Numan Albarbari نعمان البربري

نُزُلُ الكَلِمَاتِ الأَخِيرَة (رواية)

مِرْآةُ الضُّيُوف

الفَصْلُ الأَوَّلُ

كَانَ المَطَرُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ يَشْبِهُ غَضَبًا قَدِيمًا لَمْ يَجِدْ مُتَنَفَّسًا سِوَى السَّمَاءِ.
وَكَانَتْ وَرْدُ تَقُودُ سَيَّارَتَهَا عَلَى طَرِيقٍ جَبَلِيٍّ ضَيِّقٍ، بَيْنَ بَاكِنَانْغَ وَقَرْيَةٍ لَمْ تَعُدْ تَتَذَكَّرُ اسْمَهَا، تُطَارِدُ خَيْطَ حِكَايَةٍ عَنْ صَحَفِيٍّ اخْتَفَى قَبْلَ ثَلَاثَةِ أَسَابِيعَ، بَعْدَ أَنْ نَشَرَ عَلَى صَفْحَتِهِ مَنْشُورًا وَاحِدًا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ شَيْءٌ سِوَى جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ: «وَجَدْتُ النُّزُلَ».
لَمْ تَكُنْ وَرْدُ صَحَفِيَّةً بِالمَعْنَى المِهَنِيِّ الصَّارِمِ.
كَانَتْ كَاتِبَةً شَابَّةً مِنْ دِمَشْقَ، تَعِيشُ فِي أَلْمَانْيَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ، تَكْتُبُ عَنِ الأَدَبِ العَرَبِيِّ فِي مَجَلَّةٍ صَغِيرَةٍ لَا يَقْرَؤُهَا إِلَّا القَلِيلُونَ، وَتَحْمِلُ فِي صَدْرِهَا سُؤَالًا وَاحِدًا لَمْ تَجِدْ لَهُ جَوَابًا مُنْذُ سَنَوَاتِ الدِّرَاسَةِ: لِمَاذَا يَتَحَوَّلُ الشُّعَرَاءُ الكِبَارُ، بَعْدَ مَوْتِهِمْ، إِلَى تَمَاثِيلَ لَا تُسْأَلُ وَلَا تُجِيبُ؟
وَحِينَ اخْتَفَى الصَّحَفِيُّ، فَكَّرَتْ أَنَّ فِي الأَمْرِ خَيْطًا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُشَدَّ.
ظَهَرَ النُّزُلُ أَمَامَهَا فَجْأَةً، عِنْدَ مُنْعَطَفٍ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهُ، وَكَأَنَّ الطَّرِيقَ نَفْسَهُ قَرَّرَ أَنْ يُرِيَهَا إِيَّاهُ.
بِنَايَةٌ حَجَرِيَّةٌ قَدِيمَةٌ، بِنَافِذَتَيْنِ مُضَاءَتَيْنِ فِي الطَّابَقِ العُلْوِيِّ، وَبَابٍ خَشَبِيٍّ ضَخْمٍ لَا يَحْمِلُ لَافِتَةً وَلَا اسْمًا.
أَوْقَفَتِ السَّيَّارَةَ، وَرَكَضَتْ تَحْتَ المَطَرِ حَتَّى بَلَغَتِ البَابَ، وَدَفَعَتْهُ بِكَفَّيْهَا.
فُتِحَ البَابُ بِسُهُولَةٍ مُرِيبَةٍ، وَكَأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُهَا.
فِي الدَّاخِلِ، كَانَتْ قَاعَةٌ وَاسِعَةٌ، تُضِيئُهَا مَصَابِيحُ نُحَاسِيَّةٌ قَدِيمَةٌ، وَتَتَوَسَّطُهَا مَوْقِدَةٌ يَتَّقِدُ فِيهَا حَطَبٌ لَمْ يَكُنْ لِيَحْتَرِقَ بِهَذَا الهُدُوءِ لَوْلَا أَنَّ أَحَدًا أَشْعَلَهُ لِتَوِّهِ.
وَكَانَتْ رَائِحَةُ اليَاسَمِينِ تَمْلَأُ المَكَانَ، عَلَى غَيْرِ مَا يَنْبَغِي لِنُزُلٍ فِي جَبَلٍ بَارِدٍ فِي لَيْلَةِ عَاصِفَةٍ.
— صوتٌ مِنَ العَتْمَةِ: أَخِيرًا وَصَلْتِ.
اِلْتَفَتَتْ وَرْدُ بِسُرْعَةٍ، فَرَأَتْ رَجُلًا طَوِيلَ القَامَةِ يَقِفُ خَلْفَ مِنَضَدَةٍ خَشَبِيَّةٍ عَتِيقَةٍ، يَرْتَدِي مِعْطَفًا رَمَادِيًّا طَوِيلًا، وَلَا يَبْدُو عَلَى وَجْهِهِ عُمْرٌ مُحَدَّدٌ.
— وَرْد: وَصَلْتُ؟ لَا أَحَدَ كَانَ يَنْتَظِرُنِي هُنَا. أَنَا فَقَطْ هَرَبْتُ مِنَ المَطَرِ.
— الحارس: لَا أَحَدَ يَصِلُ إِلَى هَذَا النُّزُلِ هَرَبًا مِنَ المَطَرِ يَا وَرْدُ. النَّاسُ يَصِلُونَ إِلَيْهِ حِينَ يَحْمِلُونَ سُؤَالًا لَمْ يَجِدُوا لَهُ مَكَانًا آخَرَ يُطْرَحُ فِيهِ.
تَجَمَّدَتْ وَرْدُ فِي مَكَانِهَا.
لَمْ تَكُنْ قَدْ ذَكَرَتِ اسْمَهَا لِأَحَدٍ مُنْذُ خَرَجَتْ مِنَ البَيْتِ الَّذِي اسْتَأْجَرَتْهُ قُرْبَ بَاكِنَانْغَ.
— وَرْد: كَيْفَ تَعْرِفُ اسْمِي؟
— الحارس: لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ هُنَا، مُنْذُ لَيْلَةٍ أَمْسِ.
دَفَعَ نَحْوَهَا سِجِلًّا جِلْدِيًّا ضَخْمًا، مَفْتُوحًا عَلَى صَفْحَتِهِ الأَخِيرَةِ.
وَقَعَتْ عَيْنَاهَا عَلَى سَطْرٍ وَاحِدٍ، بِخَطِّ يَدٍ لَمْ تَعْرِفْهُ، مُؤَرَّخٍ بِتَارِيخِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِالذَّاتِ:
«وَرْدُ. قَادِمَةٌ لِتَسْأَلَ عَنْ نِزَارَ. لَنْ تَخْرُجَ حَتَّى يُجِيبَهَا.»
— وَرْد: هَذَا مُسْتَحِيلٌ. لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَعْلَمُ أَنِّي سَآتِي إِلَى هُنَا. أَنَا نَفْسِي لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ.
— الحارس: هَذَا النُّزُلُ لَا يَسْتَقْبِلُ مَنْ يَعْرِفُ طَرِيقَهُ إِلَيْهِ يَا وَرْدُ. يَسْتَقْبِلُ مَنْ يَحْمِلُ سُؤَالًا يَكْبُرُ عَلَيْهِ.
حَاوَلَتْ أَنْ تُهَدِّئَ نَفْسَهَا، فَتَذَكَّرَتْ سَبَبَ وُجُودِهَا هُنَاكَ أَصْلًا: الصَّحَفِيُّ المُخْتَفِي.
— وَرْد: أَنَا أَبْحَثُ عَنْ رَجُلٍ يُدْعَى كَرِيمٌ. صَحَفِيٌّ. اخْتَفَى قَبْلَ ثَلَاثَةِ أَسَابِيعَ بَعْدَ أَنْ كَتَبَ أَنَّهُ وَجَدَ نُزُلًا. هَلْ رَأَيْتَهُ؟
صَمَتَ الحَارِسُ لَحْظَةً، ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ بَابٍ صَغِيرٍ فِي أَقْصَى القَاعَةِ، مُغْلَقٍ بِمِزْلَاجٍ نُحَاسِيٍّ قَدِيمٍ.
— الحارس: كُلُّ مَنْ يَدْخُلُ هَذَا البَابَ لَا يَخْرُجُ مِنْ حَيْثُ دَخَلَ. وَلَكِنَّهُ يَخْرُجُ.
— وَرْد: مَا مَعْنَى هَذَا؟
— الحارس: مَعْنَاهُ أَنَّ صَاحِبَكِ لَمْ يُخْطَفْ، وَلَمْ يَمُتْ. هُوَ ضَيْفٌ، كَمَا سَتَكُونِينَ أَنْتِ الآنَ. وَهُوَ لَا يَزَالُ يَبْحَثُ عَنْ إِجَابَتِهِ.
اتَّجَهَتْ وَرْدُ نَحْوَ البَابِ الأَمَامِيِّ الَّذِي دَخَلَتْ مِنْهُ، لِتُثْبِتَ لِنَفْسِهَا أَنَّهَا لَا تَزَالُ حُرَّةً، وَدَفَعَتْهُ.
لَمْ يَتَحَرَّكْ البَابُ قَيْدَ أُنْمُلَةٍ.
دَفَعَتْهُ مَرَّةً ثَانِيَةً، بِكُلِّ قُوَّتِهَا، فَلَمْ يَسْتَجِبْ، وَكَأَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الجِدَارِ نَفْسِهِ.
— وَرْد: افْتَحْهُ.
— الحارس: لَا أَسْتَطِيعُ. هَذَا البَابُ لَا يُفْتَحُ إِلَّا مِنَ الدَّاخِلِ يَا وَرْدُ. وَأَنْتِ فِي الدَّاخِلِ الآنَ.
— وَرْد: وَأَنَا أَدْفَعُهُ مِنَ الدَّاخِلِ الآنَ بِالذَّاتِ.
— الحارس: لَيْسَ هَذَا الدَّاخِلَ الَّذِي أَعْنِيهِ.
لَمْ تَفْهَمِ الجُمْلَةَ، فَتَرَكَتِ البَابَ، وَعَادَتْ إِلَى المِنَضَدَةِ، وَهِيَ تُحَاوِلُ أَنْ تَتَذَكَّرَ إِنْ كَانَتْ قَدْ شَرِبَتْ شَيْئًا غَرِيبًا فِي الطَّرِيقِ، أَوْ إِنْ كَانَ التَّعَبُ قَدْ خَدَعَ عَقْلَهَا.
— وَرْد: مَنْ أَنْتَ؟
— الحارس: أَنَا مَنْ يَحْفَظُ المَفَاتِيحَ. وَلَسْتُ الآنَ فِي وَارِدِ أَنْ أُخْبِرَكِ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا.
— وَرْد: وَمَنْ يُقِيمُ فِي هَذَا النُّزُلِ؟
— الحارس: ضُيُوفٌ. يَصِلُونَ وَاحِدًا فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، مُنْذُ زَمَنٍ لَا أَتَذَكَّرُ بِدَايَتَهُ. وَاللَّيْلَةَ، جَاءَ ضَيْفٌ آخَرُ، قَبْلَكِ بِسَاعَةٍ وَاحِدَةٍ.
رَفَعَ الحَارِسُ يَدَهُ نَحْوَ السَّقْفِ، فَسَمِعَتْ وَرْدُ صَوْتَ خُطُوَاتٍ بَطِيئَةٍ تَهْبِطُ الدَّرَجَ الحَجَرِيَّ فِي الزَّاوِيَةِ المُقَابِلَةِ.
ظَهَرَ رَجُلٌ فِي مُنْتَصَفِ العُمُرِ، أَنِيقُ المَلْبَسِ عَلَى نَحْوٍ يَنْتَمِي إِلَى زَمَنٍ آخَرَ، بِعَيْنَيْنِ حَادَّتَيْنِ وَابْتِسَامَةٍ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ السُّخْرِيَةِ الحَزِينَةِ.
وَقَفَتْ وَرْدُ مَكَانَهَا، تُحَدِّقُ فِيهِ، وَشَيْءٌ فِي مَلَامِحِهِ بَدَأَ يُثِيرُ فِي ذَاكِرَتِهَا صُورَةً رَأَتْهَا مِرَارًا عَلَى أَغْلِفَةِ كُتُبٍ قَدِيمَةٍ فِي مَكْتَبَةِ أَبِيهَا فِي دِمَشْقَ.
— الرجل الغريب: لَا تَخَافِي. لَسْتُ شَبَحًا، وَلَوْ أَنَّ كَثِيرِينَ يُفَضِّلُونَ أَنْ يَرَوْنِي كَذَلِكَ.
— وَرْد: مَنْ… مَنْ أَنْتَ؟
ابْتَسَمَ الرَّجُلُ ابْتِسَامَةً تَعْرِفُهَا وَرْدُ جَيِّدًا، مِنْ صُوَرٍ رَأَتْهَا مِئَاتِ المَرَّاتِ، دُونَ أَنْ تُصَدِّقَ يَوْمًا أَنَّهَا سَتَقِفُ أَمَامَ صَاحِبِهَا.
— الرجل الغريب: أَنَا الَّذِي أَتَيْتِ تَسْأَلِينَ عَنْهُ يَا وَرْدُ. أَنَا نِزَارُ.
سَقَطَتِ الحَقِيبَةُ مِنْ يَدِ وَرْدَ عَلَى الأَرْضِ الحَجَرِيَّةِ، وَتَرَدَّدَ صَدَاهَا فِي القَاعَةِ الوَاسِعَةِ طَوِيلًا.
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، انْطَفَأَ نِصْفُ المَصَابِيحِ النُّحَاسِيَّةِ فِي القَاعَةِ دُونَ سَبَبٍ ظَاهِرٍ، وَسَمِعَتْ مِنْ خَلْفِ البَابِ الصَّغِيرِ فِي أَقْصَى القَاعَةِ صَوْتَ مَنْ يَطْرُقُ مِنَ الدَّاخِلِ، بِإِيقَاعٍ بَطِيءٍ، ثَلَاثَ طَرَقَاتٍ، ثُمَّ صَمْتٌ.
— الحارس: يَبْدُو أَنَّ ضَيْفًا آخَرَ يُرِيدُ أَنْ يَنْضَمَّ إِلَى هَذِهِ اللَّيْلَةِ.
— نزار: دَعْهُ يَنْتَظِرُ. اللَّيْلَةُ طَوِيلَةٌ، وَالسُّؤَالُ الَّذِي جَاءَتْ مِنْ أَجْلِهِ هَذِهِ الفَتَاةُ أَهَمُّ مِمَّا يَظُنُّ.
نَظَرَ نِزَارُ إِلَى وَرْدَ نَظْرَةً طَوِيلَةً، لَمْ يَكُنْ فِيهَا اسْتِعْلَاءُ الأَمْوَاتِ عَلَى الأَحْيَاءِ، بَلْ شَيْءٌ أَقْرَبُ إِلَى تَعَبِ رَجُلٍ يَنْتَظِرُ مُحَاكَمَتَهُ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ.
— نزار: إِذَنْ… مَا الَّذِي تُرِيدِينَ أَنْ تَسْأَلِينِي عَنْهُ يَا وَرْدُ؟ الحُبُّ؟ المَرْأَةُ؟ الهَزِيمَةُ؟ بَلْقِيسُ؟
تَنَفَّسَتْ وَرْدُ بِعُمْقٍ، وَجَمَعَتْ حَقِيبَتَهَا مِنَ الأَرْضِ، وَهِيَ تُحَاوِلُ أَنْ تُثَبِّتَ صَوْتَهَا.
— وَرْد: أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَسْأَلْكَ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ قَبْلُ.
— نزار: وَمَا هُوَ؟
— وَرْد: أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَمَّنْ أَنْتَ، حِينَ لَا يَكُونُ هُنَاكَ جُمْهُورٌ يُصَفِّقُ، وَلَا نَاقِدٌ يُحَاكِمُ، وَلَا امْرَأَةٌ تَنْتَظِرُ قَصِيدَةً.
سَادَ صَمْتٌ طَوِيلٌ فِي القَاعَةِ، لَمْ يَكْسِرْهُ سِوَى صَوْتِ المَطَرِ خَلْفَ النَّوَافِذِ، وَصَوْتِ تِلْكَ الطَّرَقَاتِ الثَّلَاثِ الَّتِي عَادَتْ تَتَكَرَّرُ خَلْفَ البَابِ الصَّغِيرِ، أَبْطَأَ هَذِهِ المَرَّةَ، وَأَقْرَبَ.
— الحارس: يَبْدُو أَنَّهُ لَنْ يَنْتَظِرَ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا.
مَشَى الحَارِسُ نَحْوَ البَابِ الصَّغِيرِ، وَرَفَعَ المِزْلَاجَ النُّحَاسِيَّ بِبُطْءٍ.
وَحِينَ انْفَتَحَ البَابُ، لَمْ يَكُنِ الوَاقِفُ خَلْفَهُ صَحَفِيًّا اسْمُهُ كَرِيمٌ.
كَانَ رَجُلًا آخَرَ تَمَامًا، أَكْبَرَ سِنًّا، بِعِمَامَةٍ بَيْضَاءَ، وَعَيْنَيْنِ لَا تَرَيَانِ، وَيَدٍ تَتَحَسَّسُ عَصًا خَشَبِيَّةً طَوِيلَةً.
— الحارس: أَبَا العَلَاءِ… لَمْ يَكُنِ الدَّوْرُ دَوْرَكَ اللَّيْلَةَ.
— الرجل الأعمى: الدَّوْرُ دَوْرِي مُنْذُ أَلْفِ عَامٍ يَا حَارِسُ، وَلَمْ أَجِدْ بَعْدُ مَنْ يَسْمَعُنِي حَتَّى النِّهَايَةِ.
اِلْتَفَتَ نِزَارُ نَحْوَ وَرْدَ، وَعَلَى وَجْهِهِ ابْتِسَامَةٌ مُتْعَبَةٌ، أَشْبَهُ بِمَنْ يَعْرِفُ أَنَّ اللَّيْلَةَ لَنْ تَكُونَ كَمَا خَطَّطَ لَهَا أَحَدٌ.
— نزار: يَبْدُو يَا وَرْدُ أَنَّكِ لَمْ تَأْتِي إِلَى هَذَا النُّزُلِ لِتَسْأَلِينِي وَحْدِي.
وَقَبْلَ أَنْ تَرُدَّ وَرْدُ، انْطَفَأَتْ بَقِيَّةُ المَصَابِيحِ فِي القَاعَةِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَلَمْ يَبْقَ مِنَ النُّورِ سِوَى لَهَبِ المَوْقِدَةِ، يَرْتَجِفُ عَلَى وُجُوهِ ثَلَاثَةٍ لَمْ يَكُنِ المُفْتَرَضُ أَنْ يَجْتَمِعُوا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ.
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، سَمِعَتْ وَرْدُ، مِنْ عُمْقِ النُّزُلِ، صَوْتَ بَابٍ آخَرَ يُفْتَحُ.

الفَصْلُ الثَّانِي

انْفَتَحَ البَابُ البَعِيدُ عَلَى مَمَرٍّ مُظْلِمٍ، وَخَرَجَ مِنْهُ رَجُلٌ يَتَعَثَّرُ بِخُطَاهُ، وَعَلَى وَجْهِهِ إِرْهَاقُ مَنْ لَمْ يَنَمْ مُنْذُ أَيَّامٍ.
حَدَّقَتْ وَرْدُ فِيهِ لَحْظَةً، ثُمَّ صَرَخَتِ اسْمَهُ، وَكَأَنَّ صَوْتَهَا وَحْدَهُ يَكْفِي لِيُثْبِتَ أَنَّ العَالَمَ لَا يَزَالُ يَسِيرُ عَلَى مَنْطِقِهِ المَعْهُودِ.
— وَرْد: كَرِيمٌ! أَنْتَ حَيٌّ! كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْكَ فِي كُلِّ مَكَانٍ.
لَمْ يُجِبْهَا الرَّجُلُ فَوْرًا، بَلْ نَظَرَ خَلْفَهُ إِلَى المَمَرِّ المُظْلِمِ، وَكَأَنَّهُ يَتَأَكَّدُ أَنَّ شَيْئًا لَمْ يَتْبَعْهُ.
— كريم: وَرْدُ؟ كَيْفَ… كَيْفَ وَصَلْتِ إِلَى هُنَا؟ أَخْبَرِيني أَنَّكِ لَمْ تَأْتِي بِمَحْضِ إِرَادَتِكِ.
— وَرْد: أَتَيْتُ أَبْحَثُ عَنْكَ. لَكِنِّي الآنَ لَا أَعْرِفُ إِنْ كُنْتُ سَأَخْرُجُ.
اقْتَرَبَ الحَارِسُ مِنْهُمَا، وَبَيْنَ يَدَيْهِ السِّجِلُّ الجِلْدِيُّ نَفْسُهُ، مَفْتُوحًا هَذِهِ المَرَّةَ عَلَى صَفْحَةٍ أُخْرَى.
— الحارس: هَذَا مَا يَنْبَغِي أَنْ تَعْرِفَاهُ الآنَ، قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا فِي طَرِيقِهِ. لِهَذَا النُّزُلِ ثَلَاثُ قَوَاعِدَ، لَمْ يُخَالِفْهَا أَحَدٌ وَنَجَا.
وَضَعَ الحَارِسُ السِّجِلَّ عَلَى المِنَضَدَةِ، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَسْطُرٍ مَكْتُوبَةٍ بِحِبْرٍ دَاكِنٍ فِي أَوَّلِ صَفْحَةٍ مِنَ السِّجِلِّ.
— الحارس: القَاعِدَةُ الأُولَى: كُلُّ ضَيْفٍ يَدْخُلُ يَخْتَارُ لَيْلَتَهُ، لَكِنَّهُ لَا يَخْتَارُ مَنْ سَيَجْلِسُ مَعَهُ فِيهَا.
— الحارس: القَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنَ البَابِ الأَمَامِيِّ حَتَّى يُجِيبَ عَنْ سُؤَالٍ لَمْ يُجِبْ عَنْهُ لِأَحَدٍ مِنْ قَبْلُ.
— الحارس: وَالقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ… وَهِيَ الأَخْطَرُ: مَنْ يَكْذِبْ فِي هَذَا النُّزُلِ، وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ، يَفْقِدْ اسْمَهُ مِنَ السِّجِلِّ، وَمَعَ اسْمِهِ، يَفْقِدُ طَرِيقَ العَوْدَةِ.
اِبْتَلَعَتْ وَرْدُ رِيقَهَا، وَنَظَرَتْ إِلَى كَرِيمٍ، الَّذِي بَدَا عَلَى وَجْهِهِ أَنَّهُ يَعْرِفُ هَذِهِ القَوَاعِدَ جَيِّدًا، وَأَنَّهُ دَفَعَ ثَمَنَهَا مَرَّةً بِالفِعْلِ.
— وَرْد: كَرِيمُ… مَاذَا حَدَثَ لَكَ هُنَا طَوَالَ هَذِهِ الأَسَابِيعِ الثَّلَاثَةِ؟
— كريم: لَمْ تَمُرَّ عَلَيَّ ثَلَاثَةُ أَسَابِيعَ يَا وَرْدُ. مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَطْ، طَوِيلَةٌ جِدًّا، جَلَسْتُ فِيهَا أَمَامَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ أَسْتَطِعْ حَتَّى الآنَ أَنْ أُجِيبَ عَنِ السُّؤَالِ الَّذِي طَرَحَهُ عَلَيَّ.
— وَرْد: أَيُّ رَجُلٍ؟
لَمْ يُجِبْ كَرِيمٌ، بَلْ نَظَرَ نَحْوَ نِزَارَ الوَاقِفِ عِنْدَ المَوْقِدَةِ، وَنَحْوَ أَبِي العَلَاءِ الجَالِسِ إِلَى كُرْسِيٍّ خَشَبِيٍّ قَدِيمٍ، مُتَّكِئًا عَلَى عَصَاهُ.
— كريم: لَيْسَ وَاحِدًا مِنْ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ. رَجُلٌ آخَرُ، لَمْ أَرَ اسْمَهُ فِي السِّجِلِّ بَعْدُ. لَكِنَّهُ قَالَ لِي إِنَّهُ سَيَجْلِسُ مَعَ كُلِّ ضَيْفٍ يَأْتِي، لَيْلَةً وَاحِدَةً عَلَى الأَقَلِّ، لِيَتَأَكَّدَ أَنَّهُ لَنْ يَخْرُجَ بِإِجَابَةٍ سَهْلَةٍ.
رَفَعَ الحَارِسُ رَأْسَهُ بِسُرْعَةٍ عِنْدَ سَمَاعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وَبَدَتْ عَلَيْهِ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ دَخَلَتْ وَرْدُ، عَلَامَاتُ قَلَقٍ حَقِيقِيٍّ.
— الحارس: هَذَا لَا يَجُوزُ. الرَّقِيبُ لَا يَحِقُّ لَهُ أَنْ يَجْلِسَ مَعَ الضُّيُوفِ. هَذَا لَيْسَ دَوْرَهُ.
— وَرْد: الرَّقِيبُ؟ مَنْ هُوَ الرَّقِيبُ؟
لَمْ يُجِبِ الحَارِسُ، بَلْ أَغْلَقَ السِّجِلَّ بِحَرَكَةٍ سَرِيعَةٍ، وَاتَّجَهَ نَحْوَ الدَّرَجِ الحَجَرِيِّ، وَكَأَنَّهُ يَتَفَقَّدُ شَيْئًا فِي الطَّابَقِ العُلْوِيِّ.
اِسْتَغَلَّتْ وَرْدُ غِيَابَ الحَارِسِ لِتَقْتَرِبَ مِنْ كَرِيمٍ، وَتَخْفِضَ صَوْتَهَا.
— وَرْد: أَخْبِرْنِي بِسُرْعَةٍ، قَبْلَ أَنْ يَعُودَ. مَا الَّذِي تَعَلَّمْتَهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الطَّوِيلَةِ؟
— كريم: تَعَلَّمْتُ أَنَّ هَذَا النُّزُلَ لَيْسَ سِجْنًا لِلْأَدَبَاءِ الأَمْوَاتِ يَا وَرْدُ، كَمَا ظَنَنْتُ فِي البِدَايَةِ. إِنَّهُ مُحَاكَمَةٌ لَنَا نَحْنُ، الأَحْيَاءَ، عَلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي قَرَأْنَا بِهَا هَؤُلَاءِ العُظَمَاءَ.
— وَرْد: مَاذَا تَعْنِي؟
— كريم: أَعْنِي أَنَّ الرَّقِيبَ لَا يُحَاكِمُ نِزَارَ قَبَّانِيَ. الرَّقِيبُ يُحَاكِمُنَا، لِأَنَّنَا حَوَّلْنَاهُ إِمَّا إِلَى قِدِّيسٍ وَإِمَّا إِلَى خَاطِئٍ، وَلَمْ نَتْرُكْهُ يَوْمًا إِنْسَانًا فَحَسْبُ.
عَادَ نِزَارُ لِيَقْتَرِبَ مِنْهُمَا بِهُدُوءٍ، وَقَدْ سَمِعَ آخِرَ الجُمْلَةِ.
— نزار: صَدِيقُكِ مُحِقٌّ يَا وَرْدُ. أَنَا لَمْ أَخَفْ يَوْمًا مِنَ الحُبِّ وَلَا مِنَ الهَزِيمَةِ وَلَا مِنَ الرِّقَابَةِ الرَّسْمِيَّةِ الَّتِي طَارَدَتْنِي فِي حَيَاتِي. لَكِنِّي أَخَافُ، حَتَّى بَعْدَ مَوْتِي، مِنْ رِقَابَةٍ أُخْرَى، أَشَدَّ قَسْوَةً، هِيَ رِقَابَةُ مَنْ يُحِبُّونَنِي دُونَ أَنْ يَقْرَؤُونِي.
جَلَسَتْ وَرْدُ عَلَى أَقْرَبِ كُرْسِيٍّ، وَقَدْ بَدَأَتْ تُدْرِكُ أَنَّ سُؤَالَهَا الصَّحَفِيَّ البَسِيطَ عَنِ اخْتِفَاءِ كَرِيمٍ تَحَوَّلَ إِلَى شَيْءٍ أَعْمَقَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَوَقَّعَتْ.
— وَرْد: إِذَنْ، مَاذَا سَأَلَكَ الرَّقِيبُ يَا كَرِيمُ؟ وَلِمَاذَا لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُجِيبَهُ؟
تَنَهَّدَ كَرِيمٌ طَوِيلًا، وَنَظَرَ إِلَى يَدَيْهِ وَكَأَنَّهُمَا لَيْسَتَا يَدَيْهِ.
— كريم: سَأَلَنِي: لَوْ وَقَفْتَ أَمَامَ نِزَارَ قَبَّانِيَ اللَّيْلَةَ، وَكَانَ يَحْمِلُ فِي يَدِهِ آخِرَ قَصِيدَةٍ كَتَبَهَا قَبْلَ مَوْتِهِ، وَلَمْ يَنْشُرْهَا أَحَدٌ بَعْدُ… فَهَلْ سَتَنْشُرُهَا كَمَا هِيَ؟ أَمْ سَتُصْلِحُ فِيهَا مَا يُخَالِفُ الصُّورَةَ الَّتِي يُحِبُّهَا قُرَّاؤُهُ عَنْهُ؟
سَادَ صَمْتٌ ثَقِيلٌ فِي القَاعَةِ.
وَنَظَرَتْ وَرْدُ نَحْوَ نِزَارَ، الَّذِي كَانَ يَتَأَمَّلُ النَّارَ المُشْتَعِلَةَ فِي المَوْقِدَةِ دُونَ أَنْ يَنْبِسَ بِكَلِمَةٍ.
— وَرْد: وَهَلْ تُوجَدُ حَقًّا قَصِيدَةٌ كَهَذِهِ؟
اِبْتَسَمَ نِزَارُ ابْتِسَامَةً غَرِيبَةً، بَيْنَ الحُزْنِ وَالمَكْرِ، وَأَخْرَجَ مِنْ جَيْبِ مِعْطَفِهِ وَرَقَةً صَفْرَاءَ قَدِيمَةً، مَطْوِيَّةً بِعِنَايَةٍ، وَوَضَعَهَا عَلَى المِنَضَدَةِ بَيْنَ وَرْدَ وَكَرِيمٍ، دُونَ أَنْ يَفْتَحَهَا.
— نزار: هَذِهِ هِيَ يَا وَرْدُ. لَمْ أَقْرَأْهَا عَلَى أَحَدٍ مُنْذُ خَمْسِينَ عَامًا. وَاللَّيْلَةَ، سَأَتْرُكُ لَكِ أَنْتِ أَنْ تَقْرَئِيهَا، لَا لِلْجُمْهُورِ، وَلَا لِلنُّقَّادِ، بَلْ لِنَفْسِكِ فَقَطْ.
مَدَّتْ وَرْدُ يَدَهَا نَحْوَ الوَرَقَةِ، وَحِينَ لَمَسَتْهَا، أَحَسَّتْ بِبُرُودَةٍ غَرِيبَةٍ تَسْرِي فِي أَصَابِعِهَا، وَكَأَنَّ الوَرَقَةَ لَمْ تَكُنْ مِنْ هَذَا الزَّمَنِ.
وَقَبْلَ أَنْ تَفُكَّ طَيَّهَا، سَمِعَتْ مِنْ أَعْلَى الدَّرَجِ الحَجَرِيِّ صَوْتَ الحَارِسِ يَصْرُخُ اسْمَهَا بِفَزَعٍ لَمْ تَسْمَعْهُ فِي صَوْتِهِ مِنْ قَبْلُ.
— الحارس: وَرْدُ! لَا تَفْتَحِي هَذِهِ الوَرَقَةَ الآنَ! اسْمُكِ… اسْمُكِ اخْتَفَى لِتَوِّهِ مِنْ صَفْحَةِ السِّجِلِّ الأُولَى!
رَفَعَتْ وَرْدُ عَيْنَيْهَا نَحْوَ الدَّرَجِ، فَرَأَتِ الحَارِسَ يَهْبِطُ رَاكِضًا، حَامِلًا السِّجِلَّ المَفْتُوحَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَعَلَى الصَّفْحَةِ الأُولَى، فِي المَكَانِ الَّذِي كَانَ اسْمُهَا مَكْتُوبًا فِيهِ مُنْذُ وُصُولِهَا، لَمْ يَبْقَ سِوَى بُقْعَةِ حِبْرٍ فَارِغَةٍ، تَتَّسِعُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَكَأَنَّهَا تَبْتَلِعُ الوَرَقَ مِنَ الدَّاخِلِ.

الفَصْلُ الثَّالِثُ

وَقَفَ الحَارِسُ أَمَامَ وَرْدَ، وَالسِّجِلُّ يَرْتَجِفُ بَيْنَ يَدَيْهِ كَمَا لَوْ كَانَ كَائِنًا حَيًّا يُحْتَضَرُ.
نَظَرَتْ وَرْدُ إِلَى البُقْعَةِ الفَارِغَةِ فِي مَكَانِ اسْمِهَا، وَشَعَرَتْ بِبَرْدٍ يَصْعَدُ مِنْ قَدَمَيْهَا حَتَّى قَلْبِهَا.
— وَرْد: مَاذَا يَعْنِي أَنْ يَخْتَفِيَ اسْمِي؟ هَلْ… هَلْ كَذَبْتُ عَلَى أَحَدٍ؟
اِقْتَرَبَ أَبُو العَلَاءِ بِخُطًى بَطِيئَةٍ مُتَّكِئًا عَلَى عَصَاهُ، وَجَلَسَ عَلَى الكُرْسِيِّ المُقَابِلِ لَهَا، وَعَيْنَاهُ الفَارِغَتَانِ مُوَجَّهَتَانِ نَحْوَهَا وَكَأَنَّهُمَا تَرَيَانِ أَكْثَرَ مِمَّا تَرَاهُ العُيُونُ المُبْصِرَةُ.
— أبو العلاء: لَا يَخْتَفِي الاسْمُ فِي هَذَا النُّزُلِ لِأَنَّ صَاحِبَهُ كَذَبَ بِلِسَانِهِ يَا اِبْنَتِي. يَخْتَفِي حِينَ يَقِفُ صَاحِبُهُ عَلَى عَتَبَةِ حَقِيقَةٍ، وَيَتَرَدَّدُ فِي عُبُورِهَا.
— وَرْد: أَيُّ حَقِيقَةٍ؟ أَنَا لَمْ أَتَرَدَّدْ فِي شَيْءٍ. أَتَيْتُ لِأَبْحَثَ عَنْ كَرِيمٍ، وَوَجَدْتُهُ، وَهَذَا كُلُّ مَا فِي الأَمْرِ.
اِبْتَسَمَ أَبُو العَلَاءِ ابْتِسَامَةً حَزِينَةً، وَهَزَّ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ، وَكَأَنَّهُ سَمِعَ هَذِهِ الجُمْلَةَ آلَافَ المَرَّاتِ مِنْ آلَافِ الضُّيُوفِ عَبْرَ القُرُونِ.
— أبو العلاء: أَنَا عِشْتُ حَيَاتِي كُلَّهَا أَقُولُ لِلنَّاسِ إِنَّ العَقْلَ وَحْدَهُ هُوَ المِيزَانُ، وَإِنَّ الأَدْيَانَ كُلَّهَا حُكَايَاتٌ يَخْتَرِعُهَا القُدَمَاءُ. وَمَعَ ذَلِكَ، حِينَ سَأَلَنِي الرَّقِيبُ فِي لَيْلَتِي هُنَا: هَلْ نَدِمْتَ يَوْمًا عَلَى قَسْوَتِكَ عَلَى أُمِّكَ الَّتِي بَقِيَتْ تُصَلِّي مِنْ أَجْلِكَ حَتَّى مَاتَتْ؟ اخْتَفَى اسْمِي مِنَ السِّجِلِّ ثَلَاثَ لَيَالٍ مُتَتَالِيَةٍ، لِأَنِّي كُنْتُ أُجِيبُ بِعَقْلِي، لَا بِقَلْبِي.
جَلَسَتْ وَرْدُ صَامِتَةً، وَقَدْ بَدَأَتْ تَفْهَمُ أَنَّ القَاعِدَةَ الثَّالِثَةَ لَا تَتَعَلَّقُ بِالصِّدْقِ الظَّاهِرِيِّ، بَلْ بِشَيْءٍ أَعْمَقَ، أَشْبَهَ بِالهُرُوبِ مِنَ السُّؤَالِ الحَقِيقِيِّ عَبْرَ إِجَابَةٍ صَحِيحَةٍ لَكِنَّهَا نَاقِصَةٌ.
— وَرْد: إِذَنْ… مَا هُوَ السُّؤَالُ الَّذِي أَتَهَرَّبُ مِنْهُ أَنَا؟
لَمْ يُجِبْ أَبُو العَلَاءِ، بَلْ أَشَارَ بِعَصَاهُ نَحْوَ البَابِ الأَمَامِيِّ، حَيْثُ كَانَتِ الوَرَقَةُ الصَّفْرَاءُ الَّتِي أَعْطَاهَا نِزَارُ لِوَرْدَ لَا تَزَالُ عَلَى المِنَضَدَةِ، لَمْ تُفْتَحْ بَعْدُ.
— أبو العلاء: لَعَلَّ الجَوَابَ فِي تِلْكَ الوَرَقَةِ الَّتِي تَخَافِينَ أَنْ تَفْتَحِيهَا يَا اِبْنَتِي، أَكْثَرَ مِمَّا تَخَافِينَ العَتْمَةَ خَلْفَ هَذَا البَابِ.
مَدَّتْ وَرْدُ يَدَهَا نَحْوَ الوَرَقَةِ مِنْ جَدِيدٍ، لَكِنَّ كَرِيمًا أَمْسَكَ مِعْصَمَهَا فَجْأَةً، بِقُوَّةٍ أَكْبَرَ مِمَّا تَوَقَّعَتْ.
— كريم: لَا تَفْعَلِي يَا وَرْدُ. أَنَا فَتَحْتُ وَرَقَةً مِثْلَهَا فِي لَيْلَتِي، وَبَعْدَهَا لَمْ أَعُدْ أَتَذَكَّرُ اسْمَ أُمِّي لِثَلَاثِ سَاعَاتٍ كَامِلَةٍ.
— وَرْد: وَمَاذَا كَانَ فِيهَا؟
— كريم: لَمْ تَكُنْ وَرَقَةً عَادِيَّةً. كَانَتْ مِرْآةً بِشَكْلِ وَرَقَةٍ. كُلُّ مَنْ يَقْرَؤُهَا، يَقْرَأُ فِيهَا سِرَّهُ هُوَ، لَا سِرَّ صَاحِبِهَا.
نَظَرَتْ وَرْدُ نَحْوَ نِزَارَ، الَّذِي كَانَ لَا يَزَالُ وَاقِفًا عِنْدَ المَوْقِدَةِ، صَامِتًا، وَعَلَى شَفَتَيْهِ ابْتِسَامَةٌ لَا تُفْصِحُ عَنْ شَيْءٍ.
— وَرْد: هَلْ هَذَا صَحِيحٌ يَا نِزَارُ؟ هَلْ خَدَعْتَنِي؟
— نزار: لَمْ أَخْدَعْكِ يَا وَرْدُ. قُلْتُ لَكِ إِنَّهَا قَصِيدَتِي الأَخِيرَةُ، وَهَذَا صَحِيحٌ. لَكِنِّي لَمْ أَقُلْ لَكِ إِنَّ كُلَّ قَارِئٍ يَرَى فِيهَا الكَلِمَاتِ نَفْسَهَا. القَصِيدَةُ الحَقِيقِيَّةُ لَا تُقَالُ مَرَّتَيْنِ بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا، وَلَا تُقْرَأُ مَرَّتَيْنِ بِالعَيْنَيْنِ نَفْسَيْهِمَا.
وَبَيْنَمَا كَانُوا كَذَلِكَ، سُمِعَ صَوْتُ رِيَاحٍ عَاتِيَةٍ تَضْرِبُ البَابَ الأَمَامِيَّ الكَبِيرَ، حَتَّى بَدَا وَكَأَنَّ النُّزُلَ كُلَّهُ يَهْتَزُّ.
ثُمَّ انْفَتَحَ البَابُ الأَمَامِيُّ فَجْأَةً — البَابُ الَّذِي أَكَّدَ الحَارِسُ قَبْلَ قَلِيلٍ أَنَّهُ لَا يُفْتَحُ إِلَّا مِنَ الدَّاخِلِ — وَدَخَلَ مِنْهُ رَجُلٌ يَرْتَدِي عَبَاءَةً قَدِيمَةً، وَعَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ مَلَفُوفَةٌ بِإِتْقَانٍ، وَفِي يَدِهِ سَيْفٌ صَغِيرٌ مُرَصَّعٌ.
تَجَمَّدَ الجَمِيعُ فِي أَمَاكِنِهِمْ، وَحَتَّى الحَارِسُ تَرَاجَعَ خُطْوَةً إِلَى الوَرَاءِ، وَهُوَ يُحَدِّقُ فِي القَادِمِ الجَدِيدِ بِذُهُولٍ لَمْ تَعْتَدْ وَرْدُ رُؤْيَتَهُ عَلَى وَجْهِهِ.
— الحارس: هَذَا… هَذَا مُسْتَحِيلٌ. البَابُ الأَمَامِيُّ لَا يُفْتَحُ لِأَحَدٍ مِنَ الخَارِجِ. مُنْذُ أَنْ بُنِيَ هَذَا النُّزُلُ، لَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ إِلَّا فِي لَيْلَتِهِ المُقَدَّرَةِ لَهُ.
اِبْتَسَمَ القَادِمُ الجَدِيدُ ابْتِسَامَةً فَخُورَةً، وَنَظَرَ حَوْلَهُ فِي القَاعَةِ، وَكَأَنَّهُ يَتَفَحَّصُ أَرْضًا جَدِيدَةً يَنْوِي غَزْوَهَا.
— القادم الجديد: أَنَا اِمْرُؤُ القَيْسِ بْنُ حُجْرٍ. وَلَمْ أَنْتَظِرْ يَوْمًا فِي حَيَاتِي أَنْ يُفْتَحَ لِي بَابٌ. كُنْتُ أَفْتَحُهُ بِنَفْسِي.
نَظَرَتْ وَرْدُ إِلَى نِزَارَ، الَّذِي كَانَ وَجْهُهُ قَدِ ابْيَضَّ فَجْأَةً، وَكَأَنَّهُ رَأَى شَيْئًا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْدُثَ.
— وَرْد: نِزَارُ؟ مَا الأَمْرُ؟ مَنْ هَذَا الرَّجُلُ حَقًّا؟
— نزار: هَذَا لَيْسَ اِمْرَأَ القَيْسِ يَا وَرْدُ. أَنَا جَلَسْتُ مَعَ اِمْرِئِ القَيْسِ الحَقِيقِيِّ فِي هَذَا النُّزُلِ قَبْلَ سَنَوَاتٍ، وَكَانَ رَجُلًا حَزِينًا يَبْحَثُ عَنِ الدِّيَارِ الَّتِي ضَاعَتْ مِنْهُ، لَا فَاتِحًا يَقْتَحِمُ الأَبْوَابَ.
اِلْتَفَتَ الحَارِسُ نَحْوَ سِجِلِّهِ بِسُرْعَةٍ، يُقَلِّبُ صَفَحَاتِهِ بِأَصَابِعَ مُرْتَجِفَةٍ، بَاحِثًا عَنِ اسْمٍ، حَتَّى وَقَعَتْ عَيْنَاهُ عَلَى سَطْرٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ قَبْلُ، مَكْتُوبٍ بِالحِبْرِ نَفْسِهِ الدَّاكِنِ الَّذِي كُتِبَ بِهِ اسْمُ وَرْدَ فِي بِدَايَةِ اللَّيْلَةِ.
— الحارس: يَا إِلَهِي… هَذَا اسْمُ الرَّقِيبِ. الرَّقِيبُ لَمْ يَكْتَفِ هَذِهِ المَرَّةَ بِأَنْ يَجْلِسَ مَعَ الضُّيُوفِ. لَقَدْ دَخَلَ النُّزُلَ مُتَنَكِّرًا فِي هَيْئَةِ ضَيْفٍ، لِيَخْتَارَ بِنَفْسِهِ مَنْ يُحَاكِمُ اللَّيْلَةَ.
وَعِنْدَهَا فَقَطْ، اِلْتَفَتَ الرَّجُلُ المُتَنَكِّرُ بِزِيِّ اِمْرِئِ القَيْسِ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ نَحْوَ وَرْدَ، وَابْتَسَمَ ابْتِسَامَةً لَا تُشْبِهُ ابْتِسَامَةَ إِنْسَانٍ، وَقَالَ جُمْلَةً وَاحِدَةً هَزَّتِ القَاعَةَ بِأَكْمَلِهَا.
— الرقيب (بزي امرئ القيس): أَحْسَنْتِ اخْتِيَارَ اللَّيْلَةِ يَا وَرْدُ. لَكِنَّ السُّؤَالَ الَّذِي جِئْتِ حَقًّا لِتَهْرُبِي مِنْهُ، لَيْسَ سُؤَالًا عَنْ نِزَارَ، وَلَا عَنْ كَرِيمٍ. إِنَّهُ سُؤَالٌ عَنْ جَدِّكِ، الَّذِي كَتَبَ لِنِزَارَ رِسَالَةً فِي شَبَابِهِ، وَلَمْ يُرْسِلْهَا أَبَدًا.

الفَصْلُ الرَّابِعُ

بَقِيَتْ جُمْلَةُ الرَّقِيبِ مُعَلَّقَةً فِي القَاعَةِ كَسَيْفٍ لَا يَسْقُطُ.
وَنَظَرَتْ وَرْدُ إِلَى الرَّجُلِ المُتَنَكِّرِ بِزِيِّ اِمْرِئِ القَيْسِ، وَصَوْتُهَا يَرْتَجِفُ حِينَ حَاوَلَتْ أَنْ تَنْطِقَ.
— وَرْد: جَدِّي مَاتَ قَبْلَ أَنْ أُولَدَ. وَلَمْ يُخْبِرْنِي أَحَدٌ يَوْمًا أَنَّهُ عَرَفَ نِزَارَ قَبَّانِيَ، أَوْ كَتَبَ لَهُ.
اِلْتَفَتَ نِزَارُ نَحْوَهَا بِبُطْءٍ، وَعَلَى وَجْهِهِ تَعَبِيرٌ غَرِيبٌ، بَيْنَ الذَّهُولِ وَالتَّذَكُّرِ، كَمَنْ يُحَاوِلُ أَنْ يَفْتَحَ بَابًا مُغْلَقًا مُنْذُ عُقُودٍ فِي أَعْمَاقِ ذَاكِرَتِهِ.
— نزار: مَا اسْمُ جَدِّكِ يَا وَرْدُ؟
— وَرْد: يُوسُفُ. يُوسُفُ الحَلَبِيُّ. كَانَ يَعْمَلُ فِي مَطْبَعَةٍ صَغِيرَةٍ فِي دِمَشْقَ.
تَغَيَّرَتْ مَلَامِحُ نِزَارَ فَجْأَةً، وَجَلَسَ عَلَى أَقْرَبِ كُرْسِيٍّ، وَكَأَنَّ اسْمًا وَاحِدًا كَافٍ لِيُسْقِطَ عَنْهُ عُقُودًا مِنَ الزَّمَنِ.
— نزار: يُوسُفُ الحَلَبِيُّ… كَانَ يَنْسَخُ لِي قَصَائِدِي بِخَطِّ يَدِهِ حِينَ كُنْتُ أَخَافُ أَنْ أُرْسِلَهَا إِلَى المَطَابِعِ الرَّسْمِيَّةِ فِي الخَمْسِينَاتِ، خَوْفًا مِنَ الرَّقَابَةِ. لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّ لَهُ حَفِيدَةً.
شَعَرَتْ وَرْدُ بِأَنَّ الأَرْضَ تَتَحَرَّكُ تَحْتَ قَدَمَيْهَا، وَجَلَسَتْ بِدَوْرِهَا، وَهِيَ تُحَاوِلُ أَنْ تَسْتَوْعِبَ أَنَّ الخَيْطَ الَّذِي ظَنَّتْهُ صُدْفَةً صَحَفِيَّةً بَحْتَةً كَانَ فِي الحَقِيقَةِ خَيْطًا عَائِلِيًّا قَدِيمًا.
— وَرْد: وَالرِّسَالَةُ؟ مَا الَّتِي يَقْصِدُهَا الرَّقِيبُ؟
اِلْتَفَتَتِ الأَنْظَارُ جَمِيعًا نَحْوَ الرَّقِيبِ المُتَنَكِّرِ، الَّذِي كَانَ يَبْتَسِمُ بِرِضًى مَنْ يَرَى خُطَّتَهُ تَتَحَقَّقُ حَجَرًا حَجَرًا.
— الرقيب (بزي امرئ القيس): فِي عَامِ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَسِتَّةٍ وَسِتِّينَ، كَتَبَ يُوسُفُ الحَلَبِيُّ رِسَالَةً إِلَى نِزَارَ قَبَّانِيَ، يُخْبِرُهُ فِيهَا أَنَّ اِبْنَتَهُ — أُمَّ وَرْدَ — قَرَأَتْ دِيوَانَهُ سِرًّا، وَأَنَّهَا كَتَبَتْ عَلَى هَامِشِ الصَّفْحَةِ الأَخِيرَةِ سُؤَالًا وَاحِدًا، ظَلَّ يُطَارِدُ يُوسُفَ حَتَّى مَوْتِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرُؤْ عَلَى إِرْسَالِهِ.
— وَرْد: أَيُّ سُؤَالٍ؟
أَخْرَجَ الرَّقِيبُ مِنْ طَيَّاتِ عَبَاءَتِهِ ظَرْفًا أَصْفَرَ صَغِيرًا، مُغْلَقًا بِخَتْمِ شَمْعٍ أَحْمَرَ لَمْ يُفَضَّ بَعْدُ، وَوَضَعَهُ عَلَى المِنَضَدَةِ بِحَذَرِ مَنْ يَضَعُ قُنْبُلَةً لَا يَعْرِفُ مَتَى تَنْفَجِرُ.
— الرقيب (بزي امرئ القيس): لَنْ أُخْبِرَكِ أَنَا. سَتَقْرَئِينَ السُّؤَالَ بِنَفْسِكِ، حِينَ تَكُونِينَ مُسْتَعِدَّةً. لَكِنِّي أُخْبِرُكِ بِشَيْءٍ آخَرَ: يُوسُفُ الحَلَبِيُّ لَمْ يَمُتْ مَوْتًا طَبِيعِيًّا يَا وَرْدُ. لَقَدْ مَاتَ فِي هَذَا النُّزُلِ بِالذَّاتِ، فِي لَيْلَةٍ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا أَبَدًا.
صَرَخَ الحَارِسُ بِصَوْتٍ عَالٍ، وَقَدْ بَدَا عَلَيْهِ غَضَبٌ لَمْ تَرَهُ وَرْدُ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ.
— الحارس: هَذَا كَذِبٌ! لَا أَحَدَ يَمُوتُ فِي هَذَا النُّزُلِ! الضُّيُوفُ يَدْخُلُونَ وَيَخْرُجُونَ، هَذَا قَانُونُهُ الوَحِيدُ الثَّابِتُ مُنْذُ بِنَائِهِ!
— الرقيب (بزي امرئ القيس): قَانُونُكَ الوَحِيدُ الثَّابِتُ، يَا حَارِسُ، هُوَ أَنَّكَ لَا تَتَذَكَّرُ كُلَّ مَنْ دَخَلَ. وَهَذَا لَيْسَ كَذِبًا مِنِّي، بَلْ نِسْيَانًا مِنْكَ.
سَادَ صَمْتٌ مُوحِشٌ، وَنَظَرَ الحَارِسُ إِلَى سِجِلِّهِ، يُقَلِّبُ صَفَحَاتِهِ القَدِيمَةَ بِسُرْعَةٍ مُتَزَايِدَةٍ، وَكَأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ نَفْسِهِ فِي مَاضٍ لَمْ يَعُدْ يَثِقُ بِهِ.
اِقْتَرَبَ نِزَارُ مِنْ وَرْدَ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى كَتِفِهَا بِرِفْقٍ، فِي أَوَّلِ لَمْسَةٍ بَيْنَهُمَا مُنْذُ بِدَايَةِ اللَّيْلَةِ.
— نزار: لَا تُصَدِّقِي كُلَّ مَا يُقَالُ فِي هَذَا المَكَانِ يَا وَرْدُ، حَتَّى لَوْ خَرَجَ مِنْ فَمِ شَبَحٍ يَرْتَدِي وَجْهَ اِمْرِئِ القَيْسِ. لَكِنْ لَا تُكَذِّبِي كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا. جَدُّكِ كَانَ رَجُلًا طَيِّبًا، وَأَعْرِفُ أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ سِرًّا لَمْ يَبُحْ بِهِ لِأَحَدٍ، حَتَّى فِي رَسَائِلِهِ لِي.
— وَرْد: وَمَا هُوَ هَذَا السِّرُّ فِي رَأْيِكَ؟
تَنَهَّدَ نِزَارُ طَوِيلًا، وَنَظَرَ إِلَى الظَّرْفِ الأَصْفَرِ عَلَى المِنَضَدَةِ، دُونَ أَنْ يَلْمِسَهُ.
— نزار: أَظُنُّ أَنَّ يُوسُفَ لَمْ يَكُنْ يَخَافُ مِنَ الرَّقَابَةِ الرَّسْمِيَّةِ حِينَ اِمْتَنَعَ عَنْ إِرْسَالِ تِلْكَ الرِّسَالَةِ. أَظُنُّهُ كَانَ يَخَافُ مِنْ سُؤَالِ اِبْنَتِهِ نَفْسِهِ، لِأَنَّ الإِجَابَةَ عَنْهُ كَانَتْ سَتُغَيِّرُ شَيْئًا فِي البَيْتِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَعُودَ كَمَا كَانَ.
وَبَيْنَمَا كَانَتْ وَرْدُ تُحَدِّقُ فِي الظَّرْفِ الأَصْفَرِ، مُتَرَدِّدَةً بَيْنَ فَتْحِهِ وَتَرْكِهِ، سَمِعَتْ صَوْتَ أَبِي العَلَاءِ يَتَمْتِمُ بِبَيْتٍ مِنَ الشِّعْرِ، خَفِيضًا، وَكَأَنَّهُ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ لَا الحَاضِرِينَ.
— أبو العلاء: وَإِنِّي وَإِنْ كُنْتُ الأَخِيرَ زَمَانَهُ… لَآتٍ بِمَا لَمْ تَسْتَطِعْهُ الأَوَائِلُ.
اِبْتَسَمَتْ وَرْدُ رَغْمَ نَفْسِهَا، وَشَعَرَتْ لِلَحْظَةٍ أَنَّ البَيْتَ القَدِيمَ يُخَاطِبُهَا هِيَ بِالذَّاتِ، لَا المُتَنَبِّيَ الَّذِي قَالَهُ فِي الأَصْلِ.
مَدَّتْ يَدَهَا أَخِيرًا، وَكَسَرَتْ خَتْمَ الشَّمْعِ الأَحْمَرِ، وَفَتَحَتِ الظَّرْفَ.
لَمْ يَكُنْ بِدَاخِلِهِ سِوَى وَرَقَةٍ وَاحِدَةٍ صَغِيرَةٍ، عَلَيْهَا سَطْرٌ وَاحِدٌ فَقَطْ، بِخَطِّ يَدٍ نِسَائِيَّةٍ مُرْتَجِفٍ، لَمْ تَكُنْ وَرْدُ قَدْ رَأَتْهُ مِنْ قَبْلُ، لَكِنَّهَا عَرَفَتْهُ فِي قَلْبِهَا فَوْرًا.
«يَا أُسْتَاذُ نِزَارُ، إِذَا كَانَتِ المَرْأَةُ الَّتِي كَتَبْتَ مِنْ أَجْلِهَا كُلَّ هَذِهِ القَصَائِدِ، لَمْ تَكُنِ امْرَأَةً وَاحِدَةً، بَلْ كُلَّ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي مُنِعْنَ مِنَ الكَلَامِ… فَهَلْ كُنْتَ يَوْمًا تَخْشَى أَنْ تُصْبِحَ أَنْتَ نَفْسُكَ صَوْتًا يُسْكِتُ أَصْوَاتَهُنَّ الحَقِيقِيَّةَ، بَدَلَ أَنْ يُطْلِقَهَا؟»
رَفَعَتْ وَرْدُ عَيْنَيْهَا نَحْوَ نِزَارَ، تَنْتَظِرُ رَدَّهُ، فَوَجَدَتْهُ صَامِتًا تَمَامًا، وَقَدِ اغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ بِمَا يُشْبِهُ الدُّمُوعَ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ دَخَلَتِ القَاعَةَ.
— نزار: أُمُّكِ… كَتَبَتْ هَذَا السُّؤَالَ وَهِيَ فِي أَيِّ عُمْرٍ؟
— وَرْد: لَا أَعْرِفُ. أُمِّي تُوُفِّيَتْ حِينَ كُنْتُ فِي الثَّامِنَةِ، وَلَمْ تُحَدِّثْنِي يَوْمًا عَنْ هَذَا.
وَقَبْلَ أَنْ يُجِيبَ نِزَارُ، اِرْتَجَّتِ القَاعَةُ فَجْأَةً بِصَوْتِ جَرَسٍ عَمِيقٍ يَأْتِي مِنْ أَعْمَاقِ النُّزُلِ، جَرَسٌ لَمْ تَسْمَعْهُ وَرْدُ مِنْ قَبْلُ، وَبَدَتْ عَلَى وَجْهِ الحَارِسِ عَلَامَاتُ رُعْبٍ حَقِيقِيٍّ.
— الحارس: هَذَا جَرَسُ الطَّابَقِ الثَّالِثِ. لَمْ يُقْرَعْ مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ. وَهُوَ لَا يُقْرَعُ إِلَّا حِينَ يُوشِكُ ضَيْفٌ عَلَى فُقْدَانِ اسْمِهِ إِلَى الأَبَدِ.
اِلْتَفَتَ الجَمِيعُ نَحْوَ الدَّرَجِ الحَجَرِيِّ، حَيْثُ كَانَ الجَرَسُ لَا يَزَالُ يَرِنُّ، وَحَيْثُ لَاحَظَتْ وَرْدُ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، أَنَّ اسْمَ الرَّقِيبِ فِي زِيِّ اِمْرِئِ القَيْسِ قَدِ اخْتَفَى هُوَ الآخَرُ مِنْ مَكَانِهِ الَّذِي رَآهُ فِيهِ الحَارِسُ قَبْلَ قَلِيلٍ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ نَفْسَهُ لَمْ يَعُدْ يَقِفُ حَيْثُ يَظُنُّهُ الجَمِيعُ.

الفَصْلُ الخَامِسُ

لَمْ يَتَوَقَّفِ الجَرَسُ عَنِ الرَّنِينِ، بَلِ اِزْدَادَ إِيقَاعُهُ سُرْعَةً، حَتَّى بَدَا وَكَأَنَّ حِجَارَةَ النُّزُلِ نَفْسَهَا تَئِنُّ.
وَقَفَ الحَارِسُ فِي مُنْتَصَفِ القَاعَةِ، مُتَرَدِّدًا بَيْنَ أَنْ يَصْعَدَ الدَّرَجَ وَبَيْنَ أَنْ يَبْقَى قُرْبَ الضُّيُوفِ، حَتَّى حَسَمَ أَمْرَهُ أَخِيرًا.
— الحارس: اِبْقَوْا هُنَا جَمِيعًا. لَا يَصْعَدْ أَحَدٌ خَلْفِي. الطَّابَقُ الثَّالِثُ لَيْسَ مَكَانًا يَدْخُلُهُ ضَيْفٌ لَمْ يُدْعَ إِلَيْهِ.
— وَرْد: وَمَنْ يَدْعُو إِلَيْهِ؟
لَمْ يُجِبِ الحَارِسُ، بَلِ اِنْطَلَقَ صَاعِدًا الدَّرَجَ الحَجَرِيَّ بِخُطًى سَرِيعَةٍ، وَاخْتَفَى فِي العَتْمَةِ.
نَظَرَتْ وَرْدُ إِلَى نِزَارَ وَكَرِيمٍ وَأَبِي العَلَاءِ، وَوَجَدَتْ فِي عُيُونِهِمْ جَمِيعًا القَلَقَ نَفْسَهُ الَّذِي تَشْعُرُ بِهِ هِيَ.
— كريم: أَنَا سَأَصْعَدُ. لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَبْقَى مَكْتُوفَ اليَدَيْنِ بَعْدَ كُلِّ مَا سَمِعْتُهُ عَنْ مَوْتِ يُوسُفَ الحَلَبِيِّ.
— وَرْد: سَأَصْعَدُ مَعَكَ.
حَاوَلَ نِزَارُ أَنْ يَمْنَعَهُمَا، لَكِنَّ أَبَا العَلَاءِ رَفَعَ يَدَهُ بِهُدُوءٍ، وَكَأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ لَا شَيْءَ سَيُوقِفُ هَذِهِ الفَتَاةَ عَنِ المُضِيِّ فِي طَرِيقِهَا.
— أبو العلاء: دَعْهُمَا يَذْهَبَانِ يَا نِزَارُ. مَنْ يَخَافُ السُّؤَالَ، لَا يَصِلُ إِلَى الجَوَابِ أَبَدًا. وَأَنَا، بِبَصَرِي المَفْقُودِ، أَرَى أَنَّ هَذِهِ الفَتَاةَ تَحْمِلُ فِي صَدْرِهَا مِنَ الشَّجَاعَةِ مَا يَكْفِي لِعَشْرَةِ ضُيُوفٍ.
صَعِدَتْ وَرْدُ وَكَرِيمٌ الدَّرَجَ الحَجَرِيَّ مَعًا، فِي عَتْمَةٍ تَزْدَادُ كَثَافَةً كُلَّمَا اِرْتَفَعَا، حَتَّى بَلَغَا مَمَرًّا طَوِيلًا، تَصْطَفُّ عَلَى جَانِبَيْهِ أَبْوَابٌ خَشَبِيَّةٌ مُتَشَابِهَةٌ، كُلٌّ مِنْهَا مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ اسْمٌ بِخَطٍّ ذَهَبِيٍّ بَاهِتٍ.
تَوَقَّفَتْ وَرْدُ أَمَامَ أَحَدِ الأَبْوَابِ، وَقَرَأَتِ الاسْمَ المَكْتُوبَ عَلَيْهِ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ.
— وَرْد: يُوسُفُ الحَلَبِيُّ.
شَعَرَتْ بِرُكْبَتَيْهَا تَخُونَانِهَا، وَأَسْنَدَتْ كَفَّهَا إِلَى الجِدَارِ البَارِدِ.
وَقَبْلَ أَنْ تَقْرَأَ اسْمًا آخَرَ، سَمِعَا صَوْتَ الحَارِسِ يَتَحَدَّثُ خَلْفَ بَابٍ فِي آخِرِ المَمَرِّ، بِنَبْرَةٍ لَمْ تَسْمَعْهَا وَرْدُ فِي صَوْتِهِ مِنْ قَبْلُ، خَلِيطًا مِنَ التَّوَسُّلِ وَالغَضَبِ.
اِقْتَرَبَا بِحَذَرٍ، وَوَجَدَا البَابَ مُوَارَبًا قَلِيلًا، فَأَطَلَّا مِنْهُ.
فِي غُرْفَةٍ صَغِيرَةٍ، مُضَاءَةٍ بِشَمْعَةٍ وَاحِدَةٍ، كَانَ الحَارِسُ يَقِفُ أَمَامَ مِرْآةٍ قَدِيمَةٍ، لَا تَعْكِسُ صُورَتَهُ، بَلْ تَعْكِسُ صُورَةَ رَجُلٍ آخَرَ تَمَامًا، أَصْغَرَ سِنًّا، بِمَلَامِحَ تُشْبِهُ مَلَامِحَ الحَارِسِ نَفْسِهِ، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ هِيَ.
— الحارس: لَمْ أَنْسَ اسْمَكَ. أُقْسِمُ لَكَ أَنِّي لَمْ أَنْسَهُ. لَكِنِّي أُدِيرُ هَذَا النُّزُلَ وَحْدِي مُنْذُ مِئَاتِ السِّنِينَ، وَعُقُولُ الحُرَّاسِ، مَهْمَا كَانَتْ صَافِيَةً، لَا تَتَّسِعُ لِكُلِّ الأَسْمَاءِ.
رَدَّتِ المِرْآةُ بِصَوْتٍ يُشْبِهُ صَوْتَ الحَارِسِ تَمَامًا، لَكِنَّهُ أَعْمَقُ، وَأَبْطَأُ.
— الصورة في المرآة: لَمْ أَطْلُبْ مِنْكَ أَنْ تَتَذَكَّرَ اسْمِي يَا حَارِسُ. طَلَبْتُ مِنْكَ أَنْ تُخْبِرَ حَفِيدَتِي بِالحَقِيقَةِ، حِينَ تَأْتِي. وَهَا هِيَ قَدْ أَتَتْ، وَأَنْتَ لَا تَزَالُ تُخْفِي عَنْهَا الأَهَمَّ.
دَخَلَتْ وَرْدُ الغُرْفَةَ فَجْأَةً، غَيْرَ قَادِرَةٍ عَلَى الصَّمْتِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَتَبِعَهَا كَرِيمٌ.
— وَرْد: جَدِّي؟ هَلْ هَذَا أَنْتَ حَقًّا؟
اِلْتَفَتَ الحَارِسُ نَحْوَهَا بِذُعْرٍ، وَحَاوَلَ أَنْ يَحْجُبَ المِرْآةَ عَنْهَا بِجَسَدِهِ، لَكِنَّ الأَوَانَ كَانَ قَدْ فَاتَ.
نَظَرَتِ الصُّورَةُ فِي المِرْآةِ إِلَى وَرْدَ مُبَاشَرَةً، وَعَلَى وَجْهِهَا اِبْتِسَامَةٌ مُفَاجِئَةٌ، دَافِئَةٌ، تُشْبِهُ الِابْتِسَامَةَ الَّتِي تَتَخَيَّلُهَا وَرْدُ كُلَّمَا نَظَرَتْ إِلَى صُورَةٍ قَدِيمَةٍ بَالِيَةٍ فِي أَلْبُومِ العَائِلَةِ.
— يوسف الحلبي (في المرآة): يَا صَغِيرَتِي… كَبُرْتِ أَكْثَرَ مِمَّا كُنْتُ أَتَخَيَّلُ. آخِرُ مَرَّةٍ رَأَيْتُ فِيهَا صُورَةً لَكِ، كُنْتِ لَا تَزَالِينَ فِي بَطْنِ أُمِّكِ.
— وَرْد: كَيْفَ… كَيْفَ تَكُونُ الحَارِسَ وَجَدِّي فِي آنٍ وَاحِدٍ؟
تَقَدَّمَ الحَارِسُ خُطْوَةً إِلَى الوَرَاءِ، وَجَلَسَ عَلَى حَافَّةِ سَرِيرٍ صَغِيرٍ فِي زَاوِيَةِ الغُرْفَةِ، وَقَدِ اِنْهَارَتْ كُلُّ صَلَابَتِهِ السَّابِقَةِ فَجْأَةً.
— الحارس: لِأَنِّي لَسْتُ حَارِسًا وَاحِدًا يَا وَرْدُ. أَنَا كُلُّ ضَيْفٍ بَقِيَ فِي هَذَا النُّزُلِ أَطْوَلَ مِمَّا يَنْبَغِي، وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُجِيبَ عَنْ سُؤَالِهِ، فَتَحَوَّلَ إِلَى جُزْءٍ مِنَ جُدْرَانِهِ. جَدُّكِ كَانَ آخِرَ مَنْ اِنْضَمَّ إِلَيَّ، مُنْذُ خَمْسِينَ عَامًا، حِينَ رَفَضَ أَنْ يُرْسِلَ تِلْكَ الرِّسَالَةَ، وَبَقِيَ يَسْأَلُ نَفْسَهُ لِمَاذَا حَتَّى صَارَ جُزْءًا مِنِّي.
جَلَسَتْ وَرْدُ عَلَى الأَرْضِ، غَيْرَ قَادِرَةٍ عَلَى الوُقُوفِ، وَتَحَسَّسَ كَرِيمٌ كَتِفَهَا فِي مُحَاوَلَةٍ لِمُوَاسَاتِهَا.
— وَرْد: إِذَنْ… أَنَا لَمْ آتِ إِلَى هُنَا صُدْفَةً. أَنَا جِئْتُ لِأُكْمِلَ مَا بَدَأَهُ جَدِّي.
— يوسف الحلبي (في المرآة): بِالضَّبْطِ يَا صَغِيرَتِي. وَلِهَذَا يَجِبُ أَنْ تَعْرِفِي: الرَّقِيبُ الَّذِي يُطَارِدُكِ اللَّيْلَةَ لَيْسَ عَدُوًّا يَا وَرْدُ. الرَّقِيبُ هُوَ السُّؤَالُ نَفْسُهُ، حِينَ يَتَجَسَّدُ، بَعْدَ أَنْ يَمَلَّ الاِنْتِظَارَ فِي صَدْرِ صَاحِبِهِ.
وَبَيْنَمَا كَانَتْ وَرْدُ تُحَاوِلُ أَنْ تَسْتَوْعِبَ هَذَا الكَلَامَ، سَمِعُوا جَمِيعًا صَوْتَ خُطُوَاتٍ ثَقِيلَةٍ تَصْعَدُ الدَّرَجَ الحَجَرِيَّ خَلْفَهُمْ، بِطِيءَةً، حَازِمَةً، وَكَأَنَّ صَاحِبَهَا يَعْرِفُ الطَّرِيقَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ.
اِلْتَفَتَتْ وَرْدُ نَحْوَ البَابِ، وَرَأَتْ ظِلًّا طَوِيلًا يَتَشَكَّلُ عِنْدَ مَدْخَلِ المَمَرِّ، لَيْسَ لِرَجُلٍ يَرْتَدِي زِيَّ اِمْرِئِ القَيْسِ هَذِهِ المَرَّةَ، بَلْ لِامْرَأَةٍ، تَرْتَدِي فُسْتَانًا طَوِيلًا مِنْ طِرَازٍ قَدِيمٍ، وَتَحْمِلُ بَيْنَ يَدَيْهَا دِيوَانَ شِعْرٍ مَفْتُوحًا.
— الظل النسائي: سَامِحُونِي عَلَى التَّأَخُّرِ. لَكِنَّنِي كُنْتُ أَنْتَظِرُ خَمْسِينَ عَامًا لِأَقُولَ هَذِهِ الجُمْلَةَ: مَرْحَبًا يَا وَرْدُ. أَنَا أُمُّكِ.

الفَصْلُ السَّادِسُ

وَقَفَتْ وَرْدُ فِي مَكَانِهَا، غَيْرَ قَادِرَةٍ عَلَى الحَرَكَةِ، وَنَظَرَتْ إِلَى المَرْأَةِ الوَاقِفَةِ عِنْدَ البَابِ، الَّتِي لَا يَزِيدُ عُمْرُهَا فِي الظَّاهِرِ عَنْ ثَلَاثِينَ عَامًا، بَيْنَمَا كَانَتْ وَرْدُ نَفْسُهَا تَكْبُرُهَا الآنَ بِسِنِينَ قَلِيلَةٍ.
— وَرْد: هَذَا مُسْتَحِيلٌ. أُمِّي مَاتَتْ وَأَنَا فِي الثَّامِنَةِ. كَيْفَ تَقِفِينَ أَمَامِي بِهَذَا العُمُرِ الصَّغِيرِ؟
اِبْتَسَمَتِ المَرْأَةُ ابْتِسَامَةً هَادِئَةً، وَتَقَدَّمَتْ خُطْوَةً وَاحِدَةً نَحْوَ الغُرْفَةِ، دُونَ أَنْ تَتَجَاوَزَ عَتَبَةَ البَابِ.
— سلمى (أم وَرْد): لِأَنَّ مَنْ يَدْخُلُ هَذَا النُّزُلَ، لَا يَدْخُلُهُ بِجَسَدِهِ يَا اِبْنَتِي، بَلْ بِاللَّحْظَةِ الَّتِي عَلِقَ فِيهَا قَلْبُهُ. أَنَا عَلِقْتُ هُنَا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، حِينَ كُنْتُ فِي الرَّابِعَةِ وَالعِشْرِينَ، أَحْمِلُكِ فِي بَطْنِي، وَأَقْرَأُ دِيوَانَ نِزَارَ سِرًّا تَحْتَ غِطَاءِ السَّرِيرِ.
اِلْتَفَتَتْ وَرْدُ نَحْوَ الحَارِسِ، الَّذِي كَانَ لَا يَزَالُ جَالِسًا عَلَى حَافَّةِ السَّرِيرِ، صَامِتًا، وَعَلَى وَجْهِهِ خَلِيطٌ مِنَ الأَلَمِ وَالرَّاحَةِ، كَمَنْ يَضَعُ حِمْلًا حَمَلَهُ طَوِيلًا.
— وَرْد: أَنْتَ كُنْتَ تَعْرِفُ طُولَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ أَنَّ أُمِّي هُنَا؟ وَلَمْ تُخْبِرْنِي؟
— الحارس (يوسف): لَمْ أَكُنْ أَتَذَكَّرُهَا يَا وَرْدُ، أُقْسِمُ لَكِ. الذَّاكِرَةُ فِي هَذَا المَكَانِ لَا تَعْمَلُ كَمَا تَعْمَلُ ذَاكِرَتُكِ. أَنَا أَتَذَكَّرُ الأَسْئِلَةَ الَّتِي لَمْ تُجَبْ، لَا الوُجُوهَ الَّتِي طَرَحَتْهَا. وَحِينَ سَمِعْتُ اسْمَكِ اللَّيْلَةَ، بَدَأَتِ الذَّاكِرَةُ تَعُودُ إِلَيَّ قِطْعَةً قِطْعَةً، كَمَنْ يَسْتَيْقِظُ مِنْ نَوْمٍ طَوِيلٍ.
جَلَسَتْ سَلْمَى القَرْفَصَاءَ أَمَامَ اِبْنَتِهَا، رَغْمَ أَنَّهَا لَمْ تَتَجَاوَزْ عَتَبَةَ البَابِ، وَكَأَنَّ حُدُودَ الغُرْفَةِ لَا تَعْنِي لَهَا شَيْئًا.
— سلمى: لَمْ أَمُتْ بِمَرَضٍ يَا وَرْدُ، كَمَا أَخْبَرُوكِ. مِتُّ بِسُؤَالٍ لَمْ أَجِدْ لَهُ جَوَابًا، فَجَلَسْتُ أَنْتَظِرُهُ فِي هَذَا النُّزُلِ حَتَّى فَقَدْتُ الطَّرِيقَ إِلَى الحَيَاةِ الَّتِي كُنْتِ فِيهَا أَنْتِ.
— وَرْد: وَمَا هُوَ سُؤَالُكِ؟ نَفْسُ السُّؤَالِ المَكْتُوبِ عَلَى الوَرَقَةِ؟
— سلمى: ذَاكَ كَانَ سُؤَالِي الأَوَّلَ، لِنِزَارَ. لَكِنَّ سُؤَالِي الحَقِيقِيَّ، الَّذِي أَبْقَانِي هُنَا، كَانَ لِأَبِي، لَا لِنِزَارَ: لِمَاذَا سَمَحْتَ لِي أَنْ أَتَزَوَّجَ رَجُلًا لَمْ يَقْرَأْ فِي حَيَاتِهِ كِتَابًا وَاحِدًا، بَيْنَمَا رَبَّيْتَنِي عَلَى حُبِّ الكَلِمَاتِ؟
اِرْتَجَفَتْ يَدَا وَرْدَ، وَتَذَكَّرَتْ فَجْأَةً أَبَاهَا، الرَّجُلَ الصَّامِتَ الَّذِي رَبَّاهَا وَحْدَهُ بَعْدَ وَفَاةِ أُمِّهَا، وَالَّذِي لَمْ تَرَهُ يَوْمًا يُمْسِكُ كِتَابًا.
— وَرْد: أَبِي… لَمْ يَكُنْ سَيِّئًا يَا أُمِّي. رَبَّانِي وَحْدَهُ، وَعَلَّمَنِي القِرَاءَةَ بِنَفْسِهِ، رَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يُحِبَّهَا يَوْمًا.
اِبْتَسَمَتْ سَلْمَى ابْتِسَامَةً حَزِينَةً، وَنَظَرَتْ إِلَى يُوسُفَ (الحَارِسِ) نَظْرَةً طَوِيلَةً، مَلِيئَةً بِمَا لَمْ يُقَلْ بَيْنَهُمَا مُنْذُ عُقُودٍ.
— سلمى: أَتَعْرِفِينَ لِمَاذَا زَوَّجَنِي أَبِي مِنْ رَجُلٍ لَا يَقْرَأُ يَا وَرْدُ؟ لِأَنَّهُ كَانَ يَخَافُ أَنْ أَتَزَوَّجَ شَاعِرًا، فَأُعِيدَ حِكَايَتَهُ هُوَ نَفْسِهَا: حِكَايَةَ رَجُلٍ أَحَبَّ الكَلِمَاتِ أَكْثَرَ مِمَّا أَحَبَّ مَنْ حَوْلَهُ.
اِلْتَفَتَتْ وَرْدُ نَحْوَ الحَارِسِ فَجْأَةً، وَقَدْ بَدَأَتْ تَفْهَمُ خَيْطًا جَدِيدًا فِي القِصَّةِ.
— وَرْد: هَلْ هَذَا صَحِيحٌ يَا جَدِّي؟ هَلْ خِفْتَ عَلَى أُمِّي مِنِّي — أَعْنِي، مِنْ نَفْسِكَ فِيهَا؟
أَطْرَقَ الحَارِسُ بِرَأْسِهِ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ، وَصَوْتُهُ حِينَ خَرَجَ كَانَ أَضْعَفَ مِمَّا سَمِعَتْهُ وَرْدُ مِنْهُ طَوَالَ اللَّيْلَةِ.
— الحارس (يوسف): نَعَمْ. خِفْتُ أَنْ تُصْبِحَ اِبْنَتِي وَحِيدَةً كَمَا كُنْتُ أَنَا، لِأَنِّي اِخْتَرْتُ الكَلِمَاتِ عَلَى النَّاسِ فِي أَكْثَرِ مِنْ لَحْظَةٍ فِي حَيَاتِي. وَكَانَتِ النَّتِيجَةُ أَنِّي حَرَمْتُهَا مِنْ زَوْجٍ يَفْهَمُهَا، ظَنًّا مِنِّي أَنِّي أَحْمِيهَا. وَهَذَا، يَا وَرْدُ، هُوَ سُؤَالِي أَنَا الَّذِي لَمْ أُجِبْ عَنْهُ بَعْدُ: هَلْ خِفْتُ عَلَيْهَا، أَمْ خِفْتُ عَلَى نَفْسِي مِنْ أَنْ أَرَاهَا تُكَرِّرُنِي؟
وَبَيْنَمَا كَانَتِ العَائِلَةُ الصَّغِيرَةُ تَقِفُ فِي تِلْكَ الغُرْفَةِ، جَمَعَهَا صَمْتٌ أَثْقَلُ مِنْ أَيِّ كَلَامٍ، سُمِعَ مِنَ الأَسْفَلِ صَوْتُ نِزَارَ يُنَادِي بِفَزَعٍ.
— نزار (من الأسفل): وَرْدُ! اِنْزِلِي بِسُرْعَةٍ! البَابُ الأَمَامِيُّ يَنْفَتِحُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ!
تَبَادَلَتْ وَرْدُ وَسَلْمَى نَظْرَةً سَرِيعَةً، وَقَبْلَ أَنْ تَتَحَرَّكَ وَرْدُ نَحْوَ البَابِ، أَمْسَكَتْ سَلْمَى يَدَهَا لِلَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، بَارِدَةً كَالثَّلْجِ لَكِنَّهَا حَقِيقِيَّةٌ تَمَامًا.
— سلمى: قَبْلَ أَنْ تَنْزِلِي، اِسْمَعِي مِنِّي هَذَا: لَا تَدَعِي الرَّقِيبَ يُقْنِعُكِ أَنَّ سُؤَالِي أَنَا هُوَ سُؤَالُكِ أَنْتِ. لِكُلِّ اِمْرَأَةٍ فِي هَذَا النُّزُلِ سُؤَالُهَا الخَاصُّ. وَسُؤَالُكِ أَنْتِ، يَا وَرْدُ، لَمْ يُطْرَحْ بَعْدُ.
رَكَضَتْ وَرْدُ وَكَرِيمٌ نَحْوَ الدَّرَجِ، وَحِينَ بَلَغَا القَاعَةَ السُّفْلَى، وَجَدَا البَابَ الأَمَامِيَّ الكَبِيرَ مَفْتُوحًا عَلَى مِصْرَاعَيْهِ، وَالمَطَرُ فِي الخَارِجِ قَدْ تَوَقَّفَ تَمَامًا، وَكَأَنَّ اللَّيْلَةَ نَفْسَهَا قَدِ اِنْتَظَرَتْ هَذِهِ اللَّحْظَةَ بِالذَّاتِ.
وَفِي عَتَبَةِ البَابِ، كَانَتْ تَقِفُ اِمْرَأَةٌ أُخْرَى، لَمْ تَكُنْ سَلْمَى، وَلَمْ تَكُنِ الرَّقِيبَ، بَلِ اِمْرَأَةٌ لَمْ تَرَهَا وَرْدُ فِي حَيَاتِهَا، تَرْتَدِي زِيًّا فَلَسْطِينِيًّا تَقْلِيدِيًّا مُطَرَّزًا، وَتَحْمِلُ فِي يَدِهَا مِفْتَاحًا نُحَاسِيًّا قَدِيمًا.
— المرأة الجديدة: اِسْمَحُوا لِي بِالدُّخُولِ. أَنَا لَسْتُ ضَيْفَةً هَذِهِ اللَّيْلَةَ. أَنَا جِئْتُ لِأُخْبِرَ صَاحِبَ هَذَا النُّزُلِ أَنَّ مَحْمُودَ دَرْوِيشَ فِي طَرِيقِهِ إِلَى هُنَا، وَأَنَّهُ لَنْ يَقْبَلَ أَنْ يَجْلِسَ مَعَ نِزَارَ قَبَّانِيَ فِي هُدُوءٍ، كَمَا فَعَلَ ضُيُوفٌ آخَرُونَ قَبْلَهُ.

الفَصْلُ السَّابِعُ

وَقَفَتِ المَرْأَةُ الفَلَسْطِينِيَّةُ عِنْدَ عَتَبَةِ البَابِ الأَمَامِيِّ، تَحْمِلُ مِفْتَاحَهَا النُّحَاسِيَّ كَمَنْ يَحْمِلُ وَثِيقَةَ هُوِيَّةٍ لَا يَمْلِكُ سِوَاهَا.
وَقَبْلَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا أَحَدٌ، ظَهَرَ خَلْفَهَا رَجُلٌ طَوِيلُ القَامَةِ، أَنِيقٌ، بِشَعْرٍ رَمَادِيٍّ مُرَتَّبٍ، وَعَيْنَيْنِ تَحْمِلَانِ ثِقَلَ بِلَادٍ بِأَكْمَلِهَا.
— الحارس: مَحْمُودُ دَرْوِيشَ. لَمْ يَكُنْ اسْمُكَ فِي سِجِلِّ هَذِهِ اللَّيْلَةِ.
— محمود درويش: وَلَا اسْمُ نِزَارَ قَبَّانِيَ يَحِقُّ لَهُ وَحْدَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَنْ فِلَسْطِينَ فِي لَيْلَةٍ لَا أَحْضُرُهَا. جِئْتُ لِأَنَّ أَحَدًا مَا أَخْبَرَنِي أَنَّ اِسْمِي يُذْكَرُ هُنَا هَذِهِ اللَّيْلَةَ، دُونَ أَنْ أَكُونَ حَاضِرًا لِأَرُدَّ.
تَقَدَّمَ نِزَارُ خُطْوَتَيْنِ نَحْوَ البَابِ، وَعَلَى وَجْهِهِ ابْتِسَامَةٌ لَا تَخْلُو مِنَ التَّحَدِّي الوَدُودِ.
— نزار: أَهْلًا بِكَ يَا أَبَا رِيمَ. لَمْ أَذْكُرْكَ اللَّيْلَةَ إِلَّا بِخَيْرٍ، وَلَوْ أَنِّي أَعْرِفُ أَنَّكَ لَنْ تُصَدِّقَنِي بِسُهُولَةٍ.
— محمود درويش: أُصَدِّقُكَ حِينَ تُخْبِرُنِي لِمَاذَا كَتَبْتَ قَصِيدَةً عَنِ القُدْسِ بَعْدَ أَنْ زُرْتَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً، بَيْنَمَا أَنَا وُلِدْتُ عَلَى تُرَابٍ صَارَ اسْمُهُ يَتَغَيَّرُ فِي كُلِّ خَرِيطَةٍ.
دَخَلَ مَحْمُودُ دَرْوِيشُ القَاعَةَ، وَتَبِعَتْهُ المَرْأَةُ الفَلَسْطِينِيَّةُ، الَّتِي وَقَفَتْ قُرْبَ المَوْقِدَةِ بِصَمْتٍ، وَكَأَنَّهَا شَاهِدَةٌ لَا طَرَفٌ فِي هَذِهِ المُوَاجَهَةِ.
— وَرْد: مَعْذِرَةً… أَنَا وَرْدُ. جِئْتُ اللَّيْلَةَ صُدْفَةً، وَلَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّنِي سَأَشْهَدُ هَذَا.
— محمود درويش: لَا صُدْفَةَ فِي هَذَا النُّزُلِ يَا فَتَاةُ. حَتَّى مَحَادَثَتِي هَذِهِ مَعَ نِزَارَ لَيْسَتْ صُدْفَةً. إِنَّهَا سُؤَالٌ ظَلَّ مُعَلَّقًا بَيْنَنَا مُنْذُ أَنْ كُنَّا حَيَّيْنِ، وَلَمْ نَجِدْ لَهُ وَقْتًا كَافِيًا.
جَلَسَ نِزَارُ عَلَى كُرْسِيِّهِ، وَجَلَسَ مَحْمُودُ مُقَابِلَهُ، وَبَيْنَهُمَا مَسَافَةٌ صَغِيرَةٌ بَدَتْ لِوَرْدَ أَوْسَعَ مِنْ أَيِّ مَسَافَةٍ جُغْرَافِيَّةٍ رَأَتْهَا فِي حَيَاتِهَا.
— نزار: أَنَا لَمْ أَدَّعِ يَوْمًا أَنِّي فِلَسْطِينِيٌّ يَا مَحْمُودُ. أَنَا كَتَبْتُ عَنِ القُدْسِ لِأَنَّ الوَجَعَ لَمْ يَسْأَلْنِي عَنْ هَوِيَّتِي قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ صَدْرِي. مَاتَ اِبْنِي تَوْفِيقُ، وَتَغَيَّرَتْ فِيَّ أَشْيَاءُ لَمْ تَكُنْ لِتَتَغَيَّرَ لَوْلَا ذَلِكَ. وَحِينَ رَأَيْتُ صُوَرَ الأَطْفَالِ فِي المُخَيَّمَاتِ، لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَصْمُتَ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ صَمْتِي أَكْثَرَ حِكْمَةً مِمَّا كَتَبْتُ.
— محمود درويش: لَمْ أَطْلُبْ مِنْكَ الصَّمْتَ يَا نِزَارُ. طَلَبْتُ مِنْكَ أَنْ تَعْرِفَ الفَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكْتُبَ عَنْ وَجَعِ الآخَرِينَ، وَبَيْنَ أَنْ تَكْتُبَ الوَجَعَ نَفْسَهُ وَأَنْتَ تَحْمِلُهُ فِي جَسَدِكَ كُلَّ يَوْمٍ. أَنْتَ كَتَبْتَ عَنِ القُدْسِ قَصِيدَةً، وَأَنَا كَتَبْتُ عَنْهَا سِيرَةَ حَيَاةٍ بِأَكْمَلِهَا، لِأَنِّي لَمْ أَمْلِكْ رَفَاهِيَةَ أَنْ أَكْتُبَ عَنْهَا ثُمَّ أَعُودَ إِلَى دِمَشْقَ أَوْ بَيْرُوتَ لِأَكْتُبَ عَنِ اِمْرَأَةٍ أُخْرَى.
شَعَرَتْ وَرْدُ بِتَوَتُّرٍ يَتَصَاعَدُ فِي القَاعَةِ، وَنَظَرَتْ نَحْوَ أَبِي العَلَاءِ، الَّذِي كَانَ يُصْغِي بِانْتِبَاهٍ شَدِيدٍ، رَغْمَ عَيْنَيْهِ المُغْمَضَتَيْنِ إِلَى الأَبَدِ.
— أبو العلاء: دَعَانِي أَقُلْ كَلِمَةً، أَيُّهَا الشَّاعِرَانِ العَظِيمَانِ. أَنَا عِشْتُ أَعْمَى، وَتَعَلَّمْتُ أَنَّ الأَلَمَ لَا يُقَاسُ بِمِسَاحَةِ الجُرْحِ، بَلْ بِعُمْقِ مَنْ يَحْمِلُهُ. وَلَسْتُ أَرَى — أَعْتَذِرُ عَنِ التَّعْبِيرِ — أَنَّ أَحَدَكُمَا يَمْلِكُ الجُرْحَ أَكْثَرَ مِنَ الآخَرِ. الاِثْنَانِ يَمْلِكَانِ اللُّغَةَ الَّتِي عَبَّرَتْ عَنْهُ، وَهَذَا وَحْدَهُ يَكْفِي.
اِبْتَسَمَ مَحْمُودُ اِبْتِسَامَةً خَفِيفَةً، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ دُخُولِهِ، وَنَظَرَ نَحْوَ أَبِي العَلَاءِ بِاحْتِرَامٍ.
— محمود درويش: أَنْتَ مُحِقٌّ يَا أَبَا العَلَاءِ فِي جُزْءٍ مِمَّا تَقُولُ. لَكِنِّي لَمْ أَجِئْ اللَّيْلَةَ لِأُنَازِعَ نِزَارَ عَلَى مِلْكِيَّةِ الجُرْحِ. جِئْتُ لِأَسْأَلَهُ سُؤَالًا وَاحِدًا فَقَطْ، ظَلَّ يُؤَرِّقُنِي مُنْذُ قَرَأْتُ دِيوَانَهُ الأَخِيرَ.
— نزار: اِسْأَلْ.
— محمود درويش: حِينَ كَتَبْتَ عَنِ المَرْأَةِ العَرَبِيَّةِ كُلَّ تِلْكَ القَصَائِدِ، وَنَادَيْتَ بِتَحَرُّرِهَا مِنَ الصَّمْتِ… أَلَمْ تَخْشَ يَوْمًا أَنَّ صَوْتَكَ أَنْتَ، وَحْدَهُ، صَارَ أَعْلَى مِنْ صَوْتِهَا؟ أَنَّكَ، وَأَنْتَ تُحَرِّرُهَا، جَعَلْتَ العَالَمَ يَسْمَعُ نِزَارَ قَبَّانِيَ يَتَكَلَّمُ عَنِ المَرْأَةِ، لَا المَرْأَةَ تَتَكَلَّمُ عَنْ نَفْسِهَا؟
سَادَ صَمْتٌ طَوِيلٌ، أَطْوَلُ مِنْ كُلِّ الصَّمَتَاتِ الَّتِي مَرَّتْ بِهَا وَرْدُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ.
وَلَاحَظَتْ وَرْدُ أَنَّ نِزَارَ، لِلَحْظَةٍ، بَدَا أَصْغَرَ سِنًّا وَأَكْثَرَ هَشَاشَةً مِمَّا كَانَ طَوَالَ اللَّيْلَةِ، وَكَأَنَّ سُؤَالَ مَحْمُودٍ نَزَعَ عَنْهُ طَبَقَةً كَانَ يَتَدَثَّرُ بِهَا.
— نزار: هَذَا هُوَ السُّؤَالُ الَّذِي كُنْتُ أَخْشَاهُ أَكْثَرَ مِنَ الرَّقِيبِ نَفْسِهِ يَا مَحْمُودُ.
نَهَضَتِ المَرْأَةُ الفَلَسْطِينِيَّةُ الوَاقِفَةُ عِنْدَ المَوْقِدَةِ، وَتَقَدَّمَتْ بِضَعِ خُطُوَاتٍ، وَكَشَفَتْ عَنْ وَجْهِهَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، فَإِذَا هِيَ اِمْرَأَةٌ فِي مُنْتَصَفِ العُمُرِ، بِعَيْنَيْنِ حَادَّتَيْنِ تُشْبِهَانِ عَيْنَيْ وَرْدَ إِلَى حَدٍّ مُثِيرٍ لِلدَّهْشَةِ.
— المرأة الفلسطينية: دَعَانِي أُجِيبُ أَنَا، لِأَنِّي لَمْ أُدْعَ لِأَتَفَرَّجَ عَلَيْكُمَا تَتَنَازَعَانِ عَلَى مَنْ يَتَحَدَّثُ بِاسْمِي. أَنَا اِسْمِي رِيمُ، وَجِئْتُ بِنَفْسِي إِلَى هَذَا النُّزُلِ اللَّيْلَةَ، لَا لِأُمَثِّلَ فِلَسْطِينَ، وَلَا لِأُمَثِّلَ المَرْأَةَ العَرَبِيَّةَ، بَلْ لِأُمَثِّلَ نَفْسِي فَقَطْ. وَلِي سُؤَالٌ وَاحِدٌ لِوَرْدَ، لَا لِنِزَارَ وَلَا لِمَحْمُودَ.
اِلْتَفَتَتْ وَرْدُ نَحْوَهَا بِذُهُولٍ، غَيْرَ مُتَوَقِّعَةٍ أَنْ يَتَحَوَّلَ السُّؤَالُ نَحْوَهَا فَجْأَةً.
— ريم: أَنْتِ جِئْتِ اللَّيْلَةَ تَبْحَثِينَ عَنْ صَحَفِيٍّ، ثُمَّ عَنْ جَدِّكِ، ثُمَّ عَنْ أُمِّكِ. وَلَمْ تَسْأَلِي نَفْسَكِ بَعْدُ سُؤَالًا وَاحِدًا: هَلْ أَنْتِ هُنَا لِتَكْتُبِي عَنْهُمْ، أَمْ لِتَكْتُبِي أَخِيرًا عَنْ نَفْسِكِ؟

الفَصْلُ الثَّامِنُ

لَمْ تُجِبْ وَرْدُ عَلَى الفَوْرِ.
وَقَفَتْ فِي مُنْتَصَفِ القَاعَةِ، بَيْنَ نِزَارَ وَمَحْمُودَ وَأَبِي العَلَاءِ وَكَرِيمٍ وَرِيمَ، وَشَعَرَتْ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ دُخُولِهَا هَذَا النُّزُلَ أَنَّ الأَنْظَارَ كُلَّهَا مُصَوَّبَةٌ نَحْوَهَا، لَا نَحْوَ الأَدَبَاءِ الكِبَارِ الَّذِينَ جَاءَتْ لِتَسْمَعَهُمْ.
— وَرْد: لَا أَعْرِفُ يَا رِيمُ. صَدِّقِينِي، لَا أَعْرِفُ. أَتَيْتُ أَبْحَثُ عَنْ كَرِيمٍ، فَوَجَدْتُ نِزَارَ، ثُمَّ وَجَدْتُ جَدِّي، ثُمَّ وَجَدْتُ أُمِّي الَّتِي لَمْ أَعْرِفْهَا يَوْمًا بِهَذِهِ الصُّورَةِ. وَكُلَّمَا وَجَدْتُ أَحَدًا، اِبْتَعَدْتُ خُطْوَةً عَنْ نَفْسِي.
اِقْتَرَبَتْ رِيمُ مِنْهَا، وَجَلَسَتْ عَلَى الكُرْسِيِّ المُجَاوِرِ، بِلُطْفٍ لَمْ تَتَوَقَّعْهُ وَرْدُ مِنِ اِمْرَأَةٍ دَخَلَتِ القَاعَةَ بِتِلْكَ الحِدَّةِ قَبْلَ لَحَظَاتٍ.
— ريم: هَذَا بِالضَّبْطِ مَا يَفْعَلُهُ هَذَا النُّزُلُ بِكُلِّ ضَيْفٍ يَا وَرْدُ. يَجْعَلُهُ يَظُنُّ أَنَّهُ جَاءَ لِيَسْأَلَ الآخَرِينَ، بَيْنَمَا هُوَ فِي الحَقِيقَةِ يَبْحَثُ عَنْ إِذْنٍ لِيَسْأَلَ نَفْسَهُ.
نَظَرَ نِزَارُ إِلَى وَرْدَ بِعَيْنَيْنِ حَانِيَتَيْنِ، وَتَذَكَّرَتْ وَرْدُ فَجْأَةً أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ نَفْسَهُ عَرَفَ جَدَّهَا، وَأَنَّهُ رُبَّمَا يَحْمِلُ عَنْهَا مَا لَا تَحْمِلُهُ هِيَ عَنْ نَفْسِهَا.
— نزار: قُولِي لَنَا يَا وَرْدُ: مَاذَا كُنْتِ تَكْتُبِينَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِي إِلَى هُنَا؟ لَيْسَ التَّحْقِيقَ عَنْ كَرِيمٍ. أَعْنِي، مَاذَا كُنْتِ تَكْتُبِينَ فِي اللَّيَالِي الَّتِي لَا يَقْرَؤُهَا أَحَدٌ؟
اِرْتَبَكَتْ وَرْدُ، وَنَظَرَتْ إِلَى الأَرْضِ لَحْظَةً، ثُمَّ رَفَعَتْ رَأْسَهَا بِبُطْءٍ.
— وَرْد: أَكْتُبُ. مُنْذُ سَنَتَيْنِ. عَنِ اِمْرَأَةٍ سُورِيَّةٍ تَعِيشُ فِي أَلْمَانْيَا، وَلَا تَعْرِفُ إِنْ كَانَتْ لَا تَزَالُ سُورِيَّةً بِمَا يَكْفِي، وَلَا أَلْمَانِيَّةً بِمَا يَكْفِي، وَلَا تَعْرِفُ فِي أَيِّ لُغَةٍ يَنْبَغِي أَنْ تَحْلُمَ. وَلَمْ أُكْمِلْهَا يَوْمًا، لِأَنِّي كُلَّمَا اِقْتَرَبْتُ مِنَ الفَصْلِ الأَخِيرِ، تَوَقَّفْتُ.
— أبو العلاء: وَلِمَاذَا تَتَوَقَّفِينَ يَا اِبْنَتِي؟
اِبْتَسَمَتْ وَرْدُ اِبْتِسَامَةً حَزِينَةً، أَشْبَهَ بِبُكَاءٍ لَمْ يَجِدْ طَرِيقَهُ إِلَى العَيْنَيْنِ بَعْدُ.
— وَرْد: لِأَنِّي لَا أَعْرِفُ كَيْفَ تَنْتَهِي حِكَايَتُهَا. وَأَظُنُّنِي، فِي الحَقِيقَةِ، لَا أَعْرِفُ كَيْفَ تَنْتَهِي حِكَايَتِي أَنَا.
سَادَ صَمْتٌ رَقِيقٌ فِي القَاعَةِ، مُخْتَلِفٌ عَنْ كُلِّ الصَّمَتَاتِ الثَّقِيلَةِ الَّتِي مَرَّتْ بِهَا اللَّيْلَةُ، صَمْتٌ يُشْبِهُ اِحْتِضَانًا صَامِتًا مِنْ غُرَبَاءَ صَارُوا فَجْأَةً أَقْرَبَ مِنَ الأَهْلِ.
— محمود درويش: أَتُرِيدِينَ نَصِيحَةً يَا وَرْدُ، حَتَّى وَإِنْ لَمْ تَطْلُبِيهَا؟ لَا تَبْحَثِي عَنِ النِّهَايَةِ. اُكْتُبِيهَا، ثُمَّ اُتْرُكِيهَا تَخْتَارُ نِهَايَتَهَا بِنَفْسِهَا، كَمَا تَخْتَارُ الأَرْضُ مَتَى تُزْهِرُ.
وَبَيْنَمَا كَانَتْ وَرْدُ تُهَمُّ بِالرَّدِّ، سَمِعُوا صَوْتَ الحَارِسِ يَصْرُخُ مِنْ أَعْلَى الدَّرَجِ، حَيْثُ كَانَ قَدْ عَادَ لِتَوِّهِ لِيَتَفَقَّدَ الطَّابَقَ الثَّالِثَ.
— الحارس: وَرْدُ! تَعَالَيْ بِسُرْعَةٍ! غُرْفَةُ جَدِّكِ… بَابُهَا يَحْتَرِقُ!
قَفَزَتْ وَرْدُ مِنْ مَكَانِهَا، وَرَكَضَتْ نَحْوَ الدَّرَجِ، وَتَبِعَهَا نِزَارُ وَكَرِيمٌ، بَيْنَمَا بَقِيَ مَحْمُودُ وَرِيمُ وَأَبُو العَلَاءِ فِي القَاعَةِ السُّفْلَى، مُتَبَادَلِينَ نَظْرَةَ قَلَقٍ لَمْ يَعْرِفُوا لَهَا سَبَبًا وَاضِحًا.
حِينَ بَلَغَتِ المَمَرَّ العُلْوِيَّ، رَأَتْ وَرْدُ أَلْسِنَةَ نَارٍ زَرْقَاءَ غَرِيبَةً تَتَصَاعَدُ مِنْ أَسْفَلِ البَابِ الَّذِي يَحْمِلُ اسْمَ يُوسُفَ الحَلَبِيِّ، دُونَ أَنْ تُصْدِرَ دُخَانًا، وَدُونَ أَنْ تَلْتَهِمَ الخَشَبَ فِعْلِيًّا.
— وَرْد: هَذِهِ لَيْسَتْ نَارًا حَقِيقِيَّةً. مَا هَذَا؟
— الحارس: هَذَا مَا يَحْدُثُ حِينَ يَجِدُ ضَيْفٌ إِجَابَتَهُ أَخِيرًا يَا وَرْدُ، بَعْدَ اِنْتِظَارٍ طَوِيلٍ. الغُرْفَةُ لَا تَحْتَرِقُ… إِنَّهَا تَتَحَرَّرُ.
فُتِحَ البَابُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَاِنْطَفَأَتِ الأَلْسِنَةُ الزَّرْقَاءُ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَظَهَرَتِ الغُرْفَةُ فَارِغَةً تَمَامًا، لَا أَثَرَ فِيهَا لِلْمِرْآةِ القَدِيمَةِ، وَلَا لِلسَّرِيرِ الصَّغِيرِ، وَلَا لِأَيِّ شَيْءٍ سِوَى وَرَقَةٍ وَاحِدَةٍ مَوْضُوعَةٍ فِي مُنْتَصَفِ الأَرْضِ الحَجَرِيَّةِ.
اِنْحَنَتْ وَرْدُ، وَرَفَعَتِ الوَرَقَةَ بِيَدَيْنِ تَرْتَجِفَانِ، وَقَرَأَتْ عَلَيْهَا سَطْرًا وَاحِدًا فَقَطْ، بِخَطِّ يَدِ جَدِّهَا الَّذِي تَعَرَّفَتْ عَلَيْهِ الآنَ جَيِّدًا.
«خَرَجْتُ أَخِيرًا يَا وَرْدُ، لِأَنَّكِ أَجَبْتِ عَنْ سُؤَالِي بَدَلًا مِنِّي، حِينَ قُلْتِ الحَقِيقَةَ عَنْ رِوَايَتِكِ. اُكْمِلِيهَا. وَإِنْ لَمْ تَعْرِفِي نِهَايَتَهَا بَعْدُ، فَاعْلَمِي أَنَّنِي، أَخِيرًا، عَرَفْتُ نِهَايَتِي.»
وَقَفَتْ وَرْدُ طَوِيلًا أَمَامَ الغُرْفَةِ الفَارِغَةِ، تَبْكِي بِصَمْتٍ، وَشَعَرَتْ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ وَفَاةِ أُمِّهَا بِثِقَلٍ يَرْتَفِعُ عَنْ صَدْرِهَا، لَا يَحُلُّ مَحَلَّهُ فَرَاغٌ، بَلْ مَسَاحَةٌ جَدِيدَةٌ لِلتَّنَفُّسِ.
وَبَيْنَمَا كَانَتْ تَمْسَحُ دُمُوعَهَا، سَمِعَتْ مِنْ أَسْفَلِ الدَّرَجِ صَوْتَ أَبِي العَلَاءِ يُنَادِي، بِنَبْرَةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا، أَقْرَبَ إِلَى الفَزَعِ.
— أبو العلاء (من الأسفل): لِيُسْرِعْ كُلُّ مَنْ فِي الأَعْلَى بِالنُّزُولِ! الرَّقِيبُ عَادَ… وَهَذِهِ المَرَّةَ، لَمْ يَأْتِ وَحْدَهُ!

الفَصْلُ التَّاسِعُ

نَزَلَتْ وَرْدُ الدَّرَجَ رَاكِضَةً، وَخَلْفَهَا نِزَارُ وَكَرِيمٌ، لِتَجِدَ القَاعَةَ السُّفْلَى وَقَدِ اِمْتَلَأَتْ فَجْأَةً بِأَصْوَاتٍ لَمْ تَكُنْ فِيهَا قَبْلَ لَحَظَاتٍ قَلِيلَةٍ.
عِنْدَ البَابِ الأَمَامِيِّ، كَانَتْ تَقِفُ ثَلَاثَةُ ظِلَالٍ، بِأَحْجَامٍ وَهَيْئَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَلَمْ يَكُنِ الرَّقِيبُ بَيْنَهَا ظَاهِرًا، لَكِنَّ وَرْدَ شَعَرَتْ بِحُضُورِهِ فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنَ القَاعَةِ، كَمَنْ يُرَاقِبُ مِنْ خَلْفِ سِتَارٍ لَا تَرَاهُ العَيْنُ.
— أبو العلاء: هَؤُلَاءِ ضُيُوفُ اللَّيْلَةِ القَادِمَةِ يَا وَرْدُ، لَا ضُيُوفَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ. لَكِنَّ الرَّقِيبَ كَسَرَ التَّرْتِيبَ، وَدَفَعَهُمْ إِلَى الحُضُورِ الآنَ، دَفْعَةً وَاحِدَةً.
تَقَدَّمَ أَوَّلُ الظِّلَالِ، فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ شَابٌّ، بِعَيْنَيْنِ لَامِعَتَيْنِ وَابْتِسَامَةٍ مَاكِرَةٍ، يَحْمِلُ فِي يَدِهِ كَأْسًا فَارِغَةً يُقَلِّبُهَا بَيْنَ أَصَابِعِهِ كَمَنْ يَتَذَكَّرُ لَذَّةً قَدِيمَةً.
— أبو نواس: أَنَا أَبُو نُوَاسٍ. وَلَسْتُ آسِفًا عَلَى شَيْءٍ فَعَلْتُهُ فِي حَيَاتِي، سِوَى أَنِّي لَمْ أَشْرَبْ كُلَّ الخَمْرِ الَّتِي أَرَدْتُ، وَلَمْ أُحِبَّ كُلَّ مَنْ أَرَدْتُ أَنْ أُحِبَّهُمْ.
خَلْفَهُ، تَقَدَّمَ ظِلٌّ ثَانٍ، رَجُلٌ ذُو هَيْبَةٍ، بِلِحْيَةٍ مُشَذَّبَةٍ وَعَيْنَيْنِ حَادَّتَيْنِ تَحْمِلَانِ صَرَامَةَ مَنْ اِخْتَارَ الكَلِمَةَ سِلَاحًا وَحِيدًا.
— أبو تمام: وَأَنَا أَبُو تَمَّامٍ. وَقَفْتُ حَيَاتِي كُلَّهَا عَلَى الحَدِّ الفَاصِلِ بَيْنَ البَلَاغَةِ وَالغُمُوضِ، حَتَّى قَالَ فِيَّ مَنْ قَالَ: لِمَ لَا تَفْهَمُ مَا تَقُولُ؟ فَأَجَبْتُهُ: وَلِمَ لَا تَفْهَمُ أَنْتَ مَا يُقَالُ؟
وَأَخِيرًا، تَقَدَّمَ الظِّلُّ الثَّالِثُ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَقْدِيمِ نَفْسِهِ، لِأَنَّ حُضُورَهُ وَحْدَهُ غَيَّرَ إِيقَاعَ القَاعَةِ كُلِّهَا: رَجُلٌ طَوِيلٌ، بِنَظْرَةٍ تُشْبِهُ نَظْرَةَ مَنْ اِعْتَادَ أَنْ يُخَاطِبَ المُلُوكَ نِدًّا لِنِدٍّ.
— المتنبي: أَنَا أَبُو الطَّيِّبِ. وَقَدْ سَمِعْتُ وَأَنَا فِي طَرِيقِي إِلَى هُنَا أَنَّ فَتَاةً تُدْعَى وَرْدَ تَبْحَثُ عَنْ إِجَابَةٍ. وَأَنَا لَمْ أَقْضِ حَيَاتِي أَبْحَثُ عَنِ الإِجَابَاتِ يَا فَتَاةُ، بَلْ عَنِ العَظَمَةِ. وَهَا أَنَا، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ القُرُونِ، أُدْرِكُ أَنَّ العَظَمَةَ وَحْدَهَا لَمْ تَكُنْ كَافِيَةً لِتَمْنَعَ رُمْحًا مِنْ أَنْ يُنْهِيَ حَيَاتِي فِي صَحْرَاءَ لَا يَعْرِفُ اِسْمَهَا أَحَدٌ.
جَلَسَ الثَّلَاثَةُ حَوْلَ المَوْقِدَةِ، وَجَلَسَ نِزَارُ بَيْنَهُمْ بِارْتِيَاحٍ غَرِيبٍ، وَكَأَنَّهُ يَعْرِفُهُمْ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ.
— وَرْد: لِمَاذَا جِئْتُمْ جَمِيعًا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ؟ أَلَيْسَ هَذَا يُخَالِفُ قَوَاعِدَ النُّزُلِ؟
اِبْتَسَمَ أَبُو نُوَاسٍ اِبْتِسَامَةً عَرِيضَةً، وَوَضَعَ كَأْسَهُ الفَارِغَةَ عَلَى المِنَضَدَةِ.
— أبو نواس: لِأَنَّ الرَّقِيبَ اكْتَشَفَ شَيْئًا يَا فَتَاةُ: أَنَّ ثَلَاثَتَنَا نَحْنُ، أَبَا تَمَّامٍ وَالمُتَنَبِّيَ وَأَنَا، نُمَثِّلُ ثَلَاثَةَ أَجْوِبَةٍ مُخْتَلِفَةٍ عَلَى سُؤَالٍ وَاحِدٍ ظَلَّ يُطَارِدُ نِزَارَ طَوَالَ حَيَاتِهِ: كَيْفَ يُوَازِنُ الشَّاعِرُ بَيْنَ اللَّذَّةِ وَالسُّلْطَةِ وَالخُلُودِ؟
اِلْتَفَتَ نِزَارُ إِلَيْهِمْ بِدَهْشَةٍ، وَعَلَى وَجْهِهِ مَا يُشْبِهُ الاِعْتِرَافَ الصَّامِتَ.
— نزار: أَبُو نُوَاسٍ اِخْتَارَ اللَّذَّةَ، وَتَحَدَّى بِهَا المُجْتَمَعَ حَتَّى النِّهَايَةِ. وَالمُتَنَبِّي اِخْتَارَ السُّلْطَةَ، وَبَاعَ لَهَا حَتَّى قَصَائِدَهُ. وَأَبُو تَمَّامٍ… اِخْتَارَ أَنْ يَكُونَ صَعْبًا، لِيَبْقَى خَالِدًا فِي أَذْهَانِ مَنْ يَفُكُّونَ رُمُوزَهُ. وَأَنَا… أَنَا حَاوَلْتُ أَنْ آخُذَ مِنَ الثَّلَاثَةِ شَيْئًا، وَلِهَذَا لَمْ أَشْبَعْ يَوْمًا مِنْ وَاحِدَةٍ.
اِقْتَرَبَ المُتَنَبِّي مِنْ وَرْدَ، وَنَظَرَ إِلَيْهَا نَظْرَةً تُقَيِّمُهَا كَمَا يُقَيِّمُ القَائِدُ جُنْدِيًّا جَدِيدًا.
— المتنبي: وَأَنْتِ يَا وَرْدُ؟ مَاذَا تَخْتَارِينَ أَنْتِ؟ اللَّذَّةَ أَمِ السُّلْطَةَ أَمِ الخُلُودَ؟
تَرَدَّدَتْ وَرْدُ لَحْظَةً، ثُمَّ تَذَكَّرَتْ فَجْأَةً كُلَّ مَا سَمِعَتْهُ اللَّيْلَةَ: جَدَّهَا الَّذِي اِخْتَارَ الصَّمْتَ، وَأُمَّهَا الَّتِي اِخْتَارَتِ الاِنْتِظَارَ، وَنِزَارَ الَّذِي اِخْتَارَ أَنْ يَبُوحَ بِكُلِّ شَيْءٍ.
— وَرْد: لَا أُرِيدُ أَيًّا مِنْهَا. أُرِيدُ أَنْ أَخْتَارَ الصِّدْقَ. حَتَّى لَوْ لَمْ يَجْلِبْ لِي لَذَّةً، وَلَا سُلْطَةً، وَلَا خُلُودًا.
سَادَ صَمْتٌ قَصِيرٌ، ثُمَّ ضَحِكَ المُتَنَبِّي ضَحْكَةً عَالِيَةً، لَمْ تَكُنْ سُخْرِيَةً، بَلْ إِعْجَابًا صَرِيحًا.
— المتنبي: إِجَابَةٌ لَمْ أَسْمَعْهَا مِنْ أَحَدٍ فِي هَذَا النُّزُلِ مِنْ قَبْلُ. رُبَّمَا يَكُونُ فِيكِ مِنَ العَظَمَةِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيَّ.
وَفَجْأَةً، اِنْطَفَأَتْ كُلُّ الأَنْوَارِ فِي القَاعَةِ دُونَ اِسْتِثْنَاءٍ، وَحَلَّتْ عَتْمَةٌ تَامَّةٌ، لَمْ يَبْقَ فِيهَا سِوَى صَوْتِ الرَّقِيبِ، يَأْتِي مِنْ كُلِّ اتِّجَاهٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ، كَأَنَّهُ يَتَحَدَّثُ مِنْ دَاخِلِ الجُدْرَانِ نَفْسِهَا.
— صوت الرقيب: أَحْسَنْتِ يَا وَرْدُ. وَلِأَنَّكِ اِخْتَرْتِ الصِّدْقَ، سَأَمْنَحُكِ صِدْقًا لَمْ يَطْلُبْهُ أَحَدٌ مِنْ قَبْلُ فِي هَذَا النُّزُلِ: هَذِهِ اللَّيْلَةُ لَيْسَتْ لَيْلَتَكِ الأُولَى هُنَا يَا وَرْدُ. إِنَّهَا اللَّيْلَةُ الثَّالِثَةُ. وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ، كُنْتِ تَنْسَيْنَ كُلَّ شَيْءٍ عِنْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وَتَعُودِينَ مِنْ جَدِيدٍ.

الفَصْلُ العَاشِرُ

تَجَمَّدَتْ وَرْدُ فِي مَكَانِهَا، وَشَعَرَتْ أَنَّ الأَرْضَ الحَجَرِيَّةَ تَحْتَ قَدَمَيْهَا تَتَّسِعُ فَجْأَةً، كَمَنْ يَقِفُ عَلَى حَافَّةِ هُوَّةٍ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ بِوُجُودِهَا.
— وَرْد: هَذَا كَذِبٌ. أَنَا أَتَذَكَّرُ كُلَّ لَحْظَةٍ مِنْ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، مُنْذُ خَرَجْتُ مِنَ البَيْتِ حَتَّى الآنَ.
لَمْ يُجِبْهَا أَحَدٌ فَوْرًا، وَنَظَرَ الجَمِيعُ إِلَى بَعْضِهِمْ فِي العَتْمَةِ الَّتِي بَدَأَتْ تَتَبَدَّدُ بِبُطْءٍ، حَتَّى عَادَتِ الأَنْوَارُ إِلَى القَاعَةِ خَافِتَةً، كَشَمْعَةٍ تَحْتَرِقُ لِآخِرِ مَرَّةٍ.
تَقَدَّمَ الحَارِسُ، وَقَدْ عَادَ إِلَيْهِ بَعْضُ ثَبَاتِهِ بَعْدَ اِنْهِيَارِهِ فِي الطَّابَقِ الثَّالِثِ، وَفَتَحَ السِّجِلَّ عَلَى صَفْحَةٍ لَمْ تَرَهَا وَرْدُ مِنْ قَبْلُ، فِي مُنْتَصَفِ الكِتَابِ تَمَامًا.
— الحارس: الرَّقِيبُ صَادِقٌ هَذِهِ المَرَّةَ يَا وَرْدُ، وَلَوْ كَرِهْتُ أَنْ أَقُولَ ذَلِكَ. اُنْظُرِي بِنَفْسِكِ.
اِقْتَرَبَتْ وَرْدُ مِنَ السِّجِلِّ بِخُطًى مُتَرَدِّدَةٍ، وَوَجَدَتْ صَفْحَتَيْنِ سَابِقَتَيْنِ تَحْمِلَانِ اسْمَهَا، بِتَارِيخَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا أَسَابِيعُ قَلِيلَةٌ، وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ، كَانَتْ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ مَكْتُوبَةً بِجَانِبِ اسْمِهَا: «لَمْ تُجِبْ».
— وَرْد: إِذَنْ… أَتَيْتُ إِلَى هُنَا مَرَّتَيْنِ مِنْ قَبْلُ، وَلَمْ أُجِبْ عَنِ السُّؤَالِ فِي أَيٍّ مِنْهُمَا؟ وَمَاذَا حَدَثَ لِي بَعْدَ ذَلِكَ؟
جَلَسَ نِزَارُ إِلَى جِوَارِهَا، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الطَّاوِلَةِ قُرْبَ يَدِهَا، دُونَ أَنْ يَلْمِسَهَا، فِي إِيمَاءَةٍ صَغِيرَةٍ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ.
— نزار: حِينَ لَا يُجِيبُ ضَيْفٌ عَنْ سُؤَالِهِ فِي هَذَا النُّزُلِ يَا وَرْدُ، لَا يُعَاقَبُ. يُعْطَى فُرْصَةً أُخْرَى، فِي جَسَدٍ يَحْمِلُ الذَّاكِرَةَ نَفْسَهَا، دُونَ أَنْ يَعِيَهَا. هَذَا هُوَ الرَّحِيمُ الوَحِيدُ فِي قَوَاعِدِ هَذَا المَكَانِ.
اِلْتَفَتَتْ رِيمُ نَحْوَهُمَا، وَعَلَى وَجْهِهَا تَعْبِيرٌ جَدِيدٌ، بَيْنَ التَّعَاطُفِ وَالفُضُولِ.
— ريم: وَمَا هُوَ السُّؤَالُ الَّذِي لَمْ تُجِيبِي عَنْهُ فِي المَرَّتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ يَا وَرْدُ؟ رُبَّمَا لَوْ عَرَفْتِهِ، اِسْتَطَعْتِ أَنْ تُنْهِيهِ هَذِهِ المَرَّةَ.
نَظَرَتْ وَرْدُ إِلَى الحَارِسِ، تَنْتَظِرُ مِنْهُ جَوَابًا، فَهَزَّ رَأْسَهُ بِأَسًى.
— الحارس: لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُخْبِرَكِ يَا وَرْدُ. القَاعِدَةُ وَاضِحَةٌ: لَا يُذْكَرُ السُّؤَالُ لِمَنْ لَمْ يُجِبْ عَنْهُ. عَلَيْكِ أَنْ تَصِلِي إِلَيْهِ بِنَفْسِكِ، فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ بِالذَّاتِ، وَإِلَّا…
— وَرْد: وَإِلَّا مَاذَا؟
لَمْ يُكْمِلِ الحَارِسُ جُمْلَتَهُ، لَكِنَّ أَبَا العَلَاءِ، بِصَوْتِهِ الهَادِئِ الَّذِي لَا يَتَغَيَّرُ مَهْمَا اِشْتَدَّتِ الأَحْدَاثُ، أَكْمَلَ نِيَابَةً عَنْهُ.
— أبو العلاء: وَإِلَّا يَا اِبْنَتِي، لَنْ تَخْرُجِي مِنْ هَذَا النُّزُلِ عِنْدَ الفَجْرِ كَمَا خَرَجْتِ فِي المَرَّتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ لِتَنْسَيْ. سَتَبْقَيْنَ فِيهِ، كَمَا بَقِيَ جَدُّكِ، إِلَى أَنْ تَجِدِي الإِجَابَةَ، وَلَوِ اِسْتَغْرَقَ ذَلِكَ خَمْسِينَ عَامًا أُخْرَى.
شَعَرَتْ وَرْدُ بِبَرْدٍ يَتَسَلَّلُ إِلَى عِظَامِهَا، وَنَظَرَتْ إِلَى كَرِيمٍ، الَّذِي كَانَ وَاقِفًا صَامِتًا مُنْذُ لَحَظَاتٍ، وَعَلَى وَجْهِهِ تَعْبِيرٌ غَرِيبٌ، أَقْرَبُ إِلَى الشُّعُورِ بِالذَّنْبِ.
— وَرْد: كَرِيمُ؟ أَنْتَ صَامِتٌ مُنْذُ قَلِيلٍ. هَلْ تَعْرِفُ شَيْئًا لَا أَعْرِفُهُ؟
تَنَهَّدَ كَرِيمٌ طَوِيلًا، وَجَلَسَ أَخِيرًا، بَعْدَ أَنْ ظَلَّ وَاقِفًا طَوَالَ اللَّيْلَةِ.
— كريم: لَمْ أَخْتَفِ فَجْأَةً قَبْلَ ثَلَاثَةِ أَسَابِيعَ يَا وَرْدُ، كَمَا ظَنَنْتِ. أَنَا جِئْتُ إِلَى هَذَا النُّزُلِ أَبْحَثُ عَنْكِ. رَأَيْتُ اسْمَكِ فِي السِّجِلِّ فِي زِيَارَتِي الأُولَى، مَكْتُوبًا بِنَفْسِ الكَلِمَةِ: «لَمْ تُجِبْ». وَحِينَ خَرَجْتُ، بَحَثْتُ عَنْكِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، حَتَّى وَجَدْتُ اسْمَكِ عَلَى مَجَلَّةٍ صَغِيرَةٍ، وَنَشَرْتُ ذَلِكَ المَنْشُورَ الغَامِضَ عَمْدًا، لِأَجْعَلَكِ تَبْحَثِينَ عَنِّي، وَتَعُودِينَ إِلَى هُنَا مِنْ جَدِيدٍ.
وَقَفَتْ وَرْدُ فَجْأَةً، بَيْنَ الغَضَبِ وَالذُّهُولِ، وَنَظَرَتْ إِلَى كَرِيمٍ نَظْرَةً لَمْ يَرَهَا فِيهَا مِنْ قَبْلُ.
— وَرْد: اِسْتَخْدَمْتَنِي؟ جَعَلْتَنِي أَحْتَرِقُ قَلَقًا عَلَيْكَ، لِتُعِيدَنِي إِلَى مَكَانٍ قَدْ أَفْقِدُ فِيهِ نَفْسِي إِلَى الأَبَدِ؟
— كريم: لَمْ أَفْعَلْهَا لِأُؤْذِيَكِ يَا وَرْدُ. فَعَلْتُهَا لِأَنِّي، فِي زِيَارَتِي الأُولَى، عَرَفْتُ سُؤَالَكِ. أَنَا الوَحِيدُ فِي هَذَا النُّزُلِ الَّذِي يَعْرِفُهُ، لِأَنَّ الرَّقِيبَ أَخْبَرَنِي بِهِ بِنَفْسِهِ، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ يَسْتَدْرِجُنِي إِلَى مَصِيرِكِ نَفْسِهِ.
سَادَ صَمْتٌ ثَقِيلٌ، وَنَظَرَ الجَمِيعُ نَحْوَ كَرِيمٍ، مُنْتَظِرِينَ بِلَهْفَةٍ لَمْ يُخْفِهَا أَحَدٌ.
— وَرْد: إِذَنْ… قُلْهُ. الآنَ.
فَتَحَ كَرِيمٌ فَمَهُ لِيَتَكَلَّمَ، لَكِنَّ صَوْتًا آخَرَ سَبَقَهُ، صَوْتَ اِمْرَأَةٍ لَمْ تَكُنْ فِي القَاعَةِ قَبْلَ لَحَظَاتٍ، قَادِمَةً مِنَ اتِّجَاهِ البَابِ الصَّغِيرِ فِي أَقْصَى القَاعَةِ.
— صوت امرأة غريبة: لَا تَقُلْهُ يَا كَرِيمُ. القَاعِدَةُ وَاضِحَةٌ: مَنْ يَنْطِقُ سُؤَالَ غَيْرِهِ نِيَابَةً عَنْهُ، يَفْقِدُ لِسَانَهُ حَتَّى الفَجْرِ.
اِلْتَفَتَ الجَمِيعُ نَحْوَ البَابِ الصَّغِيرِ، لِيَرَوْا اِمْرَأَةً لَمْ يَرَوْهَا مِنْ قَبْلُ، تَرْتَدِي ثَوْبًا أَسْوَدَ طَوِيلًا، وَتَحْمِلُ بَيْنَ يَدَيْهَا سَيْفًا صَغِيرًا لَمْ يَكُنْ لِلْقِتَالِ، بَلْ لِلْكِتَابَةِ، مَبْرِيًّا كَقَلَمٍ قَدِيمٍ.
— الخنساء: أَنَا الخَنْسَاءُ. وَقَدْ بَكَيْتُ إِخْوَتِي حَتَّى صَارَ اِسْمِي مُرَادِفًا لِلْحُزْنِ. وَجِئْتُ اللَّيْلَةَ لِأَقُولَ لِوَرْدَ شَيْئًا وَاحِدًا: لَيْسَ كُلُّ سُؤَالٍ يُقَالُ بِاللِّسَانِ يَا اِبْنَتِي. بَعْضُ الأَسْئِلَةِ تُقَالُ بِالفِعْلِ وَحْدَهُ.

الفَصْلُ الحَادِي عَشَرَ

وَقَفَتِ الخَنْسَاءُ فِي مَكَانِهَا، وَعَيْنَاهَا عَلَى وَرْدَ، وَكَأَنَّهَا تَنْتَظِرُ مِنْهَا أَنْ تَفْهَمَ مَا لَمْ تَقُلْهُ صَرَاحَةً.
— وَرْد: فِعْلٌ؟ أَيُّ فِعْلٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِجَابَةً عَنْ سُؤَالٍ لَا أَعْرِفُهُ حَتَّى؟
اِبْتَسَمَتِ الخَنْسَاءُ اِبْتِسَامَةً بَعِيدَةً، تَحْمِلُ حُزْنَ أَرْبَعَةِ إِخْوَةٍ رَثَتْهُمْ حَتَّى صَارَ الرِّثَاءُ اِسْمَهَا.
— الخنساء: أَنَا لَمْ أَعْرِفْ يَوْمًا كَيْفَ أُجِيبُ عَنْ سُؤَالِ: لِمَ يَمُوتُ الشُّجَعَانُ وَيَبْقَى الجُبَنَاءُ؟ فَمَا فَعَلْتُهُ، أَنِّي كَتَبْتُ. لَمْ أُجِبْ، لَكِنِّي فَعَلْتُ الشَّيْءَ الوَحِيدَ الَّذِي يُشْبِهُ الإِجَابَةَ: حَوَّلْتُ سُؤَالِي إِلَى قَصِيدَةٍ، بَدَلَ أَنْ أَتْرُكَهُ يَبْتَلِعُنِي صَامِتًا.
نَظَرَتْ وَرْدُ نَحْوَ الحَقِيبَةِ الَّتِي أَسْقَطَتْهَا عِنْدَ بِدَايَةِ اللَّيْلَةِ، وَالَّتِي كَانَتْ لَا تَزَالُ مُلْقَاةً قُرْبَ البَابِ الأَمَامِيِّ، وَتَذَكَّرَتْ فَجْأَةً دَفْتَرَهَا الصَّغِيرَ، الَّذِي تَحْمِلُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَالَّذِي يَحْمِلُ فُصُولَ رِوَايَتِهَا النَّاقِصَةِ.
— وَرْد: تَقْصِدِينَ أَنْ أَكْتُبَ؟ الآنَ؟ هُنَا؟
— الخنساء: أَقْصِدُ أَنَّ الكِتَابَةَ، حِينَ تَكُونُ صَادِقَةً، لَيْسَتْ هُرُوبًا مِنَ السُّؤَالِ يَا اِبْنَتِي، بَلْ أَقْصَرَ طَرِيقٍ إِلَيْهِ.
رَكَضَتْ وَرْدُ نَحْوَ حَقِيبَتِهَا، وَأَخْرَجَتْ مِنْهَا دَفْتَرًا صَغِيرًا بِغِلَافٍ جِلْدِيٍّ بَالٍ، وَقَلَمًا كَانَتْ تَحْمِلُهُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى المِنَضَدَةِ، وَجَلَسَتْ، وَفَتَحَتِ الدَّفْتَرَ عَلَى آخِرِ صَفْحَةٍ كَتَبَتْ فِيهَا، حَيْثُ تَوَقَّفَتْ رِوَايَتُهَا مُنْذُ أَشْهُرٍ.
نَظَرَ الجَمِيعُ إِلَيْهَا بِصَمْتٍ، وَتَرَاجَعَ الحَارِسُ خُطْوَةً، وَكَأَنَّهُ يُفْسِحُ مَجَالًا لِطَقْسٍ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَاطَعَ.
بَدَأَتْ وَرْدُ تَكْتُبُ، بِيَدٍ تَرْتَجِفُ فِي البِدَايَةِ، ثُمَّ تَهْدَأُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَهِيَ تَصِفُ اِمْرَأَةً سُورِيَّةً تَقِفُ عَلَى حَافَّةِ قَارَّتَيْنِ، لَا تَعْرِفُ فِي أَيِّ لُغَةٍ يَنْبَغِي أَنْ تَحْلُمَ، وَكَيْفَ اِكْتَشَفَتْ، بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ الاِغْتِرَابِ، أَنَّ السُّؤَالَ لَمْ يَكُنْ يَوْمًا: أَيْنَ أَنْتَمِي؟ بَلْ: مَاذَا أَفْعَلُ بِالاِنْتِمَاءَيْنِ مَعًا؟
وَبَيْنَمَا كَانَتْ تَكْتُبُ، لَاحَظَ نِزَارُ، بِذُهُولٍ، أَنَّ السِّجِلَّ الجِلْدِيَّ المَفْتُوحَ عَلَى المِنَضَدَةِ المُجَاوِرَةِ قَدْ بَدَأَ يَتَحَرَّكُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَأَنَّ حُرُوفًا جَدِيدَةً تَظْهَرُ عَلَى صَفْحَتِهِ، بِنَفْسِ الكَلِمَاتِ الَّتِي تَكْتُبُهَا وَرْدُ فِي دَفْتَرِهَا الخَاصِّ، فِي اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا.
— نزار: وَرْدُ! اُنْظُرِي! السِّجِلُّ… يَكْتُبُ مَا تَكْتُبِينَهُ أَنْتِ، كَلِمَةً بِكَلِمَةٍ!
رَفَعَتْ وَرْدُ عَيْنَيْهَا بِذُهُولٍ، وَرَأَتْ بِأُمِّ عَيْنَيْهَا مَا قَالَهُ نِزَارُ: أَنَّ رِوَايَتَهَا الخَاصَّةَ صَارَتْ جُزْءًا مِنْ سِجِلِّ النُّزُلِ نَفْسِهِ، كَأَنَّ المَكَانَ كُلَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ هَذِهِ اللَّحْظَةَ بِالذَّاتِ.
— الحارس: هَذَا لَمْ يَحْدُثْ مِنْ قَبْلُ، مُنْذُ بِنَاءِ هَذَا النُّزُلِ. لَا أَحَدَ كَتَبَ فِي السِّجِلِّ سِوَى الحُرَّاسِ.
اِبْتَسَمَ أَبُو العَلَاءِ اِبْتِسَامَةً عَرِيضَةً، وَضَرَبَ الأَرْضَ بِعَصَاهُ مَرَّةً وَاحِدَةً، كَعَادَتِهِ حِينَ يَصِلُ إِلَى يَقِينٍ.
— أبو العلاء: لِأَنَّ هَذَا النُّزُلَ، أَيُّهَا الحَارِسُ، لَمْ يَكُنْ يَوْمًا يَنْتَظِرُ ضَيْفًا يُجِيبُ بِلِسَانِهِ. كَانَ يَنْتَظِرُ ضَيْفًا يَكْتُبُ إِجَابَتَهُ. وَهَذِهِ الفَتَاةُ هِيَ أَوَّلُ مَنْ فَهِمَ ذَلِكَ مُنْذُ أَنْ عَرَفْتُ هَذَا المَكَانَ.
اِسْتَمَرَّتْ وَرْدُ فِي الكِتَابَةِ، وَقَدْ نَسِيَتْ كُلَّ مَنْ حَوْلَهَا، مُنْغَمِسَةً فِي الصِّفْحَاتِ الَّتِي طَالَمَا هَرَبَتْ مِنْهَا، حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى جُمْلَةٍ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ أَنَّهَا تَحْمِلُهَا فِي دَاخِلِهَا.
«اِكْتَشَفَتِ المَرْأَةُ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَبْحَثُ عَنْ وَطَنٍ يَحْتَضِنُهَا، بَلْ عَنْ إِذْنٍ تَمْنَحُهُ لِنَفْسِهَا: أَنْ تَكُونَ كَامِلَةً، حَتَّى وَهِيَ مُنْقَسِمَةٌ بَيْنَ لُغَتَيْنِ وَقَارَّتَيْنِ وَاسْمَيْنِ.»
تَوَقَّفَ قَلَمُهَا فَجْأَةً، وَشَعَرَتْ بِدَمْعَةٍ تَسْقُطُ عَلَى الوَرَقَةِ، وَرَفَعَتْ رَأْسَهَا لِتَجِدَ الجَمِيعَ يُحَدِّقُونَ فِيهَا بِصَمْتٍ مَهِيبٍ.
— ريم: وَرْدُ… هَلْ تُدْرِكِينَ مَاذَا كَتَبْتِ لِتَوِّكِ؟
لَمْ تُجِبْ وَرْدُ، بَلْ نَظَرَتْ إِلَى السِّجِلِّ المَجَاوِرِ، وَرَأَتْ أَنَّ الحُرُوفَ الَّتِي كَانَتْ تَظْهَرُ فِيهِ قَدْ تَوَقَّفَتْ هِيَ الأُخْرَى عِنْدَ نَفْسِ الجُمْلَةِ، وَأَنَّ كَلِمَةً وَاحِدَةً ظَهَرَتْ تَحْتَهَا، بِخَطٍّ ذَهَبِيٍّ لَامِعٍ، لَمْ يَكْتُبْهُ أَحَدٌ مِنَ البَشَرِ الحَاضِرِينَ.
«أُجِيبَ.»
وَفِي اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا، اِهْتَزَّتِ القَاعَةُ كُلُّهَا كَمَنْ يَتَنَفَّسُ زَفِيرًا طَوِيلًا اِنْتَظَرَهُ مِئَاتِ السِّنِينَ، وَتَسَاقَطَتْ مِنَ السَّقْفِ ذَرَّاتٌ ذَهَبِيَّةٌ نَاعِمَةٌ، تُشْبِهُ الغُبَارَ، لَكِنَّهَا كَانَتْ تُضِيءُ فِي الهَوَاءِ قَبْلَ أَنْ تَلْمَسَ الأَرْضَ.
وَفِي وَسَطِ تِلْكَ الذَّرَّاتِ المُتَسَاقِطَةِ، ظَهَرَ عِنْدَ البَابِ الأَمَامِيِّ ظِلٌّ جَدِيدٌ، لَمْ يَكُنْ لِشَاعِرٍ وَلَا لِشَاعِرَةٍ، بَلْ لِرَجُلٍ يَرْتَدِي بَذْلَةً حَدِيثَةً، وَيَحْمِلُ فِي يَدِهِ هَاتِفًا مَحْمُولًا لَا يَنْتَمِي إِلَى أَيِّ عَصْرٍ مِنَ العُصُورِ الَّتِي حَضَرَتْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ.
— الرجل بالبذلة الحديثة: عَفْوًا عَلَى المُقَاطَعَةِ. لَكِنْ إِنْ كَانَ السِّجِلُّ قَدْ كَتَبَ «أُجِيبَ»، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ اللَّيْلَةَ قَدِ اِنْتَهَتْ رَسْمِيًّا. وَأَنَا، لِلْأَسَفِ، أَحْمِلُ لَكُمْ خَبَرًا لَنْ يُعْجِبَ أَحَدًا: البَابَ الأَمَامِيَّ لَنْ يُفْتَحَ عِنْدَ الفَجْرِ كَمَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ. هُنَاكَ ضَيْفٌ آخَرُ يَنْتَظِرُ فِي الخَارِجِ، وَلَنْ يَدْخُلَ حَتَّى يَخْرُجَ أَحَدُكُمْ… إِلَى الأَبَدِ.

الفَصْلُ الثَّانِي عَشَرَ

سَادَ صَمْتٌ مَشُوبٌ بِالحَذَرِ، وَنَظَرَ الجَمِيعُ إِلَى القَادِمِ الجَدِيدِ، الَّذِي كَانَ يَقِفُ عِنْدَ البَابِ بِهُدُوءٍ يُثِيرُ الرِّيبَةَ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ صُرَاخٍ.
— الحارس: مَنْ أَنْتَ؟ لَمْ أَرَ زِيًّا كَهَذَا يَدْخُلُ هَذَا النُّزُلَ مِنْ قَبْلُ.
اِبْتَسَمَ الرَّجُلُ اِبْتِسَامَةً بَارِدَةً، وَتَقَدَّمَ خُطْوَةً وَاحِدَةً، وَاضِعًا هَاتِفَهُ الغَرِيبَ فِي جَيْبِهِ.
— الرجل بالبذلة الحديثة: لِأَنِّي لَسْتُ ضَيْفًا مِثْلَ البَاقِينَ يَا حَارِسُ. أَنَا أُمَثِّلُ زَمَنًا لَمْ يَصِلْ إِلَى هَذَا النُّزُلِ بَعْدُ، لَكِنَّهُ سَيَصِلُ لَا مَحَالَةَ: زَمَنَ القُرَّاءِ الَّذِينَ لَمْ يَقْرَؤُوا سَطْرًا وَاحِدًا كَامِلًا مُنْذُ سَنَوَاتٍ، وَيَحْكُمُونَ عَلَى الشُّعَرَاءِ بِعُنْوَانٍ، أَوْ بِصُورَةٍ، أَوْ بِمَنْشُورٍ مُقْتَطَعٍ مِنْ سِيَاقِهِ.
اِلْتَفَتَ نِزَارُ نَحْوَ وَرْدَ، وَعَلَى وَجْهِهِ عَلَامَاتُ فَهْمٍ مُتَأَخِّرٍ.
— نزار: أَنْتَ الرَّقِيبُ الحَقِيقِيُّ إِذَنْ. لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الأَزْيَاءُ القَدِيمَةُ سِوَى أَقْنِعَةٍ. هَذَا هُوَ وَجْهُكَ الحَقِيقِيُّ: لَا اِمْرُؤُ القَيْسِ، وَلَا أَيُّ شَبَحٍ مِنَ المَاضِي، بَلْ زَمَنٌ قَادِمٌ يَبْتَلِعُ كُلَّ شَيْءٍ بِسُرْعَةٍ لَا تُتِيحُ لِلْقَارِئِ أَنْ يَفْهَمَ.
ضَحِكَ الرَّجُلُ ضَحْكَةً قَصِيرَةً، خَالِيَةً مِنَ الدِّفْءِ.
— الرجل بالبذلة الحديثة: لَسْتُ الرَّقِيبَ يَا نِزَارُ، وَلَوْ أَنِّي أَفْهَمُ لِمَاذَا تَظُنُّ ذَلِكَ. أَنَا أَسْوَأُ مِنَ الرَّقِيبِ بِكَثِيرٍ. الرَّقِيبُ، عَلَى الأَقَلِّ، يَقْرَأُ مَا يُحَاكِمُهُ. أَمَّا أَنَا، فَأَحْكُمُ دُونَ أَنْ أَقْرَأَ شَيْئًا عَلَى الإِطْلَاقِ.
اِقْتَرَبَتْ وَرْدُ، وَقَدْ بَدَأَتْ تَسْتَعِيدُ بَعْضًا مِنْ ثِقَتِهَا بَعْدَ لَحْظَةِ «أُجِيبَ» الَّتِي عَاشَتْهَا لِتَوِّهَا.
— وَرْد: وَمَاذَا تُرِيدُ إِذَنْ؟ قُلْتَ إِنَّ أَحَدَنَا يَجِبُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الأَبَدِ. مَاذَا يَعْنِي هَذَا؟
أَخْرَجَ الرَّجُلُ مِنْ جَيْبِهِ وَرَقَةً صَغِيرَةً مَطْوِيَّةً بِعِنَايَةٍ، مُخْتَلِفَةً تَمَامًا عَنِ الوَرَقَاتِ الصَّفْرَاءِ القَدِيمَةِ الَّتِي رَأَتْهَا وَرْدُ طَوَالَ اللَّيْلَةِ.
— الرجل بالبذلة الحديثة: هَذَا النُّزُلُ، يَا سَيِّدَتِي، أَصْبَحَ عِبْئًا عَلَى مَنْ يُدِيرُونَ الزَّمَنَ. الأَدَبَاءُ يَتَجَمَّعُونَ فِيهِ، يُجِيبُونَ عَنْ أَسْئِلَتِهِمْ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ أَحْرَارًا، بَيْنَمَا العَالَمُ فِي الخَارِجِ يَنْسَى أَسْمَاءَهُمْ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ. وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ هَذَا النُّزُلَ سَيُغْلَقُ إِلَى الأَبَدِ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، بَعْدَ أَنْ يَبْقَى فِيهِ ضَيْفٌ وَاحِدٌ فَقَطْ، لِيَحْمِلَ عَنْ البَاقِينَ ذَاكِرَتَهُمْ جَمِيعًا.
اِرْتَجَّتِ القَاعَةُ بِصَوْتِ اِحْتِجَاجٍ عَالٍ، تَدَاخَلَتْ فِيهِ أَصْوَاتُ المُتَنَبِّي وَأَبِي نُوَاسٍ وَأَبِي تَمَّامٍ وَمَحْمُودَ دَرْوِيشَ، كُلٌّ يَرْفُضُ بِطَرِيقَتِهِ.
— المتنبي: لَنْ يُغْلَقَ هَذَا المَكَانُ عَلَيَّ وَأَنَا لَمْ أَقُلْ كَلِمَتِي الأَخِيرَةَ بَعْدُ!
— أبو نواس: وَأَنَا لَمْ أَشْرَبْ بَعْدُ كَأْسِيَ الأَخِيرَةَ!
رَفَعَ أَبُو العَلَاءِ يَدَهُ، فَخَفَتَتِ الأَصْوَاتُ تَدْرِيجِيًّا، اِحْتِرَامًا لِحِكْمَتِهِ الَّتِي عَرَفُوهَا جَمِيعًا طَوَالَ اللَّيْلَةِ.
— أبو العلاء: دَعَانِي أَسْأَلْكَ سُؤَالًا وَاحِدًا أَيُّهَا الغَرِيبُ: مَنْ يَخْتَارُ الضَّيْفَ الَّذِي سَيَبْقَى؟
اِبْتَسَمَ الرَّجُلُ اِبْتِسَامَةً غَامِضَةً، وَنَظَرَ مُبَاشَرَةً نَحْوَ وَرْدَ.
— الرجل بالبذلة الحديثة: أَنْتُمْ. اللَّيْلَةَ. الآنَ. سَتَخْتَارُونَ بِأَنْفُسِكُمْ مَنْ سَيَبْقَى هُنَا، وَمَنْ سَيَخْرُجُ إِلَى الحُرِّيَّةِ. وَإِنْ لَمْ تَتَّفِقُوا قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، فَلَنْ يَخْرُجَ أَحَدٌ عَلَى الإِطْلَاقِ.
نَظَرَتْ وَرْدُ إِلَى الوُجُوهِ حَوْلَهَا: نِزَارَ، وَأَبِي العَلَاءِ، وَكَرِيمٍ، وَرِيمَ، وَمَحْمُودَ، وَالخَنْسَاءِ، وَالمُتَنَبِّي، وَأَبِي نُوَاسٍ، وَأَبِي تَمَّامٍ، وَالحَارِسِ، وَكُلُّهُمْ يَنْتَظِرُونَ مِنْهَا كَلِمَةً لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ كَيْفَ تَبْدَأُ بِهَا.
— وَرْد: لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَخْتَارَ بَيْنَكُمْ. كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ يَسْتَحِقُّ الخُرُوجَ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَحِقُّهُ الآخَرُ، بِطَرِيقَتِهِ الخَاصَّةِ.
اِقْتَرَبَ نِزَارُ مِنْهَا، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى كَتِفِهَا، بِثِقَةٍ لَمْ تَعْهَدْهَا وَرْدُ فِيهِ مِنْ قَبْلُ.
— نزار: لَا تَحْتَاجِينَ أَنْ تَخْتَارِي بَيْنَنَا يَا وَرْدُ. اِخْتَارِي بَيْنَ سُؤَالٍ وَآخَرَ. أَيُّنَا أَجَابَ اللَّيْلَةَ عَنِ الأَهَمِّ، لَا عَنِ الأَجْمَلِ؟
وَبَيْنَمَا كَانَتْ وَرْدُ تُفَكِّرُ، اِقْتَرَبَتِ الخَنْسَاءُ مِنْهَا مِنَ الجَانِبِ الآخَرِ، وَهَمَسَتْ فِي أُذُنِهَا جُمْلَةً لَمْ يَسْمَعْهَا أَحَدٌ سِوَاهَا.
اِتَّسَعَتْ عَيْنَا وَرْدَ فَجْأَةً، وَاسْتَدَارَتْ نَحْوَ الرَّجُلِ بِالبَذْلَةِ الحَدِيثَةِ بِنَظْرَةٍ جَدِيدَةٍ تَمَامًا، لَمْ تَكُنْ فِيهَا خَوْفٌ، بَلْ تَحَدٍّ.
— وَرْد: لَدَيَّ سُؤَالٌ لَكَ أَنْتَ، قَبْلَ أَنْ أَخْتَارَ أَيَّ شَيْءٍ. أَنْتَ قُلْتَ إِنَّكَ لَا تَقْرَأُ. فَكَيْفَ تَحْكُمُ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّ البَقَاءَ فِي مَكَانٍ كُلُّ مَا فِيهِ كَلِمَاتٌ؟
تَجَمَّدَتِ اِبْتِسَامَةُ الرَّجُلِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، وَبَدَا لِلَحْظَةٍ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَتَوَقَّعْ هَذَا السُّؤَالَ.

الفَصْلُ الثَّالِثَ عَشَرَ

لَمْ يُجِبِ الرَّجُلُ فَوْرًا، وَبَدَا اِرْتِبَاكُهُ وَاضِحًا لِلَحْظَةٍ، قَبْلَ أَنْ يَسْتَعِيدَ صَلَابَتَهُ المُعْتَادَةَ.
— الرجل بالبذلة الحديثة: أَحْكُمُ لِأَنِّي أُمَثِّلُ الأَغْلَبِيَّةَ يَا وَرْدُ، لَا لِأَنِّي أَقْرَأُ. الأَغْلَبِيَّةُ لَا تَحْتَاجُ أَنْ تَقْرَأَ لِتَحْكُمَ. يَكْفِيهَا عُنْوَانٌ، أَوْ صُورَةٌ، أَوْ رَأْيُ صَدِيقٍ.
تَقَدَّمَ أَبُو العَلَاءِ بِبُطْءٍ، وَاتَّكَأَ عَلَى عَصَاهُ أَمَامَ الرَّجُلِ مُبَاشَرَةً، وَكَأَنَّهُ يَتَحَدَّاهُ رَغْمَ عَمَاهُ.
— أبو العلاء: أَنَا أَعْمَى مُنْذُ صِبَايَ، وَمَعَ ذَلِكَ قَرَأْتُ أَكْثَرَ مِمَّا قَرَأَ كَثِيرُونَ مِمَّنْ يُبْصِرُونَ، لِأَنِّي كُنْتُ أَسْتَمِعُ بِقَلْبِي لَا بِعَيْنَيَّ. أَقْتَرِحُ عَلَيْكَ اِمْتِحَانًا: اِقْرَأْ أَنْتَ. الآنَ. قَصِيدَةً وَاحِدَةً، بِصَوْتٍ عَالٍ، حَتَّى النِّهَايَةِ، دُونَ أَنْ تَتَوَقَّفَ لِتَحْكُمَ قَبْلَ أَنْ تَفْهَمَ.
اِبْتَسَمَ الرَّجُلُ اِبْتِسَامَةً سَاخِرَةً، وَنَظَرَ حَوْلَهُ، وَكَأَنَّهُ يَتَوَقَّعُ أَنْ يَجِدَ مَخْرَجًا سَهْلًا مِنْ هَذَا التَّحَدِّي.
— الرجل بالبذلة الحديثة: لِمَاذَا أَقْبَلُ اِمْتِحَانًا لَمْ يَطْلُبْهُ أَحَدٌ سِوَاكَ؟
— نزار: لِأَنَّكَ إِنْ رَفَضْتَ، فَقَدْ اِعْتَرَفْتَ أَمَامَنَا جَمِيعًا أَنَّكَ تَخَافُ الكَلِمَاتِ أَكْثَرَ مِمَّا تَدَّعِي اِحْتِقَارَهَا.
ساد صَمْتٌ، وَنَظَرَ الرَّجُلُ إِلَى الوُجُوهِ المُحِيطَةِ بِهِ، وَاحِدًا تِلْوَ الآخَرِ، حَتَّى اسْتَقَرَّتْ عَيْنَاهُ عَلَى وَرْدَ، وَكَأَنَّهُ يَجِدُ فِيهَا وَحْدَهَا شَاهِدًا مُحَايِدًا.
— الرجل بالبذلة الحديثة: حَسَنًا. أَعْطِنِي قَصِيدَةً.
تَقَدَّمَتِ الخَنْسَاءُ، وَفَتَحَتِ الدِّيوَانَ الَّذِي كَانَتْ تَحْمِلُهُ طَوَالَ اللَّيْلَةِ، وَاخْتَارَتْ صَفْحَةً، وَمَدَّتْهَا نَحْوَ الرَّجُلِ بِثِقَةٍ صَامِتَةٍ.
أَخَذَ الرَّجُلُ الدِّيوَانَ بِتَرَدُّدٍ، وَبَدَأَ يَقْرَأُ، بِصَوْتٍ مُتَعَثِّرٍ فِي البِدَايَةِ، أَبْيَاتًا لِلْمُتَنَبِّي عَنِ الوَحْدَةِ وَالغُرْبَةِ وَخِذْلَانِ الأَصْدِقَاءِ.
وَمَعَ كُلِّ بَيْتٍ، كَانَ صَوْتُهُ يَتَغَيَّرُ قَلِيلًا، يَفْقِدُ بُرُودَتَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى وَصَلَ إِلَى بَيْتٍ تَوَقَّفَ عِنْدَهُ طَوِيلًا، وَكَأَنَّ الكَلِمَاتِ لَامَسَتْ فِيهِ شَيْئًا لَمْ يَعُدْ يَتَذَكَّرُهُ.
اِرْتَجَفَتْ يَدَاهُ، وَسَقَطَ الدِّيوَانُ مِنْهُمَا فَجْأَةً، وَجَلَسَ عَلَى أَقْرَبِ كُرْسِيٍّ، وَأَخْفَى وَجْهَهُ بَيْنَ كَفَّيْهِ.
— وَرْد: مَا الأَمْرُ؟ مَاذَا حَدَثَ؟
رَفَعَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ، وَقَدْ تَغَيَّرَتْ مَلَامِحُهُ تَمَامًا، فَقَدَتْ صَلَابَتَهَا المَعْدِنِيَّةَ، وَظَهَرَ خَلْفَهَا وَجْهٌ إِنْسَانِيٌّ تَعِبٌ.
— الرجل بالبذلة الحديثة: كُنْتُ أَكْتُبُ الشِّعْرَ أَنَا أَيْضًا، قَبْلَ سِنِينَ طَوِيلَةٍ. تَوَقَّفْتُ حِينَ قَالَ لِي أَحَدُهُمْ إِنَّ لَا أَحَدَ يَقْرَأُ الشِّعْرَ فِي هَذَا العَصْرِ، وَإِنَّ عَلَيَّ أَنْ أَكْتُبَ مَا يُبَاعُ لَا مَا يُحَبُّ. فَتَوَقَّفْتُ عَنِ الكِتَابَةِ، ثُمَّ تَوَقَّفْتُ عَنِ القِرَاءَةِ، ثُمَّ… صِرْتُ هَذَا.
اِقْتَرَبَتْ وَرْدُ مِنْهُ، وَجَلَسَتْ عَلَى الكُرْسِيِّ المُقَابِلِ، بِرِفْقٍ لَمْ تَتَوَقَّعْهُ مِنْ نَفْسِهَا تِجَاهَ مَنْ كَانَ يُهَدِّدُ اللَّيْلَةَ كُلَّهَا قَبْلَ لَحَظَاتٍ.
— وَرْد: إِذَنْ… أَنْتَ لَسْتَ عَدُوَّنَا. أَنْتَ وَاحِدٌ مِنَّا، تَوَقَّفَ فِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ.
أَوْمَأَ الرَّجُلُ بِرَأْسِهِ بِصَمْتٍ، وَعَيْنَاهُ مُغْرَوْرِقَتَانِ.
— أبو العلاء: إِذَنْ، لَا حَاجَةَ لِأَحَدٍ أَنْ يَبْقَى فِي هَذَا النُّزُلِ إِلَى الأَبَدِ. الشَّرْطُ الَّذِي وَضَعْتَهُ لَمْ يَكُنْ شَرْطَ النُّزُلِ يَا صَدِيقِي، بَلْ شَرْطَ الخَوْفِ الَّذِي كُنْتَ تَحْمِلُهُ أَنْتَ وَحْدَكَ.
اِرْتَجَّتِ القَاعَةُ بِنُورٍ خَافِتٍ جَدِيدٍ، لَيْسَ ذَهَبِيًّا هَذِهِ المَرَّةَ، بَلْ أَبْيَضَ نَقِيًّا، تَسَلَّلَ مِنْ نَوَافِذَ لَمْ تَكُنْ وَرْدُ قَدْ لَاحَظَتْهَا مِنْ قَبْلُ، وَأَدْرَكَتْ أَنَّ الفَجْرَ بَدَأَ يَقْتَرِبُ.
— الحارس: لَمْ يَبْقَ عَلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ سِوَى سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ. وَمَنْ لَمْ يُجِبْ عَنْ سُؤَالِهِ حَتَّى الآنَ… سَيُضْطَرُّ لِلاِنْتِظَارِ لَيْلَةً أُخْرَى.
تَذَكَّرَتْ وَرْدُ فَجْأَةً أَنَّ رِيمَ لَمْ تُخْبِرْهُمْ بَعْدُ عَنْ سُؤَالِهَا هِيَ، وَأَنَّ كَرِيمًا كَانَ لَا يَزَالُ يَحْمِلُ فِي صَدْرِهِ سِرًّا لَمْ يَبُحْ بِهِ كَامِلًا، وَأَنَّ أَبَا نُوَاسٍ وَأَبَا تَمَّامٍ وَالمُتَنَبِّي لَمْ يَحْصُلُوا عَلَى إِجَابَاتِهِمْ بَعْدُ.
— وَرْد: إِذَنْ، لَا وَقْتَ نُضَيِّعُهُ. مَنْ التَّالِي؟
وَقَبْلَ أَنْ يُجِيبَ أَحَدٌ، سُمِعَ طَرْقٌ خَفِيفٌ عَلَى نَافِذَةٍ عَالِيَةٍ فِي أَقْصَى القَاعَةِ، طَرْقٌ لَمْ يُشْبِهْ أَيَّ صَوْتٍ سَمِعُوهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، نَاعِمٌ، مُتَرَدِّدٌ، كَأَنَّهُ صَوْتُ عَاشِقَيْنِ يَخَافَانِ أَنْ يُوقِظَا أَحَدًا.
اِلْتَفَتَ الجَمِيعُ نَحْوَ النَّافِذَةِ، لِيَرَوْا خَلْفَ الزُّجَاجِ ظِلَّيْنِ اثْنَيْنِ، رَجُلٌ وَاِمْرَأَةٌ، بِمَلَابِسَ أَنْدَلُسِيَّةٍ فَاخِرَةٍ، يَقِفَانِ فِي حَدِيقَةٍ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً هُنَاكَ قَبْلَ لَحَظَاتٍ.
— الحارس: اِبْنُ زَيْدُونَ… وَوَلَّادَةُ. لَمْ أَرَهُمَا مَعًا فِي هَذَا النُّزُلِ مُنْذُ قُرُونٍ. آخِرُ مَرَّةٍ كَانَا فِيهَا هُنَا، رَفَضَا أَنْ يَدْخُلَا الغُرْفَةَ نَفْسَهَا.

الفَصْلُ الرَّابِعَ عَشَرَ

لَمْ يَدْخُلِ اِبْنُ زَيْدُونَ وَوَلَّادَةُ مِنَ البَابِ الأَمَامِيِّ، بَلْ ظَلَّا خَلْفَ الزُّجَاجِ، كُلٌّ فِي طَرَفٍ مِنَ الحَدِيقَةِ الَّتِي ظَهَرَتْ فَجْأَةً، وَبَيْنَهُمَا حَائِطٌ حَجَرِيٌّ قَدِيمٌ، مُغَطًّى بِاليَاسَمِينِ، لَا يَتَجَاوَزُ اِرْتِفَاعَهُ صَدْرَ رَجُلٍ، لَكِنَّهُ بَدَا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ أَعْلَى مِنْ أَيِّ سُورٍ رَأَتْهُ وَرْدُ فِي حَيَاتِهَا.
— الحارس: لَنْ يَدْخُلَا القَاعَةَ يَا وَرْدُ. هَذَانِ الاِثْنَانِ رَفَضَا الجُلُوسَ فِي غُرْفَةٍ وَاحِدَةٍ مُنْذُ أَلْفِ عَامٍ. النُّزُلُ يَحْتَرِمُ رَغْبَتَهُمَا، وَيَمْنَحُهُمَا حَدِيقَةً بَدَلَ قَاعَةٍ، وَحَائِطًا بَدَلَ جُدْرَانٍ.
اِقْتَرَبَتْ وَرْدُ مِنَ النَّافِذَةِ، وَرَأَتِ اِبْنَ زَيْدُونَ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى الحَجَرِ البَارِدِ، دُونَ أَنْ يَتَجَاوَزَهُ، بَيْنَمَا كَانَتْ وَلَّادَةُ تَقِفُ عَلَى الجَانِبِ الآخَرِ، تُمْسِكُ وَرْدَةً حَمْرَاءَ ذَابِلَةً بَيْنَ أَصَابِعِهَا.
— ابن زيدون: أَحَبَبْتُهَا حَتَّى صِرْتُ لَا أَعْرِفُ اسْمِي إِلَّا بِاسْمِهَا مَعَهُ. وَكَتَبْتُ لَهَا حَتَّى صَارَتِ الرِّسَالَةُ الوَاحِدَةُ أَطْوَلَ مِنْ عُمُرِ مَمْلَكَةٍ. وَمَعَ ذَلِكَ، لَمْ أَسْتَطِعْ يَوْمًا أَنْ أَتَجَاوَزَ هَذَا الحَائِطَ الَّذِي صَنَعَتْهُ الأَلْقَابُ وَالمَنَاصِبُ وَالغَيْرَةُ.
— ولّادة: وَأَنَا أَحْبَبْتُهُ، لَكِنِّي رَفَضْتُ أَنْ أَكُونَ ظِلًّا لِرَجُلٍ، وَلَوْ كَانَ أَعْظَمَ شَاعِرٍ فِي قُرْطُبَةَ. أَرَدْتُ أَنْ أَكْتُبَ أَنَا أَيْضًا، لَا أَنْ أَكُونَ مَوْضُوعَ قَصِيدَتِهِ فَحَسْبُ.
شَعَرَتْ وَرْدُ بِارْتِجَافٍ غَرِيبٍ، وَتَذَكَّرَتْ فَجْأَةً رِوَايَتَهَا النَّاقِصَةَ، وَبَطَلَتَهَا الَّتِي وَقَفَتْ دَائِمًا بَيْنَ حَائِطَيْنِ لَا تَعْرِفُ أَيَّهُمَا تَخْتَارُ.
— وَرْد: أَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الحُبُّ بِلَا حَائِطٍ عَلَى الإِطْلَاقِ؟ أَنْ تَكْتُبَا مَعًا، لَا كُلٌّ فِي طَرَفٍ؟
اِبْتَسَمَتْ وَلَّادَةُ اِبْتِسَامَةً حَزِينَةً، وَنَظَرَتْ نَحْوَ وَرْدَ نَظْرَةَ مَنْ يَرَى فِي شَابَّةٍ سُؤَالًا لَمْ يُطْرَحْ فِي زَمَنِهَا.
— ولّادة: أَنْتِ مِنْ زَمَنٍ يُتِيحُ لَكِ أَنْ تَحْلُمِي بِهَذَا يَا اِبْنَتِي. فِي زَمَنِي، كَانَ عَلَيَّ أَنْ أَخْتَارَ: إِمَّا أَنْ أَكُونَ صَوْتِي، وَإِمَّا أَنْ أَكُونَ صَدَاهُ. اِخْتَرْتُ صَوْتِي. وَلَمْ أَنْدَمْ، لَكِنَّنِي لَمْ أَتَوَقَّفْ يَوْمًا عَنِ التَّسَاؤُلِ: هَلْ كَانَ الحَائِطُ ضَرُورِيًّا بِقَدْرِ مَا ظَنَنْتُ؟
نَظَرَ اِبْنُ زَيْدُونَ نَحْوَهَا عَبْرَ الحَائِطِ، بِعَيْنَيْنِ لَمْ تَجِفَّ فِيهِمَا الدُّمُوعُ رَغْمَ القُرُونِ.
— ابن زيدون: لَوْ عِشْنَا فِي زَمَنِ وَرْدَ يَا وَلَّادَةُ، لَرُبَّمَا كَتَبْنَا مَعًا لَا ضِدَّ بَعْضِنَا. لَكِنِّي أَظُنُّ أَنَّ الحَائِطَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا فَقَطْ. كَانَ فِيَّ أَنَا أَيْضًا، فِي خَوْفِي مِنِ اِمْرَأَةٍ أَقْوَى مِنِّي بِالكَلِمَةِ.
سَادَ صَمْتٌ طَوِيلٌ، وَنَظَرَتْ وَرْدُ إِلَى كَرِيمٍ الوَاقِفِ خَلْفَهَا، وَشَعَرَتْ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ أَنَّهَا تَفْهَمُ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَجْرُؤُ عَلَى التَّفْكِيرِ فِيهِ طَوَالَ اللَّيْلَةِ.
— كريم: وَرْدُ… أَنَا أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ الوَقْتَ المُنَاسِبَ، وَسَطَ كُلِّ مَا يَحْدُثُ. لَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْتَذِرَ حَقًّا عَمَّا فَعَلْتُهُ، لِأَنِّي خِفْتُ أَنْ أَفْقِدَكِ، فَاسْتَخْدَمْتُ أَسْوَأَ طَرِيقَةٍ لِأُبْقِيَكِ قَرِيبَةً.
نَظَرَتْ وَرْدُ إِلَيْهِ طَوِيلًا، وَشَعَرَتْ بِخَلِيطٍ مِنَ الغَضَبِ الَّذِي لَمْ يَخْفُتْ بَعْدُ، وَشَيْءٍ آخَرَ، أَعْمَقَ، لَمْ تَكُنْ قَدْ سَمَّتْهُ لِنَفْسِهَا.
— وَرْد: لَسْتُ جَاهِزَةً لِلْحَدِيثِ عَنْ هَذَا الآنَ يَا كَرِيمُ. لَكِنِّي أَعِدُكَ أَنِّي سَأَسْتَمِعُ إِلَيْكَ، حِينَ يَنْتَهِي كُلُّ هَذَا.
وَبَيْنَمَا كَانَتِ الحَدِيقَةُ خَلْفَ الزُّجَاجِ تَبْدَأُ بِالتَّلَاشِي بِبُطْءٍ، مُؤْذِنَةً بِعَوْدَةِ اِبْنِ زَيْدُونَ وَوَلَّادَةَ إِلَى حَيْثُ أَتَيَا، سَمِعَتْ وَرْدُ صَوْتَ رِيمَ تُنَادِيهَا مِنْ وَسَطِ القَاعَةِ، بِنَبْرَةٍ فِيهَا اِسْتِعْجَالٌ لَمْ تَسْمَعْهُ مِنْهَا مِنْ قَبْلُ.
— ريم: وَرْدُ! السِّجِلُّ… اُنْظُرِي إِلَيْهِ! صَفْحَتُكِ بَدَأَتْ تَصْفَرُّ، وَكَأَنَّهَا تَحْتَرِقُ مِنَ الدَّاخِلِ!
رَكَضَتْ وَرْدُ نَحْوَ المِنَضَدَةِ، وَرَأَتْ بِأُمِّ عَيْنَيْهَا مَا وَصَفَتْهُ رِيمُ: صَفْحَتُهَا، الَّتِي كَتَبَتْ عَلَيْهَا رِوَايَتَهَا لِتَوِّهَا، بَدَأَتْ حَوَافُّهَا تَتَحَوَّلُ إِلَى لَوْنٍ بُنِّيٍّ دَاكِنٍ، كَوَرَقَةٍ قَدِيمَةٍ تَقْتَرِبُ مِنَ الاِحْتِرَاقِ الكَامِلِ.
— الحارس: هَذَا يَحْدُثُ حِينَ لَا يُكْمِلُ الضَّيْفُ مَا بَدَأَهُ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ يَا وَرْدُ. كَلِمَةُ «أُجِيبَ» لَمْ تَكُنْ نِهَايَةَ الطَّرِيقِ. كَانَتْ بِدَايَتَهُ فَقَطْ.
— وَرْد: مَاذَا يَعْنِي هَذَا؟ مَاذَا عَلَيَّ أَنْ أَفْعَلَ؟
نَظَرَ نِزَارُ إِلَى السَّاعَةِ الرَّمْلِيَّةِ الكَبِيرَةِ الَّتِي ظَهَرَتْ فَجْأَةً عِنْدَ زَاوِيَةِ المَوْقِدَةِ، وَالَّتِي لَمْ يَتَبَقَّ فِيهَا مِنَ الرَّمْلِ الأَعْلَى إِلَّا القَلِيلُ.
— نزار: عَلَيْكِ أَنْ تُنْهِي الرِّوَايَةَ يَا وَرْدُ. كُلَّهَا. قَبْلَ أَنْ يَسْقُطَ آخِرُ حَبَّةِ رَمْلٍ.

الفَصْلُ الخَامِسَ عَشَرَ

جَلَسَتْ وَرْدُ إِلَى المِنَضَدَةِ، وَفَتَحَتْ دَفْتَرَهَا عَلَى الصَّفْحَةِ نَفْسِهَا، وَبَدَأَتْ تَكْتُبُ بِسُرْعَةٍ لَمْ تَعْهَدْهَا يَدُهَا مِنْ قَبْلُ، بَيْنَمَا كَانَتِ السَّاعَةُ الرَّمْلِيَّةُ تُفْرِغُ حَبَّاتِهَا وَاحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى، فِي صَمْتٍ يَبْدُو أَعْلَى مِنْ أَيِّ صَوْتٍ.
وَقَفَ الجَمِيعُ حَوْلَهَا فِي دَائِرَةٍ صَامِتَةٍ: نِزَارُ وَمَحْمُودُ وَأَبُو العَلَاءِ وَالمُتَنَبِّي وَأَبُو نُوَاسٍ وَأَبُو تَمَّامٍ وَالخَنْسَاءُ وَرِيمُ وَكَرِيمٌ، وَحَتَّى الحَارِسُ، كُلُّهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا وَكَأَنَّهُمْ يُشَاهِدُونَ وِلَادَةً.
— محمود درويش: لَا تَنْظُرِي إِلَى السَّاعَةِ يَا وَرْدُ. اُنْظُرِي إِلَى الوَرَقَةِ فَقَطْ.
كَتَبَتْ وَرْدُ عَنِ اِمْرَأَتِهَا السُّورِيَّةِ، البَطَلَةِ الَّتِي حَمَلَتْ اسْمَ أُمِّهَا سِرًّا فِي كُلِّ فَصْلٍ دُونَ أَنْ تَعْرِفَ لِمَاذَا، وَكَيْفَ وَقَفَتْ يَوْمًا فِي مَحَطَّةِ قِطَارٍ أَلْمَانِيَّةٍ، تَحْمِلُ حَقِيبَتَيْنِ: وَاحِدَةً فِيهَا ثِيَابُهَا، وَأُخْرَى فَارِغَةً تَمَامًا، لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ أَيَّ جُزْءٍ مِنْ ذَاكِرَتِهَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسَافِرَ مَعَهَا.
تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً، وَنَظَرَتْ نَحْوَ نِزَارَ، وَكَأَنَّهَا تَطْلُبُ إِذْنًا لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ أَنَّهَا تَحْتَاجُهُ.
— وَرْد: لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أُنْهِيهَا يَا نِزَارُ. كُلَّمَا اِقْتَرَبْتُ، شَعَرْتُ أَنَّ أَيَّ نِهَايَةٍ سَتَخُونُ شَيْئًا فِيهَا.
— نزار: لَا تَبْحَثِي عَنْ نِهَايَةٍ تُرْضِي القَارِئَ يَا وَرْدُ. اِبْحَثِي عَنْ نِهَايَةٍ تُرْضِي المَرْأَةَ الَّتِي تَكْتُبِينَ عَنْهَا. هِيَ وَحْدَهَا مَنْ يَعْرِفُ إِنْ كَانَتْ جَاهِزَةً لِتَضَعَ الحَقِيبَةَ الفَارِغَةَ أَرْضًا، أَمْ لَا تَزَالُ تَحْتَاجُهَا.
عَادَتْ وَرْدُ إِلَى الكِتَابَةِ، وَشَعَرَتْ أَنَّ يَدَهَا تَتَحَرَّكُ وَحْدَهَا الآنَ، بِلَا تَرَدُّدٍ، وَكَأَنَّ كُلَّ مَا سَمِعَتْهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ — جَدُّهَا الصَّامِتُ، أُمُّهَا الَّتِي اِنْتَظَرَتْ، نِزَارُ الَّذِي بَاحَ بِكُلِّ شَيْءٍ، مَحْمُودُ الَّذِي حَمَلَ وَطَنًا فِي جَسَدِهِ، الخَنْسَاءُ الَّتِي حَوَّلَتِ الحُزْنَ إِلَى قَصِيدَةٍ، وَلَّادَةُ الَّتِي اِخْتَارَتْ صَوْتَهَا عَلَى صَدَاهُ — كَانَ يَتَجَمَّعُ الآنَ فِي كَفِّهَا، حَرْفًا حَرْفًا.
سَقَطَتْ آخِرُ حَبَّاتِ الرَّمْلِ العُلْوِيَّةِ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، وَتَسَارَعَتْ أَنْفَاسُ الحَاضِرِينَ، حَتَّى بَدَا الصَّمْتُ نَفْسُهُ يَخْتَنِقُ.
— أبو العلاء: بَقِيَ عَشْرُ حَبَّاتٍ يَا وَرْدُ.
لَمْ تَرْفَعْ وَرْدُ رَأْسَهَا، بَلْ كَتَبَتْ أَسْرَعَ، وَقَدْ بَدَأَتْ دُمُوعُهَا تَسْقُطُ عَلَى الوَرَقَةِ، مُخْتَلِطَةً بِالحِبْرِ، دُونَ أَنْ تُوقِفَ يَدَهَا.
— كريم: خَمْسُ حَبَّاتٍ.
كَتَبَتِ الجُمْلَةَ الأَخِيرَةَ الَّتِي طَالَمَا هَرَبَتْ مِنْهَا، الجُمْلَةَ الَّتِي تَقُولُ إِنَّ بَطَلَتَهَا وَضَعَتِ الحَقِيبَةَ الفَارِغَةَ عَلَى الأَرْضِ، لَا لِأَنَّهَا لَمْ تَعُدْ بِحَاجَةٍ إِلَى ذَاكِرَتِهَا، بَلْ لِأَنَّهَا أَدْرَكَتْ أَخِيرًا أَنَّ الذَّاكِرَةَ لَا تُحْمَلُ فِي حَقِيبَةٍ، بَلْ فِي القَلْبِ، حَيْثُ لَا وَزْنَ لَهَا وَلَا حُدُودَ.
— ريم: ثَلَاثٌ… اِثْنَتَانِ…
رَفَعَتْ وَرْدُ القَلَمَ عَنِ الوَرَقَةِ فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي سَقَطَتْ فِيهَا آخِرُ حَبَّةِ رَمْلٍ، وَسَادَ صَمْتٌ مُطْبِقٌ فِي القَاعَةِ بِأَكْمَلِهَا.
ثُمَّ، بِبُطْءٍ، بَدَأَتِ السَّاعَةُ الرَّمْلِيَّةُ نَفْسُهَا تَتَشَقَّقُ، وَتَسَاقَطَتْ قِطَعُ زُجَاجِهَا عَلَى الأَرْضِ الحَجَرِيَّةِ بِصَوْتٍ رَقِيقٍ يُشْبِهُ الجَرَسَ، وَبَدَلًا مِنَ الرَّمْلِ، تَنَاثَرَتْ مِنْهَا آلَافُ الحُرُوفِ الذَّهَبِيَّةِ الصَّغِيرَةِ، كُلُّ حَرْفٍ يَلْمَعُ لِلَحْظَةٍ فِي الهَوَاءِ قَبْلَ أَنْ يَتَلَاشَى.
— الحارس: لَمْ أَرَ هَذَا مِنْ قَبْلُ. لَمْ أَرَ سَاعَةً رَمْلِيَّةً تَنْكَسِرُ هَكَذَا فِي كُلِّ تَارِيخِ هَذَا النُّزُلِ.
اِلْتَفَتَتْ وَرْدُ نَحْوَ النَّافِذَةِ الكَبِيرَةِ فِي أَقْصَى القَاعَةِ، حَيْثُ كَانَ الضَّوْءُ الأَبْيَضُ يَتَسَلَّلُ بِقُوَّةٍ أَكْبَرَ الآنَ، وَأَدْرَكَتْ أَنَّ الفَجْرَ قَدْ حَلَّ فِعْلًا، لَكِنَّ البَابَ الأَمَامِيَّ الكَبِيرَ لَمْ يَنْفَتِحْ كَمَا اِعْتَادَ.
— وَرْد: لِمَاذَا لَمْ يُفْتَحِ البَابُ؟ أَلَمْ أُنْهِ رِوَايَتِي فِي الوَقْتِ المُنَاسِبِ؟
اِبْتَسَمَ نِزَارُ اِبْتِسَامَةً غَرِيبَةً، بَيْنَ الفَخْرِ وَالحُزْنِ، وَنَظَرَ نَحْوَ البَابِ الصَّغِيرِ فِي أَقْصَى القَاعَةِ، لَا البَابِ الأَمَامِيِّ.
— نزار: أَنْهَيْتِهَا يَا وَرْدُ. لَكِنَّ هَذَا النُّزُلَ لَا يُخْرِجُ الضُّيُوفَ مِنَ البَابِ الَّذِي دَخَلُوا مِنْهُ، حِينَ يَكُونُونَ قَدْ تَغَيَّرُوا بِمَا يَكْفِي. اُنْظُرِي إِلَى البَابِ الصَّغِيرِ.
نَظَرَتْ وَرْدُ نَحْوَ البَابِ الصَّغِيرِ، الَّذِي دَخَلَ مِنْهُ كَرِيمٌ فِي بِدَايَةِ اللَّيْلَةِ، وَرَأَتْهُ يَتَوَهَّجُ بِضَوْءٍ ذَهَبِيٍّ نَاعِمٍ، بَيْنَمَا كَانَ صَوْتٌ خَافِتٌ يَتَسَرَّبُ مِنْ خَلْفِهِ، صَوْتُ اِمْرَأَةٍ تُغَنِّي بِلُغَةٍ لَمْ تَتَعَرَّفْ عَلَيْهَا وَرْدُ فِي البِدَايَةِ، ثُمَّ أَدْرَكَتْ فَجْأَةً أَنَّهَا الأَلْمَانِيَّةُ، مُمْتَزِجَةً بِكَلِمَاتٍ عَرَبِيَّةٍ، فِي أُغْنِيَةٍ لَمْ تُكْتَبْ بَعْدُ.

الفَصْلُ السَّادِسَ عَشَرَ

وَقَفَتْ وَرْدُ أَمَامَ البَابِ الصَّغِيرِ المُتَوَهِّجِ، وَنَظَرَتْ إِلَى الوُجُوهِ خَلْفَهَا، تَبْحَثُ عَنْ إِشَارَةٍ، عَنْ إِذْنٍ، عَنْ أَيِّ شَيْءٍ يُخْبِرُهَا أَنَّهَا لَا تَسِيرُ نَحْوَ خَطَإٍ آخَرَ.
— وَرْد: هَلْ يَنْبَغِي أَنْ أَدْخُلَ وَحْدِي؟
تَقَدَّمَ الحَارِسُ خُطْوَةً، وَنَظَرَ إِلَى البَابِ بِعَيْنَيْنِ لَمْ يَعُدْ فِيهِمَا ذَلِكَ القَلَقُ الَّذِي رَافَقَهُ طَوَالَ اللَّيْلَةِ، بَلْ شَيْءٌ أَقْرَبُ إِلَى السَّلَامِ.
— الحارس: كُلُّ ضَيْفٍ يَدْخُلُ وَحْدَهُ الغُرْفَةَ الَّتِي تَخُصُّهُ يَا وَرْدُ. هَذِهِ آخِرُ قَاعِدَةٍ فِي هَذَا النُّزُلِ، وَأَجْمَلُهَا: لَا أَحَدَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُجِيبَ عَنْكِ، وَلَا أَحَدَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَخْرُجَ مَعَكِ.
اِلْتَفَتَتْ وَرْدُ نَحْوَ نِزَارَ، الَّذِي اِبْتَسَمَ اِبْتِسَامَةً كَامِلَةً، خَالِيَةً مِنَ الحُزْنِ الَّذِي رَافَقَهُ طَوَالَ اللَّيْلَةِ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ.
— نزار: اِذْهَبِي يَا وَرْدُ. وَاعْلَمِي أَنَّكِ لَمْ تَأْتِي إِلَى هُنَا لِتَجِدِي إِجَابَتِي أَنَا، وَلَا إِجَابَةَ جَدِّكِ، وَلَا إِجَابَةَ أُمِّكِ. أَتَيْتِ لِتَجِدِي إِجَابَتَكِ أَنْتِ. وَقَدْ فَعَلْتِ.
نَظَرَتْ إِلَى كَرِيمٍ أَخِيرًا، وَعَلَى وَجْهِهِ اِنْتِظَارٌ صَامِتٌ، لَا يَطْلُبُ شَيْئًا، لَكِنَّهُ يَأْمَلُ.
— كريم: سَأَنْتَظِرُكِ هُنَا، مَهْمَا طَالَ الأَمْرُ.
اِبْتَسَمَتْ وَرْدُ اِبْتِسَامَةً صَغِيرَةً، وَدَفَعَتِ البَابَ الصَّغِيرَ، وَدَخَلَتْ.
لَمْ تَكُنِ الغُرْفَةُ خَلْفَ البَابِ كَمَا تَخَيَّلَتْهَا. لَمْ تَكُنْ غُرْفَةً عَلَى الإِطْلَاقِ، بَلْ فَضَاءً وَاسِعًا مَفْتُوحًا، تُحِيطُ بِهِ سَمَاءٌ لَيْلِيَّةٌ صَافِيَةٌ، مَرْصُوفَةٌ بِنُجُومٍ أَقْرَبَ مِمَّا رَأَتْهُ فِي أَيِّ سَمَاءٍ حَقِيقِيَّةٍ، وَفِي مُنْتَصَفِ ذَلِكَ الفَضَاءِ، كَانَتْ تَقِفُ اِمْرَأَةٌ تُشْبِهُهَا تَمَامًا، لَكِنَّهَا أَكْبَرُ سِنًّا بِعِشْرِينَ عَامًا عَلَى الأَقَلِّ.
— وَرْد: مَنْ… مَنْ أَنْتِ؟
اِبْتَسَمَتِ المَرْأَةُ الأَكْبَرُ سِنًّا اِبْتِسَامَةً عَرَفَتْهَا وَرْدُ فَوْرًا، لِأَنَّهَا اِبْتِسَامَتُهَا هِيَ، فِي مِرْآةٍ لَمْ تَرَهَا مِنْ قَبْلُ.
— الوردة الأكبر: أَنَا أَنْتِ، بَعْدَ عِشْرِينَ عَامًا. أَنَا الَّتِي أَنْهَتِ الرِّوَايَةَ الَّتِي كَتَبْتِهَا اللَّيْلَةَ، وَنَشَرَتْهَا، وَكَتَبَتْ بَعْدَهَا رِوَايَاتٍ أُخْرَى، تُرْجِمَتْ إِلَى لُغَاتٍ لَمْ تَكُونِي تَحْلُمِينَ بِهَا.
جَلَسَتْ وَرْدُ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ أَرْضًا، بَلْ ضَوْءًا نَاعِمًا يَحْمِلُ وَزْنَهَا دُونَ أَنْ يُقَاوِمَ.
— وَرْد: هَلْ سَأَكُونُ سَعِيدَةً؟
تَرَدَّدَتِ المَرْأَةُ الأَكْبَرُ سِنًّا لَحْظَةً، ثُمَّ جَلَسَتْ بِدَوْرِهَا أَمَامَهَا، بِصِدْقٍ لَمْ تَتَوَقَّعْهُ وَرْدُ.
— الوردة الأكبر: سَتَكُونِينَ حَقِيقِيَّةً، وَهَذَا أَهَمُّ مِنَ السَّعَادَةِ بِكَثِيرٍ. سَتَخْسَرِينَ أَشْيَاءَ، وَسَتَرْبَحِينَ أُخْرَى لَمْ تَكُونِي تَتَخَيَّلِينَهَا. سَتَتَزَوَّجِينَ رَجُلًا يَفْهَمُ كُلَّ كَلِمَةٍ تَكْتُبِينَهَا، وَسَتَفْقِدِينَ صَدِيقَةً عَزِيزَةً لِأَسْبَابٍ لَيْسَتْ خَطَأَكِ. وَسَتَعُودِينَ إِلَى دِمَشْقَ مَرَّةً وَاحِدَةً، فِي ظَرْفٍ لَمْ تَتَوَقَّعِيهِ يَوْمًا، وَسَتَبْكِينَ فِي شَوَارِعِهَا كَمَا لَمْ تَبْكِي فِي حَيَاتِكِ كُلِّهَا.
شَعَرَتْ وَرْدُ بِثِقَلٍ فِي صَدْرِهَا، وَأَرَادَتْ أَنْ تَسْأَلَ أَسْئِلَةً كَثِيرَةً دَفْعَةً وَاحِدَةً، لَكِنَّ سُؤَالًا وَاحِدًا فَقَطْ خَرَجَ مِنْ فَمِهَا.
— وَرْد: هَلْ يَسْتَحِقُّ كُلُّ هَذَا الأَلَمُ؟
مَدَّتِ المَرْأَةُ الأَكْبَرُ سِنًّا يَدَهَا، وَلَمَسَتْ خَدَّ وَرْدَ بِرِفْقٍ، بِبُرُودَةٍ خَفِيفَةٍ تُشْبِهُ لَمْسَةَ يُوسُفَ فِي المِرْآةِ، لَكِنَّهَا أَدْفَأُ بِكَثِيرٍ.
— الوردة الأكبر: لَيْسَ السُّؤَالُ هَلْ يَسْتَحِقُّ، بَلْ هَلْ سَتَخْتَارِينَهُ رَغْمَ ذَلِكَ. وَأَنَا هُنَا، بَعْدَ عِشْرِينَ عَامًا، أَخْتَارُهُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ جَدِيدٍ.
وَقَبْلَ أَنْ تَسْتَطِيعَ وَرْدُ أَنْ تَقُولَ شَيْئًا آخَرَ، بَدَأَتِ النُّجُومُ حَوْلَهُمَا تَتَحَرَّكُ، تَقْتَرِبُ، تَتَجَمَّعُ فِي شَكْلِ بَابٍ جَدِيدٍ، ذَهَبِيٍّ هَذِهِ المَرَّةَ، لَمْ تَرَ وَرْدُ مِثْلَهُ فِي أَيِّ مَكَانٍ مِنَ النُّزُلِ.
— الوردة الأكبر: هَذَا بَابُكِ يَا وَرْدُ. لَكِنْ قَبْلَ أَنْ تَعْبُرِيهِ، عَلَيَّ أَنْ أُخْبِرَكِ بِشَيْءٍ لَمْ يُخْبِرْكِ بِهِ أَحَدٌ اللَّيْلَةَ: نِزَارُ لَنْ يَخْرُجَ مِنَ هَذَا النُّزُلِ يَا وَرْدُ. لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ أَبَدًا. وَهُوَ يَعْرِفُ ذَلِكَ مُنْذُ اللَّحْظَةِ الَّتِي دَخَلْتِ فِيهَا.

الفَصْلُ السَّابِعَ عَشَرَ

— وَرْد: مَاذَا تَعْنِينَ أَنَّهُ لَنْ يَخْرُجَ؟ هُوَ نَفْسُهُ قَالَ لِي إِنَّهُ يُحَاوِرُ الضُّيُوفَ، وَيَخْرُجُ، كَمَا يَفْعَلُ الجَمِيعُ.
جَلَسَتِ المَرْأَةُ الأَكْبَرُ سِنًّا أَمَامَهَا، وَعَلَى وَجْهِهَا رِقَّةٌ لَا تُخْفِي الحَقِيقَةَ، بَلْ تُمَهِّدُ لَهَا.
— الوردة الأكبر: نِزَارُ مَاتَ فِعْلًا يَا وَرْدُ، فِي لَنْدَنَ، سَنَةَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَثَمَانِيَةٍ وَتِسْعِينَ، هَذَا صَحِيحٌ فِي عَالَمِكِ. لَكِنَّ هَذَا النُّزُلَ لَيْسَ مَكَانًا يَخْرُجُ مِنْهُ الأَمْوَاتُ إِلَى الحَيَاةِ. إِنَّهُ مَكَانٌ يَخْرُجُ مِنْهُ الأَحْيَاءُ إِلَى الحَيَاةِ، مُتَغَيِّرِينَ. الأَمْوَاتُ، أَمْثَالُ نِزَارَ وَالمُتَنَبِّي وَالخَنْسَاءِ، يَبْقَوْنَ.
شَعَرَتْ وَرْدُ بِأَلَمٍ حَادٍّ فِي صَدْرِهَا، أَعْمَقَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ شَعَرَتْ بِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ.
— وَرْد: إِذَنْ… كُلُّ مَا حَدَثَ اللَّيْلَةَ، كُلُّ مَا قَالَهُ لِي، كَانَ… وَدَاعًا؟
— الوردة الأكبر: كَانَ أَكْثَرَ مِنْ وَدَاعٍ يَا وَرْدُ. كَانَ هَدِيَّةً. الشُّعَرَاءُ الَّذِينَ يَبْقَوْنَ فِي هَذَا النُّزُلِ، لَا يَبْقَوْنَ عُقُوبَةً، بَلْ لِأَنَّهُمْ اِخْتَارُوا أَنْ يَبْقَوْا، لِيُسَاعِدُوا كُلَّ ضَيْفٍ يَأْتِي بَعْدَهُمْ عَلَى إِيجَادِ إِجَابَتِهِ. هَذَا هُوَ الخُلُودُ الحَقِيقِيُّ يَا اِبْنَتِي، لَا التِّمْثَالُ فِي السَّاحَةِ، بَلِ اليَدُ الَّتِي تُسَاعِدُ غَرِيبًا عَلَى الوُقُوفِ.
مَسَحَتْ وَرْدُ دُمُوعَهَا، وَنَظَرَتْ نَحْوَ البَابِ الذَّهَبِيِّ الَّذِي بَدَأَ يَتَّسِعُ، وَتَذَكَّرَتْ فَجْأَةً كُلَّ لَحَظَةٍ جَمَعَتْهَا بِنِزَارَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ: القَصِيدَةَ الَّتِي أَعْطَاهَا إِيَّاهَا، اِبْتِسَامَتَهُ حِينَ عَرَفَ جَدَّهَا، يَدَهُ عَلَى كَتِفِهَا حِينَ اِخْتَنَقَتْ بِالبُكَاءِ.
— وَرْد: هَلْ يُمْكِنُنِي أَنْ أُوَدِّعَهُ عَلَى الأَقَلِّ؟ وَدَاعًا حَقِيقِيًّا، لَا وَدَاعًا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّهُ وَدَاعٌ؟
اِبْتَسَمَتِ المَرْأَةُ الأَكْبَرُ سِنًّا، وَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا نَحْوَ البَابِ.
— الوردة الأكبر: اِذْهَبِي. لَنْ يَكُونَ لَدَيْكِ وَقْتٌ طَوِيلٌ، لَكِنَّهُ سَيَكْفِي.
عَبَرَتْ وَرْدُ البَابَ الذَّهَبِيَّ، وَوَجَدَتْ نَفْسَهَا فَجْأَةً فِي القَاعَةِ السُّفْلَى مِنْ جَدِيدٍ، حَيْثُ كَانَ الجَمِيعُ لَا يَزَالُونَ وَاقِفِينَ فِي أَمَاكِنِهِمْ، وَكَأَنَّ الزَّمَنَ لَمْ يَتَحَرَّكْ خِلَالَ غِيَابِهَا.
رَكَضَتْ نَحْوَ نِزَارَ، وَاحْتَضَنَتْهُ بِقُوَّةٍ، دُونَ أَنْ تَقُولَ شَيْئًا، بَيْنَمَا نَظَرَ الجَمِيعُ إِلَيْهِمَا بِصَمْتٍ مَهِيبٍ، وَقَدْ فَهِمُوا بِطَرِيقَتِهِمُ الخَاصَّةِ مَا حَدَثَ.
— نزار: عَرَفْتِ إِذَنْ.
— وَرْد: لِمَاذَا لَمْ تُخْبِرْنِي بِنَفْسِكَ؟
— نزار: لِأَنِّي أَرَدْتُ أَنْ تَعْرِفِينِي كَرَجُلٍ يَتَكَلَّمُ عَنِ الحُبِّ وَالحَيَاةِ، لَا كَشَبَحٍ يَبْكِي عَلَى مَوْتِهِ. أَرَدْتُ أَنْ تَتَذَكَّرِينِي هَكَذَا: أَتَكَلَّمُ، وَأَضْحَكُ، وَأُخْطِئُ، وَأَعْتَذِرُ، لَا مُجَرَّدَ اِسْمٍ عَلَى غِلَافِ كِتَابٍ.
نَظَرَ إِلَيْهَا طَوِيلًا، ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ جَيْبِ مِعْطَفِهِ وَرَقَةً أَخِيرَةً، أَصْغَرَ مِنْ كُلِّ الأَوْرَاقِ الَّتِي رَأَتْهَا وَرْدُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ.
— نزار: هَذِهِ لَيْسَتْ قَصِيدَةً يَا وَرْدُ. هَذَا عُنْوَانٌ فَقَطْ. عُنْوَانُ الرِّوَايَةِ الَّتِي كَتَبْتِهَا اللَّيْلَةَ، لَمْ أَخْتَرْهُ أَنَا، بَلْ أَنْتِ، فِي سَطْرٍ كَتَبْتِهِ وَنَسِيتِهِ. اِقْرَئِيهِ حِينَ تُنَشِّرِينَهَا.
أَخَذَتْ وَرْدُ الوَرَقَةَ، وَوَضَعَتْهَا فِي جَيْبِهَا دُونَ أَنْ تَفْتَحَهَا، خَوْفًا مِنْ أَنْ تَنْهَارَ إِنْ قَرَأَتْهَا الآنَ.
وَبَيْنَمَا كَانَ الوَدَاعُ يَقْتَرِبُ مِنَ نِهَايَتِهِ، تَقَدَّمَتْ رِيمُ، وَالخَنْسَاءُ، وَمَحْمُودُ، وَأَبُو العَلَاءِ، وَالمُتَنَبِّي، وَأَبُو نُوَاسٍ، وَأَبُو تَمَّامٍ، كُلٌّ يُوَدِّعُ وَرْدَ بِطَرِيقَتِهِ: كَلِمَةٌ، نَظْرَةٌ، لَمْسَةُ يَدٍ.
— أبو العلاء: اُكْتُبِي كَمَا لَوْ كُنْتِ تَتَكَلَّمِينَ إِلَى صَدِيقٍ أَعْمَى يَا وَرْدُ. اِشْرَحِي لَهُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلَا تَظُنِّي أَنَّهُ يَرَى مَا تَرَيْنَ.
وَأَخِيرًا، اِقْتَرَبَتِ الحَارِسُ — أَوْ يُوسُفُ، جَدُّهَا — مِنْهَا، وَعَلَى وَجْهِهِ حُزْنٌ مُخْتَلِفٌ، لِأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّهُ هُوَ الآخَرُ لَنْ يُرَافِقَهَا خَارِجَ هَذَا البَابِ.
— الحارس (يوسف): سَأَبْقَى هُنَا يَا وَرْدُ، مَعَ نِزَارَ وَالبَاقِينَ، لِأَنَّ هَذَا هُوَ اِخْتِيَارِي الآنَ، لَا عُقُوبَتِي. لَكِنِّي أُرِيدُكِ أَنْ تَفْعَلِي شَيْئًا وَاحِدًا مِنْ أَجْلِي، إِنْ اِسْتَطَعْتِ: أَخْبِرِي أُمَّكِ — سَلْمَى — كُلَّمَا فَكَّرْتِ فِيهَا، أَنِّي كُنْتُ أُحِبُّهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَظْهَرْتُ يَوْمًا.

الفَصْلُ الثَّامِنَ عَشَرَ

فُتِحَ البَابُ الأَمَامِيُّ الكَبِيرُ أَخِيرًا، بِلَا صَوْتٍ، وَلَا رِيَاحٍ، وَلَا دَرَامَا، كَمَنْ يَنْتَهِي مِنْ حِكَايَةٍ طَوِيلَةٍ بِجُمْلَةٍ بَسِيطَةٍ.
وَقَفَ الجَمِيعُ يُشَاهِدُونَ الضَّوْءَ الحَقِيقِيَّ يَتَسَلَّلُ مِنَ الخَارِجِ، ضَوْءَ فَجْرٍ عَادِيٍّ، عَلَى جَبَلٍ عَادِيٍّ، فِي طَرِيقٍ بَيْنَ بَاكِنَانْغَ وَقَرْيَةٍ لَا تَزَالُ وَرْدُ لَا تَتَذَكَّرُ اسْمَهَا.
— الحارس (يوسف): هَذَا وَقْتُكِ يَا وَرْدُ. اِذْهَبِي، قَبْلَ أَنْ يَتَغَيَّرَ رَأْيُ البَابِ.
اِلْتَفَتَتْ وَرْدُ نَحْوَ كَرِيمٍ، الَّذِي كَانَ وَاقِفًا قُرْبَ البَابِ، يَنْتَظِرُهَا، كَمَا وَعَدَ.
— كريم: هَلْ سَتَخْرُجِينَ؟
— وَرْد: سَنَخْرُجُ. مَعًا.
خَرَجَا مِنَ البَابِ مَعًا، وَشَعَرَتْ وَرْدُ بِهَوَاءِ الصَّبَاحِ البَارِدِ يَلْمَسُ وَجْهَهَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ سَاعَاتٍ طَوِيلَةٍ، وَاِلْتَفَتَتْ خَلْفَهَا لِتَرَى النُّزُلَ لِلْمَرَّةِ الأَخِيرَةِ.
لَمْ يَكُنِ النُّزُلُ كَمَا رَأَتْهُ عِنْدَ وُصُولِهَا: بِنَايَةً حَجَرِيَّةً ضَخْمَةً بِنَافِذَتَيْنِ مُضَاءَتَيْنِ. كَانَ الآنَ أَطْلَالًا قَدِيمَةً مُتَهَالِكَةً، مُغَطَّاةً بِاليَاسَمِينِ البَرِّيِّ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَأْهُولًا مُنْذُ عُقُودٍ.
— وَرْد: كَيْفَ… كَيْفَ يَبْدُو مَهْجُورًا هَكَذَا الآنَ؟
اِبْتَسَمَ كَرِيمٌ، وَأَمْسَكَ يَدَهَا بِرِفْقٍ، لِلْمَرَّةِ الأُولَى تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِلَا تَرَدُّدٍ مِنْ أَيٍّ مِنْهُمَا.
— كريم: لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ إِلَّا لِمَنْ يَحْمِلُ سُؤَالًا. الآنَ، وَقَدْ حَمَلْتِ إِجَابَتَكِ، لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَتَظَاهَرَ أَمَامَكِ بِشَيْءٍ.
سَارَا مَعًا نَحْوَ السَّيَّارَةِ الَّتِي تَرَكَتْهَا وَرْدُ عِنْدَ المُنْعَطَفِ، وَعَلَى الطَّرِيقِ، أَخْرَجَتْ وَرْدُ الوَرَقَةَ الصَّغِيرَةَ الَّتِي أَعْطَاهَا إِيَّاهَا نِزَارُ، وَفَتَحَتْهَا أَخِيرًا، بِيَدٍ لَمْ تَعُدْ تَرْتَجِفُ.
«مِرْآةُ الضُّيُوف»
اِبْتَسَمَتْ وَرْدُ اِبْتِسَامَةً وَاسِعَةً، بَيْنَ الدُّمُوعِ وَالضَّحِكِ، وَأَدْرَكَتْ أَنَّ العُنْوَانَ الَّذِي كَتَبَتْهُ دُونَ وَعْيٍ فِي مَكَانٍ مَا مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، كَانَ يَصِفُ اللَّيْلَةَ نَفْسَهَا، لَا رِوَايَتَهَا القَدِيمَةَ فَقَطْ.
— كريم: مَاذَا كُتِبَ؟
— وَرْد: عُنْوَانُ رِوَايَتِي القَادِمَةِ. لَكِنَّهُ أَيْضًا… اِسْمُ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، أَظُنُّ.
رَكِبَا السَّيَّارَةَ، وَقَبْلَ أَنْ تُدِيرَ وَرْدُ المُحَرِّكَ، أَخْرَجَتْ دَفْتَرَهَا الصَّغِيرَ مَرَّةً أَخِيرَةً، وَكَتَبَتْ عَلَى غِلَافِهِ الدَّاخِلِيِّ سَطْرًا وَاحِدًا، لَا لِل هَذِهِ المَرَّةَ، بَلْ لِنَفْسِهَا.
«لِكُلِّ إِنْسَانٍ نُزُلٌ يَنْتَظِرُهُ، وَسُؤَالٌ لَا يُشْبِهُ أَيَّ سُؤَالٍ آخَرَ. وَالشَّجَاعَةُ الوَحِيدَةُ الَّتِي تُهِمُّ، هِيَ أَنْ نَدْخُلَ البَابَ حِينَ يُفْتَحُ، لَا أَنْ نَنْتَظِرَ أَمَامَهُ إِلَى الأَبَدِ.»
أَدَارَتِ المُحَرِّكَ، وَنَظَرَتْ نَحْوَ كَرِيمٍ الجَالِسِ إِلَى جِوَارِهَا، ثُمَّ نَحْوَ الطَّرِيقِ المُمْتَدِّ أَمَامَهَا، تَحْتَ سَمَاءِ صَبَاحٍ صَافِيَةٍ لَمْ تَرَ مِثْلَهَا مِنْ قَبْلُ.
(نِهَايَةُ القِسْمِ الأَوَّلِ)

الفَصْلُ التَّاسِعَ عَشَرَ

مَرَّتْ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ عَلَى تِلْكَ اللَّيْلَةِ.
وَكَانَتْ وَرْدُ، فِي شَقَّتِهَا الصَّغِيرَةِ فِي بَاكِنَانْغَ، قَدْ أَنْهَتْ رِوَايَتَهَا وَأَرْسَلَتْهَا إِلَى دَارِ نَشْرٍ، وَعَادَتْ إِلَى عَمَلِهَا فِي المَجَلَّةِ، لَكِنَّ شَيْئًا فِي دَاخِلِهَا لَمْ يَعُدْ كَمَا كَانَ.
كَانَتْ تَكْتُبُ الآنَ عَنِ الأَدَبِ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا، وَكَأَنَّهَا تَعْرِفُ أَصْحَابَ الدَّوَاوِينِ القَدِيمَةِ مَعْرِفَةً شَخْصِيَّةً، لَا مَعْرِفَةَ الكُتُبِ.
— كريم: عَادَتْ صُحُفِيَّتِي المُفَضَّلَةُ إِلَى العَمَلِ إِذَنْ.
كَانَ كَرِيمٌ يَجْلِسُ مُقَابِلَهَا فِي المَقْهَى الصَّغِيرِ الَّذِي اِعْتَادَا الِالتِقَاءَ فِيهِ كُلَّ يَوْمِ خَمِيسٍ، مُنْذُ أَنْ قَرَّرَا أَنْ يَمْنَحَا مَا حَدَثَ بَيْنَهُمَا فُرْصَةً، بِبُطْءٍ، دُونَ أَنْ يُسَمِّيَاهُ بَعْدُ.
— وَرْد: أُفَكِّرُ فِي كِتَابَةِ سِلْسِلَةِ مَقَالَاتٍ عَنِ الأَدَبَاءِ الَّذِينَ يُظْلَمُونَ فِي الذَّاكِرَةِ الشَّعْبِيَّةِ. لَيْسَ نِزَارَ فَقَطْ. أَحْمَدَ شَوْقِي، جُبْرَانَ، السَّيَّابَ، أَدُونِيسَ… أَشْعُرُ أَنَّ عَلَيَّ دَيْنًا لَهُمْ جَمِيعًا.
اِبْتَسَمَ كَرِيمٌ اِبْتِسَامَةً غَرِيبَةً، اِبْتِسَامَةَ مَنْ يَعْرِفُ سِرًّا لَا يُرِيدُ أَنْ يُفْسِدَ الدَّهْشَةَ بِإِفْشَائِهِ.
— كريم: رُبَّمَا عَلَيْكِ أَنْ تَسْأَلِيهِمْ بِنَفْسِكِ.
— وَرْد: مَاذَا تَقْصِدُ؟
لَمْ يُجِبْ كَرِيمٌ، بَلْ أَخْرَجَ مِنْ حَقِيبَتِهِ صَحِيفَةً مَحَلِّيَّةً صَغِيرَةً، وَفَتَحَهَا عَلَى صَفْحَةٍ دَاخِلِيَّةٍ، وَأَشَارَ إِلَى صُورَةٍ لِبِنَايَةٍ حَجَرِيَّةٍ قَدِيمَةٍ، رَمَّمَهَا حَدِيثًا مُسْتَثْمِرٌ مَجْهُولٌ، عَلَى طَرِيقٍ جَبَلِيٍّ بَيْنَ بَاكِنَانْغَ وَقَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ.
تَجَمَّدَتْ وَرْدُ وَهِيَ تُحَدِّقُ فِي الصُّورَةِ، فَقَدْ عَرَفَتِ البِنَايَةَ فَوْرًا، رَغْمَ كُلِّ التَّرْمِيمِ الَّذِي طَرَأَ عَلَيْهَا.
— وَرْد: هَذَا… هَذَا مُسْتَحِيلٌ. قُلْتَ إِنَّهُ لَا يَظْهَرُ إِلَّا لِمَنْ يَحْمِلُ سُؤَالًا.
— كريم: رُبَّمَا لِأَنَّكِ لَا تَزَالِينَ تَحْمِلِينَ أَسْئِلَةً يَا وَرْدُ. لَيْسَ لِنَفْسِكِ هَذِهِ المَرَّةَ، بَلْ لِكُلِّ الأَدَبَاءِ الَّذِينَ تُرِيدِينَ الكِتَابَةَ عَنْهُمْ.
طَوَتِ الجَرِيدَةَ، وَنَظَرَتْ إِلَى عَيْنَيْ كَرِيمٍ طَوِيلًا.
— وَرْد: هَلْ سَتَأْتِي مَعِي هَذِهِ المَرَّةَ؟
— كريم: لَنْ أَتْرُكَكِ تَذْهَبِينَ وَحْدَكِ إِلَى هُنَاكَ مَرَّةً أُخْرَى، مَهْمَا حَاوَلْتِ.
فِي المَسَاءِ نَفْسِهِ، قَادَا السَّيَّارَةَ عَلَى الطَّرِيقِ الجَبَلِيِّ ذَاتِهِ، وَهَذِهِ المَرَّةَ، لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَطَرٌ، بَلْ سَمَاءٌ صَافِيَةٌ مَرْصُوفَةٌ بِنُجُومٍ، وَقَمَرٌ كَامِلٌ يُضِيءُ الطَّرِيقَ أَمَامَهُمَا.
ظَهَرَ النُّزُلُ عِنْدَ المُنْعَطَفِ نَفْسِهِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ أَطْلَالًا هَذِهِ المَرَّةَ، بَلْ بِنَايَةً مُتَأَلِّقَةً، تُضِيءُ نَوَافِذُهَا بِدِفْءٍ يُشْبِهُ التَّرْحِيبَ لَا الغُمُوضَ.
عِنْدَ البَابِ، كَانَ يَنْتَظِرُ رَجُلٌ لَمْ تَتَعَرَّفْ عَلَيْهِ وَرْدُ فِي البِدَايَةِ، شَابٌّ فِي مُنْتَصَفِ الثَّلَاثِينَاتِ، أَنِيقٌ بِطَرِيقَةٍ تَعُودُ إِلَى مَطْلَعِ القَرْنِ العِشْرِينَ، بِشَارِبٍ مُهَذَّبٍ وَنَظَّارَةٍ صَغِيرَةٍ.
— الرجل عند الباب: أَهْلًا بِكِ مِنْ جَدِيدٍ يَا وَرْدُ. سَمِعْتُ أَنَّكِ تَبْحَثِينَ عَنِ «أَمِيرِ الشُّعَرَاءِ» اللَّيْلَةَ. لَكِنِّي أُحَذِّرُكِ: هُوَ لَا يُحِبُّ هَذَا اللَّقَبَ بِقَدْرِ مَا يَظُنُّ النَّاسُ.

الفَصْلُ العِشْرُونَ

دَخَلَتْ وَرْدُ وَكَرِيمٌ القَاعَةَ، الَّتِي بَدَتْ هَذِهِ المَرَّةَ أَكْثَرَ دِفْئًا مِنْ ذَاكِرَتِهَا، بِمَوْقِدَةٍ مُشْتَعِلَةٍ وَرَائِحَةِ قَهْوَةٍ عَرَبِيَّةٍ تَمْلَأُ المَكَانَ بَدَلَ رَائِحَةِ اليَاسَمِينِ القَدِيمَةِ.
عِنْدَ المَوْقِدَةِ، كَانَ يَجْلِسُ رَجُلَانِ: الأَوَّلُ أَنِيقٌ بِبِزَّةٍ غَرْبِيَّةٍ وَطَرْبُوشٍ أَحْمَرَ، وَالثَّانِي أَبْسَطُ مَظْهَرًا، بِعِمَامَةٍ صَغِيرَةٍ وَعَبَاءَةٍ بَسِيطَةٍ، وَبَيْنَهُمَا رُقْعَةُ شِطْرَنْجٍ لَمْ تَتَحَرَّكْ قِطَعُهَا مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ عَلَى مَا يَبْدُو.
— الحارس الجديد: أَحْمَدُ شَوْقِي، وَحَافِظُ إِبْرَاهِيمَ. صَدِيقَانِ وَخَصْمَانِ فِي آنٍ، مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ قَرْنٍ.
رَفَعَ الرَّجُلُ ذُو الطَّرْبُوشِ رَأْسَهُ، وَاِبْتَسَمَ اِبْتِسَامَةً وَاسِعَةً، لَكِنَّهَا لَمْ تَخْلُ مِنْ تَعَبٍ قَدِيمٍ.
— أحمد شوقي: أَهْلًا بِكِ يَا وَرْدُ. سَمِعْتُ أَنَّكِ تُرِيدِينَ الكِتَابَةَ عَنِ «أَمِيرِ الشُّعَرَاءِ». دَعِينِي أُخْبِرُكِ سِرًّا: لَمْ أَخْتَرْ هَذَا اللَّقَبَ. مَنَحَنِي إِيَّاهُ الشُّعَرَاءُ أَنْفُسُهُمْ فِي حَفْلٍ كَبِيرٍ، وَظَنَنْتُ يَوْمَهَا أَنَّهُ أَجْمَلُ يَوْمٍ فِي حَيَاتِي. لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّ التَّاجَ، بَعْدَ الاِحْتِفَالِ، يُصْبِحُ قَفَصًا ذَهَبِيًّا.
ضَحِكَ حَافِظُ إِبْرَاهِيمَ ضَحْكَةً خَفِيفَةً، وَنَقَلَ قِطْعَةً وَاحِدَةً عَلَى رُقْعَةِ الشِّطْرَنْجِ، وَكَأَنَّهُمَا يُكْمِلَانِ لَعِبَةً بَدَأَتْ قَبْلَ قَرْنٍ.
— حافظ إبراهيم: وَأَنَا، مِنْ نَاحِيَتِي، لَمْ أُمْنَحْ لَقَبَ «شَاعِرِ النِّيلِ» إِلَّا بَعْدَ أَنْ ظَلِلْتُ عُمْرِي كُلَّهُ أَكْتُبُ لِلْفُقَرَاءِ، بَيْنَمَا الأَمِيرُ هُنَا يَكْتُبُ لِلْقُصُورِ. وَمَعَ ذَلِكَ، أَحَبَّنِي البَاعَةُ وَالفَلَّاحُونَ أَكْثَرَ مِمَّا أَحَبَّهُ الأُمَرَاءُ الَّذِينَ كَتَبَ لَهُمْ.
جَلَسَتْ وَرْدُ عَلَى كُرْسِيٍّ قَرِيبٍ، وَأَخْرَجَتْ دَفْتَرَهَا، بَيْنَمَا جَلَسَ كَرِيمٌ إِلَى جِوَارِهَا، يُرَاقِبُ المَشْهَدَ بِاهْتِمَامٍ صَحَفِيٍّ لَمْ يَفْقِدْهُ رَغْمَ كُلِّ مَا حَدَثَ.
— وَرْد: هَلْ كَانَ بَيْنَكُمَا خِصَامٌ حَقِيقِيٌّ إِذَنْ؟ التَّارِيخُ يَتَحَدَّثُ عَنْ مُنَافَسَةٍ شَدِيدَةٍ بَيْنَكُمَا.
— أحمد شوقي: خِصَامٌ؟ لَا يَا اِبْنَتِي. كَانَ حُبًّا يَتَخَفَّى فِي زِيِّ الخِصَامِ، كَمَا يَفْعَلُ كَثِيرٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ. كُنَّا نَتَبَارَى، لَكِنَّنَا كُنَّا نَعْرِفُ أَنَّ عَدُوَّنَا الحَقِيقِيَّ لَيْسَ بَعْضُنَا البَعْضَ، بَلِ الاِسْتِعْمَارُ الَّذِي كَانَ يُصَادِرُ قَصَائِدَنَا، وَيَنْفِي مَنْ يَشَاءُ مِنَّا مَتَى شَاءَ.
تَغَيَّرَ صَوْتُهُ فَجْأَةً، وَنَظَرَ إِلَى مَكَانٍ بَعِيدٍ فِي القَاعَةِ، وَكَأَنَّهُ يَرَى مَنْفَاهُ فِي الأَنْدَلُسِ مَرَّةً أُخْرَى.
— أحمد شوقي: نُفِيتُ سِتَّ سَنَوَاتٍ يَا وَرْدُ، بَعِيدًا عَنْ مِصْرَ، لِأَنِّي كَتَبْتُ مَا لَمْ يُعْجِبِ الإِنْجْلِيزَ. وَفِي كُلِّ تِلْكَ السَّنَوَاتِ، لَمْ أَشْتَقْ إِلَى القُصُورِ الَّتِي كَتَبْتُ فِيهَا، بَلْ إِلَى صَوْتِ بَائِعِ الفُولِ تَحْتَ نَافِذَتِي فِي القَاهِرَةِ.
اِقْتَرَبَتِ الدَّمْعَةُ مِنْ عَيْنَيْ وَرْدَ، وَتَذَكَّرَتْ فَجْأَةً غُرْبَتَهَا هِيَ، فِي بَلَدٍ لَيْسَ بَلَدَهَا، تَكْتُبُ بِلُغَةٍ تَحِنُّ فِيهَا إِلَى لُغَةٍ أُخْرَى.
— وَرْد: هَلْ تَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّقَبَ اسْتَحَقَّ كُلَّ هَذَا الثَّمَنِ؟
نَظَرَ أَحْمَدُ شَوْقِي إِلَى حَافِظٍ، وَتَبَادَلَا نَظْرَةً طَوِيلَةً، مَلِيئَةً بِتَارِيخٍ لَنْ تَعْرِفَهُ وَرْدُ كَامِلًا مَهْمَا سَأَلَتْ.
— حافظ إبراهيم: الأَلْقَابُ يَا وَرْدُ لَا يَخْتَارُهَا أَصْحَابُهَا أَبَدًا، بَلْ يَخْتَارُهَا مَنْ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَسْمِيَةِ شَيْءٍ أَكْبَرَ مِنْهُمْ. وَالسُّؤَالُ الحَقِيقِيُّ لَيْسَ هَلِ اسْتَحَقَّ اللَّقَبَ، بَلْ هَلِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَبْقَى إِنْسَانًا تَحْتَهُ.
وَبَيْنَمَا كَانَتْ وَرْدُ تُدَوِّنُ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِسُرْعَةٍ، سَمِعُوا صَوْتَ بَابٍ يُفْتَحُ فِي الطَّابَقِ العُلْوِيِّ، وَخُطُوَاتٍ نِسَائِيَّةً تَهْبِطُ الدَّرَجَ الحَجَرِيَّ، بِإِيقَاعٍ سَرِيعٍ وَحَازِمٍ، يَخْتَلِفُ تَمَامًا عَنْ إِيقَاعِ أَيِّ ضَيْفٍ سَابِقٍ.
— الحارس الجديد: لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُهَا اللَّيْلَةَ. يَبْدُو أَنَّ نَازِكَ المَلَائِكَةِ قَرَّرَتْ أَنْ تَنْضَمَّ إِلَيْنَا قَبْلَ أَوَانِهَا، وَهِيَ لَا تَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا حِينَ تَشُمُّ فِي الهَوَاءِ نِقَاشًا عَنِ الشِّعْرِ العَمُودِيِّ تُرِيدُ أَنْ تُفَجِّرَهُ مِنَ الأَسَاسِ.

الفَصْلُ الحَادِي وَالعِشْرُونَ

دَخَلَتِ اِمْرَأَةٌ أَنِيقَةٌ، بِنَظَّارَةٍ سَمِيكَةٍ وَابْتِسَامَةٍ حَازِمَةٍ، تَحْمِلُ أَوْرَاقًا كَثِيرَةً تَحْتَ إِبْطِهَا، وَكَأَنَّهَا قَادِمَةٌ لِتُلْقِيَ مُحَاضَرَةً لَا لِتُشَارِكَ فِي سَهْرَةٍ.
— نازك الملائكة: أَعْتَذِرُ عَنِ التَّطَفُّلِ، لَكِنِّي سَمِعْتُ اِسْمَ «الشِّعْرِ العَمُودِيِّ» يُذْكَرُ بِإِعْجَابٍ زَائِدٍ فِي هَذِهِ القَاعَةِ، وَلَمْ أَسْتَطِعِ البَقَاءَ فِي غُرْفَتِي.
اِبْتَسَمَ أَحْمَدُ شَوْقِي اِبْتِسَامَةً وَدِّيَّةً، وَأَشَارَ إِلَى كُرْسِيٍّ فَارِغٍ قُرْبَهُ.
— أحمد شوقي: أَهْلًا بِكِ يَا نَازِكُ. لَمْ نَكُنْ نَقْصِدُ اِسْتِفْزَازَكِ. كُنَّا نَتَحَدَّثُ عَنِ الأَلْقَابِ، لَا عَنِ الأَوْزَانِ.
— نازك الملائكة: الأَلْقَابُ وَالأَوْزَانُ وَجْهَانِ لِعُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ يَا أُسْتَاذُ شَوْقِي. كِلَاهُمَا قُيُودٌ وَرِثْنَاهَا دُونَ أَنْ نَسْأَلَ أَنْفُسَنَا: هَلْ لَا تَزَالُ تَلِيقُ بِنَا؟
جَلَسَتْ وَرْدُ مُنْتَبِهَةً، وَأَدْرَكَتْ أَنَّهَا تَشْهَدُ لَحْظَةً تَارِيخِيَّةً حَقِيقِيَّةً، وَلَوْ بِنُسْخَتِهَا الخَيَالِيَّةِ فِي هَذَا النُّزُلِ الغَرِيبِ.
— وَرْد: هَلْ كَانَ الأَمْرُ صَعْبًا حَقًّا، أَنْ تَكُونِي المَرْأَةَ الَّتِي كَسَرَتْ قَاعِدَةً اِسْتَمَرَّتْ خَمْسَةَ عَشَرَ قَرْنًا؟
نَظَرَتْ نَازِكُ إِلَيْهَا نَظْرَةً طَوِيلَةً، وَوَضَعَتْ أَوْرَاقَهَا عَلَى المِنَضَدَةِ بِعِنَايَةٍ، وَكَأَنَّهَا لَا تَزَالُ تَخَافُ أَنْ تَضِيعَ.
— نازك الملائكة: لَمْ أَقْصِدْ أَنْ أَكْسِرَ شَيْئًا يَا وَرْدُ. أَرَدْتُ فَقَطْ أَنْ أَكْتُبَ مَا يَشْبِهُ صَوْتِي الدَّاخِلِيَّ، لَا صَوْتَ القَصِيدَةِ الَّتِي وَرِثْتُهَا. وَحِينَ نَشَرْتُ أَوَّلَ قَصِيدَةٍ حُرَّةٍ، اِتَّهَمَنِي البَعْضُ بِأَنِّي أُفْسِدُ اللُّغَةَ، وَاِتَّهَمَنِي آخَرُونَ بِأَنِّي أَسْرِقُ فَضْلَ رِيَادَةِ التَّجْدِيدِ مِنْ رِجَالٍ.
تَقَدَّمَ رَجُلٌ شَابٌّ مِنَ الظِّلِّ، لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا قَبْلَ لَحْظَاتٍ، بِمَلَامِحَ مُتْعَبَةٍ وَعَيْنَيْنِ حَادَّتَيْنِ تَحْمِلَانِ حُمَّى المَرَضِ وَحُمَّى الشِّعْرِ مَعًا.
— بدر شاكر السياب: وَبَعْضُهُمُ اِتَّهَمَنِي أَنَا بِالشَّيْءِ نَفْسِهِ يَا نَازِكُ، رَغْمَ أَنَّنَا كُنَّا نَكْتُبُ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ تَقْرِيبًا، بِلَا اِتِّفَاقٍ مُسْبَقٍ، وَكَأَنَّ العِرَاقَ نَفْسَهُ قَرَّرَ أَنْ يُنْجِبَ ثَوْرَتَيْنِ فِي آنٍ.
جَلَسَ السَّيَّابُ، وَعَلَى وَجْهِهِ شُحُوبٌ لَمْ تَتَعَرَّفْ عَلَيْهِ وَرْدُ فِي البِدَايَةِ، حَتَّى تَذَكَّرَتْ مَرَضَهُ الطَّوِيلَ، وَمَوْتَهُ المُبَكِّرَ.
— وَرْد: هَلْ كُنْتُمَا صَدِيقَيْنِ حَقًّا، أَمْ كَانَتِ المُنَافَسَةُ عَلَى «الرِّيَادَةِ» أَقْوَى مِنْ أَيِّ صَدَاقَةٍ؟
— نازك الملائكة: كُنَّا صَوْتَيْنِ فِي عَاصِفَةٍ وَاحِدَةٍ يَا وَرْدُ. الرِّيَادَةُ سُؤَالٌ يَطْرَحُهُ النُّقَّادُ لِيَمْلَؤُوا كُتُبَهُمْ، لَا سُؤَالٌ طَرَحْنَاهُ نَحْنُ عَلَى أَنْفُسِنَا وَنَحْنُ نَكْتُبُ فِي غُرْفَتَيْنِ مُنْفَصِلَتَيْنِ، فِي بَلَدَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ حِينًا، نُحَاوِلُ فَقَطْ أَنْ نَقُولَ الحَقِيقَةَ بِلُغَةٍ تُشْبِهُنَا.
— بدر شاكر السياب: وَأَنَا أَقُولُ لَكِ سِرًّا يَا وَرْدُ: كُنْتُ أَغَارُ مِنْ نَازِكَ أَحْيَانًا، لَا لِأَنَّهَا سَبَقَتْنِي، بَلْ لِأَنَّهَا كَتَبَتْ عَنِ التَّجْدِيدِ بِعَقْلٍ بَارِدٍ وَمَنْهَجٍ وَاضِحٍ، بَيْنَمَا كُنْتُ أَنَا أَكْتُبُ وَأَنَا أَحْتَرِقُ، بِلَا نَظَرِيَّةٍ، فَقَطْ بِأَلَمٍ لَمْ يَتْرُكْنِي يَوْمًا.
شَعَرَتْ وَرْدُ بِرَغْبَةٍ فِي البُكَاءِ، وَتَذَكَّرَتْ فَجْأَةً أَنَّ كِلَيْهِمَا مَاتَ صَغِيرًا نِسْبِيًّا، السَّيَّابُ بِمَرَضِهِ، وَنَازِكُ فِي عُزْلَةٍ اِخْتَارَتْهَا فِي أَوَاخِرِ حَيَاتِهَا، بَعِيدًا عَنِ المَشْهَدِ الَّذِي غَيَّرَتْهُ.
— وَرْد: هَلْ نَدِمْتِ يَوْمًا يَا نَازِكُ، عَلَى العُزْلَةِ الَّتِي اِخْتَرْتِهَا فِي آخِرِ حَيَاتِكِ؟
تَرَدَّدَتْ نَازِكُ لِلَحْظَةٍ، وَهِيَ حَرَكَةٌ لَمْ تَرَهَا وَرْدُ مِنْهَا طَوَالَ اللَّيْلَةِ.
— نازك الملائكة: لَمْ أَنْدَمْ عَلَى العُزْلَةِ نَفْسِهَا، لَكِنِّي نَدِمْتُ أَحْيَانًا عَلَى أَنِّي تَرَكْتُ الجِيلَ الجَدِيدَ يَظُنُّ أَنَّ الثَّوْرَةَ اِنْتَهَتْ بِانْتِهَاءِ جِيلِي. الثَّوْرَاتُ يَا وَرْدُ لَا تَنْتَهِي، وَإِنَّمَا يَنْتَهِي مَنْ يَظُنُّ نَفْسَهُ آخِرَ الثُّوَّارِ.
وَبَيْنَمَا كَانَتْ وَرْدُ تُدَوِّنُ هَذِهِ الجُمْلَةَ الأَخِيرَةَ بِخَطٍّ كَبِيرٍ، شَعَرَتْ بِرَجَّةٍ خَفِيفَةٍ فِي أَرْضِيَّةِ القَاعَةِ، وَاِرْتَجَّتِ الكُؤُوسُ عَلَى المِنَضَدَةِ.
— الحارس الجديد: هَذَا لَمْ يَحْدُثْ مِنْ قَبْلُ فِي وُجُودِي. أَظُنُّ أَنَّ ضَيْفًا وَصَلَ اللَّيْلَةَ دُونَ أَنْ يُطْرَقَ البَابُ، وَهَذَا لَا يَحْدُثُ إِلَّا حِينَ يَكُونُ الضَّيْفُ… غَاضِبًا جِدًّا.

الفَصْلُ الثَّانِي وَالعِشْرُونَ

اِنْفَتَحَ بَابُ القَاعَةِ بِعُنْفٍ، دُونَ أَنْ يُطْرَقَ، وَدَخَلَ رَجُلٌ نَحِيلٌ، بِعَيْنَيْنِ حَالِمَتَيْنِ لَكِنَّهُمَا الآنَ تَحْمِلَانِ غَضَبًا لَمْ تَعْهَدْهُ وَرْدُ فِي أَيِّ صُورَةٍ رَأَتْهَا لَهُ.
— جبران خليل جبران: أَيْنَ هُوَ؟ أَيْنَ الَّذِي حَوَّلَ «النَّبِيَّ» إِلَى عِبَارَاتٍ تُكْتَبُ عَلَى صُوَرِ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَتُنْشَرُ بِلَا اِسْمِي حَتَّى، كَأَنِّي لَمْ أُوجَدْ؟
وَقَفَ الحَارِسُ الجَدِيدُ مُرْتَبِكًا، وَحَاوَلَ أَنْ يُهَدِّئَ الضَّيْفَ الغَاضِبَ، لَكِنَّ جُبْرَانَ لَمْ يَكُنْ فِي مِزَاجٍ يَسْمَحُ بِالهُدُوءِ.
— الحارس الجديد: لَا أَحَدَ هُنَا فَعَلَ ذَلِكَ يَا أُسْتَاذُ جُبْرَانُ. هَذِهِ قَاعَةُ ضُيُوفٍ، لَا سُوقُ اِقْتِبَاسَاتٍ.
جَلَسَ جُبْرَانُ أَخِيرًا، بَعْدَ أَنْ لَاحَظَ وُجُودَ وَرْدَ وَكَرِيمٍ، وَاِنْحَنَى قَلِيلًا فِي اِعْتِذَارٍ صَامِتٍ عَنِ اِقْتِحَامِهِ.
— جبران خليل جبران: اُعْذَرِينِي يَا سَيِّدَتِي. لَكِنَّنِي كَتَبْتُ «النَّبِيَّ» بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ الأَلَمِ وَالغُرْبَةِ وَالبَحْثِ، وَاليَوْمَ يُقْتَطَعُ مِنْهُ سَطْرٌ وَاحِدٌ، يُنْزَعُ مِنْ سِيَاقِهِ، وَيُلْصَقُ عَلَى صُورَةِ بَحْرٍ، وَكَأَنَّ الحِكْمَةَ زَخْرَفَةٌ لِلْبَصَرِ لَا غِذَاءٌ لِلْعَقْلِ.
— وَرْد: أَتَفَهَّمُ غَضَبَكَ يَا أُسْتَاذُ جُبْرَانُ. لَكِنْ، أَلَيْسَ فِي هَذَا أَيْضًا نَوْعًا مِنَ الخُلُودِ؟ أَنَّ كَلِمَاتِكَ لَا تَزَالُ حَيَّةً بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ العُقُودِ، حَتَّى لَوْ اُقْتُطِعَتْ مِنْ سِيَاقِهَا؟
تَوَقَّفَ جُبْرَانُ لَحْظَةً، وَنَظَرَ إِلَيْهَا نَظْرَةَ مَنْ يُفَاجِئُهُ سُؤَالٌ لَمْ يَتَوَقَّعْهُ.
— جبران خليل جبران: رُبَّمَا. لَكِنَّ الخُلُودَ الَّذِي أَرَدْتُهُ لَمْ يَكُنْ خُلُودَ الجُمْلَةِ المُفْرَدَةِ، بَلْ خُلُودَ الرِّحْلَةِ الَّتِي تَقُودُ إِلَيْهَا. حِينَ كَتَبْتُ عَنِ الحُبِّ، لَمْ أُرِدْ أَنْ يُقْرَأَ سَطْرِي وَحْدَهُ، بَلْ أَنْ يُقْرَأَ بَعْدَ الفَصْلِ الَّذِي يَسْبِقُهُ عَنِ الأَلَمِ، وَقَبْلَ الفَصْلِ الَّذِي يَلِيهِ عَنِ الحُرِّيَّةِ. اِنْتِزَاعُ الجُمْلَةِ يُشْبِهُ اِنْتِزَاعَ زَهْرَةٍ مِنْ حَدِيقَةٍ، وَتَرْكَهَا تَذْبُلُ فِي إِنَاءٍ لَا يُنَاسِبُهَا.
أَخْرَجَتْ وَرْدُ دَفْتَرَهَا، وَبَدَأَتْ تَكْتُبُ بِسُرْعَةٍ، وَشَعَرَتْ أَنَّهَا وَجَدَتْ أَخِيرًا قَلْبَ المَقَالِ الَّذِي تُرِيدُ كِتَابَتَهُ عَنْ جُبْرَانَ.
— وَرْد: مَا الَّذِي تُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَهُ القُرَّاءُ اليَوْمَ، لَوْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَقُولَ جُمْلَةً وَاحِدَةً فَقَطْ، بِلَا اِقْتِطَاعٍ؟
فَكَّرَ جُبْرَانُ طَوِيلًا، وَاسْتَقَرَّتْ عَيْنَاهُ عَلَى المَوْقِدَةِ، وَكَأَنَّهُ يَبْحَثُ فِي النَّارِ عَنْ إِجَابَةٍ لَمْ يَجِدْهَا فِي حَيَاتِهِ كُلِّهَا.
— جبران خليل جبران: أُرِيدُهُمْ أَنْ يَعْرِفُوا أَنِّي كُنْتُ غَرِيبًا فِي كُلِّ مَكَانٍ عِشْتُ فِيهِ. غَرِيبًا فِي لُبْنَانَ لِأَنِّي رَحَلْتُ صَغِيرًا، وَغَرِيبًا فِي أَمِيرْكَا لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ مِنْهَا، وَغَرِيبًا حَتَّى فِي لُغَتِي العَرَبِيَّةِ، لِأَنِّي كَتَبْتُ نِصْفَ عُمْرِي بِالإِنْجْلِيزِيَّةِ. وَمَعَ ذَلِكَ، وَجَدْتُ فِي هَذِهِ الغُرْبَةِ نَفْسِهَا وَطَنًا لَمْ يَخُنِّي يَوْمًا: الكِتَابَةُ.
نَظَرَتْ وَرْدُ إِلَى كَرِيمٍ، وَتَذَكَّرَتْ فَجْأَةً غُرْبَتَهَا هِيَ فِي أَلْمَانْيَا، وَشَعَرَتْ أَنَّ جُبْرَانَ يَتَكَلَّمُ عَنْهَا هِيَ أَيْضًا، لَا عَنْ نَفْسِهِ فَقَطْ.
— جبران خليل جبران: قُولِي لَهُمْ يَا وَرْدُ: لَا تَقْتَطِعُوا مِنِّي جُمْلَةً وَاحِدَةً بَعْدَ الآنَ. اِقْرَؤُونِي كَامِلًا، أَوْ لَا تَقْرَؤُونِي عَلَى الإِطْلَاقِ. فَالحِكْمَةُ المُجَزَّأَةُ تُصْبِحُ زَخْرَفَةً، وَالزَّخْرَفَةُ لَا تُطْعِمُ رُوحًا جَائِعَةً.
وَبَيْنَمَا كَانَ جُبْرَانُ يَتَكَلَّمُ، لَاحَظَتْ وَرْدُ أَنَّ الحَارِسَ الجَدِيدَ يَقِفُ عِنْدَ البَابِ العُلْوِيِّ، يَتَفَحَّصُ شَيْئًا فِي يَدِهِ بِقَلَقٍ مُتَزَايِدٍ.
— الحارس الجديد: وَرْدُ… ثَمَّةَ صَفْحَةٌ جَدِيدَةٌ ظَهَرَتْ فِي السِّجِلِّ لِتَوِّهَا، لَمْ يَكْتُبْهَا أَحَدٌ مِنَ الحَاضِرِينَ. تَحْمِلُ اِسْمَكِ، لَكِنَّهَا مُؤَرَّخَةٌ بِتَارِيخٍ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ.

الفَصْلُ الثَّالِثُ وَالعِشْرُونَ

اِقْتَرَبَتْ وَرْدُ مِنَ السِّجِلِّ بِخُطًى مُتَرَدِّدَةٍ، وَقَرَأَتِ السَّطْرَ الجَدِيدَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الحَارِسُ، بِخَطٍّ يُشْبِهُ خَطَّهَا هِيَ، لَكِنَّهُ أَكْثَرُ نُضْجًا، أَكْثَرَ ثِقَةً.
«وَرْدُ. سَتَعُودُ بَعْدَ خَمْسِ سَنَوَاتٍ، لِتَسْأَلَ عَنْ سُؤَالٍ لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ.»
— وَرْد: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا؟ أَنَا هُنَا الآنَ، لَمْ أَذْهَبْ وَلَمْ أَعُدْ.
تَقَدَّمَ جُبْرَانُ، الَّذِي كَانَ لَا يَزَالُ يَجْلِسُ قُرْبَ المَوْقِدَةِ، بِفُضُولٍ لَمْ يُخْفِهِ.
— جبران خليل جبران: هَذَا النُّزُلُ، يَا وَرْدُ، لَا يَعْرِفُ الزَّمَنَ كَمَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ. رُبَّمَا كَتَبَ هُوَ نَفْسُهُ هَذَا السَّطْرَ، لَا لِيُخْبِرَكِ بِمُسْتَقْبَلٍ حَتْمِيٍّ، بَلْ لِيُخْبِرَكِ أَنَّ البَابَ سَيَبْقَى مَفْتُوحًا لَكِ، كُلَّمَا اِحْتَجْتِ إِلَيْهِ.
جَلَسَتْ وَرْدُ، وَشَعَرَتْ بِارْتِيَاحٍ غَرِيبٍ يُخَالِطُ حَيْرَتَهَا، وَكَأَنَّ مَعْرِفَةَ أَنَّهَا سَتَعُودُ يَوْمًا مَا كَانَتْ طَمْأَنَةً أَكْثَرَ مِنْهَا تَهْدِيدًا.
— كريم: خَمْسُ سَنَوَاتٍ لَيْسَتْ بَعِيدَةً جِدًّا. رُبَّمَا نَعُودُ مَعًا، بِأَسْئِلَةٍ لَمْ نَكُنْ نَعْرِفُ أَنَّنَا سَنَحْمِلُهَا.
اِبْتَسَمَتْ وَرْدُ لِكَرِيمٍ، وَأَمْسَكَتْ يَدَهُ، ثُمَّ اِلْتَفَتَتْ نَحْوَ جُبْرَانَ مِنْ جَدِيدٍ، وَقَدْ عَادَ إِلَيْهَا شَيْءٌ مِنَ التَّرْكِيزِ الصَّحَفِيِّ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ.
— وَرْد: أَظُنُّ أَنَّ عَلَيَّ أَنْ أَسْأَلَكَ سُؤَالًا أَخِيرًا يَا أُسْتَاذُ جُبْرَانُ، قَبْلَ أَنْ نَنْتَقِلَ إِلَى ضَيْفٍ آخَرَ. كَتَبْتَ كَثِيرًا عَنِ الحُبِّ وَالمَوْتِ، لَكِنَّكَ لَمْ تَتَزَوَّجْ يَوْمًا. هَلْ نَدِمْتَ عَلَى ذَلِكَ؟
نَظَرَ جُبْرَانُ إِلَى النَّارِ طَوِيلًا، وَعِنْدَمَا تَكَلَّمَ، كَانَ صَوْتُهُ أَخَفَّ مِنَ الهَمْسِ.
— جبران خليل جبران: أَحْبَبْتُ اِمْرَأَةً وَاحِدَةً طَوَالَ حَيَاتِي، مِنْ بَعِيدٍ، بِرَسَائِلَ عَبَرَتِ المُحِيطَ الأَطْلَسِيَّ ذَهَابًا وَإِيَابًا لِسِنِينَ. لَمْ نَتَزَوَّجْ، لَا لِأَنَّنَا لَمْ نُرِدْ، بَلْ لِأَنَّ الحَيَاةَ رَتَّبَتْ لَنَا طَرِيقَيْنِ مُتَوَازِيَيْنِ، يَقْتَرِبَانِ دُونَ أَنْ يَلْتَقِيَا. وَنَدِمْتُ؟ نَعَمْ، أَحْيَانًا، فِي اللَّيَالِي البَارِدَةِ. لَكِنِّي أَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ الحُبَّ البَعِيدَ، بِمَا حَمَلَهُ مِنْ شَوْقٍ لَا يَنْطَفِئُ، هُوَ مَا أَعْطَانِي القُدْرَةَ عَلَى الكِتَابَةِ عَنِ الحُبِّ بِهَذَا العُمْقِ. لَوْ تَزَوَّجْنَا، رُبَّمَا اِرْتَحْتُ، لَكِنِّي لَمْ أَكُنْ لِأَكْتُبَ الشَّيْءَ نَفْسَهُ.
وَبَيْنَمَا كَانَتْ وَرْدُ تُدَوِّنُ هَذِهِ الكَلِمَاتِ، شَعَرَتْ بِيَدِ كَرِيمٍ تَضْغَطُ عَلَى يَدِهَا بِرِفْقٍ، وَتَبَادَلَا نَظْرَةً فَهِمَا بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا تَقُولُهُ أَيُّ كَلِمَةٍ.
وَفَجْأَةً، سَمِعُوا صَوْتَ مُوسِيقَى تَتَسَلَّلُ مِنَ الطَّابَقِ العُلْوِيِّ، عُودٌ يُعْزَفُ بِمَهَارَةٍ نَادِرَةٍ، يَحْمِلُ لَحْنًا حَزِينًا لَمْ تَسْمَعْهُ وَرْدُ مِنْ قَبْلُ، لَكِنَّهُ بَدَا لَهَا مَأْلُوفًا بِطَرِيقَةٍ غَرِيبَةٍ.
— الحارس الجديد: هَذَا العَزْفُ… لَمْ أَسْمَعْهُ فِي هَذَا النُّزُلِ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ جِدًّا. آخِرُ مَرَّةٍ سَمِعْتُهُ، كَانَ أَبُو فِرَاسٍ الحَمْدَانِيُّ يَعْزِفُهُ فِي لَيْلَةِ أَسْرِهِ الأَخِيرَةِ، قَبْلَ أَنْ يُطْلَقَ سَرَاحُهُ.

الفَصْلُ الرَّابِعُ وَالعِشْرُونَ

صَعِدَ الجَمِيعُ الدَّرَجَ الحَجَرِيَّ، مُتَتَبِّعِينَ صَوْتَ العُودِ، حَتَّى وَصَلُوا إِلَى شُرْفَةٍ صَغِيرَةٍ لَمْ تَرَهَا وَرْدُ مِنْ قَبْلُ، تُطِلُّ عَلَى الجَبَلِ المُظْلِمِ، حَيْثُ كَانَ يَجْلِسُ رَجُلٌ فِي مُنْتَصَفِ العُمُرِ، بِثِيَابٍ أَمِيرِيَّةٍ بَالِيَةٍ، يَعْزِفُ بِعَيْنَيْنِ مُغْمَضَتَيْنِ.
— الحارس الجديد: أَبُو فِرَاسٍ الحَمْدَانِيُّ. اِبْنُ عَمِّ سَيْفِ الدَّوْلَةِ، وَأَمِيرٌ وَشَاعِرٌ وَفَارِسٌ، أُسِرَ عِنْدَ الرُّومِ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً.
فَتَحَ أَبُو فِرَاسٍ عَيْنَيْهِ بِبُطْءٍ، وَتَوَقَّفَ عَنِ العَزْفِ، وَنَظَرَ إِلَى الوُجُوهِ الجَدِيدَةِ أَمَامَهُ بِفُضُولٍ هَادِئٍ.
— أبو فراس الحمداني: لَمْ أَتَوَقَّعْ زُوَّارًا هَذِهِ اللَّيْلَةَ. أَعْتَذِرُ إِنْ كَانَ العَزْفُ قَدْ أَزْعَجَكُمْ. كُنْتُ أَتَذَكَّرُ لَيَالِيَ الأَسْرِ، حِينَ لَمْ يَكُنْ لِي غَيْرُ صَوْتِ العُودِ لِأُحَدِّثَ بِهِ نَفْسِي.
— وَرْد: لِمَ اِخْتَرْتَ أَنْ تَتَذَكَّرَ الأَسْرَ بِالذَّاتِ، وَأَنْتَ أَمِيرٌ عَاشَ حَيَاةً كَامِلَةً مَلِيئَةً بِالفُرُوسِيَّةِ وَالاِنْتِصَارَاتِ؟
اِبْتَسَمَ أَبُو فِرَاسٍ اِبْتِسَامَةً حَزِينَةً، وَوَضَعَ العُودَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ بِرِفْقٍ.
— أبو فراس الحمداني: لِأَنَّ الأَسْرَ، يَا اِبْنَتِي، عَلَّمَنِي مَا لَمْ تُعَلِّمْنِيهِ كُلُّ اِنْتِصَارَاتِي: أَنَّ الأَمِيرَ حِينَ يُقَيَّدُ، يَكْتَشِفُ أَنَّ لِسَانَهُ لَا يُزَالُ حُرًّا. كَتَبْتُ فِي أَسْرِي أَجْمَلَ مَا قُلْتُ فِي حَيَاتِي، لِأَنَّنِي كُنْتُ أُخَاطِبُ أُمِّي مِنْ وَرَاءِ القُيُودِ، لَا أُخَاطِبُ بَلَاطًا يَنْتَظِرُ مِنِّي مَدِيحًا.
جَلَسَتْ وَرْدُ عَلَى حَافَّةِ الشُّرْفَةِ، وَشَعَرَتْ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ يَحْمِلُ سِرًّا مُخْتَلِفًا عَنْ كُلِّ مَنْ قَابَلَتْهُمُ اللَّيْلَةَ: سِرَّ مَنْ وَجَدَ الحُرِّيَّةَ فِي عُمْقِ القَيْدِ.
— وَرْد: هَلْ كُنْتَ تَظُنُّ أَنَّكَ سَتَخْرُجُ يَوْمًا مِنَ الأَسْرِ؟
— أبو فراس الحمداني: فِي أَحْيَانٍ كَثِيرَةٍ، لَا. وَفِي تِلْكَ الأَحْيَانِ بِالذَّاتِ، كُنْتُ أَكْتُبُ أَفْضَلَ مَا كَتَبْتُ، لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَكْتُبُ لِأَخْرُجَ، بَلْ لِأَبْقَى إِنْسَانًا رَغْمَ القَيْدِ. وَهَذَا، يَا وَرْدُ، دَرْسٌ أَظُنُّ أَنَّهُ يَخُصُّكِ أَنْتِ أَيْضًا: لَسْتِ مُضْطَرَّةً أَنْ تَنْتَظِرِي الحُرِّيَّةَ الكَامِلَةَ لِتَكْتُبِي. اُكْتُبِي مِنْ دَاخِلِ قُيُودِكِ، أَيًّا كَانَتْ.
شَعَرَتْ وَرْدُ بِدَمْعَةٍ تَقْتَرِبُ مِنْ عَيْنَيْهَا، وَتَذَكَّرَتْ كُلَّ الأَيَّامِ الَّتِي ظَنَّتْ فِيهَا أَنَّهَا لَنْ تَكْتُبَ شَيْئًا يَسْتَحِقُّ القِرَاءَةَ، لِأَنَّهَا غَرِيبَةٌ، لَاجِئَةٌ، مُقَيَّدَةٌ بِلُغَتَيْنِ وَبَلَدَيْنِ.
— كريم: هَلِ اِفْتَقَدْتَ شَيْئًا مُحَدَّدًا فِي أَسْرِكَ، أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ؟
رَفَعَ أَبُو فِرَاسٍ العُودَ مِنْ جَدِيدٍ، وَعَزَفَ بِضْعَ نَغَمَاتٍ حَزِينَةٍ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ.
— أبو فراس الحمداني: اِفْتَقَدْتُ صَوْتَ أُمِّي. لَا قُصُورِي، وَلَا خُيُولِي، وَلَا اِنْتِصَارَاتِي. فَقَطْ صَوْتَهَا وَهِيَ تَدْعُو لِي كُلَّ لَيْلَةٍ. وَحِينَ فُودِيَ بِي أَخِيرًا، وَعُدْتُ، لَمْ تَكُنْ فِي اِسْتِقْبَالِي، لِأَنَّهَا كَانَتْ قَدْ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ عَوْدَتِي بِأَشْهُرٍ. فَكَانَ عِيدُ حُرِّيَّتِي هُوَ نَفْسُهُ يَوْمَ حِدَادِي الأَكْبَرِ.
سَادَ صَمْتٌ طَوِيلٌ فِي الشُّرْفَةِ، تُخَلِّلُهُ فَقَطْ أَنَّاتُ العُودِ الخَفِيفَةِ، وَنَظَرَتْ وَرْدُ إِلَى السَّمَاءِ المَرْصُوفَةِ بِالنُّجُومِ، تُحَاوِلُ أَنْ تَبْتَلِعَ لَحْظَةً بِهَذَا الثِّقَلِ.
— جبران خليل جبران: هَذَا هُوَ ثَمَنُ الشِّعْرِ الحَقِيقِيِّ، أَظُنُّهُ. لَا يُولَدُ إِلَّا مِنْ جُرْحٍ لَا يُنْسَى.
وَبَيْنَمَا كَانُوا كَذَلِكَ، لَمَحَتْ وَرْدُ ضَوْءًا غَرِيبًا يَتَحَرَّكُ فِي أَسْفَلِ الجَبَلِ، بَعِيدًا عَنِ النُّزُلِ، يَقْتَرِبُ بِبُطْءٍ نَحْوَ البِنَايَةِ.
— وَرْد: مَا هَذَا الضَّوْءُ؟ هَلْ هُنَاكَ ضَيْفٌ آخَرُ قَادِمٌ سَيْرًا عَلَى الأَقْدَامِ؟
نَظَرَ الحَارِسُ الجَدِيدُ نَحْوَ الضَّوْءِ، وَتَجَمَّدَتْ مَلَامِحُهُ فَجْأَةً.
— الحارس الجديد: هَذَا لَيْسَ ضَيْفًا يَا وَرْدُ. هَذَا فَانُوسٌ لَا يَحْمِلُهُ إِلَّا شَخْصٌ وَاحِدٌ فِي كُلِّ تَارِيخِ هَذَا النُّزُلِ، وَلَمْ أَرَهُ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ مِئَةِ عَامٍ: أَبُو العَلَاءِ المَعَرِّيُّ عَائِدٌ، وَهُوَ لَا يَعُودُ إِلَّا حِينَ يَشْعُرُ أَنَّ خَطَأً كَبِيرًا عَلَى وَشْكِ أَنْ يَقَعَ.

الفَصْلُ الخَامِسُ وَالعِشْرُونَ

وَصَلَ أَبُو العَلَاءِ أَخِيرًا إِلَى الشُّرْفَةِ، مُتَّكِئًا عَلَى عَصَاهُ، وَفَانُوسُهُ القَدِيمُ يُتَأَرْجَحُ فِي يَدِهِ الأُخْرَى، رَغْمَ أَنَّهُ لَا يَرَى ضَوْءَهُ.
— أبو العلاء: وَجَدْتُكُمْ أَخِيرًا. كُنْتُ أَشُمُّ فِي الهَوَاءِ رَائِحَةَ خَطَإٍ يَقْتَرِبُ، مُنْذُ سَاعَاتٍ.
— وَرْد: أَيُّ خَطَإٍ يَا أَبَا العَلَاءِ؟ نَحْنُ فَقَطْ نَسْتَمِعُ إِلَى قِصَصِ الضُّيُوفِ.
جَلَسَ أَبُو العَلَاءِ بِبُطْءٍ، وَوَضَعَ الفَانُوسَ عَلَى الأَرْضِ الحَجَرِيَّةِ، وَعَلَى وَجْهِهِ قَلَقٌ لَمْ تَرَهُ وَرْدُ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ.
— أبو العلاء: الخَطَأُ لَيْسَ فِي الاِسْتِمَاعِ يَا اِبْنَتِي، بَلْ فِيمَا تَنْوِينَ فِعْلَهُ بِمَا تَسْمَعِينَهُ. أَنْتِ تَجْمَعِينَ حِكَايَاتِ عَشَرَاتِ الأَدَبَاءِ فِي كِتَابٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا جَمِيلٌ، لَكِنِّي أَخْشَى أَنَّكِ، دُونَ أَنْ تَقْصِدِي، تَبْنِينَ لَهُمْ تِمْثَالًا جَدِيدًا، بَدَلَ أَنْ تُحَرِّرِيهِمْ مِنَ التَّمَاثِيلِ القَدِيمَةِ.
شَعَرَتْ وَرْدُ بِوَخْزَةٍ فِي صَدْرِهَا، وَتَذَكَّرَتِ البَيَانَ الَّذِي كَتَبَتْهُ لِنَفْسِهَا فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ قَضَتْهَا هُنَا، وَهِيَ تَتَسَاءَلُ إِنْ كَانَتْ قَدْ اِبْتَعَدَتْ عَنْهُ دُونَ أَنْ تَشْعُرَ.
— وَرْد: كَيْفَ لِي أَنْ أَتَجَنَّبَ ذَلِكَ؟ أَنَا أُحِبُّهُمْ جَمِيعًا، وَأُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَهُمُ النَّاسُ كَمَا عَرَفْتُهُمْ أَنَا اللَّيْلَةَ.
— أبو العلاء: الحُبُّ نَفْسُهُ قَدْ يَصْنَعُ تِمْثَالًا يَا وَرْدُ، إِنْ لَمْ يَتْرُكْ لِلْمَحْبُوبِ حَقَّ التَّنَاقُضِ. اُكْتُبِي عَنَّا بِضَعْفِنَا كَمَا كَتَبْتِ عَنَّا بِعَظَمَتِنَا. اُكْتُبِي أَنَّ المُتَنَبِّي كَانَ مُتَكَبِّرًا أَحْيَانًا حَتَّى الحُمْقِ، وَأَنَّ أَبَا نُوَاسٍ كَانَ يَهْرُبُ مِنْ نَفْسِهِ بِالكَأْسِ، وَأَنِّي أَنَا نَفْسِي كُنْتُ قَاسِيًا عَلَى مَنْ أَحَبُّونِي، وَحَافِظًا عَلَى مَنْ لَمْ يَسْتَحِقُّوا حِفْظِي. الإِنْسَانُ الكَامِلُ لَا يُلْهِمُ أَحَدًا، لِأَنَّهُ لَا يُشْبِهُ أَحَدًا.
نَظَرَتْ وَرْدُ إِلَى دَفْتَرِهَا المَلِيءِ بِالمُلَاحَظَاتِ، وَشَعَرَتْ فَجْأَةً أَنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى إِعَادَةِ قِرَاءَةِ كُلِّ مَا كَتَبَتْهُ، لَا لِتَحْذِفَ شَيْئًا، بَلْ لِتُضِيفَ مَا نَسِيَتْهُ عَمْدًا: التَّنَاقُضَاتِ، الأَخْطَاءَ، اللَّحَظَاتِ غَيْرَ البَطُولِيَّةِ.
— كريم: وَمَاذَا عَنِ الخَطَإِ الَّذِي جِئْتَ لِتُحَذِّرَنَا مِنْهُ يَا أَبَا العَلَاءِ؟ هَلْ هُوَ هَذَا فَقَطْ؟
هَزَّ أَبُو العَلَاءِ رَأْسَهُ، وَعَلَى وَجْهِهِ ابْتِسَامَةٌ خَفِيفَةٌ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ وُصُولِهِ.
— أبو العلاء: لَا، هُنَاكَ شَيْءٌ آخَرُ، أَعْمَقُ. هُنَاكَ ضَيْفٌ فِي الطَّابَقِ السُّفْلِيِّ الآنَ، وَصَلَ مُنْذُ لَحَظَاتٍ، دُونَ أَنْ يُعْلَنَ اِسْمُهُ فِي السِّجِلِّ، وَهُوَ يَحْمِلُ فِي يَدِهِ كِتَابًا يَحْمِلُ اِسْمَ وَرْدَ عَلَى غِلَافِهِ. لَكِنَّهُ لَيْسَ الكِتَابَ الَّذِي تَنْوِينَ كِتَابَتَهُ.
تَجَمَّدَتْ وَرْدُ فِي مَكَانِهَا.
— وَرْد: مَاذَا تَقْصِدُ؟ كَيْفَ يُوجَدُ كِتَابٌ بِاسْمِي لَمْ أَكْتُبْهُ بَعْدُ؟
— أبو العلاء: هَذَا مَا يَنْبَغِي أَنْ نَنْزِلَ وَنَكْتَشِفَهُ سَوِيًّا، قَبْلَ أَنْ يَقَعَ فِي يَدِ ضَيْفٍ آخَرَ، وَيُصَدِّقَ أَنَّهُ الكِتَابُ الحَقِيقِيُّ.

الفَصْلُ السَّادِسُ وَالعِشْرُونَ

نَزَلَ الجَمِيعُ الدَّرَجَ الحَجَرِيَّ مُسْرِعِينَ، وَفِي القَاعَةِ السُّفْلَى، وَجَدُوا رَجُلًا غَرِيبًا يَقِفُ عِنْدَ المَوْقِدَةِ، لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الأَدَبِ الَّذِينَ اِعْتَادَتْ وَرْدُ رُؤْيَتَهُمْ، بَلْ يَرْتَدِي بَذْلَةً رَمَادِيَّةً أَنِيقَةً، وَيَحْمِلُ كِتَابًا صَغِيرًا بِغِلَافٍ أَحْمَرَ.
— الرجل الغريب: أَخِيرًا، وَرْدُ الحَقِيقِيَّةُ. كُنْتُ أَنْتَظِرُكِ لِأُرِيَكِ مَا سَتَكْتُبِينَهُ، لَوْ اِخْتَرْتِ الطَّرِيقَ الأَسْهَلَ.
مَدَّ الكِتَابَ نَحْوَهَا، فَأَخَذَتْهُ وَرْدُ بِيَدٍ مُتَرَدِّدَةٍ، وَقَرَأَتِ العُنْوَانَ عَلَى الغِلَافِ: «أَسْرَارُ الأُدَبَاءِ الَّتِي لَمْ يَجْرُؤْ أَحَدٌ عَلَى كَشْفِهَا»، وَاسْمُهَا أَسْفَلَ العُنْوَانِ.
— وَرْد: هَذَا لَيْسَ الكِتَابَ الَّذِي أَنْوِي كِتَابَتَهُ. أَنَا أُرِيدُ أَنْ أَكْتُبَ عَنْهُمْ بِإِنْصَافٍ، لَا أَنْ أَفْضَحَهُمْ.
— الرجل الغريب: وَمَا الفَرْقُ يَا وَرْدُ؟ الجُمْهُورُ يُحِبُّ الفَضَائِحَ أَكْثَرَ مِمَّا يُحِبُّ الإِنْصَافَ. هَذَا الكِتَابُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكِ سَيَبِيعُ أَضْعَافَ مَا سَيَبِيعُهُ كِتَابُكِ «العَادِلُ». أَنَا هُنَا لِأُعْطِيَكِ اِخْتِيَارًا، لَا لِأُجْبِرَكِ عَلَى شَيْءٍ.
فَتَحَتْ وَرْدُ الكِتَابَ عَلَى صَفْحَةٍ عَشْوَائِيَّةٍ، وَوَجَدَتْ فِقَرَاتٍ مُثِيرَةً مَحْشُوَّةً بِتَفَاصِيلَ مُخْتَلَقَةٍ عَنْ نِزَارَ وَعَنْ أَبِي نُوَاسٍ، بَعِيدَةٍ تَمَامًا عَنِ الصِّدْقِ الَّذِي شَهِدَتْهُ بِنَفْسِهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ.
— وَرْد: هَذَا كُلُّهُ كَذِبٌ. لَمْ يَقُلْ لِي أَحَدٌ مِنْهُمْ شَيْئًا كَهَذَا.
— الرجل الغريب: بِالطَّبْعِ لَمْ يَقُولُوهُ. لَكِنَّ القُرَّاءَ لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ. هُمْ يَعْرِفُونَ فَقَطْ مَا تَكْتُبِينَهُ أَنْتِ. وَأَنَا أَعْرِضُ عَلَيْكِ اِخْتِصَارَ الطَّرِيقِ: خُذِي هَذَا الكِتَابَ كَمَا هُوَ، وَضَعِي اِسْمَكِ عَلَيْهِ، وَاِنْشُرِيهِ. سَتُصْبِحِينَ مَشْهُورَةً خِلَالَ أَسَابِيعَ.
اِقْتَرَبَ نِزَارُ — الَّذِي كَانَ قَدْ اِنْضَمَّ إِلَيْهِمْ لِتَوِّهِ عِنْدَ سَمَاعِ الجَلَبَةِ — مِنَ الرَّجُلِ الغَرِيبِ، وَعَلَى وَجْهِهِ غَضَبٌ لَمْ تَرَهُ وَرْدُ عَلَيْهِ مُنْذُ لَيْلَتِهَا الأُولَى.
— نزار: أَعْرِفُكَ. أَنْتَ لَسْتَ جَدِيدًا عَلَى هَذَا النُّزُلِ، وَإِنْ غَيَّرْتَ زِيَّكَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ. أَنْتَ نَفْسُ الرَّقِيبِ الَّذِي حَاوَلَ أَنْ يَجْعَلَنِي أُصْبِحُ مَا يُرِيدُهُ الجُمْهُورُ، لَا مَا أَنَا عَلَيْهِ حَقًّا.
اِبْتَسَمَ الرَّجُلُ الغَرِيبُ اِبْتِسَامَةً بَارِدَةً، غَيْرَ مُنْزَعِجٍ مِنَ الاِتِّهَامِ.
— الرجل الغريب: أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَجْهٌ وَاحِدٌ يَا نِزَارُ. أَنَا كُلُّ صَوْتٍ يَهْمِسُ فِي أُذُنِ كَاتِبٍ: اِخْتَصِرِ الطَّرِيقَ. لَا عَيْبَ فِي ذَلِكَ. أَنَا لَا أُجْبِرُ أَحَدًا.
أَغْلَقَتْ وَرْدُ الكِتَابَ بِحَزْمٍ، وَنَظَرَتْ إِلَى الرَّجُلِ نَظْرَةً هَادِئَةً، وَقَدْ عَادَ إِلَيْهَا كُلُّ مَا سَمِعَتْهُ مِنْ أَبِي العَلَاءِ قَبْلَ لَحَظَاتٍ.
— وَرْد: شُكْرًا عَلَى العَرْضِ. لَكِنِّي لَسْتُ هُنَا لِأَخْتَصِرَ طَرِيقًا، بَلْ لِأَمْشِيَهُ كَامِلًا، حَتَّى لَوْ اِسْتَغْرَقَ سَنَوَاتٍ، وَحَتَّى لَوْ لَمْ يَشْتَرِهِ أَحَدٌ فِي النِّهَايَةِ.
تَمَدَّدَتِ ابْتِسَامَةُ الرَّجُلِ الغَرِيبِ حَتَّى صَارَتْ غَيْرَ طَبِيعِيَّةٍ، ثُمَّ بَدَأَ جَسَدُهُ يَتَلَاشَى شَيْئًا فَشَيْئًا، مِثْلَ دُخَانٍ يَتَبَدَّدُ فِي الهَوَاءِ، تَارِكًا وَرَاءَهُ فَقَطْ الكِتَابَ الأَحْمَرَ، الَّذِي اِحْتَرَقَ فِي يَدِ وَرْدَ إِلَى رَمَادٍ نَاعِمٍ، دُونَ أَنْ يُؤْذِيَهَا.
— أبو العلاء: بَدَأْتِ تَفْهَمِينَ الآنَ يَا وَرْدُ لِمَاذَا كَانَ هَذَا النُّزُلُ يَحْتَاجُ إِلَيْكِ بِالذَّاتِ. لَيْسَ لِأَنَّكِ ضَحِيَّةٌ، بَلْ لِأَنَّكِ تَخْتَارِينَ الطَّرِيقَ الصَّعْبَ حَتَّى حِينَ يُعْرَضُ عَلَيْكِ الأَسْهَلُ.
وَبَيْنَمَا كَانَ الرَّمَادُ يَتَنَاثَرُ عَلَى أَرْضِ القَاعَةِ، سَمِعُوا صَوْتَ الحَارِسِ يُنَادِي مِنْ عِنْدِ البَابِ الأَمَامِيِّ، بِنَبْرَةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا، أَقْرَبُ إِلَى الحُزْنِ.
— الحارس الجديد: وَرْدُ… حَانَ وَقْتُ ضَيْفٍ آخَرَ، وَهَذَا وَاحِدٌ لَمْ أَتَوَقَّعْهُ اللَّيْلَةَ عَلَى الإِطْلَاقِ: بَلْقِيسُ الرَّاوِي وَصَلَتْ، وَهِيَ تَطْلُبُ أَنْ تَتَحَدَّثَ إِلَى نِزَارَ وَحْدَهُ، قَبْلَ أَنْ تَتَحَدَّثَ إِلَى أَحَدٍ آخَرَ.

الفَصْلُ السَّابِعُ وَالعِشْرُونَ

وَقَفَتِ اِمْرَأَةٌ عِنْدَ البَابِ، أَنِيقَةٌ حَتَّى فِي صَمْتِهَا، بِعَيْنَيْنِ حَزِينَتَيْنِ لَكِنَّهُمَا لَا تَزَالَانِ تَحْمِلَانِ بَرِيقًا خَاصًّا، وَتَقَدَّمَتْ نَحْوَ القَاعَةِ بِخُطًى وَاثِقَةٍ، رَغْمَ أَنَّ يَدَيْهَا كَانَتَا تَرْتَجِفَانِ قَلِيلًا.
وَقَفَ نِزَارُ فِي مَكَانِهِ، غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى الحَرَكَةِ، وَعَلَى وَجْهِهِ خَلِيطٌ مِنَ الفَرَحِ وَالأَلَمِ لَمْ تَرَ وَرْدُ مِثْلَهُ عَلَى وَجْهِ إِنْسَانٍ مِنْ قَبْلُ.
— بلقيس الراوي: لَمْ أَظُنَّ أَنِّي سَأَرَاكَ هُنَا، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ.
— نزار: وَلَا أَنَا. لَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي أَنْ تَأْتِي اللَّيْلَةَ، لَيْسَ بَعْدُ.
اِنْسَحَبَ الجَمِيعُ بِصَمْتٍ، بِمَنْ فِيهِمْ وَرْدُ، تَارِكِينَ نِزَارَ وَبَلْقِيسَ وَحْدَهُمَا عِنْدَ المَوْقِدَةِ، لَكِنَّ وَرْدَ، بِإِذْنٍ صَامِتٍ مِنَ الحَارِسِ، بَقِيَتْ عِنْدَ حَافَّةِ القَاعَةِ، تَشْهَدُ مِنْ بَعِيدٍ، بِاحْتِرَامٍ لَا يَتَجَاوَزُ حَدَّ الشَّهَادَةِ.
— بلقيس الراوي: لَمْ أَجِئْ لِأُعَاتِبَكَ يَا نِزَارُ. جِئْتُ لِأَقُولَ لَكَ شَيْئًا لَمْ أَقُلْهُ حِينَ كُنَّا مَعًا، لِأَنِّي كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ الوَقْتَ لَا يَزَالُ طَوِيلًا أَمَامَنَا.
— نزار: قُولِي مَا تُرِيدِينَ. أَنَا هُنَا، وَلَنْ أَقَاطِعَكِ.
تَنَفَّسَتْ بَلْقِيسُ بِعُمْقٍ، وَنَظَرَتْ إِلَى النَّارِ المُشْتَعِلَةِ فِي المَوْقِدَةِ، قَبْلَ أَنْ تُوَاصِلَ.
— بلقيس الراوي: أَحْبَبْتُكَ لِأَنَّكَ رَأَيْتَنِي كَامِلَةً، لَا اِمْرَأَةً عِرَاقِيَّةً تَزَوَّجَتْ شَاعِرًا مِصْرِيَّ المِزَاجِ دِمَشْقِيَّ المَنْشَإِ. رَأَيْتَنِي أُمًّا، وَقَارِئَةً، وَشَرِيكَةً فِي كُلِّ فِكْرَةٍ خَطَرَتْ لَكَ، لَا مُجَرَّدَ اِسْمٍ يُزَيِّنُ آخِرَ قَصَائِدِكَ.
اِمْتَلَأَتْ عَيْنَا نِزَارَ بِالدُّمُوعِ، وَحَاوَلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ، لَكِنَّ بَلْقِيسَ رَفَعَتْ يَدَهَا بِرِفْقٍ، تَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَسْمَحَ لَهَا بِإِتْمَامِ مَا بَدَأَتْهُ.
— بلقيس الراوي: وَحِينَ رَحَلْتُ، فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فِي بَيْرُوتَ، لَمْ أَكُنْ أُفَكِّرُ فِيكَ فَقَطْ، وَلَا فِي أَوْلَادِنَا فَقَطْ. كُنْتُ أُفَكِّرُ فِي كُلِّ اِمْرَأَةٍ عِرَاقِيَّةٍ وَعَرَبِيَّةٍ سَتُصْبِحُ اِسْمًا فِي نَشْرَةِ أَخْبَارٍ، لَا قِصَّةً كَامِلَةً يَعْرِفُهَا أَحَدٌ. أَرَدْتُ أَنْ تَكْتُبَ لِي مَرْثِيَّةً، نَعَمْ، لَكِنِّي أَرَدْتُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ: أَرَدْتُ أَنْ تَكْتُبَ عَنْ كُلِّ مَنْ مِتْنَ مَعِي فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، وَلَمْ يَكْتُبْ أَحَدٌ اِسْمَهُنَّ.
جَلَسَ نِزَارُ عَلَى أَقْرَبِ كُرْسِيٍّ، وَأَخْفَى وَجْهَهُ بَيْنَ كَفَّيْهِ لَحْظَةً، قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَهُ مِنْ جَدِيدٍ، وَعَلَى مُحَيَّاهُ عَزْمٌ لَمْ تَرَهُ وَرْدُ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ.
— نزار: كَتَبْتُ لَكِ يَا بَلْقِيسُ، وَكَتَبْتُ لِبَيْرُوتَ، لَكِنِّي أَعْرِفُ أَنِّي لَمْ أَكْتُبْ عَنْ كُلِّ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي كُنَّ يَسْتَحْقِقْنَ اِسْمًا يُقَالُ بِصَوْتٍ عَالٍ. وَهَذَا وَاحِدٌ مِنَ الأَشْيَاءِ الَّتِي أَحْمِلُهَا مَعِي فِي هَذَا النُّزُلِ، وَلَنْ أَتَخَلَّصَ مِنْهَا يَوْمًا.
اِقْتَرَبَتْ بَلْقِيسُ مِنْهُ، وَوَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى كَتِفِهِ، بِرِفْقٍ لَمْ يَخْلُ مِنْ عِتَابٍ صَامِتٍ، وَحُبٍّ أَعْمَقَ مِنَ العِتَابِ.
— بلقيس الراوي: لَسْتُ هُنَا لِأُثْقِلَكَ بِذَنْبٍ لَا تَسْتَحِقُّهُ وَحْدَكَ يَا نِزَارُ. الذَّنْبُ كَانَ لِلْحَرْبِ، لَا لَكَ. جِئْتُ فَقَطْ لِأَقُولَ لَكَ: اِسْمِي لَمْ يَمُتْ. كُلَّمَا قَرَأَ أَحَدُهُمْ قَصِيدَتَكَ عَنِّي، أَعِيشُ لَحْظَةً أُخْرَى. وَهَذَا يَكْفِينِي.
اِلْتَفَتَتْ بَلْقِيسُ نَحْوَ وَرْدَ، الوَاقِفَةِ عِنْدَ حَافَّةِ القَاعَةِ، وَاِبْتَسَمَتْ لَهَا اِبْتِسَامَةً دَافِئَةً، اِبْتِسَامَةَ اِمْرَأَةٍ تُخَاطِبُ اِمْرَأَةً أُخْرَى عَبْرَ حَاجِزِ الزَّمَنِ.
— بلقيس الراوي: اُكْتُبِي عَنِّي أَنَا أَيْضًا يَا وَرْدُ، حِينَ يَحِينُ وَقْتُ فَصْلِي. لَكِنِ اُكْتُبِينِي كَامِلَةً: أُمًّا، وَمُذِيعَةً، وَعَاشِقَةً، لَا ضَحِيَّةً فَقَطْ. لَا شَيْءَ أَقْسَى عَلَى اِمْرَأَةٍ مَاتَتْ ظُلْمًا مِنْ أَنْ تُخْتَزَلَ حَيَاتُهَا كُلُّهَا فِي طَرِيقَةِ مَوْتِهَا.
وَبَيْنَمَا كَانَتْ وَرْدُ تُومِئُ بِرَأْسِهَا، مُتَأَثِّرَةً أَكْثَرَ مِمَّا اِسْتَطَاعَتْ إِخْفَاءَهُ، بَدَأَ ضَوْءُ الشُّمُوعِ يَخْفُتُ تَدْرِيجِيًّا، وَبَدَأَ ظِلُّ بَلْقِيسَ يَتَلَاشَى بِرِفْقٍ، لَا كَمَنْ يُطْرَدُ، بَلْ كَمَنْ يَعُودُ إِلَى سَلَامٍ اِخْتَارَهُ.
— نزار: اِنْتَظِرِي! لَمْ أَقُلْ لَكِ بَعْدُ…
لَكِنَّ بَلْقِيسَ كَانَتْ قَدِ اِخْتَفَتْ تَمَامًا، تَارِكَةً وَرَاءَهَا فَقَطْ رَائِحَةَ عِطْرٍ بَعِيدٍ، وَدَمْعَةً وَاحِدَةً سَقَطَتْ عَلَى الأَرْضِ الحَجَرِيَّةِ مِنْ عَيْنِ نِزَارَ، لَامِعَةً كَأَنَّهَا لُؤْلُؤَةٌ صَغِيرَةٌ.

الفَصْلُ الثَّامِنُ وَالعِشْرُونَ

جَلَسَ نِزَارُ صَامِتًا طَوِيلًا بَعْدَ رَحِيلِ بَلْقِيسَ، وَاقْتَرَبَتْ مِنْهُ وَرْدُ أَخِيرًا، حِينَ رَأَتْ أَنَّ الصَّمْتَ بَدَأَ يُثْقِلُهُ أَكْثَرَ مِمَّا يُرِيحُهُ.
— وَرْد: هَلْ تُرِيدُ أَنْ تَبْقَى وَحْدَكَ يَا نِزَارُ؟
— نزار: لَا. اِبْقَيْ. أَحْتَاجُ أَنْ أَتَكَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ آخَرَ الآنَ، شَيْءٍ لَمْ أَتَكَلَّمْ عَنْهُ بِصَرَاحَةٍ مَعَ أَحَدٍ مِنْ قَبْلُ.
جَلَسَتْ وَرْدُ قُرْبَهُ، وَأَخْرَجَتْ دَفْتَرَهَا بِهُدُوءٍ، دُونَ أَنْ تَفْتَحَهُ بَعْدُ، وَكَأَنَّهَا تَتْرُكُ لَهُ مِسَاحَةً لِيُقَرِّرَ إِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُدَوَّنَ مَا سَيَقُولُهُ أَمْ لَا.
— نزار: اُتُّهِمْتُ طَوَالَ حَيَاتِي بِأَنِّي «شَاعِرُ الجَمَاهِيرِ»، كَأَنَّ هَذَا عَيْبٌ. النُّقَّادُ الكِبَارُ كَانُوا يَكْتُبُونَ لِلنُّخْبَةِ، وَأَنَا كُنْتُ أَكْتُبُ لِلْبَائِعَةِ فِي السُّوقِ، وَلِلطَّالِبَةِ فِي الجَامِعَةِ، وَلِلْعَاشِقِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ كَيْفَ يَقُولُ مَا فِي قَلْبِهِ.
— وَرْد: وَهَلْ كُنْتَ فَخُورًا بِذَلِكَ، أَمْ كُنْتَ تَشْعُرُ أَحْيَانًا أَنَّهُ اِتِّهَامٌ يَسْتَحِقُّ الدِّفَاعَ عَنْهُ؟
اِبْتَسَمَ نِزَارُ اِبْتِسَامَةً مُتْعَبَةً، وَنَظَرَ إِلَى النَّارِ فِي المَوْقِدَةِ.
— نزار: كِلَاهُمَا. كُنْتُ فَخُورًا لِأَنِّي أَعْرِفُ أَنَّ الكَلِمَةَ الَّتِي لَا تَصِلُ إِلَى قَلْبِ اِمْرَأَةٍ بَسِيطَةٍ، لَا قِيمَةَ لَهَا مَهْمَا كَانَتْ مُعَقَّدَةً. وَكُنْتُ أَشْعُرُ بِالِاتِّهَامِ أَحْيَانًا، لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ ظَنُّوا أَنَّ الوُصُولَ إِلَى الجَمَاهِيرِ يَعْنِي التَّنَازُلَ عَنِ العُمْقِ، وَكَأَنَّ البَسَاطَةَ وَالسَّطْحِيَّةَ شَيْءٌ وَاحِدٌ.
تَقَدَّمَ أَبُو تَمَّامٍ، الَّذِي كَانَ يَسْتَمِعُ مِنْ بَعِيدٍ، بِابْتِسَامَةٍ خَفِيفَةٍ عَلَى شَفَتَيْهِ.
— أبو تمام: أَنَا، عَلَى النَّقِيضِ مِنْكَ يَا نِزَارُ، اِخْتَرْتُ الصُّعُوبَةَ عَمْدًا، وَاتُّهِمْتُ بِأَنِّي أَكْتُبُ لِنَفْسِي لَا لِلنَّاسِ. لَكِنِّي أَظُنُّ الآنَ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ القُرُونِ، أَنَّ كِلَا طَرِيقَيْنَا كَانَا صَادِقَيْنِ: أَنْتَ أَرَدْتَ أَنْ يَفْهَمَكَ الجَمِيعُ فَوْرًا، وَأَنَا أَرَدْتُ أَنْ يَكْتَشِفَنِي مَنْ يَبْحَثُ عَنِّي بِصَبْرٍ. لَا وَاحِدٌ مِنَّا أَخْطَأَ، لَكِنَّ كُلًّا مِنَّا دَفَعَ ثَمَنَ اِخْتِيَارِهِ.
نَظَرَتْ وَرْدُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، وَأَدْرَكَتْ أَنَّ سُؤَالَهَا الصَّحَفِيَّ البَسِيطَ عَنِ «الشُّهْرَةِ الشَّعْبِيَّةِ» تَحَوَّلَ إِلَى نِقَاشٍ حَقِيقِيٍّ حَوْلَ مَعْنَى الكِتَابَةِ نَفْسِهَا.
— وَرْد: وَأَنَا، حِينَ أَكْتُبُ، هَلْ يَنْبَغِي أَنْ أَخْتَارَ طَرِيقًا وَاحِدًا؟
تَبَادَلَ نِزَارُ وَأَبُو تَمَّامٍ نَظْرَةً، ثُمَّ ضَحِكَا مَعًا ضَحْكَةً خَفِيفَةً، وَكَأَنَّهُمَا يَتَذَكَّرَانِ نِقَاشًا قَدِيمًا خَاضَاهُ مَعًا فِي لَيْلَةٍ سَابِقَةٍ فِي هَذَا النُّزُلِ.
— نزار: لَا يَا وَرْدُ. اِكْتُبِي بِصِدْقٍ، وَسَيَجِدُ صِدْقُكِ طَرِيقَهُ إِلَى مَنْ يَحْتَاجُهُ، بَسِيطًا كَانَ أَمْ مُعَقَّدًا. الخَطَأُ الوَحِيدُ هُوَ أَنْ تَكْتُبِي لِتُرْضِي فِئَةً مُعَيَّنَةً، لَا لِتَقُولِي مَا بِدَاخِلِكِ.
وَبَيْنَمَا كَانَتْ وَرْدُ تُدَوِّنُ هَذِهِ الكَلِمَاتِ، دَخَلَ الحَارِسُ الجَدِيدُ مُسْرِعًا، حَامِلًا فِي يَدِهِ رِسَالَةً مَخْتُومَةً بِشَمْعٍ أَسْوَدَ، لَمْ تَرَ وَرْدُ لَوْنًا كَهَذَا فِي أَيِّ رِسَالَةٍ سَابِقَةٍ تِلْكَ اللَّيْلَةَ.
— الحارس الجديد: وَصَلَتْ هَذِهِ مِنَ الطَّابَقِ الثَّالِثِ يَا وَرْدُ، الطَّابَقِ الَّذِي لَا يُفْتَحُ إِلَّا فِي الحَالَاتِ القُصْوَى. أَظُنُّ أَنَّ الوَقْتَ حَانَ لِنَعْرِفَ أَخِيرًا مَا الَّذِي كَانَ الرَّقِيبُ يُخَطِّطُ لَهُ طَوَالَ هَذِهِ اللَّيَالِي كُلِّهَا.

الفَصْلُ التَّاسِعُ وَالعِشْرُونَ

كَسَرَتْ وَرْدُ خَتْمَ الشَّمْعِ الأَسْوَدِ بِيَدٍ ثَابِتَةٍ، بَعْدَ كُلِّ مَا مَرَّتْ بِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَفَتَحَتِ الرِّسَالَةَ، لِتَجِدَ بِدَاخِلِهَا وَرَقَتَيْنِ: الأُولَى بِخَطِّ يَدٍ أَنِيقَةٍ، وَالثَّانِيَةُ تَبْدُو أَقْدَمَ بِكَثِيرٍ، مُصَفَّرَةً وَمُهَتْرِئَةَ الأَطْرَافِ.
قَرَأَتِ الوَرَقَةَ الأُولَى بِصَوْتٍ عَالٍ، لِيَسْمَعَهَا الجَمِيعُ.
«إِلَى وَرْدَ، الَّتِي فَهِمَتْ أَخِيرًا مَا لَمْ يَفْهَمْهُ كَثِيرُونَ قَبْلَهَا: أَنَا لَسْتُ عَدُوَّ الأَدَبَاءِ، بَلْ حَارِسُ سُؤَالٍ لَمْ يُطْرَحْ يَوْمًا بِصَرَاحَةٍ كَافِيَةٍ. مَنْ يَمْلِكُ حَقَّ الكَلَامِ بِاسْمِ الآخَرِينَ؟ اُقْرَئِي الوَرَقَةَ الثَّانِيَةَ، وَسَتَفْهَمِينَ.»
بِيَدٍ تَرْتَجِفُ قَلِيلًا هَذِهِ المَرَّةَ، فَتَحَتْ وَرْدُ الوَرَقَةَ الثَّانِيَةَ، الأَقْدَمَ، وَقَرَأَتْهَا لِنَفْسِهَا أَوَّلًا، قَبْلَ أَنْ تَرْفَعَ عَيْنَيْهَا نَحْوَ الحَاضِرِينَ بِذُهُولٍ.
— وَرْد: هَذِهِ… هَذِهِ رِسَالَةُ جَدِّي. يُوسُفَ الحَلَبِيِّ. لَكِنَّهَا لَيْسَتِ الرِّسَالَةَ الَّتِي قَرَأْتُهَا فِي بِدَايَةِ اللَّيْلَةِ.
تَقَدَّمَ نِزَارُ، وَقَرَأَ فَوْقَ كَتِفِهَا، وَتَغَيَّرَتْ مَلَامِحُهُ فَجْأَةً.
— نزار: هَذِهِ رِسَالَةٌ أُخْرَى، كَتَبَهَا يُوسُفُ بَعْدَ الأُولَى بِسَنَوَاتٍ، وَلَمْ يُرْسِلْهَا هِيَ الأُخْرَى. يَقُولُ فِيهَا…
تَابَعَتْ وَرْدُ القِرَاءَةَ بِصَوْتٍ أَعْلَى، وَهِيَ تَشْعُرُ أَنَّ كُلَّ خُيُوطِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ الطَّوِيلَةِ بَدَأَتْ تَلْتَقِي أَخِيرًا فِي نُقْطَةٍ وَاحِدَةٍ.
«أُسْتَاذُ نِزَارُ، اِبْنَتِي سَلْمَى تَزَوَّجَتْ الآنَ، وَأَنْجَبَتْ طِفْلَةً سَمَّتْهَا وَرْدَ. وَأَنَا، فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، أَخَافُ أَنْ تَكْبَرَ هَذِهِ الطِّفْلَةُ لِتَحْمِلَ الأَسْئِلَةَ نَفْسَهَا الَّتِي حَمَلَتْهَا أُمُّهَا، وَلَا تَجِدَ مَنْ يُجِيبُهَا، كَمَا لَمْ أُجِبْ أَنَا اِبْنَتِي حِينَ سَأَلَتْنِي يَوْمًا: لِمَاذَا لَمْ تُصْبِحْ أَنْتَ شَاعِرًا، وَأَنْتَ تَنْسَخُ أَجْمَلَ الشِّعْرِ بِيَدَيْكَ كُلَّ يَوْمٍ؟»
سَقَطَتِ الرِّسَالَةُ مِنْ يَدِ وَرْدَ، وَجَلَسَتْ بِثِقَلٍ عَلَى أَقْرَبِ كُرْسِيٍّ، وَقَدْ أَدْرَكَتْ أَخِيرًا أَنَّ سُؤَالَهَا الَّذِي لَمْ تُجِبْ عَنْهُ فِي مَرَّتَيْنِ سَابِقَتَيْنِ لَمْ يَكُنْ عَنْ نِزَارَ، وَلَا عَنِ الحُبِّ، وَلَا حَتَّى عَنِ الكِتَابَةِ.
— وَرْد: السُّؤَالُ كَانَ: لِمَاذَا خَافَ جَدِّي مِنْ أَنْ يَكُونَ نَفْسَهُ؟ وَهَلْ سَأَخَافُ أَنَا أَيْضًا، فِي يَوْمٍ مَا، مِنْ أَنْ أَكُونَ نَفْسِي؟
دَخَلَ الحَارِسُ — يُوسُفُ نَفْسُهُ — إِلَى القَاعَةِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، وَكَأَنَّهُ اِسْتَشْعَرَ اللَّحْظَةَ الَّتِي كَانَ يَنْتَظِرُهَا مُنْذُ اللَّيْلَةِ الأُولَى الَّتِي قَابَلَ فِيهَا حَفِيدَتَهُ.
— الحارس (يوسف): نَعَمْ يَا وَرْدُ. كَانَ هَذَا هُوَ السُّؤَالَ، طَوَالَ الوَقْتِ. وَالرَّقِيبُ الَّذِي طَارَدَكِ اللَّيْلَةَ، فِي كُلِّ أَشْكَالِهِ، لَمْ يَكُنْ إِلَّا صَدَى خَوْفِي أَنَا، الَّذِي وَرَّثْتُهُ لِأُمِّكِ دُونَ أَنْ أَقْصِدَ، وَخَشِيتُ أَنْ تَرِثِيهِ أَنْتِ أَيْضًا.
نَظَرَتْ وَرْدُ إِلَيْهِ طَوِيلًا، وَشَعَرَتْ أَنَّ حَلْقَةَ اللَّيْلَةِ الكُبْرَى تَكَادُ تَكْتَمِلُ، لَكِنَّ سُؤَالًا وَاحِدًا لَا يَزَالُ يُلِحُّ عَلَيْهَا.
— وَرْد: وَهَلْ وَرِثْتُهُ يَا جَدِّي؟ هَلْ أَنَا خَائِفَةٌ مِنْ أَنْ أَكُونَ نَفْسِي؟
اِبْتَسَمَ يُوسُفُ اِبْتِسَامَةً وَاسِعَةً، حَقِيقِيَّةً، بِلَا ظِلٍّ مِنَ الحُزْنِ الَّذِي رَافَقَهُ طَوَالَ اللَّيْلَةِ.
— الحارس (يوسف): اُنْظُرِي إِلَى نَفْسِكِ الآنَ يَا وَرْدُ. رَفَضْتِ كِتَابَ الفَضَائِحِ. وَاجَهْتِ الرَّقِيبَ فِي كُلِّ أَشْكَالِهِ. كَتَبْتِ رِوَايَتَكِ حَتَّى النِّهَايَةِ. عُدْتِ إِلَى هُنَا بِإِرَادَتِكِ، لَا هَرَبًا مِنْ عَاصِفَةٍ. أَظُنُّ أَنَّ الإِجَابَةَ وَاضِحَةٌ يَا اِبْنَةَ اِبْنَتِي: أَنْتِ لَمْ تَرِثِي خَوْفِي. أَنْتِ وَرِثْتِ شَيْئًا أَجْمَلَ، مِنْ أُمِّكِ، وَمِنْ نَفْسِكِ: الشَّجَاعَةَ عَلَى أَنْ تَسْأَلِي، حَتَّى حِينَ لَا تَعْرِفِينَ الجَوَابَ.
وَبَيْنَمَا كَانَتِ الدُّمُوعُ تَنْهَمِرُ عَلَى وَجْهِ وَرْدَ، شُوهِدَ ضَوْءٌ ذَهَبِيٌّ يَتَصَاعَدُ مِنَ السِّجِلِّ الجِلْدِيِّ عَلَى المِنَضَدَةِ، وَفُتِحَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ عَلَى صَفْحَتِهِ الأَخِيرَةِ، حَيْثُ بَدَأَتْ تَظْهَرُ كَلِمَاتٌ جَدِيدَةٌ، لَمْ يَكْتُبْهَا أَحَدٌ مِنَ الحَاضِرِينَ.

الفَصْلُ الثَّلَاثُونَ

تَجَمَّعَ الجَمِيعُ حَوْلَ السِّجِلِّ، يُرَاقِبُونَ الكَلِمَاتِ الذَّهَبِيَّةَ وَهِيَ تَتَشَكَّلُ حَرْفًا حَرْفًا، دُونَ أَنْ يَكْتُبَهَا أَحَدٌ.
«هَذِهِ اللَّيْلَةُ الَّتِي تَجْتَمِعُ فِيهَا كُلُّ الأَسْئِلَةِ، هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يُحَاكَمَ فِيهَا هَذَا النُّزُلُ نَفْسُهُ، لَا ضُيُوفُهُ.»
— وَرْد: مَاذَا يَعْنِي هَذَا؟ مَنْ يُحَاكِمُ النُّزُلَ؟
اِرْتَجَّتِ القَاعَةُ فَجْأَةً، وَظَهَرَ عِنْدَ البَابِ الأَمَامِيِّ ظِلٌّ جَدِيدٌ، لَيْسَ لِشَاعِرٍ وَلَا لِرَقِيبٍ مُتَنَكِّرٍ، بَلْ لِمَجْمُوعَةٍ مِنَ الأَصْوَاتِ المُتَدَاخِلَةِ، كَأَنَّ كُلَّ ضَيْفٍ سَابِقٍ فِي هَذَا النُّزُلِ يَتَكَلَّمُ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
— صوت النُّزُل: أَنَا لَسْتُ حِجَارَةً وَخَشَبًا فَقَطْ يَا وَرْدُ. أَنَا ذَاكِرَةُ كُلِّ سُؤَالٍ طُرِحَ بَيْنَ جُدْرَانِي، وَكُلِّ إِجَابَةٍ تَأَخَّرَتْ. وَاللَّيْلَةَ، أُرِيدُ أَنْ أُسْأَلَ أَنَا أَيْضًا: هَلْ كُنْتُ مَلْجَأً أَمْ سِجْنًا؟ هَلْ حَرَّرْتُ ضُيُوفِي أَمْ حَبَسْتُهُمْ فِي أَسْئِلَتِهِمْ إِلَى الأَبَدِ؟
نَظَرَ الحَاضِرُونَ إِلَى بَعْضِهِمْ بِذُهُولٍ، وَتَقَدَّمَ أَبُو العَلَاءِ أَوَّلًا، بِصَوْتٍ هَادِئٍ كَعَادَتِهِ.
— أبو العلاء: أَنْتَ حَرَّرْتَنِي يَا نُزُلُ، حِينَ سَمَحْتَ لِي أَنْ أُعِيدَ النَّظَرَ فِي قَسْوَتِي عَلَى أُمِّي. لَكِنَّكَ أَيْضًا حَبَسْتَنِي، حِينَ جَعَلْتَنِي أُكَرِّرُ السُّؤَالَ نَفْسَهُ لِقُرُونٍ، دُونَ أَنْ تَتْرُكَنِي أَمْضِي فِي طَرِيقِي.
— نزار: وَأَنَا، لَمْ أَحْزَنْ يَوْمًا عَلَى بَقَائِي هُنَا، لِأَنِّي وَجَدْتُ فِي كُلِّ ضَيْفٍ جَدِيدٍ فُرْصَةً لِأَقُولَ مَا لَمْ أَقُلْهُ فِي حَيَاتِي. أَنْتَ لَمْ تَسْجِنِّي يَا نُزُلُ، بَلْ مَنَحْتَنِي حَيَاةً ثَانِيَةً، أَقْصَرَ مِنَ الأُولَى، لَكِنَّهَا أَصْدَقُ.
اِقْتَرَبَتْ وَرْدُ مِنَ السِّجِلِّ، وَشَعَرَتْ أَنَّهَا مَعْنِيَّةٌ بِهَذَا السُّؤَالِ أَكْثَرَ مِمَّا تَتَخَيَّلُ.
— وَرْد: أَظُنُّ أَنَّ الإِجَابَةَ يَا نُزُلُ لَيْسَتْ إِمَّا مَلْجَأً وَإِمَّا سِجْنًا. أَظُنُّكَ مِرْآةً. تُرِي كُلَّ ضَيْفٍ مَا يَحْتَاجُ أَنْ يَرَاهُ، وَتَتْرُكُ لَهُ أَنْ يُقَرِّرَ إِنْ كَانَ سَيَكْسِرُ المِرْآةَ أَمْ سَيَظَلُّ يُحَدِّقُ فِيهَا إِلَى الأَبَدِ.
سَادَ صَمْتٌ طَوِيلٌ، وَبَدَا كَأَنَّ النُّزُلَ نَفْسَهُ يَتَنَفَّسُ، جُدْرَانُهُ تَتَوَسَّعُ وَتَنْكَمِشُ بِبُطْءٍ، كَصَدْرٍ يَهْدَأُ بَعْدَ بُكَاءٍ طَوِيلٍ.
— صوت النُّزُل: لَمْ يَقُلْ لِي أَحَدٌ هَذَا مِنْ قَبْلُ يَا وَرْدُ، فِي كُلِّ هَذِهِ القُرُونِ. مِرْآةٌ. رُبَّمَا هَذَا مَا كُنْتُ أَحْتَاجُ أَنْ أَسْمَعَهُ لِأَفْهَمَ نَفْسِي أَخِيرًا.
تَقَدَّمَ الحَارِسُ — يُوسُفُ — نَحْوَ مَرْكَزِ القَاعَةِ، وَنَظَرَ حَوْلَهُ إِلَى كُلِّ الضُّيُوفِ، القُدَامَى وَالجُدُدِ، بِنَظْرَةٍ وَدَاعِيَّةٍ لَمْ يَفْهَمْهَا أَحَدٌ بَعْدُ.
— الحارس (يوسف): أَظُنُّ أَنَّ دَوْرِي هُنَا يَقْتَرِبُ مِنَ النِّهَايَةِ. لَيْسَ لِأَنِّي أُرِيدُ الرَّحِيلَ، بَلْ لِأَنَّ حَفِيدَتِي أَثْبَتَتْ أَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ حَارِسًا يَحْمِيهَا مِنَ الأَسْئِلَةِ بَعْدَ الآنَ. هِيَ صَارَتْ قَادِرَةً عَلَى أَنْ تَحْرُسَ نَفْسَهَا، وَرُبَّمَا، يَوْمًا مَا، تَحْرُسَ ضُيُوفًا آخَرِينَ.
اِتَّسَعَتْ عَيْنَا وَرْدَ فَجْأَةً، وَهِيَ تُدْرِكُ مَعْنَى مَا يَقُولُهُ جَدُّهَا.
— وَرْد: هَلْ تَقْصِدُ… أَنَّنِي سَأَصِيرُ حَارِسَةَ هَذَا النُّزُلِ يَوْمًا مَا؟
اِبْتَسَمَ يُوسُفُ اِبْتِسَامَةً غَامِضَةً، وَلَمْ يُجِبْ مُبَاشَرَةً، بَلْ نَظَرَ نَحْوَ البَابِ الأَمَامِيِّ، حَيْثُ بَدَأَ ضَوْءُ الفَجْرِ يَتَسَلَّلُ مِنْ جَدِيدٍ، أَبْكَرَ مِمَّا يَنْبَغِي لِتِلْكَ اللَّيْلَةِ الطَّوِيلَةِ.
— الحارس (يوسف): هَذَا سُؤَالٌ لِلَيْلَةٍ أُخْرَى يَا وَرْدُ. سُؤَالُ اللَّيْلَةِ الرَّابِعَةِ، الَّتِي سَتَأْتِينَ إِلَيْهَا بَعْدَ سَنَوَاتٍ، حِينَ يَكْبُرُ سُؤَالُكِ بِمَا يَكْفِي لِيَسْتَحِقَّ كَامِلَةً أُخْرَى.

تَمَّت الرِّوَايَة بِحَمدِ الله

باكنانغ – بادن فورتمبيرغ – ألمانيا

نُعمَان البَربَرِيّ