حُرّاسُ الأَسْئِلَةِ
الفَصْلُ الأَوَّلُ
لَمْ يَكُنِ البِنَاءُ القَدِيمُ فِي ضَوَاحِي بَرْلِينَ يُشْبِهُ مَا تَخَيَّلَتْهُ لَمَى طَوَالَ سَنَوَاتِ بَحْثِهَا. لَا لَوْحَةَ نُحَاسِيَّةً عَلَى البَابِ، وَلَا حِرَاسَةَ ظَاهِرَةً، وَلَا حَتَّى إِضَاءَةً تَلِيقُ بِمَكَانٍ يُقَالُ إِنَّهُ اسْتَضَافَ، طَوَالَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ عَامًا، أَخْطَرَ الأَسْئِلَةِ الَّتِي طُرِحَتْ عَلَى ذَاكِرَةِ العَالَمِ. كَانَ البَابُ الخَشَبِيُّ العَتِيقُ مُوَارَبًا، كَأَنَّ أَحَدًا خَرَجَ مِنْهُ لِلتَّوِّ وَلَمْ يَكْتَرِثْ بِإِغْلَاقِهِ، أَوْ كَأَنَّهُ تَرَكَهُ عَمْدًا مَفْتُوحًا لِمَنْ يَعْرِفُ كَيْفَ يَقْرَأُ العَلَامَاتِ.
دَفَعَتْهُ بِرَاحَةِ يَدِهَا. صَرِيرٌ خَفِيفٌ، ثُمَّ صَمْتٌ كَثِيفٌ اسْتَقْبَلَهَا كَمَا يَسْتَقْبِلُ القُبُورُ زُوَّارَهَا المُتَأَخِّرِينَ. عَبَرَتْ رِدْهَةً ضَيِّقَةً تَتَدَلَّى مِنْ سَقْفِهَا مَصَابِيحُ صَفْرَاءُ مُتْعَبَةٌ، حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى القَاعَةِ الكُبْرَى الَّتِي رَأَتْ صُوَرَهَا مِرَارًا فِي الأَرْشِيفِ المُصَوَّرِ لِلنَّدْوَةِ، دُونَ أَنْ تَطَأَهَا قَدَمَاهَا قَطُّ.
كَانَتِ الكَرَاسِيُّ لَا تَزَالُ مُصْطَفَّةً بِنِظَامٍ صَارِمٍ، كَأَنَّ الجَلْسَةَ سَتُسْتَأْنَفُ فِي أَيِّ لَحْظَةٍ. عَلَى المِنَصَّةِ، خَلْفَ طَاوِلَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الخَشَبِ الدَّاكِنِ، كَانَتْ هُنَاكَ خَمْسَةُ مَقَاعِدَ. أَرْبَعَةٌ مِنْهَا مَشْغُولَةٌ بِأَكْيَاسِ قُمَاشٍ سَوْدَاءَ تُغَطِّي مَا فَوْقَهَا، وَاحِدٌ فِي المُنْتَصَفِ، تَمَامًا، فَارِغٌ.
“لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُ أَنْ يَكُونَ فَارِغًا حَقًّا،” قَالَتْ لِنَفْسِهَا بِصَوْتٍ لَمْ تَقْصِدْ أَنْ يَسْمَعَهُ أَحَدٌ.
لَكِنَّ صَدَاهُ ارْتَدَّ إِلَيْهَا مِنْ زَاوِيَةِ القَاعَةِ، حَيْثُ لَمْ تَكُنْ تَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا يَقِفُ.
“لَا أَحَدٌ يَتَوَقَّعُ ذَلِكَ حَتَّى يَرَاهُ بِعَيْنَيْهِ.”
اِلْتَفَتَتْ بِسُرْعَةٍ. رَجُلٌ فِي مُنْتَصَفِ الأَرْبَعِينَ، مِعْطَفٌ رَمَادِيٌّ، وَجْهٌ لَا يُشِي بِشَيْءٍ سِوَى التَّعَبِ القَدِيمِ. عَرَفَتْهُ مِنَ الصُّوَرِ الَّتِي أَرْسَلَهَا لَهَا مُحَرِّرُهَا قَبْلَ أُسْبُوعٍ: كَرِيمٌ، المُحَقِّقُ السَّابِقُ الَّذِي أَحَالَ نَفْسَهُ إِلَى التَّقَاعُدِ بَعْدَ قَضِيَّةٍ لَمْ يُفْصِحْ عَنْهَا لِأَحَدٍ.
“كَيْفَ دَخَلْتَ؟” سَأَلَتْهُ.
“بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا الَّتِي دَخَلْتِ بِهَا أَنْتِ. البَابُ كَانَ مَفْتُوحًا لِلاثْنَيْنِ مَعًا. هَذَا وَحْدَهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقْلِقَكِ.”
تَقَدَّمَتْ نَحْوَ المِنَصَّةِ بِخُطًى حَذِرَةٍ، كَأَنَّهَا تَمْشِي فَوْقَ أَرْضِيَّةٍ قَدْ تَنْهَارُ. عَلَى الكُرْسِيِّ الفَارِغِ، بِلَا كِيسٍ يُغَطِّيهِ، كَانَتْ هُنَاكَ وَرَقَةٌ وَاحِدَةٌ، مَطْوِيَّةٌ بِعِنَايَةٍ، كَأَنَّ يَدًا حَرِيصَةً وَضَعَتْهَا هُنَاكَ قَبْلَ سَاعَاتٍ لَا قَبْلَ أَسَابِيعَ.
فَتَحَتْهَا بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهَا. سَطْرٌ وَاحِدٌ، بِخَطِّ يَدٍ تَعْرِفُهُ جَيِّدًا لِأَنَّهَا دَرَسَتْهُ طَوَالَ شَهْرَيْنِ فِي كُلِّ وَثِيقَةٍ وَقَّعَتْهَا البروفيسورة سَلْمَى:
“اِنْتَهَتِ الجَلَسَاتُ… وَلَمْ تَنْتَهِ الأَسْئِلَةُ.”
جَلَسَا فِي المَقْهَى الوَحِيدِ الَّذِي بَقِيَ مَفْتُوحًا فِي ذَلِكَ الحَيِّ الهَادِئِ، وَبَيْنَهُمَا عَلَى الطَّاوِلَةِ نُسْخَةٌ مُصَوَّرَةٌ عَنِ الوَرَقَةِ. كَرِيمٌ يُقَلِّبُهَا بَيْنَ أَصَابِعِهِ كَمَا لَوْ كَانَ يُفَتِّشُ عَنْ بَصْمَةٍ لَا تَظْهَرُ لِلْعَيْنِ المُجَرَّدَةِ، وَلَمَى تُرَاقِبُهُ وَهِيَ تُحَاوِلُ أَنْ تَفْهَمَ لِمَاذَا قَبِلَ أَنْ يُرَافِقَهَا فِي مُهِمَّةٍ لَمْ يَطْلُبْهَا أَحَدٌ مِنْهُ.
“أَخْبِرِينِي عَنْ هَذَا المَجْلِسِ مِنَ البِدَايَةِ،” قَالَ كَرِيمٌ، “لَا مِنَ الشَّائِعَاتِ، بَلْ مِمَّا تَعْرِفِينَهُ يَقِينًا.”
“مَا أَعْرِفُهُ يَقِينًا لَا يَتَجَاوَزُ صَفْحَةً وَاحِدَةً،” أَجَابَتْ لَمَى. “مُنْذُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ عَامًا، بَدَأَتْ مَجْمُوعَةٌ صَغِيرَةٌ مِنَ البَاحِثِينَ وَالكُتَّابِ عَقْدَ جَلَسَاتٍ سِرِّيَّةٍ يُعِيدُونَ فِيهَا فَحْصَ سِيَرِ كِبَارِ المُفَكِّرِينَ عَبْرَ التَّارِيخِ، لَا لِتَمْجِيدِهِمْ، وَلَا لِإِدَانَتِهِمْ، بَلْ لِطَرْحِ سُؤَالٍ وَاحِدٍ فِي كُلِّ مَرَّةٍ: هَلْ يَسْتَحِقُّ هَذَا العَقْلُ مَقْعَدًا دَائِمًا فِي ذَاكِرَةِ البَشَرِيَّةِ، أَمْ أَنَّ شُهْرَتَهُ أَكْبَرُ مِنْ حَقِيقَتِهِ؟”
“وَمَنْ يُقَرِّرُ ذَلِكَ؟”
“لَا أَحَدَ يَعْرِفُ. تُنْشَرُ مَحَاضِرُ الجَلَسَاتِ أَحْيَانًا، مُجَتَزَأَةً، عَبْرَ قَنَوَاتٍ لَا يُمْكِنُ تَتَبُّعُهَا. وَتَبْقَى الأَسْمَاءُ الحَقِيقِيَّةُ لِلْمُشَارِكِينَ طَيَّ الكِتْمَانِ. الوَحِيدَةُ الَّتِي عَرَفْنَا اسْمَهَا هِيَ سَلْمَى، لِأَنَّهَا اخْتَارَتْ، فِي الجَلْسَةِ الأَخِيرَةِ، أَنْ تَظْهَرَ بِوَجْهِهَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ.”
“لِمَاذَا؟”
“هَذَا هُوَ السُّؤَالُ الَّذِي جِئْتُ مِنْ أَجْلِهِ.”
سَكَتَ كَرِيمٌ لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ سَحَبَ مِنْ حَقِيبَتِهِ مِلَفًّا رَقِيقًا وَضَعَهُ عَلَى الطَّاوِلَةِ بِحَذَرٍ، كَأَنَّهُ يَضَعُ شَيْئًا أَثْقَلَ مِنْ حَجْمِهِ الفِعْلِيِّ.
“قَبْلَ أَنْ تُكْمِلِي حَمَاسَكِ، اِنْظُرِي إِلَى هَذَا. وَجَدْتُهُ عَلَى الأَرْضِ خَلْفَ المِنَصَّةِ، تَحْتَ كُرْسِيٍّ مِنَ الكَرَاسِي المُغَطَّاةِ.”
فَتَحَتِ المِلَفَّ. كَانَتْ بِدَاخِلِهِ صَفْحَةٌ وَاحِدَةٌ، مُمَزَّقَةٌ مِنْ سِجِلٍّ أَكْبَرَ، تَحْمِلُ عُنْوَانًا مَطْبُوعًا بِخَطٍّ قَدِيمٍ:
“سِجِلُّ مَجْلِسِ الغَائِبِينَ — قَائِمَةُ الجَلَسَاتِ القَادِمَةِ.”
وَتَحْتَهُ أَسْمَاءٌ. لَيْسَتْ أَسْمَاءَ الأَعْضَاءِ، بَلْ أَسْمَاءُ مَنْ سَيُحَاكَمُونَ فِي الجَلَسَاتِ القَادِمَةِ: سُقْرَاطُ. أَبُو العَلَاءِ المَعَرِّيُّ. اِبْنُ رُشْدٍ. هِيبَاتِيَا. اِبْنُ خَلْدُونٍ. أَسْمَاءٌ تَتَوَالَى حَتَّى آخِرِ السَّطْرِ، حَيْثُ تَوَقَّفَتِ القَائِمَةُ فَجْأَةً عِنْدَ اسْمٍ لَمْ يَكُنْ اسْمَ مُفَكِّرٍ عَلَى الإِطْلَاقِ.
كَانَ اسْمَهَا هِيَ.
“لَمَى الحَلَبِيُّ،” قَرَأَ كَرِيمٌ بِصَوْتٍ خَفِيضٍ، وَكَأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ مِنْ أَنَّ عَيْنَيْهِ لَمْ تَخُونَاهُ. “هَلْ لَدَيْكِ تَفْسِيرٌ؟”
لَمْ يَكُنْ لَدَيْهَا. لِلَحْظَةٍ، شَعَرَتْ أَنَّ الأَرْضَ نَفْسَهَا تَتَرَجَّحُ تَحْتَ قَدَمَيْهَا، لَا لِأَنَّ اسْمَهَا وَرَدَ فِي وَرَقَةٍ سِرِّيَّةٍ، بَلْ لِأَنَّهَا أَدْرَكَتْ فَجْأَةً أَنَّهَا لَمْ تَخْتَرِ هَذَا التَّحْقِيقَ بِمَحْضِ إِرَادَتِهَا. شَيْءٌ مَا، مُنْذُ البِدَايَةِ، كَانَ يَقُودُهَا إِلَى هُنَا.
فِي طَرِيقِ العَوْدَةِ، مَرَّتْ لَمَى بِبِنَايَةِ الأَرْشِيفِ الوَطَنِيِّ حَيْثُ كَانَ يُفْتَرَضُ أَنْ تَلْتَقِيَ بِرَجُلٍ لَا تَعْرِفُ اسْمَهُ، لَا يُعْرَفُ عَنْهُ سِوَى لَقَبِهِ: الأَمِينُ. كَانَتْ سَلْمَى قَدْ ذَكَرَتْهُ فِي رِسَالَةٍ إِلِكْتُرُونِيَّةٍ يَتِيمَةٍ أَرْسَلَتْهَا قَبْلَ اخْتِفَائِهَا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ: “إِذَا حَدَثَ لِي شَيْءٌ، فَاسْأَلِي عَنِ الأَمِينِ فِي القِسْمِ السُّفْلِيِّ. هُوَ وَحْدَهُ يَعْرِفُ أَيْنَ تَبْدَأُ الحِكَايَةُ الحَقِيقِيَّةُ.”
نَزَلَتْ دَرَجًا حَلَزُونِيًّا ضَيِّقًا حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى قَاعَةٍ تَحْتَ الأَرْضِ تَعُجُّ بِرُفُوفٍ خَشَبِيَّةٍ عَالِيَةٍ، مُحَمَّلَةٍ بِصَنَادِيقَ لَا تَحْمِلُ أَرْقَامًا بَلْ تَوَارِيخَ. فِي آخِرِ المَمَرِّ، عِنْدَ طَاوِلَةٍ صَغِيرَةٍ يُضِيئُهَا مِصْبَاحٌ وَحِيدٌ، كَانَ يَجْلِسُ رَجُلٌ عَجُوزٌ يُقَلِّبُ صَفَحَاتِ دَفْتَرٍ جِلْدِيٍّ.
“تَأَخَّرْتِ سَنَتَيْنِ عَنِ المَوْعِدِ،” قَالَ دُونَ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ.
“أَيُّ مَوْعِدٍ؟” سَأَلَتْ لَمَى، وَقَدْ تَجَمَّدَتْ فِي مَكَانِهَا.
“المَوْعِدُ الَّذِي حَدَّدَتْهُ سَلْمَى قَبْلَ أَنْ تَخْتَفِيَ. كَانَتْ تَظُنُّ أَنَّكِ سَتَأْتِينَ حِينَ تُنْشَرُ حَلْقَةُ نِزَارَ. تَأَخَّرْتِ. لَكِنَّكِ أَتَيْتِ أَخِيرًا، وَهَذَا مَا يُهِمُّ.”
شَعَرَتْ لَمَى بِبَرْدٍ يَتَسَلَّلُ إِلَى أَصَابِعِهَا. لَمْ تَكُنْ قَدْ ذَكَرَتْ لِأَحَدٍ أَنَّهَا فَكَّرَتْ، فِي وَقْتٍ مَا مِنَ العَامِ المَاضِي، بِأَنْ تَكْتُبَ عَنْ حَلْقَاتِ نِزَارَ قَبَّانِيَّ الَّتِي عَثَرَتْ عَلَى إِشَارَاتٍ إِلَيْهَا فِي أَرْشِيفٍ آخَرَ، ثُمَّ عَدَلَتْ عَنِ الفِكْرَةِ حِينَ عَرَفَتْ أَنَّ رِوَايَةً كَامِلَةً كُتِبَتْ عَنْهُ بِالفِعْلِ فِي مَكَانٍ آخَرَ مِنْ هَذَا العَالَمِ السَّرْدِيِّ الكَبِيرِ.
“كَيْفَ عَرَفْتَ بِذَلِكَ؟” سَأَلَتْ.
“لِأَنَّ مَجْلِسَ الغَائِبِينَ لَا يَخْتَارُ أَعْضَاءَهُ صُدْفَةً. هُوَ يُرَاقِبُ مَنْ يَطْرَحُ الأَسْئِلَةَ الصَّحِيحَةَ، ثُمَّ يَنْتَظِرُ. وَأَنْتِ طَرَحْتِ سُؤَالًا صَحِيحًا مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ، حَتَّى لَوْ لَمْ تَكْتُبِيهِ.”
فَتَحَ الرَّجُلُ الدَّفْتَرَ الجِلْدِيَّ عَلَى صَفْحَةٍ مُنْتَصَفِيَّةٍ، وَأَدَارَهُ نَحْوَهَا. كَانَتِ الصَّفْحَةُ فَارِغَةً تَمَامًا، إِلَّا مِنْ عُنْوَانٍ وَاحِدٍ فِي أَعْلَاهَا:
“الفَصْلُ الَّذِي لَمْ يُكْتَبْ بَعْدُ.”
“هَذِهِ الصَّفْحَةُ لَكِ،” قَالَ الأَمِينُ. “لَكِنْ قَبْلَ أَنْ تَمْلَئِيهَا، عَلَيْكِ أَنْ تَفْهَمِي شَيْئًا وَاحِدًا: سَلْمَى لَمْ تُخْتَطَفْ. سَلْمَى اخْتَارَتِ الاِخْتِفَاءَ. وَالسَّبَبُ مَكْتُوبٌ فِي أَوَّلِ جَلْسَةٍ سَتَبْدَئِينَ بِهَا، لَا فِي هَذِهِ القَاعَةِ.”
“أَيْنَ إِذَنْ؟”
اِبْتَسَمَ الرَّجُلُ اِبْتِسَامَةً غَامِضَةً، تَنُمُّ عَنْ حُزْنٍ قَدِيمٍ أَكْثَرَ مِمَّا تَنُمُّ عَنْ لُغْزٍ.
“فِي أَثِينَا، قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْنِ وَأَرْبَعِمِئَةِ عَامٍ. حَيْثُ شَرِبَ رَجُلٌ كُوبًا مِنَ السُّمِّ لِأَنَّهُ رَفَضَ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَنِ السُّؤَالِ. اُبْدَئِي مِنْ هُنَاكَ، وَسَتَفْهَمِينَ لِمَاذَا يُخِيفُ هَذَا المَجْلِسُ مَنْ يُخِيفُهُ، وَلِمَاذَا يَحْمِيهِ مَنْ يَحْمِيهِ.”
خَرَجَتْ لَمَى مِنَ البِنَايَةِ وَاللَّيْلُ قَدْ أَسْدَلَ سِتَارَهُ عَلَى المَدِينَةِ. وَقَفَ كَرِيمٌ يَنْتَظِرُهَا عِنْدَ السَّيَّارَةِ، وَحِينَ رَأَى وَجْهَهَا، لَمْ يَسْأَلْ عَمَّا جَرَى فِي الدَّاخِلِ.
“سَنَحْتَاجُ إِلَى تَذْكِرَتَيْنِ إِلَى أَثِينَا،” قَالَتْ لَهُ وَهِيَ تَفْتَحُ البَابَ.
“أَثِينَا؟ لِمَاذَا؟”
“لِأَنَّ كُلَّ هَذَا،” قَالَتْ وَهِيَ تُشِيرُ إِلَى البِنَايَةِ خَلْفَهَا، إِلَى الوَرَقَةِ فِي حَقِيبَتِهَا، إِلَى اسْمِهَا المَكْتُوبِ فِي سِجِلٍّ لَمْ تَخْتَرْ أَنْ تَكُونَ جُزْءًا مِنْهُ، “بَدَأَ بِسُؤَالٍ وَاحِدٍ لَمْ يَتَوَقَّفْ أَحَدٌ عَنْ طَرْحِهِ مُنْذُ أَلْفَيْ عَامٍ. وَأَظُنُّ أَنَّنِي، شِئْتُ أَمْ أَبَيْتُ، أَصْبَحْتُ جُزْءًا مِنَ الَّذِينَ يَحْرُسُونَهُ.”
أَغْلَقَتِ البَابَ، وَانْطَلَقَتِ السَّيَّارَةُ فِي شَوَارِعَ بَرْلِينَ المُبَلَّلَةِ، تَارِكَةً خَلْفَهَا بِنَايَةً سَتَبْقَى، لِأَسَابِيعَ طَوِيلَةٍ قَادِمَةٍ، تَحْمِلُ عَلَى مِنَصَّتِهَا كُرْسِيًّا وَاحِدًا لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ إِنْ كَانَ سَيَبْقَى فَارِغًا، أَمْ أَنَّ شَخْصًا آخَرَ يَنْتَظِرُ دَوْرَهُ لِيَجْلِسَ عَلَيْهِ.
الفَصْلُ الثَّانِي
هَبَطَتِ الطَّائِرَةُ فِي أَثِينَا عِنْدَ الفَجْرِ، وَالمَدِينَةُ لَا تَزَالُ نَائِمَةً تَحْتَ ضَبَابٍ خَفِيفٍ يَلْتَفُّ حَوْلَ تَلَّةِ الأَكْرُوبُولِيسِ كَأَنَّهُ سِتَارٌ لَمْ يُرْفَعْ بَعْدُ. لَمْ تَكُنْ لَمَى قَدْ نَامَتْ طَوَالَ الرِّحْلَةِ، إِذْ ظَلَّتْ عَيْنَاهَا مُعَلَّقَتَيْنِ عَلَى صُورَةٍ فِي هَاتِفِهَا: الصَّفْحَةُ المُمَزَّقَةُ مِنْ سِجِلِّ مَجْلِسِ الغَائِبِينَ، وَاسْمُهَا مَكْتُوبٌ فِي آخِرِهَا بِحِبْرٍ لَمْ يَجِفَّ فِي ذَاكِرَتِهَا بَعْدُ.
“لَنْ تَجِدِي شَيْئًا وَأَنْتِ بِهَذِهِ الحَالِ،” قَالَ كَرِيمٌ وَهُوَ يُشِيرُ إِلَى وَجْهِهَا الشَّاحِبِ فِي مِرْآةِ السَّيَّارَةِ المُسْتَأْجَرَةِ. “نَمِي وَلَوْ سَاعَةً قَبْلَ أَنْ نَبْدَأَ.”
“لَا وَقْتَ لِلنَّوْمِ. الأَمِينُ قَالَ إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَبْدَأُ مِنْ هُنَا. أُرِيدُ أَنْ أَفْهَمَ لِمَاذَا.”
قَادَهُمَا العُنْوَانُ الوَحِيدُ الَّذِي تَرَكَهُ الأَمِينُ — بِضْعَةُ أَحْرُفٍ لَا أَكْثَرَ — إِلَى مَعْهَدٍ صَغِيرٍ لِدِرَاسَةِ الفَلْسَفَةِ اليُونَانِيَّةِ القَدِيمَةِ، يَقَعُ فِي زُقَاقٍ ضَيِّقٍ خَلْفَ حَيِّ بְلَاكَا، بَعِيدًا عَنْ صَخَبِ السُّيَّاحِ. عَلَى البَابِ لَافِتَةٌ نُحَاسِيَّةٌ صَغِيرَةٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا بِاليُونَانِيَّةِ وَالإِنْكِلِيزِيَّةِ: “مَعْهَدُ الفَحْصِ غَيْرِ المُنْقَطِعِ”. اِبْتَسَمَتْ لَمَى حِينَ قَرَأَتِ الاِسْمَ، إِذْ تَذَكَّرَتْ فَوْرًا العِبَارَةَ الَّتِي نُسِبَتْ إِلَى سُقْرَاطَ نَفْسِهِ: الحَيَاةُ الَّتِي لَا تُفْحَصُ لَا تَسْتَحِقُّ أَنْ تُعَاشَ.
اِسْتَقْبَلَتْهُمَا اِمْرَأَةٌ فِي أَوَاخِرِ السِّتِّينَ، تَرْتَدِي نَظَّارَاتٍ سَمِيكَةً وَتَحْمِلُ فِي عَيْنَيْهَا حَذَرًا لَا تُخْفِيهِ الابْتِسَامَةُ المُهَذَّبَةُ. قَدَّمَتْ نَفْسَهَا بِاسْمٍ أَوَّلَ فَقَطْ: إِلِينِي. لَمْ تَسْأَلْ عَنْ سَبَبِ زِيَارَتِهِمَا، بَلْ قَادَتْهُمَا مُبَاشَرَةً إِلَى قَاعَةٍ صَغِيرَةٍ فِي الطَّابَقِ السُّفْلِيِّ، حَيْثُ تَنْتَصِبُ خِزَانَةٌ حَدِيدِيَّةٌ قَدِيمَةٌ فِي الزَّاوِيَةِ.
“جَاءَنِي بَرِيدٌ قَبْلَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يُخْبِرُنِي أَنَّ صَحَفِيَّةً سَتَصِلُ تَحْمِلُ اسْمًا وَاحِدًا،” قَالَتْ إِلِينِي وَهِيَ تُدِيرُ مِفْتَاحًا صَغِيرًا فِي قُفْلِ الخِزَانَةِ. “لَمْ يُوَقِّعِ البَرِيدُ بِاسْمٍ، لَكِنَّ أُسْلُوبَهُ كَانَ يُشْبِهُ أُسْلُوبَ رَجُلٍ عَمِلْتُ مَعَهُ قَبْلَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ.”
“الأَمِينُ؟” سَأَلَتْ لَمَى.
“لَمْ أَقُلْ ذَلِكَ. لَكِنَّكِ قُلْتِهِ أَنْتِ.”
أَخْرَجَتْ مِنَ الخِزَانَةِ صُنْدُوقًا خَشَبِيًّا مُسَطَّحًا، وَفَتَحَتْهُ عَلَى الطَّاوِلَةِ. بِدَاخِلِهِ أَوْرَاقٌ صَفْرَاءُ مُتَهَالِكَةٌ، بَعْضُهَا بِاليُونَانِيَّةِ القَدِيمَةِ، وَبَعْضُهَا الآخَرُ بِخَطِّ يَدٍ عَرَبِيَّةٍ حَدِيثَةٍ نِسْبِيًّا، لَا يَتَجَاوَزُ عُمْرُهَا عُقُودًا قَلِيلَةً.
“هَذِهِ نُسْخَةٌ أُعِيدَ تَجْمِيعُهَا مِنْ شَهَادَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ عَنْ مُحَاكَمَةِ سُقْرَاطَ، جَمَعَهَا أَحَدُ أَعْضَاءِ مَجْلِسِكِمُ الأَوَائِلِ فِي السَّبْعِينَاتِ،” قَالَتْ إِلِينِي. “لَيْسَتْ وَثِيقَةً تَارِيخِيَّةً بِالمَعْنَى الصَّارِمِ. إِنَّهَا مُحَاوَلَةٌ لِإِعَادَةِ بِنَاءِ مَا حَدَثَ فِي تِلْكَ القَاعَةِ، اِسْتِنَادًا إِلَى مَا كَتَبَهُ أَفْلَاطُونُ وَكْسِينُوفُونُ، وَإِلَى تَخْمِينٍ حَذِرٍ حَيْثُمَا غَابَ النَّصُّ.”
جَلَسَتْ لَمَى، وَبَدَأَتْ تَقْرَأُ.
فِي رَبِيعِ العَامِ التَّاسِعِ وَالتِّسْعِينَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِئَةِ قَبْلَ المِيلَادِ، وَقَفَ رَجُلٌ فِي السَّبْعِينَ مِنْ عُمْرِهِ أَمَامَ هَيْئَةٍ مِنْ خَمْسِمِئَةٍ وَوَاحِدٍ وَسِتِّينَ مُحَلَّفًا، فِي سَاحَةِ أَثِينَا الَّتِي عَرَفَتْهُ طَوَالَ عُمْرِهِ حَافِيَ القَدَمَيْنِ، رَثَّ الثِّيَابِ، يَسْأَلُ كُلَّ مَنْ يَلْقَاهُ أَسْئِلَةً لَا يُحِبُّهَا أَحَدٌ.
“أَنْتُمْ تَتَّهِمُونَنِي بِإِفْسَادِ الشَّبَابِ، وَبِإِنْكَارِ آلِهَةِ المَدِينَةِ،” قَالَ سُقْرَاطُ لِلْمُحَلَّفِينَ، فِيمَا أَعَادَ النَّصُّ صِيَاغَتَهُ، “وَأَنَا أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ أُفْسِدْ أَحَدًا. لَقَدْ عَلَّمْتُهُمْ أَنْ يَسْأَلُوا، وَهَذَا وَحْدَهُ مَا تَعْتَبِرُونَهُ فَسَادًا، لِأَنَّ السُّؤَالَ يُزْعِجُ مَنْ يَخَافُ الجَوَابَ.”
“لَكِنَّكَ تُقَوِّضُ إِيمَانَ شَبَابِنَا بِمَا وَرِثُوهُ عَنْ آبَائِهِمْ!” صَرَخَ أَحَدُ المُتَّهِمِينَ الثَّلَاثَةِ، مِلِيتُسُ، صَاحِبُ الشَّكْوَى الأَصْلِيَّةِ.
“وَهَلْ الإِيمَانُ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ سُؤَالًا وَاحِدًا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسَمَّى إِيمَانًا؟” رَدَّ سُقْرَاطُ بِهُدُوءٍ لَمْ يُفَارِقْهُ طَوَالَ المُحَاكَمَةِ.
لَمْ يَطْلُبْ سُقْرَاطُ الرَّحْمَةَ، وَلَمْ يَتَوَسَّلْ، وَلَمْ يُقَدِّمْ مَا كَانَ يَتَوَقَّعُهُ القُضَاةُ: اعْتِذَارًا يَحْفَظُ لَهُ حَيَاتَهُ. بَلِ اقْتَرَحَ، حِينَ سُئِلَ عَنِ العُقُوبَةِ الَّتِي يَرَاهَا مُنَاسِبَةً لِنَفْسِهِ، أَنْ يُكَافَأَ بِوَجَبَاتٍ مَجَّانِيَّةٍ فِي مَبْنَى المَجْلِسِ، بِوَصْفِهِ خَادِمًا لِلْمَدِينَةِ لَا مُجْرِمًا فِي حَقِّهَا. أَغْضَبَ هَذَا القُضَاةَ أَكْثَرَ مِمَّا أَغْضَبَتْهُمُ التُّهْمَةُ نَفْسُهَا، فَحُكِمَ عَلَيْهِ بِالمَوْتِ بِأَغْلَبِيَّةٍ أَكْبَرَ مِنَ الَّتِي أَدَانَتْهُ.
“كَانَ بِإِمْكَانِهِ أَنِ يَهْرُبَ،” قَالَتْ إِلِينِي، مُقَاطِعَةً قِرَاءَةَ لَمَى بِصَوْتِهَا الهَادِئِ. “صَدِيقُهُ كْرِيتُونُ رَتَّبَ كُلَّ شَيْءٍ: حَارِسًا مَرْشُوًّا، سَفِينَةً، مَلْجَأً فِي مَدِينَةٍ أُخْرَى. لَمْ يَكُنِ الهُرُوبُ مُسْتَحِيلًا. كَانَ مُتَاحًا تَمَامًا.”
“وَلِمَاذَا لَمْ يَفْعَلْ؟” سَأَلَ كَرِيمٌ، وَقَدْ بَدَا عَلَيْهِ اهْتِمَامٌ لَمْ يُخْفِهِ لِلْمَرَّةِ الأُولَى مُنْذُ بَدْءِ الرِّحْلَةِ.
“لِأَنَّهُ آمَنَ أَنَّهُ لَوْ هَرَبَ لَخَانَ كُلَّ مَا قَالَهُ طَوَالَ حَيَاتِهِ. القَوَانِينُ الَّتِي حَاكَمَتْهُ ظُلْمًا هِيَ القَوَانِينُ نَفْسُهَا الَّتِي حَمَتْهُ طَوَالَ سَبْعِينَ عَامًا. اِخْتَارَ أَنْ يَمُوتَ مُطِيعًا لِمَبْدَأٍ، لَا هَارِبًا مِنْ حُكْمٍ. شَرِبَ السُّمَّ بِيَدِهِ، وَظَلَّ يَتَحَدَّثُ عَنِ الرُّوحِ وَالمَوْتِ حَتَّى بَرَدَ جَسَدُهُ.”
سَادَ صَمْتٌ فِي القَاعَةِ. رَفَعَتْ لَمَى عَيْنَيْهَا عَنِ الأَوْرَاقِ لِتَجِدَ إِلِينِي تُرَاقِبُهَا بِنَظْرَةٍ غَرِيبَةٍ، كَأَنَّهَا تَنْتَظِرُ سُؤَالًا لَمْ تَطْرَحْهُ لَمَى بَعْدُ.
“لِمَاذَا أَحْضَرْتِ لَنَا هَذَا بِالذَّاتِ؟” سَأَلَتْ لَمَى أَخِيرًا. “مَا عَلَاقَتُهُ بِمَجْلِسِ الغَائِبِينَ؟”
نَهَضَتْ إِلِينِي، وَعَادَتْ إِلَى الصُّنْدُوقِ لِتُخْرِجَ مِنْهُ وَرَقَةً أَخِيرَةً، مَطْوِيَّةً بِعِنَايَةٍ خَاصَّةٍ، مُنْفَصِلَةً عَنِ البَقِيَّةِ.
“لِأَنَّ مَجْلِسَ الغَائِبِينَ لَمْ يُؤَسَّسْ عَلَى فِكْرَةٍ فَلْسَفِيَّةٍ مُجَرَّدَةٍ،” قَالَتْ. “تَأَسَّسَ عَلَى نَدَمٍ. اِقْرَئِي هَذِهِ.”
فَتَحَتْ لَمَى الوَرَقَةَ. كَانَتْ رِسَالَةً كُتِبَتْ، بِحَسَبِ التَّارِيخِ المُدَوَّنِ فِي أَعْلَاهَا، فِي مُنْتَصَفِ القَرْنِ العِشْرِينَ، بِتَوْقِيعٍ لَا يَحْمِلُ سِوَى حَرْفٍ وَاحِدٍ: الحَرْفُ نَفْسُهُ الَّذِي رَأَتْهُ مُوَقَّعًا عَلَى مُرَاسَلَاتِ الأَمِينِ.
“إِلَى مَنْ سَيَأْتِي بَعْدِي: لَمْ أُؤَسِّسْ هَذَا المَجْلِسَ لِأُحَاكِمَ العُظَمَاءَ، بَلْ لِأَنِّي وَجَدْتُ، فِي مَحْفُوظَاتِ عَائِلَتِي، وَثِيقَةً تُثْبِتُ أَنَّ أَحَدَ أَجْدَادِي كَانَ وَاحِدًا مِنَ الخَمْسِمِئَةِ وَوَاحِدٍ وَسِتِّينَ الَّذِينَ صَوَّتُوا عَلَى إِعْدَامِ سُقْرَاطَ. لَمْ يُنْدَمْ جَدِّي عَلَى صَوْتِهِ، بَلْ عَاشَ فَخُورًا بِهِ حَتَّى مَوْتِهِ. وَحِينَ قَرَأْتُ ذَلِكَ، أَدْرَكْتُ أَنَّ العَالَمَ لَا يَنْقُصُهُ مَنْ يَقْتُلُ الأَسْئِلَةَ الكَبِيرَةَ، بَلْ يَنْقُصُهُ مَنْ يَحْرُسُهَا بَعْدَ فَوَاتِ الأَوَانِ. أُسِّسَ هَذَا المَجْلِسُ كَفِعْلِ نَدَمٍ مُتَأَخِّرٍ، عَلَى أَمَلِ أَلَّا يَتَأَخَّرَ نَدَمُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَنَا.”
اِرْتَجَفَتْ يَدُ لَمَى وَهِيَ تُمْسِكُ الوَرَقَةَ. لَمْ يَكُنْ اِسْمُ صَاحِبِ الرِّسَالَةِ مَكْتُوبًا، لَكِنَّ شَيْئًا فِي طَرِيقَةِ الخَطِّ، فِي اِنْحِنَاءِ الحُرُوفِ، بَدَا لَهَا مَأْلُوفًا بِشَكْلٍ مُقْلِقٍ.
“هَذَا الخَطُّ…” هَمَسَتْ. “رَأَيْتُهُ مِنْ قَبْلُ. عَلَى وَرَقَةِ الكُرْسِيِّ الفَارِغِ. سَلْمَى لَمْ تَكْتُبْ تِلْكَ الجُمْلَةَ مِنْ عِنْدِهَا. كَانَتْ تَنْسَخُ خَطَّ شَخْصٍ آخَرَ، خَطَّ مُؤَسِّسِ المَجْلِسِ نَفْسِهِ.”
“أَوْ رُبَّمَا،” قَالَتْ إِلِينِي بِبُطْءٍ، وَهِيَ تَخْتَارُ كَلِمَاتِهَا بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، “لَمْ تَكُنْ تَنْسَخُهُ. رُبَّمَا كَانَتْ تَكْتُبُ بِخَطِّهَا هِيَ، لِأَنَّهَا وَرِثَتْهُ.”
اِلْتَفَتَ كَرِيمٌ إِلَى إِلِينِي بِسُرْعَةٍ. “تَقْصِدِينَ أَنَّ سَلْمَى..”
“أَقْصِدُ أَنَّ عَلَيْكُمَا أَنْ تَسْأَلَا عَنِ اسْمِ عَائِلَةِ سَلْمَى الحَقِيقِيِّ، لَا اللَّقَبَ الَّذِي عُرِفَتْ بِهِ فِي النَّدْوَةِ،” قَالَتْ إِلِينِي وَهِيَ تُغْلِقُ الصُّنْدُوقَ بِحَرَكَةٍ نِهَائِيَّةٍ، كَأَنَّهَا أَعْطَتْهُمَا كُلَّ مَا تَمْلِكُ. “وَحِينَ تَعْرِفَانِ الجَوَابَ، سَتَفْهَمَانِ أَنَّ اخْتِفَاءَهَا لَمْ يَكُنْ هُرُوبًا مِنَ المَجْلِسِ، بَلْ عَوْدَةً إِلَى شَيْءٍ أَقْدَمَ مِنَ المَجْلِسِ نَفْسِهِ.”
خَرَجَا مِنَ المَعْهَدِ وَالشَّمْسُ قَدِ ارْتَفَعَتْ فَوْقَ الأَكْرُوبُولِيسِ، تُضِيءُ أَعْمِدَةَ البَارْثِينُونَ الَّتِي وَقَفَتْ شَاهِدَةً عَلَى مَدِينَةٍ حَكَمَتْ عَلَى أَعْقَلِ أَبْنَائِهَا بِالمَوْتِ، ثُمَّ قَضَتْ قُرُونًا تُكَفِّرُ عَنْ ذَلِكَ الحُكْمِ بِتَمَاثِيلَ وَمَدَارِسَ وَأَسْمَاءِ شَوَارِعَ. تَوَقَّفَتْ لَمَى عِنْدَ نُقْطَةٍ مُرْتَفِعَةٍ تُطِلُّ عَلَى السَّاحَةِ القَدِيمَةِ، وَأَخْرَجَتْ هَاتِفَهَا لِتَبْحَثَ عَنِ اسْمٍ لَمْ تَفْكِرْ يَوْمًا أَنَّهَا سَتَبْحَثُ عَنْهُ بِهَذَا القَلَقِ: اسْمُ عَائِلَةِ سَلْمَى قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ أَنْ تَكُونَ، لِلْعَالَمِ كُلِّهِ، مُجَرَّدَ اسْمٍ أَوَّلَ لَا يَحْمِلُ ذَاكِرَةً.
“إِذَا كَانَتْ سَلْمَى مِنْ نَسْلِ مُؤَسِّسِ المَجْلِسِ،” قَالَتْ لِكَرِيمٍ دُونَ أَنْ تَرْفَعَ عَيْنَيْهَا عَنِ الهَاتِفِ، “فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ اخْتِفَاءَهَا لَيْسَ لُغْزًا نُحَاوِلُ حَلَّهُ. إِنَّهُ اِمْتِحَانٌ صَمَّمَتْهُ هِيَ نَفْسُهَا لِنَخْتَبِرَ أَنْفُسَنَا فِيهِ.”
“وَإِنْ نَجَحْنَا فِي الاِمْتِحَانِ؟” سَأَلَ كَرِيمٌ.
لَمْ تُجِبْ لَمَى فَوْرًا. وَقَفَتْ تَتَأَمَّلُ المَدِينَةَ الَّتِي عَلَّمَتِ العَالَمَ كَيْفَ يَسْأَلُ، ثُمَّ عَاقَبَتْ أَوَّلَ مَنْ سَأَلَ بِجِدِّيَّةٍ كَافِيَةٍ، وَقَالَتْ أَخِيرًا:
“عِنْدَهَا سَنَعْرِفُ لِمَاذَا اخْتَارَتِ اسْمِي أَنَا بِالذَّاتِ لِيَكُونَ فِي ذَلِكَ السِّجِلِّ.”
الفَصْلُ الثَّالِثُ
لَمْ يَكُنِ اسْمُ عَائِلَةِ سَلْمَى قَدْ ظَهَرَ بَعْدُ فِي أَيِّ سِجِلٍّ رَسْمِيٍّ حِينَ وَصَلَتِ الرِّسَالَةُ الثَّانِيَةُ إِلَى بَرِيدِ لَمَى، فِي مَسَاءِ اليَوْمِ نَفْسِهِ الَّذِي غَادَرَا فِيهِ أَثِينَا. لَمْ تَكُنْ رِسَالَةً طَوِيلَةً: عُنْوَانُ مَكْتَبَةٍ صَغِيرَةٍ فِي حَيٍّ قَدِيمٍ مِنْ بَيْرُوتَ، وَاسْمٌ وَاحِدٌ: يَاسِينُ.
“لَا تُخْبِرِي أَحَدًا أَنَّكُمَا قَادِمَانِ،” كَانَتِ الجُمْلَةُ الأَخِيرَةُ فِي الرِّسَالَةِ.
لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ لِمَاذَا شَعَرَتْ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ بَدَأَ كُلُّ هَذَا، أَنَّ التَّحْذِيرَ لَمْ يَكُنْ زَخْرَفًا دِرَامِيًّا، بَلْ ضَرُورَةً حَقِيقِيَّةً.
كَانَتِ المَكْتَبَةُ أَشْبَهَ بِبَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ بَيْرُوتَ القَدِيمَةِ، حِجَارَتُهُ الرَّمْلِيَّةُ تَحْمِلُ آثَارَ حَرْبٍ لَمْ تُرَمَّمْ وَاجِهَتُهَا كَامِلَةً بَعْدُ. اسْتَقْبَلَهُمَا يَاسِينُ عِنْدَ البَابِ، رَجُلٌ فِي الثَّمَانِينَ مِنْ عُمْرِهِ، أَعْمَى تَمَامًا، يَتَحَرَّكُ بَيْنَ رُفُوفِ الكُتُبِ بِثِقَةِ مَنْ حَفِظَ كُلَّ زَاوِيَةٍ فِيهَا عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ.
“جِئْتُمَا مِنْ أَجْلِ أَبِي العَلَاءِ،” قَالَ دُونَ أَنْ يَسْأَلَ. “أَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْ صَوْتِ خُطَاكُمَا. الَّذِينَ يَبْحَثُونَ عَنْهُ يَمْشُونَ بِبُطْءٍ، كَأَنَّهُمْ يَخَافُونَ أَنْ يُزْعِجُوا عَمَاهُ.”
“كَيْفَ عَرَفْتَ أَنَّنَا قَادِمَانِ مِنْ أَجْلِهِ بِالذَّاتِ؟” سَأَلَتْ لَمَى.
“لِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَصِلُ إِلَى هَذَا البَابِ يَصِلُ إِلَيْهِ عَبْرَ الاِسْمِ نَفْسِهِ الَّذِي أَوْصَلَكِ: الأَمِينُ. وَالأَمِينُ لَا يُرْسِلُ أَحَدًا إِلَى مَكْتَبَتِي إِلَّا حِينَ يَكُونُ السُّؤَالُ عَنِ الشَّكِّ. وَأَبُو العَلَاءِ هُوَ أَسْتَاذُ الشَّكِّ الأَكْبَرُ.”
قَادَهُمَا إِلَى غُرْفَةٍ دَاخِلِيَّةٍ صَغِيرَةٍ، مُكْتَظَّةٍ بِمَخْطُوطَاتٍ مَحْفُوظَةٍ فِي عُلَبٍ زُجَاجِيَّةٍ. جَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ المُعْتَادِ، وَبَدَأَ يَتَحَدَّثُ بِصَوْتٍ يَشِي بِأَنَّهُ رَوَى هَذِهِ الحِكَايَةَ مِرَارًا، لِأُنَاسٍ كَثِيرِينَ، عَلَى مَدَى عُمْرٍ طَوِيلٍ.
“وُلِدَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ فِي مَعَرَّةِ النُّعْمَانِ، سَنَةَ ثَلَاثِمِئَةٍ وَثَلَاثٍ وَسِتِّينَ لِلْهِجْرَةِ، وَفَقَدَ بَصَرَهُ وَهُوَ فِي الرَّابِعَةِ مِنْ عُمْرِهِ بِمَرَضِ الجُدَرِيِّ،” قَالَ يَاسِينُ. “لَكِنَّ فُقْدَانَ البَصَرِ لَمْ يَكُنْ أَقْسَى مَا اخْتَارَهُ لِنَفْسِهِ. فِي شَبَابِهِ، عَادَ إِلَى مَعَرَّتِهِ بَعْدَ رِحْلَةٍ إِلَى بَغْدَادَ لَمْ يَجِدْ فِيهَا مَا كَانَ يَبْحَثُ عَنْهُ، وَحَبَسَ نَفْسَهُ فِي بَيْتِهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، لَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا نَادِرًا. سَمَّى نَفْسَهُ رَهِينَ المَحْبِسَيْنِ: مَحْبِسُ العَمَى، وَمَحْبِسُ البَيْتِ. وَكَانَ يَقُولُ إِنَّ مَحْبِسًا ثَالِثًا أَشَدَّ قَسْوَةً مِنْهُمَا: الرُّوحُ حِينَ تُحْبَسُ فِي جَسَدٍ.”
“رَجُلٌ اخْتَارَ العُزْلَةَ بِمَحْضِ إِرَادَتِهِ،” قَالَ كَرِيمٌ. “هَذَا لَا يَبْدُو مُثِيرًا لِلْجِدَلِ بِقَدْرِ مَا هُوَ مُثِيرٌ لِلشَّفَقَةِ.”
اِبْتَسَمَ يَاسِينُ اِبْتِسَامَةً هَادِئَةً، لَمْ تُخْفِ خَلْفَهَا نَوْعًا مِنَ الأَسَى القَدِيمِ.
“لَا تَرْثِ لَهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَرْثِ لِنَفْسِهِ يَوْمًا. مِنْ دَاخِلِ ذَلِكَ البَيْتِ الصَّغِيرِ، كَتَبَ مَا لَمْ يَجْرُؤْ أَحَدٌ عَلَى كِتَابَتِهِ فِي زَمَنِهِ. شَكَّكَ فِي كُلِّ الرِّوَايَاتِ الَّتِي وَرِثَهَا النَّاسُ عَنْ آبَائِهِمْ دُونَ سُؤَالٍ، وَسَاوَى بَيْنَ أَتْبَاعِ كُلِّ الأَدْيَانِ فِي كَوْنِهِمْ بَشَرًا يَبْحَثُونَ عَنِ اليَقِينِ نَفْسِهِ مِنْ أَبْوَابٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَامْتَنَعَ عَنْ أَكْلِ اللَّحْمِ رَحْمَةً بِمَا لَا يَقْوَى عَلَى الدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِهِ، فِي زَمَنٍ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَظُنُّ ذَلِكَ فَضِيلَةً. رَفَضَ الزَّوَاجَ وَالإِنْجَابَ، لِأَنَّهُ رَأَى فِي الوُجُودِ نَفْسِهِ خَطِيئَةً لَا يَنْبَغِي أَنْ تُوَرَّثَ. وَحِينَ أَرَادَ أَنْ يُلَخِّصَ فَلْسَفَتَهُ كُلَّهَا فِي عِبَارَةٍ وَاحِدَةٍ، كَتَبَ عَلَى قَبْرِهِ وَصِيَّةً غَرِيبَةً: هَذَا جَنَاهُ أَبِي عَلَيَّ، وَمَا جَنَيْتُ عَلَى أَحَدٍ.”
“يَقْصِدُ أَنَّ أَبَاهُ جَنَى عَلَيْهِ بِإِنْجَابِهِ،” قَالَتْ لَمَى بِصَوْتٍ خَفِيضٍ. “شَكٌّ لَمْ يَتَوَقَّفْ حَتَّى عِنْدَ حَافَّةِ الوُجُودِ نَفْسِهِ.”
“بِالضَّبْطِ. وَلِهَذَا كَانَ خَطِرًا. لَيْسَ لِأَنَّهُ هَاجَمَ فِكْرَةً بِعَيْنِهَا، بَلْ لِأَنَّهُ رَفَضَ أَنْ يُسَلِّمَ بِأَيِّ فِكْرَةٍ لَا تَصْمُدُ أَمَامَ السُّؤَالِ.”
كَانَ يَاسِينُ قَدْ بَدَأَ يُخْرِجُ مِنْ إِحْدَى العُلَبِ الزُّجَاجِيَّةِ صَفْحَةً وَحِيدَةً مِنْ مَخْطُوطٍ عَتِيقٍ، حِينَ سُمِعَ صَوْتُ اِصْطِدَامٍ حَادٍّ فِي الطَّابَقِ العُلْوِيِّ، تَلَاهُ صَرِيرُ بَابٍ يُفْتَحُ بِعُنْفٍ.
“اِبْقَيَا هُنَا،” هَمَسَ كَرِيمٌ، وَقَدْ تَحَوَّلَ صَوْتُهُ فَجْأَةً إِلَى نَبْرَةٍ لَمْ تَسْمَعْهَا لَمَى مِنْهُ مِنْ قَبْلُ، نَبْرَةُ رَجُلٍ عَادَ إِلَيْهِ تَدْرِيبٌ قَدِيمٌ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ.
لَكِنَّهَا لَمْ تَبْقَ. تَبِعَتْهُ إِلَى أَعْلَى الدَّرَجِ، لِتَرَى ثَلَاثَةَ رِجَالٍ يَرْتَدُونَ مَلَابِسَ سَوْدَاءَ يُفَتِّشُونَ الرُّفُوفَ الخَارِجِيَّةَ لِلْمَكْتَبَةِ بِعُنْفٍ، يُلْقُونَ الكُتُبَ عَلَى الأَرْضِ وَاحِدًا تِلْوَ الآخَرِ. اِلْتَفَتَ أَحَدُهُمْ نَحْوَهُمَا، وَفِي عَيْنَيْهِ نَظْرَةٌ لَمْ تَحْمِلْ مُفَاجَأَةً، بَلْ تَرَقُّبًا كَأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ بِالضَّبْطِ أَنَّهُمَا فِي الدَّاخِلِ.
“أَيْنَ الصُّنْدُوقُ؟” صَرَخَ الرَّجُلُ بِلَهْجَةٍ لَمْ تَتَمَكَّنْ لَمَى مِنْ تَحْدِيدِ مَنْشَئِهَا بِدِقَّةٍ. “نَعْرِفُ أَنَّ العَجُوزَ يُخْفِي شَيْئًا. أَخْبِرَاهُ أَنْ يُوَفِّرَ عَلَى نَفْسِهِ.”
دَفَعَ كَرِيمٌ لَمَى إِلَى الخَلْفِ بِذِرَاعِهِ، وَسَحَبَ مِنْ حِزَامِهِ مِفْتَاحًا حَدِيدِيًّا ثَقِيلًا — كُلُّ مَا كَانَ يَحْمِلُهُ — وَاتَّجَهَ نَحْوَ مَخْرَجٍ جَانِبِيٍّ كَانَ يَاسِينُ قَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ سَابِقًا دُونَ أَنْ يَشْرَحَ سَبَبَ وُجُودِهِ. فِي دَقَائِقَ مَعْدُودَةٍ، وَجَدُوا أَنْفُسَهُمْ فِي زُقَاقٍ خَلْفِيٍّ ضَيِّقٍ، يَاسِينُ بَيْنَهُمَا، يَتَحَرَّكُ بِثِقَةٍ مُدْهِشَةٍ فِي عَتْمَةٍ لَمْ تَكُنْ تَعْنِي لَهُ شَيْئًا مُخْتَلِفًا عَنِ النَّهَارِ.
“لَمْ يَأْخُذُوا شَيْئًا،” قَالَ يَاسِينُ وَهُوَ يَلْهَثُ قَلِيلًا، وَفِي صَوْتِهِ ارْتِيَاحٌ غَرِيبٌ وَسَطَ الفَوْضَى. “الصَّفْحَةُ الَّتِي كُنْتُ سَأُرِيكُمَا إِيَّاهَا كَانَتْ فِي جَيْبِي مُنْذُ البِدَايَةِ. لَمْ أَكُنْ لِأَتْرُكَهَا فِي عُلْبَتِهَا حِينَ عَرَفْتُ أَنَّكُمَا قَادِمَانِ.”
جَلَسُوا فِي مَقْهًى صَغِيرٍ عَلَى بُعْدِ شَوَارِعَ عِدَّةٍ، وَأَخْرَجَ يَاسِينُ الصَّفْحَةَ مِنْ جَيْبِهِ بِحَذَرٍ مَنْ يَحْمِلُ شَيْئًا أَثْمَنَ مِنْ نَفْسِهِ. لَمْ تَكُنْ صَفْحَةً مِنْ مَخْطُوطٍ لِأَبِي العَلَاءِ نَفْسِهِ، بَلْ رِسَالَةً كُتِبَتْ عَنْهُ، بِخَطٍّ حَدِيثٍ نِسْبِيًّا، يَعُودُ — كَمَا بَدَا مِنَ التَّارِيخِ فِي أَعْلَاهَا — إِلَى مُنْتَصَفِ القَرْنِ الفَائِتِ.
“هَذِهِ الرِّسَالَةُ كَتَبَهَا أَحَدُ أَعْضَاءِ مَجْلِسِ الغَائِبِينَ الأَوَائِلِ، بَعْدَ زِيَارَةٍ إِلَى مَعَرَّةِ النُّعْمَانِ،” قَالَ يَاسِينُ. “فِيهَا يَذْكُرُ أَنَّهُ الْتَقَى بِعَائِلَةٍ مَحَلِّيَّةٍ تَحْتَفِظُ، جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، بِوَثِيقَةٍ تَقُولُ إِنَّهَا مِنْ سُلَالَةِ أُخْتِ أَبِي العَلَاءِ، وَأَنَّ هَذِهِ العَائِلَةَ هِيَ مَنْ حَفِظَتْ كَثِيرًا مِنْ أَشْعَارِهِ غَيْرِ المَعْرُوفَةِ سِرًّا، خَوْفًا مِنْ أَنْ تُصَادَرَ أَوْ تُحْرَقَ كَمَا صُودِرَ وَأُحْرِقَ غَيْرُهَا فِي عُصُورٍ لَاحِقَةٍ.”
تَوَقَّفَ يَاسِينُ لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ أَشَارَ بِإِصْبَعِهِ إِلَى سَطْرٍ فِي أَسْفَلِ الصَّفْحَةِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَرَاهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ مَوْضِعَهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ.
“اِقْرَئِيهِ أَنْتِ،” قَالَ لِلَمَى.
قَرَأَتْ لَمَى بِصَوْتٍ اِرْتَجَفَ قَلِيلًا: “وَاسْمُ تِلْكَ العَائِلَةِ الَّتِي اسْتَضَافَتْنِي، عَلَى مَا أَذْكُرُ، هُوَ آلُ سَلَامَةَ، وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي كَبِيرَتُهُمْ أَنَّ اِبْنَتَهَا الصَّغِيرَةَ، وَقَدْ سُمِّيَتْ سَلْمَى تَيَمُّنًا بِاسْمِ جَدَّتِهَا، سَتَكُونُ يَوْمًا حَارِسَةَ مَا تَبَقَّى مِنْ هَذَا الإِرْثِ، إِذَا صَدَقَتِ النُّبُوءَةُ الَّتِي تَتَوَارَثُهَا العَائِلَةُ.”
سَقَطَتِ الوَرَقَةُ مِنْ يَدِ لَمَى دُونَ أَنْ تَشْعُرَ. لَمْ تَعُدِ العَلَاقَةُ بَيْنَ سَلْمَى وَبَيْنَ الأَسْمَاءِ الَّتِي تَلَاحَقُهَا مُنْذُ بَرْلِينَ مُجَرَّدَ تَخْمِينٍ أَوْ صُدْفَةٍ سَرْدِيَّةٍ. كَانَتْ سَلْمَى، مُنْذُ وِلَادَتِهَا، جُزْءًا مِنْ حِكَايَةٍ أَقْدَمَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَخَيَّلَتْهُ لَمَى، حِكَايَةٍ تَمْتَدُّ مِنْ مَعَرَّةِ النُّعْمَانِ إِلَى أَثِينَا، وَمِنْ أَثِينَا إِلَى قَاعَةٍ فِي بَرْلِينَ تَرَكَتْ فِيهَا كُرْسِيًّا فَارِغًا كَعَلَامَةٍ لَا كَغِيَابٍ.
“مَنْ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّنَا سَنَصِلُ إِلَى هُنَا؟” سَأَلَتْ لَمَى أَخِيرًا، وَهِيَ تَتَذَكَّرُ نَظْرَةَ الرَّجُلِ ذِي المَلَابِسِ السَّوْدَاءِ. “مَنْ عَدَا الأَمِينِ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّنَا قَادِمَانِ إِلَى مَكْتَبَتِكَ؟”
أَطْرَقَ يَاسِينُ بِرَأْسِهِ، وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ الْتَقَيَا بِهِ، بَدَا عَلَى وَجْهِهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ الخَوْفَ الحَقِيقِيَّ.
“فِي المَجْلِسِ، كَمَا فِي كُلِّ مَجْلِسٍ يَحْمِلُ أَسْرَارًا، لَيْسَ كُلُّ الحُرَّاسِ أُمَنَاءَ عَلَى مَا يَحْرُسُونَهُ،” قَالَ بِصَوْتٍ خَفِيضٍ. “هُنَاكَ مَنْ يُرِيدُ لِهَذَا الإِرْثِ أَنْ يَبْقَى مَدْفُونًا، لَا لِأَنَّهُ يَخَافُ الشَّكَّ، بَلْ لِأَنَّهُ يَعْرِفُ إِلَى أَيْنَ يَقُودُ. وَأَخْشَى، يَا اِبْنَتِي، أَنَّ الطَّرِيقَ الَّذِي تَسِيرِينَ فِيهِ لَمْ يَعُدْ طَرِيقَ بَحْثٍ عَنْ إِجَابَةٍ، بَلْ طَرِيقَ هُرُوبٍ مِنْ شَخْصٍ يُرِيدُ أَنْ يُغْلِقَ البَابَ قَبْلَ أَنْ تَصِلِي.”
الفَصْلُ الرَّابِعُ
لَمْ يَنَامَا فِي بَيْرُوتَ. غَادَرَا فِي أَوَّلِ رِحْلَةٍ مُتَاحَةٍ إِلَى إِسْبَانِيَا، وَظَلَّ صَوْتُ يَاسِينَ يَتَرَدَّدُ فِي أُذُنِ لَمَى طَوَالَ الطَّرِيقِ: لَيْسَ كُلُّ الحُرَّاسِ أُمَنَاءَ عَلَى مَا يَحْرُسُونَهُ. فِي المَطَارِ، اِشْتَرَى كَرِيمٌ هَاتِفَيْنِ جَدِيدَيْنِ بِبِطَاقَتَيْنِ مَجْهُولَتَيِ الهَوِيَّةِ، وَلَمْ يُفَسِّرْ لِمَاذَا، وَلَمْ تَسْأَلْهُ لَمَى.
“الأَمِينُ لَمْ يُرْسِلْ لَنَا هَذِهِ المَرَّةَ عُنْوَانًا،” قَالَتْ لَمَى وَهِيَ تُرَاجِعُ هَاتِفَهَا القَدِيمَ لِلْمَرَّةِ الأَخِيرَةِ قَبْلَ أَنْ تُطْفِئَهُ نِهَائِيًّا. “إِنَّمَا وَجَدْتُ اسْمًا وَاحِدًا فِي سِجِلِّ مَجْلِسِ الغَائِبِينَ يَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ الجَلَسَاتِ الخَاصَّةِ بِابْنِ رُشْدٍ: زَهْرَةُ.”
كَانَتْ قُرْطُبَةُ فِي أَوَاخِرِ الخَرِيفِ هَادِئَةً بِشَكْلٍ يُوحِي بِأَنَّهَا لَا تَزَالُ تَحْمِلُ فِي حِجَارَتِهَا صَدَى قَرْنٍ ذَهَبِيٍّ لَمْ يَعُدْ يُصَدَّقُ أَنَّهُ كَانَ حَقِيقِيًّا. وَجَدَا زَهْرَةَ فِي قَاعَةٍ مُلْحَقَةٍ بِمَسْجِدٍ قَدِيمٍ حُوِّلَ جُزْءٌ مِنْهُ إِلَى مَتْحَفٍ صَغِيرٍ، اِمْرَأَةً فِي الأَرْبَعِينَ تَعْمَلُ أُسْتَاذَةً لِلْفَلْسَفَةِ الإِسْلَامِيَّةِ فِي جَامِعَةِ المَدِينَةِ، وَتُشْرِفُ فِي أَوْقَاتِ فَرَاغِهَا عَلَى تَرْمِيمِ مَخْطُوطَاتٍ قَدِيمَةٍ.
“كُنْتُ أَتَوَقَّعُ وُصُولَكُمَا مُنْذُ أَسَابِيعَ،” قَالَتْ زَهْرَةُ بَعْدَ أَنْ عَرَّفَا نَفْسَيْهِمَا. “سَلْمَى كَانَتْ سَتَأْتِي بِنَفْسِهَا فِي هَذَا الوَقْتِ مِنَ العَامِ، كَعَادَتِهَا كُلَّ سَنَةٍ. حِينَ لَمْ تَصِلْ، عَرَفْتُ أَنَّ شَيْئًا خَطِيرًا قَدْ وَقَعَ.”
“كُنْتِ تَعْرِفِينَهَا؟” سَأَلَتْ لَمَى، وَقَدْ بَدَا عَلَى صَوْتِهَا لَهْفَةٌ لَمْ تُحَاوِلْ إِخْفَاءَهَا.
“أَعْرِفُهَا مُنْذُ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا. كَانَتْ هِيَ مَنْ أَقْنَعَتْنِي بِالاِنْضِمَامِ إِلَى المَجْلِسِ، حِينَ كُنْتُ طَالِبَةَ دُكْتُورَاهْ لَا تَعْرِفُ شَيْئًا عَنِ العَالَمِ سِوَى مَا فِي كُتُبِهَا. عَلَّمَتْنِي أَنَّ الفَلْسَفَةَ لَيْسَتْ تَرَفًا، بَلْ دِفَاعًا عَنِ النَّفْسِ. تَمَامًا كَمَا فَعَلَ اِبْنُ رُشْدٍ.”
قَادَتْهُمَا إِلَى غُرْفَةٍ خَلْفِيَّةٍ، وَفَتَحَتْ عَلَى شَاشَةِ حَاسُوبِهَا صُوَرًا مُمَسُوحَةً ضَوْئِيًّا لِمَخْطُوطَاتٍ قَدِيمَةٍ، وَبَدَأَتِ الحَدِيثَ.
“وُلِدَ أَبُو الوَلِيدِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رُشْدٍ فِي قُرْطُبَةَ، فِي عَائِلَةٍ اِشْتَهَرَتْ بِالقَضَاءِ وَالفِقْهِ لِأَجْيَالٍ،” بَدَأَتْ زَهْرَةُ. “تَوَلَّى هُوَ نَفْسُهُ مَنْصِبَ قَاضِي القُضَاةِ فِي قُرْطُبَةَ، وَعَمِلَ طَبِيبًا لِلْخُلَفَاءِ المُوَحِّدِينَ، وَكَتَبَ فِي الطِّبِّ وَالفَلَكِ وَالفِقْهِ. لَكِنَّ مَا جَعَلَهُ خَطِرًا فِي عُيُونِ خُصُومِهِ كَانَ مَشْرُوعَهُ الأَكْبَرَ: الدِّفَاعَ عَنِ العَقْلِ بِوَصْفِهِ طَرِيقًا لَا يَتَعَارَضُ مَعَ الإِيمَانِ، بَلْ يُكَمِّلُهُ.”
“ظَنَنْتُ أَنَّ هَذِهِ الفِكْرَةَ كَانَتْ مَقْبُولَةً فِي زَمَنِهِ،” قَالَ كَرِيمٌ.
“كَانَتْ مَقْبُولَةً عِنْدَ بَعْضِهِمْ، مَرْفُوضَةً عِنْدَ آخَرِينَ، وَكَافِيَةً لِتَدْمِيرِ حَيَاةِ صَاحِبِهَا عِنْدَ مَنْ يُتْقِنُونَ تَحْوِيلَ الأَفْكَارِ إِلَى تُهَمٍ. حِينَ اِشْتَدَّ الضَّغْطُ السِّيَاسِيُّ عَلَى الخَلِيفَةِ أَبِي يُوسُفَ يَعْقُوبَ المَنْصُورِ، الَّذِي كَانَ يُقَرِّبُ اِبْنَ رُشْدٍ وَيُجِلُّهُ، اِضْطُرَّ إِلَى التَّضْحِيَةِ بِهِ لِيُهَدِّئَ غَضَبَ الفُقَهَاءِ المُحَافِظِينَ. نُفِيَ اِبْنُ رُشْدٍ إِلَى لُوسِينَة، قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ جَنُوبَ قُرْطُبَةَ، وَصَدَرَ أَمْرٌ بِجَمْعِ كُتُبِهِ الفَلْسَفِيَّةِ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَإِحْرَاقِهَا عَلَنًا فِي سَاحَةِ إِشْبِيلِيَةَ.”
عَرَضَتْ زَهْرَةُ عَلَى الشَّاشَةِ صُورَةً لِرَسْمٍ قَدِيمٍ يُصَوِّرُ حَرِيقًا وَحَشْدًا مِنَ النَّاسِ.
“تَخَيَّلَا شَيْخًا فِي الثَّامِنَةِ وَالسِّتِّينَ مِنْ عُمْرِهِ، أَفْنَى حَيَاتَهُ فِي شَرْحِ أَرِسْطُو وَالدِّفَاعِ عَنِ التَّوْفِيقِ بَيْنَ العَقْلِ وَالنَّقْلِ، يُشَاهِدُ — أَوْ يَسْمَعُ، إِذْ لَا نَعْرِفُ إِنْ كَانَ حَاضِرًا فِعْلِيًّا — أَنَّ عُمْرَ حَيَاتِهِ الفِكْرِيَّةِ يَتَحَوَّلُ إِلَى رَمَادٍ فِي سَاحَةٍ عَامَّةٍ، وَسَطَ هُتَافِ مَنْ كَانُوا بِالأَمْسِ تَلَامِذَتَهُ.”
“وَمَاذَا حَدَثَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ؟” سَأَلَتْ لَمَى.
“عَاشَ سَنَتَيْنِ فِي المَنْفَى، ثُمَّ أُعِيدَ إِلَيْهِ اِعْتِبَارُهُ فِي آخِرِ أَشْهُرِ حَيَاتِهِ، وَاسْتُدْعِيَ إِلَى مَرَّاكُشَ حَيْثُ تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِئَةٍ لِلْهِجْرَةِ. المُفَارَقَةُ أَنَّ فَلْسَفَتَهُ، الَّتِي أُحْرِقَتْ كُتُبُهَا فِي بِلَادِهِ، عَبَرَتِ البَحْرَ إِلَى أُورُبَّا عَبْرَ تَرْجَمَاتٍ عِبْرِيَّةٍ وَلَاتِينِيَّةٍ، وَأَثَّرَتْ فِي تُومَا الأَكْوِينِيِّ وَجِيلٍ كَامِلٍ مِنَ الفَلَاسِفَةِ الأُورُبِّيِّينَ، حَتَّى صَارَ يُلَقَّبُ هُنَاكَ بِبَسَاطَةٍ: الشَّارِحُ. أَنْقَذَتْهُ أُورُبَّا فِي الوَقْتِ الَّذِي حَاوَلَتْ فِيهِ بِلَادُهُ مَحْوَهُ.”
كَانَتْ زَهْرَةُ عَلَى وَشَكِ فَتْحِ مِلَفٍّ أَخِيرٍ حِينَ رَنَّ هَاتِفُهَا. أَجَابَتْ بِإِيجَازٍ، ثُمَّ شَحَبَ وَجْهُهَا فَجْأَةً.
“زَائِرٌ فِي اِسْتِقْبَالِ المَتْحَفِ يَسْأَلُ عَنِّي بِالاِسْمِ، وَيَسْأَلُ عَنْكُمَا أَيْضًا، بِوَصْفِكُمَا صَحَفِيَّةً وَمُحَقِّقًا وَصَلَا اليَوْمَ مِنْ بَيْرُوتَ،” قَالَتْ وَهِيَ تُغْلِقُ الحَاسُوبَ بِسُرْعَةٍ. “لَمْ يُخْبِرْ أَحَدٌ هَذَا الرَّجُلَ بِتَفَاصِيلَ كَهَذِهِ سِوَى مَنْ يُرَاقِبُكُمَا عَنْ كَثَبٍ.”
لَمْ يَتَرَدَّدْ كَرِيمٌ. فَتَحَ بَابًا خَلْفِيًّا يُؤَدِّي إِلَى فِنَاءِ المَسْجِدِ القَدِيمِ، وَخَرَجُوا الثَّلَاثَةُ بَيْنَ أَعْمِدَتِهِ الحَجَرِيَّةِ الَّتِي شَهِدَتْ قُرُونًا مِنَ الصَّلَاةِ وَالفَلْسَفَةِ وَالحُرُوبِ. عِنْدَ آخِرِ صَفٍّ مِنَ الأَعْمِدَةِ، وَقَفَ رَجُلٌ وَحِيدٌ يَنْتَظِرُهُمْ، كَأَنَّهُ عَرَفَ مُسْبَقًا أَيَّ طَرِيقٍ سَيَسْلُكُونَ.
“لَا دَاعِيَ لِلْجَرْيِ،” قَالَ الرَّجُلُ بِهُدُوءٍ مُرِيبٍ. “أَنَا لَسْتُ هُنَا لِأُؤْذِيَ أَحَدًا. جِئْتُ فَقَطْ لِأَقُولَ لَكُمَا مَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ بَعْدُ: تَوَقَّفَا عَنِ البَحْثِ الآنَ، قَبْلَ أَنْ تَكْتَشِفَا لِمَاذَا اخْتَفَتْ سَلْمَى حَقًّا. بَعْضُ الحَرَائِقِ يَنْبَغِي أَنْ تَبْقَى رَمَادًا.”
“وَمَنْ أَنْتَ لِتُقَرِّرَ ذَلِكَ؟” سَأَلَتْ لَمَى، وَقَدْ تَمَاسَكَتْ رَغْمَ اِرْتِجَافِ قَلْبِهَا.
اِبْتَسَمَ الرَّجُلُ اِبْتِسَامَةً بَارِدَةً، وَقَالَ اِسْمَهُ كَأَنَّهُ يُقَدِّمُ نَفْسَهُ فِي حَفْلٍ رَسْمِيٍّ، لَا فِي مُوَاجَهَةٍ فِي زُقَاقٍ مُظْلِمٍ.
“اِسْمِي مُرَادُ. وَجَدِّي، يَا آنِسَةُ، كَانَ وَاحِدًا مِنَ الفُقَهَاءِ الَّذِينَ وَقَّعُوا عَلَى قَرَارِ إِحْرَاقِ كُتُبِ اِبْنِ رُشْدٍ فِي إِشْبِيلِيَةَ. وَبَيْنَمَا أَسَّسَ أَحَدُهُمْ، بَعْدَ قُرُونٍ، مَجْلِسًا لِيُكَفِّرَ عَنِ الفِعْلِ نَفْسِهِ الَّذِي شَارَكَ فِيهِ جَدُّهُ الآخَرُ، اِخْتَرْتُ أَنَا طَرِيقًا مُخْتَلِفًا: بَعْضُ الحَقَائِقِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى نَدَمٍ يُبْقِيهَا حَيَّةً. تَحْتَاجُ إِلَى نِسْيَانٍ يُرِيحُ الجَمِيعَ.”
لَمْ يُضِفْ مُرَادُ شَيْئًا آخَرَ. اِسْتَدَارَ وَاخْتَفَى بَيْنَ ظِلَالِ الأَعْمِدَةِ بِالسُّرْعَةِ نَفْسِهَا الَّتِي ظَهَرَ بِهَا، تَارِكًا خَلْفَهُ ثَلَاثَةَ أَشْخَاصٍ يَقِفُونَ فِي فِنَاءِ مَسْجِدٍ قَدِيمٍ، يُدْرِكُونَ الآنَ أَنَّ الصِّرَاعَ الَّذِي دَخَلُوهُ لَيْسَ بَيْنَ بَاحِثَةٍ وَذَاكِرَةٍ مَفْقُودَةٍ، بَلْ بَيْنَ سُلَالَتَيْنِ مُتَوَارِثَتَيْنِ اِخْتَارَتَا، مُنْذُ قُرُونٍ، مَوْقِفَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ مِنْ حَرِيقٍ وَاحِدٍ لَمْ يَنْطَفِئْ بَعْدُ.
الفَصْلُ الخَامِسُ
لَمْ تَنَمْ لَمَى تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي الفُنْدُقِ الصَّغِيرِ الَّذِي اخْتَارَهُ كَرِيمٌ عَلَى عَجَلٍ فِي ضَاحِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ مَرْكَزِ قُرْطُبَةَ. ظَلَّتْ تُعِيدُ فِي ذِهْنِهَا جُمْلَةَ مُرَادَ: بَعْضُ الحَقَائِقِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى نَدَمٍ يُبْقِيهَا حَيَّةً. لَمْ يَكُنْ صَوْتُهُ صَوْتَ مُجْرِمٍ عَادِيٍّ، بَلْ صَوْتَ رَجُلٍ مُقْتَنِعٍ تَمَامَ الاِقْتِنَاعِ بِأَنَّهُ عَلَى صَوَابٍ.
“إِلَى أَيْنَ الآنَ؟” سَأَلَتْ لَمَى عِنْدَ الفَجْرِ، بَعْدَ أَنِ اسْتَسْلَمَتْ لِفِكْرَةِ أَنَّ النَّوْمَ لَنْ يَأْتِيَ.
أَخْرَجَ كَرِيمٌ مِنْ حَقِيبَتِهِ بِطَاقَةً صَغِيرَةً كَانَتْ زَهْرَةُ قَدْ دَسَّتْهَا فِي يَدِهِ لَحْظَةَ الوَدَاعِ، دُونَ أَنْ تَقُولَ كَلِمَةً، كَأَنَّهَا كَانَتْ تَتَوَقَّعُ أَنَّ الحَدِيثَ سَيُقْطَعُ فَجْأَةً.
“اِسْمٌ وَاحِدٌ: مَرْيَمُ. وَعُنْوَانٌ فِي الإِسْكَنْدَرِيَّةِ.”
كَانَتِ الإِسْكَنْدَرِيَّةُ، حِينَ وَصَلَا إِلَيْهَا بَعْدَ ظُهْرِ اليَوْمِ التَّالِي، مَدِينَةً تَحْمِلُ بَحْرَهَا كَعِبْءٍ جَمِيلٍ لَا تَتَعَبُ مِنْهُ. وَجَدَا مَرْيَمَ فِي مَكْتَبَةٍ قِبْطِيَّةٍ صَغِيرَةٍ مُلْحَقَةٍ بِكَنِيسَةٍ قَدِيمَةٍ، اِمْرَأَةً فِي الخَمْسِينَ، بَاحِثَةً فِي تَارِيخِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ القَدِيمِ، تَرْتَدِي صَلِيبًا صَغِيرًا حَوْلَ عُنُقِهَا لَمْ تُخْفِهِ حِينَ بَدَأَتِ الحَدِيثَ عَنِ امْرَأَةٍ قَتَلَهَا حَشْدٌ يَحْمِلُ الرَّمْزَ نَفْسَهُ الَّذِي تَحْمِلُهُ هِيَ اليَوْمَ.
“كَثِيرُونَ يَتَفَاجَؤُونَ حِينَ يَرَوْنَنِي أَنَا مَنْ يَحْرُسُ ذِكْرَى هِيبَاتِيَا،” قَالَتْ مَرْيَمُ بِابْتِسَامَةٍ هَادِئَةٍ، وَكَأَنَّهَا اعْتَادَتِ السُّؤَالَ قَبْلَ أَنْ يُطْرَحَ. “لَكِنَّنِي أَرَى فِي ذَلِكَ أَقْرَبَ إِلَى وَاجِبٍ مِنْهُ إِلَى مُفَارَقَةٍ. مَنْ قَتَلُوهَا لَمْ يُمَثِّلُوا دِينِي، تَمَامًا كَمَا أَنَّ مَنْ أَحْرَقُوا كُتُبَ اِبْنِ رُشْدٍ لَمْ يُمَثِّلُوا دِينَهُ. الحَشْدُ لَهُ دِينٌ وَاحِدٌ فَقَطْ فِي كُلِّ زَمَانٍ: الخَوْفُ.”
“عَاشَتْ هِيبَاتِيَا فِي الإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي أَوَاخِرِ القَرْنِ الرَّابِعِ وَبِدَايَةِ الخَامِسِ المِيلَادِيِّ،” بَدَأَتْ مَرْيَمُ حَدِيثَهَا، وَهِيَ تَقُودُهُمَا إِلَى قَاعَةٍ صَغِيرَةٍ تُطِلُّ عَلَى فِنَاءٍ هَادِئٍ. “كَانَتِ ابْنَةَ عَالِمِ رِيَاضِيَّاتٍ، وَوَرِثَتْ عَنْهُ حُبَّ الأَرْقَامِ وَالفَلَكِ، لَكِنَّهَا تَجَاوَزَتْهُ سَرِيعًا لِتُصْبِحَ مُعَلِّمَةً يَقْصِدُهَا الطُّلَّابُ مِنْ كُلِّ أَنْحَاءِ العَالَمِ القَدِيمِ، مُسْلِمِينَ لَاحِقِينَ لَمْ يُدْرِكُوهَا، وَوَثَنِيِّينَ وَمَسِيحِيِّينَ فِي زَمَنِهَا، لِتُعَلِّمَهُمُ الهَنْدَسَةَ وَالفَلَكَ وَفَلْسَفَةَ أَفْلَاطُونَ. لَمْ تَتَزَوَّجْ قَطُّ، وَقِيلَ إِنَّهَا كَرَّسَتْ حَيَاتَهَا كُلَّهَا لِلْمَعْرِفَةِ.”
“وَمَاذَا حَدَثَ لِتَنْتَهِيَ بِهَذِهِ النِّهَايَةِ المُرَوِّعَةِ؟” سَأَلَ كَرِيمٌ.
“سِيَاسَةٌ، كَمَا هِيَ الحَالُ دَائِمًا حِينَ يُرَادُ التَّخَلُّصُ مِنْ عَقْلٍ حُرٍّ. كَانَ هُنَاكَ صِرَاعٌ عَلَى السُّلْطَةِ بَيْنَ أُورِسْتِيسَ، الحَاكِمِ الرُّومَانِيِّ المَدَنِيِّ لِلْمَدِينَةِ، وَكِيرِلُّسَ، بَطْرِيَرْكِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ الَّذِي كَانَ يَسْعَى لِبَسْطِ نُفُوذِهِ عَلَى شُؤُونِ المَدِينَةِ كُلِّهَا. وَكَانَتْ هِيبَاتِيَا صَدِيقَةً مُقَرَّبَةً وَمُسْتَشَارَةً لِأُورِسْتِيسَ، فَأَصْبَحَتْ فِي نَظَرِ خُصُومِهِ رَمْزًا لِنُفُوذٍ يَرَوْنَ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَنْتَهِيَ.”
تَوَقَّفَتْ مَرْيَمُ لِلَحْظَةٍ، وَبَدَا عَلَى مَلَامِحِهَا ثِقَلُ مَا هِيَ عَلَى وَشَكِ رِوَايَتِهِ، رَغْمَ أَنَّهَا رَوَتْهُ بِلَا شَكٍّ مِرَارًا مِنْ قَبْلُ.
“فِي شَهْرِ آذَارَ مِنْ عَامِ أَرْبَعِمِئَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ، اِعْتَرَضَ حَشْدٌ مِنَ الرَّهْبَانِ المُتَعَصِّبِينَ، يُعْرَفُونَ بِالبَارَابَالَانِيِّ، عَرَبَةَ هِيبَاتِيَا وَهِيَ عَائِدَةٌ إِلَى بَيْتِهَا، بِقِيَادَةِ رَجُلٍ يُدْعَى بِطْرُسَ القَارِئَ. جَرُّوهَا مِنْ عَرَبَتِهَا، وَاقْتَادُوهَا إِلَى كَنِيسَةٍ تُدْعَى قَيْصَرِيُّونَ، حَيْثُ مَزَّقُوا ثِيَابَهَا وَقَتَلُوهَا بِشَظَايَا مِنَ الفَخَّارِ، ثُمَّ مَثَّلُوا بِجُثَّتِهَا وَأَحْرَقُوهَا خَارِجَ أَسْوَارِ المَدِينَةِ.”
سَادَ صَمْتٌ ثَقِيلٌ فِي القَاعَةِ. اِلْتَفَتَتْ لَمَى إِلَى مَرْيَمَ، وَقَدْ لَاحَظَتْ أَنَّ يَدَيْهَا كَانَتَا تَرْتَجِفَانِ قَلِيلًا وَهِيَ تُمْسِكُ بِفِنْجَانِ القَهْوَةِ أَمَامَهَا.
“لَمْ يُحَاسَبْ أَحَدٌ عَلَى الجَرِيمَةِ حِسَابًا حَقِيقِيًّا،” أَضَافَتْ مَرْيَمُ. “وَبَعْدَ مَوْتِهَا، تَرَاجَعَ حُضُورُ العُلَمَاءِ وَالفَلَاسِفَةِ فِي الإِسْكَنْدَرِيَّةِ تَرَاجُعًا لَمْ يَعُدْ يُشْبِهُ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ المَدِينَةُ فِي عُصُورِهَا الذَّهَبِيَّةِ. صَارَتْ هِيبَاتِيَا، لِقُرُونٍ طَوِيلَةٍ، رَمْزًا صَامِتًا لِمَا يَخْسَرُهُ العَالَمُ حِينَ يُتْرَكُ الحَشْدُ لِيُقَرِّرَ مَصِيرَ العَقْلِ.”
أَخْرَجَتْ مَرْيَمُ مِنْ دُرْجٍ صَغِيرٍ صُورَةً مُصَوَّرَةً لِوَثِيقَةٍ قَدِيمَةٍ، وَوَضَعَتْهَا عَلَى الطَّاوِلَةِ.
“هَذِهِ نُسْخَةٌ عَنْ سِجِلٍّ كَنَسِيٍّ قَدِيمٍ، اِكْتَشَفَهُ أَحَدُ البَاحِثِينَ فِي القَرْنِ المَاضِي فِي دَيْرٍ بِصَعِيدِ مِصْرَ،” قَالَتْ. “يَذْكُرُ السِّجِلُّ أَنَّ أَحَدَ الرُّهْبَانِ الَّذِينَ شَارَكُوا فِي الجَرِيمَةِ نَدِمَ فِي شَيْخُوخَتِهِ نَدَمًا شَدِيدًا، وَكَتَبَ اعْتِرَافًا سِرِّيًّا سَلَّمَهُ لِرَئِيسِ دَيْرِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، يُقِرُّ فِيهِ أَنَّ القَرَارَ لَمْ يَكُنْ عَفْوِيًّا، بَلْ حُرِّضَ عَلَيْهِ عَنْ سَابِقِ تَصَمُّمٍ مِنْ شَخْصِيَّةٍ نَافِذَةٍ فِي البَلَاطِ، أَرَادَتِ التَّخَلُّصَ مِنْ هِيبَاتِيَا لِأَسْبَابٍ لَا عَلَاقَةَ لَهَا بِالدِّينِ عَلَى الإِطْلَاقِ، بَلْ بِنُفُوذٍ سِيَاسِيٍّ وَمَالِيٍّ خَالِصٍ.”
“وَمَا اسْمُ تِلْكَ الشَّخْصِيَّةِ؟” سَأَلَتْ لَمَى، وَقَدْ شَعَرَتْ أَنَّ سُؤَالَهَا نَفْسَهُ يَحْمِلُ وَزْنًا أَكْبَرَ مِمَّا تَتَوَقَّعُ.
“الاِسْمُ مَمْحُوٌّ عَمْدًا مِنَ السِّجِلِّ، فِي كُلِّ نُسْخَةٍ وَصَلَتْ إِلَيْنَا،” قَالَتْ مَرْيَمُ، “لَكِنَّ سَلْمَى كَانَتْ مُقْتَنِعَةً، بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ البَحْثِ، أَنَّ إِحْدَى العَائِلَاتِ الَّتِي حَافَظَتْ عَلَى ثَرْوَةٍ وَنُفُوذٍ فِي مِصْرَ عَبْرَ قُرُونٍ مُتَعَاقِبَةٍ هِيَ سُلَالَةُ تِلْكَ الشَّخْصِيَّةِ نَفْسِهَا. وَكَانَتْ قَدْ بَدَأَتْ، قَبْلَ اخْتِفَائِهَا بِأَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ، فِي تَتَبُّعِ خَيْطٍ يَرْبِطُ تِلْكَ العَائِلَةَ القَدِيمَةَ بِأَحَدِ أَعْضَاءِ مَجْلِسِ الغَائِبِينَ الحَالِيِّينَ.”
شَعَرَتْ لَمَى بِقَشْعَرِيرَةٍ تَسْرِي فِي جَسَدِهَا. لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الخَيْطُ بَعِيدًا عَمَّا كَانَتْ تَخْشَاهُ مُنْذُ لِقَائِهِمَا بِمُرَادَ فِي قُرْطُبَةَ.
“هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ..” بَدَأَتْ تَقُولُ، لَكِنَّ مَرْيَمَ قَاطَعَتْهَا بِهُدُوءٍ.
“لَا أَعْرِفُ اسْمَ مَنْ تَتَحَدَّثِينَ عَنْهُ. لَكِنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّ سَلْمَى، فِي آخِرِ رِسَالَةٍ أَرْسَلَتْهَا إِلَيَّ، كَتَبَتْ جُمْلَةً وَاحِدَةً لَمْ أَفْهَمْهَا حِينَهَا، وَأَظُنُّ أَنَّهَا بَدَأَتْ تَتَّضِحُ الآنَ.”
قَلَبَتِ الوَرَقَةَ الَّتِي كَانَتْ تَحْمِلُهَا مُنْذُ البِدَايَةِ، لِتُظْهِرَ عَلَى ظَهْرِهَا سَطْرًا وَاحِدًا كُتِبَ بِخَطِّ يَدٍ عَرَفَتْهُ لَمَى فَوْرًا:
“الحَرِيقُ الَّذِي أَحْرَقَ اِبْنَ رُشْدٍ، وَالحَشْدُ الَّذِي قَتَلَ هِيبَاتِيَا، لَيْسَا حَادِثَتَيْنِ مُنْفَصِلَتَيْنِ. إِنَّهُمَا فَصْلَانِ فِي كِتَابٍ وَاحِدٍ، كَتَبَتْهُ عَائِلَةٌ وَاحِدَةٌ، عَلَى مَدَى أَلْفٍ وَخَمْسِمِئَةِ عَامٍ، لِتَحْمِيَ سِرًّا لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِالفَلْسَفَةِ وَلَا بِالدِّينِ، بَلْ بِشَيْءٍ أَقْدَمَ مِنْ كِلَيْهِمَا.”
طَوَتْ لَمَى الوَرَقَةَ بِيَدَيْنِ لَمْ تَعُودَا تَرْتَجِفَانِ، بَلْ تَصَلَّبَتَا بِعَزْمٍ جَدِيدٍ. لَمْ يَعُدِ التَّحْقِيقُ يَدُورُ حَوْلَ مَجْلِسٍ سِرِّيٍّ يُحَاكِمُ العُظَمَاءَ فَحَسْبُ، بَلْ حَوْلَ سِرٍّ أَقْدَمَ، يَمْتَدُّ عَبْرَ قُرُونٍ مِنَ الحَرَائِقِ وَالحَشْدِ وَالصَّمْتِ، وَكَانَتْ سَلْمَى، فِي مَكَانٍ مَا، تَحْمِلُ آخِرَ فُصُولِهِ.
الفَصْلُ السَّادِسُ
غَادَرَا الإِسْكَنْدَرِيَّةَ إِلَى القَاهِرَةِ فِي قِطَارٍ مَسَائِيٍّ بَطِيءٍ، وَظَلَّتْ لَمَى طَوَالَ الطَّرِيقِ تُحَدِّقُ فِي الوَرَقَةِ الَّتِي أَعْطَتْهَا إِيَّاهَا مَرْيَمُ، تُعِيدُ قِرَاءَةَ الجُمْلَةِ الَّتِي كَتَبَتْهَا سَلْمَى: فَصْلَانِ فِي كِتَابٍ وَاحِدٍ. لَمْ تَكُنِ الفِكْرَةُ تُفَارِقُهَا: إِنْ كَانَ الحَرِيقُ وَالحَشْدُ فَصْلَيْنِ فَقَطْ، فَكَمْ فَصْلًا آخَرَ يَنْتَظِرُ فِي هَذَا الكِتَابِ الَّذِي لَمْ تَرَ غِلَافَهُ بَعْدُ؟
“فِي القَاهِرَةِ رَجُلٌ اِسْمُهُ يُوسُفُ،” قَالَ كَرِيمٌ وَهُوَ يُرَاجِعُ رِسَالَةً وَصَلَتْهُ عَبْرَ قَنَاةٍ مُشَفَّرَةٍ لَمْ يَشْرَحْ لِلَمَى كَيْفَ حَصَلَ عَلَيْهَا. “أُسْتَاذٌ مُتَقَاعِدٌ فِي التَّارِيخِ الإِسْلَامِيِّ فِي الأَزْهَرِ، يُشْرِفُ الآنَ عَلَى مَشْرُوعِ تَوْثِيقِ مَا تَبَقَّى مِنْ مَخْطُوطَاتِ اِبْنِ خَلْدُونٍ فِي القَاهِرَةِ. الأَمِينُ أَرْسَلَ اسْمَهُ مُبَاشَرَةً هَذِهِ المَرَّةَ.”
كَانَ يُوسُفُ رَجُلًا فِي السَّبْعِينَ، هَادِئَ الحَرَكَةِ، يَتَحَدَّثُ بِبُطْءِ مَنْ اِعْتَادَ أَنْ يُفَكِّرَ قَبْلَ كُلِّ كَلِمَةٍ. اِسْتَقْبَلَهُمَا فِي مَكْتَبِهِ الصَّغِيرِ المُطِلِّ عَلَى صَحْنِ الجَامِعِ الأَزْهَرِ، وَبَدَأَ حَدِيثَهُ دُونَ مُقَدِّمَاتٍ طَوِيلَةٍ، كَأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ الوَقْتَ لَمْ يَعُدْ يَحْتَمِلُ التَّرَفَ.
“وُلِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَلْدُونٍ فِي تُونُسَ سَنَةَ سَبْعِمِئَةٍ وَاثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ لِلْهِجْرَةِ، لِعَائِلَةٍ أَنْدَلُسِيَّةِ الأَصْلِ فَرَّتْ مِنْ إِشْبِيلِيَةَ قَبْلَ سُقُوطِهَا،” بَدَأَ يُوسُفُ. “تَنَقَّلَ بَيْنَ بَلَاطَاتِ فَاسَ وَغِرْنَاطَةَ وَبِجَايَةَ وَتِلْمِسَانَ، عَامِلًا فِي السِّيَاسَةِ وَالكِتَابَةِ وَالقَضَاءِ، حَتَّى أُتْعِبَتْهُ التَّقَلُّبَاتُ فَاعْتَزَلَ فِي قَلْعَةِ اِبْنِ سَلَامَةَ فِي الجَزَائِرِ، وَهُنَاكَ، فِي عُزْلَةٍ اِخْتَارَهَا كَمَا اِخْتَارَ أَبُو العَلَاءِ عُزْلَتَهُ مِنْ قَبْلُ، كَتَبَ خِلَالَ أَقَلَّ مِنْ عَامٍ مُقَدِّمَتَهُ الشَّهِيرَةَ.”
“وَمَاذَا فِيهَا مِمَّا يَسْتَحِقُّ كُلَّ هَذَا الاِهْتِمَامَ حَتَّى اليَوْمِ؟” سَأَلَ كَرِيمٌ.
“فِيهَا نَظَرِيَّةٌ تَشْرَحُ لِمَاذَا تُولَدُ الدُّوَلُ وَتَقْوَى، ثُمَّ تَشِيخُ وَتَمُوتُ، تَمَامًا كَالكَائِنَاتِ الحَيَّةِ. سَمَّى اِبْنُ خَلْدُونٍ القُوَّةَ الَّتِي تَجْمَعُ النَّاسَ حَوْلَ مَشْرُوعٍ وَاحِدٍ عَصَبِيَّةً، وَقَالَ إِنَّهَا تُوَلَدُ فِي البَادِيَةِ حَيْثُ يَحْتَاجُ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِلْبَقَاءِ، ثُمَّ تَضْعُفُ حِينَ يَسْتَقِرُّ أَصْحَابُهَا فِي رَغَدِ المُدُنِ وَيَنْسَوْنَ لِمَاذَا اجْتَمَعُوا أَصْلًا. أَرْبَعَةُ أَجْيَالٍ فَقَطْ، بِحَسَبِ حِسَابِهِ، تَفْصِلُ بَيْنَ تَأْسِيسِ دَوْلَةٍ وَسُقُوطِهَا: جِيلُ البِنَاءِ، فَجِيلُ الاِسْتِمْتَاعِ بِمَا بُنِيَ، فَجِيلُ النِّسْيَانِ، فَجِيلُ الاِنْهِيَارِ.”
نَهَضَ يُوسُفُ وَأَخْرَجَ مِنْ خِزَانَتِهِ نُسْخَةً مُصَوَّرَةً عَنْ صَفْحَةٍ مِنْ كِتَابِ اِبْنِ خَلْدُونٍ الذَّاتِيِّ، التَّعْرِيفُ، وَوَضَعَهَا أَمَامَهُمَا.
“أَشْهَرُ لَحْظَةٍ فِي حَيَاتِهِ لَمْ تَكُنْ فِي كِتَابَةِ المُقَدِّمَةِ، بَلْ فِي مُوَاجَهَةٍ حَقِيقِيَّةٍ مَعَ رَجُلٍ غَيَّرَ وَجْهَ العَالَمِ،” قَالَ يُوسُفُ. “سَنَةَ ثَمَانِمِئَةٍ وَثَلَاثٍ لِلْهِجْرَةِ، حَاصَرَ تِيمُورُلَنْكُ دِمَشْقَ. كَانَ اِبْنُ خَلْدُونٍ حِينَهَا قَاضِيَ القُضَاةِ المَالِكِيِّينَ فِي القَاهِرَةِ، وَقَدْ رَافَقَ السُّلْطَانَ المَمْلُوكِيَّ فِي حَمْلَةٍ لِنَجْدَةِ دِمَشْقَ. لَكِنَّ السُّلْطَانَ عَادَ إِلَى القَاهِرَةِ خَوْفًا مِنَ اِضْطِرَابَاتٍ، وَتُرِكَ اِبْنُ خَلْدُونٍ دَاخِلَ المَدِينَةِ المُحَاصَرَةِ.”
“وَمَاذَا فَعَلَ؟” سَأَلَتْ لَمَى، وَقَدِ اِنْجَذَبَتْ إِلَى المَشْهَدِ رَغْمَ نَفْسِهَا.
“طَلَبَ أَنْ يُنْزَلَ مِنْ فَوْقِ سُورِ المَدِينَةِ فِي سَلَّةٍ كَبِيرَةٍ، لِيَلْتَقِيَ تِيمُورَ وَجْهًا لِوَجْهٍ. تَخَيَّلَا المَشْهَدَ: رَجُلٌ فِي السَّبْعِينَ مِنْ عُمْرِهِ تَقْرِيبًا، مُؤَرِّخٌ وَقَاضٍ، يُنَزَّلُ فِي سَلَّةٍ مِنْ حِبَالٍ، وَحِيدًا، إِلَى مُخَيَّمِ أَعْظَمِ سَفَّاحٍ عَرَفَهُ ذَلِكَ القَرْنُ، لِيَتَفَاوَضَ عَلَى مَصِيرِ مَدِينَةٍ بِأَكْمَلِهَا.”
أَخْرَجَ يُوسُفُ صَفْحَةً أُخْرَى، بَدَتْ أَحْدَثَ عَهْدًا مِنَ الأُولَى.
“قَضَى اِبْنُ خَلْدُونٍ فِي خِيَامِ تِيمُورَ نَحْوَ خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا، يُحَدِّثُهُ عَنْ شَمَالِ إِفْرِيقِيَا وَتَارِيخِ المَغْرِبِ، وَيَسْتَمِعُ إِلَى أَسْئِلَتِهِ عَنْ طَبَائِعِ الشُّعُوبِ وَالمُلْكِ. لَمْ يُنْقِذْ دِمَشْقَ كُلَّهَا، فَقَدْ نُهِبَتْ وَأُحْرِقَ جُزْءٌ مِنْهَا بَعْدَ رَحِيلِهِ، لَكِنَّهُ نَجَحَ فِي اِنْتِزَاعِ أَمَانٍ لِعَدَدٍ كَبِيرٍ مِنَ العُلَمَاءِ وَالتُّجَّارِ الَّذِينَ رَافَقُوهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ. وَفِي تِلْكَ الخِيَامِ، كَتَبَ شَيْئًا لَمْ يُنْشَرْ يَوْمًا فِي أَيِّ طَبْعَةٍ رَسْمِيَّةٍ مِنْ كُتُبِهِ.”
تَوَقَّفَ يُوسُفُ، وَنَظَرَ إِلَى لَمَى نَظْرَةً طَوِيلَةً، كَأَنَّهُ يُقَيِّمُ إِنْ كَانَتْ جَاهِزَةً لِمَا سَيَقُولُهُ.
“مَاذَا تَقْصِدُ؟” سَأَلَتْ.
“فِي مُذَكَّرَاتٍ خَاصَّةٍ، لَمْ تُكْتَشَفْ إِلَّا مُنْذُ عُقُودٍ قَلِيلَةٍ، ضِمْنَ مَجْمُوعَةٍ خَاصَّةٍ فِي اِسْطَنْبُولَ، ذَكَرَ اِبْنُ خَلْدُونٍ أَنَّهُ اِلْتَقَى، خِلَالَ إِقَامَتِهِ فِي مُخَيَّمِ تِيمُورَ، بِتَاجِرٍ غَامِضٍ يَتَنَقَّلُ بَيْنَ البَلَاطَاتِ، لَا يُبْدِي وَلَاءً لِأَحَدٍ، وَيَجْمَعُ الأَسْرَارَ كَمَا يَجْمَعُ آخَرُونَ الذَّهَبَ. وَصَفَهُ اِبْنُ خَلْدُونٍ، بِعَيْنِ المُؤَرِّخِ الَّذِي يَرَى الأَنْمَاطَ حَيْثُ لَا يَرَاهَا غَيْرُهُ، بِأَنَّهُ يُمَثِّلُ عَصَبِيَّةً مِنْ نَوْعٍ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا: لَا عَصَبِيَّةَ قَبِيلَةٍ أَوْ دَوْلَةٍ، بَلْ عَصَبِيَّةَ عَائِلَةٍ اِخْتَارَتْ أَنْ تَبْقَى فِي الظِّلِّ عَبْرَ كُلِّ الدُّوَلِ الَّتِي تَقُومُ وَتَسْقُطُ، لَا تُقَاتِلُ لِتَحْكُمَ، بَلْ لِتَبْقَى، وَحْدَهَا، شَاهِدَةً عَلَى كُلِّ مَنْ يَحْكُمُ.”
شَعَرَتْ لَمَى بِبَرْدٍ مُفَاجِئٍ يَسْرِي فِي ظَهْرِهَا.
“هَلْ ذَكَرَ اِسْمَ تِلْكَ العَائِلَةِ؟” سَأَلَتْ بِصَوْتٍ كَادَ لَا يُسْمَعُ.
“ذَكَرَ لَقَبًا فَقَطْ، اِسْتَخْدَمَهُ التَّاجِرُ نَفْسُهُ حِينَ سُئِلَ عَنِ اسْمِهِ: قَالَ إِنَّهُ يُنَادَى، مُنْذُ أَجْدَادِهِ، بِلَقَبِ حَارِسِ الرَّمَادِ. وَقَدْ كَتَبَ اِبْنُ خَلْدُونٍ، مُعَلِّقًا بِعِبَارَةٍ لَمْ أَفْهَمْ ثِقَلَهَا الحَقِيقِيَّ إِلَّا بَعْدَ أَنْ عَرَفْتُ قِصَّتَكُمَا مِنَ الأَمِينِ قَبْلَ أَيَّامٍ: مَنْ يَحْرُسُ الرَّمَادَ إِنَّمَا يَخْشَى أَنْ تُنْفَخَ فِيهِ الرِّيحُ يَوْمًا فَتُحْيِيَهُ.”
لَمْ يَكْمُلِ الحَدِيثَ. رَنَّ هَاتِفُ يُوسُفَ فَجْأَةً، وَحِينَ أَجَابَ، تَغَيَّرَتْ نَبْرَةُ صَوْتِهِ فِي ثَوَانٍ مَعْدُودَةٍ مِنَ الهُدُوءِ المُعْتَادِ إِلَى تَوَتُّرٍ لَمْ يُحَاوِلْ إِخْفَاءَهُ.
“يَقُولُونَ إِنَّ رَجُلًا حَاوَلَ اِقْتِحَامَ مَكْتَبِ التَّوْثِيقِ فِي مَبْنَى الأَزْهَرِ القَدِيمِ مُنْذُ سَاعَةٍ، يَسْأَلُ عَنْ مَخْطُوطَاتٍ خَاصَّةٍ بِرِحْلَةِ اِبْنِ خَلْدُونٍ إِلَى دِمَشْقَ،” قَالَ يُوسُفُ وَهُوَ يَنْهَضُ مُسْرِعًا. “وَصَفُوهُ بِأَنَّهُ رَجُلٌ هَادِئُ الحَرَكَةِ، أَنِيقُ المَلْبَسِ، يَتَحَدَّثُ بِثِقَةٍ مَنْ يَعْرِفُ بِالضَّبْطِ مَا يَبْحَثُ عَنْهُ.”
تَبَادَلَتْ لَمَى وَكَرِيمٌ نَظْرَةً وَاحِدَةً، لَمْ تَحْتَجْ إِلَى كَلِمَاتٍ. كَانَا يَعْرِفَانِ الآنَ، بِيَقِينٍ لَا يَحْتَمِلُ الشَّكَّ، أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي التَقَيَاهُ فِي فِنَاءِ مَسْجِدٍ قَدِيمٍ فِي قُرْطُبَةَ لَمْ يَكُنْ يَتَحَرَّكُ وَحْدَهُ، وَلَا كَانَ يَنْتَمِي إِلَى جِيلٍ وَاحِدٍ فَقَطْ مِنَ الحُرَّاسِ. كَانَ اِمْتِدَادًا لِسِلْسِلَةٍ بَدَأَتْ قَبْلَ سِتِّمِئَةِ عَامٍ عَلَى الأَقَلِّ، تَحْمِلُ اِسْمًا وَاحِدًا لَمْ يَتَغَيَّرْ عَبْرَ كُلِّ تِلْكَ القُرُونِ: حُرَّاسُ الرَّمَادِ، الَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ لِنَارٍ قَدِيمَةٍ أَنْ تُشْعَلَ مِنْ جَدِيدٍ.
الفَصْلُ السَّابِعُ
لَمْ يَقُلْ يُوسُفُ لِلَمَى إِلَى أَيْنَ يَنْبَغِي أَنْ تَذْهَبَ بَعْدَ القَاهِرَةِ. بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ، وَضَعَ فِي يَدِهَا مُغَلَّفًا صَغِيرًا قَبْلَ أَنْ يُوَدِّعَهُمَا عِنْدَ بَابِ الأَزْهَرِ، وَقَالَ فَقَطْ: هَذَا سَيَقُودُكِ إِلَى حَيْثُ يَنْتَهِي كُلُّ سُؤَالٍ إِلَى صَمْتٍ يُشْبِهُ الصَّلَاةَ. فِي الطَّائِرَةِ نَحْوَ فَرَانْكْفُورْت، فَتَحَتِ المُغَلَّفَ لِتَجِدَ خَرِيطَةً قَدِيمَةً لِوَادِي الرَّايْنِ، وَعَلَيْهَا دَائِرَةٌ صَغِيرَةٌ حَوْلَ اسْمِ بَلْدَةٍ لَمْ تَسْمَعْ بِهَا مِنْ قَبْلُ: رُوبِرْتْسْبِرْغ.
“اِنْتَهَيْنَا مِنَ الشَّرْقِ إِذَنْ،” قَالَ كَرِيمٌ وَهُوَ يُحَدِّقُ فِي السَّحَابِ عَبْرَ نَافِذَةِ الطَّائِرَةِ. “نَعُودُ إِلَى أَلْمَانِيَا مِنْ حَيْثُ بَدَأَ كُلُّ شَيْءٍ.”
“لَا أَظُنُّ أَنَّنَا نَعُودُ،” رَدَّتْ لَمَى. “أَظُنُّنَا نَقْتَرِبُ.”
كَانَتِ البَلْدَةُ الصَّغِيرَةُ عَلَى ضِفَافِ الرَّايْنِ تَبْدُو، فِي بَرْدِ الخَرِيفِ المُتَأَخِّرِ، كَأَنَّهَا تَوَقَّفَتْ عَنِ التَّغَيُّرِ مُنْذُ قُرُونٍ. عِنْدَ أَطْلَالِ دَيْرٍ قَدِيمٍ يُطِلُّ عَلَى النَّهْرِ، كَانَتِ اِمْرَأَةٌ تَنْتَظِرُهُمَا، تَرْتَدِي مِعْطَفًا صُوفِيًّا دَاكِنًا، وَتَحْمِلُ فِي يَدَيْهَا كِتَابًا قَدِيمًا مُغَلَّفًا بِالجِلْدِ. قَدَّمَتْ نَفْسَهَا بِاسْمِ كِلَارَا، وَأَخْبَرَتْهُمَا أَنَّهَا كَانَتْ رَاهِبَةً فِي دَيْرٍ قَرِيبٍ قَبْلَ أَنْ تُكَرِّسَ نَفْسَهَا بَاحِثَةً فِي حَيَاةِ المَرْأَةِ الَّتِي أَسَّسَتْ هَذَا المَكَانَ قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَانِيَةِ قُرُونٍ.
“لَمْ يَبْقَ مِنَ الدَّيْرِ الأَصْلِيِّ سِوَى هَذِهِ الحِجَارَةِ،” قَالَتْ كِلَارَا وَهِيَ تُشِيرُ إِلَى الأَطْلَالِ حَوْلَهَا، “لَكِنَّ مَا بَنَتْهُ هِيلْدِيغَارْد فِي عُقُولِ مَنْ جَاؤُوا بَعْدَهَا لَمْ يَتَهَدَّمْ بَعْدُ.”
“وُلِدَتْ هِيلْدِيغَارْد سَنَةَ أَلْفٍ وَثَمَانِيَةٍ وَتِسْعِينَ لِلْمِيلَادِ، العَاشِرَةُ بَيْنَ إِخْوَتِهَا، وَقَدَّمَهَا وَالِدَاهَا هَدِيَّةً لِلْكَنِيسَةِ وَهِيَ فِي الثَّامِنَةِ مِنْ عُمْرِهَا، عَلَى العَادَةِ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ،” بَدَأَتْ كِلَارَا. “مُنْذُ طُفُولَتِهَا، كَانَتْ تَرَى رُؤًى غَرِيبَةً، أَضْوَاءَ وَأَشْكَالًا لَا يَرَاهَا أَحَدٌ سِوَاهَا، لَكِنَّهَا كَتَمَتْهَا لِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ عَامًا، خَوْفًا مِنِ اتِّهَامِهَا بِالجُنُونِ أَوِ الهَرْطَقَةِ.”
“وَمَاذَا حَدَثَ لِتُكْسِرَ ذَلِكَ الصَّمْتَ؟” سَأَلَتْ لَمَى.
“فِي الثَّانِيَةِ وَالأَرْبَعِينَ مِنْ عُمْرِهَا، كَتَبَتْ أَنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ يَأْمُرُهَا: اُكْتُبِي مَا تَرَيْنَ وَتَسْمَعِينَ. فَبَدَأَتْ تُمْلِي رُؤَاهَا عَلَى رَاهِبٍ يُسَاعِدُهَا، لِتُنْتِجَ عَلَى مَدَى سَنَوَاتٍ كِتَابَهَا الأَكْبَرَ، سِكِيفِيَاس، وَهُوَ نَصٌّ لَاهُوتِيٌّ وَشِعْرِيٌّ مَعًا لَمْ يَكْتُبْ مِثْلَهُ اِمْرَأَةٌ فِي أُورُبَّا فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ. لَمْ تَكْتَفِ بِذَلِكَ: كَتَبَتْ فِي الطِّبِّ وَالنَّبَاتِ وَعِلْمِ الأَحْيَاءِ فِي كِتَابَيْنِ، فِيزِيكَا وَكَوْزَاي إِتْ كُورَاي، وَأَلَّفَتْ مُوسِيقَى دِينِيَّةً لَا تَزَالُ تُعْزَفُ حَتَّى اليَوْمِ، وَاخْتَرَعَتْ لُغَةً سِرِّيَّةً خَاصَّةً بِهَا وَحْدَهَا، وَرَاسَلَتْ بَابَوَاتٍ وَأَبَاطِرَةً وَمُلُوكًا، تَنْصَحُهُمْ وَتُوَبِّخُهُمْ دُونَ خَوْفٍ.”
“اِمْرَأَةٌ فِي القَرْنِ الثَّانِي عَشَرَ تُوَبِّخُ الأَبَاطِرَةَ؟” قَالَ كَرِيمٌ بِدَهْشَةٍ لَمْ يُخْفِهَا.
“وَتَنْجُو مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا، لِأَنَّهَا كَانَتْ تَتَحَدَّثُ، كَمَا كَانَتْ تَقُولُ، بِاسْمِ الصَّوْتِ الَّذِي كَلَّمَهَا، لَا بِاسْمِهَا هِيَ. وَهَذَا مَا حَمَاهَا طَوِيلًا، لَكِنَّهُ لَمْ يَحْمِهَا أَبَدًا.”
قَادَتْهُمَا كِلَارَا إِلَى مَا تَبَقَّى مِنْ سَاحَةٍ حَجَرِيَّةٍ خَلْفَ الأَطْلَالِ، حَيْثُ كَانَتْ هُنَاكَ لَوْحَةٌ تَذْكَارِيَّةٌ صَغِيرَةٌ لَا يَلْحَظُهَا أَحَدٌ يَمُرُّ عَابِرًا.
“فِي آخِرِ سَنَوَاتِ حَيَاتِهَا، حَدَثَتِ الوَاقِعَةُ الَّتِي أُقَدِّرُهَا فِي هِيلْدِيغَارْد أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ رُؤَاهَا،” قَالَتْ كِلَارَا. “دُفِنَ فِي مَقْبَرَةِ دَيْرِهَا شَابٌّ نَبِيلٌ كَانَ قَدْ طُرِدَ مِنَ الكَنِيسَةِ سَابِقًا، لَكِنَّهُ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ وَتَنَاوَلَ الأَسْرَارَ المُقَدَّسَةَ. طَالَبَ رِجَالُ دِينٍ فِي مَايِنْتْسَ بِنَبْشِ جُثَّتِهِ وَإِخْرَاجِهَا مِنَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ، بِحُجَّةِ أَنَّ حِرْمَانَهُ القَدِيمَ لَمْ يُرْفَعْ رَسْمِيًّا. رَفَضَتْ هِيلْدِيغَارْد، فِي الثَّمَانِينَ مِنْ عُمْرِهَا، أَنْ تَنْبُشَ قَبْرًا لِرَجُلٍ تَابَ. فَعَاقَبُوا دَيْرَهَا كُلَّهُ بِعُقُوبَةِ الحِرْمَانِ الكَنَسِيِّ: مُنِعَتِ الرَّاهِبَاتُ مِنْ تَلَاوَةِ القُدَّاسِ، وَالأَخْطَرُ مِنْ ذَلِكَ فِي نَظَرِ هِيلْدِيغَارْد، مُنِعْنَ مِنَ الغِنَاءِ.”
“لِمَاذَا كَانَ مَنْعُ الغِنَاءِ أَخْطَرَ مِنَ البَقِيَّةِ؟” سَأَلَتْ لَمَى.
“لِأَنَّهَا كَانَتْ تُؤْمِنُ أَنَّ المُوسِيقَى هِيَ صَدَى صَوْتِ اللهِ فِي الرُّوحِ البَشَرِيَّةِ، وَأَنَّ إِسْكَاتَ التَّرْنِيمِ عُقُوبَةٌ عَلَى النَّفْسِ نَفْسِهَا لَا عَلَى الجَسَدِ. كَتَبَتْ رِسَالَةً غَاضِبَةً لِأَسَاقِفَةِ مَايِنْتْسَ، تَقُولُ فِيهَا إِنَّ مَنْ يُسْكِتُ التَّسْبِيحَ فِي الأَرْضِ يُخَاطِرُ بِأَنْ يُسْكِتَهُ اللهُ فِي السَّمَاءِ. اِسْتَمَرَّتِ العُقُوبَةُ أَشْهُرًا، حَتَّى تَرَاجَعَ الأَسَاقِفَةُ وَرُفِعَ الحِرْمَانُ قَبْلَ وَفَاتِهَا بِأَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ.”
نَزَلَتْ كِلَارَا بِهِمَا عَبْرَ دَرَجٍ حَجَرِيٍّ ضَيِّقٍ إِلَى قَبْوٍ لَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا مِنَ السَّطْحِ، مُضَاءٍ بِأَضْوَاءَ خَافِتَةٍ تَكْشِفُ عَنْ رُفُوفٍ حَدِيثَةِ الصُّنْعِ وَسْطَ حِجَارَةِ القَرْنِ الثَّانِي عَشَرَ.
“هُنَا،” قَالَتْ كِلَارَا بِصَوْتٍ خَفَتَ فَجْأَةً، “يَحْتَفِظُ مَجْلِسُ الغَائِبِينَ بِجُزْءٍ كَبِيرٍ مِنْ أَرْشِيفِهِ مُنْذُ تَأْسِيسِهِ. اِخْتَارَ المُؤَسِّسُ هَذَا المَكَانَ بِالذَّاتِ، لِأَنَّ اِمْرَأَةً وَحِيدَةً فِي هَذَا القَبْوِ، مُنْذُ ثَمَانِيَةِ قُرُونٍ، قَاوَمَتْ كَنِيسَةً بِأَكْمَلِهَا مِنْ أَجْلِ مَيِّتٍ لَا يَسْتَطِيعُ الدِّفَاعَ عَنْ نَفْسِهِ. أَرَادَ أَنْ يُذَكِّرَ كُلَّ مَنْ يَدْخُلُ هَذَا الأَرْشِيفَ أَنَّ حِرَاسَةَ الحَقِيقَةِ لَيْسَتْ دَائِمًا فِعْلَ قُوَّةٍ، بَلْ غَالِبًا فِعْلَ عِنَادٍ صَغِيرٍ لَا يَتَنَازَلُ.”
بَيْنَمَا كَانَتْ لَمَى تَتَجَوَّلُ بَيْنَ الرُّفُوفِ، تَوَقَّفَتْ فَجْأَةً عِنْدَ صُنْدُوقٍ يَحْمِلُ اسْمًا مَكْتُوبًا بِخَطٍّ حَدِيثٍ: سَلَامَةُ — مَعَرَّةُ النُّعْمَانِ. فَتَحَتْهُ بِيَدَيْنِ مُرْتَجِفَتَيْنِ، لِتَجِدَ بِدَاخِلِهِ أَغْرَاضًا شَخْصِيَّةً بَسِيطَةً: دَفْتَرَ مُلَاحَظَاتٍ، وَصُورَةً قَدِيمَةً لِفَتَاةٍ صَغِيرَةٍ فِي حَضْنِ اِمْرَأَةٍ مُسِنَّةٍ أَمَامَ بَيْتٍ حَجَرِيٍّ، وَبِطَاقَةَ هَوِيَّةٍ سُورِيَّةٍ قَدِيمَةٍ عَلَيْهَا اِسْمٌ كَامِلٌ لَمْ تَتَوَقَّعْ أَنْ تَرَاهُ مَكْتُوبًا بِهَذَا الوُضُوحِ: سَلْمَى يَاسِينُ سَلَامَةَ.
“يَاسِينُ؟” هَمَسَتْ لَمَى، وَشَعَرَتْ فَجْأَةً أَنَّ اِسْمَ الرَّجُلِ الأَعْمَى الَّذِي أَنْقَذَهُمَا فِي بَيْرُوتَ لَمْ يَكُنْ اِسْمًا أَوَّلَ عَادِيًّا، بَلْ جُزْءًا مِنِ اسْمِ عَائِلَةِ سَلْمَى نَفْسِهَا.
لَمْ تُكْمِلِ التَّفْكِيرَ. صَوْتُ زُجَاجٍ يَتَحَطَّمُ فِي الطَّابَقِ العُلْوِيِّ قَطَعَ صَمْتَ القَبْوِ، تَلَاهُ صُرَاخُ كِلَارَا وَهِيَ تَصْرُخُ بِاسْمَيْهِمَا مُحَذِّرَةً. اِنْدَفَعَ كَرِيمٌ نَحْوَ الدَّرَجِ، لَكِنَّ ظِلَّيْنِ كَانَا يَنْزِلَانِ بِالفِعْلِ، بِسُرْعَةٍ لَمْ تَتْرُكْ وَقْتًا لِلتَّفْكِيرِ.
“خُذِي الصُّنْدُوقَ وَاخْرُجِي مِنَ البَابِ الجَانِبِيِّ! لَا تَنْتَظِرِينِي!” صَرَخَ كَرِيمٌ وَهُوَ يَتَقَدَّمُ نَحْوَ الدَّرَجِ لِيَسُدَّ الطَّرِيقَ.
تَرَدَّدَتْ لَمَى لِثَانِيَةٍ وَاحِدَةٍ لَا أَكْثَرَ، ثُمَّ ضَمَّتِ الصُّنْدُوقَ إِلَى صَدْرِهَا وَاِنْدَفَعَتْ نَحْوَ بَابٍ حَدِيدِيٍّ صَغِيرٍ فِي آخِرِ القَبْوِ، تَارِكَةً خَلْفَهَا صَوْتَ اِشْتِبَاكٍ وَصُرَاخًا لَمْ تَعْرِفْ، وَهِيَ تَعْدُو فِي مَمَرٍّ مُظْلِمٍ يُؤَدِّي إِلَى ضِفَّةِ النَّهْرِ، إِنْ كَانَ كَرِيمٌ سَيَخْرُجُ خَلْفَهَا حَيًّا.
الفَصْلُ الثَّامِنُ
جَلَسَتْ لَمَى عَلَى ضِفَّةِ الرَّايْنِ تَحْتَ شَجَرَةٍ عَارِيَةٍ مِنْ أَوْرَاقِهَا، تُحَدِّقُ فِي المَمَرِّ المُظْلِمِ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ، تَنْتَظِرُ ظِلًّا لَمْ يَظْهَرْ بَعْدُ. مَرَّتْ عَشْرُ دَقَائِقَ بَدَتْ كَسَاعَةٍ كَامِلَةٍ، قَبْلَ أَنْ تَرَى كَرِيمًا يَخْرُجُ عَارِجًا، شَفَتُهُ مَشْقُوقَةٌ وَمِعْطَفُهُ مُمَزَّقٌ عِنْدَ الكَتِفِ، لَكِنَّهُ عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ.
“هَرَبُوا حِينَ سَمِعُوا صَوْتَ سَيَّارَةِ الشُّرْطَةِ الَّتِي اِسْتَدْعَتْهَا كِلَارَا،” قَالَ وَهُوَ يَتَّكِئُ عَلَيْهَا لِيَلْتَقِطَ أَنْفَاسَهُ. “هِيَ بِخَيْرٍ أَيْضًا. لَكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَبْحَثُونَ عَنْهَا. كَانُوا يَبْحَثُونَ عَنْ ذَلِكَ الصُّنْدُوقِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكِ.”
ضَمَّتْ لَمَى الصُّنْدُوقَ أَكْثَرَ، وَفَتَحَتْ دَفْتَرَ المُلَاحَظَاتِ الَّذِي وَجَدَتْهُ بِدَاخِلِهِ لِلْمَرَّةِ الأُولَى بِتَمَعُّنٍ. كَانَتْ آخِرُ صَفَحَاتِهِ، بِخَطِّ سَلْمَى المَعْرُوفِ، تَحْمِلُ كَلِمَةً وَاحِدَةً مُحَاطَةً بِدَائِرَةٍ: قُونْيَة.
كَانَتْ قُونْيَةُ، حِينَ وَصَلَا إِلَيْهَا بَعْدَ يَوْمَيْنِ مِنَ الرَّاحَةِ القَسْرِيَّةِ الَّتِي فَرَضَهَا جُرْحُ كَرِيمٍ، مَدِينَةً هَادِئَةً تَعِيشُ فِي ظِلِّ قُبَّةٍ خَضْرَاءَ وَاحِدَةٍ تَجْذِبُ إِلَيْهَا حَجَّاجًا مِنْ كُلِّ أَنْحَاءِ العَالَمِ. عِنْدَ بَابِ ضَرِيحِ جَلَالِ الدِّينِ الرُّومِيِّ، اِنْتَظَرَهُمَا رَجُلٌ فِي الخَمْسِينَ يَرْتَدِي زِيَّ الدَّرَاوِيشِ التَّقْلِيدِيَّ، قَدَّمَ نَفْسَهُ بِاسْمِ زَكِيّ، وَأَخْبَرَهُمَا أَنَّهُ يُنْحَدِرُ مِنْ سُلَالَةِ أَحَدِ مُرِيدِي الرُّومِيِّ الأَوَائِلِ.
“الأَمِينُ اِتَّصَلَ بِي مُنْذُ سَاعَاتٍ فَقَطْ،” قَالَ زَكِيّ. “قَالَ إِنَّكُمَا اقْتَرَبْتُمَا كَثِيرًا، وَإِنَّ عَلَيَّ أَنْ أَحْكِيَ لَكُمَا الحِكَايَةَ كَامِلَةً، لَا مُجَتَزَأَةً كَمَا تُرْوَى لِلسُّيَّاحِ.”
“وَصَلَ جَلَالُ الدِّينِ إِلَى قُونْيَةَ طِفْلًا، هَارِبًا مَعَ أَبِيهِ مِنْ غَزْوِ المَغُولِ لِبَلْخَ،” بَدَأَ زَكِيّ حَدِيثَهُ وَهُمْ يَتَجَوَّلُونَ فِي فِنَاءِ الضَّرِيحِ. “نَشَأَ عَالِمًا وَفَقِيهًا مُحْتَرَمًا، يُلَقِّنُ الدُّرُوسَ فِي المَدَارِسِ، حَتَّى بَلَغَ السَّابِعَةَ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ عُمْرِهِ، وَكَانَ رَجُلًا مُنَظَّمًا، مُحْتَرَمًا، مُتَوَقَّعًا. ثُمَّ، فِي خَرِيفِ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، اِلْتَقَى بِرَجُلٍ غَرِيبِ الأَطْوَارِ، دَرْوِيشٍ مُتَجَوِّلٍ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا سِوَى عَبَاءَتِهِ، اِسْمُهُ شَمْسُ الدِّينِ التَّبْرِيزِيُّ، فَتَغَيَّرَ كُلُّ شَيْءٍ.”
“مَا الَّذِي حَدَثَ بَيْنَهُمَا بِالضَّبْطِ؟” سَأَلَتْ لَمَى.
“لَا أَحَدَ يَعْرِفُ بِدِقَّةٍ. تَقُولُ الرِّوَايَاتُ إِنَّ شَمْسًا سَأَلَ جَلَالَ الدِّينِ سُؤَالًا وَاحِدًا صَدَمَهُ، عَنْ أَيِّهِمَا أَعْظَمُ، مُحَمَّدٌ أَمِ البِسْطَامِيُّ الَّذِي قَالَ سُبْحَانِي مَا أَعْظَمَ شَأْنِي، فَسَقَطَ جَلَالُ الدِّينِ مُغْشِيًّا عَلَيْهِ مِنْ هَوْلِ السُّؤَالِ. مِنْ تِلْكَ اللَّحْظَةِ، اِعْتَزَلَ الفَقِيهُ المُحْتَرَمُ طُلَّابَهُ وَكُتُبَهُ، وَقَضَى شُهُورًا مُنْعَزِلًا مَعَ الدَّرْوِيشِ الغَرِيبِ، فِي حَدِيثٍ لَمْ يُسْمَحْ لِأَحَدٍ بِمُشَارَكَتِهِمَا فِيهِ.”
جَلَسُوا عَلَى مَقْعَدٍ حَجَرِيٍّ قَرِيبٍ مِنَ الضَّرِيحِ، فِيمَا اِسْتَمَرَّ زَكِيّ فِي رِوَايَتِهِ بِصَوْتٍ خَفَتَ قَلِيلًا، كَأَنَّهُ يَقْتَرِبُ مِنَ الجُزْءِ الَّذِي يُؤْلِمُهُ حَقًّا مِنَ الحِكَايَةِ.
“غَارَ تَلَامِذَةُ جَلَالِ الدِّينِ مِنْ شَمْسٍ، وَظَنُّوا أَنَّهُ سَحَرَ مُعَلِّمَهُمْ وَسَرَقَهُ مِنْهُمْ. اِشْتَدَّ العَدَاءُ حَتَّى اِخْتَفَى شَمْسٌ فَجْأَةً لِلْمَرَّةِ الأُولَى، فَغَرِقَ جَلَالُ الدِّينِ فِي حُزْنٍ لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ مِنْ قَبْلُ، وَلَمْ يَهْدَأْ حَتَّى عُثِرَ عَلَى شَمْسٍ فِي دِمَشْقَ وَأُعِيدَ إِلَى قُونْيَةَ. لَكِنَّ الغَيْرَةَ لَمْ تَهْدَأْ، وَفِي لَيْلَةٍ مِنْ كَانُونَ الأَوَّلِ، سَنَةَ أَلْفٍ وَمِئَتَيْنِ وَسَبْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ لِلْمِيلَادِ، خَرَجَ شَمْسُ الدِّينِ مِنْ غُرْفَتِهِ لِيَسْتَقْبِلَ زَائِرًا اسْتَدْعَاهُ، وَلَمْ يُرَ بَعْدَهَا أَبَدًا.”
“هَلْ قُتِلَ؟” سَأَلَ كَرِيمٌ مُبَاشَرَةً، بِعَقْلِيَّةِ مُحَقِّقٍ لَا يَحْتَمِلُ الغُمُوضَ.
“تَقُولُ رِوَايَاتٌ إِنَّهُ قُتِلَ بِتَحْرِيضٍ مِنْ بَعْضِ المُقَرَّبِينَ، بَلْ إِنَّ رِوَايَاتٍ أُخْرَى، مُتَحَفِّظَةً دَائِمًا، تُلَمِّحُ إِلَى تَوَرُّطِ اِبْنِ جَلَالِ الدِّينِ نَفْسِهِ، عَلَاءِ الدِّينِ، الَّذِي كَانَ أَشَدَّ الغَاضِبِينَ مِنْ حُضُورِ شَمْسٍ. وَتَقُولُ رِوَايَاتٌ أُخْرَى إِنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ إِطْلَاقًا، بَلِ اخْتَفَى بِإِرَادَتِهِ، لِأَنَّهُ أَدْرَكَ أَنَّ مُهِمَّتَهُ اِنْتَهَتْ: لَقَدْ أَشْعَلَ فِي جَلَالِ الدِّينِ نَارَ الشِّعْرِ، وَأَيُّ حُضُورٍ إِضَافِيٍّ لَهُ سَيُطْفِئُ تِلْكَ النَّارَ بَدَلَ أَنْ يُغَذِّيَهَا. اختَارَ أَنْ يَخْتَفِيَ فِي ذُرْوَةِ الأَثَرِ، لَا فِي بِدَايَتِهِ وَلَا فِي أُفُولِهِ.”
سَادَ صَمْتٌ قَصِيرٌ. كَانَتِ الشَّمْسُ تَمِيلُ نَحْوَ الغُرُوبِ، تُلْقِي ظِلَالًا طَوِيلَةً عَلَى القُبَّةِ الخَضْرَاءِ.
“وَجَلَالُ الدِّينِ، مَاذَا فَعَلَ بَعْدَ الاِخْتِفَاءِ؟” سَأَلَتْ لَمَى بِصَوْتٍ بَدَا لَهَا أَنَّهُ يَحْمِلُ سُؤَالًا آخَرَ، غَيْرَ مُعْلَنٍ.
“بَحَثَ عَنْهُ سَنَتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ، سَافَرَ إِلَى دِمَشْقَ مَرَّتَيْنِ يَسْأَلُ عَنْهُ فِي كُلِّ زُقَاقٍ. ثُمَّ، فِي لَحْظَةٍ لَمْ يُوَثِّقْهَا أَحَدٌ بِدِقَّةٍ، تَوَقَّفَ عَنِ البَحْثِ خَارِجَ نَفْسِهِ، وَقَالَ جُمْلَتَهُ الشَّهِيرَةَ: لِمَاذَا أَبْحَثُ عَنْهُ وَأَنَا هُوَ؟ عِنْدَهَا فَقَطْ بَدَأَ يَكْتُبُ المَثْنَوِيَّ، أَعْظَمَ أَعْمَالِهِ، وَاخْتَرَعَ رَقْصَةَ الدَّرَاوِيشِ الدَّوَّارَةَ، تَمْثِيلًا لِرُوحٍ تَدُورُ حَوْلَ مَرْكَزٍ لَا تَرَاهُ وَلَا تَحْتَاجُ أَنْ تَرَاهُ لِتُؤْمِنَ بِوُجُودِهِ.”
فَتَحَتْ لَمَى دَفْتَرَ سَلْمَى مَرَّةً أُخْرَى، وَبَدَأَتْ تُقَلِّبُ صَفَحَاتِهِ الأَخِيرَةَ بِحَذَرٍ، حَتَّى وَقَعَتْ عَيْنَاهَا عَلَى سَطْرٍ لَمْ تَنْتَبِهْ إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، مَكْتُوبٍ بِحِبْرٍ يَخْتَلِفُ عَنْ بَقِيَّةِ الصَّفَحَاتِ، كَأَنَّهُ أُضِيفَ فِي وَقْتٍ لَاحِقٍ.
“اِقْرَأْ هَذَا،” قَالَتْ لِزَكِيّ بِصَوْتٍ يَكَادُ يَنْقَطِعُ، وَأَدَارَتِ الدَّفْتَرَ نَحْوَهُ.
قَرَأَ زَكِيّ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ قَلِيلًا: “إِذَا اخْتَفَيْتُ يَوْمًا، فَلَا تَبْحَثُوا عَنِّي فِي مَكَانٍ. اِبْحَثُوا عَنِّي فِي السُّؤَالِ الَّذِي سَيَتْرُكُهُ غِيَابِي فِيكُمْ. فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُ حَيًّا فِيكُمْ، فَقَدْ وَجَدْتُمُونِي، وَلَوْ لَمْ تَرَوْا وَجْهِي مُجَدَّدًا أَبَدًا.”
أَغْلَقَتْ لَمَى الدَّفْتَرَ بِبُطْءٍ، وَشَعَرَتْ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ بَدَأَتْ هَذِهِ الرِّحْلَةَ أَنَّ الخَوْفَ الَّذِي كَانَ يَقُودُهَا بَدَأَ يَتَحَوَّلُ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ، أَقْرَبَ إِلَى اليَقِينِ.
“سَلْمَى لَمْ تُخْطَفْ،” قَالَتْ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَمْ تَعْرِفْهُ عَنْ نَفْسِهَا مِنْ قَبْلُ. “فَعَلَتْ مَا فَعَلَهُ شَمْسٌ بِالضَّبْطِ. اِخْتَفَتْ فِي ذُرْوَةِ الأَثَرِ، لِتَتْرُكَ سُؤَالًا يَكْبُرُ فِيَّ أَنَا، لَا لِتَتْرُكَنِي أَبْحَثُ عَنْ جَسَدِهَا.”
“وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا،” قَالَ كَرِيمٌ بِحَذَرِ مَنْ لَا يَزَالُ يَرَى الأَشْيَاءَ بِعَيْنِ المُحَقِّقِ، “فَلِمَاذَا يُلَاحِقُنَا مُرَادُ بِهَذِهِ الضَّرَاوَةِ؟ الرَّجُلُ لَا يَبْحَثُ عَنْ رَمْزٍ فَلْسَفِيٍّ. إِنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ مَلْمُوسٍ، وَيَخَافُ أَنْ نَجِدَهُ قَبْلَهُ.”
نَظَرَتْ لَمَى إِلَى القُبَّةِ الخَضْرَاءِ الَّتِي بَدَأَ الظَّلَامُ يَلُفُّهَا رُوَيْدًا، وَأَدْرَكَتْ أَنَّ السُّؤَالَيْنِ، الرُّوحِيَّ وَالمَادِّيَّ، رُبَّمَا لَمْ يَكُونَا مُتَعَارِضَيْنِ فِي هَذِهِ الحِكَايَةِ، بَلْ وَجْهَيْنِ لِلِغْزٍ وَاحِدٍ لَا يَزَالُ يَنْتَظِرُ أَنْ يَكْتَمِلَ.
الفَصْلُ التَّاسِعُ
لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى الوِجْهَةِ التَّالِيَةِ. كَانَ زَكِيّ هُوَ مَنْ حَسَمَ الأَمْرَ، حِينَ أَخْرَجَ مِنْ مَكْتَبَتِهِ الصَّغِيرَةِ رِسَالَةً وَرَقِيَّةً وَصَلَتْهُ قَبْلَ أَيَّامٍ مِنْ عُنْوَانٍ إِيطَالِيٍّ، بِلَا اِسْمِ مُرْسِلٍ، تَحْمِلُ عِبَارَةً وَاحِدَةً: أَرْسِلْهُمَا إِلَى حَيْثُ يَرْقُدُ المَنْفِيُّ الَّذِي لَمْ تَقْبَلْ مَدِينَتُهُ أَنْ يَعُودَ.
“رَافِنَّا،” قَالَ كَرِيمٌ فَوْرًا، بِلَا حَاجَةٍ إِلَى بَحْثٍ. “حَيْثُ دُفِنَ دَانْتِي.”
اِسْتَقْبَلَتْهُمَا فِي رَافِنَّا اِمْرَأَةٌ إِيطَالِيَّةٌ فِي الخَمْسِينَ، تُدِيرُ مَرْكَزَ دِرَاسَاتٍ صَغِيرًا مُلْحَقًا بِضَرِيحِ الشَّاعِرِ، قَدَّمَتْ نَفْسَهَا بِاسْمِ فِيُولَا، وَبَدَتْ عَلَى وَجْهِهَا عَلَامَاتُ مَنْ يَنْتَظِرُ زَائِرَيْنِ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ.
“لَمْ يَصِلْ إِلَى هَذَا البَابِ أَحَدٌ يَحْمِلُ اِسْمَ الأَمِينِ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سَنَوَاتٍ،” قَالَتْ فِيُولَا وَهِيَ تُصَافِحُهُمَا. “آخِرُ مَنْ جَاءَ كَانَتْ سَلْمَى نَفْسُهَا، شَابَّةً حِينَهَا، تَسْأَلُ عَنِ الشَّيْءِ نَفْسِهِ الَّذِي أَظُنُّكُمَا جِئْتُمَا مِنْ أَجْلِهِ: الكُرْسِيُّ الفَارِغُ الحَقِيقِيُّ الأَوَّلُ.”
“ظَنَنَّا أَنَّ الكُرْسِيَّ الفَارِغَ فِكْرَةٌ اِخْتَرَعَهَا مَجْلِسُ الغَائِبِينَ،” قَالَتْ لَمَى، وَقَدْ لَاحَظَتِ اِرْتِبَاكًا فِي صَوْتِهَا لَمْ تُخْفِهِ.
“لَا. اِسْتَعَارَهَا مِنْ فُلُورَنْسَا.”
قَادَتْهُمَا فِيُولَا إِلَى دَاخِلِ الضَّرِيحِ الصَّغِيرِ الأَنِيقِ، حَيْثُ يَرْقُدُ دَانْتِي بَعِيدًا عَنِ المَدِينَةِ الَّتِي أَنْجَبَتْهُ.
“وُلِدَ دَانْتِي أَلِيغْيِيرِي فِي فُلُورَنْسَا سَنَةَ أَلْفٍ وَمِئَتَيْنِ وَوَاحِدٍ وَسِتِّينَ، وَكَانَ رَجُلَ سِيَاسَةٍ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ شَاعِرًا، شَغَلَ مَنَاصِبَ عَامَّةً فِي مَدِينَةٍ مَزَّقَهَا صِرَاعٌ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ، الغِويلْفِ البِيضِ وَالغِويلْفِ السُّودِ،” بَدَأَتْ فِيُولَا. “حِينَ اِنْتَصَرَ الفَرِيقُ الأَسْوَدُ سَنَةَ أَلْفٍ وَثَلَاثِمِئَةٍ وَاثْنَيْنِ، وَكَانَ دَانْتِي خَارِجَ المَدِينَةِ فِي مُهِمَّةٍ دِبْلُومَاسِيَّةٍ، أَصْدَرُوا فِي حَقِّهِ حُكْمًا بِالنَّفْيِ الأَبَدِيِّ، وَبِالإِعْدَامِ حَرْقًا إِنْ عَادَ يَوْمًا إِلَى فُلُورَنْسَا. لَمْ يَعُدْ إِلَيْهَا أَبَدًا. تَجَوَّلَ تِسْعَةَ عَشَرَ عَامًا بَيْنَ بَلَاطَاتٍ إِيطَالِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ، ضَيْفًا ثَقِيلًا فِي كُلِّ مَكَانٍ، حَتَّى اِسْتَقَرَّ أَخِيرًا هُنَا فِي رَافِنَّا، حَيْثُ أَكْمَلَ الكُومِيدْيَا الإِلَهِيَّةَ وَمَاتَ سَنَةَ أَلْفٍ وَثَلَاثِمِئَةٍ وَوَاحِدٍ وَعِشْرِينَ.”
“وَمَاذَا عَنِ الكُرْسِيِّ الفَارِغِ؟” سَأَلَ كَرِيمٌ، وَقَدْ بَدَا أَنَّهُ لَا يُرِيدُ الاِنْتِظَارَ أَكْثَرَ.
اِبْتَسَمَتْ فِيُولَا اِبْتِسَامَةً حَزِينَةً، وَأَشَارَتْ إِلَى صُورَةٍ مُعَلَّقَةٍ عَلَى الجِدَارِ تُظْهِرُ كَاتِدْرَائِيَّةَ فُلُورَنْسَا مِنَ الدَّاخِلِ.
“فِي كَاتِدْرَائِيَّةِ سَانْتَا مَارِيَّا دِيل فِيُورِي فِي فُلُورَنْسَا، هُنَاكَ لَوْحَةٌ ضَخْمَةٌ تُصَوِّرُ دَانْتِي وَاقِفًا خَارِجَ أَسْوَارِ مَدِينَتِهِ، يَنْظُرُ إِلَيْهَا مِنَ البُعْدِ، لَا يَدْخُلُهَا أَبَدًا. وَمُنْذُ قُرُونٍ، تُطَالِبُ فُلُورَنْسَا رَسْمِيًّا بِاسْتِعَادَةِ رُفَاتِهِ مِنَّا هُنَا فِي رَافِنَّا، وَنَحْنُ نَرْفُضُ كُلَّ مَرَّةٍ. المَدِينَةُ الَّتِي طَرَدَتْهُ حَيًّا لَا تَسْتَحِقُّ أَنْ تَسْتَعِيدَهُ مَيِّتًا. فِي بَعْضِ اِحْتِفَالَاتِ فُلُورَنْسَا التَّذْكَارِيَّةِ، يَتْرُكُونَ كُرْسِيًّا فَارِغًا عَلَى المِنَصَّةِ، رَمْزًا لِمَقْعَدِهِ الَّذِي لَمْ يُشْغَلْ قَطُّ، وَاعْتِرَافًا مُتَأَخِّرًا بِخَطَأٍ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ.”
جَلَسُوا فِي حَدِيقَةٍ صَغِيرَةٍ خَلْفَ الضَّرِيحِ، وَأَخْرَجَتْ فِيُولَا مِنْ حَقِيبَتِهَا مِلَفًّا وَرَقِيًّا قَدِيمًا.
“حِينَ أَسَّسَ مُؤَسِّسُ مَجْلِسِ الغَائِبِينَ فِكْرَتَهُ الأُولَى، فِي مُنْتَصَفِ القَرْنِ العِشْرِينَ، كَانَ هُوَ نَفْسُهُ مَنْفِيًّا،” قَالَتْ فِيُولَا. “رَجُلٌ فَقَدَ بَلَدَهُ فِي ظُرُوفٍ لَمْ يُدَوِّنْهَا بِالتَّفْصِيلِ فِي أَيِّ وَثِيقَةٍ وَصَلَتْنَا، لَكِنَّهُ زَارَ رَافِنَّا فِي أُولَى سَنَوَاتِ مَنْفَاهُ، وَوَقَفَ أَمَامَ قَبْرِ دَانْتِي، وَكَتَبَ فِي مُذَكِّرَاتِهِ جُمْلَةً أَصْبَحَتْ لَاحِقًا حَجَرَ الأَسَاسِ لِكُلِّ مَا بَنَاهُ: إِذَا كَانَتِ الأَوْطَانُ تَنْفِي أَبْنَاءَهَا العِظَامَ، فَلْيَكُنْ هُنَاكَ وَطَنٌ آخَرُ، لَا جُغْرَافِيَّ، يَجْمَعُهُمْ جَمِيعًا بَعْدَ المَوْتِ، حَيْثُ لَا يَسْأَلُ أَحَدٌ عَنْ جَوَازِ سَفَرٍ وَلَا مَذْهَبٍ وَلَا لَوْنِ رَايَةٍ.”
فَتَحَتِ المِلَفَّ، وَبِدَاخِلِهِ صُورَةٌ فُوتُوغْرَافِيَّةٌ قَدِيمَةٌ بِالأَبْيَضِ وَالأَسْوَدِ، لِرَجُلٍ فِي مُنْتَصَفِ العُمْرِ يَقِفُ أَمَامَ قَبْرِ دَانْتِي نَفْسِهِ، بِنَفْسِ الزَّاوِيَةِ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ فِيهَا الآنَ تَقْرِيبًا.
“مَنْ هُوَ؟” هَمَسَتْ لَمَى وَهِيَ تُقَرِّبُ الصُّورَةَ مِنْ عَيْنَيْهَا.
“لَا يُعْرَفُ اِسْمُهُ الكَامِلُ فِي أَيِّ وَثِيقَةٍ رَسْمِيَّةٍ. لَكِنَّ سَلْمَى، حِينَ زَارَتْنِي هُنَا قَبْلَ سَنَوَاتٍ، جَلَبَتْ مَعَهَا صُورَةً أُخْرَى، وُضِعَتْ جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ مَعَ هَذِهِ، فَتَطَابَقَتِ المَلَامِحُ بِشَكْلٍ لَا يَدَعُ مَجَالًا لِلشَّكِّ.”
أَخْرَجَتْ لَمَى، بِيَدَيْنِ لَمْ تُخْفِ اِرْتِجَافَهُمَا، الصُّورَةَ القَدِيمَةَ الَّتِي وَجَدَتْهَا فِي صُنْدُوقِ سَلْمَى فِي قَبْوِ رُوبِرْتْسْبِرْغ: اِمْرَأَةٌ مُسِنَّةٌ تَحْتَضِنُ فَتَاةً صَغِيرَةً أَمَامَ بَيْتٍ حَجَرِيٍّ فِي مَعَرَّةِ النُّعْمَانِ. لَمْ يَكُنْ الرَّجُلُ فِي الصُّورَتَيْنِ نَفْسَ الشَّخْصِ بِالطَّبْعِ، فَقَدْ فَصَلَ بَيْنَهُمَا عُمْرٌ طَوِيلٌ، لَكِنَّ الجَدَّةَ فِي صُورَةِ مَعَرَّةِ النُّعْمَانِ كَانَتِ الاِمْرَأَةَ نَفْسَهَا الَّتِي ظَهَرَتْ إِلَى جِوَارِ الرَّجُلِ فِي صُورَةٍ ثَالِثَةٍ أَخْرَجَتْهَا فِيُولَا مِنْ نَفْسِ المِلَفِّ، فِي حَفْلِ زِفَافٍ بَسِيطٍ لَا يَحْمِلُ تَارِيخًا.
“الرَّجُلُ الَّذِي أَسَّسَ مَجْلِسَ الغَائِبِينَ تَزَوَّجَ مِنْ اِبْنَةِ عَائِلَةِ سَلَامَةَ فِي مَعَرَّةِ النُّعْمَانِ،” قَالَتْ فِيُولَا بِهُدُوءٍ ثَقِيلٍ. “وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ سَلْمَى لَيْسَتْ فَقَطْ مِنْ سُلَالَةِ أُخْتِ أَبِي العَلَاءِ المَعَرِّيِّ، كَمَا اِكْتَشَفْتُمَا فِي بَيْرُوتَ. إِنَّهَا أَيْضًا حَفِيدَةُ مُؤَسِّسِ المَجْلِسِ نَفْسِهِ، مِنَ الجِهَتَيْنِ مَعًا. لَمْ تَكُنْ عُضْوًا اِنْضَمَّ إِلَى المَجْلِسِ يَوْمًا. كَانَتْ، مُنْذُ وِلَادَتِهَا، وَارِثَتَهُ الوَحِيدَةَ.”
أَغْلَقَتْ لَمَى عَيْنَيْهَا لِلَحْظَةٍ، تُحَاوِلُ اِسْتِيعَابَ ثِقَلِ مَا سَمِعَتْهُ. لَمْ يَعُدِ الأَمْرُ يَتَعَلَّقُ بِلُغْزٍ تُحَاوِلُ حَلَّهُ، بَلْ بِإِرْثٍ كَامِلٍ كَانَتْ سَلْمَى تَحْمِلُهُ وَحْدَهَا، ثُمَّ اِخْتَارَتْ، فِي لَحْظَةٍ مَا، أَنْ تُقَاسِمَهُ مَعَ اِمْرَأَةٍ لَا تَعْرِفُهَا شَخْصِيًّا، لَكِنَّهَا رَأَتْ فِيهَا، لِسَبَبٍ مَا، مَنْ تَسْتَحِقُّ أَنْ تَرِثَ السُّؤَالَ.
“إِذَنْ فَمُرَادُ لَا يُطَارِدُ سِرًّا مُجَرَّدًا،” قَالَ كَرِيمٌ بَعْدَ صَمْتٍ طَوِيلٍ. “إِنَّهُ يُطَارِدُ وَرَثَةَ عَائِلَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَاحِدَةٍ أَسَّسَتِ المَجْلِسَ، وَأُخْرَى حَاوَلَتْ عَبْرَ التَّارِيخِ أَنْ تُطْفِئَ كُلَّ مَا يُشْبِهُ هَذَا المَجْلِسَ. وَأَنْتِ، يَا لَمَى، صِرْتِ الآنَ الشَّاهِدَةَ الوَحِيدَةَ عَلَى هَذَا الإِرْثِ كُلِّهِ.”
وَقَفَتْ لَمَى أَمَامَ قَبْرِ دَانْتِي، تُفَكِّرُ فِي رَجُلٍ نُفِيَ مِنْ مَدِينَتِهِ فَكَتَبَ عَالَمًا كَامِلًا مِنَ الجَحِيمِ إِلَى الفِرْدَوْسِ لِيُثْبِتَ أَنَّهُ لَا يَزَالُ يَنْتَمِي إِلَى شَيْءٍ أَكْبَرَ مِنْ مَدِينَةٍ وَاحِدَةٍ رَفَضَتْهُ، وَشَعَرَتْ أَنَّهَا، لِلْمَرَّةِ الأُولَى، تَفْهَمُ لِمَاذَا اِخْتَارَ مُؤَسِّسٌ مَنْفِيٌّ أَنْ يَبْنِيَ وَطَنًا لَا جُغْرَافِيَّ لِلْأَسْئِلَةِ الَّتِي طَرَدَتْهَا أَوْطَانُهَا الأَصْلِيَّةُ.
الفَصْلُ العَاشِرُ
لَمْ تَكُنْ لَمَى قَدْ اِعْتَادَتْ بَعْدُ عَلَى فِكْرَةِ أَنَّهَا وَارِثَةٌ لِشَيْءٍ، حِينَ وَصَلَتْهُمَا فِي رَافِنَّا رِسَالَةٌ قَصِيرَةٌ مِنَ الأَمِينِ، لِلْمَرَّةِ الأُولَى مُنْذُ بَرْلِينَ يَكْتُبُ بِنَفْسِهِ لَا عَبْرَ وَسِيطٍ: عَلَيْكِ أَنْ تَفْهَمِي أَنَّ الوِرَاثَةَ لَيْسَتْ دَائِمًا نِعْمَةً وَاضِحَةً. اِذْهَبِي إِلَى سْتْرَاتْفُورْد، وَسَتَفْهَمِينَ لِمَاذَا يُمْكِنُ لِاسْمٍ وَاحِدٍ أَنْ يَحْمِلَ أَكْثَرَ مِنْ صَاحِبٍ.
“سْتْرَاتْفُورْد؟” قَالَ كَرِيمٌ وَهُوَ يَقْرَأُ الرِّسَالَةَ فَوْقَ كَتِفِهَا. “لَنْ أُفَاجَأَ بَعْدَ الآنَ بِأَيِّ وِجْهَةٍ.”
كَانَتْ بَلْدَةُ سْتْرَاتْفُورْد أَبُونْ إِيفُونْ هَادِئَةً، تَعِيشُ عَلَى اِسْمٍ وَاحِدٍ يَجْلِبُ إِلَيْهَا مَلَايِينَ الزُّوَّارِ كُلَّ عَامٍ. فِي مَكْتَبَةٍ صَغِيرَةٍ خَلْفَ البَيْتِ المَنْسُوبِ إِلَى وِلَادَةِ شِكْسْبِيرَ، اِسْتَقْبَلَهُمَا رَجُلٌ فِي السِّتِّينَ، أَنِيقُ الهِنْدَامِ، قَدَّمَ نَفْسَهُ بِاسْمِ إِدْوَارْد، وَبَاشَرَ الحَدِيثَ دُونَ مُقَدِّمَاتٍ كَعَادَةِ كُلِّ مَنِ اِلْتَقَيَاهُمَا فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ.
“أَظُنُّكُمَا تَعْرِفَانِ القِصَّةَ الرَّسْمِيَّةَ: وُلِدَ وِلْيَمُ شِكْسْبِيرُ هُنَا سَنَةَ أَلْفٍ وَخَمْسِمِئَةٍ وَأَرْبَعَةٍ وَسِتِّينَ، اِنْتَقَلَ إِلَى لَنْدَنَ، كَتَبَ نَحْوَ سَبْعَةٍ وَثَلَاثِينَ مَسْرَحِيَّةً وَمِئَةً وَأَرْبَعَةً وَخَمْسِينَ قَصِيدَةً غِنَائِيَّةً، ثُمَّ عَادَ إِلَى بَلْدَتِهِ وَمَاتَ فِيهَا سَنَةَ أَلْفٍ وَسِتِّمِئَةٍ وَسِتَّةَ عَشَرَ،” قَالَ إِدْوَارْد. “لَكِنَّ هَذِهِ القِصَّةَ تَتْرُكُ فَجْوَةً وَاحِدَةً لَمْ يَسُدَّهَا أَحَدٌ بِيَقِينٍ كَامِلٍ حَتَّى اليَوْمِ.”
“أَيَّةُ فَجْوَةٍ؟” سَأَلَتْ لَمَى.
“لَا وَثِيقَةَ وَاحِدَةَ تُثْبِتُ أَنَّ اِبْنَ تَاجِرِ القُفَّازَاتِ هَذَا، الَّذِي لَمْ يَلْتَحِقْ بِجَامِعَةٍ قَطُّ، تَلَقَّى تَعْلِيمًا يُفَسِّرُ مَعْرِفَتَهُ العَمِيقَةَ بِالقَانُونِ وَالطِّبِّ وَاللَّاتِينِيَّةِ وَبَلَاطَاتِ إِيطَالِيَا الَّتِي لَمْ يَزُرْهَا أَبَدًا. لَا رَسَائِلَ شَخْصِيَّةً، وَلَا مُخَطَّطَةً وَاحِدَةً بِخَطِّ يَدِهِ سِوَى تَوَاقِيعَ قَلِيلَةٍ مُتَفَاوِتَةِ الشَّكْلِ. هَذَا الفَرَاغُ وَلَّدَ، مُنْذُ القَرْنِ التَّاسِعَ عَشَرَ، نَظَرِيَّاتٍ عَدِيدَةً تَقُولُ إِنَّ اِسْمَ شِكْسْبِيرَ كَانَ غِطَاءً يَخْتَبِئُ خَلْفَهُ كَاتِبٌ آخَرُ، رُبَّمَا نَبِيلٌ لَا يَلِيقُ بِمَكَانَتِهِ أَنْ يَكْتُبَ لِلْمَسْرَحِ العَامِّ، أَوِ امْرَأَةٌ لَا يُسْمَحُ لَهَا بِذَلِكَ إِطْلَاقًا.”
قَادَهُمَا إِدْوَارْد إِلَى قَاعَةٍ صَغِيرَةٍ تَعْرِضُ نُسَخًا مُصَوَّرَةً مِنَ الفولْيُو الأَوَّلِ، الطَّبْعَةِ الأُولَى الجَامِعَةِ لِأَعْمَالِ شِكْسْبِيرَ، الَّتِي نُشِرَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِسَبْعِ سَنَوَاتٍ.
“لِمَاذَا يُهِمُّ هَذَا مَجْلِسَ الغَائِبِينَ؟” سَأَلَ كَرِيمٌ مُبَاشَرَةً.
“لِأَنَّ سُؤَالَ مَنْ كَتَبَ فِعْلًا هُوَ، فِي جَوْهَرِهِ، سُؤَالٌ عَنْ مَنْ يَحِقُّ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ اِسْمًا،” قَالَ إِدْوَارْد. “وَهَذَا هُوَ السُّؤَالُ نَفْسُهُ الَّذِي يُلَاحِقُكُمَا مُنْذُ بَرْلِينَ، وَإِنْ لَمْ تَنْتَبِهَا لَهُ بَعْدُ. لَقَبُ الأَمِينِ، الَّذِي تَظُنَّانِ أَنَّهُ يَخُصُّ رَجُلًا وَاحِدًا، حَمَلَهُ عَبْرَ التَّارِيخِ أَكْثَرُ مِنْ شَخْصٍ، جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، تَمَامًا كَمَا اِفْتَرَضَ بَعْضُ البَاحِثِينَ أَنَّ اِسْمَ شِكْسْبِيرَ رُبَّمَا حَمَلَهُ أَكْثَرُ مِنْ قَلَمٍ وَاحِدٍ.”
شَعَرَتْ لَمَى بِقَشْعَرِيرَةٍ مَأْلُوفَةٍ تَسْرِي فِي جَسَدِهَا، كُلَّمَا اِقْتَرَبَتْ مِنْ حَقِيقَةٍ لَمْ تَكُنْ مُسْتَعِدَّةً لَهَا.
“تَقْصِدُ أَنَّ الأَمِينَ الَّذِي أَرْسَلَنَا إِلَى أَثِينَا لَيْسَ الأَمِينَ نَفْسَهُ الَّذِي أَرْسَلَنَا إِلَى قُونْيَةَ؟” سَأَلَتْ.
“لَا أَعْرِفُ إِجَابَةً قَاطِعَةً. لَكِنِّي أَعْرِفُ أَنَّ اللَّقَبَ صُمِّمَ عَمْدًا لِيَكُونَ أَكْبَرَ مِنْ صَاحِبِهِ، تَمَامًا كَمَا صَارَ اِسْمُ شِكْسْبِيرَ أَكْبَرَ مِنْ أَيِّ فَرْضِيَّةٍ عَنْ صَاحِبِهِ الحَقِيقِيِّ. المُهِمُّ لَيْسَ مَنْ يَحْمِلُ الاِسْمَ، بَلْ مَاذَا يَفْعَلُ بِهِ.”
بَيْنَمَا كَانَتْ لَمَى تَتَأَمَّلُ صَفْحَاتِ الفولْيُو المُصَوَّرَةَ، لَاحَظَتْ فِي هَامِشِ إِحْدَى الصَّفَحَاتِ عَلَامَةً صَغِيرَةً لَمْ تَكُنْ جُزْءًا مِنَ النَّصِّ الأَصْلِيِّ: دَائِرَةً صَغِيرَةً بِالحِبْرِ، مُطَابِقَةً تَمَامًا لِلدَّائِرَةِ الَّتِي رَأَتْهَا حَوْلَ كَلِمَةِ قُونْيَة فِي دَفْتَرِ سَلْمَى.
“هَذِهِ العَلَامَةُ…” قَالَتْ وَهِيَ تُشِيرُ إِلَيْهَا.
“رَمْزُ المَجْلِسِ القَدِيمُ،” قَالَ إِدْوَارْد بِهُدُوءٍ. “كُلُّ مَنْ حَمَلَ لَقَبَ الأَمِينِ كَانَ يَتْرُكُهُ فِي أَثَرٍ مَا، لِيُؤَكِّدَ اِسْتِمْرَارِيَّةَ المَهَمَّةِ عَبْرَ الأَجْيَالِ. وَهَذِهِ النُّسْخَةُ بِالذَّاتِ مِنَ الفولْيُو الأَوَّلِ كَانَتْ فِي حَوْزَةِ عَائِلَةِ سَلَامَةَ لِفَتْرَةٍ، قَبْلَ أَنْ تُودِعَهَا سَلْمَى هُنَا لِلْحِفْظِ، قَبْلَ اِخْتِفَائِهَا بِعَامٍ كَامِلٍ.”
تَوَقَّفَ إِدْوَارْد لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى لَمَى نَظْرَةً مُبَاشِرَةً لَمْ تَحْمِلْ أَيَّ مُدَاوَرَةٍ.
“حِينَ أَوْدَعَتْهَا، تَرَكَتْ لِي تَعْلِيمَاتٍ مَكْتُوبَةً: إِذَا جَاءَتْ فَتَاةٌ تَحْمِلُ اسْمَ لَمَى، فَأَخْبِرْهَا أَنَّ السُّؤَالَ الحَقِيقِيَّ لَيْسَ مَنْ أَنَا، بَلْ مَاذَا أُرِيدُ أَنْ أَصِيرَ. شِكْسْبِيرُ، أَيًّا يَكُنْ مَنْ كَتَبَ بِاسْمِهِ، اِخْتَارَ أَنْ يَخْتَفِيَ وَرَاءَ شَخْصِيَّاتِهِ، هَامْلِتْ وَلِيرْ وَمَكْبِثْ، لِيَتْرُكَنَا نَحْنُ نَمْلَأُ الفَرَاغَ بِأَسْئِلَتِنَا. وَسَلْمَى، فِي مَكَانٍ مَا، تَفْعَلُ الشَّيْءَ نَفْسَهُ بِاخْتِفَائِهَا: تَتْرُكُ لَكِ فَرَاغًا لَا لِتَمْلَئِيهِ بِإِجَابَةٍ جَاهِزَةٍ، بَلْ لِتَقُرِّرِي أَنْتِ مَنْ سَتَكُونِينَ دَاخِلَهُ.”
جَلَسَتْ لَمَى صَامِتَةً طَوِيلًا، تُحَدِّقُ فِي الدَّائِرَةِ الصَّغِيرَةِ عَلَى هَامِشِ صَفْحَةٍ عُمْرُهَا أَرْبَعُمِئَةُ عَامٍ. لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ بَرْلِينَ، لَمْ تَكُنِ الأَسْئِلَةُ الَّتِي تُلِحُّ عَلَيْهَا عَنْ سَلْمَى أَوْ عَنْ مُرَادَ أَوِ الأَمِينِ، بَلْ عَنْ نَفْسِهَا: مَاذَا تَعْنِي لَهَا هَذِهِ الوِرَاثَةُ، الَّتِي لَمْ تَطْلُبْهَا، إِنْ قَرَّرَتْ أَنْ تَحْمِلَهَا؟
“يَجِبُ أَنْ نَعْرِفَ شَيْئًا آخَرَ،” قَالَ كَرِيمٌ فَجْأَةً، وَقَدْ عَادَ إِلَى نَبْرَتِهِ العَمَلِيَّةِ المُعْتَادَةِ. “إِنْ كَانَ اللَّقَبُ يَنْتَقِلُ بَيْنَ أَشْخَاصٍ، فَمَنْ يَحْمِلُهُ الآنَ؟ وَهَلْ مُرَادُ يَعْرِفُ ذَلِكَ الشَّخْصَ بِالاِسْمِ، أَمْ أَنَّهُ أَيْضًا يُطَارِدُ ظِلًّا؟”
اِبْتَسَمَ إِدْوَارْد اِبْتِسَامَةً أَخِيرَةً، غَامِضَةً كَابْتِسَامَاتِ كُلِّ مَنِ الْتَقَيَاهُمَا مُنْذُ أَشْهُرٍ.
“هَذَا سُؤَالٌ سَتَجِدَانِ إِجَابَتَهُ فِي المَكَانِ الوَحِيدِ الَّذِي لَمْ تَذْهَبَا إِلَيْهِ بَعْدُ،” قَالَ. “مَكَانٌ لَمْ يَحْمِلْ يَوْمًا اِسْمَ فَيْلَسُوفٍ أَوْ شَاعِرٍ، بَلِ اِسْمَ اِمْرَأَةٍ رَفَضَتِ العَالَمَ كَمَا كَانَ يُرِيدُهَا: لَنْدَنُ مَرَّةً أُخْرَى، لَكِنَّ قَرْنًا لَاحِقًا. اِبْحَثَا عَنْ مِيرِي وُولْسْتُونْكِرَافْت.”
الفَصْلُ الحَادِي عَشَرَ
فِي لَنْدَنَ، لَمْ يَكُنِ العُنْوَانُ الَّذِي تَرَكَهُ إِدْوَارْد يُشِيرُ إِلَى مَكْتَبَةٍ أَوْ مَتْحَفٍ، بَلْ إِلَى مَقْهًى صَغِيرٍ فِي حَيِّ نِيوِنْغْتُنْ غِرِين، حَيْثُ كَانَتِ الشَّاهِدَةُ عَلَى قَبْرٍ قَدِيمٍ لَا تَزَالُ قَائِمَةً فِي فِنَاءِ كَنِيسَةٍ مُجَاوِرَةٍ. اِنْتَظَرَتْهُمَا هُنَاكَ اِمْرَأَةٌ فِي الثَّلَاثِينَ مِنْ عُمْرِهَا، أَصْغَرُ سِنًّا مِنْ كُلِّ مَنِ الْتَقَيَاهُمَا فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ، قَدَّمَتْ نَفْسَهَا بِاسْمِ إِيمُوجِين، وَأَخْبَرَتْهُمَا أَنَّهَا تُنْهِي حَالِيًّا رِسَالَةَ دُكْتُورَاهْ عَنِ النِّسَاءِ المَحْذُوفَاتِ مِنَ التَّارِيخِ الفِكْرِيِّ.
“كَلِمَةٌ مُنَاسِبَةٌ، مَحْذُوفَاتٌ،” قَالَتْ إِيمُوجِين بَعْدَ أَنْ صَافَحَتْهُمَا. “لِأَنَّ المَرْأَةَ الَّتِي جِئْتُمَا مِنْ أَجْلِهَا لَمْ تُنْسَ عَفْوًا. مُحِيَتْ عَمْدًا، ثُمَّ أُعِيدَ اِكْتِشَافُهَا بَعْدَ قَرْنٍ كَامِلٍ.”
“وُلِدَتْ مَارِي وُولْسْتُونْكِرَافْت فِي لَنْدَنَ سَنَةَ أَلْفٍ وَسَبْعِمِئَةٍ وَتِسْعَةٍ وَخَمْسِينَ، لِأَبٍ مُدْمِنٍ وَمُبَذِّرٍ بَدَّدَ ثَرْوَةَ العَائِلَةِ، وَنَشَأَتْ فِي بَيْتٍ تُعَنِّفُ فِيهِ الأُمَّ بِانْتِظَامٍ،” بَدَأَتْ إِيمُوجِين وَهِيَ تَقُودُهُمَا نَحْوَ شَاهِدَةِ القَبْرِ. “مِنْ ذَلِكَ البَيْتِ بِالذَّاتِ، وَلَدَتْ قَنَاعَةً لَازَمَتْهَا طَوَالَ حَيَاتِهَا: أَنَّ اِعْتِمَادَ المَرْأَةِ الاِقْتِصَادِيَّ الكَامِلَ عَلَى الرَّجُلِ هُوَ جَذْرُ كُلِّ اِسْتِضْعَافٍ لَاحِقٍ. عَمِلَتْ مُرَبِّيَةً وَمُعَلِّمَةً، ثُمَّ كَاتِبَةً مُسْتَقِلَّةً فِي زَمَنٍ لَمْ يَكُنْ يُصَدَّقُ فِيهِ أَنَّ اِمْرَأَةً تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعِيشَ مِنْ قَلَمِهَا وَحْدَهُ.”
“وَمَاذَا كَتَبَتْ لِتُثِيرَ كُلَّ هَذَا الجَدَلِ؟” سَأَلَ كَرِيمٌ.
“سَنَةَ أَلْفٍ وَسَبْعِمِئَةٍ وَاثْنَيْنِ وَتِسْعِينَ، نَشَرَتْ كِتَابَهَا دِفَاعٌ عَنْ حُقُوقِ المَرْأَةِ، وَفِيهِ جَادَلَتْ بِأَنَّ ضَعْفَ المَرْأَةِ المَزْعُومَ لَيْسَ طَبِيعِيًّا، بَلْ نَتِيجَةَ تَعْلِيمٍ مُتَعَمَّدٍ يَحْصُرُهَا فِي الزِّينَةِ وَالخُنُوعِ. طَالَبَتْ بِتَعْلِيمٍ مُتَسَاوٍ لِلْبَنَاتِ وَالأَوْلَادِ، وَقَالَتْ إِنَّ المَرْأَةَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ رَفِيقَةً عَاقِلَةً لِزَوْجِهَا، لَا لُعْبَةً جَمِيلَةً بِلَا عَقْلٍ. كَانَ الكِتَابُ زِلْزَالًا فِي زَمَنِهِ.”
جَلَسُوا عَلَى مَقْعَدٍ حَجَرِيٍّ فِي فِنَاءِ الكَنِيسَةِ، وَأَخْرَجَتْ إِيمُوجِين مِنْ حَقِيبَتِهَا كِتَابًا قَدِيمًا مُجَلَّدًا بِجِلْدٍ دَاكِنٍ.
“لَكِنَّ حَيَاتَهَا الشَّخْصِيَّةَ كَانَتْ أَكْثَرَ اضْطِرَابًا مِنْ أَنْ تُطَابِقَ صُورَةَ الفَيْلَسُوفَةِ المُتَزَنَةِ الَّتِي رَسَمَتْهَا كُتُبُهَا،” تَابَعَتْ إِيمُوجِين. “أَحَبَّتْ رَجُلًا أَمْرِيكِيًّا يُدْعَى غِيلْبِرْت إِيمْلَاي، وَأَنْجَبَتْ مِنْهُ اِبْنَتَهَا فَانِي خَارِجَ إِطَارِ الزَّوَاجِ، وَحِينَ تَخَلَّى عَنْهَا، حَاوَلَتِ الاِنْتِحَارَ مَرَّتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا بِإِلْقَاءِ نَفْسِهَا فِي نَهْرِ التَّايْمْزِ تَحْتَ المَطَرِ. نَجَتْ فِي المَرَّتَيْنِ، وَعَادَتْ لِتَكْتُبَ وَتُنَاضِلَ، حَتَّى الْتَقَتِ الفَيْلَسُوفَ وِلْيَمَ غُودْوِينَ وَتَزَوَّجَتْهُ، وَأَنْجَبَتْ مِنْهُ اِبْنَتَهَا الثَّانِيَةَ، مَارِي، الَّتِي سَتَكْبُرُ لِتَكْتُبَ فِي مَا بَعْدُ رِوَايَةَ فَرَانْكِنْشْتَايْن.”
“وَمَاذَا حَدَثَ لَهَا؟” سَأَلَتْ لَمَى، وَقَدْ تَعَلَّقَتْ بِالحِكَايَةِ رَغْمَ نَفْسِهَا.
“مَاتَتْ بَعْدَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَقَطْ مِنْ وِلَادَةِ اِبْنَتِهَا مَارِي، بِحُمَّى النِّفَاسِ، وَهِيَ لَمْ تَتَجَاوَزِ الثَّامِنَةَ وَالثَّلَاثِينَ. لَكِنَّ المَأْسَاةَ الحَقِيقِيَّةَ لَمْ تَبْدَأْ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِهَا. غَوْدْوِينُ، مِنْ فَرْطِ حُبِّهِ لَهَا وَرَغْبَتِهِ فِي تَخْلِيدِهَا بِصِدْقٍ، نَشَرَ مُذَكِّرَاتٍ عَنْ حَيَاتِهَا كَشَفَ فِيهَا كُلَّ تَفَاصِيلِهَا الحَمِيمَةَ: عِشَاقَهَا، اِبْنَتَهَا غَيْرَ الشَّرْعِيَّةِ، مُحَاوَلَاتِ اِنْتِحَارِهَا. اِنْقَلَبَ عَلَيْهَا المُجْتَمَعُ فَوْرًا. صَارَ اِسْمُهَا لِأَكْثَرَ مِنْ قَرْنٍ مُرَادِفًا لِلْفَضِيحَةِ، لَا لِلْفِكْرِ، وَاخْتَفَتْ كُتُبُهَا مِنَ المَنَاهِجِ وَالمَكْتَبَاتِ حَتَّى أَعَادَتِ الحَرَكَةُ النِّسَائِيَّةُ اِكْتِشَافَهَا فِي القَرْنِ العِشْرِينَ.”
فَتَحَتْ إِيمُوجِين الكِتَابَ الجِلْدِيَّ الَّذِي كَانَتْ تَحْمِلُهُ، لِتُظْهِرَ صَفَحَاتٍ مَخْطُوطَةً بِخَطِّ يَدٍ لَمْ يَكُنْ خَطَّ مَارِي.
“هَذِهِ مُذَكِّرَاتٌ لِامْرَأَةٍ أُخْرَى، لَا عَلَاقَةَ مُبَاشِرَةً لَهَا بِمَارِي، لَكِنَّهَا كَانَتْ، كَمَا اِكْتَشَفْتُ فِي بَحْثِي، وَاحِدَةً مِنَ الأَعْضَاءِ المُؤَسِّسِينَ الأَوَائِلِ لِمَجْلِسِ الغَائِبِينَ، فِي الخَمْسِينَاتِ مِنَ القَرْنِ المَاضِي،” قَالَتْ إِيمُوجِين. “كَانَتِ المَرْأَةَ الوَحِيدَةَ بَيْنَ عَشَرَةِ أَعْضَاءٍ مُؤَسِّسِينَ، وَفِي أَحَدِ اجْتِمَاعَاتِهِمِ الأُولَى، اِقْتَرَحَتْ أَنْ تَكُونَ مَارِي وُولْسْتُونْكِرَافْت أَوَّلَ مَنْ تُحَاكَمُ سِيرَتُهُ فِي جَلَسَاتِ المَجْلِسِ. رَفَضَ بَقِيَّةُ الأَعْضَاءِ الفِكْرَةَ بِأَغْلَبِيَّةٍ سَاحِقَةٍ، وَقَالَ أَحَدُهُمْ، بِحَسَبِ مَا دَوَّنَتْهُ هِيَ نَفْسُهَا فِي هَذِهِ الصَّفَحَاتِ، إِنَّ اِمْرَأَةً غَرِقَتْ فِي فَضَائِحَ شَخْصِيَّةٍ لَا تَسْتَحِقُّ مَقْعَدًا فِي دِيوَانِ الخَالِدِينَ.”
شَعَرَتْ لَمَى بِغَضَبٍ مُفَاجِئٍ يَتَصَاعَدُ فِي صَدْرِهَا.
“وَمَاذَا فَعَلَتْ؟” سَأَلَتْ.
“اِسْتَمَرَّتْ فِي المَجْلِسِ سَنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، تَكْتُبُ اِعْتِرَاضَاتِهَا فِي هَذَا الدَّفْتَرِ سِرًّا، حَتَّى قَرَّرَتْ فِي النِّهَايَةِ أَنْ تَنْسَحِبَ، تَارِكَةً وَرَاءَهَا جُمْلَةً أَخِيرَةً كَتَبَتْهَا عَلَى آخِرِ صَفْحَةٍ مِنْ هَذَا الدَّفْتَرِ.”
قَلَبَتْ إِيمُوجِين الصَّفَحَاتِ الأَخِيرَةَ، وَقَرَأَتْ بِصَوْتٍ خَافِتٍ:
“أَسَّسْنَا هَذَا المَجْلِسَ لِنُنْصِفَ عُقُولًا ظُلِمَتْ فِي زَمَنِهَا، لَكِنَّنَا نَكَرِّرُ الظُّلْمَ نَفْسَهُ دَاخِلَ قَاعَتِنَا حِينَ نَقِيسُ نِسَاءَ التَّارِيخِ بِمِعْيَارٍ لَا نَقِيسُ بِهِ رِجَالَهُ. سَيَأْتِي يَوْمٌ تُدَارُ فِيهِ هَذِهِ الجَلَسَاتُ بِيَدِ اِمْرَأَةٍ لَا تَحْتَاجُ إِلَى إِذْنٍ لِتَضَعَ مَارِي فِي مَكَانِهَا الَّذِي تَسْتَحِقُّهُ. أَتْرُكُ هَذَا الدَّفْتَرَ أَمَانَةً لِتِلْكَ المَرْأَةِ، أَيًّا كَانَتْ، وَأَيًّا كَانَ اِسْمُهَا.”
أَغْلَقَتْ إِيمُوجِين الدَّفْتَرَ، وَمَدَّتْهُ نَحْوَ لَمَى بِيَدَيْنِ ثَابِتَتَيْنِ.
“وَجَدَتْ سَلْمَى هَذَا الدَّفْتَرَ قَبْلَ خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً، فِي أَرْشِيفٍ كَادَ يُتْلَفُ،” قَالَتْ إِيمُوجِين. “وَهِيَ مَنْ طَلَبَتْ مِنِّي أَنْ أَحْفَظَهُ، وَأَنْ أُسَلِّمَهُ يَوْمًا لِامْرَأَةٍ تَحْمِلُ اِسْمَ لَمَى. لَمْ أَفْهَمْ لِمَاذَا حِينَهَا. أَظُنُّنِي أَفْهَمُ الآنَ.”
أَخَذَتْ لَمَى الدَّفْتَرَ بِيَدَيْنِ اِرْتَجَفَتَا بِثِقَلِ مَا يَحْمِلُهُ، لَا بِخَوْفٍ هَذِهِ المَرَّةَ، بَلْ بِشَيْءٍ أَقْرَبَ إِلَى المَسْؤُولِيَّةِ. لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ بَدَأَتْ هَذِهِ الرِّحْلَةَ، لَمْ تَعُدْ تَشْعُرُ أَنَّهَا تُطَارِدُ سُؤَالًا وَرَاءَ اسْمِهَا، بَلْ أَنَّهَا تَقِفُ عَلَى أَعْتَابِ إِجَابَةٍ تَخُصُّهَا هِيَ، وَحْدَهَا، أَنْ تُكْمِلَهَا.
الفَصْلُ الثَّانِي عَشَرَ
لَمْ يَتْرُكْ إِدْوَارْد وَلَا إِيمُوجِين لَمَى عُنْوَانًا لِلْمَحَطَّةِ التَّالِيَةِ. كَانَ الدَّفْتَرُ نَفْسُهُ، دَفْتَرُ العُضْوَةِ المُؤَسِّسَةِ المَنْسِيَّةِ، هُوَ مَنْ حَمَلَ الإِشَارَةَ، فِي هَامِشٍ صَغِيرٍ كَتَبَتْهُ بِخَطِّ يَدِهَا قَبْلَ اِنْسِحَابِهَا مِنَ المَجْلِسِ بِأَشْهُرٍ: يَنْبَغِي أَنْ نُرَاجِعَ يَوْمًا مَا مَا فَعَلَتْهُ عَائِلَةُ نِيتْشِهْ بِإِرْثِهِ. فِيهِ عِبْرَةٌ لَنَا جَمِيعًا.
“فَايْمَار،” قَالَ كَرِيمٌ وَهُوَ يَقْرَأُ اِسْمَ المَدِينَةِ الأَلْمَانِيَّةِ المَكْتُوبَ فِي الهَامِشِ نَفْسِهِ. “أَرْشِيفُ نِيتْشِهْ لَا يَزَالُ هُنَاكَ.”
اِسْتَقْبَلَتْهُمَا فِي فَايْمَار اِمْرَأَةٌ فِي الأَرْبَعِينَ، تَعْمَلُ فِي المَحْفُوظَاتِ الأَدَبِيَّةِ لِلْمَدِينَةِ، قَدَّمَتْ نَفْسَهَا بِاسْمِ هِيلْغَا، وَقَادَتْهُمَا مُبَاشَرَةً إِلَى فِيلَّا سِلْبَرْبْلِيك، البَيْتِ الَّذِي قَضَى فِيهِ نِيتْشِهْ سَنَوَاتِهِ الأَخِيرَةَ.
“وُلِدَ فْرِيدْرِيش نِيتْشِهْ سَنَةَ أَلْفٍ وَثَمَانِمِئَةٍ وَأَرْبَعَةٍ وَأَرْبَعِينَ، وَصَارَ أُسْتَاذًا لِلْفِيلُولُوجِيَا الكِلَاسِيكِيَّةِ فِي جَامِعَةِ بَازِلَ وَهُوَ فِي الرَّابِعَةِ وَالعِشْرِينَ فَقَطْ، أَصْغَرَ أُسْتَاذٍ فِي تَارِيخِ الجَامِعَةِ حِينَهَا،” بَدَأَتْ هِيلْغَا. “لَكِنَّ صِحَّتَهُ اِنْهَارَتْ بَاكِرًا، فَاعْتَزَلَ التَّدْرِيسَ وَتَجَوَّلَ بَيْنَ سْوِيسْرَا وَإِيطَالِيَا، يَكْتُبُ فِي عُزْلَةٍ شِبْهِ تَامَّةٍ أَعْمَالًا لَمْ يَقْرَأْهَا فِي حَيَاتِهِ سِوَى قِلَّةٍ نَادِرَةٍ.”
“هُوَ صَاحِبُ عِبَارَةِ مَاتَ الإِلَهُ،” قَالَ كَرِيمٌ.
“عِبَارَةٌ سِيءَ فَهْمُهَا أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ جُمْلَةٍ أُخْرَى فِي تَارِيخِ الفَلْسَفَةِ،” رَدَّتْ هِيلْغَا. “لَمْ يَكُنْ نِيتْشِهْ يَحْتَفِلُ بِمَوْتِ الإِلَهِ، بَلْ كَانَ يُحَذِّرُ: إِنْ فَقَدَ الإِنْسَانُ الحَدِيثُ إِيمَانَهُ بِالمَرْجِعِيَّاتِ الكُبْرَى، فَعَلَيْهِ أَنْ يَجِدَ فِي نَفْسِهِ مَا يُبَرِّرُ وُجُودَهُ، وَإِلَّا اِبْتَلَعَهُ العَدَمُ. كَانَ يَصِفُ أَزْمَةً، لَا يَحْتَفِلُ بِهَا.”
قَادَتْهُمَا هِيلْغَا إِلَى غُرْفَةٍ فِي الطَّابَقِ العُلْوِيِّ مِنَ الفِيلَّا، مُحَافَظَةٍ عَلَى أَثَاثِهَا الأَصْلِيِّ.
“فِي كَانُونَ الثَّانِي مِنْ سَنَةِ أَلْفٍ وَثَمَانِمِئَةٍ وَتِسْعَةٍ وَثَمَانِينَ، وَنِيتْشِهْ يَعِيشُ وَحِيدًا فِي تُورِينُو، اِنْهَارَ فَجْأَةً فِي السَّاحَةِ العَامَّةِ، حِينَ رَأَى حُوذِيًّا يَضْرِبُ حِصَانَهُ بِعُنْفٍ. عَانَقَ الحِصَانَ بَاكِيًا، ثُمَّ سَقَطَ فَاقِدَ الوَعْيِ. لَمْ يَسْتَعِدْ عَقْلَهُ أَبَدًا بَعْدَ تِلْكَ اللَّحْظَةِ. قَضَى إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً الأَخِيرَةَ مِنْ حَيَاتِهِ فِي حَالَةٍ مِنَ الجُنُونِ التَّامِّ، حَتَّى مَاتَ سَنَةَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ.”
“وَمَنْ اِعْتَنَى بِهِ خِلَالَ تِلْكَ السَّنَوَاتِ؟” سَأَلَتْ لَمَى.
تَغَيَّرَتْ نَبْرَةُ هِيلْغَا فَجْأَةً، وَقَادَتْهُمَا إِلَى دَاخِلِ غُرْفَةٍ أُخْرَى تُعْرَضُ فِيهَا صُورَةٌ لِامْرَأَةٍ تَرْتَدِي ثِيَابًا فَاخِرَةً، تَقِفُ بِجَانِبِ رَجُلٍ يَبْدُو شَارِدَ الذِّهْنِ.
“شَقِيقَتُهُ، إِلِيزَابِيت،” قَالَتْ هِيلْغَا بِنَبْرَةٍ بَارِدَةٍ. “وَهُنَا تَبْدَأُ الجَرِيمَةُ الحَقِيقِيَّةُ فِي هَذِهِ القِصَّةِ، لَا الجُنُونُ. كَانَتْ إِلِيزَابِيتُ قَدْ تَزَوَّجَتْ سَابِقًا رَجُلًا يُدْعَى بِرْنْهَارْد فُورْسْتِر، مِنْ أَشَدِّ المُعَادِينَ لِلسَّامِيَّةِ فِي زَمَنِهِ، وَسَافَرَا مَعًا إِلَى بَارَاغْوَايَ لِتَأْسِيسِ مُسْتَعْمَرَةٍ آرِيَّةٍ نَقِيَّةٍ، فَشِلَتْ فَشَلًا ذَرِيعًا وَاِنْتَحَرَ زَوْجُهَا هُنَاكَ. عَادَتْ إِلِيزَابِيتُ إِلَى أَلْمَانِيَا، وَحِينَ فَقَدَ أَخُوهَا عَقْلَهُ، وَجَدَتْ نَفْسَهَا الوَصِيَّةَ الوَحِيدَةَ عَلَى كُلِّ مَخْطُوطَاتِهِ غَيْرِ المَنْشُورَةِ.”
“وَمَاذَا فَعَلَتْ بِهَا؟” سَأَلَ كَرِيمٌ، وَقَدْ بَدَأَ يَشْعُرُ بِوُجْهَةِ الحِكَايَةِ.
“زَوَّرَتْهَا. قَطَّعَتْ رَسَائِلَ وَمُلَاحَظَاتٍ مِنْ سِيَاقِهَا، وَأَعَادَتْ تَرْتِيبَ مُذَكِّرَاتٍ مُتَنَاثِرَةٍ لِتُنْشِئَ كِتَابًا لَمْ يُؤَلِّفْهُ نِيتْشِهْ أَبَدًا بِهَذَا الشَّكْلِ، سَمَّتْهُ إِرَادَةُ القُوَّةِ، وَصَبَغَتْهُ بِنَزْعَةٍ قَوْمِيَّةٍ وَمُعَادِيَةٍ لِلسَّامِيَّةِ لَمْ تَكُنْ فِي فِكْرِ أَخِيهَا الحَقِيقِيِّ، بَلْ كَانَ نِيتْشِهْ نَفْسُهُ قَدْ هَاجَمَ مُعَادَاةَ السَّامِيَّةِ صَرَاحَةً فِي كِتَابَاتِهِ، وَقَطَعَ عَلَاقَتَهُ بِصَدِيقِهِ المُقَرَّبِ فَاغْنِر جُزْئِيًّا بِسَبَبِ ذَلِكَ. لَكِنَّ إِلِيزَابِيتَ أَرَادَتْ لِأَخِيهَا صُورَةً تَخْدُمُ أَجَنْدَتَهَا هِيَ، فَابْتَكَرَتْ نِيتْشِهْ آخَرَ، نِيتْشِهْ لَمْ يُوجَدْ إِلَّا فِي مَخَيِّلَتِهَا.”
أَخْرَجَتْ هِيلْغَا مِنْ خِزَانَةٍ زُجَاجِيَّةٍ صُورَةً مُصَوَّرَةً عَنْ رِسَالَةٍ قَدِيمَةٍ.
“بَعْدَ عُقُودٍ مِنَ اِسْتِيلَائِهَا عَلَى الأَرْشِيفِ، وَجَدَ بَاحِثُونَ رَسَائِلَ تُظْهِرُ أَنَّ إِلِيزَابِيتَ لَمْ تَعْمَلْ وَحْدَهَا،” قَالَتْ هِيلْغَا. “تَلَقَّتْ دَعْمًا مَالِيًّا وَتَوْجِيهًا مِنْ رَجُلِ أَعْمَالٍ غَامِضٍ لَمْ يَظْهَرِ اِسْمُهُ الحَقِيقِيُّ قَطُّ فِي أَيِّ وَثِيقَةٍ رَسْمِيَّةٍ، اِكْتَفَتْ رَسَائِلُهُ بِتَوْقِيعِ حَرْفٍ وَاحِدٍ. كَانَ هَذَا الرَّجُلُ، بِحَسَبِ مَا كَتَبَتْهُ إِلِيزَابِيتُ لِصَدِيقَةٍ لَهَا، مُهْتَمًّا بِأَنْ يَتَحَوَّلَ اِسْمُ فَيْلَسُوفٍ عَظِيمٍ إِلَى أَدَاةٍ يُمْكِنُ لِأَجْنِدَاتٍ سِيَاسِيَّةٍ لَاحِقَةٍ أَنِ اسْتِثْمَارَهَا. وَبَعْدَ عُقُودٍ، اِسْتَغَلَّ النَّازِيُّونَ فِعْلًا هَذِهِ النُّسْخَةَ المُشَوَّهَةَ مِنْ فِكْرِ نِيتْشِهْ لِتَبْرِيرِ أَيْدِيُولُوجِيَّتِهِمْ.”
شَعَرَتْ لَمَى بِبَرْدٍ يَسْرِي فِي عَمُودِهَا الفِقْرِيِّ.
“حَارِسُ الرَّمَادِ لَا يَكْتَفِي بِإِخْفَاءِ الحَقِيقَةِ إِذَنْ،” قَالَتْ بِصَوْتٍ مَخْنُوقٍ. “إِنَّهُ يَصْنَعُ حَقِيقَةً بَدِيلَةً حِينَ يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ.”
“بِالضَّبْطِ،” قَالَتْ هِيلْغَا. “وَهَذَا مَا جَعَلَ مُؤَسِّسَ مَجْلِسِكُمْ يُصِرُّ، مُنْذُ البِدَايَةِ، عَلَى أَنْ يُوَثِّقَ كُلَّ جَلْسَةٍ بِأَكْثَرَ مِنْ نُسْخَةٍ، مَحْفُوظَةٍ فِي أَمَاكِنَ مُتَفَرِّقَةٍ، لَا يَعْرِفُ مَكَانَهَا كُلَّهَا شَخْصٌ وَاحِدٌ. تَعَلَّمَ مِنْ نِيتْشِهْ أَنَّ الإِرْثَ الفِكْرِيَّ الَّذِي يُتْرَكُ فِي يَدٍ وَاحِدَةٍ يُصْبِحُ رَهِينَةً لِتِلْكَ اليَدِ.”
بَيْنَمَا كَانَتْ هِيلْغَا تُغْلِقُ الخِزَانَةَ الزُّجَاجِيَّةَ، دَخَلَ رَجُلٌ إِلَى القَاعَةِ دُونَ اِسْتِئْذَانٍ، بِخُطًى هَادِئَةٍ لَمْ تَحْتَجْ لَمَى أَكْثَرَ مِنْ نَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ لِتَتَعَرَّفَ عَلَيْهَا.
“لَا تَقْلَقِي، لَمْ آتِ لِأُوقِفَ شَيْئًا هَذِهِ المَرَّةَ،” قَالَ مُرَادُ وَهُوَ يَتَوَقَّفُ عَلَى بُعْدِ خُطُوَاتٍ مِنْهُمَا، هَادِئًا كَأَنَّهُ يُنَاقِشُ الطَّقْسَ. “جِئْتُ لِأَقْتَرِحَ عَلَيْكِ شَيْئًا، يَا لَمَى. تَوَقَّفِي عَنِ البَحْثِ عَنِ الحَقِيقَةِ الكَامِلَةِ، وَسَأُخْبِرُكِ أَنَا بِمَا يَكْفِي مِنْهَا لِتَكْتُبِي رِوَايَتَكِ وَتَعِيشِي حَيَاتَكِ بِسَلَامٍ. المَعْرِفَةُ الكَامِلَةُ، كَمَا تَعَلَّمَ نِيتْشِهْ الَّذِي رَأَيْتِ اليَوْمَ مَصِيرَهُ، ثَمَنُهَا أَحْيَانًا أَغْلَى مِمَّا يَحْتَمِلُهُ عَقْلٌ بَشَرِيٌّ.”
“هَلْ هَذَا تَهْدِيدٌ أَمْ عَرْضٌ؟” سَأَلَتْ لَمَى بِثَبَاتٍ فَاجَأَهَا هِيَ نَفْسَهَا.
اِبْتَسَمَ مُرَادُ اِبْتِسَامَتَهُ البَارِدَةَ المُعْتَادَةَ، وَاسْتَدَارَ لِيُغَادِرَ كَعَادَتِهِ، لَكِنَّهُ تَوَقَّفَ عِنْدَ البَابِ وَأَضَافَ جُمْلَةً وَاحِدَةً، نَظَرَ فِيهَا مُبَاشَرَةً إِلَى عَيْنَيْ لَمَى:
“فِي مَعَرَّةِ النُّعْمَانِ، لَا يَزَالُ هُنَاكَ مَنْ يَنْتَظِرُ إِجَابَتَكِ. اِسْأَلِي نَفْسَكِ: هَلْ أَنْتِ مُسْتَعِدَّةٌ لِثَمَنِ مَعْرِفَةِ مَا حَدَثَ لِسَلْمَى حَقًّا؟”
الفَصْلُ الثَّالِثَ عَشَرَ
لَمْ تُجِبْ لَمَى مُرَادَ بِكَلِمَةٍ. وَقَفَتْ صَامِتَةً حَتَّى غَادَرَ الفِيلَّا، ثُمَّ اِلْتَفَتَتْ إِلَى هِيلْغَا الَّتِي كَانَتْ لَا تَزَالُ تُحَدِّقُ فِي البَابِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ.
“لَمْ يَكُنْ يَبْدُو رَجُلًا يُهَدِّدُ،” قَالَتْ هِيلْغَا بِحَذَرٍ. “كَانَ يَبْدُو رَجُلًا يُسَاوِمُ.”
“وَهَذَا مَا يُخِيفُنِي أَكْثَرَ،” رَدَّتْ لَمَى.
قَبْلَ أَنْ يُغَادِرَا فَايْمَار، أَعْطَتْهُمَا هِيلْغَا اِسْمًا وَجَدَتْهُ فِي هَامِشٍ آخَرَ مِنْ نُسْخَةِ الدَّفْتَرِ الَّتِي تَحْتَفِظُ بِهَا المَحْفُوظَاتُ الأَدَبِيَّةُ: دِيفِيكَا، فِي سَانْتِينِيكِتَنْ، الهِنْد.
كَانَتْ سَانْتِينِيكِتَنْ، حِينَ وَصَلَا إِلَيْهَا بَعْدَ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ، أَشْبَهَ بِحَدِيقَةٍ فَلْسَفِيَّةٍ مِنْهَا بِمَدِينَةٍ: أَشْجَارٌ ظَلِيلَةٌ، وَقَاعَاتُ دَرْسٍ مَفْتُوحَةٌ عَلَى الهَوَاءِ الطَّلْقِ، وَطُلَّابٌ يَجْلِسُونَ عَلَى الحَشَائِشِ يَقْرَؤُونَ. اِسْتَقْبَلَتْهُمَا دِيفِيكَا، أُسْتَاذَةٌ فِي الأَدَبِ المُقَارَنِ فِي جَامِعَةِ فِيسْفَا بَهَارَاتِي الَّتِي أَسَّسَهَا طَاغُور نَفْسُهُ، وَقَادَتْهُمَا إِلَى مَكْتَبَةٍ قَدِيمَةٍ تَحْتَفِظُ بِرَسَائِلِهِ وَمَخْطُوطَاتِهِ.
“وُلِدَ رَابِنْدْرَانَاتْ طَاغُور فِي كَلْكُتَّا سَنَةَ أَلْفٍ وَثَمَانِمِئَةٍ وَوَاحِدٍ وَسِتِّينَ، لِعَائِلَةٍ بَنْغَالِيَّةٍ ثَرِيَّةٍ عَرِيقَةٍ فِي الفِكْرِ وَالفَنِّ،” بَدَأَتْ دِيفِيكَا. “كَتَبَ الشِّعْرَ وَالمَسْرَحَ وَالمُوسِيقَى وَالرِّوَايَةَ، وَرَسَمَ أَيْضًا فِي أَوَاخِرِ حَيَاتِهِ، وَسَنَةَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ، صَارَ أَوَّلَ أَدِيبٍ غَيْرِ أُورُبِّيٍّ يَنَالُ جَائِزَةَ نُوبِل لِلْآدَابِ، عَنْ مَجْمُوعَتِهِ الشِّعْرِيَّةِ غِيتَانْجَالِي.”
“لَكِنَّ إِنْجَازَهُ الأَكْبَرَ، فِي نَظَرِي، لَمْ يَكُنْ نُوبِل،” أَضَافَتْ دِيفِيكَا وَهِيَ تُشِيرُ إِلَى النَّوَافِذِ المَفْتُوحَةِ عَلَى الحَدِيقَةِ. “بَلْ هَذِهِ الجَامِعَةُ الَّتِي بَنَاهَا هُنَا، عَلَى فِكْرَةٍ كَانَتْ فِي زَمَنِهَا صَادِمَةً: أَنَّ الوَطَنِيَّةَ، حِينَ تَتَحَوَّلُ إِلَى عَقِيدَةٍ مُغْلَقَةٍ، تُصْبِحُ أَخْطَرَ عَدُوٍّ لِلْإِنْسَانِيَّةِ. كَانَ يُؤْمِنُ بِمَا سَمَّاهُ دِينَ الإِنْسَانِ، وَلَاءً أَكْبَرَ مِنَ الوَطَنِ وَأَشْمَلَ مِنَ الدِّينِ التَّقْلِيدِيِّ، يَجْمَعُ البَشَرَ عَلَى أَسَاسِ إِنْسَانِيَّتِهِمْ المُشْتَرَكَةِ لَا حُدُودِهِمُ الجُغْرَافِيَّةِ.”
“أَلَيْسَ هَذَا مِثَالِيًّا إِلَى حَدِّ السَّذَاجَةِ؟” سَأَلَ كَرِيمٌ.
“رُبَّمَا. لَكِنَّ طَاغُور لَمْ يَكُنْ سَاذَجًا فِي الدِّفَاعِ عَنْهُ. سَنَةَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ، بَعْدَ مَجْزَرَةِ جَالِيَانْوَالَا بَاغْ، حِينَ أَطْلَقَتِ القُوَّاتُ البِرِيطَانِيَّةُ النَّارَ عَلَى حَشْدٍ آمِنٍ مِنَ الهُنُودِ العُزَّلِ وَقَتَلَتْ المِئَاتِ، تَخَلَّى طَاغُور عَنْ لَقَبِ فَارِسٍ كَانَ التَّاجُ البِرِيطَانِيُّ قَدْ مَنَحَهُ إِيَّاهُ، فِي رِسَالَةٍ عَلَنِيَّةٍ جَرِيئَةٍ إِلَى الحَاكِمِ العَامِّ. لَمْ يَكُنْ خَطَابُهُ الإِنْسَانِيُّ عَاجِزًا عَنِ الغَضَبِ، بَلْ كَانَ يَرَى أَنَّ الغَضَبَ نَفْسَهُ يَجِبُ أَلَّا يَتَحَوَّلَ إِلَى كَرَاهِيَةٍ شَامِلَةٍ لِشَعْبٍ بِأَكْمَلِهِ.”
“وَمَاذَا عَنْ خِلَافِهِ مَعَ غَانْدِي؟” سَأَلَتْ لَمَى، وَقَدْ كَانَتْ قَرَأَتْ إِشَارَاتٍ إِلَيْهِ فِي وَقْتٍ سَابِقٍ.
“كَانَا صَدِيقَيْنِ وَخَصْمَيْنِ فِكْرِيَّيْنِ فِي آنٍ. أَيَّدَ طَاغُور نِضَالَ غَانْدِي ضِدَّ الاِسْتِعْمَارِ، لَكِنَّهُ خَشِيَ أَنْ تَتَحَوَّلَ حَرَكَةُ المُقَاطَعَةِ إِلَى نَوْعٍ مِنَ اِنْغِلَاقٍ ثَقَافِيٍّ يَرْفُضُ كُلَّ مَا هُوَ أَجْنَبِيٌّ، بِمَا فِي ذَلِكَ العِلْمُ وَالمَعْرِفَةُ النَّافِعَةُ. قَالَ لَهُ مَرَّةً إِنَّ إِحْرَاقَ الأَقْمِشَةِ الأَجْنَبِيَّةِ اِحْتِجَاجًا قَدْ يُشْبِعُ غَضَبًا لَحْظِيًّا، لَكِنَّهُ لَا يَبْنِي أُمَّةً حُرَّةً حَقًّا. لَمْ يَخْتَلِفَا عَلَى الهَدَفِ، بَلْ عَلَى الوَسِيلَةِ، وَظَلَّا صَدِيقَيْنِ حَتَّى وَفَاةِ طَاغُور سَنَةَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَوَاحِدٍ وَأَرْبَعِينَ.”
قَادَتْهُمَا دِيفِيكَا إِلَى قِسْمٍ خَلْفِيٍّ مِنَ المَكْتَبَةِ، حَيْثُ تُحْفَظُ سِجِلَّاتُ الزُّوَّارِ القُدَامَى الَّذِينَ دَرَسُوا أَوْ أَقَامُوا فِي الجَامِعَةِ عَبْرَ عُقُودٍ.
“فِي أَوَائِلِ الخَمْسِينَاتِ مِنَ القَرْنِ المَاضِي، بَعْدَ وَفَاةِ طَاغُور بِسَنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ، وَصَلَ إِلَى سَانْتِينِيكِتَنْ شَابٌّ عَرَبِيٌّ، يَحْمِلُ جَوَازَ سَفَرٍ سُورِيًّا، طَلَبَ الإِقَامَةَ هُنَا لِدِرَاسَةِ فِكْرِ طَاغُور عَنِ الإِنْسَانِيَّةِ الكَوْنِيَّةِ،” قَالَتْ دِيفِيكَا وَهِيَ تُقَلِّبُ صَفَحَاتِ سِجِلٍّ قَدِيمٍ مُتَهَالِكٍ. “بَقِيَ هُنَا ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، وَكَتَبَ فِي دَفْتَرِ الزُّوَّارِ، قَبْلَ مُغَادَرَتِهِ، جُمْلَةً وَاحِدَةً بِخَطِّ يَدٍ لَا يَزَالُ وَاضِحًا حَتَّى اليَوْمِ.”
وَضَعَتِ السِّجِلَّ أَمَامَهُمَا، وَأَشَارَتْ إِلَى سَطْرٍ فِي أَسْفَلِ صَفْحَةٍ اِصْفَرَّتْ بِفِعْلِ الزَّمَنِ:
“فِي دِمَشْقَ خَسِرْتُ وَطَنِي. فِي رَافِنَّا وَجَدْتُ سُؤَالِي. وَهُنَا، فِي سَانْتِينِيكِتَنْ، تَعَلَّمْتُ أَنَّ الوَطَنَ الحَقِيقِيَّ لَيْسَ أَرْضًا نُدَافِعُ عَنْهَا، بَلْ أَسْئِلَةً نَحْرُسُهَا مَعًا، بِلَا حُدُودٍ وَلَا جَوَازَاتِ سَفَرٍ.”
أَسْفَلَ الجُمْلَةِ، كَانَ هُنَاكَ اِسْمٌ، مَكْتُوبٌ بِخَطٍّ وَاضِحٍ لَا يَحْتَمِلُ اللَّبْسَ، وَقَعَتْ عَيْنَا لَمَى عَلَيْهِ فَتَجَمَّدَتَا فِي مَكَانِهِمَا.
“يَاسِينُ سَلَامَةَ. مَعَرَّةُ النُّعْمَانِ، سُورِيَا،” قَرَأَتْ لَمَى بِصَوْتٍ لَمْ يَعُدْ يُشْبِهُ صَوْتَهَا.
شَعَرَتْ بِالأَرْضِ تَدُورُ تَحْتَهَا. لَمْ يَكُنِ الاِسْمُ غَرِيبًا عَلَيْهَا؛ كَانَ اِسْمًا اِلْتَقَتْهُ بِنَفْسِهَا، أَعْمَى، جَالِسًا فِي مَكْتَبَةٍ صَغِيرَةٍ فِي بَيْرُوتَ، يَتَحَرَّكُ بِيَقِينِ مَنْ يَعْرِفُ كُلَّ زَاوِيَةٍ فِي حَيَاتِهِ.
“ياسينُ الَّذِي أَنْقَذَنَا مِنَ الهُجُومِ فِي بَيْرُوتَ…” هَمَسَ كَرِيمٌ، وَقَدْ اِتَّسَعَتْ عَيْنَاهُ. “الرَّجُلُ الأَعْمَى، رَهِينُ المَحْبِسَيْنِ الَّذِي رَوَى لَنَا حِكَايَةَ أَبِي العَلَاءِ…”
“لَمْ يَكُنْ يَرْوِي حِكَايَةَ أَبِي العَلَاءِ فَقَطْ،” قَالَتْ لَمَى، وَقَدْ بَدَأَتِ الأَجْزَاءُ المُتَنَاثِرَةُ تَتَجَمَّعُ فِي ذِهْنِهَا كَقِطَعِ لُغْزٍ ظَلَّتْ مُبَعْثَرَةً طَوَالَ أَشْهُرٍ. “كَانَ يَرْوِي حِكَايَتَهُ هُوَ. يَاسِينُ لَيْسَ حَارِسًا آخَرَ مِنْ حُرَّاسِ المَجْلِسِ. يَاسِينُ سَلَامَةَ هُوَ مُؤَسِّسُ مَجْلِسِ الغَائِبِينَ نَفْسُهُ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَهُوَ لَيْسَ فَقَطْ حَارِسًا عَلَى إِرْثِ سَلْمَى…”
تَوَقَّفَتْ لَمَى، وَأَكْمَلَتِ الجُمْلَةَ بِصَوْتٍ كَادَ لَا يُسْمَعُ، وَقَدْ أَدْرَكَتْ أَخِيرًا ثِقَلَ مَا كَانَتْ تَقُولُهُ:
“إِنَّهُ جَدُّهَا.”
الفَصْلُ الرَّابِعَ عَشَرَ
لَمْ تَنْطِقْ لَمَى بِكَلِمَةٍ طَوَالَ الرِّحْلَةِ مِنَ الهِنْدِ إِلَى بَارِيسَ. كَانَ كَرِيمٌ يُرَاقِبُهَا مِنْ حِينٍ لِآخَرَ، يَعْرِفُ أَنَّ صَمْتَهَا لَيْسَ فَرَاغًا، بَلْ اِزْدِحَامًا لَا يَحْتَمِلُ الكَلَامَ. لَمْ يَكُنِ اكْتِشَافُ أَنَّ يَاسِينَ جَدُّ سَلْمَى، وَمُؤَسِّسُ كُلِّ هَذَا اللُّغْزِ، مُجَرَّدَ حَقِيقَةٍ جَدِيدَةٍ تُضَافُ إِلَى قَائِمَةٍ؛ كَانَ يَعْنِي أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي أَنْقَذَهُمَا فِي بَيْرُوتَ، وَحَذَّرَهَا بِصَوْتٍ أَبَوِيٍّ حَنُونٍ، كَانَ يَعْرِفُ طَوَالَ الوَقْتِ أَكْثَرَ مِمَّا سَمَحَ لِنَفْسِهِ أَنْ يَقُولَ.
“لِمَاذَا لَمْ يُخْبِرْنَا مُبَاشَرَةً؟” سَأَلَتْ أَخِيرًا، وَهُمَا يَهْبِطَانِ فِي مَطَارِ بَارِيسَ.
“رُبَّمَا لِأَنَّهُ أَرَادَكِ أَنْ تَصِلِي إِلَى الحَقِيقَةِ بِنَفْسِكِ، لَا أَنْ تُلَقَّنِيهَا،” رَدَّ كَرِيمٌ. “مِثْلَ الأَسْتَاذِ الَّذِي يَرْفُضُ أَنْ يُعْطِيَكِ الإِجَابَةَ مُبَاشَرَةً، لِأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ الطَّرِيقَ نَفْسَهُ هُوَ الدَّرْسُ.”
قَادَهُمَا العُنْوَانُ الَّذِي تَرَكَتْهُ دِيفِيكَا إِلَى شُقَّةٍ صَغِيرَةٍ فِي الحَيِّ اللَّاتِينِيِّ، حَيْثُ تَعِيشُ أُودِيل، بَاحِثَةٌ فَرَنْسِيَّةٌ فِي الثَّامِنَةِ وَالخَمْسِينَ، كَرَّسَتْ حَيَاتَهَا المِهْنِيَّةَ كُلَّهَا لِدِرَاسَةِ فِلْسَفَةٍ اِمْرَأَةٍ مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ الخَامِسَةَ وَالثَّلَاثِينَ.
“سِيمُون فَايْل لَيْسَتْ اِسْمًا سَهْلًا لِلشَّرْحِ،” قَالَتْ أُودِيل بَعْدَ أَنْ أَجْلَسَتْهُمَا وَقَدَّمَتْ لَهُمَا الشَّايَ. “لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ فَيْلَسُوفَةً بِالمَعْنَى الأَكَادِيمِيِّ الهَادِئِ. كَانَتْ تَعِيشُ أَفْكَارَهَا بِجَسَدِهَا حَرْفِيًّا، حَتَّى المَوْتِ.”
“وُلِدَتْ سِيمُون فَايْل فِي بَارِيسَ سَنَةَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَتِسْعَةٍ، لِعَائِلَةٍ يَهُودِيَّةٍ عِلْمَانِيَّةٍ مُرْتَاحَةِ الحَالِ،” بَدَأَتْ أُودِيل. “كَانَتْ طَالِبَةً لَامِعَةً، تَفَوَّقَتْ فِي الفَلْسَفَةِ وَحَصَلَتْ عَلَى أَعْلَى الشَّهَادَاتِ الأَكَادِيمِيَّةِ، لَكِنَّهَا رَفَضَتِ الاِسْتِقْرَارَ فِي بُرْجٍ عَاجِيٍّ أَكَادِيمِيٍّ. تَرَكَتْ مِنْصِبَهَا كَأُسْتَاذَةٍ لِتَعْمَلَ عَامِلَةً فِي مَصْنَعٍ لِلسَّيَّارَاتِ، لِتَفْهَمَ بِجَسَدِهَا مَا كَانَتْ تَكْتُبُ عَنْهُ نَظَرِيًّا: مُعَانَاةَ الطَّبَقَةِ العَامِلَةِ. لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَمْرِينًا فِكْرِيًّا، بَلْ اِلْتِزَامًا حَرْفِيًّا كَادَ يُحَطِّمُ صِحَّتَهَا.”
“وَمَاذَا عَنْ صِلَتِهَا بِالحَرْبِ الأَهْلِيَّةِ الإِسْبَانِيَّةِ؟” سَأَلَ كَرِيمٌ، وَقَدْ قَرَأَ إِشَارَةً إِلَيْهَا فِي طَرِيقِهِمَا.
“اِنْضَمَّتْ إِلَى وَحْدَةٍ فَوْضَوِيَّةٍ مُحَارِبَةٍ، رَغْمَ قِصَرِ نَظَرِهَا الحَادِّ وَعَدَمِ خِبْرَتِهَا العَسْكَرِيَّةِ، لِأَنَّهَا لَمْ تَحْتَمِلْ أَنْ تَكْتُبَ عَنِ العَدَالَةِ دُونَ أَنْ تُخَاطِرَ بِنَفْسِهَا مِنْ أَجْلِهَا. أُصِيبَتْ بِحَرْقٍ خَطِيرٍ فِي حَادِثٍ عَرَضِيٍّ، فَأُعِيدَتْ إِلَى فَرَنْسَا. لَكِنَّ هَذَا النَّمَطَ لَازَمَهَا حَتَّى نِهَايَتِهَا.”
نَهَضَتْ أُودِيل وَأَخْرَجَتْ مِنْ رَفٍّ خَاصٍّ نُسْخَةً قَدِيمَةً مِنْ كِتَابِ فَايْل الأَشْهَرِ، التَّجَذُّرُ.
“حِينَ اِحْتَلَّ الأَلْمَانُ فَرَنْسَا، هَرَبَتِ العَائِلَةُ إِلَى مَارْسِيلْيَا ثُمَّ إِلَى أَمْرِيكَا، لَكِنَّ سِيمُون لَمْ تَحْتَمِلِ الأَمَانَ. عَادَتْ إِلَى لَنْدَنَ لِتَنْضَمَّ إِلَى فَرَنْسَا الحُرَّةِ بِقِيَادَةِ دِيغُول، تَعْمَلُ فِي مَكْتَبِ أَبْحَاثٍ تَكْتُبُ فِيهِ عَنْ إِعَادَةِ بِنَاءِ فَرَنْسَا بَعْدَ الحَرْبِ. وَهُنَاكَ، فِي لَنْدَنَ، اِتَّخَذَتْ قَرَارًا لَنْ يَفْهَمَهُ كَثِيرُونَ: رَفَضَتْ أَنْ تَأْكُلَ أَكْثَرَ مِمَّا سُمِحَ لِسُكَّانِ فَرَنْسَا المُحْتَلَّةِ بِأَكْلِهِ فِي ظِلِّ التَّقْنِينِ، تَضَامُنًا مَعَ مُعَانَاةٍ لَمْ تَكُنْ تَعِيشُهَا هِيَ شَخْصِيًّا.”
“وَهَذَا مَا أَدَّى إِلَى مَوْتِهَا؟” سَأَلَتْ لَمَى بِصَوْتٍ خَافِتٍ.
“كَانَتْ مُصَابَةً بِالسُّلِّ أَيْضًا، فَلَا يُمْكِنُ الجَزْمُ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ خَالِصٍ. لَكِنَّ الأَطِبَّاءَ الَّذِينَ عَالَجُوهَا فِي مُصَحَّةٍ فِي أَشْفُورْد كَتَبُوا أَنَّ رَفْضَهَا القَاطِعَ لِتَنَاوُلِ طَعَامٍ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ مُوَاطِنُوهَا فِي الوَطَنِ المُحْتَلِّ سَرَّعَ نِهَايَتَهَا. مَاتَتْ فِي آبَ سَنَةَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعِينَ، وَلَمْ تَتَجَاوَزِ الرَّابِعَةَ وَالثَّلَاثِينَ.”
فَتَحَتْ أُودِيل صُنْدُوقًا صَغِيرًا يَحْتَوِي عَلَى رَسَائِلَ شَخْصِيَّةٍ، وَبَحَثَتْ بَيْنَهَا حَتَّى وَجَدَتْ وَاحِدَةً مُفْرَدَةً، مَطْوِيَّةً بِعِنَايَةٍ خَاصَّةٍ.
“فِي أَرْشِيفِ رَسَائِلِهَا الخَاصَّةِ فِي لَنْدَنَ، عُثِرَ عَلَى رِسَالَةٍ لَمْ تُنْشَرْ فِي أَيِّ مَجْمُوعَةٍ رَسْمِيَّةٍ، مُوَجَّهَةٍ إِلَى شَخْصٍ لَا نَعْرِفُ اِسْمَهُ الكَامِلَ، خُوطِبَ فِيهَا بِحَرْفٍ وَاحِدٍ فَقَطْ: يَاءٌ،” قَالَتْ أُودِيل، وَمَدَّتِ الرِّسَالَةَ نَحْوَ لَمَى.
أَخَذَتْ لَمَى الرِّسَالَةَ بِيَدَيْنِ اِرْتَجَفَتَا، وَبَدَأَتْ تَقْرَأُ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ:
“عَزِيزِي يَاءُ، تَقُولُ إِنَّكَ خَسِرْتَ وَطَنَكَ وَلَا تَعْرِفُ كَيْفَ تَحْمِلُ هَذَا الفَرَاغَ. أَقُولُ لَكَ: لَا تُحَاوِلْ أَنْ تَمْلَأَهُ، بَلِ اِنْتَبِهْ إِلَيْهِ جَيِّدًا. الاِنْتِبَاهُ، لَا العَزَاءُ، هُوَ أَنْقَى أَشْكَالِ الكَرَمِ الَّذِي نُقَدِّمُهُ لِمَنْ يُعَانُونَ، وَلِأَنْفُسِنَا حِينَ نُعَانِي. مَا فَقَدْتَهُ لَنْ يَعُودَ، لَكِنَّ اِنْتِبَاهَكَ الكَامِلَ لِمَنْ سَيَفْقِدُونَ مِثْلَكَ يَوْمًا، هَذَا مَا يُمْكِنُ أَنْ يُصْبِحَ وَطَنًا جَدِيدًا، لَا جُغْرَافِيًّا، بَلْ أَخْلَاقِيًّا. اِبْنِ شَيْئًا يَسْتَحِقُّ هَذَا الحُزْنَ الَّذِي تَحْمِلُهُ، وَلَا تَدَعْهُ يَذْهَبُ هَبَاءً.”
فِي أَسْفَلِ الرِّسَالَةِ، تَوْقِيعٌ مُخْتَصَرٌ: س. ف.
“سِيمُون فَايْل،” هَمَسَتْ لَمَى، “كَتَبَتْ إِلَى يَاسِينَ، قَبْلَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ تَقْرِيبًا مِنْ أَنْ يُؤَسِّسَ المَجْلِسَ.”
“اِلْتَقَيَا فِي لَنْدَنَ، بِحَسَبِ مَا اِسْتَنْتَجْتُهُ مِنْ رَسَائِلَ أُخْرَى فِي المَحْفُوظَاتِ نَفْسِهَا،” أَكَّدَتْ أُودِيل. “كَانَ يَاسِينُ، حِينَهَا، شَابًّا يَعْمَلُ مُتَرْجِمًا فِي دَوَائِرَ فَرَنْسَا الحُرَّةِ، هَارِبًا مِنْ ظُرُوفٍ سِيَاسِيَّةٍ فِي سُورِيَا لَمْ يُفْصِحْ عَنْهَا أَحَدٌ بِالتَّفْصِيلِ. حَضَرَ بَعْضَ نَدَوَاتِهَا الفِكْرِيَّةِ، وَتَبَادَلَا رَسَائِلَ قَلِيلَةً قَبْلَ مَوْتِهَا المُفَاجِئِ. أَظُنُّ، وَهَذَا مُجَرَّدُ اِفْتِرَاضٍ مِنِّي، أَنَّ فِكْرَةَ الاِنْتِبَاهِ الكَامِلِ هَذِهِ هِيَ مَا زَرَعَتْ فِي عَقْلِهِ لَاحِقًا فِكْرَةَ الحِرَاسَةِ نَفْسَهَا: أَنْ يُخَصِّصَ حَيَاتَهُ لِلاِنْتِبَاهِ إِلَى مَا يَخْسَرُهُ العَالَمُ حِينَ يَنْسَى عُقُولَهُ الكُبْرَى.”
طَوَتْ لَمَى الرِّسَالَةَ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، وَشَعَرَتْ أَنَّ صُورَةَ يَاسِينَ فِي ذِهْنِهَا، الرَّجُلُ الأَعْمَى الهَادِئُ فِي مَكْتَبَتِهِ البَيْرُوتِيَّةِ، بَدَأَتْ تَكْتَسِبُ طَبَقَاتٍ جَدِيدَةً مِنَ العُمْقِ لَمْ تَتَخَيَّلْهَا مِنْ قَبْلُ: شَابٌّ فَقَدَ وَطَنَهُ، تَعَلَّمَ الاِنْتِبَاهَ عَلَى يَدِ اِمْرَأَةٍ اِخْتَارَتِ الجُوعَ عَلَى اللَّامُبَالَاةِ، وَقَفَ أَمَامَ قَبْرِ مَنْفِيٍّ آخَرَ فِي رَافِنَّا، ثُمَّ سَافَرَ إِلَى الهِنْدِ لِيَتَعَلَّمَ مِنْ رَجُلٍ آمَنَ أَنَّ الإِنْسَانِيَّةَ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ حُدُودٍ، قَبْلَ أَنْ يَعُودَ لِيَبْنِيَ مَجْلِسًا لَا وُجُودَ لَهُ عَلَى أَيِّ خَرِيطَةٍ.
“يَجِبُ أَنْ نَعُودَ إِلَى بَيْرُوتَ،” قَالَتْ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ لَمْ يَعُدْ يَحْمِلُ أَيَّ تَرَدُّدٍ. “لَا لِنَسْأَلَهُ عَنْ سَلْمَى فَقَطْ. بَلْ لِنَسْأَلَهُ لِمَاذَا اِخْتَارَنِي أَنَا، تَحْدِيدًا، لِأَحْمِلَ هَذَا كُلَّهُ.”
الفَصْلُ الخَامِسَ عَشَرَ
لَمْ يَكُنْ حَجْزُ تَذْكِرَتَيْنِ مُبَاشِرَتَيْنِ إِلَى بَيْرُوتَ مُمْكِنًا فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، فَاقْتَرَحَتْ أُودِيل، قَبْلَ أَنْ يُغَادِرَا شُقَّتَهَا، مَحَطَّةً وَاحِدَةً أَخِيرَةً قَبْلَ العَوْدَةِ.
“لَنْ أَغْفِرَ لِنَفْسِي إِنْ تَرَكْتُكُمَا تَعُودَانِ دُونَ المُرُورِ بِالجَزَائِرِ،” قَالَتْ. “هُنَاكَ اِمْرَأَةٌ، اِسْمُهَا كَرِيمَةُ، تَعْمَلُ طَبِيبَةً نَفْسِيَّةً فِي المُسْتَشْفَى نَفْسِهِ الَّذِي عَمِلَ فِيهِ فْرَانْز فَانُون. وَإِذَا كُنْتُمَا تَتَتَبَّعَانِ خُيُوطَ سُؤَالٍ عَنِ الجُرْحِ الَّذِي يُوَرَّثُ، فَلَنْ تَجِدَا شَاهِدًا أَفْضَلَ مِنْهُ.”
كَانَ مُسْتَشْفَى البُلَيْدَة، عَلَى بُعْدِ نِصْفِ سَاعَةٍ مِنَ الجَزَائِرِ العَاصِمَةِ، لَا يَزَالُ يَحْمِلُ فِي أَحَدِ أَجْنِحَتِهِ القَدِيمَةِ لَوْحَةً تَذْكَارِيَّةً صَغِيرَةً بِاسْمِ الطَّبِيبِ الَّذِي عَمِلَ فِيهِ يَوْمًا. اِسْتَقْبَلَتْهُمَا كَرِيمَةُ، اِمْرَأَةٌ فِي الخَمْسِينَ، صَارِمَةُ النَّظْرَةِ لَكِنَّ صَوْتَهَا يَحْمِلُ دِفْئًا لَمْ تُخْفِهِ صَرَامَتُهَا المِهْنِيَّةُ.
“كُلُّ مَنْ يَعْمَلُ فِي هَذَا المَكَانِ يَعْرِفُ اِسْمَ فَانُون،” قَالَتْ كَرِيمَةُ وَهِيَ تَقُودُهُمَا عَبْرَ مَمَرَّاتِ المُسْتَشْفَى القَدِيمَةِ، “لَكِنَّ قِلَّةً تَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ جَزَائِرِيًّا، وَلَا حَتَّى عَرَبِيًّا.”
“وُلِدَ فْرَانْز فَانُون فِي جَزِيرَةِ مَارْتِينِيك، فِي البَحْرِ الكَارِيبِيِّ، سَنَةَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ، فِي مُسْتَعْمَرَةٍ فَرَنْسِيَّةٍ،” بَدَأَتْ كَرِيمَةُ. “قَاتَلَ مَعَ القُوَّاتِ الفَرَنْسِيَّةِ الحُرَّةِ ضِدَّ النَّازِيَّةِ وَهُوَ فِي التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ، ثُمَّ دَرَسَ الطِّبَّ النَّفْسِيَّ فِي فَرَنْسَا، حَيْثُ اِكْتَشَفَ أَنَّ كُلَّ اِمْتِيَازَاتِ شَهَادَتِهِ وَبِزَّتِهِ العَسْكَرِيَّةِ لَمْ تَحْمِهِ مِنْ أَنْ يُعَامَلَ، فِي شَوَارِعِ بَارِيسَ نَفْسِهَا الَّتِي حَارَبَ مِنْ أَجْلِ تَحْرِيرِهَا، عَلَى أَسَاسِ لَوْنِ بَشَرَتِهِ فَقَطْ.”
“وَمِنْ هُنَاكَ جَاءَ كِتَابُهُ الأَوَّلُ؟” سَأَلَتْ لَمَى.
“جَاءَ كِتَابُهُ بَشَرَةٌ سَوْدَاءُ، أَقْنِعَةٌ بَيْضَاءُ سَنَةَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَاثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ، وَفِيهِ حَلَّلَ كَيْفَ يَتَشَرَّبُ المُسْتَعْمَرُ نَظْرَةَ المُسْتَعْمِرِ إِلَى نَفْسِهِ، حَتَّى يَبْدَأَ يَرَى فِي جِلْدِهِ وَلُغَتِهِ عَيْبًا يَنْبَغِي إِخْفَاؤُهُ أَوِ التَّبَرُّؤُ مِنْهُ. لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَحْلِيلًا سِيَاسِيًّا مُجَرَّدًا، بَلْ تَشْخِيصًا نَفْسِيًّا دَقِيقًا لِجُرْحٍ يُوَرَّثُ.”
قَادَتْهُمَا كَرِيمَةُ إِلَى غُرْفَةٍ كَانَتْ يَوْمًا مَكْتَبَ فَانُون نَفْسِهِ، مُحَافَظَةً عَلَى بَعْضِ أَثَاثِهَا الأَصْلِيِّ.
“جَاءَ إِلَى هَذَا المُسْتَشْفَى سَنَةَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ رَئِيسًا لِقِسْمِ الطِّبِّ النَّفْسِيِّ، وَهُنَا اِصْطَدَمَ بِوَاقِعٍ صَادِمٍ: كَانَ يُعَالِجُ، فِي الجَنَاحِ الوَاحِدِ نَفْسِهِ، جُنُودًا فَرَنْسِيِّينَ أُصِيبُوا بِاضْطِرَابَاتٍ نَفْسِيَّةٍ مِنْ فَرْطِ مُمَارَسَتِهِمُ التَّعْذِيبَ عَلَى الجَزَائِرِيِّينَ، وَجَزَائِرِيِّينَ أُصِيبُوا بِاضْطِرَابَاتٍ مُمَاثِلَةٍ مِنْ فَرْطِ مَا تَعَرَّضُوا لَهُ مِنْ ذَلِكَ التَّعْذِيبِ نَفْسِهِ. أَدْرَكَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُدَاوِيَ عُقُولًا فِي نِظَامٍ اِسْتِعْمَارِيٍّ يُنْتِجُ الجُرْحَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ جَدِيدٍ، فَاسْتَقَالَ سَنَةَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَسَبْعَةٍ وَخَمْسِينَ، وَاِنْضَمَّ عَلَنًا إِلَى جَبْهَةِ التَّحْرِيرِ الوَطَنِيِّ، وَطُرِدَ مِنَ الجَزَائِرِ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ.”
“وَكِتَابُهُ الأَخِيرُ؟” سَأَلَ كَرِيمٌ.
“المُعَذَّبُونَ فِي الأَرْضِ، كَتَبَهُ وَهُوَ يَحْتَضِرُ بِمَرَضِ اللُّوكِيمِيَا، فِي شُهُورِهِ الأَخِيرَةِ، بِسُرْعَةٍ مَحْمُومَةٍ كَأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ الوَقْتَ يَنْفَدُ. فِيهِ تَنَبَّأَ بِأَنَّ اِسْتِقْلَالَ الشُّعُوبِ المُسْتَعْمَرَةِ لَنْ يَكْفِيَ وَحْدَهُ، وَأَنَّ نُخَبًا مَحَلِّيَّةً قَدْ تَرِثُ أَدَوَاتِ القَمْعِ نَفْسَهَا مِنَ المُسْتَعْمِرِ الرَّاحِلِ، وَتُعِيدُ إِنْتَاجَهَا بِوُجُوهٍ مَحَلِّيَّةٍ. تَنَبُّؤٌ تَحَقَّقَ، لِلْأَسَفِ، فِي أَكْثَرَ مِنْ بَلَدٍ نَالَ اِسْتِقْلَالَهُ بَعْدَهُ.”
تَوَقَّفَتْ كَرِيمَةُ عِنْدَ خِزَانَةٍ قَدِيمَةٍ، وَأَخْرَجَتْ مِنْهَا مِلَفًّا طِبِّيًّا مُصَفَّرًا، تَتَعَامَلُ مَعَهُ بِحَذَرٍ مَنْ يَعْرِفُ قِيمَتَهُ التَّارِيخِيَّةَ.
“بَيْنَ أَوْرَاقِ فَانُون الَّتِي بَقِيَتْ هُنَا بَعْدَ رَحِيلِهِ، وَجَدَ البَاحِثُونَ لَاحِقًا تَقْرِيرًا سَرِّيًّا لَمْ يُنْشَرْ فِي أَيِّ مَجْمُوعَةٍ رَسْمِيَّةٍ مِنْ أَعْمَالِهِ، يَخُصُّ ضَابِطًا فَرَنْسِيًّا شَابًّا عَالَجَهُ فَانُون سِرًّا،” قَالَتْ كَرِيمَةُ، وَفَتَحَتِ المِلَفَّ بِحَذَرٍ. “كَانَ الضَّابِطُ يُعَانِي مِنِ انْهِيَارٍ نَفْسِيٍّ حَادٍّ بَعْدَ أَنْ شَارَكَ فِي عَمَلِيَّاتِ تَعْذِيبٍ، لَكِنَّ فَانُون لَاحَظَ شَيْئًا أَعْمَقَ فِي حَالَتِهِ: كَانَ الضَّابِطُ يَنْحَدِرُ مِنْ عَائِلَةٍ لَهَا تَارِيخٌ طَوِيلٌ فِي خِدْمَةِ سُلُطَاتٍ اِسْتِعْمَارِيَّةٍ مُتَعَاقِبَةٍ، عَبْرَ أَجْيَالٍ وَقَارَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَكَانَ يُرَدِّدُ فِي هَذَيَانِهِ عِبَارَةً وَاحِدَةً تَكَرَّرَتْ فِي التَّقْرِيرِ: عَائِلَتُنَا لَا تَخْدُمُ سَيِّدًا، بَلْ تَخْدُمُ النِّسْيَانَ نَفْسَهُ.”
شَعَرَتْ لَمَى بِقَشْعَرِيرَةٍ مَأْلُوفَةٍ تَعُودُ إِلَيْهَا.
“هَلْ ذُكِرَ اِسْمُ عَائِلَةِ ذَلِكَ الضَّابِطِ؟” سَأَلَتْ بِصَوْتٍ مُتَوَتِّرٍ.
“فَانُون، بِحُكْمِ السِّرِّيَّةِ الطِّبِّيَّةِ، لَمْ يَذْكُرِ اِسْمًا كَامِلًا فِي التَّقْرِيرِ الأَصْلِيِّ. لَكِنَّهُ كَتَبَ مُلَاحَظَةً هَامِشِيَّةً لِنَفْسِهِ، بِوَصْفِهِ طَبِيبًا يُحَاوِلُ فَهْمَ أَنْمَاطِ الاِضْطِرَابِ عَبْرَ الأَجْيَالِ: هَذِهِ العَائِلَةُ، بِحَسَبِ مَا رَوَاهُ لِي المَرِيضُ نَفْسُهُ، تُسَمِّي أَبْنَاءَهَا البَاكِرِينَ مُرَادًا، كَنَذْرٍ عَائِلِيٍّ قَدِيمٍ، تَيَمُّنًا بِرَجُلٍ يَعْتَبِرُونَهُ جَدَّهُمُ الأَكْبَرَ، مَنْ وَقَّعَ يَوْمًا عَلَى قَرَارٍ يَعْتَزُّونَ بِهِ حَتَّى اليَوْمِ.”
أَغْلَقَتْ لَمَى عَيْنَيْهَا لِلَحْظَةٍ. لَمْ تَكُنْ مُفَاجَأَةً بِالمَعْنَى الحَرْفِيِّ، بَلْ تَأْكِيدًا مُوجِعًا لِمَا بَدَأَتْ تَخْشَاهُ مُنْذُ قُرْطُبَةَ: أَنَّ مُرَادَ لَيْسَ اِسْمًا، بَلْ لَقَبًا يَتَوَارَثُهُ الأَبْنَاءُ البَاكِرُونَ فِي تِلْكَ العَائِلَةِ، جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، تَمَامًا كَمَا تَوَارَثَ آلُ سَلَامَةَ حِرَاسَةَ الأَسْئِلَةِ، وَتَوَارَثَ حَامِلُو لَقَبِ الأَمِينِ مَهَمَّةَ حِمَايَتِهَا.
“فَانُون شَخَّصَ اِضْطِرَابَهُمْ قَبْلَ أَنْ يُوَرِّثُوهُ لِأَجْيَالٍ لَاحِقَةٍ،” قَالَتْ كَرِيمَةُ بِهُدُوءٍ، “وَكَتَبَ فِي آخِرِ سَطْرٍ مِنْ هَذِهِ المُلَاحَظَةِ الهَامِشِيَّةِ جُمْلَةً أَظُنُّهَا تُلَخِّصُ كُلَّ مَا تُحَاوِلَانِ فَهْمَهُ: الرَّجُلُ الَّذِي يَخْدُمُ النِّسْيَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَحْمِي عَائِلَتَهُ مِنَ العَارِ، بَيْنَمَا هُوَ فِي الحَقِيقَةِ يُوَرِّثُهَا جُرْحًا لَمْ يُشْفَ قَطُّ، جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، حَتَّى يَظُنَّ أَحْفَادُهُ أَنَّ الجُرْحَ نَفْسَهُ هُوَ الشَّرَفُ.”
وَقَفَ كَرِيمٌ صَامِتًا لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى لَمَى بِعَيْنَيْنِ جَادَّتَيْنِ لَمْ تَعْرِفْهُمَا عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ.
“هَذَا يَعْنِي أَنَّ مُرَادَ لَيْسَ مُجَرَّدَ رَجُلٍ يُلَاحِقُنَا،” قَالَ. “إِنَّهُ حَامِلُ إِرْثٍ مِنَ الأَلَمِ لَا يَقِلُّ ثِقَلًا عَنِ الإِرْثِ الَّذِي تَحْمِلِينَهُ أَنْتِ. وَرُبَّمَا لِهَذَا السَّبَبِ بِالذَّاتِ، حِينَ نُوَاجِهُهُ لِلْمَرَّةِ الأَخِيرَةِ، عَلَيْنَا أَلَّا نَنْسَى أَنَّهُ أَيْضًا، فِي مَكَانٍ مَا مِنْهُ، طِفْلٌ وُرِّثَ حَرْبًا لَمْ يَخْتَرْهَا.”
الفَصْلُ السَّادِسَ عَشَرَ
وَصَلَتْهُمَا رِسَالَةٌ مِنَ الأَمِينِ، أَوْ مِمَّنْ لَا يَزَالُ يَحْمِلُ هَذَا اللَّقَبَ رَسْمِيًّا، بَيْنَمَا كَانَا لَا يَزَالَانِ فِي الجَزَائِرِ: قَبْلَ بَيْرُوتَ، عُودَا إِلَى القَاهِرَةِ. يُوسُفُ يَنْتَظِرُكُمَا، وَلَدَيْهِ مَا يَكْفِي مِنَ الإِجَابَاتِ لِيَجْعَلَ لِقَاءَكُمَا القَادِمَ بِيَاسِينَ أَقَلَّ إِيلَامًا.
“أَقَلَّ إِيلَامًا؟” كَرَّرَتْ لَمَى بِقَلَقٍ وَهِيَ تَقْرَأُ الجُمْلَةَ لِلْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ. “مَاذَا يَعْنِي بِذَلِكَ؟”
اِسْتَقْبَلَهُمَا يُوسُفُ عِنْدَ بَابِ الأَزْهَرِ نَفْسِهِ الَّذِي وَدَّعَهُمَا عِنْدَهُ قَبْلَ أَسَابِيعَ، لَكِنَّ وَجْهَهُ كَانَ يَحْمِلُ هَذِهِ المَرَّةَ ثِقَلًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ سَابِقًا.
“جِئْتُمَا مِنْ أَجْلِ نَجِيبِ مَحْفُوظٍ هَذِهِ المَرَّةَ،” قَالَ وَهُوَ يَقُودُهُمَا نَحْوَ مَقْهًى قَدِيمٍ فِي حَيِّ الجَمَالِيَّةِ، لَا يَبْعُدُ كَثِيرًا عَنِ الأَزِقَّةِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا الرَّجُلُ. “وَإِنْ كُنْتُ صَادِقًا، فَإِنَّ هَذِهِ الحِكَايَةَ هِيَ الأَقْرَبُ إِلَى مَا تَبْحَثَانِ عَنْهُ حَقًّا.”
“وُلِدَ نَجِيبُ مَحْفُوظٍ فِي هَذَا الحَيِّ بِالذَّاتِ سَنَةَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَأَحَدَ عَشَرَ، وَعَاشَ فِيهِ طَوَالَ حَيَاتِهِ تَقْرِيبًا دُونَ أَنْ يُغَادِرَ مِصْرَ إِلَّا نَادِرًا،” بَدَأَ يُوسُفُ حَدِيثَهُ بَعْدَ أَنْ جَلَسُوا. “كَتَبَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ رِوَايَةً وَمَجْمُوعَةً قِصَصِيَّةً، وَنَالَ سَنَةَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَثَمَانِيَةٍ وَثَمَانِينَ جَائِزَةَ نُوبِل لِلْآدَابِ، أَوَّلَ عَرَبِيٍّ يَنَالُهَا. لَكِنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي غَيَّرَتْ مَصِيرَهُ لَمْ تَكُنِ الَّتِي فَازَتْ بِنُوبِل، بَلْ رِوَايَةٌ أَقْدَمُ بِكَثِيرٍ.”
“أَوْلَادُ حَارَتِنَا؟” سَأَلَ كَرِيمٌ، وَقَدْ قَرَأَ عَنْهَا سَابِقًا.
“بِالضَّبْطِ. نُشِرَتْ مُسَلْسَلَةً فِي جَرِيدَةٍ سَنَةَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَتِسْعَةٍ وَخَمْسِينَ، وَهِيَ رِوَايَةٌ رَمْزِيَّةٌ تُصَوِّرُ صِرَاعَ الإِنْسَانِ عَبْرَ التَّارِيخِ عَبْرَ شَخْصِيَّاتٍ تُشِيرُ، بِشَكْلٍ رَمْزِيٍّ لَا مُبَاشِرٍ، إِلَى أَنْبِيَاءَ وَشَخْصِيَّاتٍ دِينِيَّةٍ كُبْرَى. اِعْتَبَرَهَا بَعْضُ رِجَالِ الدِّينِ إِسَاءَةً، وَمُنِعَتْ مِنَ النَّشْرِ كَكِتَابٍ فِي مِصْرَ لِعُقُودٍ طَوِيلَةٍ، رَغْمَ أَنَّهَا نُشِرَتْ فِي بَيْرُوتَ وَقُرِئَتْ عَلَى نِطَاقٍ وَاسِعٍ خَارِجَ بَلَدِهِ.”
تَوَقَّفَ يُوسُفُ لِلَحْظَةٍ، يُحَرِّكُ فِنْجَانَ الشَّايِ أَمَامَهُ دُونَ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ، كَأَنَّهُ يُؤَجِّلُ الجُزْءَ الأَصْعَبَ مِنَ الحِكَايَةِ.
“فِي الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ تِشْرِينَ الأَوَّلِ سَنَةَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَأَرْبَعَةٍ وَتِسْعِينَ، وَنَجِيبُ مَحْفُوظٌ فِي الثَّالِثَةِ وَالثَّمَانِينَ مِنْ عُمْرِهِ، اِقْتَرَبَ مِنْهُ شَابٌّ وَهُوَ فِي سَيَّارَتِهِ أَمَامَ بَيْتِهِ، وَطَعَنَهُ فِي رَقَبَتِهِ بِسِكِّينٍ. كَانَ الشَّابُّ يَنْتَمِي إِلَى جَمَاعَةٍ مُتَطَرِّفَةٍ اِعْتَبَرَتْ رِوَايَةً كَتَبَهَا قَبْلَ خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ عَامًا سَبَبًا كَافِيًا لِقَتْلِهِ، رَغْمَ أَنَّ الشَّابَّ نَفْسَهُ اِعْتَرَفَ لَاحِقًا بِأَنَّهُ لَمْ يَقْرَأِ الرِّوَايَةَ قَطُّ.”
“هَلْ نَجَا؟” سَأَلَتْ لَمَى بِصَوْتٍ خَافِتٍ، رَغْمَ أَنَّهَا كَانَتْ تَعْرِفُ الإِجَابَةَ.
“نَجَا جَسَدِيًّا، لَكِنَّ الطَّعْنَةَ قَطَعَتْ أَعْصَابًا فِي رَقَبَتِهِ أَضَرَّتْ بِيَدِهِ اليُمْنَى إِلَى الأَبَدِ. الرَّجُلُ الَّذِي كَتَبَ عَشَرَاتِ الرِّوَايَاتِ بِخَطِّ يَدِهِ، كُلَّ صَبَاحٍ، بِانْضِبَاطٍ مَشْهُورٍ عَنْهُ، لَمْ يَعُدْ قَادِرًا عَلَى الكِتَابَةِ أَكْثَرَ مِنْ دَقَائِقَ قَلِيلَةٍ فِي اليَوْمِ. عَاشَ اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً أُخْرَى بَعْدَ الطَّعْنَةِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكْتُبْ رِوَايَةً كَامِلَةً وَاحِدَةً بَعْدَهَا. اِكْتَفَى بِنُتَفٍ قَصِيرَةٍ، أَحْلَامٍ مُوجَزَةٍ، أَمْلَاهَا لِمُسَاعِدِينَ حِينَ اسْتَطَاعَ.”
أَخْرَجَ يُوسُفُ مِنْ حَقِيبَتِهِ صُورَةً قَدِيمَةً لِمَحْفُوظٍ جَالِسًا عَلَى الطَّاوِلَةِ نَفْسِهَا الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ عَلَيْهَا الآنَ تَقْرِيبًا.
“الأَمْرُ الَّذِي أَذْهَلَ الجَمِيعَ لَمْ يَكُنِ الاِعْتِدَاءَ نَفْسَهُ، بَلْ رَدَّةُ فِعْلِ مَحْفُوظٍ بَعْدَهُ،” تَابَعَ يُوسُفُ. “لَمْ يُغَادِرِ البِلَادَ، وَلَمْ يَخْتَبِئْ، وَاسْتَمَرَّ يَحْضُرُ جَلْسَتَهُ الأُسْبُوعِيَّةَ فِي هَذَا المَقْهَى نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ تَحْتَ حِرَاسَةٍ لَمْ تُفَارِقْهُ حَتَّى وَفَاتِهِ سَنَةَ أَلْفَيْنِ وَسِتَّةٍ. لَمْ يَخْتَرِ الصَّمْتَ خَوْفًا، بَلِ اخْتَارَ نَوْعًا آخَرَ مِنَ الحُضُورِ: حُضُورٌ هَادِئٌ، بِلَا كِتَابَةٍ جَدِيدَةٍ، لَكِنَّهُ حُضُورٌ لَمْ يَنْقَطِعْ أَبَدًا.”
لَاحَظَتْ لَمَى أَنَّ يُوسُفَ يُطِيلُ النَّظَرَ إِلَيْهَا، كَأَنَّهُ يَنْتَظِرُ أَنْ تَصِلَ بِنَفْسِهَا إِلَى الرَّابِطِ الَّذِي أَحْضَرَهَا مِنْ أَجْلِهِ.
“هَذِهِ الحِكَايَةُ لَهَا عَلَاقَةٌ بِسَلْمَى، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟” سَأَلَتْ أَخِيرًا.
أَوْمَأَ يُوسُفُ بِرَأْسِهِ بِبُطْءٍ، وَأَخْرَجَ مِنْ حَقِيبَتِهِ مِلَفًّا أَخِيرًا.
“زَارَتْنِي سَلْمَى فِي هَذَا المَقْهَى بِالذَّاتِ، قَبْلَ اِخْتِفَائِهَا بِأَسْبُوعَيْنِ فَقَطْ،” قَالَ يُوسُفُ. “كَانَتْ قَدْ تَلَقَّتْ رِسَالَةً مُبَاشِرَةً، لَا أَعْرِفُ مِمَّنْ بِالضَّبْطِ، لَكِنَّهَا كَانَتْ وَاضِحَةً فِي مَضْمُونِهَا: الأَسْئِلَةُ لَهَا ثَمَنٌ، تَمَامًا كَمَا دَفَعَتْ يَدُ نَجِيبِ مَحْفُوظٍ ثَمَنَهَا. جَلَسَتْ أَمَامِي هُنَا، عَلَى هَذِهِ الطَّاوِلَةِ بِالذَّاتِ، وَقَالَتْ لِي جُمْلَةً لَنْ أَنْسَاهَا: أَخَافُ أَلَّا أَكُونَ خَائِفَةً عَلَى نَفْسِي، بَلْ عَلَى مَنِ اخْتَرْتُهَا لِتَحْمِلَ هَذَا مِنْ بَعْدِي.”
شَعَرَتْ لَمَى بِدُمُوعٍ تَحْرِقُ عَيْنَيْهَا، لَمْ تَتَوَقَّعْهَا.
“اِخْتَفَتْ لِتَحْمِيَنِي أَنَا،” هَمَسَتْ، وَقَدِ اكْتَمَلَ أَخِيرًا اللُّغْزُ الَّذِي حَمَلَتْهُ مُنْذُ بَرْلِينَ. “لَمْ يَكُنِ اخْتِفَاؤُهَا اِسْتِسْلَامًا وَلَا هُرُوبًا صُوفِيًّا كَمَا ظَنَنْتُ فِي قُونْيَةَ. كَانَ قَرَارًا عَمَلِيًّا وَاعِيًا، مِثْلَ مَحْفُوظٍ حِينَ اِخْتَارَ حُضُورًا صَامِتًا بَدَلَ اِنْقِطَاعٍ كَامِلٍ: أَرَادَتْ أَنْ تَبْقَى حَاضِرَةً، لَكِنْ بَعِيدًا بِمَا يَكْفِي عَنْ نَظَرِ مَنْ يُهَدِّدُ مَنْ تُحِبُّ.”
“وَهَلْ نَجَحَتْ؟” سَأَلَ كَرِيمٌ يُوسُفَ مُبَاشَرَةً.
أَغْلَقَ يُوسُفُ المِلَفَّ بِحَرَكَةٍ بَطِيئَةٍ، وَنَظَرَ إِلَى لَمَى نَظْرَةً حَمَلَتْ خَلِيطًا مِنَ الأَسَى وَالرَّجَاءِ مَعًا.
“هَذَا سُؤَالٌ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُجِيبَ عَنْهُ سِوَاهَا هِيَ، حِينَ تَجِدَانِهَا أَخِيرًا،” قَالَ. “كُلُّ مَا أَعْرِفُهُ هُوَ أَنَّهَا طَلَبَتْ مِنِّي، فِي آخِرِ لِقَاءٍ لَنَا، أَنْ أُخْبِرَكُمَا شَيْئًا وَاحِدًا إِنْ وَصَلْتُمَا إِلَى هُنَا: يَاسِينُ يَعْرِفُ مَكَانِي. لَمْ يُخْفِهِ عَنْكُمَا خَوْفًا، بَلْ لِأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ أَنْ يَتَأَكَّدَ أَنَّ لَمَى وَصَلَتْ إِلَى هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، جَاهِزَةً لِتَعْرِفَ، لَا خَائِفَةً مِمَّا سَتَعْرِفُهُ.”
