قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ
الْفَصْلُ الثَّانِي
لُغَةٌ لَا تُشْبِهُ صَوْتِي
هَمَّامٌ يُوَاجِهُ أَلْمَانِيَّتَهُ الْمُتَعَثِّرَةَ أَمَامَ مُوَظَّفَةٍ حُكُومِيَّةٍ
• • •
كَانَتِ الْوَرَقَةُ الصَّفْرَاءُ الَّتِي بِحَوْزَتِهِ تَحْمِلُ مَوْعِداً فِي التَّاسِعَةِ وَالنِّصْفِ صَبَاحاً، فِي مَبْنًى حُكُومِيٍّ رَمَادِيٍّ يَقَعُ عَلَى بُعْدِ عِشْرِينَ دَقِيقَةً سَيْراً مِنْ مَرْكَزِ الْإِيوَاءِ. لَمْ يَكُنْ هَمَّامٌ قَدْ رَأَى مِنْ قَبْلُ مَبْنًى بِهَذَا الْقَدْرِ مِنَ الصَّمْتِ الْمُنَظَّمِ: لَا صُرَاخَ، لَا ازْدِحَامَ، لَا مُوَظَّفَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ، بَلْ طَابُورٌ هَادِئٌ مِنَ النَّاسِ يَحْمِلُونَ أَوْرَاقاً بِأَلْوَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَكَأَنَّ كُلَّ لَوْنٍ يُمَثِّلُ نَوْعاً مُخْتَلِفاً مِنَ الِانْتِظَارِ.
مَشَوْا فِي الشَّارِعِ الطَّوِيلِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْمَبْنَى، وَالْبَرْدُ الصَّبَاحِيُّ يَلْسَعُ وُجُوهَهُمْ رَغْمَ الشَّمْسِ الْخَجُولَةِ الَّتِي حَاوَلَتْ أَنْ تَخْتَرِقَ الْغُيُومَ دُونَ نَجَاحٍ كَبِيرٍ. لَاحَظَ هَمَّامٌ أَنَّ الْمَارَّةَ هُنَا يَمْشُونَ بِإِيقَاعٍ مُخْتَلِفٍ تَمَاماً عَنْ إِيقَاعِ شَوَارِعِ دِمَشْقَ: خُطُواتٌ مُنْتَظِمَةٌ، عُيُونٌ لَا تَلْتَقِي بِعُيُونِ الْآخَرِينَ إِلَّا لِثَانِيَةٍ عَابِرَةٍ، وَصَمْتٌ عَامٌّ يُشْبِهُ اتِّفَاقاً جَمَاعِيّاً غَيْرَ مَكْتُوبٍ عَلَى أَلَّا يُزْعِجَ أَحَدٌ أَحَداً.
قَالَتْ سَلْمَى، وَهِيَ تَشُدُّ مِعْطَفَهَا حَوْلَ جَسَدِهَا:
— حَتَّى الْمَشْيُ هُنَا مُخْتَلِفٌ. عِنْدَنَا كُنَّا نَمْشِي كَمَا نَشَاءُ، نَتَحَدَّثُ بِصَوْتٍ عَالٍ، نَضْحَكُ فِي الشَّارِعِ. هُنَا وَكَأَنَّ الْجَمِيعَ يَمْشِي فِي خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ بِمُفْرَدِهِ.
أَجَابَ هَمَّامٌ، وَهُوَ يُحَاوِلُ أَنْ يُوَائِمَ خُطُوَاتِهِ مَعَ خُطُوَاتِ الْمَارَّةِ مِنْ حَوْلِهِ:
— رُبَّمَا هَذَا احْتِرَامٌ لِمَسَافَةِ الْآخَرِينَ. أَوْ رُبَّمَا شَكْلٌ آخَرُ مِنَ الْوَحْدَةِ. لَا أَعْرِفُ بَعْدُ كَيْفَ أُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا.
وَصَلُوا أَخِيراً إِلَى الْمَبْنَى، وَأَخَذُوا رَقْماً مِنَ الْآلَةِ عِنْدَ الْمَدْخَلِ، ثُمَّ جَلَسُوا يَنْتَظِرُونَ فِي صَالَةٍ وَاسِعَةٍ، مُضَاءَةٍ بِضَوْءٍ أَبْيَضَ حَادٍّ، تَصْطَفُّ فِيهَا مَقَاعِدُ بَلَاسْتِيكِيَّةٌ زَرْقَاءُ مُتَلَاصِقَةٌ.
جَلَسَ عَلَى مَقْعَدٍ بَلَاسْتِيكِيٍّ بِجَانِبِ سَلْمَى، بَيْنَمَا وَقَفَ كَرِيمٌ قَلِيلاً بَعِيداً، يَقْرَأُ اللَّافِتَاتِ الْمُعَلَّقَةَ عَلَى الْجُدْرَانِ بِصُعُوبَةٍ، مُحَاوِلاً أَنْ يَفْهَمَ شَيْئاً مِنَ الْحُرُوفِ الْمُتَرَاصَّةِ الَّتِي لَا تُشْبِهُ أَيَّ أَبْجَدِيَّةٍ تَعَلَّمَهَا مِنْ قَبْلُ.
فِي صَالَةِ الِانْتِظَارِ، لَاحَظَ هَمَّامٌ رَجُلاً وَامْرَأَةً يَجْلِسَانِ عَلَى الْمَقَاعِدِ الْمُقَابِلَةِ، صَامِتَيْنِ تَمَاماً، لَا يَتَبَادَلَانِ كَلِمَةً وَاحِدَةً، وَكَأَنَّ بَيْنَهُمَا اتِّفَاقاً غَيْرَ مُعْلَنٍ عَلَى أَلَّا يَتَحَدَّثَا فِي مَكَانٍ عَامٍّ. كَانَ الرَّجُلُ يَرْتَدِي سُتْرَةً جِلْدِيَّةً دَاكِنَةً، وَوَجْهُهُ يَحْمِلُ مَلَامِحَ مَنِ اعْتَادَ أَلَّا يُظْهِرَ شَيْئاً عَلَيْهِ. أَمَّا الْمَرْأَةُ بِجَانِبِهِ فَكَانَتْ تَنْظُرُ إِلَى الْأَرْضِ مُعْظَمَ الْوَقْتِ، تَعْبَثُ بِحَاشِيَةِ مِعْطَفِهَا بِأَصَابِعَ مُتَوَتِّرَةٍ.
حِينَ نَادَى الصَّوْتُ الْآلِيُّ رَقْمَهُمَا، نَهَضَ الرَّجُلُ أَوَّلاً، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ لِزَوْجَتِهِ بِحَرَكَةٍ آلِيَّةٍ لَا تَخْلُو مِنْ رِقَّةٍ قَدِيمَةٍ اعْتَادَا عَلَيْهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ. مَرَّا بِجَانِبِ هَمَّامٍ، وَتَبَادَلَ الرَّجُلُ مَعَهُ نَظْرَةً عَابِرَةً، نَظْرَةَ تَعَارُفٍ صَامِتٍ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ الَّذِي بَدَأَ هَمَّامٌ يَعْتَادُهُ فِي هَذِهِ الْأَمَاكِنِ: لَا كَلَامَ، لَكِنِ اعْتِرَافاً مُتَبَادَلاً بِأَنَّ كِلَيْهِمَا يَخُوضُ الْمَعْرَكَةَ نَفْسَهَا مِنْ زَاوِيَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
سَأَلَتْ سَلْمَى بِصَوْتٍ خَافِتٍ:
— أَرَأَيْتَ هَذَيْنِ؟ أَلَمْ تَرَ مِثْلَهُمَا مِنْ قَبْلُ؟
— لَا. لَكِنْ ثَمَّةَ شَيْئاً فِي وَجْهَيْهِمَا… كَأَنَّهُمَا يَحْمِلَانِ أَمْراً ثَقِيلاً لَا يُرِيدَانِ أَنْ يَرَاهُ أَحَدٌ.
لَمْ يَكُنْ هَمَّامٌ يَعْلَمُ حِينَهَا أَنَّ اسْمَيْ هَذَيْنِ الْغَرِيبَيْنِ هُمَا سَلِيمٌ وَوَفَاءُ دِيبٌ، وَأَنَّ الثِّقَلَ الَّذِي لَاحَظَهُ فِي وَجْهَيْهِمَا سَيَتَكَشَّفُ تَدْرِيجِيّاً فِي فُصُولٍ لَاحِقَةٍ، حِينَ تَتَقَاطَعُ طُرُقُهُمْ مِنْ جَدِيدٍ.
وَبَعْدَ دَقَائِقَ، دَخَلَتْ صَالَةَ الِانْتِظَارِ عَائِلَةٌ أُخْرَى: امْرَأَةٌ تَرْتَدِي مِعْطَفاً أَنِيقاً، وَرَجُلٌ يَحْمِلُ حَقِيبَةً جِلْدِيَّةً صَغِيرَةً، يَتَحَدَّثَانِ بِصَوْتٍ وَاثِقٍ نِسْبِيّاً، وَكَأَنَّهُمَا اعْتَادَا مِثْلَ هَذِهِ الْمَكَاتِبِ مِنْ قَبْلُ فِي حَيَاةٍ سَابِقَةٍ. جَلَسَا عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْ عَائِلَةِ مُرَادٍ، وَسَمِعَ هَمَّامٌ الْمَرْأَةَ تَقُولُ لِزَوْجِهَا بِلَهْجَةٍ حَلَبِيَّةٍ وَاضِحَةٍ: «لَا تَقْلَقْ، سَأَتَوَلَّى أَنَا الْحَدِيثَ مَعَ الْمُوَظَّفَةِ، فَأَلْمَانِيَّتِي أَفْضَلُ مِنَ الِانْتِظَارِ عَبَثاً.» ابْتَسَمَ هَمَّامٌ لِنَفْسِهِ، مُتَسَائِلاً كَمْ مِنَ الْعَائِلَاتِ السُّورِيَّةِ تَتَوَزَّعُ الْأَدْوَارَ هَذِهِ الْأَيَّامَ بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا: مَنْ يَتَحَدَّثُ، وَمَنْ يَنْتَظِرُ، وَمَنْ يُرَاقِبُ مِنْ بَعِيدٍ.
نَادَى صَوْتٌ آلِيٌّ رَقْماً عَلَى الشَّاشَةِ: مِئَتَانِ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ.
نَظَرَ هَمَّامٌ إِلَى الْوَرَقَةِ فِي يَدِهِ: مِئَتَانِ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ.
قَالَ لِسَلْمَى بِصَوْتٍ خَافِتٍ:
— دَوْرُنَا.
نَهَضَا مَعاً، وَتَبِعَهُمَا كَرِيمٌ، وَدَخَلُوا مَكْتَباً صَغِيراً تَجْلِسُ خَلْفَ مَكْتَبِهِ امْرَأَةٌ فِي الْأَرْبَعِينَ، شَعْرُهَا مَرْبُوطٌ بِإِحْكَامٍ، وَنَظَّارَتُهَا مُعَلَّقَةٌ عَلَى طَرَفِ أَنْفِهَا، وَأَمَامَهَا كَوْمَةٌ مِنَ الْمِلَفَّاتِ مُرَتَّبَةٌ بِدِقَّةٍ لَا تُشْبِهُ أَيَّ فَوْضَى مَأْلُوفَةٍ.
قَالَتِ الْمَرْأَةُ، دُونَ أَنْ تَرْفَعَ رَأْسَهَا بِالْكَامِلِ:
«صَبَاحَ الْخَيْرِ. مِنْ فَضْلِكُمْ، اجْلِسُوا.»
فَهِمَ هَمَّامٌ الْكَلِمَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، «صَبَاحَ الْخَيْرِ»، لَكِنَّ الْجُمْلَةَ الثَّانِيَةَ مَرَّتْ أَمَامَهُ كَجِدَارٍ زُجَاجِيٍّ: يَرَاهُ، لَكِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ اخْتِرَاقَهُ.
جَلَسَ، وَابْتَسَمَ ابْتِسَامَةَ مَنْ يُحَاوِلُ أَنْ يَقُولَ «لَمْ أَفْهَمْ» دُونَ أَنْ يَنْطِقَهَا.
لَاحَظَتِ الْمَرْأَةُ الِارْتِبَاكَ، فَأَشَارَتْ إِلَى الْكُرْسِيِّ بِيَدِهَا، ثُمَّ أَعَادَتِ الْجُمْلَةَ أَبْطَأَ:
«اجْلِسْ. مِنْ. فَضْلِكَ.»
جَلَسَ هَمَّامٌ أَخِيراً، وَشَعَرَ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الْحَرَارَةَ يَتَصَاعَدُ فِي وَجْهِهِ، لَيْسَ مِنَ الْبَرْدِ، بَلْ مِنْ ذَلِكَ الْإِحْسَاسِ الْغَرِيبِ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْهُ مِنْ قَبْلُ: أَنْ يَكُونَ رَجُلاً فِي الْخَامِسَةِ وَالْأَرْبَعِينَ، كَتَبَ مَقَالَاتٍ فِكْرِيَّةً قَرَأَهَا آلَافُ النَّاسِ، وَيَعْجِزَ الْآنَ عَنْ فَهْمِ جُمْلَةٍ مِنْ ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ.
بَدَأَتِ الْمُوَظَّفَةُ تَتَصَفَّحُ الْمِلَفَّ، وَتَطْرَحُ أَسْئِلَةً بِالْأَلْمَانِيَّةِ، بَيْنَمَا كَانَ هَمَّامٌ يَلْتَقِطُ كَلِمَةً هُنَا وَكَلِمَةً هُنَاكَ، يُحَاوِلُ تَرْكِيبَهَا فِي جُمْلَةٍ مَفْهُومَةٍ، وَيَفْشَلُ فِي أَغْلَبِ الْأَحْيَانِ.
قَالَتْ سَلْمَى بِالْعَرَبِيَّةِ، بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ:
— هَلْ فَهِمْتَ شَيْئاً؟
— قَلِيلاً. تَسْأَلُ عَنِ الْأَوْلَادِ، وَعَنْ مُدَّةِ الْإِقَامَةِ، وَأَمْرٍ عَنْ… لَسْتُ مُتَأَكِّداً، عَمَلٍ أَوْ دِرَاسَةٍ.
الْتَفَتَتِ الْمُوَظَّفَةُ إِلَيْهِمَا، وَسَأَلَتْ بِإِنْجِلِيزِيَّةٍ مُتَعَثِّرَةٍ قَلِيلاً هَذِهِ الْمَرَّةَ:
«أَتَتَحَدَّثُ الْإِنْجِلِيزِيَّةَ؟ أَمْ يَنْبَغِي أَنْ أَسْتَدْعِيَ مُتَرْجِماً؟»
أَجَابَ هَمَّامٌ بِإِنْجِلِيزِيَّةٍ أَفْضَلَ حَالاً مِنْ أَلْمَانِيَّتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَزَالُ بَعِيدَةً عَنِ الطَّلَاقَةِ:
— إِنْجِلِيزِيَّةٌ قَلِيلَةٌ. رُبَّمَا… مُتَرْجِمٌ، نَعَمْ، أَفْضَلُ.
هَزَّتِ الْمُوَظَّفَةُ رَأْسَهَا، وَرَفَعَتْ سَمَّاعَةَ الْهَاتِفِ، وَطَلَبَتْ رَقْماً، وَبَعْدَ دَقَائِقَ ظَهَرَ عَلَى الشَّاشَةِ الصَّغِيرَةِ أَمَامَهُمْ مُتَرْجِمٌ عَبْرَ الْفِيدْيُو، شَابٌّ سُورِيٌّ يَتَحَدَّثُ بِلَهْجَةٍ حَلَبِيَّةٍ وَاضِحَةٍ، لَطَّفَهَا فَوْراً بِمُفْرَدَاتٍ فَصِيحَةٍ:
— أَهْلاً بِكُمْ، أَنَا مَعَكُمْ، تَحَدَّثُوا بِرَاحَتِكُمْ وَسَأُتَرْجِمُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الِاتِّجَاهَيْنِ.
شَعَرَ هَمَّامٌ بِارْتِيَاحٍ غَرِيبٍ، وَكَأَنَّ صَوْتاً عَرَبِيّاً وَحِيداً فِي هَذَا الْمَكْتَبِ الرَّمَادِيِّ كَافٍ لِإِعَادَةِ شَيْءٍ مِنْ تَوَازُنِهِ.
سَأَلَتِ الْمُوَظَّفَةُ، وَالْمُتَرْجِمُ يَنْقُلُ كَلِمَاتِهَا فَوْراً:
— تَسْأَلُ، مَا كَانَ عَمَلُكَ فِي سُورِيَا؟
— كُنْتُ كَاتِباً، أَكْتُبُ مَقَالَاتٍ وَنُصُوصاً فِكْرِيَّةً.
تَرْجَمَ الشَّابُّ الْجُمْلَةَ، فَكَتَبَتِ الْمُوَظَّفَةُ شَيْئاً فِي مِلَفِّهَا، ثُمَّ سَأَلَتْ مُجَدَّداً:
— تَسْأَلُ، هَلْ لَدَيْكَ شَهَادَةٌ جَامِعِيَّةٌ مُوَثَّقَةٌ؟
— لَدَيَّ إِجَازَةٌ فِي الْأَدَبِ الْعَرَبِيِّ، لَكِنَّ الْأَوْرَاقَ… ضَاعَ جُزْءٌ مِنْهَا فِي الطَّرِيقِ. وَالْبَاقِي مَعِي، لَكِنَّهُ غَيْرُ مُصَدَّقٍ مِنَ الْجِهَاتِ الرَّسْمِيَّةِ هُنَا.
كَتَبَتِ الْمُوَظَّفَةُ مُلَاحَظَةً أُخْرَى، ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَى هَمَّامٍ مُبَاشَرَةً، وَقَالَتْ جُمْلَةً طَوِيلَةً نِسْبِيّاً، تَرْجَمَهَا الشَّابُّ بِصَوْتٍ مُتَعَاطِفٍ قَلِيلاً:
— تَقُولُ إِنَّ ثَمَّةَ بَرْنَامَجاً لِمُعَادَلَةِ الشَّهَادَاتِ، لَكِنَّهُ يَأْخُذُ وَقْتاً، رُبَّمَا أَشْهُراً. وَفِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ، تَنْصَحُكَ بِأَنْ تُسَجِّلَ فِي دَوْرَةِ لُغَةٍ مُكَثَّفَةٍ، لِأَنَّهُ مِنْ دُونِ الْأَلْمَانِيَّةِ، وَحَتَّى لَوْ عَادَلْتَ الشَّهَادَةَ، سَيَصْعُبُ أَنْ تَجِدَ عَمَلاً فِي مَجَالِكَ.
أَوْمَأَ هَمَّامٌ بِرَأْسِهِ، وَقَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَكِنَّهُ يَحْمِلُ ثِقْلاً خَفِيّاً:
— مَفْهُومٌ. سَأُسَجِّلُ.
قَبْلَ أَنْ يُغَادِرُوا، أَشَارَتِ الْمُوَظَّفَةُ إِلَى مَكْتَبٍ مُجَاوِرٍ فِي نِهَايَةِ الْمَمَرِّ، وَقَالَتْ شَيْئاً تَرْجَمَهُ الشَّابُّ فَوْراً:
— تَقُولُ اذْهَبُوا الْآنَ إِلَى الْمَكْتَبِ رَقْمَ سِتَّةٍ، ثَمَّةَ مُوَظَّفَةٌ أُخْرَى تُسَجِّلُكُمْ مُبَاشَرَةً فِي دَوْرَةِ اللُّغَةِ، أَفْضَلُ مِنْ أَنْ تُضَيِّعُوا وَقْتاً وَتَعُودُوا يَوْماً آخَرَ.
شَكَرَ هَمَّامٌ الْمُوَظَّفَةَ وَالْمُتَرْجِمَ، وَتَوَجَّهُوا نَحْوَ الْمَكْتَبِ رَقْمِ سِتَّةٍ، حَيْثُ اسْتَقْبَلَتْهُمُ امْرَأَةٌ أَصْغَرُ سِنّاً، أَكْثَرُ وُدّاً، بَدَأَتْ تَشْرَحُ لَهُمْ جَدْوَلَ الدَّوْرَةِ: خَمْسَةُ أَيَّامٍ فِي الْأُسْبُوعِ، مِنَ الثَّامِنَةِ صَبَاحاً حَتَّى الْوَاحِدَةِ ظُهْراً، لِمُدَّةِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُتَوَاصِلَةٍ تَقْرِيباً.
قَالَتْ سَلْمَى، وَهِيَ تَحْسِبُ فِي ذِهْنِهَا:
— سِتَّةُ أَشْهُرٍ، يَعْنِي سَنَكُونُ طَوَالَ الْوَقْتِ فِي الصَّفِّ، فَمَنْ يَعْتَنِي بِالْبَيْتِ؟
أَجَابَ هَمَّامٌ، مُحَاوِلاً أَنْ يُخَفِّفَ مِنْ قَلَقِهَا:
— سَنُقَسِّمُ الْوَقْتَ. سَجِّلِي فِي صَفٍّ صَبَاحِيٍّ، وَأَنَا فِي وَقْتٍ آخَرَ، وَهَكَذَا نَتَنَاوَبُ.
لَمْ تَقْتَنِعْ سَلْمَى تَمَاماً، لَكِنَّهَا لَمْ تُجَادِلْ أَمَامَ الْمُوَظَّفَةِ. وَقَّعَا مَعاً عَلَى اسْتِمَارَةِ التَّسْجِيلِ، وَحَصَلَا عَلَى مَوْعِدِ بَدْءِ الدَّوْرَةِ بَعْدَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ.
وَبَيْنَمَا كَانَا يَهُمَّانِ بِالْخُرُوجِ، سَأَلَ كَرِيمٌ الْمُوَظَّفَةَ، بِأَلْمَانِيَّةٍ مُتَعَثِّرَةٍ سَاعَدَهُ هَمَّامٌ عَلَى تَرْجَمَتِهَا جُزْئِيّاً:
— وَأَنَا، هَلْ يُمْكِنُ أَنْ أُسَجِّلَ فِي دَوْرَةٍ مُمَاثِلَةٍ، أَمْ أَذْهَبَ مُبَاشَرَةً إِلَى مَكْتَبِ الْجَامِعَةِ؟
نَظَرَتِ الْمُوَظَّفَةُ إِلَى مِلَفِّهِ، ثُمَّ قَالَتْ جُمْلَةً تَرْجَمَهَا الْمُتَرْجِمُ عَبْرَ الْفِيدْيُو، الَّذِي كَانَ لَا يَزَالُ مُتَّصِلاً عَلَى الشَّاشَةِ:
— تَقُولُ إِنَّ عُمْرَكَ يُؤَهِّلُكَ لِمَسَارٍ مُخْتَلِفٍ، وَيُمْكِنُكَ أَنْ تَبْدَأَ مُبَاشَرَةً بِلُغَةٍ أَسَاسِيَّةٍ مُكَثَّفَةٍ، أَسْرَعَ مِنْ دَوْرَةِ الْوَالِدَيْنِ، لِأَنَّ الْجَامِعَاتِ تَقْبَلُ مُسْتَوًى أَوَّلِيّاً مَعَ الْتِزَامٍ بِالتَّحْسِينِ لَاحِقاً.
أَشْرَقَ وَجْهُ كَرِيمٍ فَجْأَةً، وَكَأَنَّهُ سَمِعَ لِلتَّوِّ خَبَراً يَنْتَظِرُهُ مُنْذُ أَسَابِيعَ:
— إِذَنْ يُمْكِنُنِي أَنْ أَبْدَأَ الدِّرَاسَةَ الْجَامِعِيَّةَ قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ أَبِي وَأُمِّي حَتَّى دَوْرَتَهُمَا؟
— رُبَّمَا، إِنْ أَسْرَعْتَ بِالْأَوْرَاقِ.
الْتَفَتَ كَرِيمٌ إِلَى وَالِدِهِ بِحَمَاسَةٍ لَمْ يُخْفِهَا:
— أَرَأَيْتَ يَا أَبِي؟ لَا دَاعِيَ لِأَنْ نَنْتَظِرَ جَمِيعاً بِالْإِيقَاعِ نَفْسِهِ.
ابْتَسَمَ هَمَّامٌ ابْتِسَامَةً فِيهَا فَخْرٌ حَقِيقِيٌّ، مَمْزُوجٌ بِشَيْءٍ مِنَ الْوَجَلِ الَّذِي لَمْ يُفْصِحْ عَنْهُ: أَنْ يَتَقَدَّمَ ابْنُهُ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ، بَيْنَمَا هُوَ نَفْسُهُ مَا زَالَ يَتَعَثَّرُ فِي جُمْلَةٍ مِنْ ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ.
• • •
بَعْدَ أَنِ انْتَهَتِ الْمُوَظَّفَةُ الْأُولَى مِنْ أَسْئِلَتِهَا الرَّسْمِيَّةِ، سَأَلَتْ سُؤَالاً لَمْ يَكُنْ فِي الِاسْتِمَارَةِ، لَكِنَّهُ بَدَا وَكَأَنَّهُ يَهُمُّهَا شَخْصِيّاً:
— تَسْأَلُ، كَيْفَ تَشْعُرُونَ فِي الْأَيَّامِ الْأُولَى هُنَا؟
تَرَدَّدَتْ سَلْمَى قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ، ثُمَّ قَالَتْ بِصِدْقٍ:
— بِصَرَاحَةٍ، مُتْعَبُونَ. لَكِنَّنَا مُرْتَاحُونَ لِأَنَّ أَحَداً يَسْأَلُ.
تَرْجَمَ الشَّابُّ الْجُمْلَةَ، فَابْتَسَمَتِ الْمُوَظَّفَةُ ابْتِسَامَةً حَقِيقِيَّةً لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ بِدَايَةِ الْجَلْسَةِ، وَقَالَتْ شَيْئاً قَصِيراً.
قَالَ الْمُتَرْجِمُ:
— تَقُولُ: هَذَا عَمَلُهَا، لَكِنَّهَا تُحِبُّ أَيْضاً أَنْ تَسْأَلَ لَا أَنْ تَمْلَأَ أَوْرَاقاً فَحَسْبُ.
شَعَرَ هَمَّامٌ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الدِّفْءَ تِجَاهَ هَذِهِ الْغَرِيبَةِ الَّتِي لَا يَعْرِفُ اسْمَهَا، وَالَّتِي حَمَلَتْ، لِلَحْظَةٍ، سُؤَالاً لَا يُشْبِهُ بَقِيَّةَ الْأَسْئِلَةِ الرَّسْمِيَّةِ.
وَحِينَ خَرَجُوا مِنْ مَكْتَبِهَا أَخِيراً، الْتَفَتَتْ سَلْمَى إِلَى هَمَّامٍ وَقَالَتْ:
— أَرَأَيْتَ؟ ثَمَّةَ أُنَاسٌ هُنَا يَهْتَمُّونَ فِعْلاً، لَا يُؤَدُّونَ وَظِيفَةً فَحَسْبُ.
— نَعَمْ، لَكِنْ يَبْقَى صَعْباً أَنْ يَعْرِفَ الْإِنْسَانُ مَنِ الْمُهْتَمُّ فِعْلاً، وَمَنْ يُمَثِّلُ الِاهْتِمَامَ كَجُزْءٍ مِنْ عَمَلِهِ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ سَلْمَى نَظْرَةً فِيهَا لَوْمٌ خَفِيفٌ:
— لِمَاذَا تُشَكِّكُ دَائِماً فِي كُلِّ شَيْءٍ؟ كُنْ، وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً، رَجُلاً يُصَدِّقُ دُونَ أَنْ يُحَلِّلَ.
لَمْ يَرُدَّ هَمَّامٌ، لَكِنَّهُ شَعَرَ أَنَّ الْمُلَاحَظَةَ أَصَابَتْ شَيْئاً حَقِيقِيّاً فِيهِ، ذَلِكَ الْمَيْلُ الدَّائِمُ إِلَى تَحْلِيلِ كُلِّ بَادِرَةٍ طَيِّبَةٍ قَبْلَ أَنْ يَسْمَحَ لِنَفْسِهِ بِتَصْدِيقِهَا بِالْكَامِلِ.
مَشَيَا بِضْعَ خُطُوَاتٍ صَامِتَيْنِ فِي الْمَمَرِّ الطَّوِيلِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْخَارِجِ، وَالصَّمْتُ بَيْنَهُمَا هَذِهِ الْمَرَّةَ لَمْ يَكُنْ ثَقِيلاً كَمَا اعْتَادَ أَنْ يَكُونَ، بَلْ أَقْرَبَ إِلَى هُدْنَةٍ صَغِيرَةٍ بَعْدَ يَوْمٍ طَوِيلٍ مِنَ الْأَسْئِلَةِ وَالْأَوْرَاقِ وَالِانْتِظَارِ.
قَالَتْ سَلْمَى أَخِيراً، بِصَوْتٍ أَخَفَّ:
— بِصَرَاحَةٍ، عُدْتُ الْيَوْمَ مُرْتَاحَةً أَكْثَرَ مِمَّا تَوَقَّعْتُ. شَعَرْتُ أَنَّ ثَمَّةَ مَنْ يُحَاوِلُ فِعْلاً أَنْ يُسَاعِدَنَا، لَا نِظَاماً يَرْمِينَا مِنْ مَكْتَبٍ إِلَى آخَرَ فَحَسْبُ.
ابْتَسَمَ هَمَّامٌ، وَقَالَ بِصِدْقٍ نَادِرٍ هَذِهِ الْمَرَّةَ:
— وَأَنَا أَيْضاً. لَكِنْ يَبْقَى صَعْباً عَلَيَّ أَنْ أَتَخَلَّى عَنْ حَذَرِي بِسُرْعَةٍ. صَارَ الْحَذَرُ جُزْءاً مِنِّي مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، مِنْ قَبْلِ أَنْ نُغَادِرَ سُورِيَا أَصْلاً.
أَوْمَأَتْ سَلْمَى بِرَأْسِهَا، فَاهِمَةً أَكْثَرَ مِمَّا قَالَتْ:
— أَعْلَمُ. لَكِنْ هُنَا، يَا هَمَّامُ، لَا يَلْزَمُ أَنْ نَحْمِلَ كُلَّ حَذَرِ الْمَاضِي مَعَنَا فِي كُلِّ خُطْوَةٍ جَدِيدَةٍ. بَعْضُ الْحَذَرِ يَجِبُ أَنْ نَتْرُكَهُ وَرَاءَنَا، كَمَا تَرَكْنَا أَشْيَاءَ أُخْرَى كَثِيرَةً.
لَمْ يُجِبْ فَوْراً، لَكِنَّهُ شَعَرَ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ، مِنْ بَيْنِ كُلِّ مَا قِيلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، هِيَ الَّتِي سَتَبْقَى مَعَهُ أَطْوَلَ مِنْ غَيْرِهَا.
• • •
خَرَجُوا مِنَ الْمَبْنَى الْحُكُومِيِّ إِلَى شَارِعٍ بَدَأَ يَمْتَلِئُ بِحَرَكَةِ مُنْتَصَفِ النَّهَارِ: دَرَّاجَاتٌ هَوَائِيَّةٌ تَمُرُّ بِانْتِظَامٍ، وَأُمَّهَاتٌ يَدْفَعْنَ عَرَبَاتِ أَطْفَالٍ بِخُطًى وَاثِقَةٍ، وَمَقَاهٍ صَغِيرَةٌ تَفُوحُ مِنْهَا رَائِحَةُ قَهْوَةٍ لَمْ يَعْتَادُوهَا بَعْدُ.
قَالَ كَرِيمٌ، وَهُوَ يَمْشِي بِجَانِبِ وَالِدِهِ، بَعْدَ أَنِ انْتَهَى مِنْ مُحَاوَلَةٍ فَاشِلَةٍ لِقِرَاءَةِ قَائِمَةِ طَعَامٍ مُعَلَّقَةٍ أَمَامَ أَحَدِ الْمَقَاهِي:
— أَبِي، لَاحَظْتُ أَمْراً الْيَوْمَ فِي الْمَكْتَبِ.
— مَاذَا؟
— فِي كُلِّ مَرَّةٍ كُنْتَ تُحَاوِلُ أَنْ تَتَحَدَّثَ الْأَلْمَانِيَّةَ، كَانَ صَوْتُكَ يَتَغَيَّرُ. لَمْ يَكُنْ صَوْتَكَ الَّذِي أَعْرِفُهُ.
تَوَقَّفَ هَمَّامٌ لِلَحْظَةٍ، مُتَفَاجِئاً مِنْ مُلَاحَظَةِ ابْنِهِ:
— كَيْفَ يَتَغَيَّرُ بِرَأْيِكَ؟
— يُصْبِحُ أَخْفَضَ، وَأَبْطَأَ، وَكَأَنَّكَ تَخْشَى أَنْ تُخْطِئَ. أَنْتَ بِالْعَرَبِيَّةِ تَتَحَدَّثُ بِثِقَةٍ، لَكِنْ بِالْأَلْمَانِيَّةِ كَأَنَّكَ… لَسْتَ أَنْتَ.
لَمْ يَعْرِفْ هَمَّامٌ كَيْفَ يَرُدُّ فَوْراً. مَشَى بِضْعَ خُطُوَاتٍ صَامِتاً، ثُمَّ قَالَ:
— لِأَنَّ الْكَلِمَاتِ بِالْعَرَبِيَّةِ تَخْرُجُ مِنِّي كَمَا هِيَ. أَمَّا بِالْأَلْمَانِيَّةِ، فَيَجِبُ أَنْ أُفَكِّرَ فِيهَا قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ، وَهَذَا يَأْخُذُ جُزْءاً مِنِّي مَعَهُ، لَا الْوَقْتَ فَحَسْبُ.
هَزَّ كَرِيمٌ رَأْسَهُ، غَيْرَ مُقْتَنِعٍ تَمَاماً، لَكِنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْ أَكْثَرَ.
سَأَلَتْهُ سَلْمَى، مُحَاوِلَةً أَنْ تُدْخِلَ بَعْضَ الْخِفَّةِ عَلَى الْحَدِيثِ:
— وَأَنْتَ يَا كَرِيمُ، هَلْ صَوْتُكَ يَتَغَيَّرُ أَيْضاً حِينَ تَتَحَدَّثُ الْأَلْمَانِيَّةَ؟
ابْتَسَمَ كَرِيمٌ ابْتِسَامَةً وَاثِقَةً:
— عَلَى الْعَكْسِ، أَشْعُرُ أَنَّنِي أَكْثَرُ جَرْأَةً بِالْأَلْمَانِيَّةِ. كَأَنَّ هَذِهِ اللُّغَةَ لَا تَعْرِفُ تَارِيخِي، فَلَا تُحْرِجُنِي حِينَ أُخْطِئُ.
نَظَرَ إِلَيْهِ هَمَّامٌ بِإِعْجَابٍ خَفِيفٍ مَشُوبٍ بِشَيْءٍ مِنَ الْحَسَدِ غَيْرِ الْمُعْلَنِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ شَيْئاً.
• • •
مَرُّوا فِي طَرِيقِ عَوْدَتِهِمْ بِجَانِبِ مَرْكَزٍ اجْتِمَاعِيٍّ صَغِيرٍ، عُلِّقَتْ عَلَى بَابِهِ لَافِتَةٌ بِالْعَرَبِيَّةِ وَالْأَلْمَانِيَّةِ: «لِقَاءٌ أُسْبُوعِيٌّ لِلْعَائِلَاتِ الْجَدِيدَةِ».
قَالَتْ سَلْمَى، مُتَوَقِّفَةً أَمَامَ اللَّافِتَةِ:
— أَرَأَيْتَ هَذَا؟ يُمْكِنُنَا أَنْ نَذْهَبَ، فَنَتَعَرَّفَ إِلَى الْجِيرَانِ أَكْثَرَ، وَنَتَعَلَّمَ بَعْضَ الْأُمُورِ الْعَمَلِيَّةِ.
قَالَ كَرِيمٌ بِسُرْعَةٍ:
— أَنَا لَنْ أَذْهَبَ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ الِاجْتِمَاعَاتِ. أُفَضِّلُ أَنْ أَتَعَلَّمَ بِمُفْرَدِي.
ابْتَسَمَتْ سَلْمَى:
— لَمْ يَطْلُبْ مِنْكَ أَحَدٌ أَنْ تَأْتِيَ. لَكِنْ يُمْكِنُنَا أَنَا وَأَبُوكَ أَنْ نَذْهَبَ.
نَظَرَ هَمَّامٌ إِلَى اللَّافِتَةِ طَوِيلاً، وَشَعَرَ بِمَزِيجٍ غَرِيبٍ مِنَ الْفُضُولِ وَالتَّرَدُّدِ، ذَلِكَ الْمَزِيجُ الَّذِي بَدَأَ يَتَكَرَّرُ مَعَهُ فِي كُلِّ مَوْقِفٍ جَدِيدٍ مُنْذُ وُصُولِهِمْ:
— سَنَرَى. لَا دَاعِيَ أَنْ نَسْتَعْجِلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
لَمْ تُصِرَّ سَلْمَى، لَكِنَّهَا الْتَقَطَتِ الْمُلَاحَظَةَ الصَّغِيرَةَ: أَنَّ زَوْجَهَا، فِي كُلِّ مَرَّةٍ يُعْرَضُ عَلَيْهِ أَمْرٌ جَدِيدٌ، يُفَضِّلُ «أَنْ يَرَى» بَدَلَ أَنْ «يُقَرِّرَ»، وَكَأَنَّ التَّأْجِيلَ بَاتَ لُغَتَهُ الثَّانِيَةَ، أَكْثَرَ رُسُوخاً حَتَّى مِنَ الْأَلْمَانِيَّةِ الَّتِي بَدَأَ لِلتَّوِّ يَتَعَثَّرُ بِهَا.
• • •
فِي الْمَسَاءِ، بَعْدَ أَنْ عَادُوا إِلَى مَرْكَزِ الْإِيوَاءِ، اتَّصَلَتْ رَهَفُ بِأُمِّهَا مِنْ هَاتِفِهَا الْمَحْمُولِ، وَهِيَ جَالِسَةٌ فِي الْحَدِيقَةِ الْخَلْفِيَّةِ، تَسْأَلُ عَنْ مَوْعِدِ فَتْحِ بَابِ التَّسْجِيلِ فِي الْجَامِعَةِ، بَيْنَمَا اتَّجَهَ هَمَّامٌ إِلَى قَاعَةِ الطَّعَامِ الْمُشْتَرَكَةِ، حَيْثُ وَجَدَ زِيَاداً يَتَنَاوَلُ عَشَاءَهُ وَحِيداً.
جَلَسَ هَمَّامٌ مُقَابِلَهُ، وَسَأَلَهُ:
— كَيْفَ كَانَ يَوْمُكَ؟
أَجَابَ زِيَادٌ، بِابْتِسَامَتِهِ الْمُعْتَادَةِ:
— هَادِئاً نِسْبِيّاً. وَأَنْتَ؟ سَمِعْتُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ فِي الْمَكْتَبِ الرَّسْمِيِّ.
— نَعَمْ. يَوْمٌ طَوِيلٌ، وَشَعَرْتُ فِيهِ أَنَّنِي تِلْمِيذٌ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ، يُحَاوِلُ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَلَا يَعْرِفُ الْحُرُوفَ بَعْدُ.
قَالَ زِيَادٌ، وَهُوَ يَضَعُ مِلْعَقَتَهُ جَانِباً:
— هَذَا طَبِيعِيٌّ جِدّاً. أَنَا قَضَيْتُ أَوَّلَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ هُنَا أَشْعُرُ أَنَّنِي أَبْكَمُ. لَا لِأَنَّنِي لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَتَحَدَّثُ، بَلْ لِأَنَّ اللُّغَةَ الَّتِي كُنْتُ أَعْرِفُهَا لَمْ تَكُنْ كَافِيَةً لِأُعَبِّرَ بِهَا عَنْ نَفْسِي الْحَقِيقِيَّةِ.
سَأَلَهُ هَمَّامٌ:
— وَكَيْفَ تَجَاوَزْتَ هَذَا الشُّعُورَ؟
فَكَّرَ زِيَادٌ قَلِيلاً، ثُمَّ قَالَ:
— لَمْ أَتَجَاوَزْهُ بِالْكَامِلِ، بِصَرَاحَةٍ. لَكِنَّنِي تَعَلَّمْتُ أَمْراً: اللُّغَةُ الْجَدِيدَةُ لَا يَلْزَمُ أَنْ تَحْمِلَ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ثِقْلَ اللُّغَةِ الْأُمِّ نَفْسَهُ. يُمْكِنُ أَنْ تَبْدَأَ فِيهَا بَسِيطاً، كَطِفْلٍ، وَهَذَا لَيْسَ عَيْباً. الْعَيْبُ أَنْ تُحَاوِلَ أَنْ تَكُونَ فِيهَا الرَّجُلَ نَفْسَهُ الَّذِي كُنْتَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَهَذَا مُسْتَحِيلٌ فِي الْبِدَايَةِ.
اسْتَمَعَ هَمَّامٌ بِانْتِبَاهٍ، ثُمَّ قَالَ:
— الْمُشْكِلَةُ يَا زِيَادُ أَنَّنِي لَا أَعْرِفُ مَنْ أَكُونُ حِينَ أَتَوَقَّفُ عَنْ مُحَاوَلَةِ أَنْ أَكُونَ كَاتِباً. أَخْشَى أَنَّ هَذَا بِالضَّبْطِ مَا يُخِيفُنِي فِي هَذِهِ اللُّغَةِ الْجَدِيدَةِ: أَنَّهَا لَا تَعْرِفُ عَنِّي شَيْئاً، وَلَا تَحْمِلُ تَارِيخِي، فَلَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُجَامِلَنِي بِأَنَّنِي رَجُلٌ مُهِمٌّ. أَمَامَهَا، أَنَا رَجُلٌ يَتَعَلَّمُ مِنَ الصِّفْرِ فَحَسْبُ، مِثْلَ أَيِّ أَحَدٍ آخَرَ فِي ذَلِكَ الْمَبْنَى الرَّمَادِيِّ الْهَادِئِ.
نَظَرَ إِلَيْهِ زِيَادٌ نَظْرَةً طَوِيلَةً، فِيهَا شَيْءٌ مِنَ التَّقْدِيرِ:
— هَذَا أَصْدَقُ مَا سَمِعْتُهُ مِنْكَ مُنْذُ أَنِ الْتَقَيْنَا. رُبَّمَا هَذَا بِالضَّبْطِ مَا تَحْتَاجُ أَنْ تَكْتُبَهُ، لَا أَنْ تُخَبِّئَهُ فِي دَفْتَرِكَ فَحَسْبُ.
ابْتَسَمَ هَمَّامٌ ابْتِسَامَةً مُتْعَبَةً، وَلَمْ يُجِبْ. لَكِنَّهُ، حِينَ عَادَ إِلَى غُرْفَتِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، لَمْ يَفْتَحْ دَفْتَرَهُ كَعَادَتِهِ. جَلَسَ فَقَطْ بِجَانِبِ سَلْمَى وَهِيَ تَقْرَأُ لِرَهَفَ فَقْرَةً مِنْ رِسَالَةٍ رَسْمِيَّةٍ وَصَلَتْ عَنْ مَوْعِدِ الْفَحْصِ الطِّبِّيِّ، وَاسْتَمَعَ إِلَى صَوْتَيْهِمَا، دُونَ أَنْ يَشْعُرَ بِالْحَاجَةِ إِلَى أَنْ يَكْتُبَ شَيْئاً عَنْ ذَلِكَ.
قَبْلَ أَنْ يُطْفِئَ النُّورَ، سَأَلَتْهُ سَلْمَى فَجْأَةً، دُونَ مُقَدِّمَاتٍ:
— هَلْ تَظُنُّ أَنَّنَا اتَّخَذْنَا الْقَرَارَ الصَّحِيحَ؟
نَظَرَ إِلَيْهَا هَمَّامٌ فِي الْعَتْمَةِ الْخَفِيفَةِ، مُتَفَاجِئاً مِنَ السُّؤَالِ الَّذِي لَمْ تَطْرَحْهُ مِنْ قَبْلُ بِهَذَا الْوُضُوحِ:
— لَا أَعْرِفُ بَعْدُ. لَكِنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّنَا لَمْ نَعُدْ نَمْلِكُ قَرَاراً آخَرَ نُقَارِنُ بِهِ. هَذَا الْقَرَارُ هُوَ الْوَحِيدُ الَّذِي اتَّخَذْنَاهُ، وَعَلَيْنَا أَنْ نَجْعَلَهُ صَحِيحاً بِأَثَرٍ رَجْعِيٍّ، لَا أَنْ نَحْكُمَ عَلَيْهِ مِنَ الْآنَ.
صَمَتَتْ سَلْمَى قَلِيلاً، ثُمَّ قَالَتْ بِصَوْتٍ أَقْرَبَ إِلَى الْهَمْسِ:
— أَحْيَاناً أَشْعُرُ أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي تُجِيبُ بِهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ تَقْرِيباً: أَنْ نَمْنَحَ الْوَقْتَ فُرْصَةً قَبْلَ أَنْ نَحْكُمَ. أَتَسَاءَلُ أَحْيَاناً إِنْ كُنْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ لِأَنَّكَ حَكِيمٌ فِعْلاً، أَمْ لِأَنَّكَ تَخْشَى أَنْ تَحْكُمَ.
لَمْ يُجِبْ هَمَّامٌ. أَطْفَأَ النُّورَ، وَبَقِيَتِ الْجُمْلَةُ مُعَلَّقَةً بَيْنَهُمَا فِي الْعَتْمَةِ، كَوَاحِدَةٍ مِنْ تِلْكَ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إِجَابَةً فَوْرِيَّةً، بَلْ وَقْتاً طَوِيلاً كَيْ تُخْتَبَرَ فِي الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ الْقَادِمَةِ.
