَّلُ تَدْرِيجِيًّا مِنَ الشَّكِّ إِلَى الذُّهُولِ إِلَى شَيْءٍ أَعْمَقَ بِكَثِيرٍ، شَيْءٍ يُشْبِهُ حُزْنًا قَدِيمًا يَجِدُ أَخِيرًا اسْمَهُ الْحَقِيقِيَّ بَعْدَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الْغُمُوضِ غَيْرِ الْمُفَسَّرِ.
“كَانَتْ تَرْسُمُ كُلَّ لَيْلَةٍ،”
هَمَسَتْ صَوْفِي أَخِيرًا، دُمُوعٌ تَنْحَدِرُ بِصَمْتٍ عَلَى وَجْهِهَا.
“كُنْتُ أَعْتَقِدُ دَائِمًا أَنَّهَا تَرْسُمُ مَنَاظِرَ طَبِيعِيَّةً، أَوْ أَشْيَاءَ عَادِيَّةً. لَمْ أَرَ يَوْمًا مَا كَانَتْ تَرْسُمُهُ، لِأَنَّهَا كَانَتْ تُغْلِقُ بَابَ غُرْفَتِهَا دَائِمًا حِينَ تَرْسُمُ، وَفِي الصَّبَاحِ لَا أَجِدُ شَيْئًا، لَا لَوْحَةَ وَلَا حَتَّى بَقَايَا وَرَقٍ فِي سَلَّةِ الْمُهْمَلَاتِ. كُنْتُ أَظُنُّهَا هِوَايَةً غَرِيبَةً لَا تُخْبِرُنِي بِتَفَاصِيلِهَا، وَلَمْ أَفْهَمْ أَبَدًا لِمَاذَا.”
أَخْرَجَتْ رِيمَا مِنْ حَقِيبَتِهَا صُورَةً لِلَّوْحَةِ الْأَصْلِيَّةِ الَّتِي بَدَأَتْ كُلَّ شَيْءٍ، الْتَقَطَتْهَا بِهَاتِفِهَا قَبْلَ الرِّحْلَةِ.
“أَظُنُّ أَنَّهَا كَانَتْ تَرْسُمُ هَذَا، لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ، لِعِشْرِينَ عَامًا. وَجْهُ نَفْسِهَا، كَمَا كَانَتْ فِي دِمَشْقَ، قَبْلَ أَنْ يَتَغَيَّرَ كُلُّ شَيْءٍ.”
نَظَرَتْ صَوْفِي إِلَى الصُّورَةِ طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَتْ عَيْنَيْهَا إِلَى وَجْهِ رِيمَا، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى الصُّورَةِ مَرَّةً أُخْرَى، تُقَارِنُ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ فِي صَمْتٍ.
“أَنْتِ تُشْبِهِينَهَا كَثِيرًا،”
قَالَتْ أَخِيرًا بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ.
“وَأَنَا… أَظُنُّ أَنَّنِي أَرَى الْآنَ فِي وَجْهِكِ شَيْئًا كُنْتُ أَرَاهُ فِي مِرْآتِي كُلَّ صَبَاحٍ دُونَ أَنْ أَفْهَمَ مَصْدَرَهُ حَقًّا.”
مَدَّتْ يَدَهَا بِتَرَدُّدٍ، وَأَمْسَكَتْ بِيَدِ رِيمَا فَوْقَ الطَّاوِلَةِ.
“شُكْرًا لَكِ،”
قَالَتْ، صَوْتُهَا يَتَحَطَّمُ تَمَامًا الْآنَ.
“شُكْرًا لِأَنَّكِ لَمْ تَتْرُكِينِي أَعِيشُ بَقِيَّةَ حَيَاتِي دُونَ أَنْ أَعْرِفَ مَنْ كُنْتُ أَنَا حَقًّا، وَمَنْ كَانَتْ أُمِّي حَقًّا.”
فِي طَرِيقِ عَوْدَتِهَا مِنَ الْأَلْزَاسِ إِلَى فِيينَا، تَلَقَّتْ رِيمَا اتِّصَالًا مِنْ عَمِّهَا كَمَالٍ، صَوْتُهُ يَحْمِلُ نَبْرَةً لَمْ تَسْمَعْهَا فِيهِ مِنْ قَبْلُ، مَزِيجًا مِنَ التَّوَتُّرِ وَالِارْتِيَاحِ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
“وَصَلَتْهُ الرِّسَالَةُ،”
قَالَ كَمَالٌ بِمُجَرَّدِ أَنْ رَدَّتْ رِيمَا.
“أَرْسَلْتُ لَهُ نُسْخَةً عَنِ الْوَثَائِقِ، مَعَ رِسَالَةٍ وَاضِحَةٍ عَبْرَ الْوَسِيطِ نَفْسِهِ: أَنَّ نُسَخًا إِضَافِيَّةً مَحْفُوظَةٌ لَدَى ثَلَاثَةِ مُحَامِينَ فِي بُلْدَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَنَّ أَيَّ أَذًى يُصِيبُ أَحَدًا مِنَّا، بِمَا فِي ذَلِكَ صَوْفِي الَّتِي أَصْبَحَتْ الْآنَ جُزْءًا مِنَ هَذِهِ الْقِصَّةِ، سَيُؤَدِّي إِلَى نَشْرِهَا فَوْرًا فِي أَكْثَرِ الصُّحُفِ انْتِشَارًا فِي الْمِنْطَقَةِ.”
“وَمَاذَا كَانَ رَدُّهُ؟”
سَأَلَتْ رِيمَا، وَقَلْبُهَا يَخْفِقُ بِتَوَتُّرٍ.
تَنَهَّدَ كَمَالٌ تَنَهُّدَةً طَوِيلَةً.
“لَمْ يَرُدَّ هُوَ شَخْصِيًّا، بِالطَّبْعِ، رَجُلٌ بِمَكَانَتِهِ لَا يَتَحَدَّثُ مُبَاشَرَةً فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ. لَكِنَّ الْوَسِيطَ اتَّصَلَ بِي بَعْدَ يَوْمَيْنِ، وَنَقَلَ رِسَالَةً مُقْتَضَبَةً جِدًّا: ‘لَا دَاعِيَ لِمَزِيدٍ مِنَ التَّوَتُّرِ. الْمَاضِي يَبْقَى فِي الْمَاضِي، وَكَذَلِكَ الْحَاضِرُ يَبْقَى فِي الْحَاضِرِ. لِيَعِشْ كُلٌّ مِنَّا حَيَاتَهُ بِسَلَامٍ.’ أَظُنُّهَا طَرِيقَتُهُ فِي قَوْلِ إِنَّهُ يَقْبَلُ الْهُدْنَةَ، رِيمَا، طَالَمَا بَقِيَتِ الْأَدِلَّةُ مَحْفُوظَةً كَضَمَانَةٍ صَامِتَةٍ، دُونَ أَنْ تُنْشَرَ فِعْلًا.”
شَعَرَتْ رِيمَا بِارْتِيَاحٍ يَتَسَرَّبُ فِي جَسَدِهَا كُلِّهِ، لَكِنَّهُ ارْتِيَاحٌ مَشُوبٌ بِمَرَارَةٍ خَفِيفَةٍ.
“إِذَنْ رَجُلٌ كَهَذَا، بَعْدَ كُلِّ مَا فَعَلَهُ، سَيُفْلِتُ بِلَا عِقَابٍ حَقِيقِيٍّ؟”
“أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ عَدْلًا كَامِلًا، رِيمَا،”
قَالَ كَمَالٌ بِهُدُوءٍ حَكِيمٍ.
“لَكِنَّ الْعَدَالَةَ الْكَامِلَةَ لَيْسَتْ دَائِمًا فِي مُتَنَاوَلِ أَيْدِينَا، خَاصَّةً مَعَ رِجَالٍ بَنَوْا إِمْبِرَاطُورِيَّاتِهِمْ عَلَى أَنْقَاضِ صَمْتِ الْآخَرِينَ.
مَا حَصَلْنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ هُوَ شَيْءٌ آخَرُ، رُبَّمَا أَهَمُّ:
أَمَانٌ حَقِيقِيٌّ، لَنَا وَلِمَنْ يَأْتِي بَعْدَنَا، وَنِهَايَةٌ لِثَلَاثِينَ عَامًا مِنَ الْخَوْفِ الصَّامِتِ الَّذِي حَمَلَتْهُ هَذِهِ الْعَائِلَةُ وَحْدَهَا.”
بَعْدَ أَنْ أَنْهَتِ الْمُكَالَمَةَ، جَلَسَتْ رِيمَا فِي مَقْعَدِهَا فِي الْقِطَارِ، تُرَاقِبُ الرِّيفَ الْأُورُبِّيَّ يَمُرُّ سَرِيعًا خَلْفَ النَّافِذَةِ، حُقُولٌ خَضْرَاءُ وَقُرًى صَغِيرَةٌ هَادِئَةٌ تَتَعَاقَبُ بِإِيقَاعٍ مُطَمْئِنٍ.
فَكَّرَتْ فِي كُلِّ مَا حَدَثَ فِي الْأَسَابِيعِ الْقَلِيلَةِ الْمَاضِيَةِ:
لَوْحَةٌ وَصَلَتْ فِي صُنْدُوقٍ خَشَبِيٍّ، وَجْهٌ يُشْبِهُ وَجْهَهَا رُسِمَ قَبْلَ مِيلَادِهَا بِسَنَوَاتٍ، رِحْلَةٌ إِلَى إِسْطَنْبُولَ ثُمَّ دِمَشْقَ ثُمَّ الْأَلْزَاسِ، خَيْطٌ يَقُودُ إِلَى خَيْطٍ حَتَّى تَكَشَّفَتِ الْحِكَايَةُ كُلُّهَا:
حُبٌّ مَمْنُوعٌ، تَضْحِيَةٌ تَوْأَمِيَّةٌ، انْتِحَالُ هُوِيَّةٍ اسْتَمَرَّ عُقُودًا، وَامْرَأَتَانِ عَاشَتَا حَيَاتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ تَحْتَ اسْمَيْنِ لَيْسَا اسْمَيْهِمَا الْحَقِيقِيَّيْنِ.
أَخْرَجَتْ هَاتِفَهَا، وَنَظَرَتْ إِلَى الصُّورَةِ الَّتِي الْتَقَطَتْهَا مَعَ صَوْفِي قَبْلَ أَنْ تُغَادِرَ، امْرَأَتَانِ تَحْمِلَانِ مَلَامِحَ عَائِلَةٍ وَاحِدَةٍ، اجْتَمَعَتَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ بَعْدَ عُقُودٍ مِنَ الِانْفِصَالِ غَيْرِ الْمُتَعَمَّدِ.
شَعَرَتْ بِابْتِسَامَةٍ حَقِيقِيَّةٍ تَرْتَسِمُ عَلَى وَجْهِهَا لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ أَيَّامٍ طَوِيلَةٍ.
رَنَّ هَاتِفُهَا بِرِسَالَةٍ جَدِيدَةٍ. كَانَتْ مِنْ نَبِيلٍ:
“هَلْ وَصَلْتِ بِأَمَانٍ؟ أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ كَيْفَ سَارَ اللِّقَاءُ مَعَ صُوْفِي. وَأَيْضًا… أُرِيدُ أَنْ أَرَاكِ حِينَ تَعُودِينَ. لَدَيَّ شَيْءٌ أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهُ لَكِ، لَيْسَ لَهُ عَلَاقَةٌ بِأَنْوَرَ أَوْ لَمِيسَ أَوْ أَيٍّ مِنْ هَذِهِ الْحِكَايَةِ الْقَدِيمَةِ هَذِهِ الْمَرَّةَ.”
ابْتَسَمَتْ رِيمَا وَهِيَ تَقْرَأُ الرِّسَالَةَ، شَاعِرَةً بِدِفْءٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعٍ يَتَسَلَّلُ إِلَى صَدْرِهَا، دِفْءٍ لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِاللُّغْزِ الَّذِي جَمَعَهُمَا فِي الْبِدَايَةِ، بَلْ بِشَيْءٍ جَدِيدٍ كَامِلٍ بَدَأَ يَنْمُو بِهُدُوءٍ بَيْنَهُمَا عَبْرَ كُلِّ تِلْكَ الْأَسَابِيعِ مِنَ الْمُكَالَمَاتِ وَاللِّقَاءَاتِ وَالْمَخَاوِفِ الْمُشْتَرَكَةِ.
عَادَتْ رِيمَا إِلَى فِيينَا فِي مَسَاءٍ رَبِيعِيٍّ هَادِئٍ، وَالْمَدِينَةُ تَسْتَقْبِلُهَا بِذَلِكَ الضَّوْءِ الْبُرْتُقَالِيِّ الْخَفِيفِ الَّذِي أَحَبَّتْهُ دَائِمًا. كَانَ نَبِيلٌ يَنْتَظِرُهَا عِنْدَ مَحَطَّةِ الْقِطَارِ، يَحْمِلُ وَرْدَةً بَيْضَاءَ وَاحِدَةً، تَذَكَّرَتْ عِنْدَ رُؤْيَتِهَا بَائِعَ الزُّهُورِ الْعَجُوزَ الَّذِي كَانَ يَعْرِضُ عَلَيْهَا الْوَرْدَةَ نَفْسَهَا كُلَّ مَسَاءٍ، فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْبَعِيدَةِ الَّتِي بَدَأَتْ فِيهَا كُلُّ هَذِهِ الرِّحْلَةِ، حِينَ رَفَضَتْهَا قَائِلَةً إِنَّ ذَلِكَ الْأُسْبُوعَ لَنْ يَحْتَاجَ إِلَى زُهُورٍ.
“أَخْطَأْتِ فِي تَقْدِيرِكِ حِينَهَا،”
قَالَ نَبِيلٌ بِابْتِسَامَةٍ خَفِيفَةٍ حِينَ رَوَتْ لَهُ الذِّكْرَى، وَهُوَ يَمُدُّ لَهَا الْوَرْدَةَ.
“بَلْ كَانَ ذَلِكَ الْأُسْبُوعُ يَحْتَاجُ إِلَى أَكْثَرِ مِنْ وَرْدَةٍ وَاحِدَةٍ، لَوْ عَرَفْتِ فَقَطْ مَا كَانَ قَادِمًا.”
فِي الْأَيَّامِ التَّالِيَةِ، أَخَذَتْ رِيمَا اللَّوْحَةَ إِلَى مُخْتَبَرِ التَّرْمِيمِ فِي الْمَتْحَفِ، لِتُكْمِلَ أَخِيرًا مَا بَدَأَتْهُ قَبْلَ أَسَابِيعَ:
كَشْفَ تِلْكَ الطَّبَقَةِ الْمُخْفِيَّةِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا يُورِيغُ فِي فَحْصِهِ الْأَوَّلِ، فِي الرُّكْنِ الْعُلْوِيِّ الْأَيْمَنِ مِنَ اللَّوْحَةِ.
عَمِلَتْ بِصَبْرٍ الرُّهْبَانِ الَّذِي طَالَمَا وَصَفَتْهُ كْلَارَا، تُمَرِّرُ الْقُطْنَةَ الْمُبَلَّلَةَ بِرِفْقٍ فَوْقَ سَطْحِ الْقُمَاشِ، طَبَقَةً تِلْوَ طَبَقَةٍ، حَتَّى ظَهَرَ أَخِيرًا مَا كَانَ أَنْوَرُ قَدْ بَدَأَ رَسْمَهُ ثُمَّ غَطَّاهُ عَمْدًا:
كَلِمَاتٌ صَغِيرَةٌ، مَكْتُوبَةٌ بِخَطٍّ فَنِّيٍّ دَقِيقٍ بَيْنَ ظِلَالِ الْخَلْفِيَّةِ، بِالْعَرَبِيَّةِ، كَادَتْ تَخْتَفِي كُلِّيًّا لَوْلَا أَنَّ يَدَ رِيمَا كَانَتْ تَعْرِفُ بِالضَّبْطِ أَيْنَ تَبْحَثُ:
“لِمَنْ سَتُبْصِرُ هَذَا الْوَجْهَ يَوْمًا مَا:
لَمْ يَكْتَمِلْ هَذَا الْحُبُّ فِي زَمَنِهِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَنْتَهِ أَبَدًا.
اُنْظُرِي إِلَيْهِ كَمَا أَنْتِ، لَا كَمَا كَانَتْ، وَتَابِعِي مَا لَمْ نَسْتَطِعْ أَنْ نُتَابِعَهُ.”
وَقَفَتْ كْلَارَا خَلْفَهَا، تُرَاقِبُ الْكَشْفَ فِي صَمْتٍ مَشْدُوهٍ.
“رِيمَا، هَذَا… هَذَا يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ، حَتَّى وَهُوَ يَرْسُمُ تِلْكَ اللَّوْحَةَ فِي أَوَاخِرِ حَيَاتِهِ، أَنَّهَا سَتَصِلُ يَوْمًا مَا إِلَى شَخْصٍ يَحْمِلُ وَجْهَ لَمِيسَ.”
“لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ بِالضَّبْطِ،”
قَالَتْ رِيمَا بِهُدُوءٍ، وَهِيَ لَا تَزَالُ تُحَدِّقُ فِي الْكَلِمَاتِ الْمُنْكَشِفَةِ حَدِيثًا.
“لَكِنَّهُ كَانَ يَأْمُلُ. رَسَمَهَا وَتَرَكَ لَهَا رِسَالَةً، وَاثِقًا بِأَنَّ الزَّمَنَ سَيَجِدُ طَرِيقَهُ فِي النِّهَايَةِ لِيُوصِلَهَا إِلَى مَنْ تَحْتَاجُهَا، حَتَّى لَوِ اسْتَغْرَقَ ذَلِكَ ثَلَاثِينَ عَامًا أُخْرَى.”
بَعْدَ أَنِ انْتَهَتْ مِنَ التَّرْمِيمِ، دَعَتْ رِيمَا الْجَمِيعَ إِلَى شَقَّتِهَا:
كَمَالٌ، الَّذِي أَصْبَحَ يَزُورُهَا الْآنَ كُلَّ أَسْبُوعَيْنِ تَقْرِيبًا، بَعْدَ أَنْ تَآكَلَ ذَلِكَ الْجِدَارُ الزُّجَاجِيُّ الَّذِي فَصَلَهُمَا لِعُقُودٍ؛ وَنَبِيلٌ، الَّذِي أَصْبَحَ حُضُورُهُ فِي حَيَاتِهَا شَيْئًا لَا تَتَخَيَّلُ الْأَسَابِيعَ بِدُونِهِ؛ وَكْلَارَا بِالطَّبْعِ، الَّتِي رَافَقَتْهَا فِي كُلِّ خُطْوَةٍ مِنْ هَذِهِ الرِّحْلَةِ الطَّوِيلَةِ.
عَلَى الشَّاشَةِ، عَبْرَ مُكَالَمَةِ فِيدْيُو، ظَهَرَتْ خَدِيجَةُ مِنْ دِمَشْقَ، مُبْتَسِمَةً، وَإِلَى جِوَارِهَا عَلَى الشَّاشَةِ الْأُخْرَى صُوْفِي مِنَ الْأَلْزَاسِ، الَّتِي وَعَدَتْ بِزِيَارَةِ فِيينَا فِي الصَّيْفِ الْقَادِمِ لِتَلْتَقِيَ بِبَاقِي الْعَائِلَةِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ.
نَظَرَتْ رِيمَا حَوْلَهَا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ:
عَائِلَةٌ مِنْ نَوْعٍ لَمْ تَتَخَيَّلْهُ يَوْمًا، مُتَفَرِّقَةٌ عَبْرَ ثَلَاثِ قَارَّاتٍ وَثَلَاثِ لُغَاتٍ، جَمَعَهَا فِي النِّهَايَةِ صُنْدُوقٌ خَشَبِيٌّ وَصَلَ إِلَى بَابِ بِنَايَتِهَا فِي مَسَاءٍ عَادِيٍّ لَمْ تَتَوَقَّعْ مِنْهُ شَيْئًا.
نَظَرَتْ إِلَى اللَّوْحَةِ الْمُعَلَّقَةِ أَمَامَهَا، وَجْهُ لَمِيسَ يُحَدِّقُ فِيهَا بِهُدُوءٍ، لَكِنَّ شَيْئًا فِي تِلْكَ الْعَيْنَيْنِ الْمَرْسُومَتَيْنِ بَدَا مُخْتَلِفًا الْآنَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ رَأَتْهَا فِيهَا:
لَمْ يَعُدْ ذَلِكَ الْقَلَقَ الْبَادِيَ فِي الْمَلَامِحِ يَبْدُو انْتِظَارًا مُعَلَّقًا بِلَا نِهَايَةٍ، بَلْ رِضًا هَادِئًا، كَأَنَّ الرِّسَالَةَ الَّتِي حَمَلَتْهَا اللَّوْحَةُ عَبْرَ كُلِّ تِلْكَ السَّنَوَاتِ قَدْ وَصَلَتْ أَخِيرًا إِلَى مَنْ كَانَتْ تَنْتَظِرُهُمْ.
مَرَّ الصَّيْفُ سَرِيعًا، كَمَا تَمُرُّ الْفُصُولُ حِينَ تَكُونُ الْحَيَاةُ مُمْتَلِئَةً أَخِيرًا بَعْدَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الْفَرَاغِ غَيْرِ الْمُفَسَّرِ. وَفَتْ صُوْفِي بِوَعْدِهَا، وَوَصَلَتْ إِلَى فِيينَا فِي أَوَاخِرِ آبَ، تَحْمِلُ فِي حَقِيبَتِهَا لَوْحَةً صَغِيرَةً رَسَمَتْهَا بِنَفْسِهَا خِصِّيصًا لِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ:
وَجْهُ امْرَأَةٍ تَبْتَسِمُ بِحُرِّيَّةٍ كَامِلَةٍ، لَا قَلَقَ فِيهِ وَلَا انْتِظَارَ، اسْتَوْحَتْهُ مِنَ الصُّورَةِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي وَجَدَتْهَا رِيمَا فِي خِزَانَةِ الْإِيدَاعِ فِي إِسْطَنْبُولَ، لَمِيسُ فِي مَشْغَلِ أَنْوَرَ، صَيْفَ 1987، قَبْلَ أَنْ يَتَغَيَّرَ كُلُّ شَيْءٍ.
اجْتَمَعَ الْجَمِيعُ فِي مَتْحَفِ فِيينَا نَفْسِهِ، فِي صَالَةٍ صَغِيرَةٍ خَصَّصَهَا الْبْرُوفِيسُورُ شْتَايْنَرُ، بَعْدَ أَنْ رَوَتْ لَهُ رِيمَا جُزْءًا مِنَ الْحِكَايَةِ الَّتِي أَثَارَتْ إِعْجَابَهُ بِعُمْقٍ إِنْسَانِيٍّ نَادِرًا مَا يَشْهَدُهُ فِي عَمَلِهِ الْيَوْمِيِّ الْمُعْتَادِ، لِإِقَامَةِ مَعْرِضٍ صَغِيرٍ خَاصٍّ:
لَوْحَةُ لَمِيسَ الْأَصْلِيَّةُ، مُرَمَّمَةً بِالْكَامِلِ الْآنَ، تَتَوَسَّطُ الصَّالَةَ، وَإِلَى جِوَارِهَا لَوْحَةُ صَوْفِي الْجَدِيدَةُ، وَبَيْنَهُمَا، فِي إِطَارٍ زُجَاجِيٍّ صَغِيرٍ، الصُّورَةُ الْفُوتُوغْرَافِيَّةُ الَّتِي جَمَعَتْ لَمِيسَ وَأَنْوَرَ فِي ذَلِكَ الصَّيْفِ الْبَعِيدِ.
سَمَّتْهُ رِيمَا، بِمُوَافَقَةِ الْجَمِيعِ،
“اللَّوْحَةُ الَّتِي لَمْ تُرْسَمْ بَعْدُ”،
تَيَمُّنًا بِتِلْكَ الْجُمْلَةِ الَّتِي طَالَمَا تَرَدَّدَتْ فِي ذِهْنِهَا طَوَالَ رِحْلَتِهَا:
أَنَّ حِكَايَةَ لَمِيسَ وَأَنْوَرَ لَمْ تَكْتَمِلْ فِي زَمَنِهَا، لَكِنَّهَا لَمْ تَنْتَهِ أَبَدًا، بَلِ اسْتَمَرَّتْ تُرْسَمُ عَبْرَ الْأَجْيَالِ، فِي وُجُوهٍ لَمْ تَكُنْ قَدْ وُلِدَتْ بَعْدُ، فِي مَدَائِنَ لَمْ يَطَأْهَا أَصْحَابُ الْحِكَايَةِ الْأَصْلِيُّونَ يَوْمًا.
وَقَفَتْ رِيمَا فِي مَسَاءِ الِافْتِتَاحِ، وَسَطَ الْحُضُورِ الْقَلِيلِ الْمُخْتَارِ بِعِنَايَةٍ، كَمَالٌ إِلَى يَمِينِهَا، وَنَبِيلٌ إِلَى يَسَارِهَا يُمْسِكُ بِيَدِهَا بِهُدُوءٍ، وَصَوْفِي وَكْلَارَا تَتَجَاذَبَانِ أَطْرَافَ الْحَدِيثِ بِفَرَنْسِيَّةٍ رَكِيكَةٍ وَضَحِكَاتٍ صَادِقَةٍ عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْهُمَا.
عَلَى الشَّاشَةِ الْكَبِيرَةِ الْمُعَلَّقَةِ فِي زَاوِيَةِ الصَّالَةِ، ظَهَرَتْ خَدِيجَةُ مِنْ دِمَشْقَ عَبْرَ اتِّصَالِ فِيدْيُو مُبَاشِرٍ، تَبْتَسِمُ بِفَخْرٍ وَاضِحٍ، وَخَلْفَهَا فِي الصُّورَةِ، لَمْحَةٌ مِنْ فِنَاءِ بَيْتِهَا الدِّمَشْقِيِّ الْقَدِيمِ، حَيْثُ بَدَأَتْ حَقًّا كُلُّ خُيُوطِ هَذِهِ الْحِكَايَةِ قَبْلَ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ.
نَظَرَتْ رِيمَا إِلَى اللَّوْحَةِ الْأَصْلِيَّةِ أَمَامَهَا، ثُمَّ إِلَى انْعِكَاسِ وَجْهِهَا الْخَافِتِ عَلَى زُجَاجِ الْإِطَارِ الْمُحِيطِ بِهَا، تِلْكَ الْحَرَكَةُ نَفْسُهَا الَّتِي فَعَلَتْهَا يَوْمًا أَمَامَ مِرْآةِ مَدْخَلِ شَقَّتِهَا فِي فِيينَا، فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ الَّذِي أَعْقَبَ وُصُولَ الصُّنْدُوقِ الْخَشَبِيِّ.
كَانَتْ هِيَ نَفْسَهَا، دُونَ شَكٍّ، كَمَا كَانَتْ حِينَهَا. لَكِنَّهَا لَمْ تَعُدْ تَرَى وَجْهًا آخَرَ غَرِيبًا يُحَدِّقُ فِيهَا مِنْ عُمْقِ ذَلِكَ الِانْعِكَاسِ كَمَا شَعَرَتْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْبَعِيدَةِ.
أَصْبَحَ ذَلِكَ الْوَجْهُ الْآخَرُ جُزْءًا مِنْهَا الْآنَ، مُتَصَالِحًا مَعَ وَجْهِهَا الَّذِي عَرَفَتْهُ طَوَالَ حَيَاتِهَا، لَا غَرِيبًا عَنْهُ وَلَا مُنْفَصِلًا، بَلْ امْتِدَادًا طَبِيعِيًّا لَهُ، حِكَايَةً وَاحِدَةً مُتَّصِلَةً عَبْرَ ثَلَاثَةِ أَجْيَالٍ مِنَ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي حَمَلْنَ الْوَجْهَ نَفْسَهُ، وَالِاسْمَ نَفْسَهُ، وَإِنْ كُنَّ قَدْ عِشْنَ حَيَوَاتٍ مُخْتَلِفَةً كُلَّ الِاخْتِلَافِ.
اقْتَرَبَ مِنْهَا نَبِيلٌ بِهُدُوءٍ، وَهَمَسَ فِي أُذُنِهَا:
“بِمَاذَا تُفَكِّرِينَ؟”
ابْتَسَمَتْ رِيمَا، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ، ثُمَّ إِلَى اللَّوْحَةِ مَرَّةً أُخِيرَةً.
“أُفَكِّرُ أَنَّ كُلَّ لَوْحَةٍ، مَهْمَا طَالَ الزَّمَنُ الَّذِي تَنْتَظِرُ فِيهِ مُكْتَمِلَةً، تَجِدُ فِي النِّهَايَةِ الْيَدَ الَّتِي تُكْمِلُهَا. وَأَنَّ بَعْضَ الْحِكَايَاتِ، رَغْمَ كُلِّ مَا يَعْتَرِضُهَا مِنْ عَتْمَةٍ وَصَمْتٍ وَخَوْفٍ يَمْتَدُّ لِعُقُودٍ، تَجِدُ دَائِمًا طَرِيقَهَا فِي النِّهَايَةِ إِلَى الضَّوْءِ.”
وَقَفَا مَعًا طَوِيلًا أَمَامَ اللَّوْحَةِ، فِي ذَلِكَ الْمَسَاءِ الصَّيْفِيِّ الدَّافِئِ، بَيْنَمَا كَانَتِ الْأَصْوَاتُ الْمُتَدَاخِلَةُ لِعَائِلَةٍ وُلِدَتْ مِنْ رَحِمِ سِرٍّ قَدِيمٍ تَمْلَأُ الصَّالَةَ حَوْلَهُمَا:
عَرَبِيَّةٌ وَأَلْمَانِيَّةٌ وَفَرَنْسِيَّةٌ تَتَشَابَكُ فِي نَسِيجٍ وَاحِدٍ دَافِئٍ، تَمَامًا كَمَا تَشَابَكَتْ خُيُوطُ هَذِهِ الْحِكَايَةِ عَبْرَ ثَلَاثِينَ عَامًا وَثَلَاثِ قَارَّاتٍ، لِتَجِدَ أَخِيرًا اكْتِمَالَهَا فِي هَذِهِ الصَّالَةِ الصَّغِيرَةِ الدَّافِئَةِ، حَيْثُ لَمْ تَعُدِ اللَّوْحَةُ تَنْتَظِرُ رَسَالَةً لَنْ تَصِلَ أَبَدًا، بَلْ تَحْتَفِلُ أَخِيرًا بِوُصُولِ كُلِّ الرَّسَائِلِ الَّتِي طَالَ انْتِظَارُهَا.
النِّهَايَةُ
نعمان البربري
باكنانغ – بادن فورتمبرغ – ألمانيا
الخميس
22 جمادى الآخرة 1445 هـ.
4 يناير / كانون الثاني 2024 مـ
