الِابْنُ الْغَرِيبُ
الفصل الثامن
فِي مَسَاءِ أَحَدِ الْأَيَّامِ، بَيْنَمَا كَانَ كَرِيمٌ يُسَاعِدُ زِيَادًا فِي مُرَاجَعَةِ بَعْضِ أَوْرَاقِهِ الْجَامِعِيَّةِ، تَوَقَّفَ زِيَادٌ فَجْأَةً عَنِ الْكِتَابَةِ، وَنَظَرَ إِلَى أَخِيهِ بِجِدِّيَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ.
“كَرِيمُ، أُرِيدُ أَنْ أَتَحَدَّثَ مَعَ أَبِي اللَّيْلَةَ. فِي مَوْضُوعِ الدِّرَاسَةِ.”
فُوجِئَ كَرِيمٌ بِهَذَا الْقَرَارِ الْمُفَاجِئِ: “أَحَقًّا؟ أَتَشْعُرُ أَنَّكَ جَاهِزٌ؟”
“لَا أَعْرِفُ إِنْ كُنْتُ جَاهِزًا، لَكِنِّي أَعْرِفُ أَنَّنِي سَئِمْتُ التَّأْجِيلَ. كُلَّ يَوْمٍ أُؤَجِّلُ الْحَدِيثَ، وَكُلَّ يَوْمٍ يَزْدَادُ قَلَقِي.”
“حَسَنًا، لَكِنْ فَكِّرْ: مَاذَا تَنْوِي أَنْ تَقُولَ بِالضَّبْطِ؟ فَالْفِكْرَةُ لَيْسَتْ فَقَطْ أُرِيدُ أَنْ أَدْرُسَ فِي الْخَارِجِ، بَلِ الْفِكْرَةُ أَنْ تُوَضِّحَ لِمَاذَا، وَمَا حُلْمُكَ بِالتَّحْدِيدِ.”
فَكَّرَ زِيَادٌ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ أَكْثَرَ ثِقَةً مِمَّا تَوَقَّعَهُ كَرِيمٌ مِنْهُ: “سَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي، أُحِبُّكَ وَأُحْتَرِمُكَ، لَكِنْ عِنْدِي حُلْمٌ أَنْ أَدْرُسَ الْهَنْدَسَةَ الْمِعْمَارِيَّةَ، لَا لِأَهْرُبَ مِنَ الْبَيْتِ، وَلَا لِأُشْبِهَ كَرِيمًا، بَلْ لِأَنَّنِي حِينَ أُفَكِّرُ فِي هَذَا الْمَجَالِ، أَشْعُرُ أَنَّنِي حَيٌّ فِعْلًا.”
ابْتَسَمَ كَرِيمٌ بِفَخْرٍ: “هَذَا كَلَامٌ نَاضِجٌ جِدًّا يَا زِيَادُ. قُلْهُ لَهُ بِالضَّبْطِ هَكَذَا.”
نَزَلَا مَعًا إِلَى الصَّالُونِ، حَيْثُ كَانَ غَسَّانُ يَجْلِسُ، كَعَادَتِهِ، يَقْرَأُ الْجَرِيدَةَ بَعْدَ الْعَشَاءِ. جَلَسَ زِيَادٌ أَمَامَهُ، بَيْنَمَا وَقَفَ كَرِيمٌ قَرِيبًا، لَا يُرِيدُ أَنْ يَتَدَخَّلَ، لَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا، دَعْمًا صَامِتًا لَا أَكْثَرَ.
“أَبِي، أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكَ فِي أَمْرٍ مُهِمٍّ.”
رَفَعَ غَسَّانُ عَيْنَيْهِ عَنِ الْجَرِيدَةِ، وَنَظَرَ إِلَى ابْنِهِ الْأَصْغَرِ بِجِدِّيَّةٍ: “قُلْ يَا زِيَادُ.”
تَنَفَّسَ زِيَادٌ بِعُمْقٍ، وَقَالَ، بِصَوْتٍ ثَابِتٍ رَغْمَ ارْتِجَافَةٍ خَفِيفَةٍ: “أَبِي، أُحِبُّكَ وَأَحْتَرِمُكَ كَثِيرًا. لَكِنْ عِنْدِي حُلْمٌ قَدِيمٌ، أُرِيدُ أَنْ أَدْرُسَ الْهَنْدَسَةَ الْمِعْمَارِيَّةَ، وَهَذَا التَّخَصُّصُ غَيْرُ مُتَوَفِّرٍ هُنَا بِالْمُسْتَوَى الَّذِي أَطْمَحُ إِلَيْهِ. أُرِيدُ أَنْ أَدْرُسَ خَارِجَ الْبِلَادِ.”
صَمَتَ غَسَّانُ طَوِيلًا، يَنْظُرُ إِلَى ابْنِهِ بِتَمَعُّنٍ، ثُمَّ سَأَلَ، بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَمْ يَعْتَدْهُ زِيَادٌ مِنْهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاضِيعِ: “وَلِمَاذَا الْهَنْدَسَةُ الْمِعْمَارِيَّةُ بِالذَّاتِ؟”
فُوجِئَ زِيَادٌ بِالسُّؤَالِ، الَّذِي لَمْ يَتَوَقَّعْهُ، لَكِنَّهُ أَجَابَ بِصِدْقٍ: “لِأَنَّنِي، أَبِي، مُنْذُ صِغَرِي، أُحِبُّ أَنْ أَرْسُمَ بُيُوتًا وَأَبْنِيَةً فِي دَفَاتِرِي الْمَدْرَسِيَّةِ. وَكُلَّمَا رَأَيْتُ بِنَاءً قَدِيمًا أَوْ جَدِيدًا، أَشْعُرُ بِفُضُولٍ لِأَعْرِفَ كَيْفَ صُمِّمَ. هَذَا هُوَ الشَّيْءُ الْوَحِيدُ الَّذِي أَشْعُرُ مَعَهُ أَنَّنِي مَوْجُودٌ فِعْلًا، لَا أَنَّنِي أَفْعَلُ فَقَطْ مَا هُوَ مُتَوَقَّعٌ مِنِّي.”
نَظَرَ غَسَّانُ إِلَى ابْنِهِ نَظْرَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى كَرِيمٍ الْوَاقِفِ قَرِيبًا: “وَأَنْتَ، كَرِيمُ، أَتُشَجِّعُهُ عَلَى هَذَا الْقَرَارِ؟”
فَكَّرَ كَرِيمٌ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ بِحَذَرٍ: “أَبِي، أَنَا أُشَجِّعُهُ عَلَى أَنْ يَعْرِفَ مَاذَا يُرِيدُ فِعْلًا، وَأَنْ يَتَحَدَّثَ مَعَكَ بِصَرَاحَةٍ. أَمَّا الْقَرَارُ النِّهَائِيُّ فَهُوَ لَكُمَا مَعًا، لَا لِي.”
أُعْجِبَ غَسَّانُ بِهَذِهِ الْإِجَابَةِ الدِّبْلُومَاسِيَّةِ، وَعَادَ يَنْظُرُ إِلَى زِيَادٍ: “زِيَادُ، بِصَرَاحَةٍ، أَخَافُ عَلَيْكَ. الدِّرَاسَةُ فِي الْخَارِجِ صَعْبَةٌ، وَالْغُرْبَةُ قَاسِيَةٌ، وَرَأَيْتَ كَيْفَ عَادَ كَرِيمٌ مُتَغَيِّرًا كَثِيرًا، وَهَذَا أَمْرٌ صَعْبٌ عَلَيْنَا كَعَائِلَةٍ.”
“أَعْرِفُ يَا أَبِي أَنَّ الْأَمْرَ صَعْبٌ. لَكِنِّي أَعْتَقِدُ أَنَّ الْأَصْعَبَ أَنْ أَدْرُسَ هُنَا تَخَصُّصًا لَا أُحِبُّهُ، وَأَقْضِيَ حَيَاتِي كُلَّهَا شَاعِرًا بِأَنِّي فَوَّتُّ فُرْصَتِي الْوَحِيدَةَ.”
كَانَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ، بِصِدْقِهَا الْمُبَاشِرِ، شَبِيهَةً تَمَامًا بِمَا قَالَهُ كَرِيمٌ لِأَبِيهِ فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى، لَكِنَّهَا هَذِهِ الْمَرَّةَ صَدَرَتْ عَنِ الِابْنِ الْأَصْغَرِ، الَّذِي طَالَمَا كَانَ الْأَكْثَرَ هُدُوءًا وَطَاعَةً فِي الْعَائِلَةِ.
فَكَّرَ غَسَّانُ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ تَعَبًا صَادِقًا: “زِيَادُ، أَعْطِنِي بَعْضَ الْوَقْتِ لِأُفَكِّرَ. لَيْسَ لِأَنِّي رَافِضٌ، لَكِنِّي بِحَاجَةٍ إِلَى أَنْ أَسْتَوْعِبَ الْفِكْرَةَ. وَأُرِيدُ أَنْ أَتَحَدَّثَ مَعَ أُمِّكَ كَذَلِكَ.”
“حَسَنًا يَا أَبِي. لَكِنْ أُرِيدُكَ أَنْ تَعْرِفَ: مَهْمَا كَانَ قَرَارُكَ، سَأَبْقَى أُحِبُّكَ وَأَحْتَرِمُكَ.”
نَهَضَ زِيَادٌ، وَعَانَقَ أَبَاهُ عِنَاقًا قَصِيرًا لَكِنَّهُ صَادِقٌ، ثُمَّ صَعِدَ إِلَى غُرْفَتِهِ، تَارِكًا كَرِيمًا وَحْدَهُ مَعَ أَبِيهِ.
جَلَسَ غَسَّانُ صَامِتًا دَقَائِقَ، ثُمَّ قَالَ لِكَرِيمٍ: “كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، أَخْشَى أَنِّي لَوْ وَافَقْتُ عَلَى زِيَادٍ، يَعْتَقِدُ الْجَمِيعُ أَنَّ كُلَّ قَرَارٍ يُمْكِنُ أَنْ يَتَغَيَّرَ بِمُجَرَّدِ أَنَّ أَحَدًا رَغِبَ فِي ذَلِكَ.”
“أَبِي، الْمَسْأَلَةُ لَيْسَتْ أَنَّ كُلَّ قَرَارٍ لَا بُدَّ أَنْ يَتَغَيَّرَ. الْمَسْأَلَةُ أَنَّ كُلَّ قَرَارٍ يَجِبُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْهُ بِصِدْقٍ، قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ. زِيَادٌ لَا يَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ تَتَنَازَلَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، هُوَ فَقَطْ يَطْلُبُ أَنْ تَسْتَمِعَ إِلَيْهِ، وَأَنْ تَأْخُذَ قَرَارَهُ بِعَيْنِ الِاعْتِبَارِ.”
نَظَرَ غَسَّانُ إِلَى كَرِيمٍ نَظْرَةً طَوِيلَةً، فِيهَا مَزِيجٌ مِنَ الْفَخْرِ وَالتَّعَبِ: “كَرِيمُ، صِرْتَ تَتَحَدَّثُ كَرَجُلٍ حَكِيمٍ، لَا كَابْنٍ يُحَاوِلُ فَقَطْ أَنْ يُقْنِعَ أَبَاهُ.”
“تَعَلَّمْتُ هَذِهِ الْحِكْمَةَ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ يَا أَبِي، مِنْ كُلِّ فَرْدٍ فِيهِ، أَكْثَرَ مِمَّا تَعَلَّمْتُهَا فِي الْخَارِجِ.”
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بَعْدَ أَنْ نَامَ الْجَمِيعُ، جَلَسَ غَسَّانُ مَعَ سَلْمَى، وَحَكَى لَهَا عَنْ طَلَبِ زِيَادٍ.
“سَلْمَى، مَا رَأْيُكِ؟”
فَكَّرَتْ سَلْمَى طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ بِصِدْقٍ: “غَسَّانُ، أَتَذْكُرُ حِينَ مَنَعْنَا كَرِيمًا؟ وَكَيْفَ عَانَى قَبْلَ أَنْ يُقَرِّرَ الرَّحِيلَ رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ؟ لَا أُرِيدُ أَنْ نُكَرِّرَ الْخَطَأَ نَفْسَهُ مَعَ زِيَادٍ.”
“لَكِنِّي خَائِفٌ عَلَيْهِ يَا سَلْمَى.”
“وَأَنَا خَائِفَةٌ أَيْضًا. لَكِنَّ الْخَوْفَ لَيْسَ سَبَبًا كَافِيًا لِنَمْنَعَ ابْنَنَا مِنْ حُلْمِهِ. رُبَّمَا الْأَصَحُّ أَنْ نُسَاعِدَهُ لِيُحَضِّرَ جَيِّدًا، وَيَخْتَارَ جَامِعَةً جَيِّدَةً، وَنَبْقَى قَرِيبِينَ مِنْهُ، لَا أَنْ نَمْنَعَهُ كُلِّيًّا.”
فَكَّرَ غَسَّانُ طَوِيلًا فِي كَلِمَاتِ زَوْجَتِهِ، وَشَعَرَ أَنَّ شَيْئًا فِي دَاخِلِهِ، بَعْدَ كُلِّ مُحَادَثَاتِ الْأَسَابِيعِ الْأَخِيرَةِ، بَدَأَ فِعْلًا يَتَغَيَّرُ، وَلَوْ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ.
“حَسَنًا يَا سَلْمَى. غَدًا سَأَتَحَدَّثُ مَعَ زِيَادٍ، وَأُخْبِرُهُ أَنِّي مُوَافِقٌ، لَكِنْ بِشُرُوطٍ: أَنْ يُحَدِّثَنَا بِكُلِّ تَفْصِيلٍ عَنْ خُطَّتِهِ، وَأَنْ يَبْقَى عَلَى تَوَاصُلٍ دَائِمٍ مَعَنَا.”
ابْتَسَمَتْ سَلْمَى ابْتِسَامَةَ فَخْرٍ: “هَذَا قَرَارٌ حَكِيمٌ يَا غَسَّانُ.”
فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي، جَلَسَ غَسَّانُ مَعَ زِيَادٍ وَحْدَهُمَا، وَقَالَ لَهُ، بِصَوْتٍ هَادِئٍ: “زِيَادُ، فَكَّرْتُ فِي الْمَوْضُوعِ مَعَ أُمِّكَ. مُوَافِقُونَ، لَكِنْ بِشُرُوطٍ: أَنْ تُحَضِّرَ جَيِّدًا، وَتَخْتَارَ جَامِعَةً جَيِّدَةً، وَتَبْقَى عَلَى تَوَاصُلٍ دَائِمٍ مَعَنَا.”
أَشْرَقَ وَجْهُ زِيَادٍ بِفَرْحَةٍ غَامِرَةٍ: “أَبِي! شُكْرًا جَزِيلًا! لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُ رَدًّا بِهَذِهِ السُّرْعَةِ.”
“لَمْ يَكُنْ قَرَارًا سَرِيعًا يَا زِيَادُ. كَانَ نَتِيجَةَ أَسَابِيعَ مِنَ التَّفْكِيرِ، بَدَأَتْ مُنْذُ الْيَوْمِ الَّذِي عَادَ فِيهِ أَخُوكَ وَسَأَلَنِي سُؤَالًا بَسِيطًا غَيَّرَ فِيَّ الْكَثِيرَ.”
عَانَقَ زِيَادٌ أَبَاهُ بِحَرَارَةٍ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ، وَشَعَرَ غَسَّانُ بِدِفْءٍ غَرِيبٍ، دِفْءِ اعْتِرَافٍ صَادِقٍ وَقَرَارٍ اتُّخِذَ عَنْ وَعْيٍ، لَا عَنْ خَوْفٍ أَوْ تَسَرُّعٍ.
لَمْ يَمُرَّ يَوْمَانِ حَتَّى وَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى الْعَمِّ فُؤَادٍ، الَّذِي جَاءَ مُسْرِعًا إِلَى الْبَيْتِ، وَعَلَى وَجْهِهِ غَضَبٌ وَاضِحٌ.
“غَسَّانُ! مَا هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي سَمِعْتُهُ؟ زِيَادٌ أَيْضًا سَيُسَافِرُ لِيَدْرُسَ فِي الْخَارِجِ؟ مَاذَا جَرَى لِهَذَا الْبَيْتِ؟”
حَاوَلَ غَسَّانُ أَنْ يَبْقَى هَادِئًا: “فُؤَادُ، جَلَسْتُ مَعَ زِيَادٍ، وَسَمِعْتُ حُلْمَهُ، وَوَافَقْتُ. لَيْسَ قَرَارًا مُتَسَرِّعًا، فَكَّرْتُ فِيهِ جَيِّدًا.”
“غَسَّانُ، أَوَّلًا كَرِيمٌ، وَالْآنَ زِيَادٌ. مَاذَا سَنَقُولُ لِلنَّاسِ؟ إِنَّ بَيْتَ غَسَّانَ صَارَ الْجَمِيعُ فِيهِ يُسَافِرُ وَيَتْرُكُ أَهْلَهُ؟”
كَانَتْ هَذِهِ اللَّحْظَةُ اخْتِبَارًا حَقِيقِيًّا لِغَسَّانَ: أَيَتَرَاجَعُ تَحْتَ ضَغْطِ أَخِيهِ وَخَوْفِهِ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، كَمَا كَانَ يَفْعَلُ دَائِمًا، أَمْ يَقِفُ عَلَى قَرَارِهِ الْجَدِيدِ؟
“فُؤَادُ، أَفْهَمُ قَلَقَكَ. لَكِنِّي، بِصَرَاحَةٍ، سَئِمْتُ أَنْ أَخَافَ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ أَكْثَرَ مِمَّا أَخَافُ عَلَى مُسْتَقْبَلِ أَوْلَادِي. زِيَادٌ عِنْدَهُ حُلْمٌ وَاضِحٌ، وَأَنَا كَأَبٍ، عَلَيَّ أَنْ أَدْعَمَهُ، لَا أَنْ أَخْنُقَهُ خَوْفًا مِنْ تَعْلِيقَاتٍ لَا تَنْتَهِي.”
نَظَرَ فُؤَادٌ إِلَى أَخِيهِ بِدَهْشَةٍ، فَهَذَا الرَّدُّ لَمْ يَعْتَدْهُ مِنْهُ مِنْ قَبْلُ: “غَسَّانُ، أَنْتَ تَغَيَّرْتَ.”
“رُبَّمَا يَا فُؤَادُ. وَبِصَرَاحَةٍ، أَشْعُرُ أَنَّ هَذَا التَّغَيُّرَ أَرْيَحُ بِكَثِيرٍ مِمَّا كُنْتُ أَتَوَقَّعُ. سَئِمْتُ أَنْ أَعِيشَ حَيَاتِي وَحَيَاةَ أَوْلَادِي مَحْكُومَةً بِخَوْفٍ دَائِمٍ مِنْ رَأْيِ النَّاسِ.”
صَمَتَ فُؤَادٌ طَوِيلًا، يُفَكِّرُ فِي كَلِمَاتِ أَخِيهِ، ثُمَّ قَالَ، بِصَوْتٍ أَخْفَتَ مِنَ الْمُعْتَادِ: “بِصَرَاحَةٍ، غَسَّانُ، أَنَا أَيْضًا تَعِبْتُ مِنَ الْخَوْفِ نَفْسِهِ. لَكِنِّي لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَتَخَلَّصُ مِنْهُ فِي هَذَا الْعُمْرِ.”
“رُبَّمَا نَبْدَأُ خُطْوَةً خُطْوَةً، كَمَا بَدَأْتُ أَنَا. لَا أَحَدَ يَتَغَيَّرُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ.”
غَادَرَ فُؤَادٌ وَهُوَ أَقَلُّ غَضَبًا مِمَّا وَصَلَ، وَأَكْثَرُ تَفْكِيرًا مِمَّا كَانَ، وَأَدْرَكَ غَسَّانُ أَنَّ وُقُوفَهُ عَلَى قَرَارِهِ، رَغْمَ صُعُوبَتِهِ، قَدْ فَتَحَ، وَلَوْ بِشَكْلٍ غَيْرِ مُبَاشِرٍ، بَابًا جَدِيدًا حَتَّى لِأَخِيهِ الْأَكْبَرِ، الْحَارِسِ الْأَشَدِّ صَرَامَةً لِتَقَالِيدِ الْعَائِلَةِ.
فِي الْمَسَاءِ، وَجَدَ كَرِيمٌ زِيَادًا جَالِسًا فِي غُرْفَتِهِ، يَبْحَثُ بِحَمَاسَةٍ عَنْ جَامِعَاتٍ أَلْمَانِيَّةٍ تُدَرِّسُ الْهَنْدَسَةَ الْمِعْمَارِيَّةَ، وَابْتِسَامَةٌ لَمْ تُفَارِقْ وَجْهَهُ مُنْذُ الصَّبَاحِ.
“أَرَأَيْتَ؟ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّ أَبِي سَيُوَافِقُ؟”
ضَحِكَ زِيَادٌ: “بِصَرَاحَةٍ، لَمْ أَكُنْ مُتَأَكِّدًا. خِفْتُ لَحْظَةَ الْحَدِيثِ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ فِي حَيَاتِي.”
“لَكِنْ أَلَمْ تَرَ مَاذَا حَدَثَ حِينَ تَحَدَّثْتَ بِصِدْقٍ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخْفِيَ حُلْمَكَ، وَلَا أَنْ تَتَصَرَّفَ كَأَنَّهُ قَرَارٌ مُتَهَوِّرٌ؟”
“نَعَمْ، فَهِمْتُ الدَّرْسَ. الصِّدْقُ لَيْسَ فَقَطْ أَسْهَلَ عَلَى الْمَدَى الْبَعِيدِ، بَلْ يَجْعَلُ الطَّرَفَ الْآخَرَ يَأْخُذُ قَرَارَكَ بِجِدِّيَّةٍ أَكْبَرَ.”
جَلَسَا يَتَصَفَّحَانِ مَعًا مَوَاقِعَ الْجَامِعَاتِ، وَيَتَبَادَلَانِ النِّكَاتِ عَنِ الْحَيَاةِ فِي الْغُرْبَةِ، وَشَعَرَ كَرِيمٌ بِفَرْحَةٍ حَقِيقِيَّةٍ وَهُوَ يَرَى أَخَاهُ الصَّغِيرَ يَخْطُو أُولَى خُطُوَاتِهِ نَحْوَ حُلْمٍ اخْتَارَهُ بِنَفْسِهِ، بِصِدْقٍ، وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَهْرُبَ مِنْ مُوَاجَهَةِ أَهْلِهِ.
“زِيَادُ، لَكِنْ لَا تَنْسَ شَيْئًا: مَهْمَا صَارَتْ حَيَاتُكَ فِي الْخَارِجِ، أَبْقِ بَيْتَكَ هُنَا حَاضِرًا فِي بَالِكَ دَائِمًا. أَنَا، بِصَرَاحَةٍ، تَعَلَّمْتُ هَذَا الدَّرْسَ مُتَأَخِّرًا بَعْضَ الشَّيْءِ.”
“سَأَتَعَلَّمُهُ مُبَكِّرًا مِنْكَ يَا كَرِيمُ. أَعِدُكَ.”
عَادَ كَرِيمٌ إِلَى غُرْفَتِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَكَتَبَ فِي دَفْتَرِهِ:
“الْيَوْمَ شَهِدْتُ أَهَمَّ لَحْظَةٍ مُنْذُ عَوْدَتِي: أَبِي وَافَقَ عَلَى حُلْمِ زِيَادٍ، لَيْسَ لِأَنَّهُ اقْتَنَعَ فَجْأَةً بِكُلِّ أَفْكَارِي، بَلْ لِأَنَّهُ، بِبُطْءٍ، بَدَأَ يَتَعَلَّمُ لُغَةً جَدِيدَةً، لُغَةَ السُّؤَالِ قَبْلَ الْحُكْمِ، وَالْحِوَارِ قَبْلَ الْقَرَارِ. لَمْ يَتَغَيَّرْ أَبِي بَيْنَ لَيْلَةٍ وَضُحَاهَا، لَكِنَّهُ بَدَأَ يَتَغَيَّرُ، وَهَذَا، رُبَّمَا، أَعْظَمُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ فِي بَيْتٍ حَكَمَهُ الصَّمْتُ عُقُودًا طَوِيلَةً.”
الفصل التاسع
فِي أَحَدِ أَيَّامِ الْأَصِيلِ الْهَادِئَةِ، بَيْنَمَا كَانَتْ سَلْمَى تَطْوِي الْغَسِيلَ فِي غُرْفَةِ الْجُلُوسِ، وَكَرِيمٌ يَجْلِسُ قَرِيبًا مِنْهَا يَتَصَفَّحُ هَاتِفَهُ، تَوَقَّفَتْ فَجْأَةً عَنِ الْعَمَلِ، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ نَظْرَةً مُتَرَدِّدَةً، كَأَنَّهَا تَجْمَعُ شَجَاعَتَهَا لِسُؤَالٍ طَالَ تَأْجِيلُهُ.
“كَرِيمُ، أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ شَيْئًا، وَلَا أُرِيدُ أَنْ تَغْضَبَ مِنِّي.”
رَفَعَ كَرِيمٌ عَيْنَيْهِ عَنْ هَاتِفِهِ: “تَفَضَّلِي يَا أُمِّي.”
“سَمِعْتُ مِنْ رِيمَا أَنَّ هُنَاكَ… فَتَاةً، فِي أَلْمَانْيَا، مَعَكَ. أَصَحِيحٌ هَذَا الْكَلَامُ؟”
ابْتَسَمَ كَرِيمٌ ابْتِسَامَةً خَفِيفَةً، فَهَذَا السُّؤَالُ كَانَ مُتَوَقَّعًا، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَأَكِّدًا مَتَى سَيَأْتِي بِالضَّبْطِ. “نَعَمْ يَا أُمِّي، صَحِيحٌ. اسْمُهَا لِينَا. أُحِبُّهَا، وَهِيَ تُحِبُّنِي.”
تَوَتَّرَتْ مَلَامِحُ سَلْمَى قَلِيلًا، وَتَابَعَتْ طَيَّ الْغَسِيلِ بِحَرَكَاتٍ أَسْرَعَ مِنَ الْمُعْتَادِ، كَمَنْ تُحَاوِلُ أَنْ تُشْغِلَ يَدَيْهَا بَيْنَمَا ذِهْنُهَا يُعَالِجُ مَعْلُومَةً صَعْبَةً.
“وَهِيَ… أَلْمَانِيَّةٌ؟ مَسِيحِيَّةٌ؟ لَا تَعْرِفُ عَادَاتِنَا وَلَا دِينَنَا؟”
“نَعَمْ يَا أُمِّي، أَلْمَانِيَّةٌ، وَنَشَأَتْ فِي عَائِلَةٍ مَسِيحِيَّةٍ، لَكِنَّهَا هِيَ نَفْسَهَا لَيْسَتْ مُتَدَيِّنَةً كَثِيرًا. غَيْرَ أَنَّهَا تَحْتَرِمُ كُلَّ مَا يَخُصُّنِي، دِينِي وَعَادَاتِي.”
جَلَسَتْ سَلْمَى أَخِيرًا، تَارِكَةً الْغَسِيلَ جَانِبًا، وَنَظَرَتْ إِلَى ابْنِهَا بِقَلَقٍ وَاضِحٍ: “كَرِيمُ، كَيْفَ سَتَعِيشُ حَيَاتَكَ مَعَهَا؟ بِأَيِّ دِينٍ سَتُرَبِّيَانِ أَوْلَادَكُمَا؟ أَيْنَ سَتَعِيشَانِ؟ وَمَاذَا سَنَقُولُ لِلنَّاسِ؟”
كَانَتْ هَذِهِ الْأَسْئِلَةُ، بِتَتَابُعِهَا السَّرِيعِ، تَكْشِفُ كُلَّ مَخَاوِفِ سَلْمَى الْمَكْبُوتَةِ مُنْذُ سَمِعَتِ الْخَبَرَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مِنْ رِيمَا، مَخَاوِفَ لَمْ تَجْرُؤْ عَلَى طَرْحِهَا مُبَاشَرَةً حَتَّى الْآنَ.
“أُمِّي، أَفْهَمُ قَلَقَكِ، لَكِنْ دَعِينِي أُوَضِّحْ لَكِ شَيْئًا: أَنَا وَلِينَا لَمْ نَحْسِمْ بَعْدُ كُلَّ هَذِهِ التَّفَاصِيلِ. لَكِنَّنَا نَتَحَدَّثُ عَنْهَا بِصَرَاحَةٍ، لَا نَتَجَاهَلُهَا. وَبِخُصُوصِ الدِّينِ، أَحْتَرِمُ دِينِي، وَهِيَ تَحْتَرِمُهُ، وَإِذَا صَارَ لَنَا أَوْلَادٌ، سَنُرَبِّيهِمْ لِيَعْرِفُوا الِاثْنَيْنِ مَعًا، وَيَخْتَارُوا هُمْ حِينَ يَكْبُرُونَ مَا يُرِيدُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ.”
“وَهَلْ هَذَا كَافٍ؟ أَيْ إِنَّ أَوْلَادَكَ لَنْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ بِوُضُوحٍ؟”
“أُمِّي، بِصَرَاحَةٍ، لَا أَعْرِفُ الْجَوَابَ الْكَامِلَ الْآنَ. لَكِنِّي أَعْرِفُ أَنَّنِي لَا أُرِيدُ أَنْ أَفْرِضَ عَلَى أَحَدٍ، حَتَّى أَوْلَادِي الْمُسْتَقْبَلِيِّينَ، هُوِيَّةً دِينِيَّةً بِالْإِكْرَاهِ، تَمَامًا كَمَا لَا أُرِيدُ أَنْ يَفْرِضَ عَلَيَّ أَحَدٌ قَرَارَاتِي الشَّخْصِيَّةَ.”
تَوَتَّرَتْ سَلْمَى أَكْثَرَ: “كَرِيمُ، هَذَا كَلَامٌ كَبِيرٌ. نَحْنُ هُنَا، فِي مُجْتَمَعِنَا، مِثْلُ هَذِهِ الْأُمُورِ فِي غَايَةِ الْأَهَمِّيَّةِ. جَدُّكَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، كَانَ صَارِمًا جِدًّا فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ.”
“أَعْرِفُ يَا أُمِّي. لَكِنِّي لَسْتُ جَدِّي، وَزَمَنِي مُخْتَلِفٌ عَنْ زَمَنِهِ. وَأَعْتَقِدُ أَنَّ الْأَهَمَّ مِنَ الْهُوِيَّةِ الدِّينِيَّةِ الْمَفْرُوضَةِ، هُوَ التَّرْبِيَةُ عَلَى الْقِيَمِ: الصِّدْقِ، وَالِاحْتِرَامِ، وَالْمَحَبَّةِ. هَذِهِ قِيَمٌ مَوْجُودَةٌ فِي كُلِّ دِينٍ وَثَقَافَةٍ، وَيُمْكِنُنِي أَنْ أُرَبِّيَ أَوْلَادِي عَلَيْهَا، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ الْهُوِيَّةِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي سَيَخْتَارُونَهَا لَاحِقًا.”
جَلَسَتْ سَلْمَى صَامِتَةً طَوِيلًا، تُعَالِجُ كُلَّ مَا سَمِعَتْهُ، ثُمَّ سَأَلَتْ سُؤَالًا آخَرَ، بِصَوْتٍ أَخْفَتَ: “كَرِيمُ، وَهَلْ تُخَطِّطُ لِلزَّوَاجِ مِنْهَا؟ وَتَعِيشَ فِي أَلْمَانْيَا إِلَى الْأَبَدِ؟”
كَانَ هَذَا السُّؤَالُ، بِجَوْهَرِهِ، أَهَمَّ مِنْ بَيْنِ كُلِّ الْأَسْئِلَةِ، لِأَنَّهُ يَمَسُّ مُبَاشَرَةً خَوْفَ سَلْمَى الْأَعْمَقَ: أَنْ تَفْقِدَ ابْنَهَا نِهَائِيًّا لِصَالِحِ حَيَاةٍ بَعِيدَةٍ كُلَّ الْبُعْدِ عَنْ عَالَمِهَا.
فَكَّرَ كَرِيمٌ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ بِصِدْقٍ: “أُمِّي، بِصَرَاحَةٍ، لَمْ أُقَرِّرْ بَعْدُ. أُحِبُّ لِينَا كَثِيرًا، وَأُحِبُّ حَيَاتِي هُنَاكَ بِطَرِيقَةٍ مَا. لَكِنِّي أُحِبُّ أَهْلِي وَبَيْتِي هُنَا أَيْضًا، وَهَذِهِ الْعَوْدَةُ جَعَلَتْنِي أَكْتَشِفُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً فِي حَيَاتِي هُنَا لَمْ أَكُنْ وَاعِيًا لَهَا مِنْ قَبْلُ. أُحَاوِلُ أَنْ أَجِدَ طَرِيقَةً أَجْمَعُ فِيهَا بَيْنَ الِاثْنَيْنِ، لَا أَنْ أَخْتَارَ وَاحِدًا وَأَخْسَرَ الْآخَرَ كُلِّيًّا.”
“وَهَلْ هَذَا مُمْكِنٌ أَصْلًا؟ أَنْ تَعِيشَ هُنَا وَهُنَاكَ فِي آنٍ وَاحِدٍ؟”
“رُبَّمَا لَا بِالْمَعْنَى الْحَرْفِيِّ، لَكِنَّهُ مُمْكِنٌ، يَا أُمِّي، أَنْ أَبْنِيَ حَيَاةً تَحْتَرِمُ جُذُورِي هُنَا، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ تَسْمَحُ لِي أَنْ أَعِيشَ حُبِّي وَحُرِّيَّتِي هُنَاكَ. الْعَالَمُ صَارَ أَصْغَرَ، وَيُمْكِنُنِي أَنْ أَزُورَكُمْ بِاسْتِمْرَارٍ، وَيُمْكِنُكُمْ أَنْ تَزُورُونِي كَذَلِكَ، وَيُمْكِنُنَا أَنْ نَجِدَ طَرِيقَةً لِنَبْقَى قَرِيبِينَ مِنْ بَعْضِنَا حَتَّى وَإِنْ كَانَتِ الْمَسَافَةُ الْجُغْرَافِيَّةُ بَعِيدَةً.”
نَظَرَتْ سَلْمَى إِلَى ابْنِهَا نَظْرَةً طَوِيلَةً، مَمْزُوجَةً بِحُزْنٍ وَفَخْرٍ مَعًا: “كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، أَخَافُ أَنْ أَخْسَرَكَ. مُنْذُ الْيَوْمِ الَّذِي رَحَلْتَ فِيهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَأَنَا أَشْعُرُ أَنَّ كُلَّ عَوْدَةٍ قَدْ تَكُونُ الْأَخِيرَةَ.”
كَانَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ، بِصِدْقِهَا الْعَارِي، أَوَّلَ اعْتِرَافٍ مُبَاشِرٍ مِنْ سَلْمَى بِخَوْفِهَا الْحَقِيقِيِّ: لَيْسَ الْخَوْفَ مِنَ الْفَتَاةِ الْأَلْمَانِيَّةِ أَوْ مِنِ اخْتِلَافِ الدِّينِ، بَلِ الْخَوْفَ الْأَعْمَقَ مِنْ فُقْدَانِ ابْنِهَا نِهَائِيًّا، مِنْ أَنْ يُصْبِحَ غَرِيبًا فِعْلًا، لَا بِالْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ وَحْدَهُ.
“أُمِّي،” قَالَ كَرِيمٌ بِصَوْتٍ مُفْعَمٍ بِالْحَنَانِ، “أَنَا لَنْ أَخْسَرَكِ، وَلَنْ تَخْسَرِينِي أَنْتِ. مَهْمَا بَعُدْتُ جُغْرَافِيًّا، أَنْتِ أُمِّي، وَهَكَذَا سَتَبْقَيْنَ دَائِمًا. وَبِصَرَاحَةٍ، الَّذِي يَجْعَلُنِي أَشْعُرُ أَنَّنِي قَرِيبٌ مِنْكِ، لَيْسَ الْمَسَافَةَ، بَلْ أَنَّكِ، كَمَا الْآنَ، تَسْأَلِينَنِي بِصَرَاحَةٍ، وَتُصْغِينَ إِلَيَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَحْكُمِي عَلَيَّ فَوْرًا.”
دَمَعَتْ عَيْنَا سَلْمَى، وَعَانَقَتِ ابْنَهَا بِقُوَّةٍ: “كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، هَذَا الْحَدِيثُ صَعْبٌ عَلَيَّ، لَكِنِّي أُحَاوِلُ أَنْ أَفْهَمَ. لَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَطْلُبَ مِنْكَ شَيْئًا.”
“تَفَضَّلِي.”
“أُرِيدُ أَنْ أَتَعَرَّفَ عَلَى لِينَا. بِمُكَالَمَةِ فِيدْيُو، أَوْ حِينَ تَزُورُنَا، إِنْ اسْتَطَعْتَ. أُرِيدُ أَنْ أَرَاهَا بِعَيْنَيَّ، لَا أَنْ أَسْمَعَ عَنْهَا فَقَطْ.”
ابْتَسَمَ كَرِيمٌ بِفَرْحَةٍ حَقِيقِيَّةٍ: “بِالتَّأْكِيدِ يَا أُمِّي. سَأُرَتِّبُ مُكَالَمَةَ فِيدْيُو هَذَا الْأُسْبُوعَ، وَأَنَا مُتَأَكِّدٌ أَنَّكِ سَتُحِبِّينَهَا.”
فِي الْمَسَاءِ، اتَّصَلَ كَرِيمٌ بِلِينَا، وَحَكَى لَهَا عَنْ مُحَادَثَتِهِ مَعَ أُمِّهِ.
“لِينَا، أُمِّي تُرِيدُ أَنْ تَتَعَرَّفَ عَلَيْكِ. تُرِيدُ أَنْ نُجْرِيَ مُكَالَمَةَ فِيدْيُو.”
بَدَتْ لِينَا مُتَحَمِّسَةً وَقَلِقَةً فِي آنٍ وَاحِدٍ: “كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، أَنَا مُتَوَتِّرَةٌ بَعْضَ الشَّيْءِ. أُرِيدُ أَنْ أَتْرُكَ انْطِبَاعًا جَيِّدًا، لَكِنِّي لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَتَصَرَّفُ فِي ثَقَافَةٍ لَا أَعْرِفُهَا جَيِّدًا.”
“كُونِي عَلَى طَبِيعَتِكِ وَحَسْبُ. أُمِّي تُقَدِّرُ الصِّدْقَ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ تَكَلُّفٍ. وَبِصَرَاحَةٍ، بَعْدَ كُلِّ مَا عِشْنَاهُ فِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ، صِرْتُ مُتَأَكِّدًا أَنَّ الصِّدْقَ هُوَ أَفْضَلُ لُغَةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَ كُلِّ الثَّقَافَاتِ.”
ضَحِكَتْ لِينَا: “أَحْيَانًا أَشْعُرُ أَنَّكَ صِرْتَ فَيْلَسُوفًا صَغِيرًا بَعْدَ هَذِهِ الرِّحْلَةِ.”
“رُبَّمَا. لَكِنَّ فَلْسَفَتِي بَسِيطَةٌ: كُلُّ فَرْدٍ فِي هَذَا الْبَيْتِ، وَكُلُّ قِصَّةٍ سَمِعْتُهَا فِي هَذِهِ الْأَسَابِيعِ، عَلَّمَتْنِي أَنَّ الصِّدْقَ، عَلَى صُعُوبَتِهِ، أَرْحَمُ بِكَثِيرٍ مِنَ الصَّمْتِ الْمُطَوَّلِ.”
أَغْلَقَ الْمُكَالَمَةَ وَهُوَ يَشْعُرُ بِتَفَاؤُلٍ حَذِرٍ تِجَاهَ اللِّقَاءِ الْقَادِمِ بَيْنَ أُمِّهِ وَلِينَا، مُدْرِكًا أَنَّ هَذَا اللِّقَاءَ، مَهْمَا كَانَتْ نَتِيجَتُهُ، سَيَكُونُ خُطْوَةً أُخْرَى فِي رِحْلَتِهِ الطَّوِيلَةِ نَحْوَ التَّوْفِيقِ بَيْنَ حُبِّهِ الشَّخْصِيِّ وَانْتِمَائِهِ الْعَائِلِيِّ، دُونَ أَنْ يَضْطَرَّ لِلتَّضْحِيَةِ بِأَحَدِهِمَا كُلِّيًّا مِنْ أَجْلِ الْآخَرِ.
بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، جَلَسَتْ سَلْمَى بِجَانِبِ كَرِيمٍ فِي غُرْفَتِهِ، بَيْنَمَا كَانَ يَفْتَحُ مُكَالَمَةَ الْفِيدْيُو، وَيَدَاهَا مُتَشَابِكَتَانِ بِتَوَتُّرٍ وَاضِحٍ.
“كَرِيمُ، مَاذَا أَقُولُ لَهَا؟ بِالْإِنْكِلِيزِيَّةِ؟ لَا أُجِيدُ الْإِنْكِلِيزِيَّةَ جَيِّدًا.”
“لَا تَقْلَقِي يَا أُمِّي، سَأُتَرْجِمُ، وَلِينَا تَفْهَمُ بَعْضَ الْكَلِمَاتِ بِالْعَرَبِيَّةِ أَيْضًا، تَعَلَّمَتْهَا مِنِّي.”
ظَهَرَتْ لِينَا عَلَى الشَّاشَةِ، بِابْتِسَامَةٍ دَافِئَةٍ وَمُتَوَتِّرَةٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَقَالَتْ بِالْعَرَبِيَّةِ الْمُتَعَثِّرَةِ: “مَرْحَبًا خَالَتِي سَلْمَى.”
انْفَرَجَتْ أَسَارِيرُ سَلْمَى فَوْرًا عِنْدَ سَمَاعِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْبَسِيطَةِ: “أَهْلًا وَسَهْلًا يَا لِينَا! مَا شَاءَ اللَّهُ عَلَيْكِ، جَمِيلَةٌ.”
تَرْجَمَ كَرِيمٌ بِسُرْعَةٍ، وَضَحِكَتْ لِينَا بِارْتِيَاحٍ: “شُكْرًا جَزِيلًا. كَرِيمٌ حَدَّثَنِي كَثِيرًا عَنْكِ، وَعَنْ طَبْخِكِ الرَّائِعِ.”
بَدَأَتِ الْمُحَادَثَةُ تَتَدَفَّقُ، بِبُطْءٍ فِي الْبِدَايَةِ، بَيْنَمَا كَانَ كَرِيمٌ يُتَرْجِمُ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ، لَكِنَّهَا اكْتَسَبَتْ دِفْئًا مُتَزَايِدًا مَعَ كُلِّ دَقِيقَةٍ: سَأَلَتْ سَلْمَى عَنْ عَائِلَةِ لِينَا، عَنْ مَدِينَتِهَا، عَنْ كَيْفِيَّةِ لِقَائِهَا بِكَرِيمٍ، بَيْنَمَا سَأَلَتْ لِينَا بِدَوْرِهَا عَنْ عَادَاتِ الْمَطْبَخِ السُّورِيِّ، عَنْ قِصَصِ طُفُولَةِ كَرِيمٍ، عَنِ الْبَيْتِ الَّذِي نَشَأَ فِيهِ.
فِي لَحْظَةٍ مَا، تَوَقَّفَتْ سَلْمَى، وَنَظَرَتْ مُبَاشَرَةً إِلَى الشَّاشَةِ، وَقَالَتْ بِجِدِّيَّةٍ: “لِينَا، أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ سُؤَالًا مُبَاشِرًا، وَأُرِيدُ جَوَابًا صَادِقًا: أَتُحِبِّينَ ابْنِي فِعْلًا؟”
تَرْجَمَ كَرِيمٌ السُّؤَالَ بِتَرَدُّدٍ خَفِيفٍ، لَكِنَّ لِينَا أَجَابَتْ دُونَ تَرَدُّدٍ: “نَعَمْ، خَالَتِي، أُحِبُّهُ كَثِيرًا. أُحِبُّ فُضُولَهُ، وَصِدْقَهُ، وَحَتَّى تَعْقِيدَاتِهِ الَّتِي جَاءَ بِهَا مِنْ مُحَاوَلَتِهِ أَنْ يَفْهَمَ بَيْتَهُ مِنْ جَدِيدٍ. أَعْرِفُ أَنَّ هُنَاكَ تَحَدِّيَاتٍ كَثِيرَةً أَمَامَنَا، ثَقَافِيَّةً وَدِينِيَّةً وَعَائِلِيَّةً، لَكِنِّي مُسْتَعِدَّةٌ لِمُوَاجَهَتِهَا مَعَهُ، بِصَبْرٍ وَاحْتِرَامٍ لِعَائِلَتِهِ وَجُذُورِهِ.”
عِنْدَمَا تَرْجَمَ كَرِيمٌ هَذِهِ الْإِجَابَةَ، دَمَعَتْ عَيْنَا سَلْمَى، وَقَالَتْ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ: “كَرِيمُ، قُلْ لَهَا إِنَّنِي… إِنَّنِي سَعِيدَةٌ لِأَنَّ ابْنِي وَجَدَ مَنْ يُحِبُّهُ فِعْلًا، لَا مَنْ يُحِبُّ فِكْرَةً مُعَيَّنَةً عَنْهُ فَقَطْ.”
تَرْجَمَ كَرِيمٌ الْجُمْلَةَ، فَابْتَسَمَتْ لِينَا بِتَأَثُّرٍ وَاضِحٍ، وَقَالَتْ: “شُكْرًا لَكِ خَالَتِي سَلْمَى، عَلَى انْفِتَاحِكِ وَصِدْقِكِ. أَعِدُكِ أَنَّنِي سَأُحَاوِلُ أَنْ أَتَعَلَّمَ الْمَزِيدَ عَنْ ثَقَافَتِكُمْ، وَأَنْ أَحْتَرِمَهَا دَائِمًا، حَتَّى وَإِنْ لَمْ أَفْهَمْ كُلَّ تَفْصِيلٍ فِيهَا مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ.”
بَعْدَ أَنْ أَغْلَقُوا الْمُكَالَمَةَ، جَلَسَتْ سَلْمَى صَامِتَةً دَقَائِقَ، ثُمَّ قَالَتْ لِكَرِيمٍ: “كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، تَوَقَّعْتُ شَيْئًا مُخْتَلِفًا تَمَامًا. تَوَقَّعْتُ فَتَاةً بَعِيدَةً، غَرِيبَةً، لَا تَفْهَمُ شَيْئًا عَنَّا. لَكِنَّ لِينَا… شَعَرْتُ فِيهَا بِصِدْقٍ حَقِيقِيٍّ.”
“شُكْرًا يَا أُمِّي، عَلَى أَنَّكِ فَتَحْتِ قَلْبَكِ لِهَذَا الْحَدِيثِ. أَعْرِفُ أَنَّهُ صَعْبٌ عَلَيْكِ.”
“صَعْبٌ، لَكِنْ لَيْسَ مُسْتَحِيلًا. رُبَّمَا يَا كَرِيمُ، لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَقْبَلُ إِمَّا هَذَا أَوْ ذَاكَ. رُبَّمَا، كَمَا قُلْتَ، يُمْكِنُنَا أَنْ نَجِدَ طَرِيقَةً نَبْقَى فِيهَا جَمِيعًا قَرِيبِينَ مِنْ بَعْضِنَا، بِطَرِيقَتِنَا الْخَاصَّةِ.”
كَانَتْ هَذِهِ اللَّحْظَةُ، بِبَسَاطَتِهَا الظَّاهِرَةِ، انْتِصَارًا حَقِيقِيًّا فِي رِحْلَةِ كَرِيمٍ الطَّوِيلَةِ: أُمُّهُ، الَّتِي حَمَلَتْ كُلَّ مَخَاوِفِهَا التَّقْلِيدِيَّةِ عَنِ الزَّوَاجِ الْمُخْتَلِطِ وَالدِّينِ وَالثَّقَافَةِ، وَجَدَتْ فِي لِقَاءٍ وَاحِدٍ صَادِقٍ، أَنَّ الْخَوْفَ مِنَ الْمَجْهُولِ غَالِبًا مَا يَكُونُ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِنَ الْمَجْهُولِ نَفْسِهِ، وَأَنَّ الْحُبَّ الْحَقِيقِيَّ، حِينَ يُرَى بِعَيْنٍ مَفْتُوحَةٍ، قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُذِيبَ كَثِيرًا مِنَ الْحَوَاجِزِ الْمُتَخَيَّلَةِ.
عَادَ إِلَى غُرْفَتِهِ، وَكَتَبَ فِي دَفْتَرِهِ:
“الْيَوْمَ، وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ، سَأَلَتْنِي أُمِّي عَنْ لِينَا بِصِدْقٍ مُبَاشِرٍ، لَا بِتَلْمِيحَاتٍ أَوْ قَلَقٍ صَامِتٍ. وَأَدْرَكْتُ أَنَّ أَعْمَقَ مَخَاوِفِهَا لَمْ يَكُنِ الدِّينَ أَوِ الثَّقَافَةَ، بَلْ خَوْفَهَا الْبَسِيطَ وَالْعَمِيقَ مِنْ أَنْ تَخْسَرَنِي. تَعَلَّمْتُ أَنَّ بَعْضَ الْمَخَاوِفِ، مَهْمَا بَدَتْ مُعَقَّدَةً فِي ظَاهِرِهَا، تَخْتَصِرُ فِي النِّهَايَةِ إِلَى شَيْءٍ إِنْسَانِيٍّ بَسِيطٍ: الْخَوْفُ مِنَ الْفُقْدَانِ. وَأَنَّ أَفْضَلَ رَدٍّ عَلَى هَذَا الْخَوْفِ لَيْسَ التَّبْرِيرَ أَوِ الدِّفَاعَ، بَلِ الطُّمَأْنِينَةُ الصَّادِقَةُ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِبِنَاءِ الْجُسُورِ، لَا لِحَرْقِ مَا تَبَقَّى مِنْهَا.”
الفصل العاشر
انْتَشَرَ خَبَرُ مُوَافَقَةِ غَسَّانَ عَلَى سَفَرِ زِيَادٍ، وَخَبَرُ تَعَرُّفِ سَلْمَى عَلَى لِينَا، بِسُرْعَةٍ فِي الْحَيِّ الصَّغِيرِ، كَمَا تَنْتَشِرُ كُلُّ الْأَخْبَارِ فِي مُجْتَمَعٍ يَعْرِفُ فِيهِ الْجَمِيعُ تَفَاصِيلَ حَيَاةِ الْجَمِيعِ. وَلَمْ يَمُرَّ أُسْبُوعٌ حَتَّى جَاءَتْ خَالَةُ كَرِيمٍ، أَمَلُ، تُخْبِرُ الْعَائِلَةَ بِأَنَّ بَعْضَ الْجِيرَانِ بَدَؤُوا يَتَسَاءَلُونَ، وَأَنَّ أَحَدَهُمُ اقْتَرَحَ عَلَى الْعَمِّ فُؤَادٍ أَنْ يَسْتَشِيرَ الشَّيْخَ رَاتِبًا، إِمَامَ مَسْجِدِ الْحَيِّ، لِيَضَعَ الْأُمُورَ فِي نِصَابِهَا الشَّرْعِيِّ.
فُوجِئَ كَرِيمٌ بِهَذَا الِاقْتِرَاحِ، لَكِنَّهُ، بَدَلَ أَنْ يَرْفُضَهُ أَوْ يَتَجَاهَلَهُ، قَرَّرَ أَنْ يُقَابِلَ الشَّيْخَ رَاتِبًا بِنَفْسِهِ، بِدَافِعِ فُضُولٍ حَقِيقِيٍّ أَكْثَرَ مِنَ الدِّفَاعِ عَنْ مَوْقِفِهِ.
اسْتَقْبَلَهُ الشَّيْخُ رَاتِبٌ فِي مَكْتَبِهِ الصَّغِيرِ الْمُلْحَقِ بِالْمَسْجِدِ، رَجُلٌ فِي السِّتِّينَاتِ مِنْ عُمُرِهِ، بِلِحْيَةٍ بَيْضَاءَ مُشَذَّبَةٍ، وَعَيْنَيْنِ هَادِئَتَيْنِ تَحْمِلَانِ تَجْرِبَةَ سِنِينَ طَوِيلَةٍ مِنَ الِاسْتِمَاعِ لِمَشَاكِلِ النَّاسِ.
“أَهْلًا يَا كَرِيمُ. سَمِعْتُ أَنَّكَ عُدْتَ مِنْ أَلْمَانْيَا، وَسَمِعْتُ أَيْضًا بَعْضَ الْحَدِيثِ عَنْ أَفْكَارِكَ الْجَدِيدَةِ.”
جَلَسَ كَرِيمٌ، مُحَاوِلًا أَنْ يَبْدُوَ مُحْتَرِمًا دُونَ أَنْ يَتَنَازَلَ عَنْ صِدْقِهِ: “أَهْلًا شَيْخَ رَاتِبٍ. صَحِيحٌ، عُدْتُ، وَصَحِيحٌ عِنْدِي أَسْئِلَةٌ كَثِيرَةٌ عَنْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، بِمَا فِي ذَلِكَ عَلَاقَتِي بِدِينِي وَثَقَافَتِي.”
“وَمَا هَذِهِ الْأَسْئِلَةُ بِالضَّبْطِ؟”
“مَثَلًا، شَيْخَ رَاتِبٍ، لِمَاذَا فِي مُجْتَمَعِنَا، كُلُّ قَرَارٍ شَخْصِيٍّ، سَوَاءٌ كَانَ مَاذَا سَأَدْرُسُ، أَمْ مَنْ سَأَتَزَوَّجُ، أَوْ حَتَّى مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أَشْعُرَ بِهِ، لَا بُدَّ أَنْ يَمُرَّ أَوَّلًا عَبْرَ مَاذَا سَيَقُولُ النَّاسُ، قَبْلَ أَنْ يَمُرَّ عَبْرَ ضَمِيرِي الشَّخْصِيِّ، أَوْ حَتَّى عَبْرَ دِينِي نَفْسِهِ؟”
ابْتَسَمَ الشَّيْخُ رَاتِبٌ ابْتِسَامَةً هَادِئَةً، وَكَأَنَّ هَذَا السُّؤَالَ لَمْ يَكُنْ جَدِيدًا عَلَيْهِ: “كَرِيمُ، سُؤَالٌ مُهِمٌّ. لَكِنْ دَعْنِي أَسْأَلْكَ أَنَا سُؤَالًا: مَنْ قَالَ لَكَ إِنَّ كَلَامَ النَّاسِ هُوَ نَفْسُهُ الدِّينُ؟”
فُوجِئَ كَرِيمٌ بِهَذَا الرَّدِّ: “مَاذَا تَقْصِدُ يَا شَيْخَ رَاتِبٍ؟”
“أَقْصِدُ، يَا كَرِيمُ، أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَشْيَاءِ فِي مُجْتَمَعِنَا، تُنْسَبُ إِلَى الدِّينِ، وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ عَادَاتٌ وَتَقَالِيدُ اجْتِمَاعِيَّةٌ، لَا عَلَاقَةَ لَهَا مُبَاشَرَةً بِالدِّينِ نَفْسِهِ. مَثَلًا، إِجْبَارُ الْفَتَاةِ عَلَى الزَّوَاجِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهَا الْكَامِلِ، هَذَا مُحَرَّمٌ شَرْعًا، وَمَعَ ذَلِكَ، كَثِيرٌ مِنَ الْأَهَالِي يَفْعَلُونَهُ بِاسْمِ الْعَادَاتِ وَيُلْبِسُونَهُ لَبُوسًا دِينِيًّا.”
كَانَ هَذَا الرَّدُّ، الْقَادِمُ مِنْ رَجُلِ دِينٍ تَقْلِيدِيٍّ، مُفَاجَأَةً حَقِيقِيَّةً لِكَرِيمٍ، الَّذِي تَوَقَّعَ دِفَاعًا صَارِمًا عَنْ كُلِّ الْأَعْرَافِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ السَّائِدَةِ.
“شَيْخَ رَاتِبٍ، لَكِنْ لِمَاذَا، إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، لَا يُصَحِّحُ أَحَدٌ هَذِهِ الْمَفَاهِيمَ الْخَاطِئَةَ؟ لِمَاذَا تَبْقَوْنَ صَامِتِينَ حِينَ يَخْلِطُ النَّاسُ بَيْنَ الدِّينِ وَالْعَادَاتِ؟”
تَنَهَّدَ الشَّيْخُ رَاتِبٌ بِحُزْنٍ وَاضِحٍ: “لِأَنَّهُ، يَا كَرِيمُ، صَعْبٌ عَلَيَّ أَنْ أُوَاجِهَ كُلَّ عَادَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ رَاسِخَةٍ، خَاصَّةً حِينَ يَكُونُ النَّاسُ مُقْتَنِعِينَ أَنَّهَا مِنَ الدِّينِ، وَيَغْضَبُونَ لَوْ قُلْتُ لَهُمُ الْعَكْسَ. أَحْيَانًا، أَشْعُرُ أَنِّي، كَإِمَامٍ، بَيْنَ مِطْرَقَةِ الْحِفَاظِ عَلَى تَمَاسُكِ الْمُجْتَمَعِ وَسِنْدَانِ تَصْحِيحِ الْمَفَاهِيمِ الْخَاطِئَةِ، وَهَذَا تَوَازُنٌ بَالِغُ الصُّعُوبَةِ.”
“وَمَا رَأْيُكَ، شَخْصِيًّا، فِي مَوْضُوعِ سَفَرِ زِيَادٍ لِلدِّرَاسَةِ، أَوْ فِي عَلَاقَتِي بِلِينَا؟”
فَكَّرَ الشَّيْخُ رَاتِبٌ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ: “بِخُصُوصِ سَفَرِ زِيَادٍ، لَا مُشْكِلَةَ شَرْعِيَّةً فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، فِي أَيِّ مَكَانٍ فِي الْعَالَمِ، طَالَمَا لَا يَتَعَارَضُ ذَلِكَ مَعَ الْقِيَمِ الْأَسَاسِيَّةِ. أَمَّا عَلَاقَتُكَ بِلِينَا، فَهِيَ أَعْقَدُ قَلِيلًا. الدِّينُ يُجِيزُ زَوَاجَ الْمُسْلِمِ مِنْ كِتَابِيَّةٍ، بِشُرُوطٍ مُعَيَّنَةٍ، لَكِنَّ الْمَسْأَلَةَ الْأَعْقَدَ هِيَ كَيْفَ سَتُرَبِّيَانِ أَوْلَادَكُمَا، وَكَيْفَ سَتُحَافِظَانِ عَلَى تَوَازُنٍ بَيْنَ ثَقَافَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، وَهَذَا أَمْرٌ يَحْتَاجُ إِلَى حِكْمَةٍ أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ فَتْوَى.”
كَانَ هَذَا الْجَوَابُ الْمُتَوَازِنُ، الْبَعِيدُ عَنِ التَّشَدُّدِ أَوِ التَّسَاهُلِ الْمُطْلَقِ، مُخْتَلِفًا تَمَامًا عَمَّا تَوَقَّعَهُ كَرِيمٌ، وَأَدْرَكَ أَنَّ الشَّيْخَ رَاتِبًا، رَغْمَ مَوْقِعِهِ الرَّسْمِيِّ كَصَوْتِ الْفَتْوَى الِاجْتِمَاعِيَّةِ، كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ رَجُلًا أَكْثَرَ تَعَقُّدًا وَتَأَمُّلًا مِمَّا صَوَّرَتْهُ لَهُ صُورَتُهُ النَّمَطِيَّةُ فِي الْحَيِّ.
“شَيْخَ رَاتِبٍ، لِمَاذَا لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ هَذَا الْجَانِبَ الْمُتَوَازِنَ فِيكَ؟ لِمَاذَا تَصِلُنَا دَائِمًا صُورَةُ الدِّينِ الْأَكْثَرُ تَشَدُّدًا؟”
ابْتَسَمَ الشَّيْخُ رَاتِبٌ ابْتِسَامَةً حَزِينَةً: “لِأَنَّ، يَا كَرِيمُ، التَّشَدُّدَ أَسْهَلُ بِكَثِيرٍ مِنَ التَّوَازُنِ. التَّشَدُّدُ يُعْطِيكَ جَوَابًا وَاحِدًا وَاضِحًا لِكُلِّ سُؤَالٍ، وَالنَّاسُ تَرْتَاحُ لِلْأَجْوِبَةِ الْوَاضِحَةِ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ خَاطِئَةً. أَمَّا التَّوَازُنُ فَيَحْتَاجُ إِلَى تَفْكِيرٍ، وَحِوَارٍ، وَقَبُولٍ بِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ أَحْيَانًا جَوَابٌ وَاحِدٌ صَحِيحٌ لِكُلِّ الْحَالَاتِ.”
“وَهَلْ فَكَّرْتَ يَوْمًا أَنْ تَقُولَ هَذَا الْكَلَامَ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، بَدَلَ أَنْ تُخْفِيَهُ فِي مَكْتَبِكَ الصَّغِيرِ؟”
نَظَرَ الشَّيْخُ رَاتِبٌ إِلَى كَرِيمٍ نَظْرَةً طَوِيلَةً، فِيهَا مَزِيجٌ مِنَ التَّقْدِيرِ وَالتَّحَدِّي: “بِصَرَاحَةٍ يَا كَرِيمُ، أَخَافُ مِنْ رَدِّ فِعْلِ النَّاسِ. لَكِنْ، رُبَّمَا، بَعْدَ هَذَا الْحَدِيثِ مَعَكَ، حَانَ الْوَقْتُ لِأُجَرِّبَ، وَلَوْ بِحَذَرٍ.”
عَادَ كَرِيمٌ إِلَى الْبَيْتِ، يُفَكِّرُ فِي هَذَا اللِّقَاءِ غَيْرِ الْمُتَوَقَّعِ، وَأَدْرَكَ أَنَّهُ، بِذَهَابِهِ إِلَى الشَّيْخِ رَاتِبٍ بِعَقْلٍ مُنْفَتِحٍ بَدَلَ مَوْقِفٍ دِفَاعِيٍّ مُسْبَقٍ، اكْتَشَفَ حَلِيفًا مُحْتَمَلًا فِي مَكَانٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهُ أَبَدًا.
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، فُوجِئَ الْعَمُّ فُؤَادٌ، الَّذِي كَانَ قَدِ اقْتَرَحَ اسْتِشَارَةَ الشَّيْخِ، بِأَنَّ الشَّيْخَ رَاتِبًا نَفْسَهُ جَاءَ لِزِيَارَتِهِ، وَقَالَ لَهُ، أَمَامَ كَرِيمٍ وَغَسَّانَ: “فُؤَادُ، تَحَدَّثْتُ مَعَ كَرِيمٍ بِالْأَمْسِ، وَبِصَرَاحَةٍ، بَعْضُ قَلَقِكَ لَيْسَ لَهُ أَسَاسٌ شَرْعِيٌّ وَاضِحٌ كَمَا كُنْتَ تَعْتَقِدُ. سَفَرُ زِيَادٍ لِطَلَبِ الْعِلْمِ مَسْمُوحٌ شَرْعًا، وَعَلَاقَةُ كَرِيمٍ بِلِينَا، رَغْمَ تَعْقِيدِهَا الثَّقَافِيِّ، لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً بِحَدِّ ذَاتِهَا.”
بَدَا فُؤَادٌ مُرْتَبِكًا أَمَامَ هَذَا الرَّأْيِ الرَّسْمِيِّ مِنَ الشَّيْخِ نَفْسِهِ: “لَكِنْ يَا شَيْخَ رَاتِبٍ، وَالنَّاسُ؟ مَاذَا سَيَقُولُونَ؟”
ابْتَسَمَ الشَّيْخُ رَاتِبٌ ابْتِسَامَةً حَكِيمَةً: “فُؤَادُ، النَّاسُ سَيَتَحَدَّثُونَ دَائِمًا، بِغَضِّ النَّظَرِ عَمَّا تَفْعَلُهُ. لَكِنَّ مَسْؤُولِيَّتَنَا، كَمُؤْمِنِينَ، أَنْ نُفَرِّقَ بَيْنَ شَرْعِ اللَّهِ وَبَيْنَ خَوْفِنَا مِنْ كَلَامِ النَّاسِ. وَهَذَا الْفَرْقُ، بِصَرَاحَةٍ، أَهَمُّ بِكَثِيرٍ مِمَّا كُنَّا نَظُنُّ.”
كَانَتْ هَذِهِ اللَّحْظَةُ نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ غَيْرَ مُتَوَقَّعَةٍ فِي مَسَارِ الرِّوَايَةِ الْعَائِلِيَّةِ: أَنْ يَأْتِيَ الدَّعْمُ، أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ الْفَهْمُ الْمُتَوَازِنُ، مِنْ مَصْدَرٍ طَالَمَا اعْتُبِرَ حَارِسًا لِلتَّشَدُّدِ، لَا لِلتَّفَهُّمِ.
بَعْدَ أُسْبُوعَيْنِ، وَفِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، فُوجِئَ سُكَّانُ الْحَيِّ، وَكَرِيمٌ مِنْ بَيْنِهِمْ، بِأَنَّ الشَّيْخَ رَاتِبًا اخْتَارَ أَنْ يَتَحَدَّثَ عَنْ مَوْضُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَ الدِّينِ وَالْعُرْفِ الِاجْتِمَاعِيِّ، بِلُغَةٍ هَادِئَةٍ لَكِنْ وَاضِحَةٍ، شَرَحَ فِيهَا أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُمَارَسَاتِ الَّتِي يُظَنُّ أَنَّهَا مِنْ صَمِيمِ الدِّينِ، كَإِجْبَارِ الْأَبْنَاءِ عَلَى قَرَارَاتٍ مَصِيرِيَّةٍ دُونَ اسْتِشَارَتِهِمْ، أَوِ الْحُكْمِ الْقَاسِي عَلَى مَنْ يَطْلُبُ الْعِلْمَ بَعِيدًا، أَوْ حَتَّى مُعَامَلَةِ الْمَرْأَةِ الْمُطَلَّقَةِ بِازْدِرَاءٍ، لَيْسَتْ بِالضَّرُورَةِ مِنَ الدِّينِ، بَلْ مِنْ عَادَاتٍ تَوَارَثَتْهَا الْمُجْتَمَعَاتُ وَأَلْبَسَتْهَا لَبُوسًا دِينِيًّا لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي الْأَصْلِ.
جَلَسَ كَرِيمٌ بَيْنَ الْمُصَلِّينَ، يَسْتَمِعُ بِدَهْشَةٍ وَإِعْجَابٍ مَعًا، وَهُوَ يَرَى أَنَّ رَجُلًا وَاحِدًا، بِجُرْأَةٍ هَادِئَةٍ، قَرَّرَ أَنْ يَفْتَحَ نِقَاشًا قَدْ يُزْعِجُ كَثِيرِينَ، لَكِنَّهُ ضَرُورِيٌّ لِمُجْتَمَعٍ يُرِيدُ أَنْ يَتَطَوَّرَ دُونَ أَنْ يَفْقِدَ جُذُورَهُ الْحَقِيقِيَّةَ.
بَعْدَ الصَّلَاةِ، اقْتَرَبَ مِنْهُ بَعْضُ الْجِيرَانِ، مِنْ بَيْنِهِمْ أُمُّ وَلِيدٍ نَفْسُهَا، الَّتِي بَدَتْ مُتَأَثِّرَةً بِالْخُطْبَةِ رَغْمَ مَوَاقِفِهَا الْمُعْتَادَةِ: “كَرِيمُ، سَمِعْتُ الشَّيْخَ الْيَوْمَ، وَبِصَرَاحَةٍ، جَعَلَنِي ذَلِكَ أُفَكِّرُ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ كُنْتُ مُتَأَكِّدَةً مِنْهَا مِنْ قَبْلُ.”
ابْتَسَمَ كَرِيمٌ بِامْتِنَانٍ: “هَذَا بِالضَّبْطِ مَا أُحَاوِلُ أَنْ أُوصِلَهُ، خَالَتِي أُمَّ وَلِيدٍ. لَيْسَ كُلُّ تَغْيِيرٍ هَدْمًا، أَحْيَانًا هُوَ فَقَطْ فَهْمٌ أَعْمَقُ لِجُذُورِنَا الْحَقِيقِيَّةِ.”
عَادَ كَرِيمٌ إِلَى الْبَيْتِ ذَلِكَ الْمَسَاءَ، مَحْمُولًا عَلَى شُعُورٍ نَادِرٍ بِالْأَمَلِ: أَنَّ التَّغْيِيرَ الَّذِي بَدَأَ يَتَسَلَّلُ إِلَى بَيْتِهِ الصَّغِيرِ، قَدْ يَجِدُ صَدًى أَوْسَعَ فِي الْمُجْتَمَعِ مِنْ حَوْلِهِ، وَلَوْ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، بِفَضْلِ أَصْوَاتٍ شُجَاعَةٍ كَصَوْتِ الشَّيْخِ رَاتِبٍ، الَّذِي قَرَّرَ أَنْ يُوَاجِهَ خَوْفَهُ مِنْ رَدِّ فِعْلِ النَّاسِ، تَمَامًا كَمَا فَعَلَ غَسَّانُ مَعَ زِيَادٍ، وَكَمَا فَعَلَتْ سَلْمَى مَعَ رِيمَا، وَكَمَا فَعَلَ عَلِيٌّ مَعَ سَنَاءَ.
عَادَ كَرِيمٌ إِلَى غُرْفَتِهِ فِي الْمَسَاءِ، وَكَتَبَ فِي دَفْتَرِهِ:
“الْيَوْمَ تَعَلَّمْتُ دَرْسًا لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُهُ: أَنَّ أَشَدَّ الْأَصْوَاتِ الَّتِي نَخَافُهَا أَحْيَانًا، كَصَوْتِ الدِّينِ الْمُؤَسَّسِيِّ، قَدْ تُخْفِي خَلْفَهَا حِكْمَةً وَتَوَازُنًا أَكْبَرَ مِمَّا نَتَخَيَّلُ، إِذَا اقْتَرَبْنَا مِنْهَا بِصِدْقٍ وَفُضُولٍ حَقِيقِيٍّ، لَا بِمَوْقِفٍ دِفَاعِيٍّ مُسْبَقٍ. الشَّيْخُ رَاتِبٌ عَلَّمَنِي أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الدِّينِ وَالْعَادَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ أَهَمُّ بِكَثِيرٍ مِمَّا كُنْتُ أُدْرِكُ، وَأَنَّ أَعْمَقَ التَّحَالُفَاتِ تَأْتِي أَحْيَانًا مِنْ أَمَاكِنَ لَمْ نَكُنْ نَتَوَقَّعُهَا أَبَدًا.”
الفصل الحادي عشر
فِي صَبَاحِ أَحَدِ الْأَيَّامِ، وَبَيْنَمَا كَانَتِ الْأُمُورُ فِي الْبَيْتِ قَدْ بَدَأَتْ تَأْخُذُ مُنْحًى أَكْثَرَ هُدُوءًا وَصِدْقًا مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ عِنْدَ وُصُولِهِ، تَلَقَّى كَرِيمٌ رِسَالَةً إِلِكْتِرُونِيَّةً غَيَّرَتْ كُلَّ شَيْءٍ: عَرْضَ عَمَلٍ رَسْمِيًّا مِنْ مَكْتَبٍ هَنْدَسِيٍّ مِعْمَارِيٍّ مَرْمُوقٍ فِي مِيُونِخَ، عَرْضٌ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ لَهُ قَبْلَ مُغَادَرَتِهِ، وَلَمْ يَتَوَقَّعْ أَنْ يُقْبَلَ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ.
جَلَسَ فِي غُرْفَتِهِ، يَنْظُرُ إِلَى الشَّاشَةِ بِصَمْتٍ طَوِيلٍ، يُعِيدُ قِرَاءَةَ الرِّسَالَةِ مِرَارًا، وَكَأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يَسْتَوْعِبَ أَنَّ قَرَارًا كَانَ يَظُنُّهُ بَعِيدًا، أَصْبَحَ الْآنَ مُلِحًّا وَحَقِيقِيًّا.
نَزَلَ إِلَى الصَّالُونِ، حَيْثُ كَانَ غَسَّانُ يَجْلِسُ مَعَ سَلْمَى، وَأَخْبَرَهُمَا بِالْخَبَرِ بِصَوْتٍ يَمْتَزِجُ فِيهِ الْفَرَحُ بِالْقَلَقِ.
“أَبِي، أُمِّي، وَصَلَنِي عَرْضُ عَمَلٍ فِي غَايَةِ الْأَهَمِّيَّةِ فِي مِيُونِخَ. مَكْتَبٌ هَنْدَسِيٌّ كَبِيرٌ، وَفُرْصَةٌ طَالَمَا حَلِمْتُ بِهَا.”
تَوَقَّعَتْ سَلْمَى أَنْ تَرَى فَرْحَةً كَامِلَةً عَلَى وَجْهِ ابْنِهَا، لَكِنَّهَا لَاحَظَتْ تَرَدُّدًا وَاضِحًا فِي عَيْنَيْهِ.
“مَبْرُوكٌ يَا حَبِيبِي! لَكِنْ لِمَاذَا لَا تَبْدُو مَسْرُورًا تَمَامًا؟”
“لِأَنَّ، أُمِّي، هَذَا الْعَرْضَ يَتَطَلَّبُ مِنِّي أَنْ أَعُودَ بِأَسْرَعِ وَقْتٍ مُمْكِنٍ، وَأَبْدَأَ الْعَمَلَ خِلَالَ شَهْرٍ. وَبَعْدَ كُلِّ مَا عِشْنَاهُ فِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ، بَعْدَ أَنْ بَدَأَ الْبَيْتُ يَتَغَيَّرُ، وَبَعْدَ كُلِّ هَذَا الْحَدِيثِ وَالصِّدْقِ الْجَدِيدِ… يَصْعُبُ عَلَيَّ أَنْ أُفَكِّرَ فِي أَنِّي سَأَتْرُكُ كُلَّ هَذَا وَأَعُودُ إِلَى هُنَاكَ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ.”
نَظَرَ غَسَّانُ إِلَى ابْنِهِ بِصَمْتٍ طَوِيلٍ، وَشَعَرَ كَرِيمٌ أَنَّ شَيْئًا فِي نَظْرَةِ أَبِيهِ قَدْ تَجَمَّدَ فَجْأَةً، عَائِدًا إِلَى بُرُودَةِ الْأَيَّامِ الْأُولَى مِنْ عَوْدَتِهِ.
“يَعْنِي،” قَالَ غَسَّانُ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ مَرَارَةً مَكْتُومَةً، “كُلُّ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي خُضْنَاهُ، كُلُّ هَذِهِ الصَّرَاحَةِ، كُلُّ التَّغْيِيرِ الَّذِي حَاوَلْنَا أَنْ نُحْدِثَهُ كَعَائِلَةٍ، كَانَ مُجَرَّدَ مَحَطَّةٍ عَابِرَةٍ قَبْلَ أَنْ تَعُودَ لِلسَّفَرِ؟”
“أَبِي، لَيْسَ هَذَا مَا أَقْصِدُهُ…”
“فَمَا الَّذِي تَقْصِدُهُ إِذًا؟ أَنْتَ عُدْتَ، فَتَحْتَ كُلَّ هَذِهِ الْأَبْوَابِ، جَعَلْتَ زِيَادًا يَحْلُمُ بِالسَّفَرِ، جَعَلْتَنِي أَعْتَرِفُ بِأَخْطَائِي أَمَامَ أُمِّكَ وَأَمَامَ فُؤَادٍ، وَالْآنَ، مَا إِنْ يَصِلَكَ عَرْضُ عَمَلٍ، حَتَّى تَعُودَ لِلسَّفَرِ، وَتَتْرُكَنَا وَحْدَنَا نَتَعَامَلُ مَعَ كُلِّ هَذِهِ التَّغْيِيرَاتِ الَّتِي فَتَحْتَهَا أَنْتَ بِنَفْسِكَ؟”
كَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ، بِقَسْوَتِهَا الْمُفَاجِئَةِ، صَدْمَةً حَقِيقِيَّةً لِكَرِيمٍ، الَّذِي لَمْ يَتَوَقَّعْ أَنْ يَعُودَ التَّوَتُّرُ بِهَذِهِ الْحِدَّةِ بَعْدَ كُلِّ التَّقَدُّمِ الَّذِي أَحْرَزُوهُ مَعًا.
“أَبِي، هَذَا لَيْسَ عَدْلًا. أَنَا عُدْتُ لِأَنِّي أُحِبُّكُمْ، وَلِأَنِّي أُرِيدُ أَنْ أَفْهَمَ بَيْتِي أَكْثَرَ. لَكِنَّ هَذَا لَا يَعْنِي أَنَّ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِمُسْتَقْبَلِي الْمِهَنِيِّ لِأُثْبِتَ هَذَا الْحُبَّ.”
“وَلِمَ لَا؟ نَحْنُ ضَحَّيْنَا بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مِنْ أَجْلِكَ وَمِنْ أَجْلِ إِخْوَتِكَ طَوَالَ حَيَاتِنَا. لِمَاذَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْتَ أَنْ تُضَحِّيَ بِأَمْرٍ وَاحِدٍ مِنْ أَجْلِنَا؟”
كَانَ هَذَا الْجِدَالُ، بِحِدَّتِهِ الْمُفَاجِئَةِ، كَشْفًا عَنْ تَوَتُّرٍ عَمِيقٍ لَمْ يُحَلَّ بَعْدُ بِالْكَامِلِ: أَيَعْنِي الْحُبُّ الْحَقِيقِيُّ التَّضْحِيَةَ الْكَامِلَةَ بِالذَّاتِ مِنْ أَجْلِ الْعَائِلَةِ، كَمَا تَعَلَّمَ غَسَّانُ طَوَالَ حَيَاتِهِ، أَمْ يَعْنِي احْتِرَامَ مِسَاحَةِ كُلِّ فَرْدٍ لِيَبْنِيَ حَيَاتَهُ الْخَاصَّةَ، كَمَا تَعَلَّمَ كَرِيمٌ فِي أَلْمَانْيَا؟
تَدَخَّلَتْ سَلْمَى، مُحَاوِلَةً تَهْدِئَةَ الْأَجْوَاءِ: “غَسَّانُ، كَرِيمُ، لِنَهْدَأْ قَلِيلًا. هَذَا قَرَارٌ كَبِيرٌ، لَا يَنْبَغِي أَنْ نَتَّخِذَهُ بِالْغَضَبِ.”
لَكِنَّ غَسَّانَ نَهَضَ، وَغَادَرَ الصَّالُونَ بِصَمْتٍ غَاضِبٍ، تَارِكًا كَرِيمًا وَسَلْمَى فِي مُوَاجَهَةِ تَوَتُّرٍ لَمْ يَتَوَقَّعَا عَوْدَتَهُ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ وَالْحِدَّةِ.
فِي الْمَسَاءِ، اتَّصَلَ كَرِيمٌ بِلِينَا، مُحْتَارًا وَمُرْهَقًا نَفْسِيًّا.
“لِينَا، عِنْدِي مُشْكِلَةٌ كَبِيرَةٌ. وَصَلَنِي عَرْضُ مِيُونِخَ، وَأَبِي غَضِبَ كَثِيرًا، وَشَعَرْتُ بِذَنْبٍ كَبِيرٍ.”
اسْتَمَعَتْ لِينَا بِصَمْتٍ، ثُمَّ قَالَتْ بِهُدُوئِهَا الْمُعْتَادِ: “كَرِيمُ، هَذَا قَرَارٌ صَعْبٌ فِعْلًا، وَلَا أَحَدَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَّخِذَهُ عَنْكَ. لَكِنْ دَعْنِي أَسْأَلْكَ: أَتَشْعُرُ بِالذَّنْبِ لِأَنَّكَ فِعْلًا تَعْتَقِدُ أَنَّ رَحِيلَكَ سَيُؤْذِي عَائِلَتَكَ، أَمْ لِأَنَّ أَبَاكَ يُرِيدُكَ أَنْ تَشْعُرَ بِهَذَا الذَّنْبِ؟”
فَكَّرَ كَرِيمٌ طَوِيلًا فِي هَذَا السُّؤَالِ الدَّقِيقِ: “بِصَرَاحَةٍ، لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أُفَرِّقُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ الْآنَ. كُلُّ شَيْءٍ مُخْتَلِطٌ.”
“رُبَّمَا عَلَيْكَ أَنْ تَسْأَلَ نَفْسَكَ سُؤَالًا آخَرَ: مَاذَا لَوْ رَفَضْتَ هَذَا الْعَرْضَ، فَقَطْ لِتُرْضِيَ أَبَاكَ؟ هَلْ سَتَشْعُرُ بِالسَّلَامِ، أَمْ بِالنَّدَمِ عَلَى فُرْصَةٍ ضَاعَتْ، وَرُبَّمَا حَتَّى بِغَضَبٍ خَفِيٍّ تِجَاهَ عَائِلَتِكَ عَلَى الْمَدَى الْبَعِيدِ؟”
كَانَ هَذَا السُّؤَالُ، بِصَرَاحَتِهِ الْمُبَاشِرَةِ، صَعْبًا عَلَى كَرِيمٍ أَنْ يُوَاجِهَهُ، لِأَنَّهُ يَعْرِفُ، فِي أَعْمَاقِهِ، أَنَّ رَفْضَ الْعَرْضِ بِدَافِعِ الشُّعُورِ بِالذَّنْبِ وَحْدَهُ قَدْ يَخْلُقُ اسْتِيَاءً أَعْمَقَ بِكَثِيرٍ مِنَ الِاسْتِيَاءِ الْمُؤَقَّتِ الَّذِي قَدْ يَشْعُرُ بِهِ وَالِدُهُ الْآنَ.
“لِينَا، بِصَرَاحَةٍ، أَشْعُرُ أَنِّي فِي مَوْقِفٍ صَعْبٍ: إِمَّا أَنْ أُخَيِّبَ أَمَلَ أَبِي، أَوْ أُخَيِّبَ أَمَلَ نَفْسِي.”
“كَرِيمُ، رُبَّمَا هَذَا بِالضَّبْطِ مَا تَعَلَّمْتَهُ طَوَالَ هَذِهِ الْأَشْهُرِ مِنْ كُلِّ الْأَشْخَاصِ الَّذِينَ الْتَقَيْتَهُمْ: أَنَّ الِاحْتِرَامَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَعْنِي التَّضْحِيَةَ الْكَامِلَةَ بِالذَّاتِ، بَلِ الصِّدْقَ الْمُتَبَادَلَ حَوْلَ الْحُدُودِ وَالِاحْتِيَاجَاتِ. رُبَّمَا عَلَيْكَ أَنْ تَشْرَحَ لِأَبِيكَ، بِصِدْقٍ، أَنَّكَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُحِبَّهُ وَتَحْتَرِمَهُ، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ تَبْنِيَ حَيَاتَكَ الْمِهَنِيَّةَ، دُونَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْخِيَارَيْنِ نَفْيًا كَامِلًا لِلْآخَرِ.”
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، طَلَبَ كَرِيمٌ مِنْ أَبِيهِ أَنْ يَجْلِسَا وَحْدَهُمَا، وَقَالَ لَهُ بِصِدْقٍ: “أَبِي، أَفْهَمُ غَضَبَكَ، وَأَفْهَمُ خَوْفَكَ مِنْ أَنْ أَبْتَعِدَ مِنْ جَدِيدٍ. لَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُوَضِّحَ لَكَ شَيْئًا: عَوْدَتِي هَذِهِ الْمَرَّةَ لَمْ تَكُنْ لِأُثْبِتَ أَنِّي سَأَبْقَى هُنَا إِلَى الْأَبَدِ. كَانَتْ لِأَفْهَمَ بَيْتِي، وَلِأَفْتَحَ حِوَارًا كُنَّا فِي أَشَدِّ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ. وَهَذَا الْحِوَارُ، أَبِي، لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَقَّفَ لَوْ عُدْتُ لِلْعَمَلِ فِي أَلْمَانْيَا.”
نَظَرَ غَسَّانُ إِلَى ابْنِهِ بِصَمْتٍ، لَا يَزَالُ غَاضِبًا لَكِنَّهُ يَسْتَمِعُ.
“أَبِي، يُمْكِنُنِي أَنْ أَزُورَكُمْ كُلَّ بِضْعَةِ أَشْهُرٍ، وَيُمْكِنُنَا أَنْ نَتَحَدَّثَ كُلَّ أُسْبُوعٍ عَبْرَ الْفِيدْيُو، وَيُمْكِنُ، مَعَ الْوَقْتِ، أَنْ تُفَكِّرُوا أَنْتُمْ أَيْضًا فِي زِيَارَتِي هُنَاكَ. الْبُعْدُ الْجُغْرَافِيُّ لَا يَعْنِي بِالضَّرُورَةِ بُعْدًا عَاطِفِيًّا، إِذَا قَرَّرْنَا جَمِيعًا أَنْ نُحَافِظَ عَلَى هَذَا التَّوَاصُلِ الَّذِي بَنَيْنَاهُ فِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ.”
“وَمَا الَّذِي يَضْمَنُ أَنَّ هَذَا التَّوَاصُلَ سَيَبْقَى قَوِيًّا؟ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَعِدُونَ ثُمَّ يَنْسَوْنَ وُعُودَهُمْ حِينَ يَبْتَعِدُونَ.”
“لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَضْمَنَ لَكَ شَيْئًا مِئَةً بِالْمِئَةِ، أَبِي. لَكِنِّي أَسْتَطِيعُ أَنْ أَعِدَكَ أَنِّي سَأُحَاوِلُ بِكُلِّ جَهْدِي، لِأَنِّي، بِصَرَاحَةٍ، الْآنَ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ الْأَشْهُرِ، أَشْعُرُ أَنِّي أَقْرَبُ إِلَيْكُمْ مِمَّا كُنْتُ فِي أَيِّ وَقْتٍ مَضَى، حَتَّى وَإِنْ كَانَتِ الْمَسَافَةُ الْجُغْرَافِيَّةُ بَعِيدَةً.”
فَكَّرَ غَسَّانُ طَوِيلًا، وَشَعَرَ بِصِرَاعٍ دَاخِلِيٍّ وَاضِحٍ بَيْنَ رَغْبَتِهِ فِي إِبْقَاءِ ابْنِهِ قَرِيبًا، وَإِدْرَاكِهِ الْمُتَزَايِدِ أَنَّ فَرْضَ هَذَا الْقُرْبِ قَدْ يَكُونُ بِالضَّبْطِ نَوْعَ الْقَمْعِ الَّذِي يُحَاوِلُ، مُؤَخَّرًا، أَنْ يَتَخَلَّى عَنْهُ.
“كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، لَا أَعْرِفُ إِنْ كُنْتُ مُوَافِقًا تَمَامًا، لَكِنِّي أَعْرِفُ أَنِّي لَا أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ نَفْسَ الْأَبِ الَّذِي مَنَعَ حُلْمِي بِالرَّسْمِ قَدِيمًا. أُرِيدُ أَنْ أُفَكِّرَ أَكْثَرَ، وَأُرِيدُ أَنْ نَتَحَدَّثَ أَيْضًا مَعَ أُمِّكَ وَزِيَادٍ وَرِيمَا، قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ قَرَارًا نِهَائِيًّا كَعَائِلَةٍ.”
كَانَتْ هَذِهِ اللَّحْظَةُ، رَغْمَ تَوَتُّرِهَا، خُطْوَةً مُهِمَّةً: أَنْ يَعْتَرِفَ غَسَّانُ بِأَنَّ قَرَارَهُ الْأَوَّلَ، الْغَضَبَ الْفَوْرِيَّ، لَمْ يَكُنْ بِالضَّرُورَةِ الْقَرَارَ الْأَصَحَّ، وَأَنَّ هُنَاكَ حَاجَةً إِلَى حِوَارٍ عَائِلِيٍّ أَوْسَعَ قَبْلَ أَنْ يُحْسَمَ مَصِيرُ كَرِيمٍ بَيْنَ مِيُونِخَ وَالْبَيْتِ.
فِي الْمَسَاءِ التَّالِي، جَلَسَتِ الْعَائِلَةُ كُلُّهَا: غَسَّانُ، وَسَلْمَى، وَرِيمَا وَزَوْجُهَا، وَزِيَادٌ، حَوْلَ طَاوِلَةِ الْعَشَاءِ، لِمُنَاقَشَةِ قَرَارِ كَرِيمٍ.
كَانَتْ رِيمَا أَوَّلَ مَنْ تَحَدَّثَتْ: “أَبِي، بِصَرَاحَةٍ، أَرَى الْمَوْضُوعَ مِنْ زَاوِيَةٍ مُخْتَلِفَةٍ. أَنَا ضَحَّيْتُ بِحُلْمِي قَدِيمًا، وَنَدِمْتُ. لَا أُرِيدُ أَنْ يُضَحِّيَ كَرِيمٌ بِحُلْمِهِ هُوَ أَيْضًا، فَقَطْ لِيُرْضِيَنَا.”
نَظَرَ غَسَّانُ إِلَى ابْنَتِهِ بِدَهْشَةٍ، فَهَذَا الرَّأْيُ الْمُبَاشِرُ لَمْ يَعْتَدْهُ مِنْهَا: “رِيمَا، لَكِنَّ هَذَا مُخْتَلِفٌ، كَرِيمٌ ابْنُنَا الْوَحِيدُ الَّذِي…”
قَاطَعَتْهُ رِيمَا بِلُطْفٍ لَكِنْ بِحَزْمٍ: “أَبِي، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا حُلْمُهُ. زِيَادٌ سَيُسَافِرُ لِيَدْرُسَ، وَأَنْتَ وَافَقْتَ، وَكُنْتَ مُحِقًّا. لِمَاذَا يَكُونُ كَرِيمٌ مُخْتَلِفًا؟”
تَدَخَّلَ زِيَادٌ بِحَمَاسَةٍ شَبَابِيَّةٍ: “بِالضَّبْطِ! وَبَعْدَ ذَلِكَ، أَبِي، أَنَا أَيْضًا سَأُسَافِرُ، فَلَنْ يَكُونَ كَرِيمٌ وَحِيدًا خَارِجَ الْبِلَادِ. رُبَّمَا نَكُونُ حَتَّى قَرِيبَيْنِ مِنْ بَعْضِنَا هُنَاكَ.”
ابْتَسَمَ كَرِيمٌ لِأَخِيهِ، مُمْتَنًّا لِدَعْمِهِ غَيْرِ الْمُتَوَقَّعِ، بَيْنَمَا بَقِيَ غَسَّانُ صَامِتًا، يَسْتَمِعُ لِأَبْنَائِهِ يُقَدِّمُونَ لَهُ رُؤْيَةً مُخْتَلِفَةً عَنْ رُؤْيَتِهِ التَّقْلِيدِيَّةِ لِلْعَائِلَةِ الْمُتَمَاسِكَةِ جُغْرَافِيًّا.
أَخِيرًا، تَحَدَّثَتْ سَلْمَى، بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَكِنَّهُ حَاسِمٌ: “غَسَّانُ، أَتَذْكُرُ حِينَ تَحَدَّثْنَا عَنْ حُلْمِي بِالْخِيَاطَةِ؟ وَقُلْتَ لِي إِنَّ الْعُمْرَ مُجَرَّدُ رَقْمٍ، لَا حُكْمُ إِعْدَامٍ عَلَى الْأَحْلَامِ؟ رُبَّمَا يَنْطَبِقُ الْمَنْطِقُ نَفْسُهُ عَلَى كَرِيمٍ. حُلْمُهُ الْمِهَنِيُّ لَيْسَ نِهَايَةَ عَلَاقَتِنَا بِهِ، هُوَ فَقَطْ فَصْلٌ جَدِيدٌ فِيهَا.”
فَكَّرَ غَسَّانُ طَوِيلًا، مُحَاطًا بِأَرْبَعَةِ آرَاءٍ مُتَّفِقَةٍ، مِنْ زَوْجَتِهِ وَأَبْنَائِهِ الثَّلَاثَةِ، تَدْفَعُهُ جَمِيعُهَا نَحْوَ الِاتِّجَاهِ نَفْسِهِ: أَنْ يَدْعَمَ كَرِيمًا فِي قَرَارِهِ، لَا أَنْ يُعِيقَهُ بِخَوْفِهِ الشَّخْصِيِّ مِنَ الْفُقْدَانِ.
“حَسَنًا،” قَالَ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ تَعَبًا صَادِقًا لَكِنْ أَيْضًا قَبُولًا حَقِيقِيًّا، “بِصَرَاحَةٍ، كَرِيمُ، أَنَا أَخَافُ أَنْ أَخْسَرَكَ أَكْثَرَ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكَ. لَكِنْ بَعْدَ كُلِّ هَذَا الْحَدِيثِ، فَهِمْتُ أَنَّ خَوْفِي لَيْسَ سَبَبًا كَافِيًا لِأَمْنَعَكَ عَنْ حُلْمِكَ. اذْهَبْ إِلَى مِيُونِخَ، لَكِنْ عِدْنِي بِالتَّوَاصُلِ الدَّائِمِ الَّذِي تَحَدَّثْتَ عَنْهُ.”
عَانَقَ كَرِيمٌ أَبَاهُ بِحَرَارَةٍ، وَشَعَرَ بِارْتِيَاحٍ عَمِيقٍ، لَا لِأَنَّ الْقَرَارَ اتُّخِذَ لِصَالِحِهِ فَحَسْبُ، بَلْ لِأَنَّ هَذَا الْقَرَارَ جَاءَ بَعْدَ حِوَارٍ عَائِلِيٍّ حَقِيقِيٍّ، لَا بِفَرْضٍ أَوِ اسْتِسْلَامٍ صَامِتٍ مِنْ أَيِّ طَرَفٍ.
عَادَ كَرِيمٌ إِلَى غُرْفَتِهِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، مُرْهَقًا لَكِنَّهُ يَشْعُرُ بِأَمَلٍ حَذِرٍ، وَكَتَبَ فِي دَفْتَرِهِ:
“الْيَوْمَ وَاجَهْتُ أَصْعَبَ اخْتِبَارٍ مُنْذُ عَوْدَتِي: أَنْ أُوَازِنَ بَيْنَ حُبِّي لِأَهْلِي وَحَقِّي فِي بِنَاءِ مُسْتَقْبَلِي. تَعَلَّمْتُ أَنَّ الْحُبَّ الْحَقِيقِيَّ لَا يُقَاسُ بِمِقْدَارِ التَّضْحِيَةِ الْكَامِلَةِ بِالذَّاتِ، بَلْ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْبَقَاءِ صَادِقًا وَقَرِيبًا، حَتَّى مَعَ وُجُودِ مَسَافَةٍ جُغْرَافِيَّةٍ. لَكِنِّي أَدْرَكْتُ أَيْضًا أَنَّ هَذَا التَّوَازُنَ هَشٌّ، وَيَحْتَاجُ إِلَى جُهْدٍ مُسْتَمِرٍّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، لَا إِلَى قَرَارٍ وَاحِدٍ يُتَّخَذُ ثُمَّ يُنْسَى.”
الفصل الثاني عشر
مُنْذُ مُصَالَحَتِهَا مَعَ سَلْمَى، بَدَأَتْ رِيمَا تَتَغَيَّرُ بِطُرُقٍ صَغِيرَةٍ لَكِنَّهَا مَلْحُوظَةٌ: صَارَتْ تُعَبِّرُ عَنْ رَأْيِهَا بِوُضُوحٍ أَكْبَرَ فِي اجْتِمَاعَاتِ الْعَائِلَةِ، وَصَارَتْ تَطْلُبُ مِنْ زَوْجِهَا كَمَالٍ أَنْ يُشَارِكَهَا فِي بَعْضِ قَرَارَاتِ الْبَيْتِ الَّتِي اعْتَادَ أَنْ يَتَّخِذَهَا وَحْدَهُ، وَصَارَتْ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ سِنِينَ، تَتَحَدَّثُ عَنْ أَشْيَاءَ تُرِيدُهَا لِنَفْسِهَا، لَا فَقَطْ لِبَيْتِهَا وَابْنَتِهَا.
لَاحَظَ كَمَالٌ هَذَا التَّغَيُّرَ بِقَلَقٍ مُتَزَايِدٍ. كَانَ رَجُلًا هَادِئًا، لَيْسَ قَاسِيًا، لَكِنَّهُ اعْتَادَ، مِثْلَ كَثِيرٍ مِنَ الرِّجَالِ فِي مُحِيطِهِ، أَنْ تَكُونَ الْقَرَارَاتُ الْكُبْرَى بِيَدِهِ، وَأَنْ تَكُونَ رِيمَا الزَّوْجَةَ الْمُتَفَهِّمَةَ، الْهَادِئَةَ، الَّتِي تُوَافِقُ دُونَ كَثِيرِ نِقَاشٍ.
فِي أَحَدِ الْأَمَاسِي، وَبَعْدَ أَنِ اقْتَرَحَتْ رِيمَا أَنْ يَبْدَآ بِتَوْفِيرِ جُزْءٍ مِنْ دَخْلِهِمَا الشَّهْرِيِّ لِتَحْقِيقِ حُلْمِهَا الْقَدِيمِ بِفَتْحِ وَرْشَةِ خِيَاطَةٍ صَغِيرَةٍ، رَدَّ كَمَالٌ بِحِدَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ:
“رِيمَا، مُنْذُ مَتَى صِرْتِ تَتَّخِذِينَ قَرَارَاتٍ كَهَذِهِ بِمُفْرَدِكِ؟ عِنْدَنَا بِنْتٌ، وَمِيزَانِيَّةٌ مَحْسُوبَةٌ، وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُنْفِقَ عَلَى هِوَايَاتٍ.”
تَوَقَّفَتْ رِيمَا، وَشَعَرَتْ بِأَلَمٍ مَأْلُوفٍ: هَذَا بِالضَّبْطِ هُوَ النَّمَطُ الَّذِي عَاشَتْهُ طَوَالَ حَيَاتِهَا، أَنْ تُصَنَّفَ أَحْلَامُهَا هِوَايَاتٍ لَا تَسْتَحِقُّ الْجِدِّيَّةَ.
“كَمَالُ، هَذَا لَيْسَ هِوَايَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَيَّ. هَذَا حُلْمٌ قَدِيمٌ، أَجَّلْتُهُ مِنْ أَجْلِ زَوَاجِنَا وَابْنَتِنَا. وَلَا أَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ تُمَوِّلَهُ بِالْكَامِلِ، لَكِنِّي أُرِيدُ دَعْمَكَ الْمَعْنَوِيَّ عَلَى الْأَقَلِّ، وَبَعْضَ الْوَقْتِ أُخَصِّصُهُ لِهَذَا الْمَشْرُوعِ.”
“وَأَيْنَ الْوَقْتُ؟ عِنْدَكِ بَيْتٌ وَبِنْتٌ تُرَبِّينَهَا.”
“وَأَنْتَ عِنْدَكَ عَمَلٌ، وَمَعَ ذَلِكَ تَجِدُ وَقْتًا لِتَخْرُجَ مَعَ أَصْحَابِكَ كُلَّ أُسْبُوعٍ. لِمَاذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ وَقْتِي أَنَا مُخَصَّصًا بِالْكَامِلِ لِلْبَيْتِ وَالْبِنْتِ فَقَطْ؟”
كَانَ هَذَا الْحِوَارُ، بِحِدَّتِهِ الْجَدِيدَةِ، أَوَّلَ مُوَاجَهَةٍ حَقِيقِيَّةٍ بَيْنَ رِيمَا وَكَمَالٍ مُنْذُ سِنِينَ، وَشَعَرَ كَمَالٌ بِارْتِبَاكٍ وَاضِحٍ أَمَامَ زَوْجَةٍ لَمْ يَعْتَدْ أَنْ تُحَدِّيَهُ بِهَذَا الْوُضُوحِ.
“رِيمَا، مَا الَّذِي طَرَأَ عَلَيْكِ فِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ؟ مُنْذُ عَادَ أَخُوكِ، وَأَنْتِ تَغَيَّرْتِ كَثِيرًا.”
“رُبَّمَا يَا كَمَالُ، أَخِيرًا بَدَأْتُ أَسْمَحُ لِنَفْسِي أَنْ أَتَحَدَّثَ عَنْ شُعُورِي الْحَقِيقِيِّ، بَدَلَ أَنْ أَبْتَلِعَهُ طَوَالَ الْوَقْتِ لِأَجْلِ الْحِفَاظِ عَلَى السَّلَامِ.”
غَادَرَ كَمَالٌ الْغُرْفَةَ بِصَمْتٍ غَاضِبٍ، تَارِكًا رِيمَا وَحْدَهَا، تَتَسَاءَلُ إِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمُوَاجَهَةُ الْجَدِيدَةُ سَتُكَلِّفُهَا اسْتِقْرَارَ زَوَاجِهَا الَّذِي بَنَتْهُ بِصَبْرٍ طَوَالَ عَشْرِ سِنِينَ.
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، زَارَتْ رِيمَا كَرِيمًا فِي بَيْتِ أَهْلِهِمَا، وَحَكَتْ لَهُ عَنِ الْخِلَافِ مَعَ كَمَالٍ.
“كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، أَنَا خَائِفَةٌ. لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، شَعَرْتُ أَنَّ زَوَاجِي مُهَدَّدٌ، لَا لِأَنَّ هُنَاكَ خِيَانَةً أَوْ مُشْكِلَةً كَبِيرَةً، بَلْ لِأَنِّي صِرْتُ أَطْلُبُ أَشْيَاءَ لَمْ أَكُنْ أَطْلُبُهَا مِنْ قَبْلُ.”
اسْتَمَعَ كَرِيمٌ بِتَعَاطُفٍ، ثُمَّ قَالَ بِحَذَرٍ: “رِيمَا، التَّغْيِيرُ الْحَقِيقِيُّ دَائِمًا يَهُزُّ التَّوَازُنَ الْقَدِيمَ قَبْلَ أَنْ يَجِدَ تَوَازُنًا جَدِيدًا. هَذَا لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ زَوَاجَكِ فِي خَطَرٍ، بَلْ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ زَوَاجَكِ يَحْتَاجُ أَنْ يَتَطَوَّرَ، وَأَنْ يَتَكَيَّفَ مَعَ النُّسْخَةِ الْجَدِيدَةِ مِنْكِ.”
“لَكِنْ مَاذَا لَوْ كَانَ كَمَالٌ لَا يُرِيدُ أَنْ يَتَكَيَّفَ؟ مَاذَا لَوْ فَضَّلَ النُّسْخَةَ الْقَدِيمَةَ مِنِّي، الْهَادِئَةَ، الْمُوَافِقَةَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ؟”
فَكَّرَ كَرِيمٌ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ بِصِدْقٍ: “رِيمَا، هَذَا احْتِمَالٌ حَقِيقِيٌّ، وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَضْمَنَ لَكِ الْعَكْسَ. لَكِنِّي أَعْتَقِدُ أَنَّ السُّؤَالَ الْأَهَمَّ هُوَ: أَتُرِيدِينَ أَنْ تَعِيشِي بَقِيَّةَ حَيَاتِكِ نُسْخَةً قَدِيمَةً مِنْكِ لِتُرِيحِي كَمَالًا، أَمْ تُرِيدِينَ أَنْ تُعْطِيهِ فُرْصَةً لِيَتَعَرَّفَ عَلَى النُّسْخَةِ الْجَدِيدَةِ وَيُحِبَّهَا، حَتَّى لَوْ كَانَ الطَّرِيقُ صَعْبًا فِي الْبِدَايَةِ؟”
صَمَتَتْ رِيمَا طَوِيلًا، تُفَكِّرُ فِي هَذَا السُّؤَالِ الصَّعْبِ، ثُمَّ قَالَتْ: “بِصَرَاحَةٍ، سَئِمْتُ أَنْ أَكُونَ النُّسْخَةَ الْقَدِيمَةَ. حَتَّى لَوْ كَانَ الطَّرِيقُ صَعْبًا، أُرِيدُ أَنْ أُجَرِّبَ أَنْ أَكُونَ صَادِقَةً مَعَ نَفْسِي، وَمَعَ كَمَالٍ.”
فِي الْمَسَاءِ، وَبِمُبَادَرَةٍ مِنْ رِيمَا، جَلَسَتْ مَعَ كَمَالٍ مُجَدَّدًا، لَكِنْ هَذِهِ الْمَرَّةَ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ: بَدَلَ أَنْ تَطْلُبَ أَوْ تُوَاجِهَ، قَرَّرَتْ أَنْ تَشْرَحَ.
“كَمَالُ، أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكَ بِصَرَاحَةٍ. أَنَا، طَوَالَ عَشْرِ سِنِينَ مِنْ زَوَاجِنَا، كُنْتُ أُوَافِقُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، لَا لِأَنِّي كُنْتُ مُقْتَنِعَةً دَائِمًا، بَلْ لِأَنِّي تَعَلَّمْتُ أَنَّ الْفَتَاةَ الطَّيِّبَةَ يَجِبُ أَنْ تُوَافِقَ، وَيَجِبُ أَنْ تَصْمُتَ، لِتُحَافِظَ عَلَى سَلَامِ الْبَيْتِ.”
اسْتَمَعَ كَمَالٌ بِصَمْتٍ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ دُونَ أَنْ يُقَاطِعَ.
“وَالْآنَ، بَعْدَ كُلِّ مَا حَدَثَ فِي الْبَيْتِ الْكَبِيرِ، مَعَ كَرِيمٍ وَزِيَادٍ وَأُمِّي، شَعَرْتُ أَنَّ هَذَا الصَّمْتَ كَانَ يَأْكُلُنِي مِنَ الدَّاخِلِ. لَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَقْدِرَ عَلَى قَوْلِ رَأْيِي، وَطَلَبِ مَا أُرِيدُهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ أَشْعُرَ أَنِّي أَخُونُ دَوْرِي كَزَوْجَةٍ وَأُمٍّ.”
فَكَّرَ كَمَالٌ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ، بِصَوْتٍ أَقَلَّ حِدَّةً مِنَ الْمَرَّةِ السَّابِقَةِ: “رِيمَا، بِصَرَاحَةٍ، أَنَا أَيْضًا تَرَبَّيْتُ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ هُوَ مَنْ يَتَّخِذُ الْقَرَارَاتِ، وَأَنَّ الزَّوْجَةَ الطَّيِّبَةَ تُوَافِقُ وَتَصْمُتُ. وَالْآنَ، وَأَنْتِ تَتَغَيَّرِينَ، أَشْعُرُ أَنَّ دَوْرِي كَرَجُلٍ فِي الْبَيْتِ يَتَزَعْزَعُ، وَهَذَا أَمْرٌ مُخِيفٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيَّ.”
كَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ يَعْتَرِفُ فِيهَا كَمَالٌ بِخَوْفِهِ الْحَقِيقِيِّ، لَا بِغَضَبِهِ فَقَطْ، وَشَعَرَتْ رِيمَا بِتَفَهُّمٍ جَدِيدٍ لِمَوْقِفِهِ.
“كَمَالُ، التَّغْيِيرُ الَّذِي أُحَاوِلُ أَنْ أُحْدِثَهُ لَيْسَ لِأَنْتَزِعَ مِنْكَ سُلْطَتَكَ، بَلْ لِنَصِيرَ شَرِيكَيْنِ حَقِيقِيَّيْنِ، نُقَرِّرُ مَعًا، لَا أَنْ أُنَفِّذَ أَنَا قَرَارَاتِكَ فَقَطْ.”
“وَهَذَا الْمَشْرُوعُ، وَرْشَةُ الْخِيَاطَةِ؟”
“أُرِيدُ أَنْ أَبْدَأَ صَغِيرًا، بِسَاعَاتٍ مَحْدُودَةٍ، وَنَرَى مَعًا كَيْفَ نُوَازِنُ الْأُمُورَ. لَا أُرِيدُ أَنْ أُهْمِلَ بَيْتِي وَلَا ابْنَتِي، لَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعِيشَ حُلْمِي أَيْضًا، وَلَوْ بِجُزْءٍ يَسِيرٍ مِنْهُ.”
فَكَّرَ كَمَالٌ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ، بِصَوْتٍ فِيهِ تَنَازُلٌ حَقِيقِيٌّ: “حَسَنًا، لِنُجَرِّبْ. لَكِنِّي أُرِيدُ مِنْكِ صَبْرًا عَلَيَّ، لِأَنِّي بِحَاجَةٍ إِلَى وَقْتٍ لِأَتَعَوَّدَ عَلَى هَذَا التَّغْيِيرِ.”
“وَأَنَا أُرِيدُ صَبْرًا مِنْكَ، لِأَنِّي أَيْضًا أَتَعَلَّمُ كَيْفَ أَتَحَدَّثُ عَنْ نَفْسِي مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ.”
كَانَتْ هَذِهِ الْمُصَالَحَةُ، الْهَشَّةُ وَالْحَقِيقِيَّةُ مَعًا، بِدَايَةً جَدِيدَةً لِعَلَاقَةِ رِيمَا وَكَمَالٍ: لَيْسَتْ نِهَايَةً سَعِيدَةً سَرِيعَةً، بَلْ بِدَايَةَ مَسَارٍ طَوِيلٍ مِنَ التَّفَاوُضِ وَالتَّكَيُّفِ الْمُسْتَمِرِّ، مَسَارٌ لَا يَخْلُو مِنَ الصُّعُوبَاتِ، لَكِنَّهُ أَصْدَقُ بِكَثِيرٍ مِنَ الصَّمْتِ الْمُرِيحِ الَّذِي سَادَ سَنَوَاتِ زَوَاجِهِمَا الْأُولَى.
بَعْدَ أُسْبُوعٍ، زَارَ كَرِيمٌ أُخْتَهُ فِي بَيْتِهَا، فَوَجَدَ مَشْهَدًا لَمْ يَعْتَدْ رُؤْيَتَهُ مِنْ قَبْلُ: كَمَالٌ يَلْعَبُ مَعَ ابْنَتِهِ فِي الصَّالُونِ، بَيْنَمَا كَانَتْ رِيمَا فِي الْغُرْفَةِ الْجَانِبِيَّةِ، تَجْلِسُ أَمَامَ آلَةِ الْخِيَاطَةِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي أَحْضَرَتْهَا مِنْ بَيْتِ أَهْلِهَا، تَعْمَلُ عَلَى أَوَّلِ قِطْعَةٍ فِي مَشْرُوعِهَا الصَّغِيرِ.
“أَرَأَيْتَ؟” قَالَتْ رِيمَا بِابْتِسَامَةٍ مُتْعَبَةٍ لَكِنْ سَعِيدَةٍ، “لَيْسَ سَهْلًا، لَكِنَّنَا نُحَاوِلُ.”
“وَكَمَالٌ؟ كَيْفَ يَشْعُرُ؟”
“بِصَرَاحَةٍ، لَا يَزَالُ مُتَرَدِّدًا أَحْيَانًا، وَيَعُودُ لِيَعْتَرِضَ بَعْضَ الْمَرَّاتِ. لَكِنَّ الْفَرْقَ هَذِهِ الْمَرَّةَ أَنَّنَا الْآنَ نَتَحَدَّثُ، لَا نَصْمُتُ وَنُرَاكِمُ غَضَبًا. وَهَذَا فِي حَدِّ ذَاتِهِ تَغْيِيرٌ كَبِيرٌ بِالنِّسْبَةِ لَنَا.”
جَلَسَ كَرِيمٌ قَلِيلًا يُرَاقِبُ الْمَشْهَدَ: كَمَالٌ يَضْحَكُ مَعَ ابْنَتِهِ، وَرِيمَا تُرَكِّزُ عَلَى قُمَاشِهَا بِعَيْنَيْنِ تَلْمَعَانِ بِشَغَفٍ لَمْ يَرَهُمَا فِيهِمَا مُنْذُ سِنِينَ، وَأَدْرَكَ أَنَّ هَذَا التَّوَازُنَ الْجَدِيدَ، رَغْمَ هَشَاشَتِهِ، كَانَ أَصْدَقَ بِكَثِيرٍ مِنَ الصُّورَةِ الْمِثَالِيَّةِ الَّتِي كَانَتِ الْعَائِلَةُ تَعْرِضُهَا لِلْخَارِجِ طَوَالَ سِنِينَ.
“رِيمَا، أَنَا فَخُورٌ بِكِ جِدًّا. لَيْسَ سَهْلًا أَنْ تُغَيِّرِي نَمَطَ عَلَاقَةٍ كَامِلٍ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ.”
“وَأَنَا فَخُورَةٌ بِكَ يَا كَرِيمُ، لِأَنَّكَ، بِعَوْدَتِكَ، فَتَحْتَ بَابًا لَمْ أَكُنْ أَتَخَيَّلُ أَنِّي سَأَجْرُؤُ عَلَى فَتْحِهِ.”
عَادَ كَرِيمٌ إِلَى غُرْفَتِهِ، بَعْدَ أَنْ سَمِعَ مِنْ رِيمَا تَفَاصِيلَ هَذِهِ الْمُصَالَحَةِ، وَكَتَبَ فِي دَفْتَرِهِ:
“الْيَوْمَ تَعَلَّمْتُ أَنَّ التَّغْيِيرَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَأْتِي بِلَا ثَمَنٍ، حَتَّى فِي أَكْثَرِ الْعَلَاقَاتِ اسْتِقْرَارًا فِي الظَّاهِرِ. رِيمَا، بِمُجَرَّدِ أَنْ سَمَحَتْ لِنَفْسِهَا أَنْ تَكُونَ صَادِقَةً، هَزَّتْ تَوَازُنًا قَدِيمًا فِي زَوَاجِهَا، لَكِنَّهَا، بِصَبْرٍ وَشَجَاعَةٍ، بَدَأَتْ تَبْنِي تَوَازُنًا جَدِيدًا، أَكْثَرَ عَدْلًا وَصِدْقًا. رُبَّمَا هَذَا هُوَ الثَّمَنُ الْحَقِيقِيُّ لِلنُّمُوِّ: أَنْ تَقْبَلَ بِزَعْزَعَةِ الِاسْتِقْرَارِ الْمُرِيحِ مِنْ أَجْلِ اسْتِقْرَارٍ أَعْمَقَ وَأَصْدَقَ، حَتَّى لَوِ اسْتَغْرَقَ بِنَاؤُهُ وَقْتًا أَطْوَلَ بِكَثِيرٍ.”
