لوحة خارج الإطار
الجزء الثالث
مقدمة:
لِأَنَّ هُنَاكَ تَوَتُّرًا مِنْ نَوْعٍ لَا يُقَالُ، بَلْ يُعَاشُ.
ثَمَّةُ نِسَاءٍ فِي دِمَشْقَ وَسِوَاهَا…. لَا يَمْرُرْنَ فِي حَيَاتِهِنَّ عَبْرَ تَحَوُّلٍ وَاحِدٍ وَاضِحٍ يُمْكِنُ تَسْمِيَتُهُ، بَلْ عَبْرَ اهْتِزَازٍ دَاخِلِيٍّ طَوِيلٍ، كَأَنَّ شَيْئًا قَدِ انْزَلَقَ قَلِيلًا عَنْ مَكَانِهِ وَلَمْ يَسْقُطْ بَعْدُ. لَا انْهِيَارٌ يُعْلَنُ، وَلَا قَرَارٌ يُتَّخَذُ، بَلْ مِنْطَقَةٌ رَمَادِيَّةٌ تَمْتَدُّ بَيْنَ مَا هُوَ قَائِمٌ وَمَا بَدَأَ يَتَشَكَّلُ فِي الْخَفَاءِ.
فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ التَّوَتُّرِ، لَا يَعُودُ الْكَلَامُ أَدَاةً مُنَاسِبَةً. لَيْسَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ، بَلْ لِأَنَّهُ لَا يَكْفِي. كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْجُمْلَةِ أَنْ تَحْمِلَ شَيْئًا لَمْ يَتَّخِذْ شَكْلَهُ النِّهَائِيَّ بَعْدُ؟ كَيْفَ تُقَالُ الْفِكْرَةُ وَهِيَ لَا تَزَالُ تَتَغَيَّرُ فِي الدَّاخِلِ مَعَ كُلِّ نَبْضَةٍ وَارْتِبَاكٍ وَمَسَاءٍ طَوِيلٍ؟
لِذَلِكَ يُخْتَارُ الصَّمْتُ.
لَكِنَّهُ لَيْسَ صَمْتَ الْعَجْزِ، وَلَا صَمْتَ الْإِخْفَاءِ، وَلَا حَتَّى صَمْتَ الْخَوْفِ كَمَا يُظَنُّ مِنَ الْخَارِجِ. هُوَ أَقْرَبُ إِلَى طَرِيقَةٍ مُؤَقَّتَةٍ لِلنَّجَاةِ مِنَ التَّمَزُّقِ بَيْنَ عَالَمَيْنِ: عَالَمٍ يَعْرِفُهُ الْجَمِيعُ، بِأَدْوَارِهِ الْمُحَدَّدَةِ وَأَسْمَائِهِ الْمُطْمَئِنَّةِ، وَعَالَمٍ آخَرَ يَتَكَوَّنُ بِصُعُوبَةٍ فِي الدَّاخِلِ، بِلَا اسْمٍ وَاضِحٍ بَعْدُ، لَكِنَّهُ يَزْدَادُ حُضُورًا كُلَّ يَوْمٍ.
وَمَا لَا يُقَالُ لِلصَّدِيقَةِ أَوِ الْأُخْتِ لَيْسَ سِرًّا بِالْمَعْنَى التَّقْلِيدِيِّ، بَلْ هُوَ شَيْءٌ لَمْ يَكْتَمِلْ حَتَّى لِيُصْبِحَ قَابِلًا لِلْمُشَارَكَةِ. فَالْمُشَارَكَةُ تَفْتَرِضُ شَكْلًا، بَيْنَمَا مَا يَحْدُثُ هُنَاكَ مَا زَالَ فِي طَوْرِ التَّشَكُّلِ—فِكْرَةٌ غَيْرُ ثَابِتَةٍ، إِحْسَاسٌ يَتَقَدَّمُ خُطْوَةً وَيَتَرَاجَعُ أُخْرَى، وَإِدْرَاكٌ لَا يَجْرُؤُ عَلَى أَنْ يُعْلِنَ نَفْسَهُ كَحَقِيقَةٍ نِهَائِيَّةٍ.
فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، يُصْبِحُ الصَّمْتُ لَيْسَ جِدَارًا بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالْآخَرِينَ، بَلْ مَسَاحَةَ عَمَلٍ دَاخِلِيَّةً. مَسَاحَةً تُتْرَكُ فِيهَا الْأَسْئِلَةُ دُونَ إِسْكَاتِهَا، وَتُرَاقَبُ فِيهَا التَّحَوُّلَاتُ دُونَ تَسْمِيَتِهَا سَرِيعًا. لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ الْمُبَكِّرَةَ قَدْ تُجَمِّدُ مَا لَا يَزَالُ حَيًّا، وَقَدْ تُغْلِقُ بَابًا لَمْ يُحْسَمْ إِنْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُغْلَقَ أَصْلًا.
وَلِهَذَا، حِينَ تَصْمُتُ هَذِهِ النِّسَاءُ، لَا يَكُنَّ بَعِيدَاتٍ عَنِ الْحَيَاةِ، بَلْ فِي عُمْقِهَا غَيْرِ الْمَرْئِيِّ. فِي الْمِنْطَقَةِ الَّتِي لَا تَصِلُهَا الْأَحَادِيثُ، حَيْثُ تَتَقَدَّمُ الْأَشْيَاءُ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، وَحَيْثُ يُقَاسُ كُلُّ يَوْمٍ لَا بِمَا قِيلَ فِيهِ، بَلْ بِمَا لَمْ يُقَلْ بَعْدُ وَمَا زَالَ يَتَحَرَّكُ تَحْتَ السَّطْحِ.
________________________________________
الرِّجالُ أَيْضًا لا يَمُرُّونَ عابِرِينَ مِنْ تِلْكَ المِنْطَقَةِ الخَفِيَّةِ بَيْنَ عالَمَيْنِ، ذٰلِكَ التَّوَتُّرُ الَّذِي لا يَجِدُ طَريقَهُ إِلَى الجُمْلَةِ. لٰكِنَّ ما يَخْتَلِفُ لَيْسَ التَّجْرِبَةَ، بَلْ شَكْلُ ظُهُورِها، وَطَريقَةُ اضْطِرارِها إِلَى التَّنَكُّرِ.
في كَثيرٍ مِنَ السِّياقاتِ الاجْتِماعِيَّةِ يُطْلَبُ مِنَ الرَّجُلِ—صَراحَةً أَوْ ضِمْنًا—أَنْ يَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى الحَسْمِ مِنَ التَّرَدُّدِ، إِلَى التَّسْمِيَةِ السَّريعَةِ بَدَلَ الإِقامَةِ الطَّويلَةِ في مَنْطِقَةِ السُّؤالِ. كَأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَ الفِكْرَةَ مِنْ عُنُقِها قَبْلَ أَنْ تَتَشَكَّلَ بِالكامِلِ، وَأَنْ يُعيدَ تَرْتِيبَ ما يَشْعُرُ بِهِ داخِلَ قَوالِبَ جاهِزَةٍ تُطْمئِنُ مَنْ حَوْلَهُ أَكْثَرَ مِمَّا تُنْصِتُ إِلَيْهِ.
وَهٰذا لا يَعْنِي أَنَّ الدَّاخِلَ أَكْثَرُ وُضوحًا مِمَّا يَبْدو، بَلْ عَلَى العَكْسِ تَمامًا: يَعْنِي أَنَّ ما يَحْدُثُ في الدَّاخِلِ يُدْفَعُ إِلَى الخَارِجِ بِصِيَغٍ أُخْرى. صِيَغٍ لا تُشْبِهُ التَّأَمُّلَ، بَلْ تُشْبِهُ الحَرَكَةَ. أَحْيانًا يَظْهَرُ في شَكْلِ صَمْتٍ مَشْغولٍ لا يَتْرُكُ مَساحَةً لِلْوُقوفِ، وَأَحْيانًا في انْدِفاعٍ نَحْوَ الفِعْلِ قَبْلَ أَنْ يَكْتَمِلَ فَهْمُ السُّؤالِ، وَأَحْيانًا في تَحْويلِ القَلَقِ إِلَى إِنْجازٍ صَغيرٍ يُغْلِقُ البابَ مُؤَقَّتًا عَلَى ما لا يُرادُ لَهُ أَنْ يُرى.
لٰكِنْ تَحْتَ كُلِّ ذٰلِكَ، يَبْقى الشَّيْءُ نَفْسُهُ تَقْريبًا: ذٰلِكَ التَّوَتُّرُ الَّذِي لا يَعْرِفُ اسْمَهُ بَعْدُ، وَالَّذِي يَعِيشُ بَيْنَ ما هُوَ مَعْروفٌ عَنِ الذَّاتِ وَما يَتَشَكَّلُ بِصَمْتٍ أَعْمَقَ مِنَ اللُّغَةِ.
فَالْمَسْأَلَةُ لَيْسَتِ اخْتِلافًا بَيْنَ الرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ في امْتِلاكِ هٰذا التَّوَتُّرِ، بَلْ في الطَّريقَةِ الَّتي يَتَعَلَّمُ بِها كُلٌّ مِنْهُما حَمْلَهُ. في المَسافَةِ المَسْمُوحَةِ لِلِاعْتِرافِ بِهِ، وَفي شَكْلِ الصَّمْتِ الَّذي يُطْلَبُ مِنْهُ كَيْ يَظَلَّ مَقْبولًا، وَفي مِقْدارِ الضَّوْءِ الَّذِي يُسْمَحُ لَهُ أَنْ يَراهُ قَبْلَ أَنْ يُدْعَى إِلَى التَّصَرُّفِ كَأَنَّهُ قَدْ فَهِمَ كُلَّ شَيْءٍ.
وَفي النِّهايَةِ، يَبْقى هٰذا التَّوَتُّرُ—بِكُلِّ وُجوهِهِ—لَيْسَ عَلامَةَ جِنْسٍ، بَلْ عَلامَةَ عُبورٍ. عُبورٍ غَيْرِ مُكْتَمِلٍ بَيْنَ حَياةٍ تُعْرَفُ مِنَ الخَارِجِ، وَأُخْرى تَتَكَوَّنُ في الدَّاخِلِ بِبُطْءٍ لا يَرْحَمُ اللُّغَةَ العَجولَةَ.
________________________________________
الفَصْلُ الحادِي عَشَرَ
فِي اليَوْمِ التَّالِي، لَمْ يَأْتِ الرَّدُّ مُباشَرَةً.
لٰكِنَّ غِيابَهُ هذا لَمْ يَكُنْ فَراغًا عادِيًّا يَمْلَؤُهُ الهَواءُ وَيَمْحُوهُ النِّسيانُ، بَلْ كانَ أَشْبَهَ بِجُمْلَةٍ ناقِصَةٍ تَتْرُكُكَ مُعَلَّقًا بَيْنَ سَطْرَيْنِ، لا تَعْرِفُ أَيَّهُما تُكْمِلُ وَلا مِنْ أَيِّهِما تَهْرُبُ. كَأَنَّ الكَلِماتِ الَّتِي أَرْسَلَتَها بِالأَمْسِ لَمْ تَعُدْ مِلْكَها وَحْدَها، بَلْ أَصْبَحَتْ تَسْبَحُ فِي فَضاءٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ عَقْلَيْنِ وَقَلْبَيْنِ.
________________________________________
تَساءَلَتْ سَمَرُ—وَهِيَ تَسْكُبُ القَهْوَةَ الصَّباحِيَّةَ فِي فِنجانِها المُعْتادِ—لِماذا يَداها أَكْثَرُ اتِّزانًا مِنَ المُعْتادِ؟ لِماذا تُرَتِّبُ المَطْبَخَ بِهٰذِهِ الدِّقَّةِ المُوَسْوِسَةِ؟ لِماذا تَفْتَحُ النَّافِذَةَ بِالقَدْرِ ذاتِهِ مِنَ الزَّاوِيَةِ كُلَّ صَباحٍ؟
هَلْ أَصْبَحْتُ أَتَظاهَرُ بِالحَياةِ أَمامَ نَفْسِي؟
كانَ كُلُّ شَيْءٍ يَبْدو طَبيعِيًّا… لٰكِنْ بِطَريقَةٍ مَحْسوبَةٍ بِعِنایَةٍ تَكْشِفُ أَنَّها لَيْسَتْ طَبيعِيَّةً أَصْلًا. كَمَنْ يَمْشِي عَلَى حافَةِ جِدارٍ ضَيِّقٍ وَيَدَّعِي أَنَّهُ يَتَنَزَّهُ.
كانَتْ تُحاوِلُ أَنْ تُثْبِتَ لِنَفْسِها أَنَّ حَياتَها ما زالَتْ في مَكانِها، في تَرْتيبِها، في مَعْناها.
لٰكِنْ هَلْ تَحْتاجُ الأَشْياءُ الثّابِتَةُ إِلَى إِثْباتٍ؟
________________________________________
حِينَ اهْتَزَّ الهاتِفُ.
لَمْ تُسْرِعْ إِلَيْهِ.
بَلْ تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً قَصيرَةً كانَتْ في حَقيقَتِها طَويلَةً جِدًّا، تِلْكَ اللَّحْظَةُ الَّتِي تَخْتَبِرُ فِيها المَرْأَةُ نَفْسَها: هَلْ لَدَيَّ خِيارٌ آخَرُ غَيْرُ الفَتْحِ؟ هَلْ أَسْتَطيعُ أَلّا أَقْرَأَ؟ هَلْ يُمْكِنُنِي أَنْ أَتْرُكَهُ يَرِنُّ وَيَصْمُتُ وَأُكْمِلَ يَوْمِي كَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ؟
فَتَحَتْ.
________________________________________
“الْحَديثُ المُباشِرُ لَيْسَ خُطورَةً… بَلْ صِدْقٌ لا يُمْكِنُ التَّراجُعُ عَنْهُ.”
________________________________________
جَلَسَتْ.
لَمْ تَكُنْ هٰذِهِ الجُمْلَةُ رَدًّا وَحَسْبُ، بَلْ كانَتِ انْتِقالًا فِي النَّبْرَةِ كُلِّها، كَمَنْ كانَ يَتَحَدَّثُ بِصَوْتٍ خافِتٍ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَنَظَرَ فِي عَيْنَيْكِ مُباشَرَةً. لَمْ يَعُدِ الحَديثُ يَدورُ حَوْلَ رَسائِلَ تُحْذَفُ أَوْ مَسافَةٍ آمِنَةٍ تَصونُها الشَّاشَةُ. بَلْ أَصْبَحَ الحَديثُ عَن مُواجَهَةٍ، عَنْ وَجْهٍ لِوَجْهٍ، عَنْ لِقاءٍ تَتَجَسَّدُ فِيهِ الكَلِماتُ وَتَأْخُذُ أَوْزانَها الحَقيقِيَّةَ.
وَضَعَتِ الهاتِفَ عَلَى الطَّاوِلَةِ، ثُمَّ أَعَادَتِ النَّظَرَ إِلَيْهِ مَرَّةً أُخْرى، كَمَنْ يَتَأَكَّدُ أَنَّ الشَّيءَ الَّذِي رَآهُ كانَ حَقِيقِيًّا.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، عَرَفَتْ سَمَرُ أَنَّ ما يَسْكُنُها لَيْسَ خَوْفًا مِنَ اللِّقاءِ… بَلْ خَوْفٌ مِنْ شَيْءٍ أَدَقَّ وَأَخْطَرَ: أَنْ يُصْبِحَ ما تَشْعُرُ بِهِ قابِلًا لِلتَّأْكِيدِ. أَنْ تَنْتَقِلَ المَشاعِرُ مِنْ عالَمِ الاحْتِمالِ إِلَى عالَمِ الحَقيقَةِ. لِأَنَّ ما لَمْ يُؤَكَّدْ بَعْدُ، يُمْكِنُ دَائِمًا تَجاهُلُهُ أَوْ إِعادَةُ تَعْريفِهِ أَوِ الادِّعاءُ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ.
________________________________________
فِي اَلْمَسَاءِ، كَانَ وَائِلٌ – زَوْجُهَا – أَكْثَرَ حُضُورًا مِنَ اَلْمُعْتَادِ. لَيْسَ بِطَرِيقَةٍ مَقْصُودَةٍ رُبَّمَا، لَكِنَّ اَلْحُضُورَ اَلْمُعْتَادَ لِشَخْصٍ تَعْرِفِينَـهُ طَوِيلًا يُصْبِحُ فَجْأَةً مُكثَّفًا حِينَ تَكُونُ هُنَاكَ فِكْرَةٌ تَحْتَلُّ مَسَاحَةً مِنْ وَعْيِكِ.
سَأَلَهَا بِنَبْرَةٍ عَابِرَةٍ:
— هَلْ لَدَيْكِ مَا يَشْغَلُكِ غَدًا؟
— لَا… لِمَاذَا؟
— لَا شَيْءَ، فَقَطْ أَسْأَلُ.
لَكِنَّ اَلسُّؤَالَ لَمْ يَكُنْ بَسِيطًا.
فِي دَاخِلِهَا كَانَتْ سَمَرُ تَعْرِفُ — أَوْ رُبَّمَا كَانَتْ تُوهِمُ نَفْسَهَا أَنَّهَا تَعْرِفُ — أَنَّ اَلسُّؤَالَ اَلْبَسِيطَ لَا يُوجَدُ أَصْلًا بَيْنَ زَوْجَيْنِ عَاشَا مَعًا سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً. كُلُّ سُؤَالٍ يَحْمِلُ تَارِيخَهُ، يَحْمِلُ مَا قِيلَ وَمَا لَمْ يُقَلْ، يَحْمِلُ اَلْمَسَاحَاتِ اَلَّتِي كَبُرَتْ بَيْنَهُمَا بِبُطْءٍ دُونَ أَنْ يُسَمِّيهَا أَحَدٌ.
لَمْ يَكُنْ وَائِلٌ يَطْلُبُ مَعْلُومَةً، بَلْ كَانَ – رُبَّمَا دُونَ أَنْ يَعِيَ – يُلَّمِحُ إِلَى غِيَابٍ غَيْرِ مُعْلَنٍ، إِلَى فَجْوَةٍ يَحِسُّهَا لَكِنَّهُ لَا يُسَمِّيهَا. أَوْ رُبَّمَا كَانَ يَسْأَلُ فِعْلًا وَلَيْسَ ثَمَّةَ أَيُّ مَعْنًى آخَرَ، وَهَذَا مَا يُعَقِّدُ اَلْأَمْرَ: حِينَ تَبْدَأِينَ بِقِرَاءَةِ مَا وَرَاءَ اَلْكَلِمَاتِ، لَا تَسْتَطِيعِينَ اَلتَّوَقُّفَ.
ابْتَسَمَتْ:
— يَوْمٌ عَادِيٌّ.
وَهَكَذَا اِنْتَهَى اَلْحِوَارُ فِي اَلظَّاهِرِ.
________________________________________
وَوَائِلٌ؟ بِمَاذَا كَانَ يُفَكِّرُ؟
رُبَّمَا لَمْ يَكُنْ يُفَكِّرُ بِشَيْءٍ بَعِيدٍ. رُبَّمَا كَانَ رَجُلًا مُرْهَقًا مِنْ عَمَلٍ مُتَوَاصِلٍ، يَسْأَلُ زَوْجَتَهُ سُؤَالًا رُوتِينِيًّا قَبْلَ أَنْ يَغْرَقَ فِي صَحْنِ طَعَامِهِ وَهُمُومِهِ. رَجُلٌ طَيِّبٌ بِالضَّرُورَةِ، رَجُلٌ مَأْلُوفٌ، رَجُلٌ صَارَ اَلْمَأْلُوفُ هُوَ كُلُّ مَا تَعْرِفُهُ عَنْهُ.
هَلْ يُعَدُّ اَلْمَأْلُوفُ ظُلْمًا؟ هَلْ يُحَاسَبُ اَلْإِنْسَانُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ؟
لَكِنَّ اَلْأَسْئِلَةَ اَلْمُؤْلِمَةَ كَانَتْ تُطَارِدُهَا: مَتَى تَوَقَّفْنَا عَنِ اَلْمُفَاجَأَةِ؟ مَتَى أَصْبَحْنَا نُتْقِنُ اَلتَّوَقُّعَ بَدَلًا مِنَ اَلِاكْتِشَافِ؟
________________________________________
وَلَوْ كَانَتْ هُنَاكَ أُمُّ وَائِلٍ، حَمَاتُهَا اَلَّتِي تَزُورُهُمَا بَيْنَ حِينٍ وَآخَرَ، لَرَأَتْ مَا لَا يَرَاهُ اِبْنُهَا. اَلنِّسَاءُ اَلْكِبَارُ فِي دِمَشْقَ يَقْرَأْنَ اَلصَّمْتَ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ يُدْرِكْنَ اَلْغِيَابَ فِي اَلْعُيُونِ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ صَاحِبُهُ أَنَّهُ غَائِبٌ.
________________________________________
فِي اَللَّيْلِ، جَلَسَتْ سَمَرُ عَلَى طَرَفِ اَلسَّرِيرِ.
لَمْ تَفْتَحِ اَلْهَاتِفَ فَوْرًا.
كَانَ اَلثِّقَلُ هٰذِهِ اَلْمَرَّةِ مُخْتَلِفًا، لَمْ تَعُدْ هٰذِهِ اَلْعَلَاقَةُ فِي مَرْحَلَةِ “تَبَادُلِ كَلِمَاتٍ” كَمَا يُقَالُ حِينَ نُرِيدُ أَنْ نُقَلِّلَ مِنْ أَمْرٍ نَخْشَى تَسْمِيَتَهُ. بَلْ أَصْبَحَتْ فِي مَرْحَلَةِ “اِحْتِمَالِ لِقَاءٍ”، وَبَيْنَ اَلْمَرْحَلَتَيْنِ مَسَافَةٌ بِأَكْمَلِهَا تُشْبِهُ اَلْفَرْقَ بَيْنَ اَلتَّفْكِيرِ فِي اَلنَّارِ وَاَلْوُقُوفِ أَمَامَهَا.
________________________________________
ثُمَّ جَاءَ اَلرَّدُّ اَلْأَخِيرُ فِي ذٰلِكَ اَلْيَوْمِ:
“إِذَا أَرَدْتِ… يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اَللِّقَاءُ بَسِيطًا. بِلَا تَوَقُّعَاتٍ.”
تَوَقَّفَتْ سَمَرُ طَوِيلًا.
بَسِيطًا؟
كَلِمَةُ “بَسِيطًا” بَدَتْ غَيْرَ صَادِقَةٍ بِالْكَامِلِ. لَيْسَ لِأَنَّهُ كَانَ يَكْذِبُ، رُبَّمَا. بَلْ لِأَنَّ لَا شَيْءَ يَبْقَى بَسِيطًا حِينَ تَصِلِينَ إِلَى هٰذِهِ اَلنُّقْطَةِ. اَلْبَسَاطَةُ كَانَتْ مُمْكِنَةً فِي اَلْبِدَايَةِ، فِي اَلرّسَائِلِ اَلْأُولَى، فِي اَلْكَلِمَاتِ اَلَّتِي كَانَ يُمْكِنُ تَأْوِيلُهَا بِعَشَرَةِ مَعَانٍ. أَمَّا اَلْآنَ فَلَمْ تَعُدْ ثَمَّةَ بَسَاطَةٌ تُدَّعَى.
كَتَبَتْ:
“اَلْبَسَاطَةُ فِي هٰذِهِ اَللَّحْظَةِ… قَدْ تَكُونُ أَصْعَبَ شَيْءٍ.”
أَرْسَلَتْ. ثُمَّ وَضَعَتِ اَلْهَاتِفَ بَعِيدًا.
________________________________________
هَلْ كَانَ هٰذَا حِكْمَةً؟ أَمْ كَانَ هَرَبًا بِلِبَاسٍ آخَرَ؟
لَمْ تَنَمْ فَوْرًا. وَحِينَ أَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا، لَمْ يَكُنِ اَلسُّؤَالُ اَلَّذِي يَشْغَلُهَا هُوَ “هَلْ سَيَحْدُثُ اَللِّقَاءُ؟” بَلْ تَحَوَّلَ إِلَى سُؤَالٍ أَعْمَقَ وَأَكْثَرَ إِرْبَاكًا:
مَاذَا سَأَكُونُ حِينَ يَحْدُثُ؟
مَاذَا سَتَكُونُ اَلنُّسْخَةُ مِنْهَا اَلَّتِي سَتَذْهَبُ إِلَى ذٰلِكَ اَللِّقَاءِ؟ اَلنُّسْخَةُ اَلزَّوْجَةُ؟ اَلنُّسْخَةُ اَلْمَرْأَةُ اَلَّتِي تَبْحَثُ عَمَّنْ يَرَاهَا؟ اَلنُّسْخَةُ اَلَّتِي ضَاعَتْ بَيْنَ اَلِاثْنَتَيْنِ؟ ……؟
________________________________________
وَهَلْ ثَمَّةَ رِيمُ، صَدِيقَتُهَا مُنْذُ أَيَّامِ اَلدِّرَاسَةِ، اَلَّتِي كَانَتْ سَتَقُولُ لَهَا بِنَبْرَتِهَا اَلْمُبَاشِرَةِ اَلدِّمَشْقِيَّةِ اَلْمَعْرُوفَةِ: “سَمَرُ، شُو الَّلِي عَمْ تَعْمَلِيهُ؟” لَكِنَّ سَمَرَ لَمْ تُخْبِرْ رِيمَ شَيْئًا. لِأَنَّ بَعْضَ اَلْأَشْيَاءِ لَا تُرْوَى لِأَنَّكِ لَا تَعْرِفِينَ كَيْفَ تُسَمِّينَهَا بَعْدُ.
________________________________________
فِي اَلْيَوْمِ اَلتَّالِي، لَمْ يَأْتِ أَيُّ رَدٍّ.
لَكِنَّ اَلصَّمْتَ هٰذِهِ اَلْمَرَّةَ لَمْ يَكُنْ مُرِيحًا وَلَا مُقْلِقًا فَحَسْبْ… بَلْ كَانَ مُحَدَّدًا، كَأَنَّ شَيْئًا مَا قَدِ اتُّفِقَ عَلَيْهِ بِالْإِشَارَةِ، لَا بِالْكَلَامِ.
قَامَتْ سَمَرُ بِمَهَامِّهَا اَلْيَوْمِيَّةِ بِشَكْلٍ آلِيٍّ تَقْرِيبًا. لَكِنَّ هُنَاكَ طَبَقَةً خَفِيفَةً مِنَ اَلِانْتِبَاهِ اَلْإِضَافِيِّ لَا تُفَارِقُهَا: صَوْتُ إِشْعَارٍ يَجْعَلُهَا تَتَوَقَّفُ لَحْظَةً، اَهْتِزَازٌ خَفِيفٌ لِلْهَاتِفِ يَأْخُذُ حِصَّةً مِنْ نَبْضِهَا، كُلُّ فَرَاغٍ صَغِيرٍ بَيْنَ فِعْلٍ وَآخَرَ يُصْبِحُ مَسَاحَةً لِسُؤَالٍ.
هَلْ هٰذَا مَا يُسَمِّيهِ اَلنَّاسُ اَلِانْتِظَارَ؟ أَمْ أَنَّهُ شَيْءٌ آخَرُ، أَثْقَلُ مِنَ اَلِانْتِظَارِ وَأَقَلُّ شَرَفًا؟
________________________________________
فِي تِلْكَ اَلظُّهيرة، جَاءَ اَلرَّدُّ أَخِيرًا:
“أَنَا فِي إجَازَةٍ هٰذَا اَلْأُسْبُوعَ.”
تَوَقَّفَتْ.
قَرَأَتِ اَلْجُمْلَةَ مَرَّةً، ثُمَّ مَرَّةً ثَانِيَةً، ثُمَّ ثَالِثَةً، كَمَنْ يُعِيدُ قِرَاءَةَ وَرَقَةٍ طِبِّيَّةٍ يَأْمُلُ أَنْ تَتَغَيَّرَ نَتِيجَتُهَا فِي كُلِّ قِرَاءَةٍ.
لَمْ تَكُنْ هٰذِهِ اَلْجُمْلَةُ دَعْوَةً صَرِيحَةً، وَلَا طَلَبًا، وَلَا اقْتِرَاحًا تَسْتَطِيعُ رَفْضَهُ بِسُهُولَةٍ. لَكِنَّهَا كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ ذٰلِكَ وَأَخْطَرَ: كَانَتْ إِعْلَانًا بِأَنَّ اَلْمَسَافَةَ اَلْجُغْرَافِيَّةَ اَلَّتِي كَانَتْ جُزْءً مِنَ اَلْحِمَايَةِ قَدِ اِنْتَهَتْ.
اَلْأَمْرُ لَمْ يَعُدْ فِي اَلشَّاشَةِ.
________________________________________
وَمَاذَا عَنْ أَبِي سَامِرَ، اَلْجَارِ اَلْعَجُوزِ اَلَّذِي يَجْلِسُ أَمَامَ عِمَارَتِهِمْ كُلَّ يَوْمٍ وَيُرَاقِبُ اَلْمَدِينَةَ وَهِيَ تَتَغَيَّرُ؟ ذٰلِكَ اَلرَّجُلُ اَلَّذِي فَقَدَ اِبْنَهُ فِي اَلسَّنَوَاتِ اَلْأَخِيرَةِ وَلَا يَزَالُ يَعِيشُ فِي دِمَشْقَ كَأَنَّهُ شَاهِدٌ عَلَى كُلِّ اَلْأَحْدَاثِ اَلَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا. مَاذَا كَانَ سَيُحَدِّثُ لَوْ رَأَى سَمَرَ تَخْرُجُ وَفِي وَجْهِهَا ذٰلِكَ اَلتَّعْبِيرُ اَلَّذِي تَعْرِفُهُ اَلنِّسَاءُ اَلْكِبَارُ وَحْدَهُنَّ؟
________________________________________
فِي اَلْمَسَاءِ، كَانَ وَائِلٌ يَتَحَدَّثُ عَنْ أُمُورٍ اَعْتِيَادِيَّةٍ: سَفَرِ عَمَلٍ مُحْتَمَلٍ، مَوَاعِيدَ، اِلْتِزَامَاتٍ. اَلْحَيَاةُ اَلدِّمَشْقِيَّةُ اَلَّتِي ظَلَّتْ تَسِيرُ رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ، رَغْمَ سَنَوَاتِ اَلْأَزْمَةِ اَلَّتِي عَلَّمَتِ اَلنَّاسَ كَيْفَ يُدَاوِمُونَ عَلَى اَلْعَادِيِّ حَتَّى حِينَ يُصْبِحُ اَلْعَادِيُّ أَمْرًا اِسْتِثْنَائِيًّا.
كَانَتْ سَمَرُ تَسْتَمِعُ.
لَكِنَّ ذِهْنَهَا كَانَ بَعِيدًا بِدَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ، لَيْسَتْ كَافِيَةً لِتَجْعَلَهَا غَائِبَةً تَمَامًا، وَلَا كَافِيَةً لِتَجْعَلَهَا حَاضِرَةً حَقًّا. تِلْكَ اَلدَّرَجَةُ اَلْوَاحِدَةُ بَيْنَ اَلْحُضُورِ وَاَلْغِيَابِ هِيَ اَلْأَكْثَرُ إِرْهَاقًا فِي حَيَاةِ اَلْمَرْأَةِ اَلَّتِي تَعِيشُ فِي جَوْفَيْنِ.
— هَلْ سَتَخْرُجِينَ غَدًا؟
— رُبَّمَا.
— مَعَ مَنْ؟
تَوَقَّفَتْ.
هٰذَا اَلسُّؤَالُ لَمْ يَكُنْ جَدِيدًا. لَكِنَّ طَرِيقَةَ سَمَاعِهِ اَلْآنَ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً، كَمَنْ كَانَ يَسْمَعُ كَلِمَةً عَادِيَّةً طَوَالَ عُمْرِهِ ثُمَّ اَكْتَشَفَ فَجْأَةً أَنَّ لَهَا مَعْنًى آخَرَ أَعْمَقَ.
— وَحْدِي.
هَزَّ رَأْسَهُ دُونَ اَهْتِمَامٍ زَائِدٍ.
— حَسَنًا.
وَانْتَهَى اَلْأَمْرُ فِي اَلظَّاهِرِ.
________________________________________
لَكِنْ فِي اَلدَّاخِلِ، لَمْ يَنْتَهِ شَيْءٌ. بَلْ رُبَّمَا بَدَأَ.
________________________________________
اَلْفَصْلُ الثَّانِي عَشَرَ
________________________________________
فِي اَللَّيْلِ، جَلَسَتْ سَمَرُ أَمَامَ اَلْهَاتِفِ.
لَكِنَّ اَلرِّسَالَةَ اَلتَّالِيَةَ لَمْ تَكُنْ مِنْهُ. بَلْ كَانَتْ مِنْهَا هِيَ، هٰذِهِ اَلْمَرَّةَ.
“وَمَاذَا بَعْدَ كَوْنِكَ فِي إِجَازَةٍ؟”
________________________________________
تَوَقَّفَتْ قَبْلَ اَلْإِرْسَالِ.
لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، لَمْ يَكُنِ اَلتَّرَدُّدُ خَوْفًا مِنَ اَلْخُطْوَةِ… بَلْ شَيْئًا أَكْثَرَ دِقَّةً وَإِرْبَاكًا: خَوْفًا مِنْ أَنَّ اَلْخُطْوَةَ قَدِ ابْتَدَأَتْ بِالْفِعْلِ دُونَ أَنْ تُعْلَنَ، دُونَ أَنْ تَتَّخِذَ اَلْقَرَارَ بِوَعْيٍ، دُونَ أَنْ تُوَقِّعَ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ.
هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَبْدَأَ اَلْإِنْسَانُ فِي اِتِّجَاهٍ دُونَ أَنْ يَخْتَارَهُ؟ هَلْ تُصْبِحُ اَلْخُطْوَةُ اَلصَّغِيرَةُ كَبِيرَةً بِتَرَاكُمِهَا لَا بِحَجْمِهَا؟
________________________________________
أَرْسَلَتْ.
________________________________________
وَفِي تِلْكَ اَللَّحْظَةِ، كَانَ فِي دِمَشْقَ نِسَاءِ يَنَمْنَ عَلَى أَسْئِلَةٍ مُشَابِهَةٍ، كُلٌّ بِلَوْنِهَا اَلْخَاصِّ. بَعْضُهُنَّ يُسَمِّينَهَا وَحْدَةً، بَعْضُهُنَّ يُسَمِّينَهَا مَلَلًا، وَبَعْضُهُنَّ لَا يُسَمِّينَهَا أَصْلًا لِأَنَّ اَلتَّسْمِيَةَ تَعْنِي اِلِاعْتِرَافَ، وَاِلِاعْتِرَافَ يَعْنِي اَلْمُوَاجَهَةَ، وَاَلْمُوَاجَهَةَ هِيَ آخِرُ مَا يُرِيدُ اَلْإِنْسَانُ حِينَ يَكُونُ فِي مُنْتَصَفِ طَرِيقٍ.
دِمَشْقُ اَلَّتِي أَنْهَكَهَا سَنَوَاتُ اَلْأَزْمَةِ عَلَّمَتْ أَهْلَهَا شَيْئًا وَاحِدًا قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ: اَلصُّمُودَ فِي اَلْحَيَاةِ اَلْيَوْمِيَّةِ، أَنْ تَمْلَأَ اَلْفُنْجَانَ وَتُرَتِّبَ اَلْمَطْبَخَ وَتَبْتَسِمَ فِي وَجْهِ اَلسُّؤَالِ اَلْبَسِيطِ، حَتَّى حِينَ تَكُونُ اَلْأَرْضُ تَهْتَزُّ مِنْ تَحْتِكِ بِطَرِيقَةٍ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ.
________________________________________
وَبَعْدَ اَلْإِرْسَالِ، لَمْ تَعُدْ سَمَرُ تَنْتَظِرُ رَدًّا فَحَسْبْ.
بَلْ بَدَأَتْ تُدْرِكُ أَنَّ ثَمَّةَ مَسَاحَةً صَغِيرَةً جِدًّا، رَقِيقَةً كَوَرَقَةٍ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ شَيْءٍ لَمْ يَعُدْ اِفْتِرَاضِيًّا.
شَيْءٌ لَمْ يَقْتَحِمْ حَيَاتَهَا بَعْدُ…
لَكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ خَارِجَهَا أَيْضًا.
________________________________________
وَحْدَهُ اَلصَّبَاحُ اَلْقَادِمُ يَعْرِفُ مِنْ أَيِّ بَابٍ سَتَفْتَحُ سَمَرُ يَوْمَهَا. وَهَلْ سَتُرَتِّبُ اَلْمَطْبَخَ بِالنَّفْسِ اَلدِّقَّةِ اَلْمَحْسُوبَةِ ذَاتِهَا. وَهَلْ سَتُبْقِي اَلنَّافِذَةَ نِصْفَ مَفْتُوحَةٍ… أَمْ سَتَفْتَحُهَا عَلَى مِصْرَاعَيْهَا هٰذِهِ اَلْمَرَّةَ.
________________________________________
لَمْ يَأْتِ اَلرَّدُّ إِلَّا فِي وَقْتٍ مُتَأَخِّرٍ مِنَ اَللَّيْلِ.
“أَسْتَطِيعُ أَنْ أَكُونَ فِي مَكَانٍ هَادِئٍ غَدًا إِنْ أَرَدْتِ… دُونَ اِلْتِزَامٍ بِشَيْءٍ.”
قَرَأَتْ سَمَرُ اَلرِّسَالَةَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ. ثُمَّ أَعَادَتْ قِرَاءَتَهَا.
“مَكَانٌ هَادِئٌ.”
كَلِمَتَانِ فَقَطْ. لَكِنَّمَا حَمَلَتَا ثِقَلًا غَيْرَ مُعْتَادٍ، لَيْسَ لِأَنَّهُمَا تَعْنِيَانِ شَيْئًا كَبِيرًا بِالضَّرُورَةِ، بَلْ لِأَنَّهُمَا تَعْنِيَانِ شَيْئًا قَابِلًا لِلْحُدُوثِ. وَهٰذَا وَحْدَهُ كَانَ يَكْفِي لِأَنْ يُغَيِّرَ كُلَّ شَيْءٍ.
وَضَعَتِ اَلْهَاتِفَ عَلَى صَدْرِهَا لَحْظَةً، كَأَنَّهَا تُحَاوِلُ أَنْ تُبْقِيَ اَلْفِكْرَةَ خَارِجَ رَأْسِهَا، دَاخِلَ اَلْجَسَدِ فَقَطْ، بَعِيدًا عَنِ اَلْمَنْطِقِ وَأَسْئِلَتِهِ اَلَّتِي لَا تَنْتَهِي. ثُمَّ أَزَاحَتْهُ.
مَاذَا تَفْعَلُ؟ وَلِمَاذَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُولَ “لَا” بِبَسَاطَةٍ؟
لَكِنَّ “لَا” اَلْبَسِيطَةَ كَانَتْ قَدْ فَقَدَتْ بَسَاطَتَهَا مُنْذُ زَمَنٍ.
________________________________________
فِي تِلْكَ اَللَّيْلَةِ، لَمْ تَنَمْ بِسُهُولَةٍ.
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ قَرَارٌ وَاضِحٌ، لَكِنَّ هُنَاكَ شَيْئًا يُشْبِهُ اِلِاقْتِرَابَ مِنْ حَافَّةِ قَرَارٍ، تِلْكَ اَلْمِنْطَقَةَ اَلرَّمَادِيَّةَ اَلَّتِي يَقِفُ فِيهَا اَلْإِنْسَانُ وَيَدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يَخْتَرْ بَعْدُ، فِي حِينِ أَنَّ اِخْتِيَارَهُ قَدْ بَدَأَ مِنْ أُولَى خُطُوَاتِهِ نَحْوَ اَلْحَافَّةِ.
وَكَمْ مِنْ نِسَاءٍ فِي دِمَشْقَ وَفِي سَائِرِ اَلْمُدُنِ اَلسُّورِيَّةِ نِمْنَ عَلَى أَسْئِلَةٍ كَهٰذِهِ فِي تِلْكَ اَلسَّنَوَاتِ اَلْعَجَافِ، حِينَ كَانَتِ اَلْحَرْبُ تُعِيدُ رَسْمَ خَرِيطَةِ كُلِّ شَيْءٍ، بِمَا فِيهَا اَلْحُدُودُ اَلدَّاخِلِيَّةُ لِلْإِنْسَانِ؟ حِينَ يَتَغَيَّرُ اَلْعَالَمُ مِنْ حَوْلِكِ بِهٰذِهِ اَلسُّرْعَةِ اَلْمُرْعِبَةِ، تَبْدَأِينَ تَتَسَاءَلِينَ أَيُّ اَلثَّوَابِتِ لَا تَزَالُ ثَوَابِتَ.
________________________________________
فِي اَلصَّبَاحِ، كَانَتْ سَمَرُ أَكْثَرَ صَمْتًا مِنَ اَلْمُعْتَادِ.
وَائِلٌ لَاحَظَ ذٰلِكَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ.
وَهٰذَا بِحَدِّ ذَاتِهِ كَانَ يَقُولُ شَيْئًا. لِأَنَّ اَلزَّوْجَ اَلَّذِي لَا يَسْأَلُ لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ زَوْجًا لَا يُبَالِي، بَلْ رُبَّمَا هُوَ زَوْجٌ تَعَلَّمَ أَنَّ بَعْضَ اَلْأَسْئِلَةِ لَا تُرِيدُ مِنْهَا إِجَابَةً، أَوْ تَعَلَّمَ أَنَّ اَلْمَرْأَةَ اَلَّتِي أَمَامَهُ تَحْتَاجُ أَحْيَانًا إِلَى مَسَاحَتِهَا دُونَ تَفْسِيرٍ. أَوْ رُبَّمَا، وَهٰذَا اِلِاحْتِمَالُ اَلْأَكْثَرُ إِيلَامًا، أَنَّهُ تَوَقَّفَ عَنِ اِلِاهْتِمَامِ بِمَا يَكْفِي لِلسُّؤَالِ.
اَلصَّمْتُ بَيْنَهُمَا لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ عَادَةٍ. أَصْبَحَ مَسَاحَةً يَتْرُكُ فِيهَا كُلُّ طَرَفٍ اَلْآخَرَ دُونَ تَفْسِيرٍ، كَأَنَّهُمَا قَدْ وَقَّعَا اِتِّفَاقًا ضِمْنِيًّا عَلَى عَدَمِ اِلِاقْتِرَابِ مِنَ اَلْأَسْئِلَةِ اَلْحَقِيقِيَّةِ.
وَهَلْ كَانَتِ اَلْأَزْمَةُ اَلسُّورِيَّةُ قَدْ أَضَافَتْ إِلَى هٰذَا اَلصَّمْتِ وَزْنًا آخَرَ؟ سَنَوَاتٌ مِنَ اَلْخَوْفِ اَلْجَمَاعِيِّ تُعَلِّمُ اَلنَّاسَ صَمْتًا مِنْ نَوْعٍ خَاصٍّ، صَمْتَ اَلْحَذَرِ، صَمْتَ مَنْ لَا يَعْرِفُ بِمَنْ يَثِقُ وَبِمَاذَا يُصَرِّحُ. وَحِينَ تَتَعَوَّدُ اَلْأُسْرَةُ عَلَى اَلصَّمْتِ خَارِجَهَا، يَتَسَرَّبُ اَلصَّمْتُ إِلَى دَاخِلِهَا.
________________________________________
فِي مُنْتَصَفِ اَلنَّهَارِ، كَتَبَتْ سَمَرُ:
“مَتَى وَأَيْنَ؟”
ثُمَّ تَوَقَّفَتْ قَبْلَ اَلْإِرْسَالِ.
هَلْ هٰذَا مَا أُرِيدُهُ؟ هَلْ هٰذَا سُؤَالٌ أَمْ قَرَارٌ؟
أَرْسَلَتْ.
جَاءَ اَلرَّدُّ سَرِيعًا:
“اَلْمَقْهَى اَلْمُقَابِلُ لِمَحَلِّ اَلْحَلَوِيَّاتِ قُرْبَ مَالِيَّةِ دِمَشْقَ. اَلسَّاعَةُ اَلْخَامِسَةُ.”
________________________________________
تَوَقَّفَتْ سَمَرُ.
هٰذِهِ اَلْجُمْلَةُ، رَغْمَ بَسَاطَتِهَا اَلظَّاهِرَةِ، أَنْهَتْ مَرْحَلَةً كَامِلَةً مِنَ “اَلِاحْتِمَالِ”. طَوَتْ صَفْحَةً لَا يُمْكِنُ أَنْ تُفْتَحَ مِنْ جَدِيدٍ بِنَفْسِ اَلْبَرَاءَةِ. لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ سُؤَالٌ: هَلْ سَيَحْدُثُ؟ بَلْ أَصْبَحَ اَلسُّؤَالُ أَعْمَقَ وَأَكْثَرَ اِخْتِرَاقًا:
كَيْفَ سَأَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَنَا أَنَا؟
________________________________________
وَفِي تِلْكَ اَللَّحْظَةِ بِذَاتِهَا، لَوْ كَانَتْ صَدِيقَتُهَا رِيمُ تَجْلِسُ بِجَانِبِهَا فِي اَلْمَطْبَخِ كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ فِي اَلْأَيَّامِ اَلسَّابِقَةِ لِلْأَزْمَةِ، حِينَ كَانَتِ اَلصَّدَاقَةُ تَعْنِي أَنْ تَفْتَحَ بَابَ اَلْبَيْتِ دُونَ طَرْقٍ وَتَجْلِسَ عَلَى اَلْكَنَّبَةِ وَتَسْأَلَ “شُو فِي؟” بِتِلْكَ اَلنَّبْرَةِ اَلدِّمَشْقِيَّةِ اَلَّتِي تَعْنِي “أَنَا هُنَا وَلَا شَيْءَ مَخْفِيٌّ بَيْنِي وَبَيْنَكِ”، لَوْ كَانَتْ رِيمُ هُنَا، هَلْ كَانَتْ سَتُخْبِرُهَا؟
رُبَّمَا لَا. لِأَنَّ بَعْضَ اَلْأَشْيَاءِ تَبْقَى دَاخِلَنَا لَا لِأَنَّنَا نُرِيدُ إِخْفَاءَهَا، بَلْ لِأَنَّنَا لَا نَسْتَطِيعُ تَسْمِيَتَهَا بَعْدُ.
________________________________________
اَلْفَصْلُ اَلثَّالِثُ عَشَرَ
فِي اَلسَّاعَةِ اَلْخَامِسَةِ، خَرَجَتْ وَحْدَهَا.
لَمْ تُخْبِرْ أَحَدًا.
لَيْسَ لِأَنَّهَا تُخْفِي شَيْئًا مُحَدَّدًا، بَلْ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُتَأَكِّدَةً بَعْدُ مِمَّا هُوَ اَلشَّيْءُ أَصْلًا. وَكَيْفَ تُخْبِرُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُعَرِّفْهُ لِنَفْسِهَا؟
اَلطَّرِيقُ كَانَ عَادِيًّا. دِمَشْقُ فِي تِلْكَ اَلسَّاعَةِ تَحْمِلُ ذٰلِكَ اَلْمَزِيجَ اَلْغَرِيبَ مِنَ اَلْإِرْهَاقِ وَاِلِاسْتِمْرَارِ، مَدِينَةٌ تَعَلَّمَتْ كَيْفَ تَمْضِي رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ، كَيْفَ تَفْتَحُ مَحَالَّهَا وَتَمْلَأُ مَقَاهِيهَا وَتُطْعِمُ أَطْفَالَهَا حَتَّى حِينَ كَانَتِ اَلْأَخْبَارُ تَأْتِي مِنْ كُلِّ اَلْجِهَاتِ ثَقِيلَةً كَالرَّصَاصِ.
لَكِنَّ سَمَرَ لَاحَظَتْ أَنَّهَا تَمْشِي أَبْطَأَ مِنَ اَلْمُعْتَادِ. كَأَنَّ اَلْجَسَدَ يُحَاوِلُ أَنْ يُؤَخِّرَ اَلْوُصُولَ دُونَ قَرَارٍ وَاعٍ، كَأَنَّ اَلْخُطُوَاتِ تُفَاوِضُ اَلْوَقْتَ.
________________________________________
وَأَبُو سَامِرَ، اَلْجَارُ اَلْعَجُوزُ اَلْجَالِسُ أَمَامَ اَلْعِمَارَةِ كَعَادَتِهِ، رَفَعَ رَأْسَهُ حِينَ مَرَّتْ سَمَرُ. نَظَرَ إِلَيْهَا بِتِلْكَ اَلنَّظْرَةِ اَلَّتِي يَمْلِكُهَا اَلشُّيُوخُ وَحْدَهُمْ، نَظْرَةٌ لَا تَحْكُمُ وَلَا تَسْأَلُ، لَكِنَّهَا تَرَى. رُبَّمَا أَدْرَكَ شَيْئًا فِي خُطُوَاتِهَا اَلْأَبْطَأِ مِنَ اَلْمُعْتَادِ، فِي اَلطَّرِيقَةِ اَلَّتِي تَحْمِلُ بِهَا حَقِيبَتَهَا، فِي اَلْغِيَابِ اَلْخَفِيفِ فِي عَيْنَيْهَا. لَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا. أَبُو سَامِرَ رَجُلٌ فَقَدَ اَلْكَثِيرَ فِي هٰذِهِ اَلسَّنَوَاتِ وَتَعَلَّمَ أَنَّ اَلصَّمْتَ أَحْيَانًا هُوَ أَرْحَمُ مَا يُمْكِنُ مَنْحُهُ لِإِنْسَانٍ.
________________________________________
حِينَ اقْتَرَبَتْ مِنَ اَلْمَقْهَى، شَعَرَتْ بِشَيْءٍ غَرِيبٍ: لَيْسَ تَوَتُّرًا كَامِلًا، بَلْ إِدْرَاكًا هَادِئًا وَمُقْلِقًا فِي آنٍ وَاحِدٍ، أَنَّ اَللَّحْظَةَ اَلَّتِي كَانَتْ تُبْنَى عَبْرَ رَسَائِلَ طَوِيلَةٍ وَمَسَافَاتٍ آمِنَةٍ، صَارَتِ اَلْآنَ عَلَى بُعْدِ خُطُوَاتٍ فَقَطْ. اَلْمَسَافَةُ اَلَّتِي كَانَتْ تَصُونُهَا اَلشَّاشَةُ لَمْ تَعُدْ مَوْجُودَةً.
وَقَفَتْ عِنْدَ اَلْبَابِ.
تَرَدَّدَتْ لَحْظَةً قَصِيرَةً جِدًّا، لَكِنَّهَا كَانَتْ حَاضِرَةً كَامِلًا، كَأَنَّ اَلزَّمَنَ نَفْسَهُ أَخَذَ نَفَسًا.
ثُمَّ دَخَلَتْ.
________________________________________
كَانَ كَرِيمٌ يَجْلِسُ قُرْبَ اَلنَّافِذَةِ.
لَمْ يَنْظُرْ فَوْرًا.
وَكَأَنَّهُمَا، دُونَ اِتِّفَاقٍ، يَتْرُكَانِ ثَوَانِيَ إِضَافِيَّةً قَبْلَ اِلِاعْتِرَافِ بِأَنَّ “اَلِافْتِرَاضَ” قَدِ اِنْتَهَى، قَبْلَ أَنْ تَنْتَقِلَ اَلْعَلَاقَةُ مِنْ عَالَمِ اَلْكَلِمَاتِ إِلَى عَالَمِ اَلتَّنَفُّسِ فِي اَلْمَكَانِ نَفْسِهِ.
ثُمَّ رَفَعَ نَظَرَهُ.
وَلَمْ يَحْدُثْ شَيْءٌ دَرَامِيٌّ. لَا صَدْمَةَ. لَا اِبْتِسَامَةَ كَبِيرَةً. لَا اِنْهِيَارًا عَاطِفِيًّا كَمَا فِي اَلْأَفْلَامِ. فَقَطْ لَحْظَةُ صَمْتٍ طَوِيلَةٌ جِدًّا، كَأَنَّهَا أَوَّلُ مَرَّةٍ يَرَى فِيهَا كُلٌّ مِنْهُمَا اَلْمَعْنَى دُونَ وَسِيطِ شَاشَةٍ، اَلْمَعْنَى بِكُلِّ مَا يَحْمِلُهُ مِنْ ثِقَلٍ وَحُضُورٍ.
قَالَ بِهُدُوءٍ:
— وَصَلْتِ.
وَأَجَابَتْ، بَعْدَ ثَانِيَةٍ أَطْوَلَ مِمَّا تَوَقَّعَتْ:
— نَعَمْ.
________________________________________
وَفِي هٰذِهِ “اَلنَّعَمِ” اَلْقَصِيرَةِ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ. النَّعَمُ اَلَّتِي لَا تَعْنِي اَلْمُوَافَقَةَ فَقَطْ، بَلْ تَعْنِي: أَنَا هُنَا، وَقَدِ اخْتَرْتُ أَنْ أَكُونَ هُنَا، وَهٰذَا اِلِاخْتِيَارُ لَا يُمْكِنُنِي اَلتَّرَاجُعُ عَنْهُ الْآنَ.
________________________________________
جَلَسَا. مَرَّ اَلنَّادِلُ، وَهُوَ شَابٌّ صَغِيرٌ يَحْمِلُ فِي مَلَامِحِهِ تَعَبَ اَلْمَدِينَةِ كُلِّهَا، وَسَأَلَ عَنِ اَلطَّلَبِ. اِخْتَارَ كُلٌّ مِنْهُمَا شَيْئًا بَسِيطًا دُونَ تَنْسِيقٍ، كَأَنَّهُمَا يَتَجَنَّبَانِ أَيَّ حَرَكَةٍ قَدْ تَبْدُو مُتَّفَقًا عَلَيْهَا مُسْبَقًا.
حِينَ اِبْتَعَدَ اَلنَّادِلُ، عَادَ اَلصَّمْتُ. لَكِنَّ هٰذَا اَلصَّمْتَ لَمْ يَكُنْ اِفْتِرَاضِيًّا بَعْدَ الْآنَ. كَانَ لَهُ وَزْنُ اَلطَّاوِلَةِ اَلْخَشَبِيَّةِ، وَصَوْتُ اَلْمَكَانِ اَلْمُنْخَفِضِ وَاَلْمُرِيحِ، وَحَرَكَةُ اَلنَّاسِ حَوْلَهُمَا اَلَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ شَيْئًا عَنِ اَلْقِصَّةِ اَلَّتِي تَجْرِي عَلَى هٰذِهِ اَلطَّاوِلَةِ.
________________________________________
قَالَ كَرِيمٌ أَخِيرًا:
— لَمْ أَكُنْ مُتَأَكِّدًا أَنَّكِ سَتَأْتِينَ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ مُبَاشَرَةً هٰذِهِ اَلْمَرَّةَ، دُونَ شَاشَةٍ تَفْصِلُ، دُونَ مَسَافَةٍ تَصُونُ.
— وَلَمْ أَكُنْ مُتَأَكِّدَةً أَنَّنِي لَنْ آتِي.
اِبْتَسَمَ اِبْتِسَامَةً خَفِيفَةً، لَيْسَ فَرَحًا وَلَا اِرْتِيَاحًا، بَلْ شَيْءٌ بَيْنَهُمَا يُشْبِهُ اِلِاعْتِرَافَ بِأَنَّهُمَا كِلَيْهِمَا قَدْ وَصَلَا إِلَى هُنَا بِنَفْسِ اَلطَّرِيقَةِ اَلْمُلْتَوِيَةِ غَيْرِ اَلْمُعْلَنَةِ.
— اَلْفَرْقُ يَبْدُو بَسِيطًا… لَكِنَّهُ لَيْسَ كَذٰلِكَ.
أَوْمَأَتْ دُونَ تَعْلِيقٍ.
________________________________________
وَفِي مَكَانٍ مَا مِنَ اَلْمَدِينَةِ، كَانَ وَائِلٌ يُنْهِي يَوْمَ عَمَلِهِ دُونَ أَنْ يَعْرِفَ شَيْئًا. وَهٰذَا “دُونَ أَنْ يَعْرِفَ” لَمْ يَكُنْ تَفْصِيلًا عَادِيًّا، بَلْ كَانَ هُوَ اَلْقَلْبَ اَلنَّابِضَ لِلْمَوْقِفِ كُلِّهِ. لِأَنَّ اَلْجَهْلَ لَا يُلْغِي اَلتَّدَاعِيَاتِ، تَمَامًا كَمَا أَنَّ إِغْمَاضَ اَلْعَيْنَيْنِ لَا يُلْغِي اَلضَّوْءَ.
________________________________________
قَالَ كَرِيمٌ بَعْدَ لَحْظَةٍ:
— كُلُّ مَا كَتَبْنَاهُ… يَبْدُو مُخْتَلِفًا الْآنَ.
نَظَرَتْ سَمَرُ إِلَى كُوبِهَا.
— لَيْسَ مُخْتَلِفًا… بَلْ مَكْشُوفًا.
سَكَتَ.
هٰذِهِ اَلْكَلِمَةُ بِالتَّحْدِيدِ لَمْ تَكُنْ فِي اَلرَّسَائِلِ. فِي اَلرَّسَائِلِ، كَانَ كُلُّ شَيْءٍ يُتْرَكُ مَفْتُوحًا، يُتْرَكُ قَابِلًا لِلْتَّأْوِيلِ وَاَلتَّجْمِيلِ وَإِعَادَةِ اَلْقِرَاءَةِ. أَمَّا هُنَا، فِي هٰذَا اَلْمَقْهَى، بِهٰذَا اَلضَّوْءِ اَلْمَائِلِ، فَكُلُّ شَيْءٍ بَدَأَ يَأْخُذُ شَكْلَهُ اَلْحَقِيقِيَّ وَلَوْ بِصُورَةٍ مُؤَقَّتَةٍ.
________________________________________
— كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّنِي أَعْرِفُ مَا اَلَّذِي يَحْدُثُ بَيْنَنَا.
رَفَعَتْ سَمَرُ نَظَرَهَا:
— وَهَلْ تَعْرِفُ الْآنَ؟
تَرَدَّدَ كَرِيمٌ. وَهٰذَا اَلتَّرَدُّدُ لَمْ يَكُنْ ضَعْفًا، بَلْ اِعْتِرَافًا بِأَنَّ اَلْمَعْرِفَةَ فِي حُضُورِ اَلْآخَرِ أَصْعَبُ بِكَثِيرٍ مِنَ اَلْمَعْرِفَةِ عَبْرَ اَلْكَلِمَاتِ.
— لَا.
صَمَتَتْ. لَكِنَّ دَاخِلَهَا لَمْ تَكُنْ “لَا” هٰذِهِ مُخِيفَةً. بَلْ كَانَتْ مُطْمَئِنَّةً بِطَرِيقَةٍ غَرِيبَةٍ، كَأَنَّ عَدَمَ اَلْمَعْرِفَةِ هُوَ أَوَّلُ شَيْءٍ حَقِيقِيٍّ يَقُولُهُ أَحَدُهُمَا مُنْذُ اَلْبِدَايَةِ.
________________________________________
فِي اَلْخَارِجِ، كَانَتِ اَلشَّمْسُ تَمِيلُ نَحْوَ اَلْغُرُوبِ. وَدِمَشْقُ فِي هٰذِهِ اَلسَّاعَةِ لَهَا لَوْنٌ خَاصٌّ، لَوْنٌ يَجْمَعُ بَيْنَ اَلذَّهَبِ وَاَلتَّعَبِ وَاِلِاسْتِمْرَارِ. كَأَنَّ نَهْرَهَا اَلَّذِي كَانَ يَجْرِي لَا يَعْرِفُ شَيْئًا عَمَّا جَرَى فِي هٰذِهِ اَلْمَدِينَةِ، كَأَنَّ اَلْمَاءَ وَحْدَهُ يَمْلِكُ رَفَاهِيَةَ اَلنِّسْيَانِ.
قَالَتْ بَعْدَ لَحْظَةٍ:
— مَا اَلَّذِي كُنْتَ تَتَوَقَّعُهُ مِنْ هٰذَا اَللِّقَاءِ؟
نَظَرَ إِلَيْهَا طَوِيلًا.
— لَا شَيْءَ مُحَدَّدًا. وَهٰذَا أَخَافَنِي أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ.
لَمْ تَرُدَّ فَوْرًا. لِأَنَّهَا أَدْرَكَتْ أَنَّ “عَدَمَ اَلتَّوَقُّعِ” لَمْ يَكُنْ رَاحَةً هُنَا، بَلْ كَانَ مَسَاحَةً مَفْتُوحَةً عَلَى كُلِّ اِلِاحْتِمَالَاتِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، كَبَابٍ لَمْ تَعْرِفْ مَا خَلْفَهُ لَكِنَّهَا فَتَحَتْهُ عَلَى أَيِّ حَالٍ.
وَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى اَلطَّاوِلَةِ دُونَ أَنْ تَقْتَرِبَ مِنْهُ. كَأَنَّهَا تَرْسُمُ حَدًّا غَيْرَ مَرْئِيٍّ بَيْنَ مَا كَانَ يُكْتَبُ وَمَا بَدَأَ يُعَاشُ.
— اَلرَّسَائِلُ كَانَتْ أَسْهَلَ.
هَزَّ رَأْسَهُ:
— لِأَنَّهَا كَانَتْ تَسْمَحُ لَنَا أَنْ نَكُونَ أَكْثَرَ مِمَّا نَحْنُ عَلَيْهِ… أَوْ أَقَلَّ.
________________________________________
وَهُنَا، لَوْ كَانَتْ ثَمَّةَ لَمَى، إِحْدَى صَدِيقَاتِ سَمَرَ اَلْقَدِيمَاتِ اَللَّوَاتِي هَاجَرْنَ إِلَى تُرْكِيَا مَعَ بِدَايَةِ اَلْأَزْمَةِ وَبَاتَتْ تُرْسِلُ رَسَائِلَ صَوْتِيَّةً أَحْيَانًا تَسْأَلُ فِيهَا “كَيْفِكِ سَمَرُ، كَيْفَ اَلْأَوْضَاعُ؟” بِصَوْتٍ يَحْمِلُ اَشْتِيَاقًا وَذَنْبًا فِي آنٍ وَاحِدٍ، ذَنْبَ مَنْ غَادَرَ نَحْوَ مَنْ بَقِيَ، لَوْ كَانَتْ لَمَى هُنَا لَرُبَّمَا قَالَتْ: “سَمَرُ، نَحْنُ عِشْنَا اَلثَّوْرَةَ وَاَلْحَرْبَ وَكُلَّ هٰذِهِ اَلتَّقَلُّبَاتِ، وَبَعْدَيْنِ بَدْنَا نِتَحَمَّلْ وَجَعَ اَلْعَلَاقَاتِ كَمَانْ؟” لَكِنَّ لَمَى لَمْ تَكُنْ هُنَا. وَاَلْوَجَعُ لَا يَنْتَظِرُ تَوْقِيتًا مُنَاسِبًا.
________________________________________
مَرَّتْ لَحْظَةٌ ثَقِيلَةٌ.
ثُمَّ قَالَ كَرِيمٌ، وَهُوَ يُحَرِّكُ كُوبَهُ دُونَ أَنْ يَشْرَبَ:
— حِينَ كُنَّا نَتَحَدَّثُ عَبْرَ اَلرَّسَائِلِ… كَانَ كُلُّ شَيْءٍ يَبْدُو قَابِلًا لِلتَّأْجِيلِ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ:
— وَاَلتَّأْجِيلُ كَانَ نَوْعًا مِنَ اَلْأَمَانِ.
— نَعَمْ. لَكِنَّنِي لَا أَعْرِفُ إِنْ كُنَّا نُؤَجِّلُ اَلشَّيْءَ نَفْسَهُ… أَمْ نُؤَجِّلُ اِلِاعْتِرَافَ بِهِ فَقَطْ.
هٰذِهِ اَلْجُمْلَةُ جَعَلَتْ سَمَرَ تَنْظُرُ إِلَى اَلنَّافِذَةِ بَدَلًا مِنْهُ. فِي اَلْخَارِجِ، كَانَ اَلضَّوْءُ يَتَرَاجَعُ، كَأَنَّ اَلنَّهَارَ نَفْسَهُ يَنْسَحِبُ دُونَ إِعْلَانٍ، دُونَ وَدَاعٍ، كَمَا تَفْعَلُ اَلْأَشْيَاءُ اَلْجَمِيلَةُ دَائِمًا.
— اِلِاعْتِرَافُ لَيْسَ اَلْمُشْكِلَةَ.
نَظَرَ إِلَيْهَا:
— مَا اَلْمُشْكِلَةُ إِذًا؟
تَرَدَّدَتْ. ثُمَّ:
— اَلْمُشْكِلَةُ… أَنَّ اِلِاعْتِرَافَ لَا يَأْتِي وَحْدَهُ.
سَكَتَ. فَهِمَ مَا تَقْصِدُهُ دُونَ أَنْ يُعَلِّقَ. لِأَنَّ مَا تَقْصِدُهُ كَانَ يَعْنِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةً فِي آنٍ وَاحِدٍ: حَيَاةً قَائِمَةً، اِلْتِزَامَاتٍ قَائِمَةً، شَخْصًا آخَرَ فِي مَكَانٍ مَا مِنَ اَلْمَدِينَةِ لَا يَعْرِفُ شَيْئًا وَلَا يَسْتَحِقُّ أَلَّا يَعْرِفَ.
________________________________________
وَفِي تِلْكَ اَللَّحْظَةِ بِذَاتِهَا، كَمَا غَيْرِهَا مِنْ كُلِّ لَحَظَاتِ اَلْمَدِينَةِ اَلَّتِي اِعْتَادَتْ أَنْ تَحْمِلَ أَثْقَالَهَا فَوْقَ اَلْمُعْتَادِ مِنْ سَنَوَاتِ اَلْأَزْمَةِ: أُسَرٌ تَفَرَّقَتْ، بُيُوتٌ خُرِّبَتْ، وَذَاكِرَةٌ جَمَاعِيَّةٌ مُثْقَلَةٌ بِالْخَسَارَةِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، أَوْ رُبَّمَا بِسَبَبِ كُلِّ ذٰلِكَ، كَانَتِ اَلْحَيَاةُ اَلشَّخْصِيَّةُ لِلنَّاسِ تَمْضِي فِي مَسَارَاتِهَا اَلْخَاصَّةِ، مُعَقَّدَةً وَإِنْسَانِيَّةً وَمُتَشَابِكَةً. اَلْحَرْبُ لَا تُوَقِفُ اَلْحُبَّ وَلَا تُوَقِفُ اَلْإِخْفَاقَ، بَلْ أَحْيَانًا تُعَجِّلُهُمَا وَتُجَلِّيهِمَا.
________________________________________
قَالَ كَرِيمٌ فَجْأَةً:
— هَلْ تُفَكِّرِينَ فِي اَلْعَوْدَةِ الْآنَ كَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَحْدُثْ؟
نَظَرَتْ إِلَيْهِ مُبَاشَرَةً. هٰذِهِ اَلْمَرَّةَ لَمْ تَتَجَنَّبِ اَلْإِجَابَةَ.
— لَا أَظُنُّ أَنَّ “كَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَحْدُثْ” مَا زَالَ خِيَارًا.
تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً.
ثُمَّ أَضَافَتْ:
— اَلسُّؤَالُ أَصْبَحَ: مَاذَا يَحْدُثُ الْآنَ؟
________________________________________
لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، لَمْ يَكُنْ لَدَى كَرِيمٍ رَدٌّ جَاهِزٌ. وَفِي هٰذَا اَلْفَرَاغِ اَلْقَصِيرِ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ يَأْخُذُ شَكْلَهُ اَلْحَقِيقِيَّ. لَيْسَ حُبًّا مُكْتَمِلًا، وَلَا قَرَارًا وَاضِحًا، وَلَا اِعْتِرَافًا نِهَائِيًّا. بَلْ بِدَايَةَ مَسَارٍ لَا يُمْكِنُ اَلرُّجُوعُ عَنْهُ بِسُهُولَةٍ، حَتَّى لَوْ لَمْ يُعْلَن بَعْدُ.
— لَا أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ سَبَبًا فِي كَسْرِ شَيْءٍ فِي حَيَاتِكِ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ سَمَرُ طَوِيلًا. وَهٰذِهِ اَلْجُمْلَةُ، رَغْمَ بَسَاطَتِهَا اَلظَّاهِرَةِ، لَمْ تُنْهِ شَيْئًا. بَلْ فَتَحَتِ اَلْبَابَ اَلْحَقِيقِيَّ لِمَا لَمْ يُقَلْ بَعْدُ:
— وَمَاذَا لَوْ أَنَّ مَا سَيُكْسَرُ… كَانَ قَدِ ابْتَدَأَ يَتَشَقَّقُ قَبْلَ أَنْ نَلْتَقِي؟
________________________________________
لَمْ يُجِبْ.
لِأَنَّ اَلْإِجَابَةَ، فِي تِلْكَ اَللَّحْظَةِ، لَمْ تَعُدْ تُقَالُ بِسُهُولَةٍ. بَلْ بَدَأَتْ تُعَاشُ بِصَمْتٍ ثَقِيلٍ بَيْنَ شَخْصَيْنِ يُدْرِكَانِ أَنَّ مَا بَدَأَ كَرَسَائِلَ فِي اَللَّيْلِ، لَمْ يَعُدْ يُمْكِنُ إِرْجَاعُهُ إِلَى مَكَانِهِ اَلْأَوَّلِ.
________________________________________
وَأُضِيئَتْ مَصَابِيحُ اَلشَّارِعِ خَارِجَ اَلْمَقْهَى، وَاحِدَةً تِلْوَ اَلْأُخْرَى، كَأَنَّ اَلْعَالَمَ يُعْلِنُ اِنْتِقَالَهُ إِلَى مَرْحَلَةٍ أُخْرَى دُونَ أَنْ يَنْتَظِرَ قَرَارَ أَحَدٍ.
دِمَشْقُ تُضَاءُ كُلَّ مَسَاءٍ رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ.
وَهٰذَا وَحْدَهُ، فِي سَنَوَاتٍ كَهٰذِهِ، كَانَ مُعْجِزَةً صَغِيرَةً.
________________________________________
بَقِيَ اَلسُّؤَالُ اَلْحَقِيقِيُّ مُعَلَّقًا فِي اَلْهَوَاءِ بَيْنَ طَاوِلَةٍ وَكُوبَيْ قَهْوَةٍ بَارِدَيْنِ: لَيْسَ “هَلْ يُحِبَّانِ؟” فَهٰذَا سُؤَالٌ سَهْلٌ. بَلْ: مَا اَلَّذِي سَيَفْعَلَانِهِ بِكُلِّ مَا يُدْرِكَانِهِ؟ وَهَلْ يَمْلِكُ اَلْإِنْسَانُ دَائِمًا شَجَاعَةَ مَا يَعْرِفُهُ؟
اَلْفَصْلُ اَلرَّابِعُ عَشَرَ
مَرَّتْ أَيَّامٌ قَلِيلَةٌ بَعْدَ اَللِّقَاءِ.
لَكِنَّ اَلزَّمَنَ لَمْ يَعُدْ يُقَاسُ لَدَى سَمَرَ بِالْأَيَّامِ، بَلْ بِالثِّقَلِ اَلَّذِي يَتْرُكُهُ كُلُّ يَوْمٍ فِي دَاخِلِهَا، كَأَنَّ اَلْوَقْتَ اِكْتَسَبَ كَثَافَةً جَدِيدَةً لَمْ تَعْرِفْهَا مِنْ قَبْلُ.
لَمْ يَحْدُثْ أَيُّ تَوَاصُلٍ مُبَاشِرٍ بَيْنَهُمَا. لَا رِسَالَةَ. لَا تَعْلِيقَ. وَلَا حَتَّى مُحَاوَلَةً غَيْرَ مُكْتَمِلَةٍ.
وَمَعَ ذٰلِكَ، لَمْ يَكُنْ غِيَابُهُ غِيَابًا حَقِيقِيًّا.
بَلْ كَانَ حُضُورًا مِنْ نَوْعٍ آخَرَ، أَكْثَرَ هُدُوءً وَأَعْمَقَ إِزْعَاجًا، كَالصَّوْتِ اَلْخَافِتِ اَلَّذِي لَا تُسْمِعُهُ إِلَّا حِينَ يَتَوَقَّفُ كُلُّ شَيْءٍ آخَرُ.
________________________________________
فِي كُلِّ مَرَّةٍ تَفْتَحُ فِيهَا سَمَرُ اَلْهَاتِفَ دُونَ سَبَبٍ، كَانَتْ تُدْرِكُ أَنَّهَا لَا تَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ مُحَدَّدٍ. كَانَتْ فَقَطْ تَتَحَقَّقُ مِنْ أَنَّ اَلْبَابَ مَا زَالَ مَوْجُودًا.
وَهَلْ ثَمَّةَ فَرْقٌ بَيْنَ اَلْبَابِ اَلَّذِي تَقِفِينَ أَمَامَهُ وَلَا تَطْرُقِينَهُ، وَاَلْبَابِ اَلَّذِي تَدَّعِينَ أَنَّكِ لَا تَعْرِفِينَ مَكَانَهُ؟
________________________________________
فِي أَحَدِ اَلصَّبَاحَاتِ، أَثْنَاءَ إِعْدَادِ اَلْفُطُورِ، تَوَقَّفَتْ فَجْأَةً أَمَامَ اَلْمِقْلَاةِ. لَيْسَ بِسَبَبِ حَدَثٍ خَارِجِيٍّ، وَلَا لِأَنَّ شَيْئًا اِحْتَرَقَ. بَلْ لِأَنَّ فِكْرَةً بَسِيطَةً مَرَّتْ فِي ذِهْنِهَا دُونَ اِسْتِئْذَانٍ:
هَلْ كَانَ يَجِبُ أَنْ أَذْهَبَ؟
لَمْ تُجِبِ اَلْفِكْرَةَ. لِأَنَّ اَلْإِجَابَةَ لَمْ تَعُدْ سَهْلَةَ اِلِاتِّجَاهِ، كَسِكِّينٍ ذِي حَدَّيْنِ فِي كِلَا الاتِّجَاهَينِ لَا تَعْرِفُ أَيَّهُمَا تُمْسِكِينَ.
________________________________________
وَلَعَلَّهُ فِي تِلْكَ اَللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، كَانَتْ هَنَاءُ، أُخْتُهَا اَلْكُبْرَى اَلَّتِي تَسْكُنُ فِي اَلْحَيِّ اَلْمُجَاوِرِ وَتَعْرِفُهَا أَكْثَرَ مِمَّا تَعْرِفُ نَفْسَهَا أَحْيَانًا، لَعَلَّهَا كَانَتْ سَتُلاحِظُ ذٰلِكَ اَلتَّوَقُّفَ لَوْ كَانَتْ حَاضِرَةً. اَلنِّسَاءُ اَللَّوَاتِي يَعْرِفْنَ بَعْضَهُنَّ مُنْذُ اَلطُّفُولَةِ يَقْرَأْنَ اَلتَّوَقُّفَاتِ قَبْلَ اَلْكَلِمَاتِ. لَكِنَّ سَمَرَ لَمْ تَتَّصِلْ بِهَنَاءَ مُنْذُ أَيَّامٍ. وَهٰذَا اِلِانْقِطَاعُ اَلصَّغِيرُ كَانَ بِحَدِّ ذَاتِهِ شَكْلًا مِنْ أَشْكَالِ اَلْإِخْفَاءِ.
________________________________________
فِي اَلْمَسَاءِ، كَانَ وَائِلٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا على هَاتِفِهِ مِنَ اَلْمُعْتَادِ.
عَنِ اَلْعَمَلِ، عَنِ اَلْمُسْتَقْبَلِ، عَنْ خُطَطٍ تَبْدُو مُسْتَقِرَّةً مِنَ اَلْخَارِجِ. اَلرَّجُلُ اَلَّذِي يَتَحَدَّثُ عَنِ اَلْمُسْتَقْبَلِ بِهٰذَا اَلثَّبَاتِ لَا يَعْرِفُ أَنَّ اَلْأَرْضِيَّةَ تَحْتَ ذٰلِكَ اَلْمُسْتَقْبَلِ قَدِ اَهْتَزَّتْ قَلِيلًا، وَأَنَّ مَنْ تَجْلِسُ أَمَامَهُ تَسْمَعُ كَلِمَاتِهِ لَكِنَّهَا لَا تَرَاهَا فِي اَلْمَكَانِ نَفْسِهِ اَلَّذِي يَرَاهَا فِيهِ.
كَانَتْ سَمَرُ تَسْتَمِعُ. لَكِنَّهَا لَاحَظَتْ شَيْئًا غَرِيبًا: كُلُّ مَا كَانَ “مُسْتَقْبَلًا” فِي حَدِيثِهِ لَمْ يَعُدْ يُشْبِهُ اَلْمُسْتَقْبَلَ اَلَّذِي تَشْعُرُ بِهِ دَاخِلَهَا. كَأَنَّهُمَا يَتَحَدَّثَانِ عَنْ خَرِيطَتَيْنِ لِبَلَدٍ وَاحِدٍ لَكِنَّهُمَا رُسِمَتَا فِي عَصْرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.
— يَبْدُو أَنَّكِ تُفَكِّرِينَ كَثِيرًا حَتَّى وَأَنَا أَتَكَلَّمُ.
اِبْتَسَمَتْ اِبْتِسَامَةً صَغِيرَةً.
— أَنَا أَسْتَمِعُ.
— لَكِنَّكِ لَسْتِ هُنَا بِالْكَامِلِ.
________________________________________
تَوَقَّفَتْ.
هٰذِهِ اَلْمَرَّةَ، لَمْ تَنْفِ. لِأَنَّ اَلنَّفْيَ كَانَ سَيَكُونُ كِذْبًا وَاضِحًا حَتَّى لِأُذُنَيْهَا هِيَ. قَالَتْ بِهُدُوءٍ:
— رُبَّمَا أَنَا أُحَاوِلُ أَنْ أَفْهَمَ أَيْنَ أَنَا.
سَكَتَ وَائِلٌ. لَمْ يَسْأَلْ أَكْثَرَ.
وَهٰذَا اَلصَّمْتُ، هٰذِهِ اَلْمَرَّةَ، لَمْ يَكُنْ مُرِيحًا. كَانَ صَمْتَ مَنْ يَسْمَعُ شَيْئًا لَا يُرِيدُ أَنْ يَسْمَعَهُ، وَيَخْتَارُ أَلَّا يَفْتَحَ اَلْبَابَ لِأَنَّهُ يَخْشَى مَا خَلْفَهُ.
________________________________________
وَكَانَ وَائِلٌ، فِي قَرَارَةِ نَفْسِهِ اَلَّتِي لَا يُفْصِحُ عَنْهَا لِأَحَدٍ، يُدْرِكُ أَنَّ ثَمَّةَ شَيْئٍ مَا. لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ مَا تَخَيَّلَهُ أَحْيَانًا فِي لَحَظَاتِ اَلشَّكِّ اَلْخَاطِفِ، لَكِنَّ شَيْئًا مَا. اَلرَّجُلُ اَلَّذِي يَعِيشُ مَعَ اِمْرَأَةٍ سَنَوَاتٍ يَتَعَلَّمُ قِرَاءَةَ اَلْمَسَافَاتِ حَتَّى حِينَ لَا يُرِيدُ. وَوَائِلٌ كَانَ رَجُلًا ذَكِيًّا بِمَا يَكْفِي لِيُدْرِكَ، وَخَائِفًا بِمَا يَكْفِي لِيَصْمُتَ.
وَلَعَلَّ هٰذَا هُوَ اَلْأَلَمُ اَلْأَصْعَبُ فِي هٰذِهِ اَلْقِصَّةِ كُلِّهَا: لَيْسَ اَللِّقَاءُ، وَلَا اَلرَّسَائِلُ، بَلِ اَلصَّمْتُ اَلَّذِي يَخْتَارُهُ كُلُّ طَرَفٍ حِمَايَةً لِمَا تَبَقَّى.
________________________________________
اَلْفَصْلُ اَلْخَامِسُ عَشَرَ
فِي غُرْفَتِهَا لَيْلًا، جَلَسَتْ سَمَرُ قُرْبَ اَلنَّافِذَةِ.
اَلْمَدِينَةُ كَانَتْ هَادِئَةً بِشَكْلٍ عَادِيٍّ، دِمَشْقُ اَلَّتِي تَعَلَّمَتِ اَلْهُدُوءَ كَدِرْعٍ لَا كَحَالَةٍ. لَكِنَّ دَاخِلَهَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَيْءٌ عَادِيٌّ عَلَى اَلْإِطْلَاقِ.
فَتَحَتِ اَلْهَاتِفَ. تَوَقَّفَتْ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تَلْمِسَهُ، كَمَنْ يَقِفُ أَمَامَ صُنْدُوقٍ يَعْرِفُ مَا فِيهِ لَكِنَّهُ يُؤَخِّرُ اَلْفَتْحَ.
ثُمَّ، دُونَ رِسَالَةٍ جَدِيدَةٍ، دَخَلَتْ إِلَى سِجِلِّ اَلْمُحَادَثَةِ اَلْقَدِيمَةِ.
قَرَأَتْ أَوَّلَ رِسَالَةٍ كَتَبَتْهَا.
ثُمَّ التَالِيةَ حَتى اَلْأَخِيرَةَ.
________________________________________
كَانَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ بَسِيطٌ فِي اَلزَّمَنِ، أَسَابِيعُ قَلِيلَةٌ لَا أَكْثَرُ. لَكِنَّ فَرْقًا كَبِيرًا فِي اَلنَّبْرَةِ، كَأَنَّ شَخْصَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ كَتَبَاهَا. اَلْأَوَّلُ يَتَكَلَّمُ بِحَذَرِ مَنْ يَلْمِسُ شَيْئًا سَاخِنًا بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ، وَاَلْآخَرُ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتِ مَنْ قَرَّرَ، دُونَ أَنْ يَعْرِفَ مَتَى قَرَّرَ.
مَتَى تَحَوَّلْنَا؟ وَمَنْ كَانَ يُرَاقِبُ؟
________________________________________
ثُمَّ فَجْأَةً، وَصَلَ إِشْعَارٌ.
رِسَالَةٌ وَاحِدَةٌ:
“أَنَا لَمْ أَنْدَمْ عَلَى اَللِّقَاءِ. لَكِنَّنِي لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَضَعُهُ الْآنَ فِي مَكَانِهِ اَلصَّحِيحِ.”
________________________________________
تَوَقَّفَتْ.
لَمْ تَرُدَّ فَوْرًا. لِأَنَّ اَلسُّؤَالَ لَمْ يَعُدْ: مَاذَا أَقُولُ؟ بَلْ أَصْبَحَ: هَلْ هُنَاكَ “مَكَانٌ صَحِيحٌ” أَصْلًا لِأَيِّ شَيْءٍ بَدَأَ خَارِجَ اَلتَّوَقُّعِ؟
اَلْأَشْيَاءُ اَلَّتِي نَضَعُهَا فِي أَمَاكِنِهَا اَلصَّحِيحَةِ هِيَ اَلْأَشْيَاءُ اَلَّتِي نَعْرِفُ حَجْمَهَا وَشَكْلَهَا مُسْبَقًا. أَمَّا مَا لَا نَعْرِفُ حَجْمَهُ، فَكَيْفَ نَجِدُ لَهُ رَفًّا مُنَاسِبًا؟
كَتَبَتْ بَعْدَ وَقْتٍ طَوِيلٍ:
“رُبَّمَا بَعْضُ اَلْأَشْيَاءِ لَا يَكُونُ لَهَا مَكَانٌ… بَلْ أَثَرٌ فَقَطْ.”
أَرْسَلَتْ. ثُمَّ أَغْلَقَتِ اَلْهَاتِفَ.
هٰذِهِ اَلْمَرَّةَ، لَمْ يَكُنِ اَلْإِغْلَاقُ هَرَبًا. بَلْ كَانَ إِدْرَاكًا هَادِئًا أَنَّ مَا بَدَأَ بَيْنَهُمَا لَمْ يَعُدْ بِحَاجَةٍ إِلَى مُتَابَعَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ لِيَبْقَى حَيًّا. بَلْ أَصْبَحَ حَيًّا بِطَرِيقَةٍ أُخْرَى، أَقَلَّ وُضُوحًا وَأَكْثَرَ اِسْتِقْرَارًا فِي دَاخِلِهَا مِمَّا كَانَتْ تَتَوَقَّعُ.
________________________________________
وَكَانَتْ دِمَشْقُ فِي اَلْخَارِجِ تَنَامُ وَتَصْحُو بِإِيقَاعِهَا اَلَّذِي لَا يَتَوَقَّفُ. مَدِينَةٌ تَعَلَّمَتْ فِي سَنَوَاتِ اَلْأَزْمَةِ أَنْ تَحْمِلَ أَثْقَالَهَا فِي صَمْتٍ، أَنْ تُكْمِلَ مَا يَجِبُ إِكْمَالُهُ حَتَّى حِينَ يَبْدُو كُلُّ شَيْءٍ عَسِيرًا. وَسَمَرُ، اِبْنَةُ هٰذِهِ اَلْمَدِينَةِ، كَانَتْ تَتَعَلَّمُ اَلشَّيْءَ نَفْسَهُ عَلَى مُسْتَوًى أَخَصَّ وَأَكْثَرَ حِمِيمِيَّةً: كَيْفَ تَحْمِلُ مَا لَا يُسَمَّى.
________________________________________
