Numan Albarbari نعمان البربري

بلقيس لم تمت

رواية: بلقيس لم تمت في شعر نزار

جمعها وأعدّها: نعمان البربري

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ

لَنْدَن، صَبَاحُ الثَّلَاثِينَ مِنْ نَيْسَانَ، سَنَةَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَثَمَانٍ وَتِسْعِينَ.
الْمَطَرُ خَفِيفٌ، كَأَنَّهُ يَتَرَدَّدُ فِي السُّقُوطِ.
عَلَى مَكْتَبِ سَلْمَى، فِي الطَّابِقِ الثَّالِثِ مِنْ مَبْنًى قَدِيمٍ قُرْبَ نَهْرِ التَّايْمْزِ، يَرْقُدُ ظَرْفٌ بُنِّيٌّ لَا يَحْمِلُ اسْمَ مُرْسِلٍ.
فَتَحَتْهُ كَمَا تَفْتَحُ كُلَّ صَبَاحٍ رَسَائِلَ الْقُرَّاءِ الْغَاضِبِينَ، وَرَسَائِلَ دُورِ النَّشْرِ الْمُعْتَذِرَةِ.
لَكِنَّ هَذَا الظَّرْفَ كَانَ مُخْتَلِفًا.
بِدَاخِلِهِ مِفْتَاحٌ نُحَاسِيٌّ قَدِيمٌ، ثَقِيلٌ فِي رَاحَةِ الْيَدِ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي لِقِطْعَةِ مَعْدِنٍ صَغِيرَةٍ.
وَوَرَقَةٌ وَاحِدَةٌ، مَطْوِيَّةٌ مَرَّتَيْنِ، كَأَنَّ كَاتِبَهَا تَرَدَّدَ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يُرْسِلَهَا.
فَتَحَتِ الْوَرَقَةَ.
سَطْرٌ وَاحِدٌ، بِخَطِّ يَدٍ مُرْتَجِفٍ قَلِيلًا: “فِي الْغُرْفَةِ مَا لَمْ يُقَلْ.”
لَا تَوْقِيعَ.
لَا عُنْوَانَ إِرْسَالٍ.
جَلَسَتْ سَلْمَى طَوِيلًا تُحَدِّقُ فِي الْمِفْتَاحِ، وَكَأَنَّهَا تَنْتَظِرُ مِنْهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ.
كَانَتْ تَعْمَلُ مُنْذُ خَمْسِ سَنَوَاتٍ مُحَرِّرَةً ثَقَافِيَّةً فِي مَجَلَّةٍ أُورُوبِّيَّةٍ تُعْنَى بِالْأَدَبِ الْعَرَبِيِّ.
غَادَرَتْ دِمَشْقَ وَهِيَ فِي الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِهَا، وَحَمَلَتْ مَعَهَا حَقِيبَةً صَغِيرَةً، وَدَوَاوِينَ نِزَارٍ قَبَّانِيَّ كَامِلَةً، كَأَنَّهَا لَا تُسَافِرُ إِلَّا وَمَعَهَا وَطَنٌ وَرَقِيٌّ.
كَانَتْ أُمُّهَا تُرَدِّدُ أَبْيَاتَهُ فِي الْمَطْبَخِ وَهِيَ تُحَضِّرُ الطَّعَامَ، وَكَانَ أَبُوهَا يَحْمِلُ دِيوَانَهُ فِي جَيْبِ سُتْرَتِهِ كَمَا يَحْمِلُ هُوِيَّتَهُ الشَّخْصِيَّةَ.
فِي بَيْتِهَا، لَمْ يَكُنِ الشِّعْرُ تَرَفًا، بَلْ كَانَ لُغَةً ثَانِيَةً لِلْحَدِيثِ عَنِ الْحُبِّ وَالْخَسَارَةِ مَعًا.
قَرَأَتِ الِاسْمَ الْمَحْفُورَ بِخَطٍّ دَقِيقٍ عَلَى رَأْسِ الْمِفْتَاحِ: “شَقَّةٌ ٧.”
لَا شَيْءَ آخَرَ.
اتَّصَلَتْ بِزَمِيلِهَا فِي الْقِسْمِ الْأَدَبِيِّ، وَسَأَلَتْهُ إِنْ كَانَ يَعْرِفُ عُنْوَانًا لِنِزَارٍ قَبَّانِيَّ فِي لَنْدَنَ.
ضَحِكَ الزَّمِيلُ ضَحْكَةً قَصِيرَةً:
“الْجَمِيعُ يَعْرِفُ أَنَّهُ يَسْكُنُ لَنْدَنَ مُنْذُ سَنَوَاتٍ. لَكِنَّ أَحَدًا لَا يَعْرِفُ أَيْنَ بِالتَّحْدِيدِ. الرَّجُلُ دَفَنَ نَفْسَهُ فِي عُزْلَتِهِ، كَمَا دَفَنَ نَفْسَهُ يَوْمًا فِي الصُّحُفِ.”
هَذِهِ الْعِبَارَةُ الْأَخِيرَةُ بَقِيَتْ عَالِقَةً فِي ذِهْنِهَا طَوَالَ الْيَوْمِ:
“دَفَنَ نَفْسَهُ فِي الصُّحُفِ.”
كَانَتْ تَعْرِفُ الْقِصَّةَ جَيِّدًا، كَمَا يَعْرِفُهَا كُلُّ قَارِئٍ عَرَبِيٍّ تَابَعَ سِيرَةَ الشَّاعِرِ عَنْ كَثَبٍ.
بَعْدَ رَحِيلِ زَوْجَتِهِ بَلْقِيسَ الرَّاوِي، اغْتِيَالًا فِي تَفْجِيرِ السَّفَارَةِ الْعِرَاقِيَّةِ بِبَيْرُوتَ سَنَةَ وَاحِدٍ وَثَمَانِينَ وَتِسْعِمِئَةٍ وَأَلْفٍ، لَمْ يَعُدْ نِزَارٌ إِلَى بَيْرُوتَ قَطُّ.
وَبَعْدَ رَحِيلِ ابْنِهِ تَوْفِيقَ بِأَزْمَةٍ قَلْبِيَّةٍ مُفَاجِئَةٍ، وَهُوَ فِي مُقْتَبَلِ الْعُمْرِ، انْسَحَبَ الشَّاعِرُ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ مِنَ الْأَضْوَاءِ.
وَصَارَ حُضُورُهُ الْعَلَنِيُّ الْوَحِيدُ عَمُودًا صَحَفِيًّا مُتَفَرِّقًا هُنَا وَهُنَاكَ، وَرَسَائِلَ قَصِيرَةً إِلَى مُحَرِّرِي الصُّحُفِ الْعَرَبِيَّةِ.
مِنْ هُنَا جَاءَتِ الْعِبَارَةُ:
رَجُلٌ قَرَّرَ أَنْ يُوَاصِلَ الْحَيَاةَ عَبْرَ الْوَرَقِ، لَا عَبْرَ النَّاسِ.
قَضَتْ سَلْمَى ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تَسْأَلُ، وَتَبْحَثُ فِي سِجِلَّاتِ النَّاشِرِينَ، وَتَتَّصِلُ بِمَعَارِفَ قُدَامَى فِي الْوَسَطِ الْأَدَبِيِّ الْعَرَبِيِّ فِي لَنْدَنَ.
وَفِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ، حَصَلَتْ عَلَى الْعُنْوَانِ مِنْ مُتَرْجِمٍ عَجُوزٍ عَمِلَ مَعَ نِزَارٍ فِي السَّبْعِينَاتِ.
بِنَايَةٌ حَجَرِيَّةٌ هَادِئَةٌ فِي حَيِّ تِشِلْسِي، قُرْبَ النَّهْرِ، تَحْجُبُهَا أَشْجَارٌ عَارِيَةٌ مِنْ أَوْرَاقِهَا.
وَقَفَتْ أَمَامَ الْبَابِ الْخَشَبِيِّ الثَّقِيلِ، وَالْمِفْتَاحُ فِي يَدِهَا يَزِنُ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي لِقِطْعَةِ نُحَاسٍ صَغِيرَةٍ.
حَاوَلَتْ إِدْخَالَهُ فِي الْقُفْلِ.
لَمْ يَدْخُلْ.
جَرَّبَتْهُ مَرَّةً أُخْرَى، بِزَاوِيَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
لَا شَيْءَ.
شَعَرَت فَجْأَةً أَنَّهَا تَقِفُ أَمَامَ بَابٍ خَاطِئٍ، أَوْ أَنَّ الْمِفْتَاحَ لَمْ يَكُنْ يَوْمًا مُخَصَّصًا لِهَذَا الْقُفْلِ بِالذَّاتِ.
رُبَّمَا كَانَ لِبَابٍ آخَرَ، فِي زَمَنٍ آخَرَ، لَمْ يَعُدْ مَوْجُودًا أَصْلًا.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، سَمِعَتْ صَوْتَ رَادْيُو صَغِيرٍ يَتَسَرَّبُ مِنْ نَافِذَةٍ مَفْتُوحَةٍ فِي الطَّابِقِ الْأَرْضِيِّ.
نَشْرَةُ أَخْبَارٍ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، تُبَثُّ عَبْرَ مَحَطَّةٍ فَضَائِيَّةٍ.
تَوَقَّفَتْ سَلْمَى عَنِ الْحَرَكَةِ.
الْمُذِيعُ يَقُولُ: “وَصَلَنَا لِلتَّوِّ خَبَرٌ مُؤَكَّدٌ مِنْ لَنْدَنَ…”
قَلْبُهَا بَدَأَ يَخْفِقُ بِسُرْعَةٍ لَمْ تَفْهَمْ سَبَبَهَا بَعْدُ.
“…بِوَفَاةِ الشَّاعِرِ السُّورِيِّ الْكَبِيرِ نِزَارٍ قَبَّانِيَّ، عَنْ عُمْرٍ يُنَاهِزُ الْخَامِسَةَ وَالسَّبْعِينَ، بَعْدَ صِرَاعٍ طَوِيلٍ مَعَ الْمَرَضِ.”
بَقِيَتْ وَاقِفَةً، وَالْمِفْتَاحُ لَا يَزَالُ فِي يَدِهَا، لَا يَفْتَحُ شَيْئًا.
نَظَرَتْ إِلَى الْبَابِ أَمَامَهَا.
كَانَ الشُّبَّاكُ الْعُلْوِيُّ مُظْلِمًا.
لَا ضَوْءَ خَلْفَهُ.
لَا أَحَدَ سَيَفْتَحُ ذَلِكَ الْبَابَ لَهَا الْيَوْمَ.
وَأَدْرَكَتْ، فِي تِلْكَ الثَّانِيَةِ بِالتَّحْدِيدِ، أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي أَرْسَلَ إِلَيْهَا هَذَا الْمِفْتَاحَ، أَيًّا كَانَ، لَمْ يَكُنْ يُرِيدُ مِنْهَا أَنْ تَدْخُلَ غُرْفَةً.
كَانَ يُرِيدُ مِنْهَا أَنْ تَبْدَأَ رِحْلَةً.

عَادَتْ سَلْمَى إِلَى شَقَّتِهَا الصَّغِيرَةِ فِي ذَلِكَ الْمَسَاءِ، وَالْمَطَرُ يَشْتَدُّ خَلْفَ الزُّجَاجِ.
وَضَعَتِ الْمِفْتَاحَ عَلَى الطَّاوِلَةِ، بِجَانِبِ الْوَرَقَةِ الَّتِي تَحْمِلُ الْجُمْلَةَ الْوَحِيدَةَ: “فِي الْغُرْفَةِ مَا لَمْ يُقَلْ.”
فَتَحَتْ حَاسُوبَهَا الْمَحْمُولَ، وَبَدَأَتْ تَكْتُبُ أَوَّلَ سَطْرٍ فِي مِلَفٍّ جَدِيدٍ، علَّهَا تُهَدِّئُ اضْطِرَابَهَا بِالْكِتَابَةِ كَمَا تَعَلَّمَتْ دَائِمًا أَنْ تَفْعَلَ:
“لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ، حِينَ تَلَقَّيْتُ ذَلِكَ الظَّرْفَ، أَنَّنِي كُنْتُ أَفْتَحُ بَابًا لَنْ يُغْلَقَ بِسُهُولَةٍ.”
“بَابًا إِلَى حَيَاةِ رَجُلٍ عَاشَ مَحْبُوبًا مِنْ مَلَايِينَ، وَوَحِيدًا فِي آنٍ.”
“رَجُلٍ صَنَعَ مِنْ لُغَةِ الْحُبِّ لُغَةً بَسِيطَةً يَفْهَمُهَا كُلُّ عَرَبِيٍّ، وَصَنَعَ مِنْ حُزْنِهِ الْخَاصِّ مَرْثِيَةً عَامَّةً.”
“رَجُلٍ اسْمُهُ نِزَارٌ قَبَّانِيُّ.”
“وَأَنَا، سَأُحَاوِلُ فِي الصَّفَحَاتِ الْقَادِمَةِ أَنْ أَرْوِيَ سِيرَتَهُ، لَا كَمَا رَوَاهَا هُوَ لِنَفْسِهِ، وَلَا كَمَا رَوَاهَا خُصُومُهُ عَنْهُ، بَلْ كَمَا تَكَشَّفَتْ لِي، شَاهِدَةً مُتَأَخِّرَةً، بَحْثًا عَنْ غُرْفَةٍ لَمْ أَدْخُلْهَا بَعْدُ.”
تَوَقَّفَتْ عَنِ الْكِتَابَةِ.
نَظَرَتْ إِلَى الْمِفْتَاحِ مَرَّةً أَخِيرَةً قَبْلَ أَنْ تُطْفِئَ الضَّوْءَ.
وَفِي الظَّلَامِ، هَمَسَتْ لِنَفْسِهَا بِجُمْلَةٍ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ بَعْدُ أَنَّهَا سَتُلَازِمُهَا طَوَالَ سَنَوَاتِ بَحْثِهَا الْقَادِمَةِ:
“أَيْنَ يَبْدَأُ نِزَارٌ الْحَقِيقِيُّ؟
لَيْسَ فِي لَنْدَنَ.
بَلْ فِي دِمَشْقَ.
فِي بَيْتٍ قَدِيمٍ، فِي حَيٍّ اسْمُهُ مِئْذَنَةُ الشَّحْمِ، قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ عَامًا، حَيْثُ وُلِدَ صَبِيٌّ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ بَعْدُ أَنَّهُ سَيُصْبِحُ صَوْتَ الْحُبِّ فِي لُغَةٍ بِأَكْمَلِهَا.”

الْفَصْلُ الثَّانِي

صَوْتُ نِزَارٍ

دِمَشْقُ لَا تُشْبِهُ أَيَّةَ مَدِينَةٍ أُخْرَى فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا لَمْ أَعْرِفْ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ غَادَرْتُهَا.
وُلِدْتُ فِي بَيْتٍ دِمَشْقِيٍّ قَدِيمٍ فِي حَيِّ مِئْذَنَةِ الشَّحْمِ، حَيْثُ الْبُيُوتُ تَتَلَاصَقُ كَأَنَّهَا تَتَبَادَلُ الْأَسْرَارَ فَوْقَ رُؤُوسِ سَاكِنِيهَا.
بَيْتٌ فِيهِ سَاحَةٌ دَاخِلِيَّةٌ، وَنَافُورَةُ مَاءٍ صَغِيرَةٌ، وَشَجَرَةُ يَاسَمِينَ تُظَلِّلُ الْجُدْرَانَ الْحَجَرِيَّةَ الْقَدِيمَةَ.
كُنْتُ الْوَلَدَ الثَّالِثَ بَيْنَ إِخْوَتِي، وَكَانَتْ أُسْرَتِي مِنَ الْأُسَرِ الدِّمَشْقِيَّةِ الْمُتَوَسِّطَةِ الَّتِي تُقَدِّسُ الْعِلْمَ وَتَخْشَى الْفَضِيحَةَ فِي آنٍ.
وَبَيْنَ هَذَيْنِ الْقُطْبَيْنِ، الْعِلْمِ وَالْخَشْيَةِ، تَشَكَّلَتْ طُفُولَتِي.
لَكِنَّ الْحَدَثَ الَّذِي غَيَّرَ حَيَاتِي إِلَى الْأَبَدِ لَمْ يَكُنْ دَرْسًا فِي مَدْرَسَةٍ، وَلَا كِتَابًا فِي مَكْتَبَةٍ.
كَانَ أُخْتِي وِصَالَ.
كَانَتْ وِصَالُ أَكْبَرَ مِنِّي بِسَنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ، جَمِيلَةً كَأُغْنِيَةٍ، وَكَانَتْ تُحِبُّ رَجُلًا لَمْ تَرْضَ عَنْهُ الْعَائِلَةُ زَوْجًا لَهَا.
لَمْ يَكُنِ الرَّفْضُ يَوْمَئِذٍ مَسْأَلَةَ قَلْبٍ فَقَطْ، بَلْ كَانَ مَسْأَلَةَ شَرَفٍ وَمَكَانَةٍ وَحِسَابَاتٍ لَا عَلَاقَةَ لَهَا بِمَا كَانَ يَخْفِقُ فِي صَدْرِهَا.
مُنِعَتْ وِصَالُ مِنْ أَنْ تَتَزَوَّجَ مَنْ أَحَبَّتْ، فَاخْتَارَتْ أَنْ تُغَادِرَ الْحَيَاةَ عَلَى أَنْ تَعِيشَ حَيَاةً لَا تَخْتَارُهَا.
كُنْتُ صَبِيًّا صَغِيرًا يَوْمَهَا، لَكِنَّ صَوْتَ الْبُكَاءِ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ الْحَجَرِيِّ لَمْ يُفَارِقْ أُذُنَيَّ طَوَالَ عُمْرِي.
لَمْ أَفْهَمِ الْمَوْتَ يَوْمَهَا، لَكِنِّي فَهِمْتُ شَيْئًا أَعْمَقَ مِنَ الْمَوْتِ:
أَنَّ امْرَأَةً يُمْكِنُ أَنْ تُقْتَلَ دُونَ أَنْ يَمَسَّهَا أَحَدٌ بِسُوءٍ، بِمُجَرَّدِ أَنْ يُصَادَرَ حَقُّهَا فِي أَنْ تُحِبَّ كَمَا تُرِيدُ.
مِنْ تِلْكَ اللَّحْظَةِ، وَلَدَتْ دَاخِلِي فِكْرَةٌ لَمْ تُفَارِقْنِي:
أَنَّ عَلَيَّ أَنْ أَكْتُبَ يَوْمًا مَا يُعِيدُ لِلْمَرْأَةِ حَقَّهَا فِي أَنْ تُحِبَّ عَلَنًا، دُونَ أَنْ تَدْفَعَ حَيَاتَهَا ثَمَنًا لِذَلِكَ.
لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ يَوْمَهَا أَنَّ تِلْكَ الْفِكْرَةَ الطُّفُولِيَّةَ سَتُصْبِحُ مَشْرُوعِي الشِّعْرِيَّ كُلَّهُ.
فِي تِلْكَ اللَّيَالِي الْحَزِينَةِ، بَدَأْتُ أَكْتُبُ أَبْيَاتًا صَغِيرَةً، أُخَبِّئُهَا بَيْنَ صَفَحَاتِ كُتُبِي الْمَدْرَسِيَّةِ، خَوْفًا مِنْ أَنْ يَكْتَشِفَهَا أَحَدٌ فَيَسْخَرَ مِنِّي، أَوْ أَسْوَأَ، فَيَمْنَعَنِي عَنْهَا كَمَا مُنِعَتْ وِصَالُ عَنْ حُبِّهَا.
كَانَتْ تِلْكَ الْأَبْيَاتُ سَاذَجَةً، طفُولِيَّةً، لَا تُشْبِهُ شَيْئًا مِمَّا كَتَبْتُهُ لَاحِقًا.
لَكِنَّهَا كَانَتْ الْبِذْرَةَ الْأُولَى.
وَكَانَ اسْمُ وِصَالَ حَاضِرًا فِي كُلِّ سَطْرٍ كَتَبْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنِ الْمَرْأَةِ، وَإِنْ لَمْ يَحْمِلْ سَطْرٌ وَاحِدٌ اسْمَهَا صَرَاحَةً.

صَوْتُ سَلْمَى — دِمَشْقُ، أَيَّارُ ١٩٩٨
فِي دِمَشْقَ، بَعْدَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ مِنْ وَفَاةِ نِزَارٍ، وَجَدَتْ سَلْمَى نَفْسَهَا وَاقِفَةً أَمَامَ بَابِ الْمَكْتَبَةِ الْوَطَنِيَّةِ الظَّاهِرِيَّةِ، تَحْمِلُ دَفْتَرَ مُلَاحَظَاتٍ مُمْتَلِئًا بِالْأَسْئِلَةِ.
كَانَتْ قَدْ قَرَأَتْ، كَمَا قَرَأَ كُلُّ مُحِبِّي نِزَارٍ، كِتَابَهُ “قِصَّتِي مَعَ الشِّعْرِ”، حَيْثُ رَوَى بِنَفْسِهِ حِكَايَةَ أُخْتِهِ وِصَالَ بِإِيجَازٍ لَا يَتَجَاوَزُ صَفَحَاتٍ قَلِيلَةً.
لَكِنَّ الْإِيجَازَ نَفْسَهُ أَثَارَ فُضُولَهَا: لِمَاذَا يَذْكُرُ رَجُلٌ قَضَى حَيَاتَهُ كُلَّهَا يَكْتُبُ عَنِ الْمَرْأَةِ، الْحَدَثَ الَّذِي غَيَّرَ حَيَاتَهُ، فِي صَفَحَاتٍ مَعْدُودَةٍ فَقَطْ؟
سَأَلَتِ الْمُوَظَّفَ الْعَجُوزَ خَلْفَ طَاوِلَةِ الِاسْتِقْبَالِ إِنْ كَانَتِ الْمَكْتَبَةُ تَحْتَفِظُ بِأَيَّةِ وَثَائِقَ مُتَعَلِّقَةٍ بِعَائِلَةِ قَبَّانِيَّ فِي دِمَشْقَ.
ابْتَسَمَ الرَّجُلُ ابْتِسَامَةً تَعْرِفُ سَلْمَى مَعْنَاهَا جَيِّدًا:
ابْتِسَامَةَ مَنْ يَعْرِفُ أَكْثَرَ مِمَّا سَيَقُولُ.
قَالَ لَهَا:
“هُنَاكَ مَنْ يَقُولُ إِنَّ دِفْتَرَ نِزَارٍ الْمَدْرَسِيَّ الْأَوَّلَ، الَّذِي كَتَبَ فِيهِ أُولَى أَبْيَاتِهِ سِرًّا، لَمْ يُحْرَقْ وَلَمْ يُفْقَدْ كَمَا تَقُولُ الرِّوَايَاتُ الرَّسْمِيَّةُ، بَلْ بَقِيَ عِنْدَ عَائِلَةٍ دِمَشْقِيَّةٍ قَدِيمَةٍ حَافَظَتْ عَلَيْهِ كُلَّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ.”
سَأَلَتْهُ سَلْمَى:
“وَهَلْ رَأَيْتَ هَذَا الدَّفْتَرَ بِنَفْسِكَ؟”
هَزَّ رَأْسَهُ نَافِيًا:
“لَا أَحَدَ رَآهُ. رُبَّمَا هِيَ مُجَرَّدُ حِكَايَةٍ يَتَنَاقَلُهَا عُشَّاقُ نِزَارٍ فِي دِمَشْقَ، كَمَا تَتَنَاقَلُ كُلُّ مَدِينَةٍ حِكَايَاتٍ عَنْ أَبْنَائِهَا الْكِبَارِ. لَكِنَّ الِاسْمَ الَّذِي يَتَرَدَّدُ دَائِمًا فِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ هُوَ اسْمُ عَائِلَةٍ مَا زَالَتْ تَسْكُنُ حَيَّ مِئْذَنَةِ الشَّحْمِ حَتَّى يَوْمِنَا هَذَا.”
لَمْ يُعْطِهَا الرَّجُلُ اسْمَ الْعَائِلَةِ يَوْمَهَا.
لَكِنَّهُ أَعْطَاهَا شَيْئًا أَثْمَنَ:
خَيْطًا تَشُدُّ بِهِ رِحْلَةَ بَحْثِهَا خُطْوَةً أُخْرَى نَحْوَ الْحَيِّ الْقَدِيمِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ الشَّاعِرُ.
خَرَجَتْ سَلْمَى مِنَ الْمَكْتَبَةِ، وَالشَّمْسُ تَمِيلُ نَحْوَ الْمَغِيبِ فَوْقَ قِبَابِ دِمَشْقَ الْقَدِيمَةِ.
وَقَفَتْ لَحْظَةً تَنْظُرُ نَحْوَ اتِّجَاهِ مِئْذَنَةِ الشَّحْمِ، حَيْثُ بَدَأَتْ قِصَّةُ نِزَارٍ، وَحَيْثُ رُبَّمَا لَا تَزَالُ نِهَايَتُهَا الْحَقِيقِيَّةُ تَنْتَظِرُ مَنْ يَكْتُبُهَا.
وَفِي دَفْتَرِهَا، كَتَبَتْ سَطْرًا وَاحِدًا تَحْتَ عُنْوَانِ ذَلِكَ الْيَوْمِ:
“رُبَّمَا لَمْ تَمُتْ وِصَالُ حَقًّا. رُبَّمَا لَا تَزَالُ تَعِيشُ فِي دَفْتَرٍ مَخْبُوءٍ، فِي بَيْتٍ لَمْ أَجِدْهُ بَعْدُ.”

الْفَصْلُ الثَّالِثُ

صَوْتُ نِزَارٍ

حِينَ الْتَحَقْتُ بِكُلِّيَّةِ الْحُقُوقِ فِي دِمَشْقَ، كُنْتُ أَحْمِلُ فِي حَقِيبَتِي كُتُبَ الْقَانُونِ، وَفِي جَيْبِي الدَّاخِلِيِّ دَفْتَرًا صَغِيرًا لَا يَعْرِفُ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ زُمَلَائِي شَيْئًا.
سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَتِسْعِمِئَةٍ وَأَلْفٍ، صَدَرَ دِيوَانِي الْأَوَّلُ:
“قَالَتْ لِي السَّمْرَاءُ.”
كُنْتُ فِي الْحَادِيَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِي، وَكَانَ الدِّيوَانُ بِالنِّسْبَةِ لِي احْتِفَالًا خَاصًّا لَا أَتَوَقَّعُ لَهُ صَدًى.
لَكِنَّ دِمَشْقَ الْمُحَافِظَةَ لَمْ تَرَ فِي كَلِمَاتِي احْتِفَالًا، بَلْ رَأَتْ فِيهَا خَطَرًا.
قِيلَ عَنِّي يَوْمَهَا إِنَّنِي أَكْتُبُ شِعْرًا فَاضِحًا، وَإِنَّ كَلِمَةَ “نَهْدٍ” أَوْ “سَاقٍ” لَا يَجُوزُ أَنْ تُكْتَبَ فِي قَصِيدَةٍ يَقْرَؤُهَا أَبْنَاءُ النَّاسِ.
ضَحِكْتُ يَوْمَهَا مِنْ هَذَا الْغَضَبِ، لَكِنَّنِي أَدْرَكْتُ لَاحِقًا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ سِوَى بِدَايَةٍ.
دَخَلْتُ السِّلْكَ الدِّبْلُومَاسِيَّ، وَكَانَتِ الْقَاهِرَةُ أُولَى مَحَطَّاتِي، مَدِينَةً صَاخِبَةً بِالْحَيَاةِ وَالْأَدَبِ وَالسِّينَمَا، أَحْبَبْتُهَا مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ.
وَهُنَاكَ، بَيْنَ اجْتِمَاعَاتِ السِّفَارَةِ الرَّسْمِيَّةِ وَسَهَرَاتِ الْمُثَقَّفِينَ عَلَى ضِفَافِ النِّيلِ، أَصْدَرْتُ قَصِيدَتِي “طُفُولَةُ نَهْدٍ.”
لَمْ تَكُنْ قَصِيدَةً عَنِ الْجَسَدِ كَمَا فَهِمَهَا خُصُومِي، بَلْ كَانَتْ قَصِيدَةً عَنِ الْبَرَاءَةِ، عَنِ انْتِقَالِ الْفَتَاةِ مِنَ الطُّفُولَةِ إِلَى الْأُنُوثَةِ، بِكُلِّ مَا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ مِنْ دَهْشَةٍ وَخَوْفٍ.
لَكِنَّ الْقَصِيدَةَ فُهِمَتْ عَلَى غَيْرِ مَا أَرَدْتُ.
وَصَلَتِ الضَّجَّةُ إِلَى دِمَشْقَ نَفْسِهَا، وَنُوقِشَ اسْمِي فِي مَجْلِسِ النُّوَّابِ، وَطَالَبَ بَعْضُ النُّوَّابِ الْمُحَافِظِينَ بِمُحَاكَمَتِي، أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ بِفَصْلِي مِنَ السِّلْكِ الدِّبْلُومَاسِيِّ.
شَابٌّ فِي مَطْلَعِ الْعِشْرِينَاتِ مِنْ عُمْرِهِ، مُوَظَّفٌ حُكُومِيٌّ صَغِيرٌ، يَجِدُ نَفْسَهُ فَجْأَةً مَوْضُوعَ نِقَاشٍ بَرْلَمَانِيٍّ بِسَبَبِ قَصِيدَةٍ وَاحِدَةٍ.
لَمْ أَخَفْ يَوْمَهَا بِقَدْرِ مَا شَعَرْتُ بِالْغَرَابَةِ:
كَيْفَ يُمْكِنُ لِبَيْتِ شِعْرٍ أَنْ يُزْعِجَ دَوْلَةً بِأَكْمَلِهَا؟
وَكَيْفَ يُمْكِنُ لِلْغَزَلِ، أَقْدَمِ فُنُونِ الْعَرَبِيَّةِ، أَنْ يُتَّهَمَ بِالْخِيَانَةِ؟
عَرَفْتُ يَوْمَهَا أَنَّ طَرِيقِي لَنْ يَكُونَ طَرِيقَ الشَّاعِرِ الْمُدَلَّلِ الَّذِي يُصَفِّقُ لَهُ الْجَمِيعُ، بَلْ طَرِيقَ مَنْ سَيَدْفَعُ ثَمَنَ كُلِّ كَلِمَةٍ يَكْتُبُهَا.
وَقَرَّرْتُ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، أَنَّنِي لَنْ أَتَرَاجَعَ عَنْ سَطْرٍ وَاحِدٍ كَتَبْتُهُ.

صَوْتُ سَلْمَى — دِمَشْقُ، أَيَّارُ ١٩٩٨
فِي دِمَشْقَ، عَثَرَتْ سَلْمَى أَخِيرًا عَلَى بَيْتِ الْعَائِلَةِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا مُوَظَّفُ الْمَكْتَبَةِ، لَكِنَّ الْبَابَ فُتِحَ لَهَا عَلَى خَيْبَةِ أَمَلٍ:
كِبَارُ الْعَائِلَةِ تُوُفُّوا مُنْذُ سَنَوَاتٍ، وَلَا أَحَدَ مِنَ الْأَحْفَادِ يَعْرِفُ شَيْئًا عَنْ دَفْتَرٍ مَدْرَسِيٍّ قَدِيمٍ.
شَعَرَتْ بِخَيْبَةٍ، لَكِنَّهَا لَمْ تَتَوَقَّفْ.
فِي دَارِ الْوَثَائِقِ التَّارِيخِيَّةِ بِدِمَشْقَ، طَلَبَتْ مِنَ الْأَرْشِيفِيِّ الْمُنَاوِبِ الِاطِّلَاعَ عَلَى مَحَاضِرِ جَلَسَاتِ مَجْلِسِ النُّوَّابِ لِسَنَةِ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَتِسْعِمِئَةٍ وَأَلْفٍ.
جَلَسَتْ سَاعَاتٍ طَوِيلَةً تُقَلِّبُ صَفَحَاتٍ مُصْفَرَّةً، حَتَّى وَجَدَتْهُ:
مَحْضَرٌ رَسْمِيٌّ يَذْكُرُ اسْمَ “نِزَارٍ قَبَّانِيَّ” صَرَاحَةً، وَنِقَاشًا حَادًّا بَيْنَ النُّوَّابِ حَوْلَ قَصِيدَةٍ نَشَرَهَا شَابٌّ يَعْمَلُ فِي وِزَارَةِ الْخَارِجِيَّةِ.
بَجَانِبِ الْمَحْضَرِ، وَجَدَتْ صُورَةً لِرِسَالَةٍ رَسْمِيَّةٍ صَادِرَةٍ عَنِ الْخَارِجِيَّةِ السُّورِيَّةِ، تُحَذِّرُ الْمُوَظَّفَ الشَّابَّ مِنْ أَنَّ اسْتِمْرَارَهُ فِي نَشْرِ مِثْلِ هَذَا الشِّعْرِ “قَدْ يَسْتَوْجِبُ إِعَادَةَ النَّظَرِ فِي اسْتِمْرَارِيَّةِ خِدْمَتِهِ الدِّبْلُومَاسِيَّةِ.”
قَرَأَتِ الْجُمْلَةَ مَرَّتَيْنِ.
شَابٌّ فِي الثَّانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ، مُهَدَّدٌ رَسْمِيًّا بِإِنْهَاءِ حَيَاتِهِ الْمِهَنِيَّةِ بِأَكْمَلِهَا، لِأَنَّهُ كَتَبَ عَنْ فَتَاةٍ تَكْبُرُ.
وَمَعَ ذَلِكَ، لَمْ يَتَرَاجَعْ، وَلَمْ يَعْتَذِرْ، وَلَمْ يَسْحَبِ الدِّيوَانَ.
دَوَّنَتْ سَلْمَى فِي دَفْتَرِهَا:
“هَذَا لَيْسَ رَجُلًا اخْتَارَ الشُّهْرَةَ بِسُهُولَةٍ. هَذَا رَجُلٌ وَاجَهَ دَوْلَةً كَامِلَةً وَهُوَ فِي الثَّانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهِ، وَخَرَجَ مِنَ الْمُوَاجَهَةِ أَكْثَرَ عِنَادًا، لَا أَقَلَّ.”
وَبَيْنَمَا كَانَتْ تُهَيِّئُ نَفْسَهَا لِمُغَادَرَةِ دَارِ الْوَثَائِقِ، لَفَتَ نَظَرَهَا هَامِشٌ صَغِيرٌ مَكْتُوبٌ بِخَطِّ يَدٍ عَلَى حَافَّةِ الْمَحْضَرِ، بِقَلَمٍ يَبْدُو أَحْدَثَ بِكَثِيرٍ مِنْ تَارِيخِ الْوَثِيقَةِ نَفْسِهَا:
عِبَارَةٌ وَاحِدَةٌ، غَيْرُ مُوَقَّعَةٍ، تَقُولُ: “رَاجِعْ مِلَفَّ الْقَاهِرَةِ، ١٩٤٤.”
لَمْ تَكُنْ سَلْمَى تَعْرِفُ بَعْدُ أَنَّ هَذَا الْهَامِشَ الْبَسِيطَ سَيَقُودُهَا إِلَى فَصْلٍ كَامِلٍ آخَرَ مِنْ حَيَاةِ نِزَارٍ، لَمْ يُروَ مِنْ قَبْلُ بِهَذَا التَّفْصِيلِ فِي أَيَّةِ سِيرَةٍ مَنْشُورَةٍ.
“فِي كُلِّ أَرْشِيفٍ، هَامِشٌ صَغِيرٌ يَنْتَظِرُ مَنْ يَقْرَؤُهُ. وَأَنَا وَجَدْتُ هَامِشِي.”

الْفَصْلُ الرَّابِعُ

صَوْتُ سَلْمَى

قَبْلَ أَنْ أُتَابِعَ حِكَايَةَ نِزَارٍ كَمَا وَجَدْتُهَا، عَلَيَّ أَنْ أَعْتَرِفَ بِشَيْءٍ:
مِلَفُّ الْقَاهِرَةِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْهَامِشُ الْغَامِضُ لَمْ يَكُنْ فِي مُتَنَاوَلِ يَدِي بَعْدُ.
طَلَبْتُهُ مِنْ دَارِ الْوَثَائِقِ، فَقِيلَ لِي إِنَّهُ مُصَنَّفٌ ضِمْنَ أَرْشِيفٍ دِبْلُومَاسِيٍّ مُقَيَّدِ الِاطِّلَاعِ، وَإِنَّ عَلَيَّ تَقْدِيمَ طَلَبٍ رَسْمِيٍّ قَدْ يَسْتَغْرِقُ أَسَابِيعَ.
قَرَّرْتُ أَلَّا أَنْتَظِرَ مَكْتُوفَةَ الْيَدَيْنِ، وَأَنْ أُتَابِعَ خَطَّ السِّيرَةِ الْمُعْلَنَ رِيثَمَا يُفْتَحُ ذَلِكَ الْبَابُ الْمُغْلَقُ.
وَالْخَطُّ التَّالِي فِي حَيَاةِ نِزَارٍ لَمْ يَكُنْ يَحْتَاجُ إِلَى أَرْشِيفٍ سِرِّيٍّ لِيَكُونَ دِرَامِيًّا:
كَانَ يَكْفِي أَنْ أَفْتَحَ أَيَّةَ صَحِيفَةٍ عَرَبِيَّةٍ صَادِرَةٍ فِي صَيْفِ سَبْعَةٍ وَسِتِّينَ وَتِسْعِمِئَةٍ وَأَلْفٍ.

صَوْتُ نِزَارٍ

فِي الْخَامِسِ مِنْ حُزَيْرَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَتِسْعِمِئَةٍ وَأَلْفٍ، اسْتَيْقَظَ الْعَرَبُ عَلَى هَزِيمَةٍ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَّا يَتَخَيَّلُ حَجْمَهَا.
سِتَّةُ أَيَّامٍ فَقَطْ، وَسَقَطَتِ الْجَبْهَاتُ، وَسَقَطَتْ مَعَهَا فِكْرَةٌ كُنَّا نَحْمِلُهَا عَنْ أَنْفُسِنَا:
فِكْرَةُ أَنَّنَا أُمَّةٌ لَا تُقْهَرُ.
لَمْ أَكُنْ يَوْمَهَا شَاعِرَ حُبٍّ فَقَطْ، بَلْ كُنْتُ عَرَبِيًّا يُشَاهِدُ عَلَى الشَّاشَةِ صُوَرَ الْهَزِيمَةِ كَمَا يُشَاهِدُ جُثَّةَ أَخٍ.
جَلَسْتُ لَيَالِيَ طَوِيلَةً لَا أَكْتُبُ شَيْئًا، لِأَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ بَدَتْ لِي يَوْمَهَا تَافِهَةً أَمَامَ حَجْمِ مَا حَدَثَ.
ثُمَّ، فِي لَيْلَةٍ لَمْ أَنَمْ فِيهَا، كَتَبْتُ قَصِيدَةً لَمْ أَكْتُبْ مِثْلَهَا مِنْ قَبْلُ:
“هَوَامِشُ عَلَى دَفْتَرِ النَّكْسَةِ.”
لَمْ أُوَجِّهِ اللَّوْمَ فِيهَا إِلَى الْأَعْدَاءِ وَحْدَهُمْ، بَلْ وَجَّهْتُهُ إِلَى دَاخِلِنَا:
إِلَى الْخِطَابِ الَّذِي أَقْنَعَنَا بِأَنَّنَا أَقْوِيَاءُ وَنَحْنُ ضُعَفَاءُ، وَإِلَى الصَّمْتِ الَّذِي تَوَاطَأْنَا عَلَيْهِ طَوِيلًا.
مَا إِنْ نُشِرَتِ الْقَصِيدَةُ حَتَّى تَحَوَّلَتْ إِلَى زِلْزَالٍ.
مُنِعَتْ فِي أَكْثَرَ مِنْ عَاصِمَةٍ عَرَبِيَّةٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَاتُّهِمْتُ بِأَنِّي أَجْلِدُ أُمَّتِي فِي وَقْتِ ضَعْفِهَا بَدَلَ أَنْ أُوَاسِيَهَا.
وَاتَّهَمَنِي بَعْضُهُمْ بِأَنِّي أَخْدُمُ الْعَدُوَّ بِتَجْرِيحِ مَعْنَوِيَّاتِ جَيْشٍ مَهْزُومٍ أَصْلًا.
لَمْ أَفْهَمْ يَوْمَهَا كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُتَّهَمَ مَنْ يَبْكِي عَلَى جُرْحِ أُمَّتِهِ بِأَنَّهُ عَدُوُّهَا.
لَكِنَّنِي فَهِمْتُ، مُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ، أَنَّ الشِّعْرَ الْحَقِيقِيَّ لَا يُطَمْئِنُ، بَلْ يُوقِظُ. وَالْإِيقَاظُ مُؤْلِمٌ دَائِمًا لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْقَى نَائِمًا.
وَذَاتَ لَيْلَةٍ، رَنَّ هَاتِفِي فِي بَيْرُوتَ.
صَوْتٌ رَسْمِيٌّ، مِنْ جِهَةٍ لَمْ أَشَأْ يَوْمَهَا أَنْ أُسَمِّيَهَا بِوُضُوحٍ، طَلَبَ مِنِّي أَنْ أَتَرَاجَعَ عَنِ الْقَصِيدَةِ، أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ أَنْ أُصْدِرَ بَيَانًا يُخَفِّفُ مِنْ حِدَّتِهَا.
سَأَلَنِي الصَّوْتُ:
“أَلَا تَخْشَى عَلَى نَفْسِكَ؟”
أَجَبْتُهُ بِهُدُوءٍ لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ مِنْ أَيْنَ جَاءَنِي:
“أَنَا لَا أَكْتُبُ لِأُرْضِيَ أَحَدًا، وَلَنْ أَمْحُوَ كَلِمَةً كَتَبْتُهَا بِدَمِي لِأُرِيحَ أُذُنَ أَحَدٍ.”
أَغْلَقْتُ السَّمَّاعَةَ، وَبَقِيتُ وَاقِفًا فِي عَتْمَةِ الْغُرْفَةِ، أَعْرِفُ أَنَّ حَيَاتِي كُلَّهَا تَغَيَّرَتْ لَحْظَةَ كَتَبْتُ ذَلِكَ السَّطْرَ الْأَوَّلَ، وَلَنْ تَعُودَ كَمَا كَانَتْ.
كَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ يَوْمٍ أَدْرَكْتُ فِيهِ أَنَّ الْقَصِيدَةَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ أَخْطَرَ مِنْ جَيْشٍ، وَأَنَّ الْكَلِمَةَ، إِذَا صَدَقَتْ، لَا تَقِلُّ ثَمَنًا عَنِ الدَّمِ.

الْفَصْلُ الْخَامِسُ

صَوْتُ نِزَارٍ

إِذَا سَأَلَنِي أَحَدٌ عَنْ أَجْمَلِ سَنَوَاتِ عُمْرِي، فَلَنْ أَتَرَدَّدَ لَحْظَةً:
كَانَتْ سَنَوَاتِيَ الْأُولَى فِي بَيْرُوتَ.
غَادَرْتُ السِّلْكَ الدِّبْلُومَاسِيَّ بَعْدَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنَ التَّنَقُّلِ بَيْنَ الْعَوَاصِمِ، وَاخْتَرْتُ بَيْرُوتَ لِأَنَّهَا كَانَتِ الْمَدِينَةَ الْعَرَبِيَّةَ الْوَحِيدَةَ الَّتِي تَتَنَفَّسُ حُرِّيَّةً حَقِيقِيَّةً.
فِيهَا أَسَّسْتُ دَارَ نَشْرِي الْخَاصَّةَ، “مَنْشُورَاتُ نِزَارٍ قَبَّانِيَّ”، لِأَتَحَرَّرَ إِلَى الْأَبَدِ مِنْ رَقَابَةِ النَّاشِرِينَ الْآخَرِينَ عَلَى كَلِمَاتِي.
كَانَتْ بَيْرُوتُ فِي تِلْكَ السَّنَوَاتِ مَقْهًى كَبِيرًا مَفْتُوحًا عَلَى الْبَحْرِ، تَجْتَمِعُ فِيهِ كُلُّ لُغَاتِ الْفِكْرِ الْعَرَبِيِّ:
الشُّيُوعِيُّ وَالْقَوْمِيُّ وَالْمُحَافِظُ وَالثَّائِرُ، عَلَى طَاوِلَةٍ وَاحِدَةٍ يَشْرَبُونَ الْقَهْوَةَ ذَاتَهَا.
جَلَسْتُ فِي مَقَاهِيهَا مَعَ يُوسُفَ الْخَالِ وَتَوْفِيقٍ صَايِغٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ روَّادِ الْحَدَاثَةِ الشِّعْرِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ أَنْتَمِ يَوْمًا إِلَى مَدْرَسَةٍ بِعَيْنِهَا، لِأَنِّي كُنْتُ أَكْتُبُ لِنَفْسِي قَبْلَ أَنْ أَكْتُبَ لِمَدْرَسَةٍ.
فِي بَيْرُوتَ تَحَوَّلَتْ قَصَائِدِي إِلَى أَغَانٍ يُرَدِّدُهَا النَّاسُ فِي الشَّوَارِعِ، وَتَعَاوَنْتُ مَعَ أَصْوَاتٍ كِبَارٍ حَمَلَتْ كَلِمَاتِي إِلَى بُيُوتٍ لَمْ تَكُنْ لِتَقْرَأَ الشِّعْرَ لَوْلَا اللَّحْنُ.
كُنْتُ أَشْعُرُ يَوْمَهَا أَنَّ حُلُمِي الْقَدِيمَ قَدْ تَحَقَّقَ:
أَنْ يَمْشِيَ الشِّعْرُ بَيْنَ النَّاسِ بِمَلَابِسِ الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ، لَا بِعَبَاءَةِ الْفَصَاحَةِ الْمُتَعَالِيَةِ.
كَانَ بَيْتِي فِي بَيْرُوتَ مَفْتُوحًا لِلْأَصْدِقَاءِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ، وَكَانَتْ شُرْفَتِي الْمُطِلَّةُ عَلَى الْبَحْرِ الْمَكَانَ الَّذِي كَتَبْتُ فِيهِ أَجْمَلَ قَصَائِدِي.
لَمْ أَكُنْ أَتَخَيَّلُ يَوْمَهَا أَنَّ هَذِهِ الْمَدِينَةَ نَفْسَهَا سَتُصْبِحُ يَوْمًا مَسْرَحًا لِأَبْشَعِ مَا شَهِدَهُ لُبْنَانُ.

صَوْتُ سَلْمَى — بَيْرُوتُ

فِي بَيْرُوتَ، حَيْثُ سَافَرَتْ سَلْمَى لِمُتَابَعَةِ خُيُوطِ الْحِقْبَةِ الذَّهَبِيَّةِ، الْتَقَتْ نَاشِرًا عَجُوزًا مَا زَالَ يَحْتَفِظُ بِمَكْتَبِهِ الْقَدِيمِ فِي شَارِعِ الْحَمْرَاءِ، حَيْثُ كَانَتْ تُطْبَعُ دَوَاوِينُ نِزَارٍ قَبَّانِيَّ.
أَرَاهَا الرَّجُلُ صُوَرًا مُصْفَرَّةً لِأُمْسِيَاتٍ أَدَبِيَّةٍ فِي مَنْزِلِ الشَّاعِرِ، وَجُدْرَانَ مَكْتَبِهِ الْمُغَطَّاةَ بِمَقَالَاتٍ وَقَصَاصَاتِ صُحُفٍ قَدِيمَةٍ عَنْ تِلْكَ السَّنَوَاتِ.
قَالَ لَهَا وَهُوَ يَتَأَمَّلُ إِحْدَى الصُّوَرِ طَوِيلًا:
“كُنَّا نَظُنُّ يَوْمَهَا أَنَّ هَذِهِ الْبَهْجَةَ لَنْ تَنْتَهِيَ. كُنَّا صِغَارًا بِمَا يَكْفِي لِنُصَدِّقَ أَنَّ الْحَرْبَ شَيْءٌ يَحْدُثُ لِلْآخَرِينَ، فِي بُلْدَانٍ أُخْرَى.”
سَأَلَتْهُ سَلْمَى عَمَّا حَدَثَ لِنِزَارٍ حِينَ انْدَلَعَتِ الْحَرْبُ الْأَهْلِيَّةُ اللُّبْنَانِيَّةُ.
صَمَتَ الرَّجُلُ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ:
“رَأَيْتُهُ بِنَفْسِي وَاقِفًا عَلَى شُرْفَتِهِ ذَلِكَ الْمَسَاءَ، يُرَاقِبُ حَيَّ الْبَسْطَةِ يَحْتَرِقُ عَلَى مَسَافَةِ أَمْتَارٍ قَلِيلَةٍ مِنْهُ. لَمْ يَقُلْ كَلِمَةً وَاحِدَةً. فَقَطْ وَقَفَ هُنَاكَ، طَوِيلًا، وَكَأَنَّهُ يُوَدِّعُ شَيْئًا لَنْ يَعُودَ.”
دَوَّنَتْ سَلْمَى فِي دَفْتَرِهَا:
مَدِينَةٌ مَنَحَتْهُ الْحُرِّيَّةَ الَّتِي حَلُمَ بِهَا طَوِيلًا، ثُمَّ سَلَبَتْهُ إِيَّاهَا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِالذَّاتِ، وَقَفَ نِزَارٌ عَلَى شُرْفَتِهِ يُرَاقِبُ الْمَدِينَةَ الَّتِي أَحَبَّهَا أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ مَكَانٍ آخَرَ فِي الدُّنْيَا وَهِيَ تَحْتَرِقُ أَمَامَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ بَعْدُ أَنَّهُ لَنْ يَكْتُبَ عَنْ بَيْرُوتَ بِالْفَرَحِ نَفْسِهِ مَرَّةً أُخْرَى.

الْفَصْلُ السَّادِسُ

صَوْتُ نِزَارٍ

لَمْ أُحِبَّ بَلْقِيسَ كَمَا يُحِبُّ الرِّجَالُ عَادَةً:
لَمْ أَرَهَا أَوَّلًا، بَلْ قَرَأْتُهَا.
كَانَتْ بَلْقِيسُ الرَّاوِي مُعَلِّمَةً عِرَاقِيَّةً تَكْتُبُ الشِّعْرَ، وَوَصَلَتْنِي قَصَائِدُهَا قَبْلَ أَنْ يَصِلَنِي وَجْهُهَا، فَأَحْبَبْتُ فِيهَا الْعَقْلَ قَبْلَ أَنْ أُحِبَّ فِيهَا الْجَمَالَ.
حِينَ الْتَقَيْتُهَا أَخِيرًا فِي بَغْدَادَ، فِي أُمْسِيَةٍ أَدَبِيَّةٍ، وَجَدْتُ امْرَأَةً لَا تَنْبَهِرُ بِاسْمِي، وَلَا تُحَاوِلُ أَنْ تُثْبِتَ لِي شَيْئًا، بَلْ تُحَاوِرُنِي كَنَدٍّ لَا كَمُعْجَبَةٍ.
وَهَذَا بِالذَّاتِ مَا جَعَلَنِي أَقَعُ فِي حُبِّهَا:
لَمْ أَكُنْ أَبْحَثُ عَنِ امْرَأَةٍ تُصَفِّقُ لِقَصَائِدِي، بَلْ عَنِ امْرَأَةٍ تُنَاقِشُنِي فِيهَا.
تَزَوَّجْتُهَا، وَانْتَقَلَتْ لِتَعِيشَ مَعِي فِي بَيْرُوتَ، وَبَدَأَتْ أَجْمَلُ سَنَوَاتِ حَيَاتِي الْعَاطِفِيَّةِ.
كَانَتْ بَلْقِيسُ تَقِفُ خَلْفِي حِينَ أَكْتُبُ، صَامِتَةً، وَكَانَ حُضُورُهَا الْهَادِئُ فِي الْبَيْتِ يَمْنَحُنِي مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ مَا لَمْ أَعْرِفْهُ يَوْمًا مِنْ قَبْلُ.
كَتَبْتُ فِيهَا قَصَائِدَ كَثِيرَةً، لَكِنَّنِي لَمْ أَكْتُبْ يَوْمًا كُلَّ مَا أَشْعُرُ بِهِ تِجَاهَهَا، لِأَنَّ بَعْضَ الْحُبِّ أَعْمَقُ مِنْ أَنْ يَتَّسِعَ لَهُ سَطْرٌ.
كُنَّا نَتَمَشَّى مَسَاءً عَلَى كُورْنِيشِ بَيْرُوتَ، وَالْبَحْرُ يَلْطُمُ الصَّخْرَ بِهُدُوءٍ، وَكُنْتُ أَظُنُّ يَوْمَهَا أَنَّ هَذِهِ السَّعَادَةَ الْبَسِيطَةَ سَتَدُومُ إِلَى الْأَبَدِ.
لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّ الْقَدَرَ كَانَ قَدْ بَدَأَ يَعُدُّ لَنَا الْأَيَّامَ الْمُتَبَقِّيَةَ مَعًا، وَاحِدًا تِلْوَ الْآخَرِ، دُونَ أَنْ يُخْبِرَنَا.

صَوْتُ سَلْمَى — بَيْرُوتُ

وَجَدَتْ سَلْمَى، بَيْنَ أَوْرَاقِ الْأَرْشِيفِ الصَّحَفِيِّ فِي بَيْرُوتَ، مَقَالَةً قَدِيمَةً كُتِبَتْ عَنْ زَوَاجِ نِزَارٍ وَبَلْقِيسَ، وَصِفَتْهُمَا فِيهَا الْكَاتِبَةُ بِأَنَّهُمَا
“الثُّنَائِيُّ الَّذِي أَثْبَتَ أَنَّ شَاعِرَ الْحُبِّ يُمْكِنُ أَنْ يُحِبَّ بِصِدْقٍ لَا بِبَلَاغَةٍ فَقَطْ.”
جَلَسَتْ طَوِيلًا تَتَأَمَّلُ صُورَةً بِالْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ لِلزَّوْجَيْنِ فِي حَفْلِ اسْتِقْبَالٍ أَدَبِيٍّ، بَلْقِيسُ تَبْتَسِمُ بِثِقَةٍ، وَنِزَارٌ يَنْظُرُ إِلَيْهَا لَا إِلَى الْكَامِيرَا.
كَتَبَتْ سَلْمَى فِي دَفْتَرِهَا:
“فِي كُلِّ الصُّوَرِ الَّتِي رَأَيْتُهَا حَتَّى الْآنَ، هَذِهِ هِيَ الْمَرَّةُ الْأُولَى الَّتِي يَنْظُرُ فِيهَا نِزَارٌ إِلَى شَيْءٍ لَيْسَ الْكَامِيرَا. كَانَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا.”
سَأَلَتْ نَفْسَهَا:
كَيْفَ يُمْكِنُ لِرَجُلٍ كَتَبَ عَنِ الْمَرْأَةِ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَاعِرٍ عَرَبِيٍّ آخَرَ أَنْ يَجِدَ فِي النِّهَايَةِ اِمْرَأَةً وَاحِدَةً كَفِيلَةً أَنْ تُلَخِّصَ كُلَّ مَا كَتَبَهُ عَنِ الْحُبِّ طَوَالَ عُمْرِهِ؟
وَبَيْنَمَا كَانَتْ تُهَيِّئُ نَفْسَهَا لِإِغْلَاقِ الْمِلَفِّ، وَقَعَ نَظَرُهَا عَلَى تَارِيخِ إِحْدَى الْقَصَاصَاتِ الْأَخِيرَةِ فِي الْمِلَفِّ:
صَبَاحَ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ كَانُونَ الْأَوَّلِ، سَنَةَ وَاحِدٍ وَثَمَانِينَ وَتِسْعِمِئَةٍ وَأَلْفٍ.
شَعَرَتْ بِبَرْدٍ مُفَاجِئٍ، لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْرِفُ، كَمَا يَعْرِفُ كُلُّ قَارِئٍ لِسِيرَةِ نِزَارٍ، مَاذَا يَعْنِي ذَلِكَ التَّارِيخُ بِالذَّاتِ.
فِي ذَلِكَ الصَّبَاحِ، كَانَ لِبَلْقِيسَ مَوْعِدٌ مَعَ صَدِيقَةٍ لَهَا فِي مَبْنَى السَّفَارَةِ الْعِرَاقِيَّةِ بِبَيْرُوتَ، مَوْعِدٌ عَابِرٌ، لَا يَخْتَلِفُ عَنْ عَشَرَاتِ الْمَوَاعِيدِ الَّتِي سَبَقَتْهُ. لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَعْرِفُ، تِلْكَ اللَّحْظَةَ، أَنَّهُ سَيَكُونُ آخِرَ مَوْعِدٍ فِي حَيَاتِهَا.

الْفَصْلُ السَّابِعُ

صَوْتُ نِزَارٍ

لَا أَذْكُرُ كَيْفَ عَلِمْتُ بِالْخَبَرِ بِالضَّبْطِ.
أَذْكُرُ فَقَطْ صَوْتَ الْهَاتِفِ يَرِنُّ مِرَارًا، وَصَوْتًا مُرْتَجِفًا مِنَ الطَّرَفِ الْآخَرِ يَقُولُ كَلِمَاتٍ لَمْ يَتَقَبَّلْهَا عَقْلِي دُفْعَةً وَاحِدَةً.
“انْفِجَارٌ.”
“السَّفَارَةُ الْعِرَاقِيَّةُ.”
“بَلْقِيسُ.”
ثَلَاثُ كَلِمَاتٍ فَقَطْ، لَكِنَّهَا كَانَتْ كَافِيَةً لِتَنْهَارَ الدُّنْيَا كُلُّهَا مِنْ حَوْلِي فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ.
لَا أَذْكُرُ كَيْفَ وَصَلْتُ إِلَى الْمُسْتَشْفَى.
أَذْكُرُ فَقَطْ أَنَّنِي وَقَفْتُ فِي مَمَرٍّ طَوِيلٍ، أَبْيَضَ، بَارِدًا، أَنْتَظِرُ خَبَرًا كُنْتُ أَعْرِفُ فِي أَعْمَاقِي أَنَّهُ لَنْ يَكُونَ جَيِّدًا.
وَحِينَ جَاءَ الْخَبَرُ، لَمْ أَبْكِ.
لَمْ أَصْرُخْ.
جَلَسْتُ فَقَطْ عَلَى مَقْعَدٍ خَشَبِيٍّ صَغِيرٍ، وَشَعَرْتُ أَنَّ شَيْئًا دَاخِلِي قَدْ تَوَقَّفَ عَنِ الْعَمَلِ إِلَى الْأَبَدِ.
كُنْتُ قَدْ فَقَدْتُ أُخْتِي وِصَالَ صَغِيرًا، فَتَعَلَّمْتُ مِنْهَا أَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ تُقْتَلُ دُونَ أَنْ يَمَسَّهَا أَحَدٌ.
وَالْآنَ، فَقَدْتُ بَلْقِيسَ كَبِيرًا، فَتَعَلَّمْتُ أَنَّ الْقَدَرَ لَا يَسْأَلُ الشُّعَرَاءَ إِنْ كَانُوا قَدْ دَفَعُوا حِصَّتَهُمْ مِنَ الْأَلَمِ مُسْبَقًا.
فِي الْأَيَّامِ الَّتِي تَلَتْ، حَاوَلْتُ أَنْ أَكْتُبَ.
كُنْتُ أَجْلِسُ أَمَامَ الْوَرَقَةِ سَاعَاتٍ طَوِيلَةً، وَالْقَلَمُ فِي يَدِي لَا يَتَحَرَّكُ، لِأَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ كَانَتْ تَبْدُو لِي صَغِيرَةً أَمَامَ حَجْمِ مَا فَقَدْتُهُ.
كُنْتُ قَدْ بَدَأْتُ، قَبْلَ الْحَادِثَةِ، دِيوَانًا كَامِلًا كُنْتُ أُعِدُّهُ عَنِ الْحُبِّ وَالْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ بَيْنِي وَبَيْنَ بَلْقِيسَ.
مِئَاتُ الصَّفَحَاتِ مِنَ الْمُسَوَّدَاتِ، جَمَعْتُ فِيهَا كُلَّ لَحْظَةٍ صَغِيرَةٍ عِشْنَاهَا مَعًا.
وَفِي لَيْلَةٍ لَمْ أَنَمْ فِيهَا، أَخَذْتُ تِلْكَ الْمُسَوَّدَاتِ كُلَّهَا، وَمَزَّقْتُهَا وَرَقَةً وَرَقَةً.
لَمْ أَكُنْ أَحْتَمِلُ أَنْ أَقْرَأَ عَنْ سَعَادَةٍ انْتَهَتْ، وَلَمْ أَكُنْ أُرِيدُ أَنْ يَقْرَأَهَا أَحَدٌ غَيْرِي بَعْدَ أَنْ صَارَتْ ذِكْرَى لَا حَاضِرًا.
وَبَدَلًا مِنْ ذَلِكَ الدِّيوَانِ الْكَامِلِ، كَتَبْتُ صَفْحَةً وَاحِدَةً فَقَطْ.
صَفْحَةٌ وَاحِدَةٌ، أَقُولُ فِيهَا لِبَلْقِيسَ إِنَّهَا لَنْ تَمُوتَ، لِأَنَّ الشِّعْرَ لَا يَمُوتُ، وَلِأَنَّ اسْمَهَا سَيَبْقَى مَنْقُوشًا فِي كُلِّ سَطْرٍ أَكْتُبُهُ حَتَّى آخِرِ يَوْمٍ فِي حَيَاتِي.
وَمُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ، قَرَّرْتُ أَلَّا أَعُودَ إِلَى بَيْرُوتَ مَرَّةً أُخْرَى.
لَيْسَ لِأَنِّي أَكْرَهُهَا، بَلْ لِأَنِّي كُنْتُ أَعْرِفُ أَنِّي إِنْ عُدْتُ إِلَيْهَا، فَسَأَبْحَثُ عَنْهَا فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ، وَلَنْ أَجِدَهَا، وَهَذَا أَكْثَرُ مِمَّا يَحْتَمِلُهُ قَلْبٌ وَاحِدٌ.

صَوْتُ سَلْمَى — بَيْرُوتُ

أَغْلَقَتْ سَلْمَى مِلَفَّ الْأَرْشِيفِ بِهُدُوءٍ، وَخَرَجَتْ مِنَ الْمَكْتَبِ إِلَى شَارِعِ الْحَمْرَاءِ، تَحْتَاجُ أَنْ تَتَنَفَّسَ هَوَاءً غَيْرَ هَوَاءِ الْوَرَقِ الْقَدِيمِ.
فِي طَرِيقِهَا، تَذَكَّرَتْ أَنَّهَا قَرَأَتْ فِي أَحَدِ كُتُبِ السِّيرَةِ أَنَّ نِزَارًا كَانَ يُعِدُّ دِيوَانًا كَامِلًا عَنْ حَيَاتِهِ مَعَ بَلْقِيسَ، مَزَّقَهُ بَعْدَ رَحِيلِهَا، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ سِوَى صَفْحَةٍ وَاحِدَةٍ نُشِرَتْ لَاحِقًا.
لَمْ تَكُنِ الْحَقِيقَةُ نَفْسُهَا هِيَ مَا أَثَارَ فُضُولَهَا، بَلْ سُؤَالٌ ظَلَّ يُلِحُّ عَلَيْهَا طَوَالَ الطَّرِيقِ:
هَلْ تَمَزَّقَتِ الْمُسَوَّدَاتُ حَقًّا كُلُّهَا؟
أَمْ أَنَّ بَعْضَ الْوَرَقِ الْمُمَزَّقِ لَا يَزَالُ، فِي مَكَانٍ مَا، يَنْتَظِرُ مَنْ يُعِيدُ تَجْمِيعَهُ؟
فَكَّرَتْ فِي النَّاشِرِ الْعَجُوزِ الَّذِي الْتَقَتْهُ، وَفِي احْتِمَالِ أَنَّهُ يَعْرِفُ أَكْثَرَ مِمَّا قَالَ لَهَا فِي لِقَائِهِمَا الْأَوَّلِ.
قَرَّرَتْ أَنْ تَعُودَ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ التَّالِي بِسُؤَالٍ وَاحِدٍ فَقَطْ:
هَلِ احْتَفَظَ أَحَدٌ يَوْمًا بِبَقَايَا تِلْكَ الْمُسَوَّدَاتِ الْمُمَزَّقَةِ؟
حِينَ عَادَتْ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ التَّالِي، وَطَرَحَتْ عَلَيْهِ سُؤَالَهَا، لَمْ يُجِبْهَا الرَّجُلُ الْعَجُوزُ بِكَلِمَةٍ. وَقَفَ صَامِتًا، ثُمَّ اتَّجَهَ نَحْوَ خِزَانَةٍ قَدِيمَةٍ فِي زَاوِيَةِ الْمَكْتَبِ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا صُنْدُوقًا خَشَبِيًّا صَغِيرًا مُغَطًّى بِالْغُبَارِ.

الْفَصْلُ الثَّامِنُ

صَوْتُ سَلْمَى — بَيْرُوتُ

فَتَحَ النَّاشِرُ الْعَجُوزُ الصُّنْدُوقَ بِحَذَرِ مَنْ يَفْتَحُ قَبْرًا.
بِدَاخِلِهِ لَمْ تَكُنْ مُسَوَّدَاتِ نِزَارٍ الْمُمَزَّقَةَ كَمَا تَخَيَّلَتْ سَلْمَى، بَلْ كَانَتْ رَسَائِلَ:
عَشَرَاتُ الرَّسَائِلِ الَّتِي تَبَادَلَهَا نِزَارٌ مَعَ نَاشِرِينَ وَأَصْدِقَاءَ وَمُعْجِبِينَ عَبْرَ سِنِي مَنْفَاهُ.
قَالَ الرَّجُلُ:
“هَذَا كُلُّ مَا احْتَفَظْتُ بِهِ. لَمْ تَكُنِ الْمُسَوَّدَاتُ الْمُمَزَّقَةُ يَوْمًا هُنَا، فَقَدْ أَحْرَقَهَا نِزَارٌ بِنَفْسِهِ فِي مَوْقِدِ بَيْتِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَشَاهَدَهُ صَدِيقٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَنَا وَهُوَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. لَكِنَّ هَذِهِ الرَّسَائِلَ قَدْ تُخْبِرُكِ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ فِي أَيِّ كِتَابٍ.”
شَعَرَتْ سَلْمَى بِخَيْبَةٍ سَرِيعَةٍ سُرْعَانَ مَا تَبَدَّدَتْ حِينَ بَدَأَتْ تَقْرَأُ.
فِي إِحْدَى الرَّسَائِلِ، الْمُؤَرَّخَةِ بَعْدَ رَحِيلِ بَلْقِيسَ بِسَنَتَيْنِ، كَتَبَ نِزَارٌ إِلَى صَدِيقِهِ النَّاشِرِ يَشْرَحُ لَهُ لِمَاذَا رَفَضَ عَرْضًا رَسْمِيًّا سَخِيًّا لِلْعَوْدَةِ وَتَولِّي مَنْصِبٍ ثَقَافِيٍّ رَفِيعٍ فِي بِلَادٍ عَرَبِيَّةٍ كَبِيرَةٍ.

صَوْتُ نِزَارٍ

غَادَرْتُ بَيْرُوتَ إِلَى جِنِيفَ، ثُمَّ إِلَى لَنْدَنَ، لَا هَارِبًا كَمَا ظَنَّ بَعْضُهُمْ، بَلْ بَاحِثًا عَنْ سَلَامٍ لَمْ أَعُدْ أَجِدُهُ فِي أَيِّ عَاصِمَةٍ عَرَبِيَّةٍ.
فِي تِلْكَ السَّنَوَاتِ، تَلَقَّيْتُ أَكْثَرَ مِنْ عَرْضٍ رَسْمِيٍّ لِلْعَوْدَةِ:
مَنَاصِبُ ثَقَافِيَّةٌ رَفِيعَةٌ، أَوْسِمَةٌ، دَعَوَاتٌ لِرِئَاسَةِ مُؤَسَّسَاتٍ كُبْرَى تَحْمِلُ اسْمِي.
رَفَضْتُهَا وَاحِدًا تِلْوَ الْآخَرِ، لَيْسَ كِبْرًا، بَلْ لِأَنِّي كُنْتُ أَعْرِفُ حَقِيقَةً بَسِيطَةً:
أَنَّ الْأَنْظِمَةَ الَّتِي أَحَبَّتْ شِعْرِي فِي الْمَجَالِسِ الْخَاصَّةِ هِيَ نَفْسُهَا الَّتِي مَنَعَتْ كُتُبِي فِي الشَّوَارِعِ حِينَ أَزْعَجَهَا مَوْقِفٌ سِيَاسِيٌّ.
لَمْ أَكُنْ أُرِيدُ أَنْ أُصْبِحَ شَاعِرَ بَلَاطٍ يُزَيِّنُ الْمُنَاسَبَاتِ الرَّسْمِيَّةَ، بَعْدَ أَنْ قَضَيْتُ عُمْرِي أَكْتُبُ لِلنَّاسِ الْعَادِيِّينَ لَا لِلْقُصُورِ.
فِي لَنْدَنَ، وَجَدْتُ نَوْعًا مِنَ السَّلَامِ الْغَرِيبِ:
مَدِينَةٌ لَا تَعْرِفُنِي فِي الشَّارِعِ، فَأَسْتَطِيعُ أَنْ أَمْشِيَ فِيهَا كَإِنْسَانٍ عَادِيٍّ، لَا كَأُسْطُورَةٍ يَتَرَقَّبُهَا الْجَمِيعُ.
كَتَبْتُ فِي تِلْكَ السَّنَوَاتِ أَقَلَّ بِكَثِيرٍ مِمَّا كَتَبْتُ فِي بَيْرُوتَ، لَكِنَّ مَا كَتَبْتُهُ كَانَ أَكْثَرَ صِدْقًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ يُكْتَبُ لِيُرْضِيَ أَحَدًا.
فِي نِهَايَةِ تِلْكَ الرِّسَالَةِ، وَجَدَتْ سَلْمَى جُمْلَةً وَاحِدَةً كَتَبَهَا نِزَارٌ بِخَطِّ يَدِهِ، لَمْ تُنْشَرْ فِي أَيِّ سِيرَةٍ رَسْمِيَّةٍ مِنْ قَبْلُ:
“الْمَنْفَى الِاخْتِيَارِيُّ أَرْحَمُ مِنَ الْوَطَنِ الَّذِي يُحِبُّكَ عَلَى شَرْطِ صَمْتِكَ.”

الْفَصْلُ التَّاسِعُ

صَوْتُ نِزَارٍ

كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْقَدَرَ قَدْ اسْتَوْفَى مِنِّي كُلَّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَأْخُذَهُ.
أَخَذَ مِنِّي وِصَالَ وَأَنَا صَبِيٌّ، وَأَخَذَ مِنِّي بَلْقِيسَ وَأَنَا فِي أَوْجِ عُمْرِي.
لَكِنَّ الْقَدَرَ، كَمَا تَعَلَّمْتُ لَاحِقًا، لَا يُحَاسِبُ نَفْسَهُ عَلَى مَا أَخَذَهُ سَابِقًا.
تَوْفِيقُ كَانَ ابْنِي الْأَصْغَرَ، شَابًّا فِي مُقْتَبَلِ عُمْرِهِ، يَحْمِلُ مِنْ مَلَامِحِي مَا يَكْفِي لِيُذَكِّرَنِي بِنَفْسِي فِي سِنِّهِ.
لَمْ يَكُنْ مَرِيضًا، وَلَمْ نَكُنْ نَتَوَقَّعُ شَيْئًا.
جَاءَنِي الْخَبَرُ فَجْأَةً: أَزْمَةٌ قَلْبِيَّةٌ، فِي لَحْظَةٍ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَحَدٌ يَتَوَقَّعُ أَنَّ قَلْبًا شَابًّا يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَقَّفَ هَكَذَا، دُونَ إِنْذَارٍ.
شَعَرْتُ يَوْمَهَا أَنَّ الْحَيَاةَ تَظْلِمُنِي بِتَكْرَارٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُصَادَفَةً.
أَوَّلًا أُخْتِي، ثُمَّ زَوْجَتِي، وَالْآنَ ابْنِي.
ثَلَاثَةُ فُقْدَانَاتٍ كُبْرَى، كُلُّهَا فَاجِئَتْنِي، كُلُّهَا سَرَقَتْ مِنِّي مَنْ أُحِبُّ دُونَ أَنْ تَمْنَحَنِي فُرْصَةَ التَّوْدِيعِ.
كَتَبْتُ فِي تَوْفِيقَ مَرْثِيَةً، كَمَا كَتَبْتُ فِي بَلْقِيسَ مِنْ قَبْلُ، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ كَانَتْ الطَّرِيقَةَ الْوَحِيدَةَ الَّتِي أَعْرِفُهَا لِأَحْتَمِلَ مَا لَا يُحْتَمَلُ.
لَكِنِّي، بَعْدَ تِلْكَ الْمَرْثِيَةِ، وَقَفْتُ أَمَامَ مَرْآتِي وَقُلْتُ لِنَفْسِي شَيْئًا لَمْ أَقُلْهُ لِأَحَدٍ مِنْ قَبْلُ.
قُلْتُ: لَنْ أَكْتُبَ مَرْثِيَةً أُخْرَى بَعْدَ الْيَوْمِ.
لَيْسَ لِأَنَّ الشِّعْرَ عَجَزَ عَنْ مُوَاسَاتِي، بَلْ لِأَنِّي شَعَرْتُ أَنَّ كُلَّ مَرْثِيَةٍ أَكْتُبُهَا هِيَ اعْتِرَافٌ جَدِيدٌ بِأَنَّ الْقَدَرَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْتَزِعَ مِنِّي مَنْ أُحِبُّ مَتَى شَاءَ، وَأَنَا لَا أَمْلِكُ سِوَى الْكَلِمَاتِ لِأُوَاجِهَهُ بِهَا.
قَرَّرْتُ، بَعْدَ تَوْفِيقَ، أَنْ أَكْتُبَ عَنِ الْحَيَاةِ لَا عَنِ الْمَوْتِ، وَإِنْ كَانَ الْحُزْنُ نَفْسُهُ لَمْ يُفَارِقْنِي يَوْمًا وَاحِدًا بَعْدَ ذَلِكَ.

صَوْتُ سَلْمَى — لَنْدَنُ

فِي لَنْدَنَ، عَادَتْ سَلْمَى إِلَى الْأَرْشِيفِ الصَّحَفِيِّ الْبَرِيطَانِيِّ، بَحْثًا عَنْ أَيِّ إِشَارَةٍ إِلَى رَدَّةِ فِعْلِ نِزَارٍ عَلَى وَفَاةِ ابْنِهِ تَوْفِيقَ.
وَجَدَتْ مُقَابَلَةً صَحَفِيَّةً نَادِرَةً أُجْرِيَتْ مَعَهُ بَعْدَ الْحَادِثَةِ بِأَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ، سُئِلَ فِيهَا عَنْ سَبَبِ تَوَقُّفِهِ عَنْ كِتَابَةِ الْمَرَاثِي.
أَجَابَ نِزَارٌ، بِحَسَبِ نَصِّ الْمُقَابَلَةِ، بِجُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ قَصِيرَةٍ لَمْ يُفَسِّرْهَا أَكْثَرَ:
“الْقَلَمُ الَّذِي يَرْثِي كَثِيرًا يَنْسَى كَيْفَ يَحْتَفِلُ.”
قَرَأَتْ سَلْمَى الْجُمْلَةَ مَرَّاتٍ عَدِيدَةً، وَشَعَرَتْ أَنَّهَا تَلْمَسُ فِيهَا شَيْئًا أَعْمَقَ مِنْ مُجَرَّدِ تَصْرِيحٍ صَحَفِيٍّ عَابِرٍ.
كَتَبَتْ فِي دَفْتَرِهَا:
“رَجُلٌ فَقَدَ ثَلَاثَةً مِمَّنْ أَحَبَّهُمْ أَكْثَرَ مِنْ نَفْسِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَنِ الْكِتَابَةِ عَنِ الْحُبِّ يَوْمًا وَاحِدًا. هَلْ كَانَ هَذَا شَجَاعَةً؟ أَمْ كَانَ الطَّرِيقَةَ الْوَحِيدَةَ الَّتِي عَرَفَهَا لِيَبْقَى عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ؟”
فِي نِهَايَةِ تِلْكَ الْمُقَابَلَةِ نَفْسِهَا، وَجَدَتْ سَلْمَى سُؤَالًا أَخِيرًا وَجَّهَهُ الصَّحَفِيُّ لِنِزَارٍ، لَمْ تَكُنِ الْإِجَابَةُ عَلَيْهِ قَدْ نُشِرَتْ فِي النُّسْخَةِ الْمُتَدَاوَلَةِ مِنَ الْمُقَابَلَةِ، بَلْ تُرِكَتْ فَرَاغًا فِي أَسْفَلِ الصَّفْحَةِ، وَبِجَانِبِهَا مُلَاحَظَةُ تَحْرِيرٍ صَغِيرَةٌ:
“حُذِفَ بِنَاءً عَلَى طَلَبِ الشَّاعِرِ.”

الْفَصْلُ الْعَاشِرُ

صَوْتُ سَلْمَى — لَنْدَنُ

اتَّصَلَتْ سَلْمَى بِالصَّحَفِيِّ نَفْسِهِ الَّذِي أَجْرَى تِلْكَ الْمُقَابَلَةَ الْقَدِيمَةَ، فَوَجَدَتْهُ عَجُوزًا مُتَقَاعِدًا يَعِيشُ الْآنَ فِي ضَوَاحِي لَنْدَنَ، وَمَا زَالَتْ ذَاكِرَتُهُ حَاضِرَةً بِوُضُوحٍ مُدْهِشٍ.
سَأَلَتْهُ عَنِ السُّؤَالِ الَّذِي حُذِفَ.
ابْتَسَمَ الرَّجُلُ ابْتِسَامَةً تَعْرِفُ سَلْمَى مَعْنَاهَا الْآنَ جَيِّدًا:
“سَأَلْتُهُ يَوْمَهَا رَأْيَهُ فِي اتِّهَامِ بَعْضِ النَّاقِدَاتِ لَهُ بِأَنَّهُ اخْتَزَلَ الْمَرْأَةَ فِي جَسَدِهَا. طَلَبَ مِنِّي حَذْفَ الْإِجَابَةِ لَاحِقًا، وَقَالَ لِي إِنَّهَا لَمْ تَكُنْ جَاهِزَةً لِلنَّشْرِ يَوْمَهَا. لَمْ يَقُلْ أَبَدًا إِنَّهَا كَانَتْ خَاطِئَةً.”
هَذِهِ الْجُمْلَةُ الْأَخِيرَةُ دَفَعَتْ سَلْمَى إِلَى أَنْ تَفْتَحَ مِلَفًّا لَمْ تَكُنْ تَجْرُؤُ عَلَى فَتْحِهِ بِجِدِّيَّةٍ مِنْ قَبْلُ:
مِلَفُّ الْجَدَلِ الْأَكْبَرِ حَوْلَ نِزَارٍ، ذَلِكَ الَّذِي لَمْ يَخُصَّ سِيرَتَهُ الشَّخْصِيَّةَ، بَلْ مَشْرُوعَهُ الشِّعْرِيَّ كُلَّهُ.

صَوْتُ نِزَارٍ

طُولَ حَيَاتِي، وُصِفْتُ بِأَنِّي “شَاعِرُ الْمَرْأَةِ”، وَكَانَ هَذَا اللَّقَبُ يُسْعِدُنِي وَيُؤْلِمُنِي فِي آنٍ.
يُسْعِدُنِي لِأَنِّي أَرَدْتُ فِعْلًا أَنْ أَكُونَ صَوْتًا لِمَنْ لَمْ يُمْنَحْنَ صَوْتًا، وَيُؤْلِمُنِي لِأَنَّ بَعْضَهُنَّ رَأَيْنَ فِي شِعْرِي عَكْسَ مَا أَرَدْتُ تَمَامًا.
قَالَتْ عَنِّي نَاقِدَاتٌ كَثِيرَاتٌ إِنِّي أَخْتَزِلُ الْمَرْأَةَ فِي جَسَدِهَا، وَإِنِّي أَكْتُبُ عَنِ الْمَرْأَةِ كَمَا يَرَاهَا الرَّجُلُ، لَا كَمَا تَرَى هِيَ نَفْسَهَا.
لَمْ أَرْفُضْ هَذَا النَّقْدَ يَوْمًا بِغَضَبٍ، لِأَنِّي كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّ فِيهِ حَقًّا لَا يُمْكِنُ إِنْكَارُهُ:
أَنَا رَجُلٌ يَكْتُبُ عَنِ امْرَأَةٍ يُحِبُّهَا أَوْ يَتَخَيَّلُهَا، وَمَهْمَا حَاوَلْتُ، فَإِنَّ عَيْنِي تَبْقَى عَيْنَ رَجُلٍ.
لَكِنِّي كُنْتُ أَقُولُ لِمَنِ اتَّهَمُونِي:
انْظُرُوا إِلَى زَمَنِي قَبْلَ أَنْ تَحْكُمُوا عَلَيَّ بِمَعَايِيرِ زَمَنِكُمْ.
فِي مُجْتَمَعٍ كَانَ يَعْتَبِرُ ذِكْرَ اسْمِ امْرَأَةٍ فِي قَصِيدَةٍ فَضِيحَةً، جَاءَ شِعْرِي لِيَقُولَ إِنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتَحِقُّ أَنْ تُحَبَّ عَلَنًا، وَأَنْ يُكْتَبَ عَنْ جَسَدِهَا كَمَا يُكْتَبُ عَنْ رُوحِهَا، دُونَ خَجَلٍ وَلَا إِثْمٍ.
هَلْ كَانَ هَذَا تَحْرِيرًا كَامِلًا لِلْمَرْأَةِ؟ رُبَّمَا لَا.
لَكِنَّهُ كَانَ خُطْوَةً فِي طَرِيقٍ طَوِيلٍ، وَالطَّرِيقُ الطَّوِيلُ يَحْتَاجُ إِلَى خُطُوَاتٍ كَثِيرَةٍ، لَا خُطْوَةٍ وَاحِدَةٍ كَامِلَةٍ.

صَوْتُ سَلْمَى

وَجَدَتْ سَلْمَى فِي أَرْشِيفِ إِحْدَى الْمَجَلَّاتِ الثَّقَافِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ مُدَاخَلَةً لِشَاعِرَةٍ عَرَبِيَّةٍ رَائِدَةٍ، عُرِفَتْ بِمَوَاقِفِهَا النِّسْوِيَّةِ الْجَرِيئَةِ، اخْتَلَفَتْ عَلَنًا مَعَ نِزَارٍ فِي أَكْثَرَ مِنْ مُنَاسَبَةٍ.
قَالَتِ الشَّاعِرَةُ، بِحَسَبِ مَا هُوَ مُوَثَّقٌ فِي ذَلِكَ الْعَدَدِ:
إِنَّ شِعْرَ نِزَارٍ حَرَّرَ لِسَانَ الْمَرْأَةِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُحَرِّرْ عَقْلَهَا، لِأَنَّهُ ظَلَّ يَنْظُرُ إِلَيْهَا كَمَوْضُوعٍ لِلْحُبِّ، لَا كَذَاتٍ كَامِلَةٍ لَهَا وُجُودٌ مُسْتَقِلٌّ عَنْهُ.
أَغْلَقَتْ سَلْمَى الْمَجَلَّةَ، وَجَلَسَتْ صَامِتَةً طَوِيلًا.
لَمْ تَكُنْ تَبْحَثُ عَنْ إِجَابَةٍ جَاهِزَةٍ تُبَرِّئُ نِزَارًا أَوْ تُدِينُهُ، بَلْ كَانَتْ تُدْرِكُ أَنَّهَا، كَامْرَأَةٍ عَرَبِيَّةٍ نَشَأَتْ عَلَى شِعْرِهِ، تَحْمِلُ فِي دَاخِلِهَا السُّؤَالَ نَفْسَهُ الَّذِي لَمْ تُجِبْ عَنْهُ تِلْكَ الشَّاعِرَةُ إِجَابَةً قَاطِعَةً.
هَلْ كَانَ نِزَارٌ مُحَرِّرًا لِلْمَرْأَةِ أَمْ كَانَ فَقَطْ أَكْثَرَ الرِّجَالِ بَرَاعَةً فِي الْكِتَابَةِ عَنْ رَغْبَتِهِ فِيهَا؟
سُؤَالٌ تَرَكَتْهُ سَلْمَى مَفْتُوحًا فِي دَفْتَرِهَا، دُونَ عَلَامَةِ اسْتِفْهَامٍ وَاحِدَةٍ تَكْفِي لِإِغْلَاقِهِ.

الْفَصْلُ الْحَادِي عَشَرَ

صَوْتُ سَلْمَى — دِمَشْقُ

بَعْدَ أَسَابِيعَ مِنِ الِانْتِظَارِ، جَاءَ الرَّدُّ أَخِيرًا:
مِلَفُّ الْقَاهِرَةِ، ١٩٤٤، أُتِيحَ لِلِاطِّلَاعِ.
سَافَرَتْ سَلْمَى مِنْ لَنْدَنَ إِلَى دِمَشْقَ خِصِّيصًا لِتَفْتَحَهُ بِنَفْسِهَا.
وَحِينَ فَتَحَتْهُ، لَمْ تَجِدْ فَضِيحَةً وَلَا سِرًّا مُظْلِمًا كَمَا تَخَيَّلَتْ طَوَالَ أَشْهُرِ بَحْثِهَا، بَلْ وَجَدَتْ شَيْئًا أَكْثَرَ إِثَارَةً لِلِاهْتِمَامِ بِالنِّسْبَةِ لَهَا:
مُرَاسَلَاتٍ أَدَبِيَّةً بَيْنَ نِزَارٍ الشَّابِّ وَبَيْنَ أَسَاتِذَةِ اللُّغَةِ الَّذِينَ هَاجَمُوا لُغَتَهُ الشِّعْرِيَّةَ الْبَسِيطَةَ فِي دِيوَانِهِ الْأَوَّلِ.
كَانَ بَعْضُهُمْ يَتَّهِمُهُ بِأَنَّهُ “يُفْسِدُ ذَوْقَ الْأُمَّةِ” بِلُغَةٍ سَهْلَةٍ لَا تَلِيقُ بِمَقَامِ الشِّعْرِ الْعَرَبِيِّ الرَّفِيعِ.
وَكَانَ نِزَارٌ الشَّابُّ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ بِثِقَةٍ تُدْهِشُ سَلْمَى وَهِيَ تَقْرَأُ رَسَائِلَهُ:
ثِقَةُ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ عَلَى صَوَابٍ، حَتَّى قَبْلَ أَنْ يُثْبِتَ لَهُ الزَّمَنُ ذَلِكَ.

صَوْتُ نِزَارٍ

كَانَتِ الْفُصْحَى الَّتِي وَرِثْتُهَا فِي الْمَدَارِسِ فُصْحَى مُتَعَالِيَةً، تَقِفُ عَلَى مِنَصَّةٍ عَالِيَةٍ وَتُخَاطِبُ النَّاسَ مِنْ فَوْقُ.
لُغَةٌ مُثْقَلَةٌ بِالزُّخْرُفِ اللَّفْظِيِّ، حَتَّى صَارَ الشِّعْرُ حِكْرًا عَلَى مَنْ يَمْلِكُ مُعْجَمًا كَامِلًا فِي رَأْسِهِ.
قَرَّرْتُ أَنْ أَفْعَلَ شَيْئًا يَبْدُو بَسِيطًا، لَكِنَّهُ كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ ثَوْرَةً:
أَنْ أَكْتُبَ فُصْحَى تَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ، فُصْحَى تُشْبِهُ حَدِيثَ الْأُمِّ لِابْنِهَا، لَا خُطْبَةَ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِنْبَرِ.
هَاجَمَنِي التَّقْلِيدِيُّونَ بِشِدَّةٍ، وَقَالُوا إِنِّي أُسِيءُ إِلَى لُغَةِ الضَّادِ بِتَبْسِيطِهَا.
لَكِنِّي كُنْتُ أَرَى الْأَمْرَ عَلَى نَقِيضِ ذَلِكَ تَمَامًا:
أَنَا لَمْ أُبَسِّطِ اللُّغَةَ، بَلْ حَرَّرْتُهَا مِنْ تَعَالِيهَا، وَأَعَدْتُهَا إِلَى أَصْحَابِهَا الْحَقِيقِيِّينَ:
النَّاسِ الْعَادِيِّينَ الَّذِينَ يُحِبُّونَ وَيَتَأَلَّمُونَ وَيَفْرَحُونَ بِنَفْسِ اللُّغَةِ الَّتِي يَعِيشُونَ بِهَا يَوْمَهُمْ.
فِي أَحَدِ الْمُؤْتَمَرَاتِ الْأَدَبِيَّةِ الْكُبْرَى، وَقَفَ نَاقِدٌ مَعْرُوفٌ بِتَشَدُّدِهِ وَقَالَ لِي أَمَامَ الْجَمِيعِ:
“إِنَّ شِعْرَكَ سَهْلٌ إِلَى دَرَجَةٍ تَجْعَلُهُ يَفْتَقِرُ إِلَى الْعُمْقِ الْفَنِّيِّ.”
نَظَرْتُ إِلَيْهِ وَابْتَسَمْتُ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ:
“السُّهُولَةُ الَّتِي تَرَاهَا عَيْبًا، اسْتَغْرَقَتْ مِنِّي عُمْرًا كَامِلًا لِأَصِلَ إِلَيْهَا. أَمَّا التَّعْقِيدُ الَّذِي تُحِبُّهُ، فَيَسْتَطِيعُهُ كُلُّ مَنْ يَحْفَظُ مُعْجَمًا.”
سَادَ الْقَاعَةَ صَمْتٌ طَوِيلٌ، ثُمَّ انْفَجَرَتْ بِتَصْفِيقٍ لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُهُ.
مِنْ تِلْكَ اللَّحْظَةِ، عَرَفْتُ أَنَّ الْمَعْرَكَةَ الَّتِي خُضْتُهَا مُنْذُ شَبَابِي فِي الْقَاهِرَةِ لَمْ تَكُنْ عَبَثًا.
فِي آخِرِ رِسَالَةٍ ضِمْنَ مِلَفِّ الْقَاهِرَةِ، وَجَدَتْ سَلْمَى سَطْرًا وَاحِدًا كَتَبَهُ نِزَارٌ الشَّابُّ إِلَى أَحَدِ أَسَاتِذَتِهِ الْغَاضِبِينَ، بِتَارِيخِ صَيْفِ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَتِسْعِمِئَةٍ وَأَلْفٍ:
“سَتَأْتِي أَيَّامٌ يَقْرَأُ فِيهَا مَلَايِينُ الْعَرَبِ شِعْرِي عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، بَيْنَمَا لَنْ يَتَذَكَّرَ أَحَدٌ اسْمَكَ.”
لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْجُمْلَةُ تَبَاهِيًا فَارِغًا، بَلْ كَانَتْ نُبُوءَةً تَحَقَّقَتْ حَرْفِيًّا.

الْفَصْلُ الثَّانِي عَشَرَ

صَوْتُ سَلْمَى — لَنْدَنُ

بَعْدَ أَشْهُرٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الْبَحْثِ، عَادَتْ سَلْمَى إِلَى لَنْدَنَ، إِلَى الْبِنَايَةِ الْحَجَرِيَّةِ نَفْسِهَا فِي حَيِّ تِشِلْسِي، حَيْثُ وَقَفَتْ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ وَالْمِفْتَاحُ لَا يَفْتَحُ شَيْئًا.
هَذِهِ الْمَرَّةَ، لَمْ تَكُنْ وَحْدَهَا.
كَانَ بِرِفْقَتِهَا رَجُلٌ سِتِّينِيٌّ هَادِئُ الْمَلَامِحِ، عَرَّفَ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ كَانَ سِكْرِتِيرَ نِزَارٍ الشَّخْصِيَّ فِي سَنَوَاتِهِ اللَّنْدَنِيَّةِ الْأَخِيرَةِ.
هُوَ مَنْ أَرْسَلَ الْمِفْتَاحَ.
قَالَ لَهَا وَهُمَا يَصْعَدَانِ الدَّرَجَ:
“لَمْ يَكُنِ الْمِفْتَاحُ يَفْتَحُ بَابَ شَقَّتِهِ الَّتِي كَانَ يَسْتَقْبِلُ فِيهَا الزُّوَّارَ.
كَانَ يَفْتَحُ غُرْفَةً أُخْرَى، فِي الطَّابِقِ الْعُلْوِيِّ، لَمْ يَدْخُلْهَا أَحَدٌ سِوَايَ طَوَالَ سِنِينَ.”
سَأَلَتْهُ سَلْمَى:
“وَلِمَاذَا أَنَا؟”
أَجَابَ بِهُدُوءٍ:
“لِأَنَّهُ قَالَ لِي، قَبْلَ رَحِيلِهِ بِأَسَابِيعَ، إِنَّهُ لَا يُرِيدُ سِيرَةً تُمَجِّدُهُ، وَلَا سِيرَةً تُدِينُهُ، بَلْ سِيرَةً تَرَاهُ كَمَا هُوَ:
رَجُلًا أَحَبَّ وَخَسِرَ وَكَتَبَ.
وَحِينَ قَرَأْتُ مَقَالَاتِكِ فِي الْمَجَلَّةِ، عَرَفْتُ أَنَّكِ لَنْ تَكْتُبِي عَنْهُ أُسْطُورَةً، بَلْ إِنْسَانًا.”
فَتَحَ الرَّجُلُ بَابَ الْغُرْفَةِ الْعُلْوِيَّةِ بِمِفْتَاحٍ آخَرَ كَانَ يَحْمِلُهُ.
لَمْ تَكُنِ الْغُرْفَةُ تَحْتَوِي عَلَى أَسْرَارٍ فَاضِحَةٍ كَمَا تَخَيَّلَتْ سَلْمَى يَوْمًا فِي بِدَايَةِ رِحْلَتِهَا.
كَانَتْ تَحْتَوِي عَلَى شَيْءٍ أَعْمَقَ:
أَرْشِيفُ نِزَارٍ الْحَقِيقِيُّ.
صُوَرٌ عَائِلِيَّةٌ بَسِيطَةٌ لَمْ تُنْشَرْ يَوْمًا، رَسَائِلُ مِنْ وِصَالَ قَبْلَ رَحِيلِهَا، دَفَاتِرُ صَغِيرَةٌ مَلِيئَةٌ بِمُلَاحَظَاتٍ يَوْمِيَّةٍ لَا عَلَاقَةَ لَهَا بِالشِّعْرِ: فَوَاتِيرُ، مَوَاعِيدُ أَطِبَّاءَ، قَائِمَةُ أَسْمَاءِ أَحْفَادِ أَصْدِقَائِهِ الَّذِينَ كَانَ يُرْسِلُ لَهُمْ هَدَايَا فِي أَعْيَادِ مِيلَادِهِمْ.
وَقَفَتْ سَلْمَى فِي وَسَطِ الْغُرْفَةِ، تَشْعُرُ بِأَنَّهَا تَقِفُ أَخِيرًا أَمَامَ الرَّجُلِ الْحَقِيقِيِّ، لَا الْأُسْطُورَةِ الَّتِي كَبِرَتْ عَلَى قَصَائِدِهَا.
عَلَى الْمَكْتَبِ الصَّغِيرِ، وَجَدَتْ وَرَقَةً وَحِيدَةً، مَوْضُوعَةً وَحْدَهَا، كَأَنَّ أَحَدًا قَدْ تَرَكَهَا هُنَاكَ عَنْ عَمْدٍ.
قَصِيدَةٌ غَيْرُ مُكْتَمِلَةٍ.
بِخَطِّ يَدٍ مُرْتَجِفٍ، أَضْعَفَ بِكَثِيرٍ مِنَ الْخَطِّ الَّذِي رَأَتْهُ فِي رَسَائِلِهِ السَّابِقَةِ.
نَظَرَتْ إِلَى تَارِيخِ الْوَرَقَةِ فِي الزَّاوِيَةِ الْعُلْيَا.
كَانَ التَّارِيخُ يَعُودُ إِلَى أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ قَبْلَ وَفَاتِهِ.
الْقَصِيدَةُ لَمْ تَكْتَمِلْ،
وَتَوَقَّفَتْ فِي مُنْتَصَفِ سَطْرٍ،
كَأَنَّ الْقَلَمَ نَفْسَهُ قَدْ تَوَقَّفَ عَنِ الْحَيَاةِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ.