اهتزاز المعنى

رُؤْيَةٌ

مقدمة:
في لحظة ما، لا ينكسر العالم.
ينكسر تفسيرك له.
وليس في ذلك صوت، ولا علامة، ولا إنذار.
فقط فجأة… لا يعود ما تراه متطابقًا مع ما كنت تعتقد أنك تراه.
وهذا وحده كافٍ ليغيّر حياة كاملة.
________________________________________
في كل صباح، كان ياسين يرى نفس الرجل.
يخرج من البناية المقابلة في الساعة 7:10 تمامًا.
بدلة رمادية.
خطوات سريعة.
هاتف في اليد اليسرى دائمًا.
كان ياسين قد كوّن عنه شيئًا يشبه “العادة البصرية”:
رجل موظف، منظم، لا شيء فيه يستحق التوقف.
لكن في ذلك الصباح…
توقف الرجل فجأة.
ليس لأنه رأى شيئًا.
بل لأنه لم يعد يعرف أين يذهب.
وقف أمام الباب.
ثم فتح هاتفه.
ثم أغلقه.
ثم نظر حوله كأن الشارع لم يعد مألوفًا له.
ياسين شعر بشيء غير مريح.
ليس في الرجل.
بل في إدراكه هو.
لأنه كان متأكدًا:
هذا الرجل لا يتوقف هكذا.
أبدًا.
لكنّه توقف.
وهنا بدأت المشكلة.
________________________________________
في المساء، عاد ياسين إلى نفس المكان.
انتظر.
7:10.
لم يخرج الرجل.
7:12.
لا شيء.
7:15.
الباب لا يتحرك.
فكر:
هل أنا مخطئ؟
هل كنت أراقب شخصًا لم أفهمه أصلًا؟
ثم حدث شيء لم يتوقعه.
الباب فتح.
لكن الرجل الخارج… لم يكن نفس الرجل.
نفس الشكل تقريبًا.
لكن المشي مختلف.
أبطأ.
أثقل.
وكأنه يحمل شيئًا لا يُرى.
تراجع ياسين خطوة.
ثم قال بصوت منخفض لا يسمعه أحد:
— هذا ليس هو.
ثم سكت فورًا.
لأنه أدرك أن الجملة ليست وصفًا…
بل حكمًا لا يملك دليله.
________________________________________
في اليوم التالي، لم يذهب ياسين إلى عمله كالمعتاد.
بدلًا من ذلك، وقف أمام البناية.
ينتظر.
يريد أن يتأكد.
ليس من الرجل.
بل من نفسه.
عند 7:10، خرج شخص.
نفس الشكل.
نفس البدلة.
نفس الهاتف.
لكن هذه المرة، لم يحدث أي توقف.
مرّ أمامه مباشرة.
كأنه لا يعرف أن أحدًا يراقبه.
شعر ياسين بانزعاج حاد.
مرة أخرى… هناك خطأ.
لكن أيّ خطأ؟
هل في الرجل؟
أم في ذاكرته؟
أم في يقينه بأن الأشياء يجب أن تبقى كما هي؟
في تلك اللحظة، سمع صوتًا خلفه:
— هل تنتظر أحدًا؟
التفت.
امرأة تقف على بعد خطوات.
تنظر إليه كأنه يفعل شيئًا غير طبيعي.
قال بسرعة:
— لا… فقط أراقب.
ابتسمت ابتسامة قصيرة:
— المراقبة أحيانًا تجعل الأشياء تتغير، حتى لو لم تتغير.
ثم مضت.
لكن الجملة بقيت.
_________________________________
في الجامعة، لم يكن ياسين يبحث عن أحد.
كان يمشي بين القاعات كما يمشي داخل أفكاره: دون رغبة في الالتقاط، فقط مراقبة.
حتى رآها.
كانت تجلس وحدها قرب نافذة طويلة في ممرّ الكلية.
لا تفعل شيئًا لافتًا.
لا هاتف.
لا كتاب.
فقط تنظر.
ليس إلى الخارج فقط… بل إلى شيء أبعد من الزجاج.
مرّ بجانبها أول مرة دون أن يتوقف.
لكن شيئًا فيه عاد للخلف.
ليس قرارًا.
بل إحساسًا بأنه لم يرَ ما يكفي.
في اليوم التالي، كانت هناك.
وفي الذي بعده أيضًا.
كأنها جزء من المكان، لا منه.
في اليوم الثالث، توقف.
قال دون مقدمة:
— هل تنتظرين شيئًا هنا؟
رفعت نظرها ببطء.
كأن السؤال لا يُفاجئها.
— لا.
ثم أضافت:
— لكني أجلس لأن الأشياء هنا لا تضغط عليّ.
لم يفهم الجملة تمامًا.
لكنها علقت فيه.
________________________________________
اسمها: سلمى
لم تخبره فورًا.
ولم يسأل.
العلاقة بدأت كشيء غير مُعرّف:
وجود متكرر بلا اتفاق.
لقاءات قصيرة.
صمت طويل.
جمل قليلة لكنها تبقى.
كان ياسين يكتشف معها شيئًا غريبًا:
أنه لا يحتاج أن يشرح نفسه كثيرًا.
وأنها لا تطلب الشرح أصلًا.
في أحد الأيام، قال لها:
— أحيانًا أشعر أني أرى الناس قبل أن يكونوا هم أنفسهم واضحين.
نظرت إليه:
— أو ربما ترى نفسك فيهم أولًا.
سكت.
هذه الجملة كانت أخطر مما تبدو.
________________________________________
لم يقل “أحبك” بسرعة.
لكن شيئًا كان يحدث:
كل مرة تقترب منه سلمى،
كان العالم يبدو أقل صلابة.
ليس أجمل فقط.
بل أقل يقينًا.
وكأن وجودها يفتح فجوة صغيرة في تفسيره للأشياء.
في إحدى الليالي، سارا معًا دون وجهة.
قالت:
— هل تعرف ما الذي يطمئنني فيك؟
— ماذا؟
— أنك لا تدّعي أنك تفهم كل شيء.
ضحك قليلًا:
— هذا ليس اختيارًا.
توقفت.
ثم قالت بهدوء:
— ربما الحب ليس أن تفهم الآخر… بل أن تقبل أنك لن تفهمه بالكامل.
لم يجب.
لكن الجملة دخلت مكانًا أعمق من الحوار.
________________________________________
بدأت التفاصيل تتغير.
ليس في سلمى.
بل في إدراكه لها.
أحيانًا تقول شيئًا… ويشعر أنه سمع شيئًا مختلفًا.
أحيانًا تسكت… ويشعر أن السكوت يقول أكثر مما يجب.
سأل نفسه لأول مرة:
هل أنا أراها… أم أفسرها؟
ثم حدث أول شرخ صغير:
في يوم عادي، قال لها جملة بسيطة.
ضحكت.
لكن الضحكة لم تصل إليه كما كانت دائمًا.
لم يشعر بها.
شعر بشيء آخر:
أن الضحكة جاءت من “سلمى التي يعرفها”… لا من سلمى نفسها.
توقف.
ولأول مرة:
خاف من الحب، لا فقده.
لم يكن من النوع الذي يُلاحظ بسهولة.
لكن ياسين لاحظه من اللحظة الأولى.
ليس لأنه فعل شيئًا لافتًا.
بل لأنه بدا كمن يعرف المكان قبل أن يصل إليه.
كان يقف قرب مبنى الكلية، لا يدخل ولا يغادر.
فقط ينتظر.
في اليوم نفسه الذي خرجت فيه سلمى من المحاضرة، رآه يقترب منها.
توقفت.
لم تتفاجأ.
قالت باسمه:
— سامر.
هذه كانت المرة الأولى التي يسمع فيها الاسم.
الرجل ابتسم ابتسامة قصيرة، أقرب إلى التعب منها إلى الفرح.
قال:
— لم أتوقع أن أراكِ هنا.
سكتت سلمى لحظة.
ثم أجابت:
— المكان لم يتغير.
لكن ياسين شعر أن الجملة ليست بريئة.
________________________________________
لم يتدخل.
لم يكن من حقه التدخل بعد.
لكن شيئًا داخله تحرّك.
ليس غيرة مباشرة.
بل اختلال بسيط في “توازن الصورة”.
كأن وجود الرجل أعاد ترتيب المشهد بطريقة لا يفهمها.
في الأيام التالية، بدأ يلاحظ:
سلمى ترد على الرسائل بسرعة مختلفة حين يكون سامر حاضرًا في ذاكرتها.
اسم الرجل يتكرر في حديثها دون أن يُستدعى.
ومرات… تصمت فجأة حين يقترب الموضوع منه.
قال لها يومًا:
— من هو سامر؟
توقفت.
ثم قالت ببساطة:
— شخص من الماضي.
لكن الطريقة التي قالت بها “ماضي” لم تكن ماضية.
بل حاضرة أكثر من اللازم.
________________________________________
بدأ ياسين يفعل ما لا يحب أن يفعله:
التفسير.
لم يعد يرى الأحداث فقط… بل يحاول تركيبها.
رجل يظهر.
اسم يعود.
سلمى تتغير في حضور غيره.
استنتج شيئًا لم يقله بصوت مرتفع:
“هناك شيء لم تخبرني به.”
لكن المشكلة لم تكن في الجملة.
بل في يقينه بها.
في تلك الليلة، قال لها:
— لماذا لم تخبريني عنه؟
نظرت إليه مباشرة.
ثم قالت:
— لأنك لم تسأل بشكل صحيح.
سكت.
ثم أضافت:
— وأنت لا تسأل لتعرف… بل لتثبت ما بدأت تصديقه بالفعل.
كانت الجملة دقيقة جدًا.
ومؤلمة جدًا.
________________________________________
سامر لم يكن مجرد اسم.
كان طريقة مختلفة في رؤية سلمى.
حين يكون موجودًا، تتغير نبرة صوتها.
حين يذكر الماضي، لا يبدو أنه ماضٍ كامل.
بل شيء لم يُغلق.
في أحد اللقاءات، ظهر سامر فجأة في الممر.
هذه المرة لم يكن ينتظر.
بل مرّ أمامهما فقط.
نظر إلى ياسين.
نظرة قصيرة.
لكنها كانت كافية ليشعر ياسين بشيء غير مريح:
ليس تهديدًا.
بل معرفة.
كأن الرجل يقول بصمت:
“أنت في نسخة لا تملك كل معلوماتها.”
————-
لم يحدث اللقاء في مكان مخطّط له.
كان أقرب إلى خطأ في التوقيت.
ياسين وصل مبكرًا إلى المكتبة الجامعية، لا لسبب واضح، فقط لأنه لم يعد يحتمل الجلوس في غرفته.
كان يظن أن المكان سيكون فارغًا.
لكنه وجد سلمى.
جلست في زاوية بعيدة، لا تكتب ولا تقرأ، فقط تمسك كوبًا باردًا بين يديها وتنظر إلى الطاولة أمامها كأنها تستعيد شيئًا غير موجود.
توقف.
ثم اقترب.
لم ترفع رأسها فورًا.
كأنها تعرف أنه سيأتي.
قال:
— لم أكن أعرف أنك هنا.
أجابت دون أن تنظر إليه:
— أنا أيضًا لم أكن أعرف أنني سأكون هنا لفترة طويلة.
جلس أمامها.
صمت.
هذه المرة لم يكن الصمت مريحًا.
كان ثقيلًا، كأنه ينتظر جملة لا تأتي بسهولة.
________________________________________
قال أخيرًا:
— سامر…
توقفت يدها قليلًا.
ثم أعادت الكوب إلى مكانه بهدوء زائد عن الطبيعي.
— ماذا عنه؟
— لا أفهم موقعه في حياتك.
رفعت نظرها إليه هذه المرة.
لكن لم يكن في نظرتها دفاع.
كان فيها شيء أقرب إلى الإرهاق.
قالت:
— المشكلة ليست في موقعه.
سكتت لحظة.
ثم أضافت:
— المشكلة أنني لا أعرف أين أضع نفسي أصلًا في هذه القصة.
لم يفهم.
— ماذا تقصدين؟
أخذت نفسًا خفيفًا، كأنها تختار الكلمات بدل أن تقولها:
— سامر ليس “ماضيًا” كما قلت لك.
توقف قلبه للحظة صغيرة.
لكنها أكملت بسرعة، كأنها تخاف أن تتراجع:
— هو جزء من طريقة كنت أرى بها العالم… ثم تغيّرت.
سكتت.
ثم قالت الجملة التي لم يكن مستعدًا لها:
— وأنا أحيانًا لا أعرف إن كنت قد تغيّرت فعلًا… أم أنني فقط بدأت أرى نفس الشيء بطريقة مختلفة.
________________________________________
شعر ياسين أن الجملة لم تكن عن سامر.
ولا عن سلمى.
بل عنه هو.
قال:
— إذن لماذا لا تقولين هذا ببساطة؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة، ليست ساخرة، بل حزينة:
— لأنك لا تسمع البساطة كما هي.
سكت.
ثم أضافت:
— أنت تسمعها وتبني عليها شيئًا آخر.
هنا شعر بالضيق.
ليس من كلامها.
بل من دقته.
قال:
— أنتِ تلمحين إلى أني أتخيل أشياء؟
نظرت إليه مباشرة:
— لا.
توقفت لحظة.
ثم قالت:
— أنا أقول إنك تُكمل ما ينقص في الصورة… دون أن تنتبه أن الصورة لم تكن ناقصة من الأصل.
________________________________________
لم يعد الحديث مريحًا.
لم يعد حميميًا.
صار أقرب إلى كشف بطيء.
قالت فجأة:
— تعرف ما الذي أخافه؟
لم يجب.
— ليس سامر.
سكتت.
ثم:
— أخاف اللحظة التي تقرر فيها أنك “فهمتني”.
توقف.
— لماذا؟
قالت بهدوء شديد:
— لأنك حينها لن تراني.
بل سترى ما انتهيت أنت إليه عني.
هذه الجملة بقيت معلّقة بينهما.
كأنها لا تخص العلاقة فقط…
بل طريقة وجوده في العالم كله.
________________________________________
عندما غادرت سلمى، لم يكن هناك وداع حقيقي.
فقط حركة خروج طبيعية.
لكن ياسين شعر أن شيئًا خرج معه ولم يعد كما كان.
ليس العلاقة.
بل “إمكانية الفهم”.
جلس وحده في المكتبة.
ثم كتب في دفتره:
“إذا كانت كل رؤية تُكمل نفسها من الداخل… فكيف أعرف أنني أرى الآخر، لا نفسي فيه؟”
توقف.
ثم أغلق الدفتر لأول مرة بسرعة.
كأنه خائف أن يكمل التفكير.
————
لم يكن اللقاء مخططًا له.
لكنه بدا كأنه كان مؤجّلًا منذ البداية.
في ساحة الجامعة الخلفية، حيث يقلّ الناس وتصبح الأصوات أوضح من المعتاد، كان سامر يقف وحده.
يداه في جيبه.
نظره ثابت نحو شيء لا يُحدده.
عندما رآه ياسين، لم يتوقف.
بل اقترب مباشرة.
هذه المرة لم يكن هناك احتمال للصدفة.
________________________________________
قال ياسين دون مقدمة:
— أنت تعرفها أكثر مما تقول.
لم يلتفت سامر فورًا.
كأنه يزن الجملة في الهواء أولًا.
ثم قال بهدوء:
— ومن قال لك إن “ما أقوله” هو كل ما أعرفه؟
سكت ياسين لحظة.
ثم قال:
— المشكلة ليست في ما تعرفه.
المشكلة في وجودك.
الآن التفت سامر.
نظر إليه مباشرة.
لا غضب.
لا دفاع.
فقط هدوء غير مريح.
وقال:
— وجودي لم يطلب مني أن يبرر نفسه لك.
________________________________________
اقترب ياسين خطوة:
— أنت جزء من شيء لا تخبرني عنه.
ابتسم سامر ابتسامة قصيرة، هذه المرة أقرب إلى التعب:
— أو ربما أنت جزء من شيء لا تستطيع رؤيته دون أن تُحوّله إلى قصة ضدك.
توقف ياسين.
هذه الجملة أصابت نقطة لم تكن في الحوار أصلًا.
قال بسرعة:
— أنت تتكلم كأن المشكلة في إدراكي أنا.
هنا، هز سامر رأسه ببطء:
— لا.
سكت.
ثم أضاف:
— المشكلة ليست في إدراكك.
المشكلة في يقينك بأن إدراكك محايد.
________________________________________
شعر ياسين بشيء يتكسر داخليًا، لكنه لم يعترف به.
قال:
— أنت تقترب منها أكثر مما يجب.
أجاب سامر بهدوء:
— هذا حكم.
— نعم.
— مبني على ماذا؟
سكت ياسين.
لم يجد جوابًا سريعًا.
وهذا كان مزعجًا.
________________________________________
قال سامر أخيرًا:
— هل سألتها عني؟
تردد ياسين.
ثم قال:
— سألتها.
— وماذا قالت؟
توقف.
لم يجب فورًا.
لأن الجواب لم يكن واضحًا في ذهنه كما ظن.
قال سامر:
— هذه هي المشكلة.
اقترب خطوة واحدة، ليس تهديدًا، بل اقترابًا فكريًا ثقيلًا:
— أنت لا تسمع ما يُقال… بل تسمع ما كنت جاهزًا لسماعه مسبقًا.
________________________________________
صمت ياسين.
هذه المرة الصمت لم يكن تفكيرًا.
كان فقدان توازن.
قال أخيرًا:
— أنت تتلاعب بالكلمات.
هز سامر رأسه:
— لا.
ثم قال الجملة التي غيرت حرارة الموقف بالكامل:
— أنا فقط لا أشاركك نفس الحاجة إلى جعل المعنى يقف في مكان واحد.
________________________________________
لم يعد ياسين قادرًا على إبقاء الحوار في مستوى واحد.
قال بصوت أقل ثباتًا:
— لماذا أنت قريب منها؟
سكت سامر طويلًا.
ثم قال:
— لأنني لا أفسّرها كي أقترب منها.
توقف.
ثم أضاف:
— بل أقترب منها كي لا أضطر لتفسيرها.
هذه الجملة لم تُردّ.
لم يكن هناك رد مناسب.
________________________________________
غادر سامر بهدوء.
كما دخل.
دون إعلان انتصار.
دون انسحاب.
كأنه لم يكن في معركة أصلًا.
بقي ياسين واقفًا وحده.
لكن شيئًا تغيّر:
لم يعد سامر هو المشكلة الوحيدة.
بل السؤال الجديد بدأ يتشكل داخله:
هل أنا أحب… أم أفسّر الحب كي أستطيع احتماله؟
لم تخبره سلمى بأنها تعرف.
ولم يكن ذلك الصمت طبيعيًا.
كان صمتًا يشبه من ينتظر اكتمال شيء لا يريد أن يقطعه مبكرًا.
في المساء، طلبت منه أن يلتقيا.
لم يكن في صوتها ما يوحي بنقاش عادي.
كان هناك شيء محسوم مسبقًا، لكنه لم يُعلن بعد.
________________________________________
جلسا في المقهى نفسه الذي اعتادا الذهاب إليه.
لكن الجو بدا مختلفًا.
ليس المكان.
بل ما بينهما.
قالت فجأة:
— التقيت سامر.
توقف ياسين.
لم يسأل “متى؟”
لأنه فهم فورًا أن التوقيت ليس هو المشكلة.
قالت بهدوء:
— وقال لي إنك واجهته.
صمت.
لم ينكر.
لم يؤكد.
فقط نظر إليها.
________________________________________
قالت سلمى:
— لماذا لم تخبرني؟
سكت.
ثم قال:
— لم أرَ أنه مهم أن أقول.
هزّت رأسها ببطء:
— ليس هذا صحيحًا.
توقفت لحظة.
ثم أضافت:
— أنت لم ترَ أنه “ممكن أن يُقال” أصلًا.
هذه الجملة لم تكن اتهامًا مباشرًا.
لكنها فتحت شيئًا في داخله.
________________________________________
قالت سلمى:
— سامر لم يقل لي ما قلته أنت له.
توقف ياسين.
ثم قال بسرعة:
— إذًا ماذا قال؟
نظرت إليه طويلًا.
ثم أجابت:
— قال إنك لا ترى الناس إلا عندما يصبحون جزءً من قصة لديك مسبقًا.
سكت.
لم يجد ردًا جاهزًا.
وهذا كان جديدًا عليه.
________________________________________
قال بصوت أقل حدة:
— وهل تصدقينه؟
لم تجب مباشرة.
ثم قالت:
— هذه ليست مسألة تصديق.
سكتت.
ثم أضافت:
— بل مسألة: كيف يتغير ما يُقال عندما يمر عبرك أنت.
________________________________________
في تلك الليلة، لم ينم ياسين.
كان يعيد المشهد في رأسه:
سامر.
كلماته.
نبرته.
ثم سلمى.
لكن كل مرة يعيد فيها المشهد…
كان يتغير قليلًا.
ليس في الحدث.
بل في التفسير.
كتب في دفتره:
“إذا كان كل ما يُقال يتغير عبر من يسمعه… فهل هناك أصل للكلام أصلًا؟”
توقف.
ثم كتب:
“أم أن الأصل هو ما لا نصل إليه أبدًا؟”
________________________________________
في اليوم التالي، قالت سلمى جملة قصيرة:
— أنا لا أستطيع أن أكون داخل تفسير دائم.
لم يفهم فورًا.
فقال:
— أي تفسير؟
نظرت إليه مباشرة:
— تفسيرك أنت لكل شيء.
سكت.
ثم أضافت:
— أنا لا أريد أن أكون “واضحة” داخل رأسك فقط.
________________________________________
لم يكن الانفصال لحظة واحدة.
بل حركة بطيئة جدًا.
بدأت سلمى تبتعد دون إعلان.
ليس لأنها غاضبة فقط.
بل لأنها بدأت تشعر أن وجودها يتحول إلى “نسخة” داخل فهمه، لا إلى شخص حيّ يتغير.
وفي أحد الأيام، قالت له:
— عندما أكون معك… أشعر أنني أُرى أكثر مما أُعاش.
لم يجب.
لأن الجملة كانت دقيقة أكثر مما يحتمل الدفاع عنها.
لم يحدث الانقطاع دفعة واحدة.
لم يكن هناك جملة أخيرة، ولا قرار واضح، ولا مواجهة جديدة.
كان أقرب إلى غيابٍ يتقدّم بهدوء شديد حتى يصبح واقعًا دون إعلان.
في البداية، لم تعد سلمى تقترح اللقاءات.
ثم بدأت الردود تتأخر.
ثم صارت قصيرة أكثر مما تحتمل المحادثة.
ثم توقفت الرسائل عن أن تكون رسائل أصلًا.
________________________________________
حاول ياسين أن يفسّر ما يحدث.
في البداية قال لنفسه: انشغال.
ثم: إرهاق.
ثم: سوء فهم عابر.
لكن كل تفسير كان يفقد صلابته بسرعة.
كأن الواقع يرفض أن يستقر داخل أي رواية جاهزة.
في أحد الأيام، كتب لها رسالة طويلة.
ثم حذفها.
ثم كتبها من جديد.
ثم حذفها مرة أخرى.
لم يرسل شيئًا.
لأنه فجأة لم يعد متأكدًا:
هل يريد أن يُعيدها إليه…
أم أن يعيدها إلى “فهمه لها” فقط؟
________________________________________
رآها صدفة.
في الشارع أمام الجامعة.
كانت تمشي مع شخص آخر.
لم يكن سامر.
رجل لا يعرفه.
لكن ياسين لم ينتبه للرجل في البداية.
انتبه لشيء واحد:
سلمى لا تبحث عنه.
هذه المرة لم تكن نظرة عابرة.
ولا ترددًا صغيرًا.
بل غياب كامل لأي احتمال للتوقف.
توقفت لحظة وهي تضحك.
ضحكة قصيرة.
خفيفة.
ليست موجهة إليه.
وهذا ما كان جديدًا بالنسبة له.
________________________________________
في تلك الليلة، لم يفكر ياسين في “السبب”.
لم يعد السؤال يعمل كما كان.
جلس وحده.
ثم أدرك شيئًا غريبًا:
أنه طوال الوقت لم يكن يسأل:
“لماذا ذهبت سلمى؟”
بل كان يسأل ضمنيًا:
“أي تفسير يمكن أن يجعل ذهابها مفهومًا لي؟”
وهنا فقط تغيّر شيء داخله.
لم تعد المشكلة في سلمى.
ولا في سامر.
ولا في الظروف.
بل في الحاجة نفسها إلى أن يكون كل شيء قابلاً للفهم.
________________________________________
كتب في دفتره:
“ربما لا يُفقد الناس… بل يُفقد التفسير الذي يجعلهم قابلين للبقاء.”
توقف.
ثم كتب سطرًا آخر:
“وحين لا يعود التفسير كافيًا… لا يبقى سوى الواقع كما هو.”
أغلق الدفتر.
ولأول مرة، لم يشعر أنه بحاجة إلى جملة أخيرة.
________________________________________
لم يكن ياسين يبحث عن سامر.
ولا حتى عن أي شيء يشبهه.
كان يمشي بلا اتجاه واضح، كما لو أن الحركة نفسها أصبحت وسيلة لتخفيف ثقل التفكير، لا للوصول.
في شارع جانبي قريب من محطة القطار، حيث تختلط الأصوات بسرعة المرور مع رائحة الحديد الرطب، لمح شخصًا يقف عند زاوية غير مكتملة الضوء.
لم يتعرف عليه فورًا.
لكن الجسد يتعرّف قبل الوعي أحيانًا.
توقف.
ثم عرف.
سامر.
________________________________________
لم يكن هناك مفاجأة حقيقية في وجه سامر.
كأنه كان يتوقع هذا الاحتمال منذ زمن بعيد، دون أن يضع له تاريخًا.
قال سامر بهدوء:
— لم أعد أراك كثيرًا في الأماكن التي كنت تتواجد فيها.
لم يرد ياسين مباشرة.
ثم قال:
— لم أعد أبحث عن الأماكن نفسها.
هزّ سامر رأسه ببطء:
— أو ربما توقفت الأماكن عن أن تكون كما كنت تراها.
سكت ياسين.
الجملة لم تكن جديدة.
لكنها هذه المرة لم تبدُ كفكرة.
بل كاحتمال حيّ.
________________________________________
قال ياسين:
— انتهى الأمر.
لم يسأله سامر عمّا يقصده.
لم يطلب توضيحًا.
فقط قال:
— أي “نهاية” تقصد؟
تردد ياسين.
ثم أجاب:
— سلمى.
هز سامر رأسه بخفة، لا تأكيدًا ولا نفيًا.
ثم قال:
— ليست هي التي انتهت.
سكت.
ثم أضاف:
— بل الطريقة التي كنت تحتاجها لتبقى موجودة في القصة معك.
________________________________________
شعر ياسين بشيء داخلي يتحرك بسرعة غير مريحة.
قال:
— أنت تتكلم وكأنك كنت تعرفها أكثر مني.
ابتسم سامر ابتسامة قصيرة، خالية من التحدي:
— لا.
توقف.
ثم قال:
— أنا فقط لم أكن مضطرًا أن أحولها إلى تفسير كي أتحملها.
سكت ياسين.
هذه الجملة لم تهاجمه.
لكنها أزاحت شيئًا كان ثابتًا داخله دون أن ينتبه.
________________________________________
قال ياسين بصوت أقل تماسكًا:
— ماذا تريد مني الآن؟
نظر سامر إليه مباشرة هذه المرة.
ليس بحدة.
بل بوضوح بسيط ومربك.
ثم قال:
— لا شيء.
توقف.
ثم أضاف:
— لا أريد منك أن تفهمني.
سكت لحظة.
ثم أكمل:
— ولا أن تفهم ما حدث.
اقترب خطوة خفيفة، ليست تهديدًا ولا صداقة:
— فقط أن تلاحظ أنك طوال الوقت كنت تحتاج أن يكون لكل شيء معنى… حتى عندما كان الشيء نفسه يكفيك.
________________________________________
غادر سامر.
وبقي ياسين وحده.
لكن هذه المرة…
لم يكن وحده في فكرة.
بل في فراغ لا يطلب ملأه فورًا.
—–
لم يرَ سلمى منذ زمن.
لكن هذا لم يكن دقيقًا تمامًا.
لأن غياب الأشخاص لا يمنع ظهور أثرهم، بل يغيّر فقط طريقة حضوره.
في صباح عادي، دخل ياسين مقهى صغيرًا قرب محطة القطار.
لم يكن جديدًا عليه، لكنه لم يأتِ إليه منذ أشهر.
جلس قرب النافذة.
طلب قهوة.
ثم حدث شيء بسيط جدًا.
الموسيقى في الخلفية كانت منخفضة.
صوت لا يلفت الانتباه عادة.
لكن جملة واحدة منه علقت فجأة داخله:
ضحكة قصيرة… ليست مكتملة.
توقف.
لم تكن هناك ضحكة فعلية في المكان.
فقط صوت كوب يُوضع على الطاولة، واحتكاك كرسي بالأرض.
ومع ذلك…
شعر أنه سمع شيئًا يشبه سلمى.
ليس صوتها.
بل طريقة وجودها في الصوت.
________________________________________
حاول أن يتجاهل الأمر.
قال لنفسه: تشابه، ذاكرة، وهم بسيط.
لكن المشكلة لم تكن في التفسير.
بل في أن التفسير لم يُغلق التجربة.
بل جعلها أكثر وضوحًا.
في لحظة لاحقة، رأى فتاة تمرّ قرب النافذة.
لم تكن تشبهها.
لا في الشكل.
ولا في الحركة.
لكنها توقفت للحظة قبل أن تجلس.
تلك التوقفات الصغيرة…
كانت هي.
أو شيء يشبهها.
أو شيء كان يراه فيها هو فقط.
وهنا أدرك شيئًا مزعجًا:
سلمى لم تغب.
بل تحولت إلى طريقة رؤية.
________________________________________
في طريق العودة، بدأ يلاحظ أشياء لم تكن موجودة من قبل:
امرأة تمشي وحدها وتلتفت قليلاً قبل أن تعبر الشارع — كان هذا يكفي ليشعر بوجودها.
رجل يضحك في الهاتف ثم يصمت فجأة — كأن الضحك فقد مكانه.
طفلة تنظر طويلًا إلى نافذة مضيئة — كأنها تنتظر جوابًا لا يُقال.
كل شيء أصبح “مفتوحًا على احتمالها”.
لم تعد سلمى شخصًا.
بل معيارًا خفيًا لما كان يراه.
________________________________________
في المساء، جلس في غرفته.
أغلق عينيه.
ولأول مرة لم يحاول أن “يفكر”.
بل فقط أن يتذكرها كما كانت.
فلم يستطع.
ليس لأنه نسيها.
بل لأن كل محاولة لاستعادتها كانت تُنتج نسخة مختلفة.
مرة قريبة جدًا.
مرة بعيدة بشكل غير مفهوم.
مرة صامتة.
مرة واضحة أكثر مما كانت يومًا.
فتح عينيه فجأة.
قال بصوت منخفض:
— أيّتها الحقيقية… أنتِ أين؟
لكن السؤال لم يجد مكانًا يذهب إليه.
________________________________________
كتب في دفتره:
“أخطر ما في الغياب ليس أنه يختفي… بل أنه يعيد تشكيل ما تبقى.”
توقف.
ثم كتب:
“أنا لا أفتقدها فقط… أنا أفتقد الطريقة التي كنت أستطيع أن أشرح بها وجودها.”
ثم سكت طويلًا.
وأغلق الدفتر.
لأنه لأول مرة لم يعد متأكدًا:
هل سلمى خرجت من حياته…
أم أنها خرجت من “طريقة فهمه للحياة”؟
في صباح عادي جدًا، خرج ياسين من شقته متأخرًا قليلًا.
لا شيء في ذلك الصباح كان مختلفًا.
المصعد.
الباب.
الممر.
حتى الضوء في الدرج كان كما هو.
كان يفكر في أمور بسيطة لا قيمة لها: قائمة مشتريات، موعد، رسالة لم يردّ عليها.
ثم حدث الشيء.
عند باب البناية، توقّف جارٌ كان يراه منذ سنوات.
رجل في منتصف العمر، يحمل كيس خبز، ويحيّي الجميع بنفس الإيماءة الصغيرة.
قال له بابتسامة عادية:
— صباح الخير.
ثم أضاف جملة لم تكن جديدة في شكلها:
— تبدو شاردًا اليوم.
ابتسم ياسين تلقائيًا:
— فقط لم أنم جيدًا.
هزّ الرجل رأسه:
— هذا يحدث حين تفكر كثيرًا في الأشياء نفسها.
مرّت الجملة كأي جملة عابرة.
لكن شيئًا فيها لم يعبر.
________________________________________
في الطريق إلى الشارع، تكررت الجملة داخله.
“تفكر كثيرًا في الأشياء نفسها.”
بسيطة.
لا تحمل فلسفة.
ولا عمقًا واضحًا.
لكنها بدأت تتصرف بطريقة غريبة:
لم تعد جملة واحدة.
بل أصبحت طبقات.
تفكير.
تفسير.
إعادة تفسير.
ثم سؤال صغير:
ماذا يعني “الأشياء نفسها”؟
توقف ياسين في منتصف الرصيف.
ليس لأنه فقد الاتجاه.
بل لأنه فجأة لم يعد متأكدًا من معنى الاتجاه أصلًا.
________________________________________
نظر حوله.
كل شيء كان كما هو.
لكن لا شيء كان كما كان.
الرجل الذي قال الجملة لم يكن مختلفًا.
ولا الجملة نفسها.
ولا الصباح.
لكن المعنى الذي خرج من كل ذلك لم يعد مستقرًا.
فكر فجأة:
كل ما حدث لي منذ البداية…
كان يحدث من خلال جملة صغيرة كهذه.
طفل على حافة سرير.
كلمة “شجرة”.
سؤال عن الصمت.
سامر.
سلمى.
حتى الغياب نفسه.
كلها…
ليست أحداثًا مستقلة.
بل طرق مختلفة لشيء واحد:
أن المعنى لا يأتي من الحدث… بل من الطريقة التي يُسمح له أن يُرى بها.
________________________________________
أدرك شيئًا أخيرًا، بهدوء مخيف:
لم يكن هناك “لغز” كبير يحاول حله طوال حياته.
بل كانت هناك عادة واحدة فقط:
أن يُعيد كل شيء إلى معنى يمكنه احتماله.
حتى الحب.
حتى الفقد.
حتى الصمت.
حتى سامر.
حتى سلمى.
حتى نفسه.
همس داخله:
— إذن… ماذا تبقى إذا لم أفعل ذلك؟
ولم يجب أي شيء.
________________________________________
تابع طريقه.
لكن ليس بنفس الطريقة.
لم يعد يبحث عن تفسير.
ولا عن نهاية.
ولا عن رابط.
فقط يمشي.
يرى الأشياء كما هي، للحظات قصيرة جدًا قبل أن يبدأ العقل بمحاولة ترتيبها.
طفل يركض.
نافذة تُغلق.
امرأة تعدّل حقيبتها.
رجل ينتظر دون سبب واضح.
كل شيء حيّ.
لكن غير مُختصر.
________________________________________
النهاية
في تلك اللحظة، فهم — دون جملة نهائية:
أن ما كان يسميه “فهمًا” طوال حياته…
لم يكن فهمًا.
بل محاولة مستمرة لتقليص العالم كي يصبح قابلًا للعيش.
أما الآن…
فالعالم بقي كما هو.
لكن محاولته لتقليصه توقفت للحظة.
وهذا وحده كان كافيًا.
ليس لإنهاء شيء.
بل لتركه كما هو، دون حاجة إلى إنهائه.
________________________________________
لم يكن هناك ما يشير إلى أن شيئًا سينتهي.
لا موسيقى.
لا جملة أخيرة.
لا علامة مختلفة عن المعتاد.
حتى الهواء بدا طبيعيًا إلى حدّ الإزعاج.
ياسين كان يسير في شارع مزدحم، يحمل كيسًا صغيرًا لا يتذكر ما بداخله.
ثم لمح شيئًا.
ليس شخصًا كاملًا.
بل تفصيلة.
امرأة تقف عند إشارة المرور، ترفع يدها لتعدّل شعرها.
توقفت الحركة داخله فجأة.
ليست المرأة هي ما أوقفه.
بل الطريقة التي فعلت بها ذلك.
تلك الحركة الصغيرة… كانت مألوفة بشكل غير منطقي.
ليس لأنها حدثت سابقًا.
بل لأنها “تُشبه شيئًا” لا يمكن تحديده.
________________________________________
اقترب خطوة.
ثم أخرى.
المرأة التفتت قليلًا.
لم تره.
أو ربما رآته دون أن تُعطي لذلك أهمية.
لكن ياسين شعر بشيء غير مريح:
أن هذه اللحظة ليست جديدة.
لكنها ليست ذكرى أيضًا.
بل شيء بين الاثنين.
كأن العالم يعيد ترتيب نفسه في نسخة لا يعلن عنها.
________________________________________
في تلك اللحظة، سمع صوتًا خلفه:
— هل ما زلت تفعل ذلك؟
التفت بسرعة.
سامر.
لكن ليس كما كان.
أو ربما كما كان دائمًا، ولم يكن يراه هكذا من قبل.
قال ياسين:
— ماذا أفعل؟
أجاب سامر بهدوء:
— تحاول أن تعرف إن كانت الأشياء هي نفسها في كل مرة تراها.
سكت.
ثم أضاف:
— أو إن كنت أنت نفسك في كل مرة تراها.
________________________________________
قال ياسين:
— أنت لست صدفة في حياتي.
ابتسم سامر ابتسامة قصيرة.
ثم قال:
— ولا أنت صدفة في طريقة قراءتي للعالم.
توقف.
ثم أضاف، بصوت أخف:
— المشكلة ليست في اللقاءات.
سكت.
ثم قال الجملة التي لم تُغلق شيئًا بل فتحت كل شيء:
— المشكلة أن ما تسميه “أنت”… يتغير كلما احتجت أن تفهمه.
________________________________________
نظر ياسين حوله.
الشارع نفسه.
الناس أنفسهم.
لكن شيئًا دقيقًا جدًا تغيّر:
لم يعد قادرًا على تحديد أين يبدأ “الشيء” وأين يبدأ “تفسيره له”.
المرأة عند الإشارة… لم تعد مجرد امرأة.
ولا ذكرى.
ولا رمز.
بل احتمال.
متعدد، غير مكتمل، ولا يطلب أن يُغلق.
________________________________________
قال سامر، دون أن ينظر إليه:
— هل تعلم لماذا لا تنتهي الأشياء فعليًا؟
سكت ياسين.
لم يُجِب.
فأكمل سامر:
— لأنها لا تحدث مرة واحدة أصلًا.
توقف.
ثم أضاف:
— أنت فقط تعيد رؤيتها بطريقة مختلفة في كل مرة.
صمت.
وحين التفت ياسين مرة أخرى…
لم يكن سامر هناك.
لم يختفِ بطريقة درامية.
ولا اختفى أصلًا.
كان فقط…
لم يعد قابلاً لأن يُثبت كشيء واحد.
________________________________________
وقف ياسين في الشارع.
الناس تمرّ.
الأصوات تتحرك.
الضوء يتغير.
كل شيء يعمل كما ينبغي.
ومع ذلك…
لم يعد هناك ما يمكن أن يُسمى “النسخة النهائية” من أي شيء.
رفع رأسه قليلًا.
كأنه يحاول أن يتأكد من أن العالم نفسه لم يتبدل.
لكن السؤال كان قد تغيّر بالفعل:
ليس “ما الذي أراه؟”
بل:
“كم نسخة من هذا يمكن أن تكون حقيقية في اللحظة نفسها؟”
ولم تأتِ الإجابة.
ولا الحاجة إليها.

———-
نعمان البربري
اللاذقية– سورية
يوم الأربعاء الخامس من شهر رجب 1405 هـ
الموافق لـ السايع والعشرين من شهر آذار 1985