قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 13

قلوب بين رحيلين
الفَصْلُ الثَّالِثُ عَشَرَ
لاحَظَ هَمَّامٌ، وَهُوَ يُرَتِّبُ أَوْرَاقَ العَائِلَةِ فِي مَجَلَّدٍ بَلاسْتِيكِيٍّ شَفَّافٍ، أَنَّ جَوَازَ سَفَرِ كَرِيمٍ سَيَنْتَهِي صَلاحِيَّتُهُ خِلالَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، ذَلِكَ الجَوَازُ الَّذِي حَمَلُوهُ مَعَهُمْ فِي رِحْلَةِ اللُّجُوءِ كَلِّهَا، وَالَّذِي بَاتَ الآنَ، بَعْدَ كُلِّ مَا حَدَثَ، وَثِيقَةً غَرِيبَةً تَحْمِلُ شِعَارًا لِدَوْلَةٍ هَرَبُوا مِنْهَا، وَاسْمًا لِنِظَامٍ لَمْ يَعُدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَعْتَرِفُ بِهِ فِي دَاخِلِهِ.
قَالَ هَمَّامٌ، وَهُوَ يَجْلِسُ حَوْلَ الطَّاوِلَةِ الصَّغِيرَةِ فِي غُرْفَتِهِمْ مَعَ العَائِلَةِ:
— يَجِبُ أَنْ نُفَكِّرَ فِي تَجْدِيدِ جَوَازِ سَفَرِ كَرِيمٍ قَبْلَ انْتِهَاءِ صَلاحِيَّتِهِ. سَأَلْتُ أَحَدَ الجِيرَانِ، وَقَالَ إِنَّ التَّجْدِيدَ يَتِمُّ فَقَطْ عَبْرَ القُنْصُلِيَّةِ السُّورِيَّةِ فِي المَدِينَةِ القَرِيبَةِ، وَإِنَّ الرُّسُومَ صَارَتْ مُرْتَفِعَةً جِدًّا فِي الآوِنَةِ الأَخِيرَةِ.
رَفَعَ كَرِيمٌ رَأْسَهُ مِنْ هَاتِفِهِ، وَقَالَ بِحَزْمٍ مُفَاجِئٍ:
— أَنَا لَنْ أَذْهَبَ إِلَى تِلْكَ القُنْصُلِيَّةِ.
سَادَ صَمْتٌ قَصِيرٌ فِي الغُرْفَةِ، قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ هَمَّامٌ، مُتَفَاجِئًا مِنْ هَذِهِ المُبَاشَرَةِ غَيْرِ المُعْتَادَةِ مِنِ ابْنِهِ:
— مَاذَا تَقْصِدُ أَنَّكَ لَنْ تَذْهَبَ؟ سَتَحْتَاجُ إِلَى جَوَازِ سَفَرٍ سَارِي المَفْعُولِ عَاجِلًا أَمْ آجِلًا، يَا كَرِيمُ، وَلَوْ لِمُجَرَّدِ إِثْبَاتِ هُوِيَّتِكَ رَسْمِيًّا.
قَالَ كَرِيمٌ، بِثَبَاتٍ لَمْ يَعْتَدْهُ وَالِدَاهُ مِنْهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ المُوَاجَهَاتِ:
— أَقْصِدُ بِالضَّبْطِ مَا قُلْتُهُ. لَنْ أَدْفَعَ فَلْسًا وَاحِدًا لِخِزَانَةِ ذَلِكَ النِّظَامِ، وَلَنْ أَقِفَ فِي طَابُورٍ أَمَامَ مُوَظَّفِيهِ لِأَتَوَسَّلَ وَرَقَةً تَحْمِلُ اسْمَهُ وَشِعَارَهُ. هَرَبْنَا مِنْهُ، وَلَنْ أَعُودَ إِلَيْهِ طَوَاعِيَةً، وَلَوْ عَنْ طَرِيقِ جَوَازِ سَفَرٍ.
• • •
حَاوَلَتْ سَلْمَى أَنْ تُهَدِّئَ التَّوَتُّرَ المُتَصَاعِدَ بَيْنَ الأَبِ وَابْنِهِ:
— كَرِيمُ، أَفْهَمُ مَشَاعِرَكَ، لَكِنَّ الأَمْرَ قَدْ تَكُونُ لَهُ تَبِعَاتٌ عَمَلِيَّةٌ إِنْ بَقِيتَ دُونَ وَثِيقَةِ هُوِيَّةٍ سَارِيَةٍ. رُبَّمَا يُؤَثِّرُ عَلَى تَسْجِيلِكَ فِي الجَامِعَةِ، أَوْ عَلَى فَتْحِ حِسَابٍ بَنْكِيٍّ، أَوْ حَتَّى عَلَى سَفَرِكَ يَوْمًا مَا خَارِجَ أَلْمَانْيَا.
قَالَ كَرِيمٌ، دُونَ أَنْ يَتَرَاجَعَ قَيْدَ أُنْمُلَةٍ:
— لا أَحْتَاجُ إِلَى جَوَازِ سَفَرِ ذَلِكَ النِّظَامِ لِأُثْبِتَ هُوِيَّتِي، يَا أُمِّي. سَمِعْتُ أَنَّ هُنَاكَ وَثِيقَةَ سَفَرٍ تُصْدِرُهَا أَلْمَانْيَا نَفْسُهَا لِلاجِئِينَ، دُونَ حَاجَةٍ لِلتَّعَامُلِ مَعَ السَّفَارَةِ إِطْلاقًا.
قَالَتْ سَلْمَى، بِصَوْتٍ فِيهِ قَلَقٌ أُمُومِيٌّ وَاضِحٌ:
— لَكِنْ يَا كَرِيمُ، مَاذَا لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الوَثِيقَةُ مُقَيَّدَةً أَكْثَرَ مِنَ الجَوَازِ العَادِيِّ، أَوْ لَمْ تُعْتَرَفْ بِهَا كُلُّ الدُّوَلِ؟ قَرَارٌ كَهَذَا قَدْ يُؤَثِّرُ عَلَى مُسْتَقْبَلِكَ الدِّرَاسِيِّ وَالمِهْنِيِّ، لا عَلَى مَوْقِفِكَ السِّيَاسِيِّ وَحْدَهُ.
تَوَقَّفَ كَرِيمٌ قَلِيلًا، مُتَأَثِّرًا بِهَذِهِ المُلاحَظَةِ أَكْثَرَ مِمَّا تَوَقَّعَ:
— لَمْ أُفَكِّرْ فِي هَذَا الجَانِبِ بِصَرَاحَةٍ. لَكِنَّنِي مَا زِلْتُ أَعْتَقِدُ أَنَّ مَوْقِفِي صَحِيحٌ مِنْ حَيْثُ المَبْدَأُ، حَتَّى لَوِ احْتَجْنَا لِلتَّأَكُّدِ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ البَدِيلَ لَنْ يُعَرْقِلَ حَيَاتِي هُنَا.
ابْتَسَمَتْ سَلْمَى ابْتِسَامَةً مُتْعَبَةً لَكِنَّهَا فَخُورَةٌ فِي آنٍ وَاحِدٍ:
— عَلَى الأَقَلِّ أَنْتَ تُفَكِّرُ فِي الأَمْرِ بِجِدِّيَّةٍ، لا مُجَرَّدَ رَدِّ فِعْلٍ عَاطِفِيٍّ عَابِرٍ. هَذَا شَيْءٌ أُقَدِّرُهُ فِيكَ، حَتَّى لَوِ اخْتَلَفْتُ مَعَكَ فِي التَّفَاصِيلِ.
نَظَرَ هَمَّامٌ إِلَى ابْنِهِ طَوِيلًا، مُحَاوِلًا أَنْ يَفْهَمَ عُمْقَ هَذَا المَوْقِفِ المُفَاجِئِ:
— مِنْ أَيْنَ جَاءَ هَذَا المَوْقِفُ الحَاسِمُ فَجْأَةً، يَا كَرِيمُ؟ لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّكَ تَحْمِلُ كُلَّ هَذَا الرَّفْضَ لِمُجَرَّدِ وَثِيقَةٍ إِدَارِيَّةٍ.
أَضَافَ هَمَّامٌ، بِنَبْرَةٍ فِيهَا اسْتِغْرَابٌ حَقِيقِيٌّ:
— أَعْنِي، أَنْتَ لَمْ تَتَحَدَّثْ مَعَنَا يَوْمًا بِهَذِهِ الحِدَّةِ عَنِ السِّيَاسَةِ أَوِ النِّظَامِ. كُنْتَ دَائِمًا أَكْثَرَ انْشِغَالًا بِدِرَاسَتِكَ وَأَصْدِقَائِكَ وَمُسْتَقْبَلِكَ العَمَلِيِّ. مِنْ أَيْنَ جَاءَ هَذَا الوُضُوحُ المُفَاجِئُ فِي المَوْقِفِ؟
أَجَابَ كَرِيمٌ، وَقَدْ بَدَأَ صَوْتُهُ يَرْتَفِعُ قَلِيلًا مِنَ الانْفِعَالِ:
— لَيْسَ غَضَبًا مُفَاجِئًا، يَا أَبِي. هُوَ تَرَاكُمُ سَنَوَاتٍ كَامِلَةٍ رَأَيْتُكَ فِيهَا تَصْمُتُ، وَتُؤَجِّلُ، وَتَتَجَنَّبُ المُوَاجَهَةَ المُبَاشِرَةَ مَعَ كُلِّ مَا يُمَثِّلُهُ ذَلِكَ النِّظَامُ. لا أُرِيدُ أَنْ أَدْفَعَ وَلَوْ يُورُو وَاحِدًا لِخِزَانَتِهِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ ثَمَنَ وَرَقَةٍ رَسْمِيَّةٍ بَسِيطَةٍ. أُرِيدُ أَنْ أَتَّخِذَ مَوْقِفًا وَاضِحًا، وَلَوْ كَانَ صَغِيرًا، بَدَلَ الصَّمْتِ الدَّائِمِ الَّذِي عِشْنَاهُ طَوَالَ حَيَاتِنَا هُنَاكَ.
كَانَتْ رَهَفُ تَسْتَمِعُ إِلَى هَذَا النِّقَاشِ مِنْ زَاوِيَةِ الغُرْفَةِ، صَامِتَةً، حَتَّى قَالَتْ فَجْأَةً، بِصَوْتٍ خَافِتٍ لَكِنَّهُ وَاضِحٌ:
— أَظُنُّ أَنَّ كَرِيمَ مُحِقٌّ جُزْئِيًّا، لَكِنَّهُ أَيْضًا قَاسٍ بَعْضَ الشَّيْءِ عَلَى أَبِي. لَيْسَ الجَمِيعُ يَمْلِكُ رَفَاهِيَةَ المُوَاجَهَةِ المُبَاشِرَةِ فِي كُلِّ مَوْقِفٍ، يَا كَرِيمُ. أَبِي فَقَطْ يُرِيدُ أَنْ يَتَأَكَّدَ أَنَّ مَوْقِفَكَ لَنْ يُكَلِّفَكَ ثَمَنًا لَمْ تَحْسِبْ لَهُ حِسَابًا.
الْتَفَتَ كَرِيمٌ إِلَى أُخْتِهِ، مُتَفَاجِئًا مِنْ تَدَخُّلِهَا:
— لَمْ أَقْصِدِ الإِسَاءَةَ لِأَبِي، يَا رَهَفُ. أَنَا فَقَطْ أُرِيدُ أَنْ أَخْتَارَ طَرِيقِي أَنَا، لا أَنْ أُحَاكَمَ عَلَى اخْتِيَارِي بِمَعَايِيرِ الحَذَرِ القَدِيمِ.
قَالَتْ رَهَفُ بِهُدُوءٍ:
— أَفْهَمُ ذَلِكَ، لَكِنْ حَاوِلْ أَنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ دُونَ أَنْ تُشْعِرَ أَبِي أَنَّ حِرْصَهُ عَلَى مُسْتَقْبَلِكَ خَطَأٌ فِي حَدِّ ذَاتِهِ. كِلاهُمَا يُحَاوِلُ أَنْ يَحْمِيَكَ، لَكِنْ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
• • •
شَعَرَ هَمَّامٌ بِوَخْزَةٍ حَقِيقِيَّةٍ مِنْ هَذِهِ الكَلِمَاتِ، فَقَدْ لامَسَتْ بِدِقَّةٍ ذَلِكَ الجُزْءَ مِنْهُ الَّذِي يَخْشَى مُوَاجَهَتَهُ بِصَرَاحَةٍ كَافِيَةٍ حَتَّى مَعَ نَفْسِهِ.
تَذَكَّرَ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ عَشَرَاتِ المَوَاقِفِ الَّتِي اخْتَارَ فِيهَا الصَّمْتَ عَلَى مَدَى سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ: صَمْتَهُ أَمَامَ تَعْلِيقَاتِ زُمَلاءِ العَمَلِ الَّذِينَ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّهُمْ يُبَالِغُونَ فِي الوَلاءِ لِلنِّظَامِ خَوْفًا لا اقْتِنَاعًا، صَمْتَهُ حِينَ سُئِلَ رَأْيَهُ فِي أَحْدَاثٍ سِيَاسِيَّةٍ كُبْرَى فَأَجَابَ بِجُمَلٍ مُحَايِدَةٍ مُمَوَّهَةٍ، وَحَتَّى صَمْتَهُ الأَخِيرَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الأُولَى فِي مَرْكَزِ الإِيوَاءِ، حِينَ اسْتَمَعَ لِحَدِيثِ أَبِي خَالِدٍ دُونَ أَنْ يُجَادِلَهُ بِقُوَّةٍ كَافِيَةٍ.
قَالَ بِصَوْتٍ أَكْثَرَ هُدُوءًا مِمَّا تَوَقَّعَ مِنْ نَفْسِهِ:
— أَفْهَمُ مَا تَقْصِدُهُ، يَا كَرِيمُ. وَرُبَّمَا أَنْتَ مُحِقٌّ فِي نَقْدِكَ لِي بِهَذَا الخُصُوصِ. لَكِنْ دَعْنِي أُوَضِّحْ لَكَ أَمْرًا: حِرْصِي لَمْ يَكُنْ دَائِمًا خَوْفًا، كَانَ أَحْيَانًا مُحَاوَلَةً لِحِمَايَةِ العَائِلَةِ كُلِّهَا مِنْ مَخَاطِرَ لَمْ تَكُنْ أَنْتَ، فِي سِنِّكَ الصَّغِيرَةِ حِينَئِذٍ، تُدْرِكُ حَجْمَهَا الكَامِلَ.
قَالَ كَرِيمٌ، بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ هُدُوءًا بَعْدَ أَنْ شَعَرَ أَنَّ وَالِدَهُ يَسْتَمِعُ إِلَيْهِ فِعْلًا لا يَرُدُّ عَلَيْهِ دِفَاعِيًّا فَقَطْ:
— أَعْرِفُ ذَلِكَ يَا أَبِي، وَلا أَلُومُكَ عَلَى حَذَرِكَ فِي المَاضِي، فَالظُّرُوفُ هُنَاكَ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً تَمَامًا وَخَطِيرَةً بِشَكْلٍ حَقِيقِيٍّ. لَكِنَّنَا الآنَ هُنَا، فِي أَلْمَانْيَا، حَيْثُ لا نُوَاجِهُ نَفْسَ المَخَاطِرِ المُبَاشِرَةِ. أُرِيدُ أَنْ أَسْتَخْدِمَ هَذِهِ الحُرِّيَّةَ الجَدِيدَةَ لِأَقُولَ مَا لَمْ نَسْتَطِعْ قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ، وَلَوْ فِي مَسْأَلَةٍ صَغِيرَةٍ كَجَوَازِ سَفَرٍ.
• • •
فِي المَسَاءِ، وَبَعْدَ أَنْ هَدَأَ التَّوَتُّرُ قَلِيلًا، جَلَسَ هَمَّامٌ وَحِيدًا مَعَ كَرِيمٍ فِي حَدِيقَةِ مَرْكَزِ الإِيوَاءِ، مُحَاوِلًا أَنْ يَفْهَمَ مَوْقِفَ ابْنِهِ بِعُمْقٍ أَكْبَرَ بَعِيدًا عَنْ حِدَّةِ النِّقَاشِ الأُولَى.
قَالَ هَمَّامٌ:
— أَخْبِرْنِي بِصَرَاحَةٍ، مَاذَا تَخْشَى أَنْ يَحْدُثَ إِنْ ذَهَبْتَ إِلَى القُنْصُلِيَّةِ وَجَدَّدْتَ الجَوَازَ؟
فَكَّرَ كَرِيمٌ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ بِصِدْقٍ:
— أَخْشَى أَنَّ كُلَّ يُورُو أَدْفَعُهُ لِتِلْكَ القُنْصُلِيَّةِ يَذْهَبُ مُبَاشَرَةً إِلَى الجِهَةِ نَفْسِهَا الَّتِي دَمَّرَتْ بَيْتَنَا وَشَرَّدَتْنَا. أَخْشَى أَنْ أَقِفَ فِي طَابُورٍ أَمَامَ مُوَظَّفِيهَا، أُقَدِّمُ لَهُمُ الاحْتِرَامَ الشَّكْلِيَّ الَّذِي يَتَطَلَّبُهُ أَيُّ إِجْرَاءٍ رَسْمِيٍّ، بَيْنَمَا أَشْعُرُ فِي دَاخِلِي أَنَّنِي أَخُونُ كُلَّ مَنْ دَفَعَ حَيَاتَهُ ثَمَنًا لِمُوَاجَهَةِ هَذَا النِّظَامِ.
أَصْغَى هَمَّامٌ بِانْتِبَاهٍ عَمِيقٍ، وَقَالَ:
— هَذَا خَوْفٌ مَشْرُوعٌ تَمَامًا، يَا كَرِيمُ. لَكِنْ دَعْنِي أَطْرَحْ عَلَيْكَ زَاوِيَةً أُخْرَى: أَحْيَانًا، دَفْعُ رَسْمٍ إِدَارِيٍّ لِجِهَازٍ بَيْرُوقْرَاطِيٍّ لَيْسَ دَائِمًا المَوْقِفَ الأَكْثَرَ فَعَالِيَّةً لِلْمُقَاوَمَةِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ أَحْيَانًا التَّجَنُّبُ الكَامِلُ لِلتَّعَامُلِ مَعَهُ أَذْكَى مِنَ الدُّخُولِ فِي عَلاقَةٍ مَعَهُ أَصْلًا، وَلَوْ بِذَرِيعَةِ “أَدْنَى قَدْرٍ مُمْكِنٍ”.
قَالَ كَرِيمٌ، بِنَبْرَةٍ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ التَّحَدِّي المُهَذَّبِ:
— إِذَنْ أَنْتَ تَقُولُ إِنَّنِي مُحِقٌّ فِعْلًا فِي رَفْضِي؟
قَالَ هَمَّامٌ بِصِدْقٍ:
— أَقُولُ إِنَّنِي أَحْتَرِمُ مَوْقِفَكَ الأَخْلاقِيَّ تَمَامًا. لَكِنَّ مَا يُقْلِقُنِي فِعْلًا لَيْسَ المَبْدَأَ، بَلِ الجَانِبُ العَمَلِيُّ: هَلْ سَتَبْقَى بِلا وَثِيقَةِ هُوِيَّةٍ سَارِيَةٍ؟ هَذَا مَا أَحْتَاجُ أَنْ نَتَأَكَّدَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ نَحْسِمَ الأَمْرَ.
• • •
بَعْدَ نِقَاشٍ طَوِيلٍ، اقْتَرَحَ هَمَّامٌ حَلًّا وَسَطًا:
— مَاذَا لَوِ اسْتَشَرْنَا مُحَامِيًا مُخْتَصًّا بِشُؤُونِ اللاجِئِينَ هُنَا فِي أَلْمَانْيَا، لِيُخْبِرَنَا بِدِقَّةٍ عَنْ هَذِهِ الوَثِيقَةِ البَدِيلَةِ الَّتِي ذَكَرْتَهَا؟ لَوْ كَانَتْ فِعْلًا خِيَارًا مُعْتَرَفًا بِهِ وَلا يُعَرْقِلُ مُسْتَقْبَلَكَ، فَلَنْ يَكُونَ عِنْدِي أَيُّ اعْتِرَاضٍ عَلَى مَوْقِفِكَ.
فَكَّرَ كَرِيمٌ فِي هَذَا الاقْتِرَاحِ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ:
— هَذَا حَلٌّ مَعْقُولٌ. لَسْتُ ضِدَّ التَّأَكُّدِ مِنَ الجَانِبِ القَانُونِيِّ، أَنَا فَقَطْ ضِدَّ الذَّهَابِ إِلَى تِلْكَ القُنْصُلِيَّةِ كَخِيَارٍ أَوَّلَ وَوَحِيدَ، دُونَ أَنْ نَبْحَثَ عَنْ بَدِيلٍ.
أَضَافَ كَرِيمٌ، بِنَبْرَةٍ فِيهَا امْتِنَانٌ صَادِقٌ لِهَذَا الحَلِّ الوَسَطِ:
— أُقَدِّرُ أَنَّكَ لَمْ تُصِرَّ عَلَى رَأْيِكَ الأَوَّلِ بِالذَّهَابِ فَوْرًا، يَا أَبِي، بَلِ اسْتَمَعْتَ لِمَخَاوِفِي وَحَاوَلْتَ أَنْ تَجِدَ حَلًّا يُرَاعِيهَا. هَذَا يَعْنِي لِي أَكْثَرَ مِمَّا تَتَخَيَّلُ.
ابْتَسَمَ هَمَّامٌ، وَشَعَرَ بِارْتِيَاحٍ حَقِيقِيٍّ لِهَذَا الحَلِّ الوَسَطِ الَّذِي تَوَصَّلا إِلَيْهِ مَعًا:
— هَذَا بِالضَّبْطِ مَا كُنْتُ آمُلُ أَنْ تَصِلَ إِلَيْهِ، يَا كَرِيمُ. لَيْسَ التَّرَاجُعَ عَنْ مَوْقِفِكَ، بَلْ تَعْزِيزَهُ بِمَعْرِفَةٍ دَقِيقَةٍ تَجْعَلُهُ أَكْثَرَ صَلابَةً أَمَامَ أَيِّ تَحَدٍّ مُسْتَقْبَلِيٍّ.
• • •
فِي الأُسْبُوعِ التَّالِي، ذَهَبَ هَمَّامٌ وَكَرِيمٌ مَعًا لاسْتِشَارَةِ مُحَامٍ سُورِيٍّ مُتَخَصِّصٍ فِي شُؤُونِ اللُّجُوءِ، اسْتَقَرَّ فِي أَلْمَانْيَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، وَشَرَحَ لَهُمَا بِالتَّفْصِيلِ الفُرُوقَ القَانُونِيَّةَ الدَّقِيقَةَ بَيْنَ جَوَازِ السَّفَرِ الوَطَنِيِّ وَوَثِيقَةِ سَفَرِ اللاجِئِينَ.
كَانَ مَكْتَبُ المُحَامِي بَسِيطًا، تَتَوَسَّطُهُ طَاوِلَةٌ خَشَبِيَّةٌ قَدِيمَةٌ تَحْمِلُ أَثَرَ سَنَوَاتٍ مِنَ الاسْتِخْدَامِ، وَعَلَى الجُدْرَانِ شَهَادَاتُ تَخَرُّجٍ وَمُحَامَاةٍ مُؤَطَّرَةٌ بِعِنَايَةٍ، إِلَى جَانِبِ صُورَةٍ قَدِيمَةٍ لِمَدِينَةِ حَلَبَ الَّتِي جَاءَ مِنْهَا المُحَامِي قَبْلَ عِقْدَيْنِ مِنَ الزَّمَنِ، قَبْلَ أَنْ تَنْدَلِعَ الحَرْبُ بِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ.
قَالَ المُحَامِي، بَعْدَ أَنِ اسْتَمَعَ لِمَخَاوِفِ كَرِيمٍ بِصَبْرٍ تَامٍّ:
— فِي الحَقِيقَةِ، يَا كَرِيمُ، مَوْقِفُكَ لَيْسَ فَقَطْ مَفْهُومًا أَخْلاقِيًّا، بَلْ إِنَّ القَانُونَ الأَلْمَانِيَّ نَفْسَهُ يَتَعَامَلُ مَعَ هَذِهِ المَسْأَلَةِ بِحَسَاسِيَّةٍ مُشَابِهَةٍ. أَنْتَ، بِوَصْفِكَ طَالِبَ لُجُوءٍ، مِنَ الأَفْضَلِ أَلَّا تُجَدِّدَ أَوْ تَسْتَخْدِمَ جَوَازَ سَفَرِ الدَّوْلَةِ الَّتِي تَدَّعِي أَنَّكَ هَرَبْتَ مِنِ اضْطِهَادِهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يُفَسَّرُ قَانُونِيًّا عَلَى أَنَّهُ عَوْدَةٌ طَوْعِيَّةٌ إِلَى “حِمَايَةِ” تِلْكَ الدَّوْلَةِ، وَهُوَ مَا قَدْ يُثِيرُ شُكُوكًا حَوْلَ صِدْقِ طَلَبِ اللُّجُوءِ نَفْسِهِ.
سَأَلَهُ هَمَّامٌ، بِفُضُولِ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَفْهَمَ الصُّورَةَ كَامِلَةً:
— وَمَاذَا يَفْعَلُ إِذَنْ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى وَثِيقَةِ سَفَرٍ سَارِيَةٍ؟
أَجَابَ المُحَامِي:
— بِمُجَرَّدِ حُصُولِكُمْ عَلَى الاعْتِرَافِ بِوَضْعِ اللُّجُوءِ، يَحِقُّ لِكَرِيمٍ التَّقَدُّمُ بِطَلَبٍ لِلْحُصُولِ عَلَى مَا يُسَمَّى “وَثِيقَةَ سَفَرٍ لِلاجِئِينَ”، تُصْدِرُهَا السُّلُطَاتُ الأَلْمَانِيَّةُ نَفْسُهَا، وَتُعْتَرَفُ بِهَا مُعْظَمُ دُوَلِ العَالَمِ لِلسَّفَرِ وَإِثْبَاتِ الهُوِيَّةِ، دُونَ أَيِّ حَاجَةٍ لِلتَّعَامُلِ مَعَ السَّفَارَةِ أَوِ القُنْصُلِيَّةِ السُّورِيَّةِ عَلَى الإِطْلاقِ.
شَعَرَ كَرِيمٌ بِرَاحَةٍ كَبِيرَةٍ بَعْدَ سَمَاعِ هَذَا التَّوْضِيحِ القَانُونِيِّ الوَاضِحِ:
— إِذَنْ قَرَارِي الأَصْلِيُّ بِعَدَمِ الذَّهَابِ كَانَ صَحِيحًا مِنَ النَّاحِيَةِ القَانُونِيَّةِ أَيْضًا، لا مُجَرَّدَ مَوْقِفٍ عَاطِفِيٍّ؟
أَجَابَ المُحَامِي بِابْتِسَامَةٍ:
— بِالضَّبْطِ. مَوْقِفُكَ الأَخْلاقِيُّ وَالمَصْلَحَةُ القَانُونِيَّةُ يَتَوَافَقَانِ هُنَا تَمَامًا، وَهَذَا نَادِرُ الحُدُوثِ فِي مِثْلِ هَذِهِ المَوَاقِفِ المُعَقَّدَةِ. الأَمْرُ الوَحِيدُ الَّذِي يَحْتَاجُهُ الآنَ هُوَ أَنْ يَتَقَدَّمَ بِطَلَبِ وَثِيقَةِ السَّفَرِ البَدِيلَةِ قَبْلَ انْتِهَاءِ صَلاحِيَّةِ جَوَازِهِ الحَالِيِّ بِوَقْتٍ كَافٍ، تَجَنُّبًا لِأَيِّ فَجْوَةٍ فِي إِثْبَاتِ هُوِيَّتِهِ.
أَضَافَ المُحَامِي، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى كَرِيمٍ بِتَقْدِيرٍ وَاضِحٍ:
— أَرَى كَثِيرًا مِنَ الشَّبَابِ السُّورِيِّينَ الَّذِينَ يَأْتُونَ إِلَى مَكْتَبِي يَشْعُرُونَ بِالحَيْرَةِ وَالذَّنْبِ حِيَالَ قَرَارَاتٍ مُشَابِهَةٍ، وَيَنْتَهِي بِهِمُ الأَمْرُ إِلَى القُنْصُلِيَّةِ لِمُجَرَّدِ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا أَنَّ هُنَاكَ بَدِيلًا مُتَاحًا. سَعِدْتُ بِرُؤْيَةِ شَابٍّ يُفَكِّرُ بِهَذَا العُمْقِ قَبْلَ اتِّخَاذِ قَرَارِهِ، بَدَلَ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِدَافِعِ الغَضَبِ وَحْدَهُ أَوْ بِدَافِعِ الاسْتِسْلامِ وَحْدَهُ.
خَرَجَ كَرِيمٌ مِنْ مَكْتَبِ المُحَامِي وَهُوَ يَشْعُرُ بِثِقَةٍ مُضَاعَفَةٍ فِي قَرَارِهِ، وَنَظَرَ إِلَى وَالِدِهِ قَائِلًا:
— شُكْرًا لَكَ، يَا أَبِي، لِأَنَّكَ لَمْ تَفْرِضْ عَلَيَّ رَأْيَكَ، بَلْ سَاعَدْتَنِي عَلَى الوُصُولِ إِلَى قَنَاعَتِي الخَاصَّةِ بِمَعْلُومَاتٍ صَحِيحَةٍ.
ابْتَسَمَ هَمَّامٌ، وَرَبَّتَ عَلَى كَتِفِ ابْنِهِ:
— وَأَنَا أَشْكُرُكَ، يَا كَرِيمُ، لِأَنَّكَ عَلَّمْتَنِي اليَوْمَ أَنَّ التَّسْلِيمَ بِالأَمْرِ الوَاقِعِ لَيْسَ الخِيَارَ الوَحِيدَ المُتَاحَ دَائِمًا، حَتَّى لَوْ كَانَ هُوَ الخِيَارَ الَّذِي اعْتَدْتُهُ طَوَالَ حَيَاتِي.
فِي طَرِيقِ عَوْدَتِهِمَا إِلَى مَرْكَزِ الإِيوَاءِ، سَأَلَ هَمَّامٌ ابْنَهُ سُؤَالًا كَانَ يَشْغَلُهُ مُنْذُ بِدَايَةِ هَذَا الخِلافِ:
— هَلْ تَظُنُّ أَنَّكَ سَتُخْبِرُ أَصْدِقَاءَكَ الجُدُدَ هُنَا، الأَلْمَانَ مِنْهُمْ، بِهَذِهِ القِصَّةِ؟ عَنْ رَفْضِكَ التَّعَامُلَ مَعَ القُنْصُلِيَّةِ حَتَّى لِمُجَرَّدِ وَرَقَةٍ؟
فَكَّرَ كَرِيمٌ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَ:
— رُبَّمَا، إِنْ سَأَلُونِي. لا أَخْجَلُ مِنْ مَوْقِفِي، بَلْ أَعْتَزُّ بِهِ. لَكِنَّنِي أَيْضًا لا أُرِيدُ أَنْ أُحَوِّلَ الأَمْرَ إِلَى دِرَامَا مُبَالَغٍ فِيهَا أَمَامَهُمْ. هُوَ بِبَسَاطَةٍ قَرَارٌ شَخْصِيٌّ اتَّخَذْتُهُ بِنَاءً عَلَى قَنَاعَاتِي وَتَارِيخِ عَائِلَتِي.
ابْتَسَمَ هَمَّامٌ:
— هَذَا نُضْجٌ حَقِيقِيٌّ، يَا كَرِيمُ. أَنْ تَحْمِلَ مَوْقِفًا بِقُوَّةٍ، دُونَ أَنْ تَحْتَاجَ لاسْتِعْرَاضِهِ أَمَامَ الآخَرِينَ لِإِثْبَاتِ شَيْءٍ لِنَفْسِكَ.
وَصَلا إِلَى مَرْكَزِ الإِيوَاءِ، وَوَجَدَا سَلْمَى وَرَهَفَ تَنْتَظِرَانِهِمَا بِفَارِغِ الصَّبْرِ، فَرَوَى كَرِيمٌ لَهُمَا تَفَاصِيلَ اللِّقَاءِ مَعَ المُحَامِي بِحَمَاسَةٍ وَاضِحَةٍ، وَشَعَرَتِ العَائِلَةُ كُلُّهَا، لِلْمَرَّةِ الأُولَى مُنْذُ هَذَا الخِلافِ الصَّبَاحِيِّ، بِنَوْعٍ مِنَ الانْسِجَامِ الجَدِيدِ: لَيْسَ لِأَنَّهُمُ اتَّفَقُوا جَمِيعًا عَلَى رَأْيٍ وَاحِدٍ مُنْذُ البِدَايَةِ، بَلْ لِأَنَّهُمْ وَجَدُوا طَرِيقَةً يَحْتَرِمُ فِيهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَوْقِفَ الآخَرِ، حَتَّى وَسْطَ الاخْتِلافِ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَبَيْنَمَا كَانَ هَمَّامٌ يَسْتَعِدُّ لِلنَّوْمِ، فَكَّرَ فِي حِوَارِ ذَلِكَ اليَوْمِ طَوِيلًا، وَشَعَرَ أَنَّ ابْنَهُ، رَغْمَ صِغَرِ سِنِّهِ، بَدَأَ يُعَلِّمُهُ دُرُوسًا فِي المُوَاجَهَةِ وَالوُضُوحِ لَمْ يَتَعَلَّمْهَا هُوَ نَفْسُهُ إِلَّا مُتَأَخِّرًا جِدًّا، إِنْ كَانَ قَدْ تَعَلَّمَهَا أَصْلًا حَتَّى تِلْكَ اللَّحْظَةِ.


قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 14


قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 12