قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 10

قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ
الفَصْلُ العَاشِرُ
فِي أُولَى جَوَلاتِهِ خَارِجَ مَرْكَزِ الإِيوَاءِ، مَشَى أَبُو أَحْمَدَ وَحِيدًا فِي شَوَارِعِ المَدِينَةِ الأَلْمَانِيَّةِ الهَادِئَةِ، يَبْحَثُ، دُونَ أَنْ يَجْرُؤَ عَلَى الاعْتِرَافِ بِذَلِكَ لِنَفْسِهِ، عَنْ شَيْءٍ يُشْبِهُ مُخَيَّمَ اليَرْمُوكِ: أَزِقَّةً ضَيِّقَةً تَتَنَفَّسُ ضِيقَهَا كَأَلْفَةٍ قَدِيمَةٍ، مَحَالَّ صَغِيرَةً مُتَلاصِقَةً كَأَسْنَانِ فَمٍ وَاحِدٍ، رَائِحَةَ قَهْوَةٍ تَتَسَلَّلُ مِنْ بَيْتِ جَارٍ لِتُوقِظَ فِيهِ ذَاكِرَةً نَائِمَةً، أَصْوَاتَ أَطْفَالٍ يَلْعَبُونَ فِي الشَّارِعِ بِلا خَوْفٍ مِنْ سَيَّارَةٍ عَابِرَةٍ.
لَمْ يَجِدْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، بِالطَّبْعِ. الشَّوَارِعُ هُنَا فَسِيحَةٌ مُرَتَّبَةٌ كَجُمَلٍ لا تَعْرِفُ الفَوْضَى، وَالبُيُوتُ مُتَبَاعِدَةٌ تَفْصِلُ بَيْنَهَا حَدَائِقُ صَغِيرَةٌ كَفَوَاصِلَ بَيْنَ سُطُورٍ، وَالصَّمْتُ يُخَيِّمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ بِطَرِيقَةٍ لَمْ يَعْتَدْهَا رَجُلٌ نَشَأَ فِي أَكْثَرِ أَحْيَاءِ دِمَشْقَ ازْدِحَامًا وَحَيَوِيَّةً.
تَوَقَّفَ عِنْدَ زَاوِيَةِ شَارِعٍ، يُحَدِّقُ فِي وَاجِهَةِ مَتْجَرٍ صَغِيرٍ يَبِيعُ الخُبْزَ الأَلْمَانِيَّ، فَتَسَلَّلَتْ إِلَى ذِهْنِهِ صُورَةُ فُرْنِ الحَاجِّ أَبِي مَحْمُودٍ فِي مُخَيَّمِ اليَرْمُوكِ، ذَلِكَ الفُرْنِ الَّذِي كَانَ يَفْتَحُ أَبْوَابَهُ قَبْلَ الفَجْرِ، فَتَتَجَمَّعُ أَمَامَهُ طَوَابِيرُ طَوِيلَةٌ مِنَ الجِيرَانِ يَتَبَادَلُونَ أَخْبَارَ الحَيِّ وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ دَوْرَهُمْ. لَمْ يَكُنْ يُدْرِكُ، وَهُوَ يَقِفُ هُنَاكَ صَغِيرًا بَيْنَ ذِرَاعَيْ وَالِدِهِ، أَنَّ هَذَا المَشْهَدَ البَسِيطَ سَيُصْبِحُ يَوْمًا ذِكْرَى يَبْحَثُ عَنْ ظِلِّهَا فِي مَدِينَةٍ بَعِيدَةٍ تَمَامًا عَنْ كُلِّ مَا عَرَفَهُ.
عَادَ إِلَى الغُرْفَةِ فِي المَسَاءِ، فَوَجَدَ زَوْجَتَهُ أُمَّ أَحْمَدَ تُعِدُّ العَشَاءَ عَلَى مَوْقِدٍ صَغِيرٍ، فَسَأَلَتْهُ:
— كَيْفَ كَانَتْ جَوْلَتُكَ؟
أَجَابَ بِصَوْتٍ يَحْمِلُ خَيْبَةً لَمْ يُخْفِهَا:
— بَحَثْتُ عَنْ شَيْءٍ يُشْبِهُ المُخَيَّمَ، وَلَوْ مِنْ بَعِيدٍ. لَمْ أَجِدْ شَيْئًا.
تَوَقَّفَتْ أُمُّ أَحْمَدَ عَنِ الطَّهْوِ، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ بِتَفَهُّمٍ عَمِيقٍ:
— وَهَلْ تَوَقَّعْتَ أَنْ تَجِدَ شَيْئًا يُشْبِهُهُ هُنَا، فِي أُورُبَّا؟
جَلَسَ أَبُو أَحْمَدَ عَلَى الكُرْسِيِّ الوَحِيدِ فِي الغُرْفَةِ، وَقَالَ بِصَوْتٍ مُتْعَبٍ:
— لا أَعْرِفُ مَاذَا كُنْتُ أَتَوَقَّعُ بِصَرَاحَةٍ. لَكِنَّنِي أَدْرَكْتُ اليَوْمَ شَيْئًا مُؤْلِمًا: أَنَا الآنَ أَبْحَثُ عَنْ مُخَيَّمِ اليَرْمُوكِ فِي أَلْمَانْيَا، تَمَامًا كَمَا كُنْتُ، وَأَنَا فِي المُخَيَّمِ نَفْسِهِ، أَحْلُمُ بِفِلَسْطِينَ الَّتِي لَمْ أَرَهَا يَوْمًا بِعَيْنَيَّ.
• • •
كَانَتْ قِصَّةُ أَبِي أَحْمَدَ أَعْقَدَ مِنْ قِصَصِ مُعْظَمِ جِيرَانِهِ فِي مَرْكَزِ الإِيوَاءِ. وُلِدَ فِي مُخَيَّمِ اليَرْمُوكِ بِدِمَشْقَ، لِعَائِلَةٍ فِلَسْطِينِيَّةٍ هُجِّرَتْ مِنْ قَرْيَةٍ قُرْبَ حَيْفَا عَامَ النَّكْبَةِ، وَتَرَعْرَعَ فِي المُخَيَّمِ يَسْمَعُ مِنْ جَدِّهِ، ثُمَّ مِنْ وَالِدِهِ، حِكَايَاتٍ عَنْ بَيْتٍ وَأَرْضٍ وَشَجَرَةِ زَيْتُونٍ لَمْ يَرَ مِنْهَا شَيْئًا بِعَيْنَيْهِ المُجَرَّدَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ وَاقِعِيَّةً فِي مُخَيِّلَتِهِ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّا رَآهُ فِعْلًا.
حِينَ اشْتَعَلَتِ الحَرْبُ السُّورِيَّةُ، وَتَحَوَّلَ المُخَيَّمُ نَفْسُهُ إِلَى سَاحَةِ قِتَالٍ وَدَمَارٍ، وَجَدَ أَبُو أَحْمَدَ نَفْسَهُ يَهْرُبُ لِلْمَرَّةِ الأُولَى فِي حَيَاتِهِ، لَكِنْ هَذِهِ المَرَّةَ مِنْ مَكَانٍ لَمْ يَكُنْ وَطَنَهُ الأَصْلِيَّ أَصْلًا، بَلْ كَانَ مُخَيَّمًا لِلاجِئِينَ احْتَضَنَ أَجْدَادَهُ بَعْدَ لُجُوئِهِمِ الأَوَّلِ. شَعَرَ حِينَئِذٍ، لِلْمَرَّةِ الأُولَى بِوُضُوحٍ، أَنَّهُ يَحْمِلُ لُجُوءًا مُضَاعَفًا: لُجُوءَ أَجْدَادِهِ مِنْ فِلَسْطِينَ، وَلُجُوءَهُ هُوَ مِنْ سُورْيَا.
تَذَكَّرَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الأَخِيرَةِ فِي المُخَيَّمِ، قَبْلَ أَنْ يَحْسِمَ أَمْرَ الهُرُوبِ نِهَائِيًّا، أَنَّهُ فَتَحَ صُنْدُوقًا خَشَبِيًّا قَدِيمًا كَانَ جَدُّهُ يَحْتَفِظُ فِيهِ بِمِفْتَاحِ بَيْتِهِ فِي فِلَسْطِينَ، ذَلِكَ المِفْتَاحِ الَّذِي تَوَارَثَتْهُ العَائِلَةُ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، رَمْزًا لِحَقِّ العَوْدَةِ الَّذِي لَمْ يَتَحَقَّقْ يَوْمًا. حَمَلَ أَبُو أَحْمَدَ ذَلِكَ المِفْتَاحَ مَعَهُ فِي رِحْلَتِهِ إِلَى أَلْمَانْيَا، وَإِنْ كَانَ لا يَعْرِفُ بِالضَّبْطِ أَيَّ بَابٍ يَفْتَحُهُ، وَلا حَتَّى إِنْ كَانَ البَيْتُ نَفْسُهُ لا يَزَالُ قَائِمًا بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ العُقُودِ.
قَالَ لِزَوْجَتِهِ، وَهُوَ يُخْرِجُ المِفْتَاحَ مِنْ حَقِيبَتِهِ فِي إِحْدَى اللَّيَالِي، يُحَدِّقُ فِيهِ بِصَمْتٍ طَوِيلٍ:
— هَذَا كُلُّ مَا تَبَقَّى لِي مِنْ فِلَسْطِينَ، يَا أُمَّ أَحْمَدَ. مِفْتَاحٌ لِبَيْتٍ لَمْ أَدْخُلْهُ يَوْمًا، وَلا أَعْرِفُ حَتَّى إِنْ كَانَ لا يَزَالُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُفْتَحَ.
قَالَتْ أُمُّ أَحْمَدَ، وَهِيَ تَلْمِسُ المِفْتَاحَ بِحَنَانٍ:
— يَبْقَى المِفْتَاحُ رَمْزًا يَا أَبَا أَحْمَدَ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَفْتَحْ بَابًا حَقِيقِيًّا بَعْدَ الآنَ. سَيَرِثُهُ أَحْمَدُ مِنْ بَعْدِكَ، وَيَعْرِفُ أَنَّ جُذُورَهُ تَمْتَدُّ إِلَى أَرْضٍ لَمْ يَرَهَا أَحَدٌ مِنَّا، لَكِنَّهَا تَبْقَى جُزْءًا مِنْ حِكَايَتِنَا.
• • •
فِي أَحَدِ الأَيَّامِ، جَلَسَ مَعَ هَمَّامٍ فِي حَدِيقَةِ مَرْكَزِ الإِيوَاءِ، بَعْدَ أَنْ تَعَارَفَا فِي أَحَدِ اللِّقَاءَاتِ الأُسْبُوعِيَّةِ، وَشَرَعَ يَرْوِي لَهُ تَفَاصِيلَ هَذِهِ القِصَّةِ المُزْدَوِجَةِ.
قَالَ أَبُو أَحْمَدَ:
— أَتَعْرِفُ يَا أُسْتَاذَ هَمَّامٍ، حِينَ كُنْتُ طِفْلًا، كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ كُلَّ فِلَسْطِينِيٍّ سَيَعُودُ يَوْمًا مَا إِلَى فِلَسْطِينَ. كَانَتْ هَذِهِ الفِكْرَةُ رَاسِخَةً فِي كُلِّ بَيْتٍ فِي المُخَيَّمِ، فِي كُلِّ حَدِيثٍ، فِي كُلِّ أُغْنِيَةٍ كُنَّا نَسْمَعُهَا. لَمْ أَتَخَيَّلْ يَوْمًا أَنَّنِي سَأَهْرُبُ مِنْ مُخَيَّمِي إِلَى بَلَدٍ لا عَلاقَةَ لَهُ بِفِلَسْطِينَ وَلا بِسُورْيَا عَلَى الإِطْلاقِ.
أَصْغَى هَمَّامٌ بِانْتِبَاهٍ عَمِيقٍ، ثُمَّ سَأَلَ:
— وَكَيْفَ تَشْعُرُ الآنَ حِيَالَ فِكْرَةِ العَوْدَةِ؟
ضَحِكَ أَبُو أَحْمَدَ ضَحْكَةً مَرِيرَةً:
— أَيَّ عَوْدَةٍ؟ إِلَى فِلَسْطِينَ الَّتِي لَمْ أَطَأْهَا يَوْمًا؟ أَمْ إِلَى مُخَيَّمِ اليَرْمُوكِ الَّذِي دُمِّرَ أَغْلَبُهُ؟ أَشْعُرُ أَحْيَانًا أَنَّنِي رَجُلٌ بِلا نُقْطَةِ عَوْدَةٍ وَاضِحَةٍ، بِخِلافِ أَغْلَبِ مَنْ حَوْلِي هُنَا، الَّذِينَ يَحْلُمُونَ عَلَى الأَقَلِّ بِالعَوْدَةِ إِلَى بَيْتٍ حَقِيقِيٍّ عَرَفُوهُ يَوْمًا بِأَعْيُنِهِمْ.
قَالَ هَمَّامٌ بِتَعَاطُفٍ صَادِقٍ:
— رُبَّمَا هَذَا هُوَ الفَرْقُ الحَقِيقِيُّ بَيْنَ لُجُوئِكَ وَلُجُوئِنَا نَحْنُ السُّورِيِّينَ الآخَرِينَ. نَحْنُ نَحْمِلُ حَنِينًا لِمَكَانٍ وَاحِدٍ فَقَدْنَاهُ. أَنْتَ تَحْمِلُ حَنِينًا مُضَاعَفًا: لِمَكَانٍ لَمْ تَعْرِفْهُ قَطُّ، وَلِمَكَانٍ عَرَفْتَهُ وَفَقَدْتَهُ أَيْضًا.
صَمَتَ أَبُو أَحْمَدَ قَلِيلًا، ثُمَّ أَضَافَ بِصَوْتٍ أَكْثَرَ انْكِسَارًا:
— وَهُنَاكَ شَيْءٌ آخَرُ يَا أُسْتَاذَ هَمَّامٍ، رُبَّمَا لا يَفْهَمُهُ مَنْ لَمْ يَعِشْهُ: أَنَا لا أَحْمِلُ جِنْسِيَّةً حَقِيقِيَّةً حَتَّى الآنَ. لَمْ أَكُنْ يَوْمًا مُوَاطِنًا سُورِيًّا كَامِلًا رَغْمَ أَنَّنِي وُلِدْتُ وَنَشَأْتُ هُنَاكَ، وَبِالطَّبْعِ لَسْتُ مُوَاطِنًا فِلَسْطِينِيًّا بِمَعْنَى الدَّوْلَةِ، لِأَنَّ هَذِهِ الدَّوْلَةَ لَمْ تُقَمْ بَعْدُ. أَنَا، بِمَعْنًى مَا، رَجُلٌ بِلا جِنْسِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ مُنْذُ وِلادَتِي، حَتَّى قَبْلَ أَنْ أَهْرُبَ مِنْ أَيِّ مَكَانٍ.
شَعَرَ هَمَّامٌ بِثِقَلِ هَذِهِ الكَلِمَاتِ، فَقَالَ بِصِدْقٍ:
— لَمْ أُفَكِّرْ فِي هَذَا الجَانِبِ مِنْ قِصَّتِكَ مِنْ قَبْلُ. أَشْعُرُ أَنَّ مُعَانَاتِي، رَغْمَ صُعُوبَتِهَا، أَبْسَطُ مِنْ مُعَانَاتِكَ بِكَثِيرٍ. أَنَا فَقَدْتُ وَطَنًا كَانَ لِي فِعْلًا، وَأَحْمِلُ جَوَازَ سَفَرٍ يُثْبِتُ ذَلِكَ عَلَى الأَقَلِّ. أَنْتَ تَحْمِلُ فِقْدَانًا أَعْمَقَ، فِقْدَانًا لَمْ يَبْدَأْ مَعَكَ أَصْلًا، بَلْ وَرِثْتَهُ عَنْ أَجْدَادِكَ مُنْذُ عُقُودٍ.
قَالَ أَبُو أَحْمَدَ، بِابْتِسَامَةٍ حَزِينَةٍ:
— رُبَّمَا هَذَا مَا يَجْعَلُنِي أَقَلَّ تَعَلُّقًا بِفِكْرَةِ «العَوْدَةِ» مِنْ كَثِيرِينَ حَوْلِي هُنَا. أَنَا تَعَلَّمْتُ مُنْذُ الطُّفُولَةِ أَنْ أَعِيشَ حَيَاتِي فِي مَكَانٍ لَيْسَ بَيْتِي الأَصْلِيَّ، وَأَنْ أَتَأَقْلَمَ رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ. رُبَّمَا هَذِهِ المَهَارَةُ، رَغْمَ قَسْوَةِ الطَّرِيقِ الَّتِي عَلَّمَتْنِي إِيَّاهَا، سَتُسَاعِدُنِي عَلَى التَّأَقْلُمِ هُنَا فِي أَلْمَانْيَا أَسْرَعَ مِمَّا تَتَوَقَّعُ.
نَظَرَ إِلَيْهِ هَمَّامٌ بِإِعْجَابٍ حَقِيقِيٍّ:
— أَظُنُّ أَنَّكَ مُحِقٌّ. ثَمَّةَ قُوَّةٌ غَرِيبَةٌ فِي مَنِ اعْتَادَ أَنْ يَبْنِيَ بَيْتًا مِنْ لا شَيْءٍ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِهِ.
• • •
فِي المَسَاءِ، وَبَيْنَمَا كَانَتِ العَائِلَةُ تَتَنَاوَلُ العَشَاءَ، طَرَحَ ابْنُهُمَا الأَكْبَرُ، أَحْمَدُ، الَّذِي سُمِّيَ المُخَيَّمُ بِاسْمِهِ فِي تَقْلِيدٍ شَائِعٍ بَيْنَ عَائِلاتٍ فِلَسْطِينِيَّةٍ كَثِيرَةٍ (أَبُو أَحْمَدَ وَأُمُّ أَحْمَدَ نِسْبَةً لابْنِهِمَا البِكْرِ أَحْمَدَ)، سُؤَالًا لَمْ يَخْطُرْ لَهُمَا مِنْ قَبْلُ أَنَّهُ يَشْغَلُ تَفْكِيرَهُ:
— أَبِي، حِينَ يَسْأَلُنِي أَحَدٌ هُنَا مِنْ أَيْنَ أَنَا، مَاذَا أَقُولُ؟ سُورِيٌّ؟ فِلَسْطِينِيٌّ؟ كِلاهُمَا؟
تَبَادَلَ أَبُو أَحْمَدَ وَأُمُّ أَحْمَدَ نَظْرَةً صَامِتَةً، ثُمَّ قَالَ أَبُو أَحْمَدَ بِتَرَدُّدٍ وَاضِحٍ:
— قُلِ الحَقِيقَةَ كَامِلَةً: أَنْتَ فِلَسْطِينِيُّ الأَصْلِ، سُورِيُّ المَوْلِدِ وَالنَّشْأَةِ، تَحْمِلُ الهُوِيَّتَيْنِ مَعًا دُونَ تَنَاقُضٍ.
قَالَ أَحْمَدُ، بِصِدْقِ المُرَاهِقِينَ المُبَاشِرِ:
— لَكِنَّ هَذَا مُعَقَّدٌ جِدًّا لِأَشْرَحَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ. أَغْلَبُ مَنْ يَسْأَلُنِي يُرِيدُونَ كَلِمَةً وَاحِدَةً بَسِيطَةً: سُورِيٌّ أَوْ فِلَسْطِينِيٌّ، لا الاثْنَيْنِ مَعًا.
قَالَتْ أُمُّ أَحْمَدَ بِحَنَانٍ:
— يَا بُنَيَّ، أَحْيَانًا الحَقِيقَةُ نَفْسُهَا مُعَقَّدَةٌ، وَلا يَعْنِي هَذَا أَنَّنَا يَجِبُ أَنْ نُبَسِّطَهَا بِشَكْلٍ يَخُونُ جُزْءًا مِنْهَا. يُمْكِنُكَ أَنْ تَقُولَ: أَنَا مِنْ أَصْلٍ فِلَسْطِينِيٍّ، لَكِنَّنِي وُلِدْتُ وَتَرَعْرَعْتُ فِي سُورْيَا، وَهَذَا جُزْءٌ أَصِيلٌ مِنْ هُوِيَّتِي أَيْضًا.
أَضَافَ أَبُو أَحْمَدَ، بِنَبْرَةٍ تَحْمِلُ شَيْئًا مِنَ الفَخْرِ رَغْمَ كُلِّ هَذَا التَّعْقِيدِ:
— اعْلَمْ يَا أَحْمَدُ أَنَّ هَذَا التَّعْقِيدَ الَّذِي تَشْعُرُ بِهِ عِبْءٌ ثَقِيلٌ أَحْيَانًا، نَعَمْ، لَكِنَّهُ أَيْضًا مِيرَاثٌ غَنِيٌّ. أَنْتَ تَحْمِلُ قِصَّتَيْنِ، لا قِصَّةً وَاحِدَةً، وَهَذَا يَمْنَحُكَ فَهْمًا لِلْعَالَمِ قَلَّ أَنْ يَمْتَلِكَهُ مَنْ يَحْمِلُ هُوِيَّةً وَاحِدَةً بَسِيطَةً.
فَكَّرَ أَحْمَدُ فِي كَلامِ وَالِدِهِ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ بِصِدْقٍ:
— رُبَّمَا أَنْتَ مُحِقٌّ. سَأُحَاوِلُ أَنْ أَشْرَحَ الأَمْرَ بِفَخْرٍ بَدَلًا مِنْ أَنْ أَشْعُرَ بِالحَرَجِ مِنْهُ فِي المَرَّةِ القَادِمَةِ.
• • •
بَعْدَ أَسَابِيعَ، وَأَثْنَاءَ زِيَارَةٍ عَابِرَةٍ لِمَدِينَةٍ أُخْرَى لِحُضُورِ مُنَاسَبَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ، عَلِمَ أَبُو أَحْمَدَ أَنَّ ثَمَّةَ مُخَيَّمًا فِلَسْطِينِيًّا قَدِيمًا قُرْبَ تِلْكَ المَدِينَةِ، أُنْشِئَ مُنْذُ عُقُودٍ لِفِلَسْطِينِيِّينَ اسْتَقَرُّوا فِي أَلْمَانْيَا قَبْلَ مَوْجَةِ اللُّجُوءِ السُّورِيِّ الحَالِيَّةِ. قَرَّرَ أَنْ يَزُورَهُ، بِدَافِعِ فُضُولٍ يُخَالِطُهُ أَمَلٌ غَرِيبٌ.
وَصَلَ إِلَى المَكَانِ، فَوَجَدَ حَيًّا سَكَنِيًّا عَادِيًّا، لا يُشْبِهُ أَيَّ مُخَيَّمٍ عَرَفَهُ مِنْ قَبْلُ: بُيُوتٌ مُرَتَّبَةٌ، شَوَارِعُ مُعَبَّدَةٌ، وَلافِتَاتٌ بِاللُّغَتَيْنِ العَرَبِيَّةِ وَالأَلْمَانِيَّةِ عَلَى بَعْضِ المَحَالِّ الصَّغِيرَةِ. الْتَقَى بِرَجُلٍ مُسِنٍّ، فِلَسْطِينِيِّ الأَصْلِ، يَجْلِسُ أَمَامَ مَحَلٍّ صَغِيرٍ يَبِيعُ فِيهِ مَأْكُولاتٍ شَرْقِيَّةً.
سَأَلَهُ أَبُو أَحْمَدَ، بَعْدَ أَنْ تَعَارَفَا:
— هَلْ يُسَمَّى هَذَا مُخَيَّمًا فِعْلًا؟
ضَحِكَ الرَّجُلُ المُسِنُّ ضَحْكَةً عَمِيقَةً:
— كَانَ يُسَمَّى كَذَلِكَ قَبْلَ أَرْبَعِينَ عَامًا، حِينَ اسْتَقَرَّ هُنَا أَوَّلُ اللاجِئِينَ الفِلَسْطِينِيِّينَ. أَمَّا الآنَ، فَهُوَ مُجَرَّدُ حَيٍّ سَكَنِيٍّ عَادِيٍّ، انْدَمَجَ تَمَامًا مَعَ المَدِينَةِ مِنْ حَوْلِهِ. لَمْ يَتَبَقَّ مِنِ اسْمِ «المُخَيَّمِ» سِوَى الذَّاكِرَةِ وَالاسْمِ القَدِيمِ الَّذِي بَقِيَ عَالِقًا فِي أَذْهَانِنَا نَحْنُ الكِبَارَ وَحْدَنَا.
جَلَسَ أَبُو أَحْمَدَ مَعَ الرَّجُلِ المُسِنِّ، الَّذِي قَدَّمَ نَفْسَهُ بِاسْمِ أَبِي نِضَالٍ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَرْوِيَ لَهُ كَيْفَ كَانَتِ الحَيَاةُ فِي تِلْكَ السَّنَوَاتِ الأُولَى.
قَالَ أَبُو نِضَالٍ، وَهُوَ يَصُبُّ الشَّايَ لِضَيْفِهِ الجَدِيدِ:
— حِينَ وَصَلْنَا هُنَا فِي السَّبْعِينِيَّاتِ، كُنَّا حَفْنَةَ عَائِلاتٍ فَقَطْ، نَتَجَمَّعُ كُلَّ مَسَاءٍ نَتَحَدَّثُ عَنْ فِلَسْطِينَ كَأَنَّنَا سَنَعُودُ إِلَيْهَا غَدًا. بَنَيْنَا مَسْجِدًا صَغِيرًا، وَمَرْكَزًا ثَقَافِيًّا، وَحَاوَلْنَا أَنْ نُحَافِظَ عَلَى كُلِّ تَفْصِيلٍ: اللَّهْجَةِ، الأَكَلاتِ، الأَغَانِي. لَكِنَّ الأَبْنَاءَ كَبِرُوا، وَتَزَوَّجُوا مِنْ أَلْمَانٍ وَمِنْ جِنْسِيَّاتٍ أُخْرَى، وَتَبَدَّلَتِ الأَوْلَوِيَّاتُ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ.
سَأَلَهُ أَبُو أَحْمَدَ:
— أَلا يُحْزِنُكَ هَذَا؟
فَكَّرَ أَبُو نِضَالٍ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ بِصِدْقٍ:
— حَزِنْتُ كَثِيرًا فِي البِدَايَةِ، نَعَمْ. شَعَرْتُ أَنَّ كُلَّ مَا حَافَظْنَا عَلَيْهِ بِصُعُوبَةٍ بَالِغَةٍ يَتَلاشَى أَمَامَ عَيْنَيَّ دُونَ أَنْ أَسْتَطِيعَ فِعْلَ شَيْءٍ. لَكِنْ مَعَ الوَقْتِ، فَهِمْتُ أَنَّ الحِفَاظَ الحَقِيقِيَّ عَلَى الهُوِيَّةِ لَيْسَ فِي تَجْمِيدِ كُلِّ تَفْصِيلٍ كَمَا كَانَ، بَلْ فِي نَقْلِ جَوْهَرِهَا: الحِكَايَةِ، وَالقِيمَةِ، وَالانْتِمَاءِ العَاطِفِيِّ، حَتَّى لَوْ تَغَيَّرَ الشَّكْلُ الخَارِجِيُّ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ.
شَعَرَ أَبُو أَحْمَدَ بِخَيْبَةِ أَمَلٍ غَرِيبَةٍ، مَمْزُوجَةٍ بِشَيْءٍ مِنَ الفَهْمِ العَمِيقِ:
— إِذَنْ حَتَّى المُخَيَّمَاتُ، حِينَ تَسْتَقِرُّ لِعُقُودٍ طَوِيلَةٍ، تَفْقِدُ شَكْلَهَا الأَصْلِيَّ وَتَتَحَوَّلُ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ تَمَامًا؟
قَالَ الرَّجُلُ المُسِنُّ بِحِكْمَةٍ:
— كُلُّ شَيْءٍ يَتَغَيَّرُ يَا ابْنِي، حَتَّى الذَّاكِرَةُ نَفْسُهَا. أَبْنَائِي وَأَحْفَادِي هُنَا لا يَعْرِفُونَ شَيْئًا عَنْ فِلَسْطِينَ إِلا مِمَّا أَرْوِيهِ لَهُمْ، وَلا يَعْرِفُونَ شَيْئًا عَنِ اليَرْمُوكِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ المُخَيَّمَاتِ السُّورِيَّةِ إِلا مِنَ الأَخْبَارِ. هُمْ أَلْمَانٌ فِلَسْطِينِيُّو الأَصْلِ، هَذِهِ هُوِيَّتُهُمُ الحَقِيقِيَّةُ اليَوْمَ، سَوَاءٌ أَعْجَبَتْنَا نَحْنُ الكِبَارَ هَذِهِ الحَقِيقَةُ أَمْ لَمْ تُعْجِبْنَا.
سَأَلَهُ أَبُو أَحْمَدَ سُؤَالًا كَانَ يَشْغَلُهُ مُنْذُ بِدَايَةِ اللِّقَاءِ:
— وَهَلْ لا يَزَالُ أَحْفَادُكَ يَحْمِلُونَ المِفْتَاحَ؟ مِفْتَاحَ البَيْتِ القَدِيمِ فِي فِلَسْطِينَ؟
ابْتَسَمَ أَبُو نِضَالٍ ابْتِسَامَةً حَزِينَةً وَفَخُورَةً فِي آنٍ وَاحِدٍ:
— نَعَمْ، لا يَزَالُ المِفْتَاحُ مُعَلَّقًا فِي بَيْتِي، وَسَأُوَرِّثُهُ لابْنِي الأَكْبَرِ حِينَ أَرْحَلُ. لَنْ يَفْتَحَ بَابًا حَقِيقِيًّا بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ العُقُودِ عَلَى الأَرْجَحِ، لَكِنَّهُ سَيَبْقَى رَمْزًا يُذَكِّرُ أَحْفَادِي بِأَنَّ جُذُورَهُمْ تَمْتَدُّ إِلَى أَرْضٍ بَعِيدَةٍ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَطَأُوهَا يَوْمًا بِأَقْدَامِهِمْ.
• • •
عَادَ أَبُو أَحْمَدَ إِلَى مَرْكَزِ الإِيوَاءِ بَعْدَ تِلْكَ الزِّيَارَةِ، وَجَلَسَ مَعَ زَوْجَتِهِ يَرْوِي لَهَا مَا رَآهُ وَسَمِعَهُ.
قَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ، مُغَايِرٍ لِنَبْرَتِهِ المُعْتَادَةِ:
— أَظُنُّ أَنَّنِي كُنْتُ أَبْحَثُ عَنِ الشَّيْءِ الخَطَأِ طَوَالَ هَذَا الوَقْتِ، يَا أُمَّ أَحْمَدَ. كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْ مَكَانٍ يُشْبِهُ اليَرْمُوكَ، بَيْنَمَا كَانَ عَلَيَّ أَنْ أَبْحَثَ عَنْ طَرِيقَةٍ أَحْمِلُ بِهَا اليَرْمُوكَ وَفِلَسْطِينَ مَعًا، أَيْنَمَا ذَهَبْتُ، دُونَ أَنْ أَحْتَاجَ إِلَى مَكَانٍ خَارِجِيٍّ يُشْبِهُهُمَا لِيُؤَكِّدَ لِي أَنَّنِي مَا زِلْتُ أَنَا.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ أُمُّ أَحْمَدَ بِابْتِسَامَةٍ حَانِيَةٍ:
— وَكَيْفَ تَفْعَلُ ذَلِكَ؟
فَكَّرَ أَبُو أَحْمَدَ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَ:
— أَظُنُّ أَنَّنِي سَأَبْدَأُ بِكِتَابَةِ كُلِّ مَا أَتَذَكَّرُهُ: عَنْ جَدِّي، عَنْ حِكَايَاتِهِ عَنْ حَيْفَا، عَنْ طُفُولَتِي فِي المُخَيَّمِ، عَنْ كُلِّ شَيْءٍ. سَأَكْتُبُهُ لِأَحْمَدَ وَإِخْوَتِهِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَبْقَ مَكَانٌ فِعْلِيٌّ يُذَكِّرُهُمْ بِكُلِّ هَذَا، يَبْقَى الكَلامُ المَكْتُوبُ شَاهِدًا لا يَزُولُ.
ابْتَسَمَتْ أُمُّ أَحْمَدَ، وَقَالَتْ:
— هَذِهِ أَجْمَلُ فِكْرَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْكَ مُنْذُ وُصُولِنَا إِلَى هُنَا. ابْدَأْ اللَّيْلَةَ إِنِ اسْتَطَعْتَ، فَالذَّاكِرَةُ، مَهْمَا بَدَتْ رَاسِخَةً، تَبْدَأُ بِالتَّلاشِي إِنْ لَمْ تُكْتَبْ.
• • •
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، أَخْرَجَ أَبُو أَحْمَدَ دَفْتَرًا صَغِيرًا اشْتَرَاهُ مِنْ مَحَلٍّ قَرِيبٍ، وَوَضَعَ أَمَامَهُ المِفْتَاحَ القَدِيمَ عَلَى الطَّاوِلَةِ، وَشَرَعَ يَكْتُبُ بِخَطِّ يَدِهِ المُرْتَجِفِ قَلِيلًا مِنَ الانْفِعَالِ:
«لِأَحْمَدَ وَلِإِخْوَتِهِ، حِينَ يَكْبَرُونَ: هَذَا مِفْتَاحُ بَيْتِ جَدِّكُمْ فِي قَرْيَةٍ قُرْبَ حَيْفَا، لَمْ أَدْخُلْهُ يَوْمًا، وَلا حَتَّى جَدُّكُمْ رَآهُ إِلا فِي ذَاكِرَتِهِ الطُّفُولِيَّةِ القَصِيرَةِ قَبْلَ النَّكْبَةِ. حَمَلَتْهُ أَجْيَالٌ ثَلاثَةٌ، مِنْ فِلَسْطِينَ إِلَى مُخَيَّمِ اليَرْمُوكِ فِي دِمَشْقَ، وَمِنَ اليَرْمُوكِ إِلَى هُنَا، إِلَى أَلْمَانْيَا، حَيْثُ تَكْتُبُونَ أَنْتُمُ الآنَ فَصْلًا جَدِيدًا مِنْ هَذِهِ الحِكَايَةِ الطَّوِيلَةِ.»
تَوَقَّفَ عَنِ الكِتَابَةِ لِلَحْظَةٍ، وَحَدَّقَ فِي المِفْتَاحِ الَّذِي صَدِئَ قَلِيلًا بِفِعْلِ السِّنِينَ، ثُمَّ تَابَعَ:
«لا أَعْرِفُ إِنْ كُنْتُمْ سَتَعُودُونَ يَوْمًا إِلَى تِلْكَ الأَرْضِ، وَلا أَعْرِفُ حَتَّى إِنْ كَانَ البَيْتُ نَفْسُهُ لا يَزَالُ قَائِمًا. لَكِنَّنِي أَعْرِفُ شَيْئًا وَاحِدًا بِيَقِينٍ: أَنْتُمْ تَحْمِلُونَ فِي دِمَائِكُمْ قِصَّةَ أَرْضٍ وَقِصَّةَ مُخَيَّمٍ وَمَنْفًى مُضَاعَفٍ، وَهَذِهِ القِصَّةُ، مَهْمَا تَغَيَّرَتْ أَشْكَالُ حَيَاتِكُمْ، تَسْتَحِقُّ أَنْ تُرْوَى وَلا تُنْسَى.»
كَتَبَ حَتَّى سَاعَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، يَسْتَعِيدُ تَفَاصِيلَ نَسِيَ أَنَّهُ يَحْمِلُهَا: صَوْتَ جَدِّهِ وَهُوَ يَصِفُ شَجَرَةَ الزَّيْتُونِ الَّتِي غَرَسَهَا وَالِدُهُ بِيَدِهِ، رَائِحَةَ الخُبْزِ فِي فُرْنِ الحَاجِّ أَبِي مَحْمُودٍ، أَصْوَاتَ الأَطْفَالِ يَلْعَبُونَ فِي أَزِقَّةِ المُخَيَّمِ قَبْلَ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى رُكَامٍ.
فِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي، وَجَدَتْهُ أُمُّ أَحْمَدَ نَائِمًا عَلَى الطَّاوِلَةِ، وَالدَّفْتَرُ مَفْتُوحٌ أَمَامَهُ عَلَى صَفَحَاتٍ امْتَلَأَتْ بِخَطِّ يَدِهِ. ابْتَسَمَتْ، وَغَطَّتْهُ بِبَطَّانِيَّةٍ خَفِيفَةٍ، وَتَرَكَتْهُ يَنَامُ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ تُوقِظَهُ لِمَوْعِدِ دَوْرَةِ اللُّغَةِ.
حِينَ اسْتَيْقَظَ، وَجَدَ بِجَانِبِهِ كُوبَ شَايٍ سَاخِنًا، وَقُصَاصَةَ وَرَقٍ صَغِيرَةً كَتَبَتْ عَلَيْهَا أُمُّ أَحْمَدَ: «وَاصِلِ الكِتَابَةَ، يَا أَبَا أَحْمَدَ. هَذَا أَهَمُّ عَمَلٍ سَتَقُومُ بِهِ هُنَا، حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَاتِبٌ أَوْ شَهَادَةُ مُعَادَلَةٍ.»
ابْتَسَمَ أَبُو أَحْمَدَ، وَشَعَرَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ وُصُولِهِ إِلَى أَلْمَانْيَا أَنَّهُ وَجَدَ أَخِيرًا شَيْئًا لا يَحْتَاجُ إِلَى مَكَانٍ خَارِجِيٍّ لِيُثْبِتَ لَهُ أَنَّهُ مَا زَالَ نَفْسَهُ: قِصَّةً يَحْمِلُهَا فِي دَاخِلِهِ، وَيَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْنَحَهَا لِأَبْنَائِهِ، أَيْنَمَا كَانُوا، وَأَيًّا كَانَ الشَّكْلُ الَّذِي سَتَتَّخِذُهُ حَيَاتُهُمْ فِي هَذِهِ الأَرْضِ الجَدِيدَةِ.
فِي الأَيَّامِ التَّالِيَةِ، أَصْبَحَتِ الكِتَابَةُ المَسَائِيَّةُ عَادَةً ثَابِتَةً لِأَبِي أَحْمَدَ، يُخَصِّصُ لَهَا سَاعَةً كُلَّ لَيْلَةٍ بَعْدَ أَنْ يَنَامَ الأَطْفَالُ. بَدَأَ أَحْمَدُ، فُضُولِيًّا، يَقْرَأُ بَعْضَ الصَّفَحَاتِ الَّتِي تَرَكَهَا وَالِدُهُ مَفْتُوحَةً عَلَى الطَّاوِلَةِ، وَفِي أَحَدِ الأَيَّامِ سَأَلَهُ:
— أَبِي، هَلْ يُمْكِنُ أَنْ تَقْرَأَ لِي بِصَوْتٍ عَالٍ مَا كَتَبْتَهُ عَنْ جَدِّي؟
ابْتَسَمَ أَبُو أَحْمَدَ، وَجَلَسَ بِجَانِبِ ابْنِهِ، وَشَرَعَ يَقْرَأُ لَهُ بِصَوْتٍ هَادِئٍ قِصَّةَ شَجَرَةِ الزَّيْتُونِ الَّتِي لَمْ يَرَهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ، لَكِنَّهَا بَدَأَتْ، بِبُطْءٍ، تَنْمُو مِنْ جَدِيدٍ، لا فِي تُرْبَةِ فِلَسْطِينَ البَعِيدَةِ، بَلْ فِي ذَاكِرَةٍ مَكْتُوبَةٍ سَتَنْتَقِلُ مِنْ جِيلٍ إِلَى جِيلٍ، أَيْنَمَا اسْتَقَرَّ بِهِمُ التَّرْحَالُ.


قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 11


قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 09