قلوب بين رحيلين
الفَصْلُ الثَّانِي عَشَرَ
حِينَ شَعَرَتْ سَلْمَى بِأَلَمٍ مُسْتَمِرٍّ فِي أَسْفَلِ ظَهْرِهَا مُنْذُ أَسَابِيعَ، تَرَدَّدَتْ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تَطْلُبَ مَوْعِدًا مَعَ طَبِيبٍ. لَمْ يَكُنِ التَّرَدُّدُ بِسَبَبِ الأَلَمِ نَفْسِهِ، بَلْ بِسَبَبِ مَا يَعْنِيهِ أَنْ تَذْهَبَ إِلَى عِيَادَةِ طَبِيبٍ لا تَعْرِفُهُ، فِي بَلَدٍ لا تَعْرِفُ نِظَامَهُ الطِّبِّيَّ، وَتَخُوضَ مَعَهُ حِوَارًا قَدْ يَتَطَرَّقُ إِلَى تَفَاصِيلِ جَسَدِهَا الحَمِيمَةِ.
فِي دِمَشْقَ، كَانَتْ سَلْمَى تَذْهَبُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ إِلَى طَبِيبَتِهَا المُفَضَّلَةِ، الدُّكْتُورَةِ هَالَةَ، الَّتِي عَرَفَتْهَا مُنْذُ أَنْ كَانَتْ سَلْمَى نَفْسُهَا طَالِبَةَ صَيْدَلَةٍ، وَتَحَوَّلَتِ العَلاقَةُ بَيْنَهُمَا تَدْرِيجِيًّا مِنْ عَلاقَةِ طَبِيبَةٍ بِمَرِيضَةٍ إِلَى صَدَاقَةٍ حَقِيقِيَّةٍ تَحْمِلُ كَثِيرًا مِنَ التَّفَاهُمِ الضِّمْنِيِّ الَّذِي لا يَحْتَاجُ إِلَى شَرْحٍ مُطَوَّلٍ فِي كُلِّ زِيَارَةٍ. أَمَّا هُنَا، فِي أَلْمَانْيَا، فَكُلُّ شَيْءٍ كَانَ يَبْدَأُ مِنَ الصِّفْرِ: طَبِيبَةٌ غَرِيبَةٌ، لُغَةٌ غَرِيبَةٌ، وَنِظَامٌ كَامِلٌ مِنَ الأَسْئِلَةِ وَالإِجْرَاءَاتِ لَمْ تَعْتَدْهُ مِنْ قَبْلُ.
حَجَزَتْ أَخِيرًا مَوْعِدًا بِمُسَاعَدَةِ مَنَالَ، الَّتِي رَافَقَتْهَا لِتُتَرْجِمَ بَعْضَ المُصْطَلَحَاتِ الطِّبِّيَّةِ الأَسَاسِيَّةَ، رَغْمَ أَنَّ العِيَادَةَ وَفَّرَتْ مُتَرْجِمَةً هَاتِفِيَّةً أَيْضًا كَإِجْرَاءٍ احْتِرَازِيٍّ.
• • •
دَخَلَتْ سَلْمَى العِيَادَةَ، فَشَعَرَتْ بِغَرَابَةٍ فَوْرِيَّةٍ: قَاعَةُ انْتِظَارٍ هَادِئَةٌ، مَجَلاتٌ أَلْمَانِيَّةٌ مُرَتَّبَةٌ بِعِنَايَةٍ عَلَى طَاوِلَةٍ زُجَاجِيَّةٍ، وَمُوسِيقَى هَادِئَةٌ تَتَرَدَّدُ مِنْ مُكَبِّرَاتِ صَوْتٍ خَفِيَّةٍ. لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ ازْدِحَامٌ كَالَّذِي اعْتَادَتْهُ فِي عِيَادَاتِ دِمَشْقَ، وَلا صَوْتٌ مُرْتَفِعٌ لِأَحَدٍ.
لاحَظَتْ أَيْضًا أَنَّ كُلَّ مَرِيضَةٍ تَدْخُلُ غُرْفَةَ الانْتِظَارِ تَحْمِلُ مَعَهَا جِهَازًا صَغِيرًا يُشْبِهُ جِهَازَ نِدَاءٍ، أَعْطَتْهُ لَهَا مُوَظَّفَةُ الاسْتِقْبَالِ، يَهْتَزُّ حِينَ يَحِينُ دَوْرُهَا، بَدَلًا مِنْ أَنْ يُنَادَى اسْمُهَا بِصَوْتٍ عَالٍ أَمَامَ الجَمِيعِ كَمَا اعْتَادَتْ فِي العِيَادَاتِ السُّورِيَّةِ. شَعَرَتْ بِامْتِنَانٍ خَفِيٍّ لِهَذَا التَّفْصِيلِ الصَّغِيرِ، الَّذِي مَنَحَهَا نَوْعًا مِنَ الخُصُوصِيَّةِ لَمْ تَتَوَقَّعْهُ فِي مَكَانٍ عَامٍّ كَهَذَا.
حِينَ دَخَلَتْ غُرْفَةَ الفَحْصِ، اسْتَقْبَلَتْهَا طَبِيبَةٌ فِي الأَرْبَعِينَ، وَدُودَةُ المَلامِحِ، تَرْتَدِي مِعْطَفًا أَبْيَضَ نَظِيفًا، وَابْتَسَمَتْ لَهَا ابْتِسَامَةً مِهَنِيَّةً مُطَمْئِنَّةً.
بَدَأَتِ الطَّبِيبَةُ، بِمُسَاعَدَةِ المُتَرْجِمَةِ عَبْرَ الهَاتِفِ، بِطَرْحِ أَسْئِلَةٍ رُوتِينِيَّةٍ عَنِ الأَلَمِ: مَتَى بَدَأَ، مَا شِدَّتُهُ، هَلْ يَتَرَافَقُ مَعَ أَعْرَاضٍ أُخْرَى. أَجَابَتْ سَلْمَى بِارْتِيَاحٍ نِسْبِيٍّ، فَالأَسْئِلَةُ حَتَّى تِلْكَ اللَّحْظَةِ بَدَتْ طَبِيعِيَّةً وَمُبَاشِرَةً.
لَكِنَّ الطَّبِيبَةَ انْتَقَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى أَسْئِلَةٍ أُخْرَى، بِالنَّبْرَةِ المِهَنِيَّةِ الهَادِئَةِ نَفْسِهَا، لَمْ تَتَوَقَّعْ سَلْمَى أَنْ تُطْرَحَ عَلَيْهَا بِهَذَا الشَّكْلِ المُبَاشِرِ تَمَامًا:
— هَلْ أَنْتِ نَشِطَةٌ جِنْسِيًّا؟
شَعَرَتْ سَلْمَى بِمَوْجَةِ حَرَارَةٍ تَصْعَدُ إِلَى وَجْهِهَا، وَتَلَعْثَمَتْ قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ عَبْرَ المُتَرْجِمَةِ:
— نَعَمْ… مَعَ زَوْجِي فَقَطْ، بِالطَّبْعِ.
لاحَظَتْ سَلْمَى نَظْرَةً عَابِرَةً مِنْ مَنَالَ، الَّتِي جَلَسَتْ فِي زَاوِيَةِ الغُرْفَةِ تَنْتَظِرُ، فَشَعَرَتْ بِالارْتِيَاحِ لِوُجُودِهَا، حَتَّى وَإِنْ لَمْ تَكُنْ تُشَارِكُ فِي التَّرْجَمَةِ مُبَاشَرَةً هَذِهِ المَرَّةَ.
تَابَعَتِ الطَّبِيبَةُ، دُونَ أَنْ تُلاحِظَ أَوْ تَهْتَمَّ بِارْتِبَاكِ سَلْمَى الوَاضِحِ:
— وَهَلْ تَسْتَخْدِمِينَ أَيَّ وَسِيلَةٍ لِمَنْعِ الحَمْلِ؟
تَرَدَّدَتْ سَلْمَى طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ:
— لا… لَمْ نَسْتَخْدِمْ شَيْئًا مُحَدَّدًا مِنْ قَبْلُ.
رَفَعَتِ الطَّبِيبَةُ حَاجِبَيْهَا قَلِيلًا، لا اسْتِنْكَارًا، بَلْ مُلاحَظَةً مِهَنِيَّةً بَسِيطَةً، وَسَجَّلَتْ شَيْئًا فِي مِلَفِّهَا الإِلِكْتْرُونِيِّ:
— هَلْ هَذَا خِيَارٌ مَقْصُودٌ، أَمْ أَنَّكُمَا لَمْ تُنَاقِشَا المَوْضُوعَ مِنْ قَبْلُ؟
شَعَرَتْ سَلْمَى بِالحَرَجِ يَتَصَاعَدُ أَكْثَرَ، فَالسُّؤَالُ لامَسَ شَيْئًا لَمْ تُوَاجِهْهُ بِصَرَاحَةٍ مِنْ قَبْلُ حَتَّى مَعَ نَفْسِهَا:
— أَظُنُّ… أَنَّنَا لَمْ نُنَاقِشْهُ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ مِنْ قَبْلُ. الأُمُورُ كَانَتْ تَسِيرُ بِطَرِيقَتِهَا الخَاصَّةِ.
سَأَلَتِ الطَّبِيبَةُ، بِالهُدُوءِ المِهَنِيِّ نَفْسِهِ:
— هَلْ تَوَدِّينَ إِنْجَابَ أَطْفَالٍ آخَرِينَ، أَمْ تُفَضِّلِينَ مُنَاقَشَةَ خِيَارَاتِ مَنْعِ الحَمْلِ المُتَاحَةِ؟
نَظَرَتْ سَلْمَى إِلَى مَنَالَ بِحَيْرَةٍ، وَكَأَنَّهَا تَبْحَثُ عَنْ نَجْدَةٍ، فَابْتَسَمَتْ مَنَالُ ابْتِسَامَةً مُشَجِّعَةً، وَقَالَتْ بِالعَرَبِيَّةِ:
— لا بَأْسَ أَنْ تَقُولِي إِنَّكِ تَحْتَاجِينَ وَقْتًا لِلتَّفْكِيرِ، يَا سَلْمَى. هَذَا سُؤَالٌ مَشْرُوعٌ تَمَامًا أَنْ تَحْتَاجِي وَقْتًا لِلإِجَابَةِ عَنْهُ.
شَعَرَتْ سَلْمَى بِامْتِنَانٍ لِهَذِهِ المَسَاحَةِ الَّتِي مَنَحَتْهَا إِيَّاهَا صَدِيقَتُهَا، فَقَالَتْ لِلطَّبِيبَةِ عَبْرَ المُتَرْجِمَةِ:
— أَحْتَاجُ وَقْتًا لِلتَّفْكِيرِ، وَأَنْ أَتَحَدَّثَ مَعَ زَوْجِي أَوَّلًا.
أَوْمَأَتِ الطَّبِيبَةُ بِرَأْسِهَا بِتَفَهُّمٍ كَامِلٍ:
— بِالطَّبْعِ، لا عَجَلَةَ فِي الأَمْرِ. يُمْكِنُنَا مُنَاقَشَةُ هَذَا فِي الزِّيَارَةِ القَادِمَةِ، أَوْ حِينَ تَكُونِينَ مُسْتَعِدَّةً.
• • •
خَرَجَتْ سَلْمَى مِنَ العِيَادَةِ بَعْدَ الفَحْصِ، وَهِيَ تَشْعُرُ بِخَلِيطٍ مِنَ الارْتِبَاكِ وَالدَّهْشَةِ. لَمْ يَكُنِ الأَلَمُ فِي ظَهْرِهَا سِوَى مُشْكِلَةٍ عَضَلِيَّةٍ بَسِيطَةٍ، لَكِنَّ الأَسْئِلَةَ الَّتِي طُرِحَتْ عَلَيْهَا بَقِيَتْ تَدُورُ فِي رَأْسِهَا طَوَالَ الطَّرِيقِ.
قَالَتْ لِمَنَالَ، وَهُمَا تَسِيرَانِ مَعًا نَحْوَ مَحَطَّةِ الحَافِلَةِ:
— هَلْ هَذَا طَبِيعِيٌّ؟ أَنْ تَسْأَلَ الطَّبِيبَةُ كُلَّ هَذِهِ الأَسْئِلَةِ المُبَاشِرَةِ عَنْ حَيَاتِنَا الحَمِيمَةِ، وَكَأَنَّهَا تَسْأَلُ عَنِ الطَّقْسِ؟
ابْتَسَمَتْ مَنَالُ، وَقَدْ مَرَّتْ بِتَجْرِبَةٍ مُشَابِهَةٍ مِنْ قَبْلُ:
— نَعَمْ، هَذَا طَبِيعِيٌّ تَمَامًا هُنَا. الأَطِبَّاءُ يَعْتَبِرُونَ هَذِهِ الأَسْئِلَةَ جُزْءًا أَسَاسِيًّا مِنَ الفَحْصِ الطِّبِّيِّ الشَّامِلِ، لا مَوْضُوعًا مُحْرِجًا يَجِبُ تَجَنُّبُهُ أَوِ التَّلْمِيحُ إِلَيْهِ بِحَذَرٍ كَمَا اعْتَدْنَا.
قَالَتْ سَلْمَى، وَهِيَ لا تَزَالُ تَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنَ الحَرَجِ:
— فِي دِمَشْقَ، كُنْتُ أَذْهَبُ إِلَى طَبِيبَةٍ أَعْرِفُهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ، صَدِيقَةَ العَائِلَةِ تَقْرِيبًا، وَحَتَّى هِيَ كَانَتْ تَسْأَلُ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، وَتُلَمِّحُ أَكْثَرَ مِمَّا تُصَرِّحُ. هُنَا، شَعَرْتُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ أَصْبَحَ… عَلَنِيًّا بِشَكْلٍ مُفَاجِئٍ.
قَالَتْ مَنَالُ بِتَفَهُّمٍ:
— أَفْهَمُ شُعُورَكِ تَمَامًا. أَنَا أَيْضًا احْتَجْتُ وَقْتًا لِأَتَأَقْلَمَ مَعَ هَذَا الأُسْلُوبِ المُبَاشِرِ. لَكِنَّنِي أَدْرَكْتُ لاحِقًا أَنَّ هَذِهِ المُبَاشَرَةَ، رَغْمَ غَرَابَتِهَا الأُولَى، مُفِيدَةٌ فِي الحَقِيقَةِ: تَمْنَحُنَا مَعْلُومَاتٍ وَخِيَارَاتٍ كُنَّا نَجْهَلُهَا أَوْ نَخْجَلُ مِنَ السُّؤَالِ عَنْهَا بِأَنْفُسِنَا.
سَأَلَتْهَا سَلْمَى، بِفُضُولٍ مُتَزَايِدٍ:
— وَهَلْ تَحَدَّثْتِ مَعَ فِرَاسٍ بِصَرَاحَةٍ مُمَاثِلَةٍ حَوْلَ هَذِهِ المَوَاضِيعِ؟
ابْتَسَمَتْ مَنَالُ ابْتِسَامَةً مُعَقَّدَةً:
— بِصَرَاحَةٍ، لا، لَيْسَ بِالقَدْرِ نَفْسِهِ. لا يَزَالُ هُنَاكَ جُزْءٌ مِنِّي يَشْعُرُ بِالحَرَجِ مِنْ مُنَاقَشَةِ هَذِهِ التَّفَاصِيلِ مَعَهُ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ تَمَامًا، رَغْمَ أَنَّنَا مُتَزَوِّجَانِ مُنْذُ عِشْرِينَ عَامًا. أَظُنُّ أَنَّ هَذَا جُزْءٌ مِنْ تَرْبِيَتِنَا الَّتِي يَصْعُبُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا بَيْنَ لَيْلَةٍ وَضُحَاهَا، حَتَّى لَوْ تَغَيَّرَ مُحِيطُنَا الخَارِجِيُّ تَمَامًا.
قَالَتْ سَلْمَى، بِصِدْقٍ مُمَاثِلٍ:
— أَشْعُرُ بِنَفْسِ الشَّيْءِ. لَكِنْ رُبَّمَا يَجِبُ أَنْ نَتَعَلَّمَ مِنْ هَذَا النِّظَامِ الجَدِيدِ شَيْئًا وَاحِدًا عَلَى الأَقَلِّ: أَنَّ الوُضُوحَ، حَتَّى فِي أَكْثَرِ المَوَاضِيعِ خُصُوصِيَّةً، لَيْسَ عَيْبًا، بَلْ قَدْ يَكُونُ طَرِيقًا إِلَى عَلاقَةٍ أَكْثَرَ صِدْقًا وَشَفَافِيَّةً بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.
تَوَقَّفَتْ مَنَالُ، وَقَالَتْ بِإِعْجَابٍ:
— هَذَا كَلامٌ حَكِيمٌ يَا سَلْمَى، وَأَتَمَنَّى أَنْ أُطَبِّقَهُ أَنَا أَيْضًا بِشَكْلٍ أَفْضَلَ مَعَ فِرَاسٍ.
• • •
فِي المَسَاءِ، أَخْبَرَتْ سَلْمَى هَمَّامًا بِتَفَاصِيلِ الزِّيَارَةِ، وَهِيَ لا تَزَالُ تَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنَ الحَيْرَةِ حِيَالَ المَوْضُوعِ.
قَالَتْ، وَهِيَ تُحَضِّرُ الشَّايَ فِي المَطْبَخِ المُشْتَرَكِ:
— سَأَلَتْنِي الطَّبِيبَةُ اليَوْمَ إِنْ كُنْتُ أُرِيدُ أَطْفَالًا آخَرِينَ، أَوْ أُرِيدُ مُنَاقَشَةَ وَسَائِلِ مَنْعِ الحَمْلِ.
تَوَقَّفَ هَمَّامٌ عَنِ القِرَاءَةِ، وَنَظَرَ إِلَيْهَا بِانْتِبَاهٍ:
— وَمَاذَا أَجَبْتِ؟
— قُلْتُ إِنَّنِي أَحْتَاجُ لِلتَّفْكِيرِ، وَأَنْ أَسْتَشِيرَكَ أَوَّلًا.
جَلَسَ هَمَّامٌ بِجَانِبِهَا، وَسَأَلَهَا بِصِدْقٍ:
— وَمَاذَا تُرِيدِينَ أَنْتِ حَقًّا؟
تَوَقَّفَتْ سَلْمَى، مُتَفَاجِئَةً بَعْضَ الشَّيْءِ مِنْ مُبَاشَرَةِ السُّؤَالِ، لَكِنَّهَا أَجَابَتْ بِصِدْقٍ مُمَاثِلٍ:
— لا أَعْرِفُ بِصَرَاحَةٍ. لَمْ يَسْأَلْنِي أَحَدٌ هَذَا السُّؤَالَ بِهَذَا الوُضُوحِ مِنْ قَبْلُ، حَتَّى أَنَا نَفْسِي لَمْ أَسْأَلْ نَفْسِي هَذَا السُّؤَالَ بِصَرَاحَةٍ كَافِيَةٍ. فِي دِمَشْقَ، كَانَ الأَمْرُ يُتْرَكُ لِلْقَدَرِ إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ، أَوْ يُقَرَّرُ ضِمْنِيًّا دُونَ نِقَاشٍ مُبَاشِرٍ بَيْنَنَا.
قَالَ هَمَّامٌ، بِتَفْكِيرٍ عَمِيقٍ:
— أَظُنُّ أَنَّ هَذَا يَنْطَبِقُ عَلَى أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ بَيْنَنَا، لَيْسَ فَقَطْ هَذَا المَوْضُوعَ بِعَيْنِهِ. كَثِيرٌ مِنْ قَرَارَاتِنَا الكُبْرَى فِي حَيَاتِنَا الزَّوْجِيَّةِ اتُّخِذَتْ ضِمْنِيًّا، دُونَ حِوَارٍ مُبَاشِرٍ وَصَرِيحٍ كَهَذَا الَّذِي نَخُوضُهُ الآنَ.
أَوْمَأَتْ سَلْمَى بِرَأْسِهَا، مُتَأَثِّرَةً بِهَذِهِ المُلاحَظَةِ:
— أَتَسَاءَلُ كَمْ مِنَ الأُمُورِ الأُخْرَى فِي حَيَاتِنَا نَحْتَاجُ أَنْ نَتَحَدَّثَ عَنْهَا بِهَذَا الوُضُوحِ، بَدَلًا مِنْ أَنْ نَتْرُكَهَا لافْتِرَاضَاتٍ ضِمْنِيَّةٍ قَدْ لا تَكُونُ صَحِيحَةً لِأَيٍّ مِنَّا.
نَظَرَ إِلَيْهَا هَمَّامٌ طَوِيلًا، وَشَعَرَ أَنَّ هَذِهِ اللَّحْظَةَ تَحْمِلُ ثِقَلًا أَكْبَرَ مِنْ مُجَرَّدِ سُؤَالٍ طِبِّيٍّ عَابِرٍ:
— رُبَّمَا هَذَا أَحَدُ الأَشْيَاءِ الجَيِّدَةِ الَّتِي يَفْرِضُهَا عَلَيْنَا هَذَا المَكَانُ الجَدِيدُ، رَغْمَ كُلِّ صُعُوبَتِهِ: أَنْ نَتَعَلَّمَ كَيْفَ نَتَحَدَّثُ بِصَرَاحَةٍ عَنْ أَشْيَاءَ اعْتَدْنَا أَنْ نَتْرُكَهَا صَامِتَةً.
• • •
اسْتَمَرَّ الحِوَارُ بَيْنَهُمَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، حِوَارٌ لَمْ يَخُوضَاهُ مِنْ قَبْلُ بِهَذَا العُمْقِ رَغْمَ عِشْرِينَ عَامًا مِنَ الزَّوَاجِ.
قَالَ هَمَّامٌ، بِصَرَاحَةٍ نَادِرَةٍ:
— أَعْتَرِفُ أَنَّنِي لَمْ أُفَكِّرْ يَوْمًا فِي سُؤَالِكِ مُبَاشَرَةً عَمَّا تُرِيدِينَهُ فِي هَذَا الجَانِبِ مِنْ حَيَاتِنَا. كُنْتُ أَفْتَرِضُ ضِمْنِيًّا أَنَّنَا نَتَّفِقُ تِلْقَائِيًّا، دُونَ أَنْ نَتَحَدَّثَ عَنِ الأَمْرِ بِصَرَاحَةٍ.
قَالَتْ سَلْمَى، بِصِدْقٍ مُمَاثِلٍ:
— وَأَنَا أَيْضًا لَمْ أُفَكِّرْ فِي طَرْحِ السُّؤَالِ عَلَى نَفْسِي بِهَذَا الوُضُوحِ. لَكِنَّ الآنَ، بَعْدَ سُؤَالِ الطَّبِيبَةِ المُبَاشِرِ، أَشْعُرُ أَنَّنِي بِحَاجَةٍ لِأَنْ أَعْرِفَ مَا أُرِيدُهُ فِعْلًا، لا مَا يُفْتَرَضُ بِي أَنْ أُرِيدَهُ.
سَأَلَهَا هَمَّامٌ:
— وَمَا الَّذِي يَمِيلُ قَلْبُكِ إِلَيْهِ؟
فَكَّرَتْ سَلْمَى طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ:
— أَظُنُّ أَنَّنِي لا أُرِيدُ طِفْلًا آخَرَ الآنَ، لَيْسَ لِأَنَّنِي لا أُحِبُّ الأَطْفَالَ، بَلْ لِأَنَّنِي أَشْعُرُ أَنَّنِي بِحَاجَةٍ إِلَى وَقْتٍ لِأَبْنِيَ نَفْسِي مِنْ جَدِيدٍ أَوَّلًا: لُغَتِي، مِهْنَتِي، فَهْمِي لِهَذَا المَكَانِ الجَدِيدِ. أَشْعُرُ أَنَّ إِنْجَابَ طِفْلٍ الآنَ قَدْ يُغْرِقُنِي فِي دَوْرِ الأُمُومَةِ الكَامِلِ مُجَدَّدًا، قَبْلَ أَنْ أَكْتَشِفَ مَنْ أَنَا فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الجَدِيدَةِ.
أَصْغَى هَمَّامٌ بِانْتِبَاهٍ عَمِيقٍ، وَقَالَ:
— هَذَا مَنْطِقِيٌّ تَمَامًا، وَأَدْعَمُكِ فِيهِ بِالكَامِلِ. أُرِيدُكِ أَنْ تَجِدِي نَفْسَكِ أَوَّلًا، لا أَنْ تَضِيعِي فِي أَدْوَارٍ أُخْرَى قَبْلَ أَنْ تَكْتَشِفِي مَنْ تُرِيدِينَ أَنْ تَكُونِي هُنَا.
أَضَافَتْ سَلْمَى، بِصَوْتٍ أَكْثَرَ انْفِتَاحًا مِمَّا اعْتَادَتْ:
— هُنَاكَ شَيْءٌ آخَرُ أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهُ، وَلَمْ أَجْرُؤْ عَلَى قَوْلِهِ مِنْ قَبْلُ: أَحْيَانًا أَشْعُرُ أَنَّ دَوْرِي كَأُمٍّ وَزَوْجَةٍ أَخَذَ مِنِّي، عَلَى مَدَى سَنَوَاتٍ، جُزْءًا كَبِيرًا مِنْ هُوِيَّتِي الخَاصَّةِ، حَتَّى قَبْلَ اللُّجُوءِ. هُنَا، وَسَطَ كُلِّ هَذَا التَّغْيِيرِ، أَشْعُرُ بِفُرْصَةٍ نَادِرَةٍ لِأَسْتَعِيدَ ذَلِكَ الجُزْءَ، وَلا أُرِيدُ أَنْ أُفَوِّتَهَا بِقَرَارٍ مُتَسَرِّعٍ.
نَظَرَ إِلَيْهَا هَمَّامٌ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ لِهَذَا الاعْتِرَافِ:
— شُكْرًا لِصَرَاحَتِكِ، يَا سَلْمَى. أَعِدُكِ أَنَّنِي سَأُحَاوِلُ أَنْ أَكُونَ شَرِيكًا حَقِيقِيًّا لَكِ فِي اسْتِعَادَةِ هَذَا الجُزْءِ مِنْكِ، لا عَائِقًا أَمَامَهُ.
• • •
فِي اليَوْمِ التَّالِي، وَبَيْنَمَا كَانَتْ سَلْمَى تَرْوِي لِرَهَفَ، بِشَكْلٍ عَامٍّ دُونَ دُخُولٍ فِي تَفَاصِيلَ حَمِيمَةٍ، تَجْرِبَتَهَا فِي العِيَادَةِ الأَلْمَانِيَّةِ، أَبْدَتْ رَهَفُ اهْتِمَامًا غَيْرَ مُتَوَقَّعٍ بِالمَوْضُوعِ.
قَالَتْ رَهَفُ، بِفُضُولِ مُرَاهِقَةٍ بَدَأَتْ تَكْتَشِفُ جَسَدَهَا وَعَالَمَهَا الجَدِيدَ فِي آنٍ وَاحِدٍ:
— أُمِّي، هَلْ هَذَا يَعْنِي أَنَّ الأَطِبَّاءَ هُنَا يَتَحَدَّثُونَ بِصَرَاحَةٍ أَكْبَرَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ يَخُصُّ جِسْمَ المَرْأَةِ؟
أَجَابَتْ سَلْمَى، وَهِيَ تُفَكِّرُ فِي كَيْفِيَّةِ صِيَاغَةِ إِجَابَةٍ مُنَاسِبَةٍ لِعُمْرِ ابْنَتِهَا:
— نَعَمْ، يَا رَهَفُ. هُنَا يَعْتَبِرُونَ هَذِهِ المَوَاضِيعَ جُزْءًا طَبِيعِيًّا مِنَ الصِّحَّةِ العَامَّةِ، لا شَيْئًا يَجِبُ التَّسَتُّرُ عَلَيْهِ أَوِ الخَجَلُ مِنْهُ.
قَالَتْ رَهَفُ، بِصِدْقٍ مُبَاشِرٍ:
— أَظُنُّ أَنَّ هَذَا أَفْضَلُ بِكَثِيرٍ مِنَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي كَبِرْنَا عَلَيْهَا فِي دِمَشْقَ، حَيْثُ كَانَ كُلُّ سُؤَالٍ عَنْ هَذِهِ المَوَاضِيعِ يُقَابَلُ بِصَمْتٍ مُحْرِجٍ أَوْ تَحْوِيلٍ لِلْمَوْضُوعِ بِسُرْعَةٍ.
ابْتَسَمَتْ سَلْمَى، مُتَأَثِّرَةً بِنُضْجِ ابْنَتِهَا المُفَاجِئِ:
— أَتَّفِقُ مَعَكِ تَمَامًا. أَتَمَنَّى أَنْ تَكْبُرِي هُنَا وَأَنْتِ تَمْلِكِينَ مَعْرِفَةً كَافِيَةً عَنْ جَسَدِكِ وَحُقُوقِكِ الصِّحِّيَّةِ، دُونَ الحَرَجِ الَّذِي عَانَيْتُ مِنْهُ أَنَا فِي مِثْلِ سِنِّكِ.
سَأَلَتْهَا رَهَفُ، بِجُرْأَةٍ مُتَزَايِدَةٍ:
— هَلْ يُمْكِنُ أَنْ تَأْخُذِينِي مَعَكِ حِينَ تَذْهَبِينَ لِلطَّبِيبَةِ فِي المَرَّةِ القَادِمَةِ، فَقَطْ لِأَتَعَرَّفَ عَلَى النِّظَامِ هُنَا، حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنِ الأَمْرُ يَخُصُّنِي مُبَاشَرَةً الآنَ؟
فَكَّرَتْ سَلْمَى قَلِيلًا، ثُمَّ ابْتَسَمَتْ بِحَنَانٍ:
— بِالتَّأْكِيدِ يَا رَهَفُ، سَيُسْعِدُنِي ذَلِكَ. مِنَ الأَفْضَلِ أَنْ تَتَعَرَّفِي عَلَى هَذِهِ الأُمُورِ بِوُضُوحٍ مُبَكِّرًا، بَدَلًا مِنْ أَنْ تَكْتَشِفِيهَا بِارْتِبَاكٍ كَمَا حَدَثَ مَعِي.
• • •
فِي الأُسْبُوعِ التَّالِي، عَادَتْ سَلْمَى إِلَى العِيَادَةِ، هَذِهِ المَرَّةَ بِثِقَةٍ أَكْبَرَ وَوُضُوحٍ أَكْبَرَ فِيمَا تُرِيدُ قَوْلَهُ.
قَالَتْ لِلطَّبِيبَةِ، عَبْرَ المُتَرْجِمَةِ، بِصَوْتٍ أَكْثَرَ ثَبَاتًا مِنْ زِيَارَتِهَا الأُولَى:
— قَرَّرْتُ أَنَا وَزَوْجِي أَنَّنَا لا نُرِيدُ أَطْفَالًا آخَرِينَ فِي الوَقْتِ الحَالِيِّ. أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ الخِيَارَاتِ المُتَاحَةَ لِمَنْعِ الحَمْلِ.
ابْتَسَمَتِ الطَّبِيبَةُ، وَبَدَأَتْ تَشْرَحُ لَهَا بِالتَّفْصِيلِ خِيَارَاتٍ مُتَعَدِّدَةً، بِلُغَةٍ عِلْمِيَّةٍ وَاضِحَةٍ، خَالِيَةٍ مِنْ أَيِّ حَرَجٍ أَوْ تَرَدُّدٍ، وَكَأَنَّ هَذَا الحَدِيثَ هُوَ أَبْسَطُ وَأَطْبَعُ حَدِيثٍ يُمْكِنُ أَنْ يَدُورَ بَيْنَ طَبِيبَةٍ وَمَرِيضَتِهَا.
شَرَحَتِ الطَّبِيبَةُ الفُرُوقَ بَيْنَ الوَسَائِلِ الهُرْمُونِيَّةِ وَغَيْرِ الهُرْمُونِيَّةِ، وَالآثَارَ الجَانِبِيَّةَ المُحْتَمَلَةَ لِكُلِّ خِيَارٍ، وَمُدَّةَ فَعَالِيَّةِ كُلِّ وَسِيلَةٍ، وَأَجَابَتْ بِصَبْرٍ عَنْ كُلِّ سُؤَالٍ طَرَحَتْهُ سَلْمَى دُونَ أَيِّ اسْتِعْجَالٍ، رَغْمَ أَنَّ المَوْعِدَ كَانَ فِي الأَصْلِ مُخَصَّصًا لِفَحْصٍ رُوتِينِيٍّ قَصِيرٍ.
سَأَلَتْ سَلْمَى، بِفُضُولٍ مُتَزَايِدٍ:
— وَهَلْ يُمْكِنُنِي تَغْيِيرُ رَأْيِي لاحِقًا إِنْ قَرَّرْنَا إِنْجَابَ طِفْلٍ آخَرَ بَعْدَ سَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ؟
أَجَابَتِ الطَّبِيبَةُ بِابْتِسَامَةٍ مُطَمْئِنَّةٍ:
— بِالطَّبْعِ، أَغْلَبُ هَذِهِ الوَسَائِلِ قَابِلَةٌ لِلْعَكْسِ بِسُهُولَةٍ. القَرَارُ الَّذِي تَتَّخِذِينَهُ اليَوْمَ لَيْسَ نِهَائِيًّا، بَلْ مُنَاسِبٌ لِمَرْحَلَتِكِ الحَالِيَّةِ فَقَطْ. يُمْكِنُكِ دَائِمًا العَوْدَةُ لِمُنَاقَشَةِ الأَمْرِ مِنْ جَدِيدٍ حِينَ تَتَغَيَّرُ ظُرُوفُكِ أَوْ رَغْبَتُكِ.
شَعَرَتْ سَلْمَى بِارْتِيَاحٍ كَبِيرٍ لِسَمَاعِ أَنَّ القَرَارَ مَرِنٌ وَلَيْسَ نِهَائِيًّا، وَاخْتَارَتْ أَخِيرًا وَسِيلَةً تُنَاسِبُهَا بَعْدَ نِقَاشٍ هَادِئٍ وَمُفَصَّلٍ، شَعَرَتْ خِلالَهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ أَنَّهَا صَاحِبَةُ قَرَارٍ كَامِلٍ فِي أَمْرٍ يَخُصُّ جَسَدَهَا وَمُسْتَقْبَلَهَا، دُونَ وَسَاطَةٍ أَوْ تَلْمِيحٍ أَوْ صَمْتٍ مُفْتَرَضٍ.
خَرَجَتْ سَلْمَى مِنَ العِيَادَةِ تِلْكَ المَرَّةَ بِشُعُورٍ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا عَنِ المَرَّةِ الأُولَى: لَمْ تَعُدْ تَشْعُرُ بِالحَرَجِ مِنَ الأَسْئِلَةِ المُبَاشِرَةِ، بَلْ شَعَرَتْ بِامْتِنَانٍ لِهَذَا الوُضُوحِ الَّذِي مَنَحَهَا، لِلْمَرَّةِ الأُولَى فِي حَيَاتِهَا، فُرْصَةً حَقِيقِيَّةً لِأَنْ تُقَرِّرَ بِنَفْسِهَا، بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ، مَا تُرِيدُهُ لِجَسَدِهَا وَمُسْتَقْبَلِهَا، لا أَنْ تَتْرُكَهُ لِصَمْتٍ مُفْتَرَضٍ أَوْ قَدَرٍ غَيْرِ مُعْلَنٍ.
فِي طَرِيقِ عَوْدَتِهَا، فَكَّرَتْ فِي المَسَافَةِ الَّتِي قَطَعَتْهَا فِي أُسْبُوعٍ وَاحِدٍ فَقَطْ: مِنِ امْرَأَةٍ ارْتَبَكَتْ أَمَامَ سُؤَالٍ مُبَاشِرٍ عَنْ حَيَاتِهَا الحَمِيمَةِ، إِلَى امْرَأَةٍ تَعْرِفُ بِوُضُوحٍ مَا تُرِيدُ، وَتَقُولُهُ بِصَوْتٍ وَاثِقٍ أَمَامَ طَبِيبَةٍ غَرِيبَةٍ فِي بَلَدٍ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ عَنْهُ شَيْئًا قَبْلَ أَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ.
مَرَّتْ فِي طَرِيقِهَا بِجَانِبِ حَدِيقَةٍ عَامَّةٍ صَغِيرَةٍ، فَتَوَقَّفَتْ لَحْظَةً، وَجَلَسَتْ عَلَى مَقْعَدٍ خَشَبِيٍّ، تُرَاقِبُ أُمَّهَاتٍ أَلْمَانِيَّاتٍ يَدْفَعْنَ عَرَبَاتِ أَطْفَالِهِنَّ بِثِقَةٍ وَاسْتِرْخَاءٍ وَاضِحَيْنِ، وَتَسَاءَلَتْ كَمْ مِنْ هَذِهِ الثِّقَةِ اكْتَسَبْنَهَا لِأَنَّهُنَّ نَشَأْنَ فِي نِظَامٍ يَمْنَحُهُنَّ هَذَا الوُضُوحَ مُنْذُ الصِّغَرِ، بَدَلًا مِنْ أَنْ يَتَعَلَّمْنَهُ مُتَأَخِّرَاتٍ كَمَا تَتَعَلَّمُهُ هِيَ الآنَ.
فَكَّرَتْ فِي رَهَفَ، وَفِي الفُرْصَةِ الَّتِي قَدْ تَمْنَحُهَا إِيَّاهَا هَذِهِ الأَرْضُ الجَدِيدَةُ: أَنْ تَكْبُرَ وَهِيَ تَعْرِفُ حُقُوقَهَا وَجَسَدَهَا وَمَسَاحَتَهَا فِي اتِّخَاذِ القَرَارِ، دُونَ أَنْ تَمُرَّ بِعُقُودٍ مِنَ الصَّمْتِ وَالحَرَجِ كَمَا مَرَّتْ بِهَا وَالِدَتُهَا. شَعَرَتْ سَلْمَى، لِلْمَرَّةِ الأُولَى مُنْذُ أَسَابِيعَ طَوِيلَةٍ، أَنَّ هُنَاكَ مَا يَسْتَحِقُّ فِعْلًا أَنْ تَشْكُرَ عَلَيْهِ هَذِهِ الهِجْرَةَ القَسْرِيَّةَ، رَغْمَ كُلِّ صُعُوبَاتِهَا وَخَسَائِرِهَا الَّتِي لا تُحْصَى.
عَادَتْ إِلَى مَرْكَزِ الإِيوَاءِ بِخُطًى وَاثِقَةٍ، وَقَرَّرَتْ فِي دَاخِلِهَا أَنْ تُشَارِكَ هَذِهِ التَّجْرِبَةَ أَيْضًا مَعَ أُمِّ خَالِدٍ وَوَفَاءَ، عَلَّ النِّسَاءَ الأُخْرَيَاتِ مِنْ حَوْلِهَا يَجِدْنَ فِيهَا مَا وَجَدَتْهُ هِيَ: أَنَّ الوُضُوحَ، مَهْمَا بَدَا مُخِيفًا فِي بِدَايَتِهِ، قَدْ يَكُونُ أَحْيَانًا أَكْبَرَ هَدِيَّةٍ يَمْنَحُهَا المَرْءُ لِنَفْسِهِ بَعْدَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الصَّمْتِ المُفْتَرَضِ.
