الدم الذي لم يجفّ

الجزء الثاني من رواية “حين توقف الوحي وبدأ الإنسان” – الملحق الثاني
الدم الذي لم يجفّ
«وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا»
آل عمران: ١٠٣
»الجرح لا يعني شيئاً حتى تضع يدك عليه«
مدخل
قبل أن يبدأ الدم
ثمَّةَ كُتُبٌ تُكْتَبُ بِالْحِبْرِ،
وَثمَّةَ كُتُبٌ تُكْتَبُ بِشَيْءٍ آخَرَ — بِذَلِكَ الصَّمْتِ الثَّقِيلِ الَّذِي يَسْبِقُ الْكَلَامَ،
حِينَ يَجْلِسُ الْكَاتِبُ أَمَامَ الْوَرَقَةِ وَيَعْرِفُ أَنَّ مَا سَيَكْتُبُهُ لَنْ يَسْلَمَ مِنْ جُرْحٍ مَا،
وَلَنْ يَسْلَمَ قَارِئُهُ مِنْ جُرْحٍ مُقَابِلٍ.
هَذِهِ الرِّوَايَةُ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ.
لَيْسَ لِأَنَّ أَحْدَاثَهَا مُعَقَّدَةٌ — وَهِيَ كَذَلِكَ بِامْتِيَازٍ — بَلْ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَحْدَاثَ لَا تَزَالُ تَتَنَفَّسُ.
بَعْدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَرْنًا مِنَ الزَّمَنِ،
مَا زَالَ الدَّمُ يَتَحَرَّكُ فِي عُرُوقِ الْوِجْدَانِ الْإِسْلَامِيِّ.
يَنْبِضُ فِي شِعْرِ الرِّثَاءِ،
وَيَرْتَجِفُ فِي خُطَبِ الْجُمَعِ،
وَيَصْرُخُ فِي ذِكْرَيَاتٍ تُحْيِيهَا أَجْيَالٌ لَمْ تَرَ مِنْ تِلْكَ الْأَحْدَاثِ شَيْئًا، لَكِنَّهَا تَحْمِلُهَا كَمَا يَحْمِلُ الْإِنْسَانُ آلَامَ أَجْدَادِهِ فِي عِظَامِهِ دُونَ أَنْ يَعْرِفَ مَصْدَرَ الْوَجَعِ.
هَذِهِ الرِّوَايَةُ لَا تُصْدِرُ حُكْمًا.
لَا عَلَى عُثْمَانَ الَّذِي لَقِيَ رَبَّهُ شَهِيدًا فِي بَيْتِهِ،
وَلَا عَلَى عَلِيٍّ الَّذِي حَمَلَ ثِقْلَ الْأُمَّةِ عَلَى كَتِفَيْنِ لَمْ يُخْلَقَا لِيَكُونَا وَحِيدَيْنِ،
وَلَا عَلَى مُعَاوِيَةَ الَّذِي أَدَارَ إِمْبِرَاطُورِيَّةً بِعَقْلِ السِّيَاسِيِّ وَأُسْلُوبِ الْمُحْتَرِفِ،
وَلَا عَلَى الْحُسَيْنِ الَّذِي وَقَفَ فِي وَجْهِ مَا رَآهُ ظُلْمًا لَا تُطِيقُهُ رُوحُهُ الْكَرِيمَةُ.
الْحُكْمُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ.
مَا تَفْعَلُهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ فَحَسْبُ:
تَجْلِسُ عِنْدَ الْجُرْحِ.
تَضَعُ يَدَهَا عَلَيْهِ بِرِفْقٍ.
وَتَسْأَلُ:
مَا الَّذِي حَدَثَ حَقًّا؟
وَكَيْفَ صَنَعَ هَذَا الْجُرْحُ — بِتَشَعُّبَاتِهِ وَتَدَاخُلَاتِهِ وَجَلَالِهِ الْمَأْسَاوِيِّ — كُلَّ مَا جَاءَ بَعْدَهُ فِي الْفِقْهِ وَالْعَقِيدَةِ وَالْهُوِيَّةِ وَالسِّيَاسَةِ؟
لِأَنَّ مَنْ لَا يَرَى الْجُرْحَ لَا يَفْهَمُ النَّدْبَةَ.
وَمَنْ لَا يَفْهَمُ النَّدْبَةَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقْرَأَ التَّارِيخَ الْإِسْلَامِيَّ قِرَاءَةً تُنْصِفُهُ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
الْمَدِينَةُ — هَوَاءٌ تَغَيَّرَ
السَّنَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ مِنَ الْهِجْرَةِ
لَمْ تَتَغَيَّرِ الْمَدِينَةُ فِي حَجَرِهَا وَلَا فِي طِينِهَا.
لَمْ تَتَغَيَّرِ الْمَآذِنُ وَلَا مَسِيرَةُ الصَّلَوَاتِ.
لَكِنَّ ثمَّةَ شَيْئًا آخَرَ تَغَيَّرَ — طَرِيقَةُ النَّظَرِ بَيْنَ النَّاسِ.
تِلْكَ الْمَسَافَةُ الْخَفِيَّةُ الَّتِي بَدَأَتْ تَنْشَأُ بِبُطْءٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ كَانَا أَمْسِ يُصَلِّيَانِ كَتِفًا إِلَى كَتِفٍ،
وَهِيَ بَيْنَهُمَا الْيَوْمَ لَا تُقَاسُ بِالْأَقْدَامِ بَلْ بِذَلِكَ الشَّيْءِ الْأَدَقِّ مِنَ الْمَسَافَةِ — الشَّكِّ.
لَمْ تَكُنِ الْعَدَاوَةَ بَعْدُ.
كَانَتْ مَا يَسْبِقُهَا:
خَيْبَةَ الْأَمَلِ.
وَخَيْبَةُ الْأَمَلِ أَقْسَى مِنَ الْعَدَاوَةِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ،
لِأَنَّ الْعَدَاوَةَ صَرِيحَةٌ وَتَعْرِفُ عُنْوَانَهَا،
أَمَّا خَيْبَةُ الْأَمَلِ فَتَسْكُنُ فِي الصَّمْتِ بَيْنَ الْكَلِمَاتِ،
وَتَنْمُو فِي اللَّحَظَاتِ الَّتِي لَا يَعْلَمُ بِهَا أَحَدٌ.
فِي بَيْتٍ مُتَوَاضِعٍ فِي أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ، حَيْثُ تَأْتِي الرِّيحُ مِنْ جِهَةِ الصَّحْرَاءِ وَتَحْمِلُ مَعَهَا تِلْكَ الرَّائِحَةَ الَّتِي لَا تُشْبِهُ غَيْرَهَا،
كَانَ جُبَيْرٌ الشَّامِيُّ يَتَكَلَّمُ مَعَ ثَلَاثَةٍ.
كَانَ جُبَيْرٌ رَجُلًا فِي الْخَمْسِينَ،
حَمَلَ الِاسْمَ الْقَدِيمَ كَمَا تَحْمِلُ الْأَنْهَارُ أَسْمَاءَهَا عَبْرَ الْقُرُونِ — لَيْسَ لِأَنَّ الِاسْمَ تَكَرَّرَ،
بَلْ لِأَنَّ الْأَسْئِلَةَ تَكَرَّرَتْ.
كَانَ يَعْرِفُ الشَّامَ وَالْمَدِينَةَ كِلَيْهِمَا،
وَكَانَ فِي هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ الثُّنَائِيَّةِ مَا يَجْعَلُهُ يَرَى مَا لَا يَرَاهُ مَنْ عَاشَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ.
إِلَى يَمِينِهِ جَلَسَ مَسْرُوقٌ الْمَدَنِيُّ — شَابٌّ فِي الثَّلَاثِينَ،
وَرِثَ عَنْ جَدٍّ لَهُ حِرْفَةَ الْكِتَابَةِ وَوَرِثَ مَعَهَا الشَّكَّ فِي اكْتِمَالِ مَا يُكْتَبُ.
كَانَ مَسْرُوقٌ يَحْمِلُ دَوَاةً وَوَرَقًا حَتَّى فِي الْمَجَالِسِ غَيْرِ الرَّسْمِيَّةِ،
لِأَنَّهُ تَعَلَّمَ مِنْ طُفُولَتِهِ دَرْسًا وَاحِدًا:
“اللَّحْظَةُ الَّتِي لَا تُكْتَبُ تُسْرَقُ”.
وَإِلَى يَسَارِهِ كَانَتْ سَلْوَى الْغَرِيبَةُ، الْقَادِمَةُ مِنَ الْحَبَشَةِ بِقَامَتِهَا الْمُسْتَقِيمَةِ وَعَيْنَيْهَا اللَّتَيْنِ لَا تُخْفِيَانِ شَيْئًا.
أَسْلَمَ جَدُّهَا الْأَكْبَرُ حِينَ كَانَ فِي الْحَبَشَةِ مُهَاجِرًا،
وَتَوَارَثَ أَحْفَادُهُ الْإِسْلَامَ كَمَا يُتَوَارَثُ الذَّهَبُ — ثَمِينًا،
لَكِنَّ حِيَازَتَهُ لَا تَعْنِي أَنَّ أَحَدًا يُعَامِلُكَ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ.
كَانَتْ سَلْوَى تَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْ تَجْرِبَةٍ لَا تَحْتَاجُ إِلَى شَرْحٍ.
أَمَّا رَابِعُهُمْ فَكَانَ حَمُّودٌ الْفَلَّاحُ،
الَّذِي جَاءَ مِنْ قَرْيَةٍ لَا تَبْعُدُ كَثِيرًا وَلَا تَقْرُبُ كَثِيرًا،
وَكَانَ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِينَ تَحْمِلُ يَدُهُمْ وَجْهَ النَّهَارِ — مُتَشَقِّقَةً بِلَوْنِ الشَّمْسِ وَالطِّينِ — لَكِنَّ عُيُونَهُمْ تَحْمِلُ عُمْقَ مَنْ يَقْرَأُ الْأَرْضَ كَمَا يَقْرَأُ غَيْرُهُ الْكُتُبَ.
قَالَ جُبَيْرٌ،
وَفِي صَوْتِهِ ذَلِكَ التَّرَدُّدُ الَّذِي يَصْدُرُ مِمَّنْ يُرِيدُ الْبَدْءَ لَكِنَّهُ لَا يَعْرِفُ مِنْ أَيْنَ:
— سَمِعْتُم مَا يُقَالُ.
— مَا يُقَالُ كَثِيرٌ — أَجَابَ مَسْرُوقٌ دُونَ أَنْ يَرْفَعَ بَصَرَهُ عَنْ يَدِهِ الَّتِي أَمْسَكَتِ الْقَلَمَ دُونَ أَنْ تَكْتُبَ بَعْدُ.
— يُقَالُ إِنَّ عُثْمَانَ يُقَرِّبُ أَقَارِبَهُ.
وَإِنَّ الْوُلَاةَ الْجُدُدَ لَيْسُوا كَمَنْ سَبَقَهُمْ.
وَإِنَّ مَا كَانَ مُغْلَقًا بَدَأَ يُفْتَحُ…
قَاطَعَتْهُ سَلْوَى بِتِلْكَ الْمُبَاشَرَةِ الَّتِي اعْتَادَتْ بِهَا إِحْرَاجَ السُّؤَالِ الْمُلْتَوِي:
— وَهَلْ هَذَا صَحِيحٌ؟
تَوَقَّفَ جُبَيْرٌ.
ثُمَّ قَالَ بِبُطْءٍ يَكِيلُ كُلَّ كَلِمَةٍ:
— بَعْضُهُ.
وَبَعْضُهُ مُبَالَغَةٌ.
وَبَعْضُهُ كَذِبٌ صَرِيحٌ.
لَكِنَّ الثَّلَاثَةَ اخْتَلَطَتْ حَتَّى لَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخَبِّرَ أَيَّهَا أَيُّهَا.
هُنَا رَفَعَ حَمُّودٌ الْفَلَّاحُ رَأْسَهُ،
وَكَانَ فِي عَيْنَيْهِ تِلْكَ الطُّمَأْنِينَةُ الْمُقْلِقَةُ الَّتِي تَمْلِكُهَا أَحْيَانًا الْأَرْضُ:
— فِي الزَّرْعِ — حِينَ يَبْدَأُ الْعَفَنُ — لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُخَبِّرَ الْفَلَّاحَ بِشَأْنِ كُلِّ حَبَّةٍ:
هَذِهِ عَفِنَةٌ وَهَذِهِ لَا.
لِأَنَّ الْعَفَنَ لَا يَسْتَأْذِنُ.
يَنْتَشِرُ.
وَأَحْيَانًا يَكُونُ الْخَوْفُ مِنَ الْعَفَنِ أَسْرَعَ انْتِشَارًا مِنَ الْعَفَنِ نَفْسِهِ.
نَظَرَ إِلَيْهِ الثَّلَاثَةُ فِي صَمْتٍ.
— أَعْنِي أَنَّ النَّاسَ حِينَ يَبْدَؤُونَ بِالشَّكِّ — يَشُكُّونَ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
وَالشَّكُّ لَا يَتَوَقَّفُ عِنْدَ مَوْضِعِ الصَّوَابِ.
قَالَ مَسْرُوقٌ وَهُوَ يَكْتُبُ الْجُمْلَةَ الْأَخِيرَةَ:
— أَتَدْرِي يَا حَمُّودُ؟
مَا قُلْتَهُ الْآنَ أَحْكَمُ مِمَّا قَالَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ.
وَلَنْ يُكْتَبَ فِي كِتَابٍ لِأَنَّكَ لَا تَمْلِكُ إِجَازَةً.
ابْتَسَمَ حَمُّودٌ.
ابْتِسَامَةَ مَنْ يُدْرِكُ الْمُفَارَقَةَ دُونَ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهَا نُصُبًا:
— الْأَرْضُ لَا تُعْطِينِي إِجَازَةً.
لَكِنَّهَا تُعَلِّمُنِي.
قَالَتْ سَلْوَى بَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ،
وَفِي صَوْتِهَا ذَلِكَ الصِّدْقُ الْمُبَاشِرُ الَّذِي يَصْدُرُ مِمَّنْ لَا تَمْلِكُ تَرَفَ اللَّفِّ وَالدَّوَرَانِ:
— أَنَا لَا أَفْهَمُ السِّيَاسَةَ بِمُصْطَلَحَاتِ أَهْلِهَا.
لَكِنَّنِي أَفْهَمُ شَيْئًا وَاحِدًا:
مُنْذُ انْتَقَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رَفِيقِهِ الْأَعْلَى،
وَالنَّاسُ يَتَجَادَلُونَ فِي مَنْ يَسْتَحِقُّ.
وَمُنْذُ أَنْ بَدَأْتُ أَسْمَعُ هَذَا الْجِدَالَ،
أَسْأَلُ سُؤَالًا لَمْ يُجِبْنِي عَلَيْهِ أَحَدٌ.
— مَا هُوَ؟ — قَالَ جُبَيْرٌ.
— لِمَاذَا يَسْتَحِقُّ؟
أَلِأَنَّهُ مِنْ قُرَيْشٍ وَنَسَبُهُ شَرِيفٌ؟
أَمْ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ وَسَبَقَ الْآخَرِينَ؟
أَمْ لِأَنَّهُ الْأَقْوَى وَالْأَقْدَرُ عَلَى الْإِمْسَاكِ بِزِمَامِ الْأُمُورِ؟
أَمْ لِأَنَّ أَهْلَ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ؟
تَوَقَّفَتْ.
ثُمَّ قَالَتْ بِذَلِكَ الصَّوْتِ الَّذِي يَصْدُرُ مِنْ عُمْقٍ بَعِيدٍ:
— وَكُلُّ إِجَابَةٍ تَسْمَعُهَا تَبْدُو مَعْقُولَةً.
وَكُلُّ إِجَابَةٍ تَسْمَعُهَا لَا تَكْفِي.
وَهَذَا هُوَ الْجُرْحُ الْأَوَّلُ — لَيْسَ فِي السِّيَاسَةِ بَلْ فِي الصِّيَاغَةِ.
كَانَ الْجَوَابُ غَائِبًا حِينَ كَانَ الْوَقْتُ مُنَاسِبًا لِقَوْلِهِ.
فَصَارَ كُلُّ طَرَفٍ يَمْلَأُ الْغِيَابَ بِمَا يُرِيدُ.
نَظَرَ إِلَيْهَا الثَّلَاثَةُ فِي صَمْتٍ يُشْبِهُ الْإِجَابَةَ.
ثُمَّ كَتَبَ مَسْرُوقٌ عَلَى الْوَرَقَةِ جُمْلَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ تَوَقَّفَ،
ثُمَّ شَطَبَهَا،
ثُمَّ أَعَادَ كِتَابَتَهَا:
“الْغِيَابُ لَا يَعْنِي أَنَّ الْكَلَامَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا.
يَعْنِي أَنَّهُ بَقِيَ حَيْثُ لَا يُسْمَعُ.”
الْفَصْلُ الثَّانِي
الرَّجُلُ فِي الْبَيْتِ — دَمٌ فِي رَمَضَانَ
السَّنَةُ الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ مِنَ الْهِجْرَةِ
لَنْ تَسْرُدَ هَذِهِ الرِّوَايَةُ تَفَاصِيلَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَمَا تَسْرُدُهَا كُتُبُ التَّارِيخِ.
فَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي مَكَانِهِ لِمَنْ أَرَادَ الِاسْتِزَادَةَ،
وَهُوَ مُخْتَلَفٌ عَلَيْهِ بِالْقَدْرِ الَّذِي هُوَ مُوَثَّقٌ فِيهِ — وَهَذَا الِاخْتِلَافُ نَفْسُهُ جُزْءٌ مِنَ الْحَقِيقَةِ.
مَا تَفْعَلُهُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ شَيْءٌ آخَرُ:
تَجْلِسُ عِنْدَ تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي أَعْقَبَتِ الْمَقْتَلَ مُبَاشَرَةً.
تِلْكَ اللَّحْظَةُ الرَّهِيبَةُ الَّتِي أَدْرَكَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ — كُلُّهُمْ،
مِنْ مُخْتَلِفِ مَوَاقِعِهِمْ وَمَشَارِبِهِمْ — أَنَّ شَيْئًا قَدْ تَغَيَّرَ لَا يُعَادُ إِلَى مَا كَانَ.
ثمَّةَ لَحَظَاتٌ فِي التَّارِيخِ لَا تُكَسِّرُ حَدَثًا بَلْ تُكَسِّرُ إِطَارًا.
وَمَا حَدَثَ حِينَ قُتِلَ عُثْمَانُ فِي بَيْتِهِ بِالْمَدِينَةِ — شَيْخٌ فِي الثَّمَانِينَ،
يَقْرَأُ الْقُرْآنَ حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ — كَانَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ.
كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ — وَقَدْ بَلَغَ مِنَ الْعُمُرِ مَا يَجْعَلُ الْإِنْسَانَ يَرَى الْأَحْدَاثَ بِعُيُونٍ تَعْرِفُ أَنَّ التَّارِيخَ لَا يَرْحَمُ — جَالِسًا فِي بَيْتِهِ حِينَ وَصَلَهُ الْخَبَرُ.
لَمْ يَقُلْ شَيْئًا.
لَمْ يُعَلِّقْ.
لَمْ يَسْأَلْ.
لَمْ يُبْدِ رَأْيًا.
جَلَسَ وَقْتًا طَوِيلًا فِي ذَلِكَ الصَّمْتِ الَّذِي يَكُونُ أَحْيَانًا أَبْلَغَ مِنْ كُلِّ كَلَامٍ،
ثُمَّ قَالَ بِصَوْتِ رَجُلٍ يَرَى عَبْرَ زُجَاجِ الزَّمَنِ شَيْئًا لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ أَنْ يَرَاهُ:
— الْخَلِيفَةُ قُتِلَ فِي بَيْتِهِ.
فِي الْمَدِينَةِ.
فِي نَهَارٍ مِنْ رَمَضَانَ.
تَوَقَّفَ.
ثُمَّ قَالَ وَكَأَنَّهُ يُفَكِّرُ بِصَوْتٍ عَالٍ لَا يُرِيدُ مِنْ أَحَدٍ أَنْ يَسْمَعَهُ،
لَكِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ الصَّمْتَ:
— هَذَا لَمْ يَحْدُثْ مِنْ قَبْلُ.
قَالَ مَنْ بِجَانِبِهِ:
— وَمِنْ قَبْلِهِ لَمْ يَكُنْ ثمَّةَ خَلِيفَةٌ.
قَالَ ابْنُ عَوْفٍ:
— نَعَمْ.
وَلِهَذَا بِالذَّاتِ لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ مَا يَعْنِي هَذَا.
لِأَنَّنَا لَمْ نَمُرَّ بِهَذَا الدَّرْبِ،
وَلَمْ نَتَعَلَّمْ لُغَةَ مَا حَدَثَ.
وَمَا لَا نَمْلِكُ لَهُ لُغَةً — لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُعَالِجَهُ.
ثُمَّ صَمَتَ مَرَّةً أُخْرَى.
وَكَانَ الصَّمْتُ هَذِهِ الْمَرَّةَ ذَا لَوْنٍ آخَرَ — لَيْسَ الصَّمْتَ الَّذِي يُفَكِّرُ،
بَلِ الصَّمْتَ الَّذِي يُدْرِكُ أَنَّ التَّفْكِيرَ لَنْ يُجْدِيَ.
فِي مَكَانٍ آخَرَ مِنَ الْمَدِينَةِ،
كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقِفُ أَمَامَ دَارِ عُثْمَانَ بَعْدَ أَنْ أَرْسَلَ أَبْنَاءَهُ لِلدِّفَاعِ عَنْهَا.
وَحِينَ جَاءَهُ الْخَبَرُ،
كَانَ عَلَى وَجْهِهِ شَيْءٌ لَا يُسَمَّى بِسُهُولَةٍ.
لَمْ يَكُنِ الْفَرَحَ — هَذَا وَاضِحٌ لِكُلِّ مَنْ رَآهُ.
لَمْ يَكُنِ الْحُزْنَ بِمَعْنَاهُ الْبَسِيطِ.
كَانَ ذَلِكَ الشُّعُورُ الَّذِي لَا يَمْلِكُ اسْمًا فِي كَثِيرٍ مِنَ اللُّغَاتِ — حِينَ تُدْرِكُ أَنَّ الْبَابَ الَّذِي أُغْلِقَ لِلتَّوِّ لَا يُفْتَحُ مِنْ جَدِيدٍ بِالْمِفْتَاحِ نفْسِه.
وَأَنَّ الْعَالَمَ الَّذِي كَانَ قَبْلَ لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ قَدْ صَارَ مَاضِيًا لَا رَجْعَةَ مِنْهُ.
قَالَ لِابْنِهِ الْحَسَنِ — وَكَانَ الْحَسَنُ فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ عُمُرِهِ،
يَحْمِلُ فِي مَلَامِحِهِ ذَلِكَ الْجَمَالَ الَّذِي كَانَ يُذَكِّرُ النَّاسَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
حَتَّى كَانُوا يُطِيلُونَ النَّظَرَ إِلَيْهِ دُونَ أَنْ يَجْرُؤُوا عَلَى الْقَوْلِ:
— مَا حَدَثَ لَا يُمْحَى يَا حَسَنُ.
قَالَ الْحَسَنُ:
— لَكِنَّهُ سَيُحَاسَبُ عَلَيْهِ.
— فِي الْآخِرَةِ — نَعَمْ.
أَمَّا هُنَا…
تَوَقَّفَ عَلِيٌّ وَأَمْسَكَ شَيْئًا فِي الْهَوَاءِ،
كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ الْقَبْضَ عَلَى فِكْرَةٍ تَفْلِتُ مِنْهُ.
— هُنَا سَيَتَكَلَّمُ كُلُّ طَرَفٍ بِمَا يُرِيدُهُ أَنْ يَكُونَ الْحَقِيقَةَ.
وَمَا يُرَادُ أَنْ يَكُونَ الْحَقِيقَةَ — هَذَا النَّوْعُ تَحْدِيدًا — أَخْطَرُ مِنَ الْكَذِبِ الصَّرِيحِ.
لِأَنَّ الْكَذِبَ الصَّرِيحَ يُعْرَفُ.
أَمَّا مَا يُرَادُ أَنْ يَكُونَ حَقًّا فَيَلْبَسُ وَجْهَ الْحَقِّ وَيَمْشِي بِخُطْوَتِهِ.
نَظَرَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ.
قَالَ عَلِيٌّ، وَكَانَ فِي صَوْتِهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ وَصِيَّةَ مَنْ يُدْرِكُ أَنَّ الْوَقْتَ يَنْفَدُ:
— احْفَظْ هَذَا.
لَيْسَ عَنْ هَذِهِ اللَّحْظَةِ.
عَنْ كُلِّ اللَّحَظَاتِ الَّتِي سَتَأْتِي.
وَفِي الطَّرَفِ الْآخَرِ مِنَ الْمَدِينَةِ، فِي الْبَيْتِ الْمُتَوَاضِعِ نَفْسِهِ حَيْثُ تَجْلِسُ الرِّيحُ عَلَى الْعَتَبَةِ،
كَانَ مَسْرُوقٌ يَكْتُبُ بِيَدٍ لَا تَتَوَقَّفُ:
“الْيَوْمَ تَغَيَّرَ شَيْءٌ لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُسَمِّيَهُ.
لَيْسَ عُثْمَانُ وَحْدَهُ مَنْ مَاتَ.
ثمَّةَ شَيْءٌ آخَرُ مَاتَ — ذَلِكَ الْوَهْمُ الْجَمِيلُ بِأَنَّ الْأُمَّةَ يُمْكِنُ أَنْ تَخْتَلِفَ دُونَ أَنْ تَقْتُلَ.
انْتَهَى هَذَا الْوَهْمُ.
وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ وَهْمًا ضَارًّا — كَانَتْ أَمَلًا ضَرُورِيًّا.
وَحِينَ يَنْتَهِي الْأَمَلُ الضَّرُورِيُّ لَا يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَمَلَ كَانَ خَطَأً.
يَعْنِي أَنَّ الْوَاقِعَ كَانَ أَقْسَى مِنْهُ.”
وَضَعَ مَسْرُوقٌ الْقَلَمَ.
ثُمَّ رَفَعَهُ.
ثُمَّ كَتَبَ جُمْلَةً إِضَافِيَّةً بِخَطٍّ أَصْغَرَ،
كَأَنَّهُ يُضِيفُهَا لِنَفْسِهِ لَا لِلتَّارِيخِ:
“وَأَخْشَى أَنَّ مَا يَنْتَظِرُنَا أَقْسَى.”
كَانَ عَلَى حَقٍّ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
الْجَمَلُ — حِينَ تُؤَدِّي النَّوَايَا الطَّيِّبَةُ إِلَى نَتَائِجَ مَأْسَاوِيَّةٍ
السَّنَةُ السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ مِنَ الْهِجْرَةِ
لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُرِيدُ الْمَعْرَكَةَ.
هَذِهِ الْجُمْلَةُ تَبْدُو سَهْلَةً لِلْوَهْلَةِ الْأُولَى،
لَكِنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ أَصْعَبِ مَا يَقُولُهُ التَّارِيخُ عَنْ نَفْسِهِ.
لِأَنَّ مَا حَدَثَ كَانَ مَعْرَكَةً بِكُلِّ مَعْنَى الْكَلِمَةِ — دَمٌ وَقَتْلَى وَفِرَارٌ وَبُكَاءٌ.
وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ كَثِيرٌ مِمَّنْ كَانُوا هُنَاكَ قَدْ أَتَوْا لَا يُرِيدُونَ الْقِتَالَ.
أَتَوْا يُرِيدُونَ الْقِصَاصَ.
أَوِ الْحِسَابَ.
أَوْ أَنْ يُقَالَ شَيْءٌ وَاضِحٌ فِي وُضُوحٍ صَارَ كُلَّ يَوْمٍ أَصْعَبَ.
ثُمَّ الْتَقَى مَنْ أَتَوْا مِنْ طَرِيقَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي الْغَرَضِ نَفْسِهِ،
وَلَمْ يَجِدُوا لُغَةً مُشْتَرَكَةً تَسْبِقُ السُّيُوفَ.
وَهُنَا يَكْمُنُ السِّرُّ الْمُؤْلِمُ فِي الْكَوَارِثِ الْكُبْرَى:
“أَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ دَائِمًا إِلَى نَوَايَا سَيِّئَةٍ.
تَحْتَاجُ فَقَطْ إِلَى نَوَايَا جَيِّدَةٍ تَسِيرُ فِي ظَلَامٍ لَا يَرَى بَعْضُهَا بَعْضًا”.
فِي خَيْمَةٍ خَلْفَ الصُّفُوفِ، بَعِيدًا عَنْ صَرِيرِ السِّلَاحِ الَّذِي بَدَأَ يَمْلَأُ الْهَوَاءَ،
كَانَ مَسْرُوقٌ الْمَدَنِيُّ يَكْتُبُ.
لَمْ يَكُنْ مُقَاتِلًا وَلَمْ يَأْتِ يُقَاتِلُ.
كَانَ يَكْتُبُ لِأَنَّ مَا يَرَاهُ يَتَجَاوَزُ قُدْرَتَهُ عَلَى الصَّمْتِ.
كَتَبَ:
“رَأَيْتُ الْيَوْمَ مَا لَمْ أَظُنَّ أَنَّ عَيْنَيَّ سَتَرَيَانِهِ.
رَأَيْتُ صَحَابَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقِفُونَ فِي صَفَّيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ.
كِلَاهُمَا يَتْلُو الْقُرْآنَ بِنَفْسِ الْآيَاتِ الَّتِي سَمِعَاهَا مِنْ نَفْسِ الْمَصْدَرِ.
وَكِلَاهُمَا يَقُولُ:
(اللهُ أَكْبَرُ) بِنَفْسِ اللِّسَانِ، وَرُبَّمَا بِنَفْسِ الْإِخْلَاصِ.
وَكِلَاهُمَا يَقْتُلُ الْآخَرَ.
لَمْ أَفْهَمْ هَذَا فِي لَحْظَتِهِ.
وَلَا أَفْهَمُهُ الْآنَ وَأَنَا أَكْتُبُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ.
لَكِنَّنِي أَكْتُبُهُ لِأَنَّ مَا لَا يُفْهَمُ يَجِبُ أَنْ يُحْفَظَ حَتَّى يَأْتِيَ مَنْ يَفْهَمُهُ.
أَوْ حَتَّى يَأْتِيَ مَنْ يَقْبَلُ أَنَّهُ لَا يُفْهَمُ — وَهَذَا الْقَبُولُ رُبَّمَا أَصْعَبُ وَأَكْثَرُ شَجَاعَةً مِنْ أَيِّ فَهْمٍ.”
أَغْلَقَ مَسْرُوقٌ وَرَقَتَهُ.
ثُمَّ فَتَحَهَا مُجَدَّدًا وَأَضَافَ:
“وَتَسَاءَلْتُ:
هَلْ يَكْفِي أَنْ تَكُونَ مُخْلِصًا؟
هَلْ يَكْفِي أَنْ تَكُونَ صَادِقًا فِي قَنَاعَتِكَ؟
أَمْ أَنَّ الْإِخْلَاصَ وَالصِّدْقَ يَحْتَاجَانِ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ — إِلَى تَوَاضُعٍ يَجْعَلُكَ تَتَوَقَّفُ لَحْظَةً قَبْلَ أَنْ تُتَرْجِمَ يَقِينَكَ إِلَى سَيْفٍ؟”
بَعْدَ الْمَعْرَكَةِ — حِينَ هَدَأَ الْغُبَارُ وَبَدَأَ الْعَدُّ الْمُؤْلِمُ — جَلَسَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فِي هَوْدَجِهَا.
كَانَ الْهَوْدَجُ الَّذِي صَارَ رَمْزًا لِمَا لَمْ تُرِدْهُ.
كَانَتْ فِي حَالٍ لَا تُوصَفُ.
وَكَانَ مَنْ حَوْلَهَا فِي حَالٍ لَا يُوصَفُ.
جَاءَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ — وَبَيْنَهُمَا مِنَ التَّارِيخِ الْمُعَقَّدِ مَا لَا يُخْتَصَرُ فِي سُطُورٍ — وَقَالَتْ لَهُ بِتِلْكَ الْبَسَاطَةِ الَّتِي تَمْلِكُهَا اللَّحَظَاتُ الَّتِي تَتَجَاوَزُ فِيهَا الْحَقِيقَةُ كُلَّ أَدَبٍ بَلَاغِيٍّ:
— يَا عَلِيُّ.
مَا أَرَدْنَا هَذَا.
قَالَ:
— أَعْلَمُ.
صَمَتَ لَحْظَةً.
ثُمَّ قَالَ:
— لَكِنَّهُ حَدَثَ.
وَكَانَ فِي هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ
— «مَا أَرَدْنَا» وَ«لَكِنَّهُ حَدَثَ» —
خُلَاصَةُ الْفِتْنَةِ كُلِّهَا، وَخُلَاصَةُ كَثِيرٍ مِنَ الْمَآسِي الْإِنْسَانِيَّةِ.
النِّيَّةُ لَا تَمْنَعُ الْأَثَرَ.
وَالْأَثَرُ لَا يُلْغَى بِالنِّيَّةِ الْحَسَنَةِ.
وَبَيْنَ الِاثْنَيْنِ يَعِيشُ التَّارِيخُ بِكُلِّ ثِقَلِهِ،
وَكُلِّ قَسْوَتِهِ،
وَكُلِّ دُرُوسِهِ الَّتِي نَتَعَلَّمُهَا دَائِمًا فِي وَقْتٍ مُتَأَخِّرٍ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي تَلَتِ الْمَعْرَكَةَ،
حِينَ هَدَأَ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا ضَمَائِرَ مَنْ بَقُوا أَحْيَاءً، كَانَتْ سَلْوَى الْغَرِيبَةُ تَجْلِسُ وَحْدَهَا عَلَى صَخْرَةٍ فِي طَرَفِ الْمُخَيَّمِ.
لَمْ تَكُنْ فِي الْمَعْرَكَةِ.
لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ أَنَّهَا سَتَنْتَهِي بِمَا انْتَهَتْ إِلَيْهِ.
لَكِنَّهَا كَانَتْ هُنَاكَ، فِي الْمِنْطَقَةِ الرَّمَادِيَّةِ بَيْنَ الْجَيْشَيْنِ،
تَحْمِلُ الْمَاءَ وَالْغِذَاءَ لِجَرْحَى لَا تَسْأَلُهُمْ مِنْ أَيِّ صَفٍّ أَتَوْا.
فَعَلَتْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْجُرْحَ لَا يَمْلِكُ لَوْنًا.
وَلِأَنَّ الْأَلَمَ لَا يَعْرِفُ مِنْ أَيِّ جَانِبٍ جَاءَ صَاحِبُهُ.
وَكَانَ فِي هَذَا — فِي هَذَا الْفِعْلِ الْبَسِيطِ الَّذِي لَا يُوصَفُ بِالْبُطُولَةِ وَلَا بِالْجُبْنِ — مَا هُوَ أَعْمَقُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْقَرَارَاتِ الْكَبِيرَةِ.
كَانَ فِيهِ قَرَارٌ بِأَنْ تَكُونَ الْإِنْسَانِيَّةُ آخِرَ مَا يُفْقَدُ.
حَتَّى حِينَ يُفْقَدُ كُلُّ شَيْءٍ آخَرَ.
الْفَصْلُ الرَّابِعُ
صِفِّينُ — حِينَ يَصِيرُ الْقُرْآنُ وَرَقَةَ ضَغْطٍ
السَّنَةُ السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ مِنَ الْهِجْرَةِ
عَلَى ضِفَافِ الْفُرَاتِ — حَيْثُ يَتَأَمَّلُ النَّهْرُ فِي مَجْرَاهُ الْقَدِيمِ غَيْرَ مُبَالٍ بِمَنْ يَتَقَاتَلُ عَلَى شُطُوطِهِ — وَقَفَ جَيْشَانِ لَمْ يَتَوَقَّعَا حِينَ خَرَجَا أَنْ يَصِلَا إِلَى هَذَا الْمَكَانِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ.
وَحِينَ رُفِعَتِ الْمَصَاحِفُ عَلَى الرِّمَاحِ مِنْ جِهَةِ مُعَاوِيَةَ،
كَانَتْ تِلْكَ اللَّحْظَةُ الَّتِي تَتَجَاوَزُ فِيهَا السِّيَاسَةُ نَفْسَهَا لِتَدْخُلَ فِي مِنْطَقَةٍ أَعْمَقَ وَأَخْطَرَ.
رُفِعَ الْمُصْحَفُ لَا كَدَعْوَةٍ لِلْقُرْآنِ.
رُفِعَ كَوَرَقَةِ ضَغْطٍ سِيَاسِيَّةٍ.
وَكُلُّ عَاقِلٍ فِي الْجَيْشَيْنِ كَانَ يَعْرِفُ ذَلِكَ.
وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَتَجَاهَلَهُ.
لِأَنَّ الْمُصْحَفَ حِينَ يُرْفَعُ — بِأَيِّ غَرَضٍ كَانَ — فَهُوَ يَحْمِلُ مَعَهُ “اسْمَ اللَّهِ”.
وَأَمَامَ “اسْمِ اللَّهِ” تَضْعُفُ الْحُجَجُ.
وَهُنَا تَكْمُنُ وَاحِدَةٌ مِنْ أَعْمَقِ الدُّرُوسِ الَّتِي حَمَلَهَا ذَلِكَ الْيَوْمُ عَلَى ضِفَافِ الْفُرَاتِ:
أَنَّ الرُّمُوزَ الدِّينِيَّةَ حِينَ تُوَظَّفُ سِيَاسِيًّا، يُصْبِحُ الرَّدُّ عَلَيْهَا فِي الظَّاهِرِ كُفْرًا — حَتَّى لَوْ كَانَ الرَّدُّ فِي الْبَاطِنِ حِكْمَةً.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الطَّوِيلَةِ — قَبْلَ قَبُولِ التَّحْكِيمِ أَوْ رَفْضِهِ — جَلَسَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَحْدَهُ قَرِيبًا مِنَ النَّهْرِ.
كَانَ عَمَّارٌ قَدْ تَجَاوَزَ التِّسْعِينَ.
حَمَلَ ذَلِكَ الْجَسَدُ المُثْقَلُ كُلَّ مَا عَاشَهُ،
وَأُمُّهُ تَمُوتُ أَمَامَهُ وَهِيَ تَقُولُ:
“لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ”،
وَالْهِجْرَةَ وَالْمَعَارِكَ وَالسِّنِينَ الطَّوِيلَةَ.
كَانَ قَدْ قَرَّرَ جَانِبَهُ،
وَكَانَ مُؤْمِنًا بِقَرَارِهِ.
لَكِنَّ الْإِيمَانَ بِالْقَرَارِ لَا يُلْغِي الْأَسْئِلَةَ اللَّيْلِيَّةَ.
قَالَ بِصَوْتٍ لَا يَسْمَعُهُ إِلَّا اللَّيْلُ وَالنَّهْرُ الَّذِي يَمُرُّ غَيْرَ مُبَالٍ:
— يَا رَبِّ.
أَنَا أَرَى أَنَّ الْحَقَّ هُنَا.
لَكِنْ كَيْفَ أَكُونُ مُتَأَكِّدًا أَنَّ رُؤْيَتِي لِلْحَقِّ هِيَ الْحَقُّ حَقًّا،
وَلَيْسَتْ فَقَطْ رَغْبَتِي فِي أَنْ أَكُونَ عَلَى الْجَانِبِ الصَّحِيحِ؟
لَمْ يُجَبْ.
لِأَنَّ هَذَا السُّؤَالَ — هَذَا السُّؤَالَ بِالذَّاتِ — هُوَ الَّذِي لَا يُجَابُ مِنَ الْخَارِجِ.
هُوَ السُّؤَالُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُجِيبَ عَنْهُ كُلُّ إِنْسَانٍ بِنَفْسِهِ،
فِي تِلْكَ السَّاعَةِ الَّتِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ.
وَرُبَّمَا فِي هَذَا حِكْمَةٌ.
لِأَنَّ السُّؤَالَ الَّذِي يُجِيبُ عَنْهُ الْإِنْسَانُ وَحْدَهُ — هُوَ السُّؤَالُ الَّذِي يُحَاسَبُ عَنْهُ وَحْدَهُ.
نَظَرَ عَمَّارٌ إِلَى الْمَاءِ.
كَانَ الْفُرَاتُ يَجْرِي بِلَا مُبَالَاةٍ.
بِلَا جَانِبٍ.
بِلَا مَوْقِفٍ.
فَقَطْ يَجْرِي.
وَتَمَنَّى عَمَّارٌ لَوْ كَانَتِ الْأُمُورُ الْإِنْسَانِيَّةُ تَجْرِي هَكَذَا — بِلَا ضِفَافٍ.
لَكِنَّهَا لَا تَجْرِي.
لَهَا ضِفَافٌ دَائِمًا.
وَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَخْتَارَ.
فِي الصَّفِّ الْآخَرِ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ — ابْنُ الْقَائِدِ الَّذِي كَانَ بِجَانِبِ مُعَاوِيَةَ — يَتَأَمَّلُ فِي شَيْءٍ أَقَضَّ مَضْجَعَهُ:
— كَيْفَ يَكُونُ الرَّجُلَانِ كِلَاهُمَا مُخْلِصَيْنِ وَكِلَاهُمَا فِي خَنْدَقَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ؟
كِلَاهُمَا يُحِبُّ اللَّهَ.
كِلَاهُمَا يُحِبُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
كِلَاهُمَا يُرِيدُ لِلْإِسْلَامِ الْخَيْرَ.
وَكِلَاهُمَا قَاتَلَ الْآخَرَ.
لَمْ يَجِدْ جَوَابًا.
لَكِنَّهُ لَاحَظَ شَيْئًا — وَهَذِهِ الْمُلَاحَظَةُ الْبَسِيطَةُ كَانَتْ أَكْثَرَ مَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُحْفَظَ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ:
“أَنَّ غِيَابَ الْجَوَابِ لَا يَعْنِي أَنَّ السُّؤَالَ غَلَطٌ.
يَعْنِي أَنَّ الْمَوْقِفَ أَكْبَرُ مِنَ الْأَجْوِبَةِ الْمُتَاحَةِ”.
وَحِينَ يَكُونُ الْمَوْقِفُ أَكْبَرَ مِنَ الْأَجْوِبَةِ الْمُتَاحَةِ — رُبَّمَا كَانَ الْأَجْدَرُ أَنْ يَتَوَقَّفَ الْإِنْسَانُ قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ سُؤَالُهُ إِلَى سَيْفٍ.
كَانَ هَذَا دَرْسًا.
لَكِنَّ الدُّرُوسَ تَأْتِي دَائِمًا فِي وَقْتٍ لَا تَنْفَعُ فِيهِ الدُّرُوسُ.
فِي الْيَوْمِ التَّالِي — حِينَ قُبِلَ التَّحْكِيمُ وَانْسَحَبَ الْجَيْشَانِ بِبُطْءٍ كَبُطْءِ الْجَرِيحِ الَّذِي يَتَحَامَلُ عَلَى الْأَلَمِ — وَكَانَ عَمَّارٌ قَدِ اسْتُشْهِدَ قَبْلَ أَنْ تُرْفَعَ الْمَصَاحِفُ.
حَمَلَ حَمُودٌ الْفَلَّاحُ الْخَبَرَ إِلَى مَسْرُوقٍ،
وَكَانَ فِي وَجْهِهِ ذَلِكَ التَّعْبِيرُ الَّذِي يَمْلِكُهُ مَنْ يَحْمِلُ شَيْئًا أَثْقَلَ مِمَّا تَتَحَمَّلُهُ الْيَدَانِ.
— عَمَّارٌ مَاتَ.
لَمْ يَقُلْ مَسْرُوقٌ شَيْئًا.
فَتَحَ دَفْتَرَهُ.
وَكَتَبَ:
«عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ.
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
مَاتَ وَهُوَ يَسْأَلُ.
وَمَاتَ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ إِنْ كَانَ جَوَابُهُ صَحِيحًا.
وَهَذَا — وَحْدَهُ — كَافٍ لِكَيْ يَكُونَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ مَا يَجْعَلُنَا نَتَعَلَّمُ.»
ثُمَّ وَضَعَ الْقَلَمَ وَأَطَالَ الصَّمْتَ.
الْفَصْلُ الْخَامِسُ
الْخَوَارِجُ — الْجُمْلَةُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي بَنَتْ عَالَمًا مُغْلَقًا
خَرَجَ الْخَوَارِجُ مِنْ جَيْشِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ قَبِلَ التَّحْكِيمَ.
وَكَانَ شِعَارُهُمْ:
«لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ.»
وَالْجُمْلَةُ — فِي ذَاتِهَا — صَحِيحَةٌ.
هَذَا مَا يَجْعَلُ قِصَّةَ الْخَوَارِجِ مِنْ أَكْثَرِ الْقِصَصِ إِيلَامًا فِي تَارِيخِ الْفِكْرِ الْإِسْلَامِيِّ.
لِأَنَّ الْجُمْلَةَ الصَّحِيحَةَ حِينَ تُبْنَى عَلَيْهَا نَتِيجَةٌ خَاطِئَةٌ، تَصِيرُ أَخْطَرَ مِنَ الْكَلَامِ الْخَاطِئِ بِمَرَاحِلَ.
لِأَنَّهَا تَمْشِي بِمَشْرُوعِيَّةِ اللَّفْظِ مَعَ فَسَادِ التَّطْبِيقِ.
وَلِأَنَّ مَنْ يُجَادِلُهَا يَبْدُو — فِي الظَّاهِرِ — كَأَنَّهُ يُجَادِلُ الْحَقَّ نَفْسَهُ.
وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْخَطَإِ أَصْعَبُ كُلِّ الْأَخْطَاءِ عِلَاجًا.
لِأَنَّ الْأَدْوَاءَ الَّتِي تُشْبِهُ الْأَدْوِيَةَ تَقْتُلُ بِمَا يُفْتَرَضُ أَنَّهُ يُحْيِي.
جَلَسَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَعَ بَعْضِهِمْ قَبْلَ مَعْرَكَةِ النَّهْرَوَانِ.
وَكَانَ اخْتِيَارُهُ الْحِوَارَ قَبْلَ الْقِتَالِ — فِي مَوْقِفٍ لَا يُؤْمِنُ أَصْحَابُهُ بِالْحِوَارِ مَعَ مَنْ يُخَالِفُهُمْ — مِنْ أَبْلَغِ دُرُوسِ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
قَالَ:
— مَا الَّذِي تُرِيدُونَ؟
قَالُوا:
— لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ.
قَالَ عَلِيٌّ بِهُدُوءِ مَنْ يَعْرِفُ كَيْفَ يُجِيبُ عَلَيْهِمْ:
— كَلِمَةُ حَقٍّ.
لَكِنْ مَاذَا تُرِيدُونَ بِهَا؟
— نُرِيدُ أَلَّا يَحْكُمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ رَجُلٌ.
الْحُكْمُ لِكِتَابِ اللَّهِ.
قَالَ عَلِيٌّ — وَكَانَ فِي صَوْتِهِ ذَلِكَ الْهُدُوءُ الَّذِي يَمْلِكُهُ مَنْ يَرَى إِلَى أَيْنَ يَسِيرُ الْكَلَامُ:
— لَكِنَّ الْكِتَابَ لَا يَتَكَلَّمُ بِنَفْسِهِ.
يَتَكَلَّمُ بِهِ رِجَالٌ.
فَمَنْ يَخْتَارُ الرَّجُلَ؟
لَمْ يُجِيبُوا بِمَا يَكْفِي.
لِأَنَّ السُّؤَالَ كَشَفَ مَا لَمْ يُرِيدُوا رُؤْيَتَهُ:
“أَنَّهُمْ لَا يَرْفُضُونَ حُكْمَ الرِّجَالِ فِي الْمَبْدَإِ.
يَرْفُضُونَ حُكْمَ هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ تَحْدِيدًا.
وَيَقْبَلُونَ حُكْمَ رِجَالِهِمْ هُمْ.”
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْقِفَيْنِ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَبْدَإِ الدِّينِيِّ.
كَانَ فِي مَنْ يُطَبِّقُهُ وَمَنْ يَخْتَارُ الْمُطَبِّقَ.
قالَ حارِثٌ الوَرَّاقُ — الَّذي كانَ دائِمًا في مَكانٍ ما،
يُسَجِّلُ ما لا يُسَجِّلُهُ غَيْرُهُ — في وَرَقَةٍ بَقِيَتْ في أَرْشيفٍ لَمْ يُفْتَحْ كَثيرًا:
«رَأَيْتُ الخَوارِجَ وَسَمِعْتُهُمْ.
وَنَظَرْتُ في عُيونِهِمْ.
وَلَمْ أَرَ فيهِمْ شَرًّا مَقْصودًا.
رَأَيْتُ ناسًا أَخَذوا جُمْلَةً صَحيحَةً وَبَنَوْا عَلَيْها عالَمًا مُغْلَقًا.
وَفي العالَمِ المُغْلَقِ — حَتَّى الصَّحيحُ يَصيرُ خانِقًا،
وَحَتَّى النُّورُ يَصيرُ سِجْنَهُ.
وَتَساءَلْتُ طَويلًا:
“كَيفَ تَبْدَأُ الأَفْكارُ صَحيحَةً وَتَنْتَهي بِالقَتْلِ؟
وَالجَوابُ الَّذي وَصَلْتُ إِلَيْهِ بَعْدَ كُلِّ ذَلِكَ التَّساؤُلِ:
حينَ يُقْفَلُ بابُ السُّؤالِ.
حينَ يَصيرُ السُّؤالُ نَفْسُهُ خِيانَةً.
حينَ يُصْبِحُ اليَقينُ أَكْثَرَ أَهَمِّيَّةً مِنَ الحَقيقَةِ.
لِأَنَّ اليَقينَ شُعورٌ يُريحُ صاحِبَهُ.
وَالحَقيقَةَ رِحْلَةٌ لا تُريحُ أَحَدًا.
وَحينَ يَخْتارُ الإِنْسانُ الرَّاحَةَ عَلَى الرِّحْلَةِ — يَصيرُ اليَقينُ أَخْطَرَ مِنَ الجَهْلِ.»”
وَكانَ حارِثٌ يَعْرِفُ — حينَ كَتَبَ هذا — أَنَّهُ لَنْ يُقْرَأَ في حَياتِهِ.
كانَ يَكْتُبُ لِلزَّمَنِ الَّذي يَأْتي.
كُلُّ مَنْ يَكْتُبُ الحَقيقَةَ في عَصْرٍ لا يَتَّسِعُ لَها يَكْتُبُ لِلزَّمَنِ الَّذي يَأْتي.
وَهٰذا النَّوْعُ مِنَ الكِتابَةِ — وَحْدَهُ — هُوَ ما يَبْقى.
في الطَّريقِ مِنَ النَّهْرَوانِ إِلى الكوفَةِ، كانَ حَمُّودٌ الفَلَّاحُ يَمْشي بِجانِبِ مَسْروقٍ.
وَكانَ الصَّمْتُ بَيْنَهُما ذا وَزْنٍ.
ثُمَّ قالَ حَمُّودٌ — وَكانَ في عادَتِهِ أَلَّا يَقولَ شَيْئًا حَتَّى يَكونَ قَدْ طَبَخَهُ طَويلًا:
— الخَوارِجُ ذَكَّروني بِشَيْءٍ.
— بِماذا؟
— بِالزَّرْعِ حينَ تُعْطيهِ ماءً أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتاجُ.
يَبْدو أَخْضَرَ في البِدايَةِ.
مُبْهِجًا.
أَكْثَرُ خُضْرَةً مِنْ غَيْرِهِ.
ثُمَّ يَموتُ فَجْأَةً.
وَالفَلَّاحُ يَجْلِسُ أَمامَهُ وَيَقولُ:
“أَلَمْ أُعْطِهِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَيْتُ غَيْرَهُ؟”
تَوَقَّفَ حَمُّودٌ.
ثُمَّ قالَ:
— اليَقينُ هُوَ الماءُ الزَّائِدُ.
يُخَضِّرُ أَوَّلًا.
ثُمَّ يُميتُ.
لَمْ يَقُلْ مَسْروقٌ شَيْئًا.
لٰكِنَّهُ كَتَبَ الجُمْلَةَ في دَفْتَرِهِ.
وَإِلى جانِبِها كَتَبَ بِخَطٍّ أَصْغَرَ:
«حَمُّودٌ الفَلَّاحُ.
بِلا إِجازَةٍ.
وَيَفْهَمُ.»
الفَصْلُ السَّادِسُ
كَرْبَلاءُ — ما لا يُرْوَى بَلْ يُحْكَى
المُحَرَّمُ، السَّنَةُ الحادِيَةُ وَالسِّتُّونَ مِنَ الهِجْرَةِ
لا تُرْوَى كَرْبَلاءُ.
تُحْكَى.
وَالفَرْقُ بَيْنَ الرِّوايَةِ وَالحِكايَةِ لَيْسَ فِي الكَلِماتِ.
فِي الطَّريقَةِ الَّتِي يَقِفُ بِها الكَلامُ أَمامَ ما حَدَثَ.
الرِّوايَةُ تُنَظِّمُ الأَحْداثَ وَتَضَعُها فِي سِياقِها وَتُعْطِيها بُنْيَةً وَمَنْطِقًا.
وَالحِكايَةُ تَحْمِلُ شَيْئًا لا يَقْبَلُ البُنْيَةَ وَالمَنْطِقَ — تَحْمِلُ الأَلَمَ كَما هُوَ،
بِلا تَنْظِيمٍ،
كَما يَحْمِلُهُ مَنْ ماتَ فِيها وَمَنْ بَكاها.
هٰذا الفَصْلُ مِنْ ذٰلِكَ النَّوْعِ الثَّانِي.
لَنْ يَكُونَ هُنا تَرْتِيبٌ زَمَنِيٌّ صارِمٌ.
لَنْ تَكُونَ هُنا أَرْقامُ القَتْلَى.
لَنْ تَكُونَ هُنا خَرائِطُ الأَرْضِ.
كُلُّ ذٰلِكَ مَوْجُودٌ فِي مَكانِهِ.
ما لَيْسَ مَوْجُودًا فِي كُلِّ مَكانٍ هُوَ ما نَجْلِسُ عِنْدَهُ الآنَ:
الصَّوْتُ الإِنْسانِيُّ.
ذٰلِكَ الصَّوْتُ الَّذِي يَسْبِقُ الأَيْدِيولوجِيَا.
الَّذِي يَكُونُ قَبْلَ المَوْقِفِ السِّياسِيِّ وَالتَّقْيِيمِ العَقَدِيِّ.
الَّذِي يَسْمَعُهُ القَلْبُ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَهُ العَقْلُ.
فِي الطَّرِيقِ إِلَى الكُوفَةِ — حِينَ كانَ الحُسَيْنُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَسِيرُ وَمَنْ مَعَهُ،
وَحِينَ كانَتْ رَسائِلُ الكُوفَةِ الَّتِي مَلَأَتِ الطَّرِيقَ بِالوُعُودِ تَتَوَقَّفُ واحِدَةً واحِدَةً — كانَ بِجانِبِهِ رَجُلٌ اسْمُهُ زُهَيْرُ بْنُ القَيْنِ.
لَمْ يَكُنْ زُهَيْرٌ مِنْ أَهْلِ البَيْتِ.
لَمْ يَكُنْ مِنْ أَصْحابِ الحُسَيْنِ القُدامَى.
كانَ رَجُلًا عادِيًّا — أَوْ كانَ عادِيًّا حَتَّى اللَّحْظَةِ الَّتِي رَأَى فِيها الحُسَيْنَ ثُمَّ قَرَّرَ أَلَّا يَتْرُكَهُ.
قالَ لَهُ الحُسَيْنُ فِي إِحْدَى تِلْكَ اللَّيالِي الَّتِي صارَ فِيها الصَّمْتُ أَثْقَلَ مِنَ الكَلامِ:
— أَنْتَ تَعْرِفُ ما يَنْتَظِرُنا يا زُهَيْرُ.
قالَ زُهَيْرٌ:
— أَعْرِفُ.
— وَما زِلْتَ هُنا؟.
قالَ زُهَيْرٌ — وَكانَتْ فِي إِجابَتِهِ تِلْكَ البَساطَةُ الجَمِيلَةُ الَّتِي تَمْلِكُها اللَّحَظاتُ الحاسِمَةُ حِينَ تَتَجاوَزُ الحِساباتِ كُلَّها:
— رَأَيْتُكَ.
وَقَرَّرْتُ.
لَمْ يُضِفْ أَكْثَرَ.
لِأَنَّ ما قَرَّرَهُ لا يَحْتاجُ شَرْحًا لِمَنْ يَفْهَمُهُ.
وَلا يَفْهَمُهُ الشَّرْحُ لِمَنْ لا يَفْهَمُهُ.
وَهٰذا النَّوْعُ مِنَ القَرارِ — الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ شَيْءٍ أَعْمَقَ مِنَ الحِسابِ،
مِنْ ذٰلِكَ المَكانِ فِي الإِنْسانِ الَّذِي يَعْرِفُ قَبْلَ العَقْلِ وَيَتَحَرَّكُ قَبْلَ الكَلامِ — هُوَ أَحَدُ أَبْلَغِ مَواقِفِ التَّارِيخِ فِي مَعْنَى الاخْتِيَارِ.
في يَوْمِ عاشُوراءَ — في تِلْكَ الأَرْضِ الَّتِي صَارَ اسْمُها كَرْبَلاءَ وَصَارَ الاسْمُ أَكْبَرَ مِنَ الأَرْضِ — حَدَثَ ما حَدَثَ.
لَنْ تَصِفَهُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ بِالتَّفْصِيلِ.
ما نَجْلِسُ عِنْدَهُ هُوَ ذلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي لا يُكْتَبُ في سِجِلَّاتِ المَعَارِكِ:
السُّؤَالُ الَّذِي تَرَكَتهُ كَرْبَلاءُ مَفْتُوحًا.
لَيْسَ سُؤَالًا عَمَّنِ انْتَصَرَ وَمَنْ خَسِرَ — فَهَذَا وَاضِحٌ.
بَلْ سُؤَالٌ أَعْمَقُ:
“حينَ يَخْتَارُ الإِنْسَانُ المَوْتَ عَلَى الصَّمْتِ عَنْ الظُّلْمِ — هَلْ يَخْسَرُ أَمْ يَرْبَحُ؟”
والتَّارِيخُ يُجِيبُ:
“مَنْ انْتَصَرَ في اليَوْمِ اخْتُطِفَتْ مِنْهُ الذَّاكِرَةُ في كُلِّ يَوْمٍ.
ومَنْ سَقَطَ في اليَوْمِ صَارَ يَسْكُنُ الذَّاكِرَةَ إِلَى الأَبَدِ”.
هَذَا لا يَعْنِي أَنَّ المَوْتَ انْتِصَارٌ.
يَعْنِي أَنَّ ثَمَّةَ أَشْيَاءَ تَبْقَى بَعْدَ الجُثَثِ.
وَأَنَّ أَقْوَى هَذِهِ الأَشْيَاءِ لَيْسَ السِّلَاحَ بَلِ السُّؤَالَ.
والحُسَيْنُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ — في كَرْبَلاءَ — صَارَ سُؤَالًا لَمْ يَتَوَقَّفِ التَّارِيخُ عَنْ طَرْحِهِ.
كانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ في المَدِينَةِ حِينَ وَصَلَهُ الخَبَرُ.
لَمْ يَكُنْ مَعَ الحُسَيْنِ.
وَلَمْ يَكُنْ مَعَ يَزِيدٍ.
كانَ مِنَ الَّذِينَ رَأَوْا الِاعْتِزَالَ عَنِ الفِتْنَةِ خِيَارًا.
وَكانَ يُؤْمِنُ بِذلِكَ الِاخْتِيَارِ وَيُدَافِعُ عَنْهُ.
حِينَ وَصَلَهُ الخَبَرُ بَكَى.
قالَ مِنْ بِجَانِبِهِ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الاسْتِغْرَابَ:
— لِمَ تَبْكِي يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟
أَلَمْ تَكُنْ تَرَى أَنَّ الِاعْتِزَالَ هُوَ الأَصوَبُ؟
قالَ ابْنُ عُمَرَ:
— كُنْتُ أَرَى الِاعْتِزَالَ لِأَنَّنِي كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ الدَّمَ لَنْ يُسْفَكَ.
ظَنَنْتُ أَنَّ ثَمَّةَ حِكْمَةً سَتَقِفُ في النِّهَايَةِ لِتَقُولَ:
“حَتَّى هُنَا”.
تَوَقَّفَ.
ثُمَّ قَالَ بِصَوْتِ رَجُلٍ يَعْتَرِفُ بِشَيْءٍ أَكْثَرَ مِنْ حُزْنِهِ عَلَى شَهِيدٍ:
— وَلَمْ تَقِفْ.
وَكانَ في هَذَا الِاعْتِرَافِ ما هُوَ أَثْقَلُ مِنَ البُكَاءِ:
أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الحَيَادِيِّينَ في التَّارِيخِ لَمْ يَكُونُوا أَبْرِيَاءَ.
كانُوا يُرَاهِنُونَ عَلَى أَنَّ الآخَرِينَ سَيَتَحَمَّلُونَ المَسْؤُولِيَّةَ الَّتِي هَرَبُوا مِنْهَا.
وهَذِهِ المُرَاهَنَةُ — هَذِهِ بِالذَّاتِ — هِيَ ما جَعَلَ كَرْبَلاءَ مُمْكِنَةً.
فِي الكُوفَةِ الَّتِي أَرْسَلَتِ الرَّسَائِلَ ثُمَّ تَخَلَّتْ — كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ يَجْلِسُ فِي بَيْتِهِ.
كَانَ مِمَّنْ كَتَبُوا لِلْحُسَيْنِ يَدْعُونَهُ.
سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ — الَّذِي لَمْ يَخْرُجْ يَوْمَهَا، وَلَمْ يَتْرُكْهُ ذَلِكَ حَتَّى آخِرِ حَيَاتِهِ
ثُمَّ لَمْ يَخْرُجُوا حِينَ جَاءَ.
لَمْ يَكُنْ خَوْفًا بَسِيطًا.
وَلَمْ يَكُنْ شَجَاعَةً.
كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءَ الرَّهِيبَ الَّذِي يَقَعُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ — التَّرَدُّدُ الَّذِي لَا اسْمَ لَهُ.
ذَلِكَ التَّرَدُّدُ الَّذِي تَدْفَعُ ثَمَنَهُ بَعْدَ فَوَاتِ الأَوَانِ، حِينَ لَا يَعُودُ الدَّفْعُ يُجْدِي.
قَالَ لِنَفْسِهِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الأُولَى بَعْدَ الخَبَرِ:
— مَاذَا فَعَلْتُ؟
لَمْ يُجِبْ.
لِأَنَّ الجَوَابَ كَانَ يَعْرِفُهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يُسْمِعَهُ حَتَّى لِنَفْسِهِ.
ثُمَّ قَالَ:
— وَمَاذَا كَانَ يَجِبُ أَنْ أَفْعَلَ؟
وَهَذَا السُّؤَالُ — هَذَا السُّؤَالُ الثَّانِي بِالذَّاتِ — لَمْ يَتْرُكْهُ حَتَّى مَاتَ.
كَانَ يُلَازِمُهُ كَظِلِّهِ.
كَانَ يَسْتَيْقِظُ مَعَهُ فِي الصَّبَاحِ.
كَانَ يَجْلِسُ مَعَهُ فِي المَسَاءِ.
وَرُبَّمَا هَذَا هُوَ العِقَابُ الأَصْعَبُ عَلَى خِيَانَةِ الضَّمِيرِ:
“لَيْسَ مَا يَفْعَلُهُ الآخَرُونَ بِكَ، بَلْ مَا يَفْعَلُهُ ضَمِيرُكَ بِكَ حِينَ يُفَصِّلُ النَّهَارَ عَنِ النَّهَارِ.”
وَلَاحِقًا — وَبَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ — كَانَ سُلَيْمَانُ مِنَ الَّذِينَ خَرَجُوا فِي حَرَكَةِ التَّوَّابِينَ يَطْلُبُونَ الثَّأْرَ لِلْحُسَيْنِ.
كَانُوا يَعْرِفُونَ أَنَّهُمْ سَيُقْتَلُونَ.
وَذَهَبُوا.
كَانَ ذَلِكَ نَوْعًا آخَرَ مِنَ الإِجَابَةِ.
لَيْسَ عَلَى السُّؤَالِ.
عَلَى الضَّمِيرِ.
الفَصْلُ السَّابِعُ
الحُزْنُ الَّذِي صَارَ هُوِيَّةً
جِيلٌ بَعْدَ كَرْبَلَاءَ
فِي السَّنَوَاتِ الَّتِي تَلَتْ كَرْبَلَاءَ مُبَاشَرَةً حَدَثَ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ مُتَوَقَّعًا بِهَذَا العُمْقِ.
الحُزْنُ تَحَوَّلَ.
لَمْ يَبْقَ حُزْنًا شَخْصِيًّا عَلَى شَهِيدٍ.
لَمْ يَبْقَ حِدَادَ عَائِلَةٍ أَوْ قَبِيلَةٍ.
صَارَ شَيْئًا أَكْبَرَ وَأَعْمَقَ وَأَكْثَرَ تَأْثِيرًا — صَارَ هُوِيَّةً.
صَارَ طَرِيقَةً لِرُؤْيَةِ العَالَمِ كُلِّهِ.
صَارَ السُّؤَالَ الَّذِي يُجِيبُ عَنْ أَسْئِلَةٍ كَثِيرَةٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ:
مَنْ نَحْنُ؟
وَمَنِ الَّذِي ظَلَمَ؟
وَمَنِ الَّذِي يُظْلَمُ دَائِمًا؟
وَكَيْفَ نَفْهَمُ التَّارِيخَ وَنُفَسِّرُهُ؟
وَهَذَا التَّحَوُّلُ — مِنَ الحُزْنِ الشَّخْصِيِّ إِلَى الهُوِيَّةِ الجَمَاعِيَّةِ — هُوَ مَا صَنَعَ الِانْقِسَامَ الَّذِي لَا يَزَالُ حَيًّا حَتَّى اليَوْمِ.
لَيْسَ لِأَنَّ النَّاسَ أَرَادُوا الِانْقِسَامَ.
بَلْ لِأَنَّ الجُرْحَ حِينَ يَكُونُ عَمِيقًا بِمَا يَكْفِي — يَصِيرُ جُزْءًا مِنْ هُوِيَّةِ الجَرِيحِ.
وَهَذَا الجُزْءُ لَا يُتَنَازَلُ عَنْهُ بِسُهُولَةٍ.
لِأَنَّ التَّنَازُلَ عَنْهُ يُشْبِهُ أَحْيَانًا التَّنَازُلَ عَنِ النَّفْسِ نَفْسِهَا.
فِي بَيْتٍ بَغْدَادِيٍّ صَغِيرٍ — بَعْدَ جِيلٍ مِنْ كَرْبَلَاءَ، حِينَ صَارَتِ الأَحْدَاثُ ذِكْرَى بَدَلَ أَنْ تَكُونَ خَبَرًا — كَانَتْ أُمُّ الفَضْلِ الكَلَامِيَّةُ تَتَكَلَّمُ مَعَ ابْنَتِهَا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي تَسْبِقُ ذِكْرَى عَاشُورَاءَ.
قَالَتِ الابْنَةُ:
— أُمِّي،
لِمَاذَا نَبْكِي كُلَّ عَامٍ؟
مَا الَّذِي يَتَغَيَّرُ فِي البُكَاءِ؟
تَوَقَّفَتْ أُمُّ الفَضْلِ.
كَانَ السُّؤَالُ أَعْمَقَ مِمَّا بَدَا.
ثُمَّ قَالَتْ:
— لِأَنَّ مَا حَدَثَ لَمْ يُعْدَلْ فِيهِ.
— وَهَلِ البُكَاءُ يُعَدِّلُ؟
صَمَتَتْ طَوِيلًا.
ثُمَّ قَالَتْ بِذَلِكَ الصِّدْقِ الَّذِي يُؤْلِمُ لِأَنَّهُ صَادِقٌ:
— لَا.
البُكَاءُ لَا يُعَدِّلُ.
لَكِنَّ البُكَاءَ يُبْقِي الجُرْحَ حَيًّا.
وَمَا يَبْقَى حَيًّا لَا يُنْسَى.
وَمَا لَا يُنْسَى — رُبَّمَا أُعِيدَ فِي يَوْمٍ النَّظَرُ فِيهِ.
رُبَّمَا وَجَدَ مَنْ يُنْصِفُهُ.
قَالَتِ الابْنَةُ:
— وَإِنْ لَمْ يُنْصَفْ؟
قَالَتِ الأُمُّ بَعْدَ صَمْتٍ فِيهِ مَا يُشْبِهُ الرِّضَا الحَزِينِ:
— الآخِرَةُ.
وَكَانَ فِي هَذَا الجَوَابِ الأَخِيرِ كُلُّ مَا يَمْلِكُهُ مَنْ لَا يَمْلِكُ إِلَّا الإِيمَانَ فِي مُوَاجَهَةِ الظُّلْمِ الَّذِي لَا يُرَدُّ.
كُلُّ تِلْكَ الطَّاقَةِ الإِنْسَانِيَّةِ العَجِيبَةِ الَّتِي تَجْعَلُ الضَّعِيفَ يَصْبِرُ لَا لِأَنَّهُ عَاجِزٌ،
بَلْ لِأَنَّهُ يُؤْمِنُ بِحِسَابٍ أَكْبَرَ مِنْ كُلِّ حِسَابَاتِ الدُّنْيَا.
فِي اللَّيْلَةِ نَفْسِهَا، فِي مَكَانٍ لَا يَبْعُدُ كَثِيرًا،
كَانَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الكَرْخِيُّ يَكْتُبُ فِي رِسَالَةٍ لَمْ يُرْسِلْهَا:
«مَضَى جِيلٌ عَلَى كَرْبَلَاءَ.
وَرَأَيْتُ مَا تَفْعَلُهُ الذَّاكِرَةُ بِالنَّاسِ.
رَأَيْتُ الحُزْنَ يَكْبُرُ بَيْنَ الأَجْيَالِ،
لَا يَصْغُرُ.
رَأَيْتُ نَاسًا لَمْ يُولَدُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ،
وَلَمْ يُولَدْ آبَاؤُهُمْ يَوْمَهُ،
لَكِنَّهُمْ يَبْكُونَ بُكَاءً حَقِيقِيًّا.
وَفِي البِدَايَةِ أُعْجِبْتُ.
ثُمَّ تَأَمَّلْتُ.
الأَجْيَالُ الَّتِي تَحْمِلُ الجُرْحَ دُونَ أَنْ تَحْمِلَ السِّيَاقَ — هَذِهِ الأَجْيَالُ تَحْمِلُ أَلَمَ مَنْ سَبَقَهَا دُونَ أَنْ تَحْمِلَ حِكْمَتَهُمْ.
وَتَحْمِلُ يَقِينَهُمْ دُونَ أَنْ تَحْمِلَ أَسْئِلَتَهُمْ.
وَالأَلَمُ بِلَا سِيَاقٍ، وَاليَقِينُ بِلَا سُؤَالٍ — هَذَانِ يَصْنَعَانِ مِنَ الجُرْحِ سِلَاحًا.
وَمَا صُنِعَ لِيُشْفَى صَارَ مَا يُقَاتَلُ بِهِ.
وَهَذَا — دُونَ كُلِّ شَيْءٍ آخَرَ — هُوَ مَا جَعَلَنِي أَكْتُبُ هَذِهِ الرِّسَالَةَ الَّتِي لَنْ أُرْسِلَهَا.
لِأَنَّ مَنْ أُرْسِلُهَا إِلَيْهِ لَنْ يَفْهَمَهَا.
وَهَذَا العَجْزُ عَنِ الإِرْسَالِ هُوَ جُزْءٌ مِنَ المُشْكِلَةِ.»
ثُمَّ أَغْلَقَ الرِّسَالَةَ.
ثُمَّ أَحْرَقَهَا.
ثُمَّ أَعَادَ كِتَابَتَهَا مِنَ الذَّاكِرَةِ.
الِفَصْلِ الثَّامِن
الجُرُوحُ الصَّامِتَةُ فِي الفِقْهِ وَالعَقِيدَةِ
فِي قَرْنٍ مِنَ الزَّمَنِ بَعْدَ تِلْكَ الأَحْدَاثِ، نَظَرَ الفُقَهَاءُ الكِبَارُ إِلَى مَا صَنَعَتْهُ الفِتْنَةُ وَقَالُوا:
“لَا مَزِيدَ مِنْ هَذَا.”
وَكَانَ فِي هَذَا القَرَارِ نِيَّةٌ طَيِّبَةٌ.
بَلْ نِيَّةٌ صَادِقَةٌ.
بَلْ رُؤْيَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَا رَأَوْهُ.
لِأَنَّهُمْ رَأَوْا مُسْلِمِينَ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِاسْمِ الدِّينِ.
وَرَأَوْا أَنَّ الاضْطِرَابَ السِّيَاسِيَّ يَفْتَحُ أَبْوَابَ الفَوْضَى عَلَى مَصَارِيعِهَا.
وَرَأَوْا أَنَّ النَّاسَ تَحْتَاجُ اِسْتِقْرَارًا — وَإِنْ كَانَ الاِسْتِقْرَارُ يَأْتِي بِثَمَنٍ.
فَبَنَوْا فِقْهًا.
فِقْهًا كَامِلًا.
مُتَّسِقًا.
مُحكَّمًا.
يَقُولُ:
“الصَّبْرُ عَلَى الحَاكِمِ الظَّالِمِ أَهْوَنُ مِنَ الفِتْنَةِ.
وَالخُرُوجُ عَلَى وَلِيِّ الأَمْرِ المُسْلِمِ مُحَرَّمٌ.
وَالاضْطِرَابُ فِي الأَرْضِ أَشَدُّ مِنَ الظُّلْمِ المُحْتَمَلِ”.
وَكَانَ لِهَذَا الفِقْهِ مِنْطِقٌ دَاخِلِيٌّ لَا يُسْتَهَانُ بِهِ.
لَكِنَّ هَذَا الفِقْهَ أَعْطَى — دُونَ أَنْ يُرِيدَ — شَيْئًا لَمْ يَكُنْ يُرِيدُ إِعْطَاءَهُ.
أَعْطَى الحَاكِمَ الظَّالِمَ صَكَّ البَرَاءَةِ الدِّينِيَّةِ.
أَعْطَاهُ الغِطَاءَ الَّذِي يُبَرِّرُ ظُلْمَهُ.
أَعْطَاهُ اللُّغَةَ الدِّينِيَّةَ الَّتِي تَجْعَلُ المَظْلُومَ يَشْعُرُ أَنَّ اِحْتِمَالَ ظُلْمِهِ فَرِيضَةٌ.
وَالْفَقِيهُ الكَبِيرُ حِينَ يَقُولُ “الصَّبْرُ عَلَى الظَّالِمِ” يَقُولُ ذَلِكَ لِحِمَايةِ الأُمَّةِ مِنَ الفَوْضَى.
لَكِنَّ الحَاكِمَ الظَّالِمَ حِينَ يَسْمَعُ “الصَّبْرُ عَلَى الظَّالِمِ” يَسْمَعُ إِذْنًا بِالاسْتِمْرَارِ.
وَهَذِهِ الفَجْوَةُ بَيْنَ مَا يُقَالُ وَمَا يُفْهَمُ — بَيْنَ نِيَّةِ الفَقِيهِ وَتَطْبِيقِ السُّلْطَانِ — أَنْتَجَتْ قُرُونًا تَسْتَحِقُّ المُرَاجَعَةَ.
لَيْسَ لِأَنَّ الفَقِيهَ كَانَ مُخْطِئًا فِي كُلِّ شَيْءٍ.
بَلْ لِأَنَّ كُلَّ حِكْمَةٍ يُصْبِحُ فِيهَا الحَقُّ حكْرًا لِطَرَفٍ وَاحِدٍ — تَصِيرُ تِلْكَ الحِكْمَةُ سِلَاحًا فِي يَدِ ذَلِكَ الطَّرَفِ.
قَالَتْ سَارَةُ الفَقِيهَةُ المُعَاصِرَةُ — وَكَانَتْ قَدْ دَرَسَتْ هَذِهِ المَسْأَلَةَ طَوِيلًا فِي أَوْرَاقٍ لَا يَقْرَؤُهَا إِلَّا مَنْ يُرِيدُونَ فَهْمَهَا — فِي إِحْدَى مُحَاضَرَاتِهَا:
“الفِقْهُ الكِلَاسِيكِيُّ فِي السِّيَاسَةِ لَمْ يُخْطِئْ فِي مبَادِئِهِ.
أَخْطَأَ فِي إِغْلَاقِ البَابِ الَّذِي كَانَ يَجِبُ أَنْ يَبْقَى مُوَارَبًا عَلَى الأَقَلِّ — بَابُ مُسَاءَلَةِ السُّلْطَةِ وَنَقْدِ الظُّلْمِ دُونَ أَنْ يُسَمَّى ذَلِكَ فِتْنَةً.
فَصَارَ النَّقْدُ فِتْنَةً.
وَالْمُسَاءَلَةُ خُرُوجًا.
وَالْمُطَالَبَةُ بِالْعَدْلِ اضْطِرَابًا لِلنِّظَامِ.
وَفِي كُلِّ هَذَا — كَانَ الخَائِفُ الأَكْبَرُ هُوَ ظِلُّ كَرْبَلَاءَ.
الخَوْفُ مِنْ أَنْ يَتَحَوَّلَ الحَقُّ إِلَى سِلَاحٍ.
الخَوْفُ مِنْ أَنْ يُوَدَّعَ الدَّمُ بِاسْمِ العَدْلِ.
وَكَانَ هَذَا الخَوْفُ مَفْهُومًا بَلْ وَمَشْرُوعًا.
لَكِنَّهُ حِينَ صَارَ مانِعًا مِنْ كُلِّ نَقْدٍ — صَارَ جُزْءًا مِنَ المُشْكِلَةِ.”
ثُمَّ تَوَقَّفَتْ.
وَقَالَتْ بِمَا يُشْبِهُ الاِعْتِرَافَ المُؤْلِمَ:
“وَهَذَا هُوَ الأَثْقَلُ عَلَى الإِطْلَاقِ — أَنْ يَكُونَ الدَّرْسُ المُسْتَفَادُ مِنْ جُرْحٍ حَقِيقِيٍّ سَبِيلًا إِلَى إِيجَادِ جُرْحٍ آخَرَ.”
الفَصْلُ التَّاسِع
المَجْلِسُ الَّذِي لَا يُجِيزُهُ التَّارِيخُ
فِي مَكَانٍ يَقَعُ خَارِجَ الزَّمَنِ
اِجْتَمَعُوا.
لَمْ يَكُنِ اجْتِمَاعًا مُرِيحًا.
لَكِنَّهُ كَانَ ضَرُورِيًّا بِطَرِيقَةٍ تَتَجَاوَزُ الضَّرُورَةَ.
فِي ذَلِكَ المَكَانِ الَّذِي تَنْتَفِي فِيهِ الحُدُودُ بَيْنَ الأَزْمِنَةِ وَتَسْقُطُ فِيهِ الحَوَاجِزُ بَيْنَ المَوَاقِفِ — اِجْتَمَعَ مَنْ فَرَّقَهُمُ التَّارِيخُ وَحَفِظَ النَّاسُ أَسْمَاءَهُمْ فِي خَنَاتٍ مُتَقَابِلَةٍ:
الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. —- مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
عَائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا .—- عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. —- سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ الَّذِي لَمْ يَخْرُجْ.
عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ الَّذِي اِخْتَارَ. —- زُهَيْرُ بْنُ القَيْنِ الَّذِي رَأَى فَقَرَّرَ وَلَمْ يَتْرُكْ.
وَفِي الهَامِشِ — جَالِسًا كَمَا دَائِمًا فِي الهَامِشِ،
حَيْثُ يُرَى مَا لَا يُرَى مِنَ المَرْكَزِ — كَانَ حَمُودُ الفَلَّاحِ وَمَعَهُ مَسْرُوقٌ الَّذِي لَا يَزَالُ يَحْمِلُ دَفْتَرَهُ.
لَمْ يَبْدَأْ أَحَدٌ بِالكَلَامِ.
وَكَانَ الصَّمْتُ فِي هَذَا المَجْلِسِ مِنْ نَوْعٍ مُخْتَلِفٍ.
لَيْسَ الصَّمْتَ الَّذِي يَبْحَثُ عَنْ كَلِمَةٍ يَبْدَأُ بِهَا.
بَلِ الصَّمْتُ الَّذِي يَعْرِفُ أَنَّ الكَلَامَ الحَقِيقِيَّ يَحْتَاجُ وَقْتًا قَبْلَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَعِدًّا.
قَالَ عَلِيٌّ أَوَّلًا — بِصَوْتٍ خَرَجَ مِنْ مَكَانٍ عَمِيقٍ:
— مَا أَرَدْتُ الحَرْبَ.
لَمْ يَقُلْهَا دِفَاعًا.
وَلَمْ يَقُلْهَا اعْتِذَارًا.
قَالَهَا كَمَا يُقَالُ الشَّيْءُ الَّذِي يُرِيدُ الإِنْسَانُ أَنْ يُسْمَعَ كَمَا هُوَ — كَحَقِيقَةٍ.
قَالَ مُعَاوِيَةُ:
— وَلَا أَنَا.
قَالَهَا بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ.
لَا دِفَاعًا.
لَا خِطَابًا.
حَقِيقَةً.
نَظَرَا إِلَى بَعْضِهِمَا.
وَفِي تِلْكَ النَّظْرَةِ كَانَ شَيْءٌ لَمْ يَسْتَطِعِ التَّارِيخُ أَنْ يَحْمِلَهُ.
لِأَنَّ التَّارِيخَ يُحَوِّلُ النَّاسَ إِلَى رُمُوزٍ.
وَالرُمُوزُ لَا تَنْظُرُ إِلَى بَعْضِهَا بِعُيُونِ رَجُلَيْنِ لَمْ يُرِيدَا مَا حَدَثَ وَيَعْرِفَانِ أَنَّهُ حَدَثَ.
قَالَ عَلِيٌّ:
— وَمَعَ ذَلِكَ حَدَثَتْ.
قَالَ مُعَاوِيَةُ:
— وَمَعَ ذَلِكَ حَدَثَتْ.
وَفِي هَذَا التَّكْرَارِ — فِي هَذَا الصَّدَى — كَانَ الاِعْتِرَافُ الَّذِي لَا يَصِلُ إِلَيْهِ التَّارِيخُ عَادَةً.
لِأَنَّ التَّارِيخَ يُصَنِّفُ وَيُبَرِّئُ طَرَفًا وَيُدِينُ آخَرَ.
لَكِنَّ الحَقِيقَةَ — الحَقِيقَةَ الَّتِي تُرَى مِنْ هَذَا المَكَانِ الخَارِجِ عَنِ الزَّمَنِ — أَنَّ كُلَّ طَرَفٍ كَانَ إِنْسَانًا يَفْعَلُ مَا رَأَى أَنَّهُ الصَّوَابُ.
وَأَنَّ مَا رَآهُ الصَّوَابُ قَادَ إِلَى مَا حَدَثَ.
وَهَذَا — هَذَا وَحْدَهُ — يَسْتَحِقُّ تَأَمُّلًا طَوِيلًا قَبْلَ الحُكْمِ.
قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا — وَكَانَ فِي صَوْتِهَا ذَلِكَ الأَلَمُ الَّذِي لَا تُجْدِي مَعَهُ الكَلِمَاتُ الكَبِيرَةُ:
— خَرَجْتُ لِأَطْلُبَ القِصَاصَ لِعُثْمَانَ.
وَاِنْتَهَى الأَمْرُ بِمَعْرَكَةٍ لَمْ أُرِدْهَا.
وَقِيلَ عَنِّي أَشْيَاءٌ لَمْ أَكُنْ أَسْتَحِقُّ بَعْضَهَا.
وَكَانَ بَعْضُهَا فِي مَحَلِّهِ.
تَوَقَّفَتْ.
ثُمَّ قَالَتْ بِتِلْكَ الصُّعُوبَةِ الصَّادِقَةِ الَّتِي تَمْلِكُهَا الاِعْتِرَافَاتُ الحَقِيقِيَّةُ:
— وَهَذَا هُوَ أَصْعَبُ الأَشْيَاءِ — أَنْ يَكُونَ بَعْضُ مَا يُقَالُ عَنْكَ حَقًّا وَبَعْضُهُ ظُلْمًا.
وَلَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُفَصِّلَهُمَا أَمَامَ النَّاسِ لِأَنَّ النَّاسَ لَا يُرِيدُونَ الصُّورَةَ المُعَقَّدَةَ.
يُرِيدُونَ إِمَّا القُدِّيسَ وَإِمَّا الخَاطئ.
قَالَ حَمُودُ الفَلَّاحِ مِنْ هَامِشِهِ المُعْتَادِ — وَكَانَ فِي صَوْتِهِ تِلْكَ البَسَاطَةُ الَّتِي تَمْلِكُهَا أَحْيَانًا الكَلِمَاتُ القَادِمَةُ مِنَ الخَارِجِ حِينَ تُسْمَعُ مِنَ الدَّاخِلِ:
— لَاحَظْتُ شَيْئًا مُنْذُ بَدَأْنَا.
نَظَرُوا إِلَيْهِ.
— كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ قَالَ:
«مَا أَرَدْتُ».
وَكُلُّكُمْ صَادِقُونَ.
وَأَنَا أُصَدِّقُكُمْ جَمِيعًا.
وَمَعَ ذَلِكَ حَدَثَ كُلُّ مَا حَدَثَ.
تَوَقَّفَ.
ثُمَّ قَالَ:
— وَهَذَا يَعْنِي شَيْئًا مُهِمًّا جِدًّا لَا يُكْتَبُ عَادَةً فِي كُتُبِ التَّارِيخِ.
— مَاذَا يَعْنِي؟
— يَعْنِي أَنَّ الكَوَارِثَ الكُبْرَى لَا تَحْتَاجُ أَشْرَارًا.
تَحْتَاجُ فَقَطْ ظُرُوفًا مُلْتَهِبَةً،
وَقَرَارَاتٍ تَبْدُو صَحِيحَةً فِي لَحْظَتِهَا،
وَأَشْخَاصًا كُلٌّ مِنْهُمْ يَرَى جُزْءًا مِنَ الصُّورَةِ وَيَظُنُّهُ الكُلَّ.
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُخْلِصٌ لِمَا يَرَاهُ.
صَمَتَ.
ثُمَّ قَالَ بِمَا يُشْبِهُ خُلَاصَةَ حَيَاةِ مُرَاقِبٍ طَوِيلٍ:
— الدَّرْسُ لَيْسَ:
كُنْ أَقَلَّ شَرًّا.
الدَّرْسُ:
كُنْ أَكْثَرَ تَوَاضُعًا.
لِأَنَّ الثِّقَةَ المُطْلَقَةَ بِاليَقِينِ — حَتَّى اليَقِينِ الصَّحِيحِ — هِيَ الَّتِي تَجْعَلُ الكَوَارِثَ مُمْكِنَةً.
حِينَ تُصْبِحُ يَقِينًا لَا تَسْتَطِيعُ مَعَهُ أَنْ تَسْمَعَ الآخَرَ — فَكُلُّ مَا أَضَفْتَهُ عَلَى اليَقِينِ الصَّحِيحِ هُوَ حَدٌّ مَا كَانَ فِيهِ حَدٌّ.”
كَتَبَ مَسْرُوقٌ هَذَا.
وَكَتَبَ إِلَى جَانِبِهِ:
«حَمُودٌ.
بِلَا إِجَازَةٍ.
وَلَكِنَّهُ الأَحْكَمُ فِي هَذِهِ الغُرْفَةِ.»
الفَصْلُ العَاشِرُ
صَوْتَانِ لَمْ يَجْتَمِعَا
عَنِ الِانْقِسَامِ الَّذِي لَا يَزَالُ حَيًّا
قَالَ الشَّيْخُ مُوسَى الكَاظِمِيُّ — الفَقِيهُ القَادِمُ مِنَ النَّجَفِ، صَاحِبُ الحُضُورِ الهَادِئِ الَّذِي يَمْلِكُهُ مَنْ لَا يَحْتَاجُ صَوْتًا عَالِيًا لِأَنَّ مَا عِنْدَهُ يَحْمِلُ وَزْنَهُ بِنَفْسِهِ:
— أَنَا أَتَكَلَّمُ مِنْ دَاخِلِ تَقْلِيدٍ يَرَى فِي كَرْبَلَاءَ شَيْئًا أَكْبَرَ مِنْ حَدَثٍ تَارِيخِيٍّ مَضَى وَانْتَهَى.
— مَاذَا يَرَى؟
— يَرَى فِيهَا نَمُوذَجًا أَبَدِيًّا.
الحُسَيْنُ لَمْ يَخْرُجْ فَقَطْ لِأَنَّ الظُّلْمَ كَانَ أَمَامَهُ.
خَرَجَ لِأَنَّ الصَّمْتَ عَنِ الظُّلْمِ كَانَ سَيَجْعَلُهُ شَرِيكًا فِيهِ.
وَهَذَا المَبْدَأُ — أَنَّ الصَّمْتَ عَنِ الظُّلْمِ شَرَاكَةٌ فِي الظُّلْمِ — هُوَ مَا يَحْمِلُهُ هَذَا التَّقْلِيدُ كَإِرْثٍ مَرْكَزِيٍّ لَا يُتَنَازَلُ عَنْهُ.
قَالَتْ سَارَةُ:
— وَهَذَا المَبْدَأُ نَفْسُهُ مَوْجُودٌ فِي الفِقْهِ السُّنِّيِّ — فِي الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.
الِاخْتِلَافُ لَيْسَ فِي المَبْدَأِ.
— إِذًا فِي مَاذَا؟
قَالَ الشَّيْخُ مُوسَى:
— الِاخْتِلَافُ فِي التَّطْبِيقِ.
وَفِي مَنْ يَحِقُّ لَهُ تَطْبِيقُهُ.
وَفِي مَتَى تُقَاسُ الظُّرُوفُ.
وَفِي الثَّمَنِ المَقْبُولِ.
تَوَقَّفَ.
— وَهَذِهِ الأَسْئِلَةُ الثَّلَاثُ —
مَتَى؟،
وَمَنْ؟،
وَبِأَيِّ ثَمَنٍ؟ — هِيَ الَّتِي فَرَّقَتِ السُّنَّةَ وَالشِّيعَةَ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ خِلَافٍ عَقَدِيٍّ أَصِيلٍ.
قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ اللهِ الحَنْبَلِيُّ — القَادِمُ مِنْ دِمَشْقَ،
صَاحِبُ اللِّحْيَةِ البَيْضَاءِ وَالعَيْنَيْنِ اللَّتَيْنِ تَبْدُوَانِ دَائِمًا كَأَنَّهُمَا تُجَادِلَانِ شَيْئًا لَا يُرَى:
— وَأَنَا أَتَكَلَّمُ مِنْ تَقْلِيدٍ آخَرَ يَرَى أَنَّ مَا حَدَثَ فِي كَرْبَلَاءَ كَانَ مَأْسَاةً.
حَقِيقِيَّةً.
وَمُؤْلِمَةً.
وَخَطَأً كَانَ يَجِبُ أَلَّا يَحْدُثَ.
— خَطَأٌ مِنْ مَنْ؟
— مِنَ الجَمِيعِ.
لَكِنَّ التَّأْبِيدَ التَّارِيخِيَّ لِلْحُزْنِ — تَحْوِيلَهُ مِنْ لَحْظَةٍ إِلَى هُوِيَّةٍ أَبَدِيَّةٍ — يَصْنَعُ شَيْئًا أَظُنُّ أَنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ.
— مَاذَا يَصْنَعُ؟
— يَجْعَلُ الجُرْحَ أَكْبَرَ مِنَ الجَسَدِ.
يَجْعَلُ التَّارِيخَ حَاكِمًا عَلَى الحَاضِرِ.
يَجْعَلُ النَّاسَ يُقَيِّمُونَ الآخَرِينَ اليَوْمَ بِمَوْقِفِ أَجْدَادِهِمْ قَبْلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَرْنًا.
وَكَانَ فِي صَوْتِهِ — رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ — شَيْءٌ يُشْبِهُ الأَلَمَ الصَّادِقَ.
أَلَمٌ عَلَى انْقِسَامٍ يُرِيدُ لَهُ أَنْ يَنْتَهِيَ وَلَا يَعْرِفُ كَيْفَ.
قَالَ حَمُودُ الفَلَّاحِ — الَّذِي كَانَ يُنصِتُ إِلَى الشَّيْخَيْنِ بِذَلِكَ الصَّمْتِ الثَّقِيلِ الَّذِي يَمْلِكُهُ مَنْ لَا يَتَكَلَّمُ حَتَّى يَطْبُخَ مَا سَيَقُولُهُ:
— أَسْمَعُ كَلَامَكُمَا.
وَأَفْهَمُ كَلَامَكُمَا.
وَكِلَاهُمَا صَادِقٌ.
— إِذًا؟
— إِذًا الانقِسَامُ لَيْسَ فِي اللهِ.
وَلَا فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَلَا فِي القُرْآنِ.
لَيْسَ فِي الأُصُولِ.
فِي التَّارِيخِ.
وَفِي التَّارِيخِ ظُلْمٌ حَقِيقِيٌّ وَبُكَاءٌ حَقِيقِيٌّ وَجُرُوحٌ حَقِيقِيَّةٌ.
وَمَنْ يَقُولُ:
اِنْسَوُوا التَّارِيخَ وَتَوَحَّدُوا — إِمَّا أَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ كَيْفَ تَعْمَلُ الجُرُوحُ.
وَإِمَّا أَنَّهُ لَمْ يُجْرَحْ.
قَالَ الشَّيْخُ مُوسَى:
— وَمَا الخُطْوَةُ الأُولَى إِذًا؟
قَالَ حَمُودٌ بِبُطْءٍ كَأَنَّهُ يَزِنُ كُلَّ كَلِمَةٍ:
— أَنْ يَسْمَحَ كُلُّ طَرَفٍ لِلآخَرِ أَنْ يَحْزَنَ.
دُونَ أَنْ يَرَى فِي حُزْنِ الآخَرِ إِدَانَةً لَهُ.
الحُزْنُ عَلَى الحُسَيْنِ لَا يَعْنِي إِدَانَةَ الصَّحَابَةِ.
وَالْدِّفَاعُ عَنْ الصَّحَابَةِ لَا يَعْنِي إِنْكَارَ مَا حَدَثَ فِي كَرْبَلَاءَ.
تَوَقَّفَ.
— وَحِينَ يَسْتَطِيعُ الطَّرَفَانِ أَنْ يَجْلِسَا مَعًا فِي الحُزْنِ دُونَ أَنْ يَتَحَوَّلَ الحُزْنُ إِلَى سِلَاحٍ — يَكُونُ شَيْءٌ مَا قَدْ بَدَأَ.
شَيْءٌ صَغِيرٌ جِدًّا، لَكِنَّهُ شَيْءٌ.
الفَصْلُ الحَادِي عَشَرَ
مَسْرُوقٌ يُغْلِقُ الدَّفْتَرَ
فِي آخِرِ اللَّيْلَةِ — حِينَ هَدَأَ المَجْلِسُ وَبَدَأَ مَنْ فِيهِ يَرْحَلُونَ وَاحِدًا وَاحِدًا إِلَى مَا بَعْدَ الكَلَامِ — بَقِيَ مَسْرُوقٌ جَالِسًا.
وَدَفْتَرُهُ أَمَامَهُ.
وَقَلَمُهُ فِي يَدِهِ.
نَظَرَ إِلَى مَا كَتَبَهُ.
صَفَحَاتٌ كَثِيرَةٌ.
جُمَلٌ كَثِيرَةٌ.
أَصْوَاتٌ كَثِيرَةٌ.
لَمْ يَكُنْ أَيٌّ مِنْهَا يَكْفِي وَحْدَهُ.
وَكُلُّهَا مَعًا لَمْ تُجِبِ السُّؤَالَ الأَصْلِيَّ الَّذِي بَدَأَ بِهِ:
“لِمَاذَا حَدَثَ مَا حَدَثَ؟”
ثُمَّ أَدْرَكَ — وَهُوَ يُغْلِقُ الدَّفْتَرَ بِبُطْءٍ كَمَنْ يُوَدِّعُ شَيْئًا عَزِيزًا — أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ لَيْسَ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يُجَابُ.
هُوَ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يُعَاشُ مَعَهُ.
مَشَى مَسْرُوقٌ فِي الطَّرِيقِ العَائِدِ إِلَى البَيْتِ.
وَكَانَ اللَّيْلُ أَمَامَهُ هَادِئًا بِذَلِكَ الهُدُوءِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ كُلَّ مَا لَدَيْهِمْ لِيَقُولُوهُ.
وَكَانَ يفْكِّرُ فِي سُلْوَى الغَرِيبَةِ — الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِي المَجْلِسِ،
لَكِنَّها كَانَت حَاضِرَةً فِي كُلِّ كَلِمَةٍ قِيلَتْ فِيهِ.
كَانَ يفْكِّرُ فِي سُؤَالِهَا القَدِيمِ:
«لِمَاذَا يَسْتَحِقُّ؟»
وَأَدْرَكَ الآنَ — وَقَدْ مَضَى عَلَى ذَلِكَ السُّؤَالِ سَنَوَاتٌ طَوِيلَةٌ — أَنَّ السُّؤَالَ لَمْ يَكُنْ عَنِ الخِلافَةِ.
كَانَ عَنْ شَيْءٍ أَعْمَقَ.
كَانَ عَنْ كَيْفِيَّةِ العَيْشِ مَعًا حِينَ يَكُونُ كُلُّ طَرَفٍ مُقْتَنِعًا أَنَّهُ يَمْتَلِكُ الحَقِيقَةَ كَامِلَةً.
وَهَذَا السُّؤَالُ — لَيْسَ مِنَ القَرْنِ الأَوَّلِ الهِجْرِيِّ.
هُوَ مِنْ كُلِّ قَرْنٍ.
وَسَيَظَلُّ يُطْرَحُ فِي كُلِّ قَرْنٍ.
لأَنَّ الإِنْسَانَ لَمْ يَجِدْ لَهُ إِجَابَةً مُرِيحَةً بَعْدُ.
وَرُبَّمَا لِأَنَّ الإِجَابَةَ المُرِيحَةَ غَيْرُ مُوجُودَةٍ.
وَرُبَّمَا لِأَنَّ عَدَمَ الرَّاحَةِ هَذَا — هَذَا الاضْطِرَابُ الضَّرُورِيُّ — هُوَ مَا يُبْقِي الضَّمِيرَ حَيًّا.
حِينَ وَصَلَ مَسْرُوقٌ إِلَى بَيْتِهِ وَجَدَ حَمُودَ الفَلَّاحِ جَالِسًا عَلَى العَتَبَةِ.
— أَلَمْ تَذْهَبْ؟
— ذَهَبْتُ.
ثُمَّ جِئْتُ.
— لِمَاذَا؟
قَالَ حَمُودٌ بِذَلِكَ الوَجْهِ الَّذِي تَرَى فِيهِ آلَافَ الشُّمُوسِ الَّتِي شَهِدَهَا:
— لِأَنَّنِي قُلْتُ فِي المَجْلِسِ كَلَامًا كَثِيرًا.
وَحِكْمَةً ادَّعَيْتُهَا.
وَأَنَا أَعْرِفُ أَنَّ الحِكْمَةَ لَيْسَتْ مِلْكِي.
— إِذًا؟
— إِذًا جِئْتُ لِأَقُولَ شَيْئًا وَاحِدًا لَمْ أَقُلْهُ هُنَاكَ.
— قُلْ.
قَالَ حَمُودٌ بِبُطْءٍ كَالأَرْضِ حِينَ تَتَكَلَّمُ:
— الجُرْحُ مَوْجُودٌ.
وَالدَّمُ لَمْ يَجِفَّ كَامِلًا.
لَكِنَّ الشَّجَرَةَ الَّتِي تَنْمُو فَوْقَ الجُرْحِ لَا تُنْكِرُ الجُرْحَ.
تَتَجَاوَزُهُ.
وَفِي التَّجَاوُزِ لَيْسَ نِسْيَانٌ.
فِي التَّجَاوُزِ بَقَاءٌ.
صَمَتَ مَسْرُوقٌ طَوِيلًا.
ثُمَّ فَتَحَ الدَّفْتَرَ.
ثُمَّ أَغْلَقَهُ.
ثُمَّ وَضَعَهُ عَلَى جَانِبٍ.
ثُمَّ جَلَسَ مَعَ حَمُودٍ عَلَى العَتَبَةِ فِي الصَّمْتِ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ كَلَامًا.
وَكَانَ الفَجْرُ قَرِيبًا.
الخَاتِمَةُ
الجُرْحُ يُمْكِنُ أَنْ يُرَى
وَفِي ذَلِكَ المَكَانِ الَّذِي يَقَعُ خَارِجَ الزَّمَنِ،
حَيْثُ اجْتَمَعُوا جَمِيعًا بِكُلِّ مَا بَيْنَهُمْ مِنْ تَارِيخٍ وَدَمٍ وَأَسْئِلَةٍ — لَمْ تُحْسَمِ القَضِيَّةُ.
لِأَنَّ القَضِيَّةَ لَا تُحْسَمُ هُنَا.
الحُسَيْنُ لَمْ يَنْسَ مَا حَدَثَ.
وَمُعَاوِيَةُ لَمْ يَنْسَ مَا رَأَى.
وَعَائِشَةُ لَمْ تَنْسَ مَا قِيلَ.
وَعَلِيٌّ لَمْ يَنْسَ مَا اخْتَارَ.
وَسُلَيْمَانُ لَمْ يَنْسَ مَا لَمْ يَخْتَرْ.
لَكِنَّهُمْ جَلَسُوا.
وَهَذَا — الجُلُوسُ مَعًا دُونَ أَنْ يُحَوِّلَ أَحَدٌ كُرْسِيَّهُ إِلَى مِنْبَرٍ — كَانَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ شَيْئًا لَمْ يَسْتَطِعِ التَّارِيخُ أَنْ يَفْعَلَهُ.
لِأَنَّ التَّارِيخَ يُرَتِّبُ النَّاسَ فِي خَانَاتٍ.
وَالخَانَاتُ لَا تَجْلِسُ مَعَ بَعْضِهَا.
لَكِنَّ النَّاسَ — حِينَ يُعَامَلُونَ كَنَاسٍ لَا كَرُمُوزٍ،
كَبَشَرٍ تَعِبُوا وَأَخْطَؤُوا وَاخْتَارُوا وَآمَنُوا — يَسْتَطِيعُونَ.
وَفِي الآخِرَةِ — حَيْثُ يُرْفَعُ الغِطَاءُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ،
حَيْثُ لَا يَبْقَى مَكَانٌ لِلتَّأْوِيلِ وَلَا لِلرِّوَايَاتِ المُتَعَدِّدَةِ — سَيَعْرِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا كَانَ يَجْهَلُهُ فِي الدُّنْيَا.
وَسَتَسْقُطُ الخَانَاتُ كُلُّهَا،
وَيَبْقَى الإِنْسَانُ أَمَامَ رَبِّهِ وَحِيدًا كَمَا وُلِدَ.
وَحَتَّى ذَلِكَ اليَوْمِ:
الجُرْحُ مَوْجُودٌ.
وَالدَّمُ لَمْ يَجِفَّ كَامِلًا.
لَكِنَّ فِي هَذَا المَجْلِسِ الَّذِي لَا يُجِيزُهُ التَّارِيخُ وَلَا يُنْكِرُهُ الضَّمِيرُ بَدَأَ شَيْءٌ صَغِيرٌ جِدًّا:
“أَنْ يُمْكِنَ تَسْمِيَةُ الجُرْحِ.
أَنْ يُرَى.
أَنْ يُعْتَرَفَ بِهِ دُونَ أَنْ يُسْتَخْدَمَ.
دُونَ أَنْ يُحَوَّلَ إِلَى سِلَاحٍ فِي يَدِ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ طَرَفًا وَاحِدًا كَانَ عَلَى صَوَابٍ مُطْلَقٍ.
الجُرْحُ جُرْحٌ.
وَالجُرْحُ يَحْتَاجُ — قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ — أَنْ يُرَى.
لِأَنَّ مَا يُرَى يُمْكِنُ أَنْ يَلْتَئِمَ.
وَمَا يُخْتَبَأُ يُفْسِدُ مِنَ الدَّاخِلِ دُونَ أَنْ يَشْعُرَ بِهِ أَحَدٌ.”
هَذِهِ الرِّوَايَةُ لَا تَقُولُ إِنَّ الجُرْحَ قَدِ الْتَأَمَ.
تَقُولُ فَقَطْ إِنَّ رُؤْيَتَهُ مُمْكِنَةٌ.
وَهَذَا — وَحْدَهُ — بِدَايَةٌ.

أرضٌ واحدةٌ ولُغاتٌ كثيرة