قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 22

قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ
الْفَصْلُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ
وَصَلَتْ دَعْوَةُ الزِّفَافِ أَخِيرًا، بِطَاقَةٌ أَنِيقَةٌ صَمَّمَتْهَا سَلْوَى بِنَفْسِهَا، تَحْمِلُ اسْمَهَا وَاسْمَ خَطِيبِهَا الْأَلْمَانِيِّ، وَمَزِيجًا مِنَ الزَّخَارِفِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْأَلْمَانِيَّةِ يَعْكِسُ، كَمَا قَالَتْ لِجُورْجَ حِينَ أَعْطَتْهُ إِيَّاهَا، «حَيَاةً سَتُبْنَى مِنْ ثَقَافَتَيْنِ، لَا مِنْ ثَقَافَةٍ وَاحِدَةٍ تُلْغِي الْأُخْرَى».
تَذَكَّرَ جُورْجُ، وَهُوَ يُقَلِّبُ الْبِطَاقَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ، كُلَّ الْأَشْهُرِ الَّتِي مَرَّتْ مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي أَخْبَرَتْهُ فِيهِ سَلْوَى بِخَبَرِ خِطْبَتِهَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، وَكَيْفَ شَعَرَ حِينَهَا بِغَضَبٍ حَادٍّ كَادَ يَدْفَعُهُ لِقَطْعِ عَلَاقَتِهِ بِأُخْتِهِ الْوَحِيدَةِ كُلِّيًّا. بَدَا لَهُ الْآنَ، أَمَامَ هَذِهِ الْبِطَاقَةِ الْأَنِيقَةِ، أَنَّ ذَلِكَ الْغَضَبَ الْأَوَّلَ يَنْتَمِي إِلَى رَجُلٍ آخَرَ، أَقَلَّ نُضْجًا مِنَ الرَّجُلِ الَّذِي أَصْبَحَ عَلَيْهِ بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ الْمُحَادَثَاتِ مَعَ أَبُونَا يُوسُفَ وَمَعَ مِيرَا.
مَرَّتْ أَشْهُرٌ مُنْذُ ذَلِكَ اللِّقَاءِ الْأَوَّلِ بَيْنَ جُورْجَ وَخَطِيبِ أُخْتِهِ فِي الْمَقْهَى، أَشْهُرٌ مَرَّ خِلَالَهَا جُورْجُ بِمَرَاحِلَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ الْقَبُولِ وَالرَّفْضِ الْمُتَرَدِّدِ: أَحْيَانًا كَانَ يَقْتَنِعُ تَمَامًا بِحُجَجِ مِيرَا وَأَبُونَا يُوسُفَ، وَأَحْيَانًا أُخْرَى كَانَتْ تَعُودُ إِلَيْهِ مَخَاوِفُهُ الْقَدِيمَةُ، خَاصَّةً حِينَ يَتَذَكَّرُ جَدَّتَهُ الَّتِي عَاشَتْ حَيَاتَهَا كُلَّهَا مُحَافِظَةً عَلَى تَقَالِيدِ الْكَنِيسَةِ الصَّغِيرَةِ وَسْطَ أَغْلَبِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَيَتَسَاءَلُ إِنْ كَانَتْ سَتُوَافِقُ عَلَى مَا يُوشِكُ أَنْ يَحْدُثَ فِي عَائِلَتِهَا.
أَمْسَكَ جُورْجُ بِالْبِطَاقَةِ طَوِيلًا، يَتَأَمَّلُ هَذَا الْمَزِيجَ الْبَصَرِيَّ الْغَرِيبَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لِمِيرَا:
– مَا زِلْتُ غَيْرَ مُتَأَكِّدٍ تَمَامًا مِنْ قَرَارِي النِّهَائِيِّ بِخُصُوصِ حُضُورِي.
قَالَتْ مِيرَا، بِصَبْرٍ اعْتَادَتْهُ مَعَهُ مُنْذُ أَشْهُرٍ مِنْ هَذَا التَّرَدُّدِ:
– قُلْتَ لِي إِنَّكَ سَتُقَابِلُهُ، وَفَعَلْتَ. قُلْتَ إِنَّكَ سَتُفَكِّرُ فِي الْأَمْرِ بِعُمْقٍ، وَفَعَلْتَ أَيْضًا. مَتَى سَتَتَّخِذُ الْقَرَارَ النِّهَائِيَّ، يَا جُورْجُ؟
ذَهَبَ جُورْجُ إِلَى أَبُونَا يُوسُفَ مُجَدَّدًا، يَطْلُبُ نَصِيحَتَهُ الْأَخِيرَةَ قَبْلَ الزِّفَافِ بِأُسْبُوعٍ وَاحِدٍ.
قَالَ أَبُونَا يُوسُفُ، بَعْدَ أَنِ اسْتَمَعَ لِتَرَدُّدِ جُورْجَ الْمُسْتَمِرِّ:
– جُورْجُ، سَأَلْتُكَ مِنْ قَبْلُ: هَلْ إِيمَانُكَ مُرْتَبِطٌ بِمَنْ تَتَزَوَّجُهُ أُخْتُكَ، أَمْ بِعَلَاقَتِكَ أَنْتَ الشَّخْصِيَّةِ بِاللهِ؟ يَبْدُو أَنَّكَ مَا زِلْتَ تَبْحَثُ عَنْ إِجَابَةٍ لِهَذَا السُّؤَالِ.
قَالَ جُورْجُ، بِصِدْقٍ:
– أَظُنُّ أَنَّنِي أَعْرِفُ الْإِجَابَةَ النَّظَرِيَّةَ، لَكِنَّ قَلْبِي مَا زَالَ يُقَاوِمُ أَنْ يَعِيشَهَا فِعْلِيًّا. أَخْشَى أَنَّ حُضُورِي الزِّفَافَ يَعْنِي تَنَازُلًا كَامِلًا عَنْ كُلِّ مَا تَرَبَّيْنَا عَلَيْهِ.
سَأَلَهُ أَبُونَا يُوسُفُ:
– وَمَاذَا عَنِ ابْنَةِ أَخِيكَ الْمُسْتَقْبَلِيَّةِ، إِنْ رَزَقَ اللهُ سَلْوَى بِأَطْفَالٍ؟ أَلَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ عَمًّا حَاضِرًا فِي حَيَاتِهِمْ، لَا غَائِبًا بِسَبَبِ خِلَافٍ قَدِيمٍ مَعَ اخْتِيَارِ أُمِّهِمْ؟
تَوَقَّفَ جُورْجُ، مُتَأَثِّرًا بِهَذَا السُّؤَالِ الَّذِي لَمْ يُفَكِّرْ فِيهِ مِنْ قَبْلُ:
– لَمْ أُفَكِّرْ فِي هَذَا الْجَانِبِ بِصَرَاحَةٍ.
قَالَ أَبُونَا يُوسُفُ بِحِكْمَةٍ:
– أَمْ أَنَّ حُضُورَكَ يَعْنِي أَنَّكَ اخْتَرْتَ أَنْ تَكُونَ أَخًا حَاضِرًا، لَا حَكَمًا غَائِبًا؟ الْحُضُورُ فِي زِفَافِ أُخْتِكَ لَا يَعْنِي أَنَّكَ تُوَافِقُ عَلَى كُلِّ تَفْصِيلٍ فِي اخْتِيَارِهَا، بَلْ يَعْنِي أَنَّكَ تَخْتَارُ الْعَلَاقَةَ مَعَهَا فَوْقَ الْخِلَافِ حَوْلَ التَّفَاصِيلِ.
سَأَلَهُ جُورْجُ، بِصِدْقٍ حَائِرٍ:
– وَمَاذَا لَوْ رَأَى النَّاسُ فِي الْجَمَاعَةِ حُضُورِي كَمُوَافَقَةٍ كَامِلَةٍ عَلَى قَرَارِهَا؟ أَخْشَى أَنْ يُفْهَمَ مَوْقِفِي بِشَكْلٍ خَاطِئٍ.
ابْتَسَمَ أَبُونَا يُوسُفُ ابْتِسَامَةً هَادِئَةً:
– لَا يُمْكِنُكَ أَنْ تَتَحَكَّمَ بِكُلِّ تَفْسِيرَاتِ النَّاسِ، يَا جُورْجُ. يُمْكِنُكَ فَقَطْ أَنْ تَعِيشَ بِصِدْقٍ مَعَ قَنَاعَاتِكَ الْخَاصَّةِ. إِنْ سَأَلَكَ أَحَدٌ، اشْرَحْ مَوْقِفَكَ بِوُضُوحٍ: أَنَّكَ تَحْضُرُ لِأَجْلِ حُبِّكَ لِأُخْتِكَ، لَا مُوَافَقَةً كَامِلَةً عَلَى كُلِّ تَفْصِيلٍ دِينِيٍّ أَوِ اجْتِمَاعِيٍّ فِي قَرَارِهَا.
فِي الْمَسَاءِ، جَلَسَ جُورْجُ مَعَ مِيرَا، وَسَأَلَهَا سُؤَالًا كَانَ يَخْشَى طَرْحَهُ مِنْ قَبْلُ:
– مِيرَا، مَاذَا لَوْ حَضَرْتُ الزِّفَافَ، ثُمَّ شَعَرْتُ لَاحِقًا بِالنَّدَمِ؟ مَاذَا لَوْ كَانَ هَذَا الْقَرَارُ خَطَأً لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ؟
فَكَّرَتْ مِيرَا طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ:
– وَمَاذَا لَوْ لَمْ تَحْضُرْ، ثُمَّ نَدِمْتَ عَلَى غِيَابٍ لَا يُمْكِنُ تَعْوِيضُهُ أَيْضًا؟ كِلَا الْخِيَارَيْنِ يَحْمِلَانِ احْتِمَالَ النَّدَمِ، يَا جُورْجُ. السُّؤَالُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ: أَيَّ نَدَمٍ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَعَايَشَ مَعَهُ بِسَلَامٍ أَكْبَرَ؟
صَمَتَ جُورْجُ طَوِيلًا، يُفَكِّرُ فِي هَذَا السُّؤَالِ مِنْ زَاوِيَةٍ لَمْ يُفَكِّرْ فِيهَا مِنْ قَبْلُ بِهَذَا الْوُضُوحِ.
أَضَافَتْ مِيرَا، بِلُطْفٍ:
– تَذَكَّرْ أَيْضًا، يَا جُورْجُ، أَنَّ أُخْتَكَ اخْتَارَتْ أَنْ تَدْعُوَكَ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ تَرَدُّدَاتِكَ الْمَعْرُوفَةِ لَهَا. هَذَا يَعْنِي أَنَّهَا مَا زَالَتْ تُرِيدُكَ جُزْءًا مِنْ حَيَاتِهَا، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ الْخِلَافِ. أَلَا يَسْتَحِقُّ هَذَا الْحُبُّ الْمُتَبَادَلُ أَنْ يُقَابَلَ بِمُحَاوَلَةٍ صَادِقَةٍ مِنْكَ، حَتَّى لَوْ لَمْ تَصِلْ إِلَى قَنَاعَةٍ كَامِلَةٍ؟
نَظَرَ جُورْجُ إِلَى زَوْجَتِهِ طَوِيلًا، وَشَعَرَ أَنَّ كَلِمَاتِهَا، كَعَادَتِهَا دَائِمًا، تَحْمِلُ حِكْمَةً هَادِئَةً تُسَاعِدُهُ عَلَى رُؤْيَةِ الْأُمُورِ مِنْ زَاوِيَةٍ أَوْضَحَ مِمَّا يَرَاهَا بِمُفْرَدِهِ.
فِي يَوْمِ الزِّفَافِ، وَقَفَ جُورْجُ أَمَامَ الْمِرْآةِ، يَرْتَدِي بِذْلَتَهُ الرَّسْمِيَّةَ، مُتَرَدِّدًا حَتَّى اللَّحْظَةِ الْأَخِيرَةِ.
دَخَلَتْ مِيرَا، مُرْتَدِيَةً فُسْتَانَهَا الْأَنِيقَ، وَرَأَتْهُ وَاقِفًا دُونَ حَرَاكٍ:
– جُورْجُ، حَانَ وَقْتُ الذَّهَابِ. هَلْ قَرَّرْتَ؟
نَظَرَ إِلَيْهَا جُورْجُ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ يَحْمِلُ قَرَارًا أَخِيرًا:
– سَأَحْضُرُ. لَنْ أَقِفَ عِنْدَ الْمَذْبَحِ، وَلَنْ أُشَارِكَ فِي أَيِّ طَقْسٍ دِينِيٍّ إِسْلَامِيٍّ إِنْ وُجِدَ جُزْءٌ مِنَ الْحَفْلِ يَخُصُّهُ، لَكِنَّنِي سَأَحْضُرُ، وَسَأَحْتَفِلُ بِأُخْتِي، لَا بِقَرَارِهَا الدِّينِيِّ أَوِ الِاجْتِمَاعِيِّ الَّذِي مَا زِلْتُ غَيْرَ مُقْتَنِعٍ بِهِ بِالْكَامِلِ.
ابْتَسَمَتْ مِيرَا، وَأَمْسَكَتْ بِيَدِهِ:
– هَذَا كُلُّ مَا كَانَتْ تَطْلُبُهُ سَلْوَى مِنْكَ، يَا جُورْجُ. حُضُورُكَ، لَا مُوَافَقَتُكَ الْكَامِلَةُ.
أَضَافَتْ مِيرَا، وَهِيَ تُصْلِحُ رَبْطَةَ عُنُقِهِ بِحَنَانٍ:
– وَأُرِيدُكَ أَنْ تَعْرِفَ شَيْئًا آخَرَ: مَهْمَا كَانَ قَرَارُكَ، أَنَا فَخُورَةٌ بِكَ لِأَنَّكَ وَصَلْتَ إِلَيْهِ بِنَفْسِكَ، بَعْدَ كُلِّ هَذَا التَّفْكِيرِ وَالصَّلَاةِ وَالْحِوَارِ، لَا لِأَنَّ أَحَدًا أَجْبَرَكَ عَلَيْهِ.
شَعَرَ جُورْجُ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ لِهَذَا الدَّعْمِ، وَخَرَجَا مَعًا نَحْوَ قَاعَةِ الزِّفَافِ.
وَصَلَ جُورْجُ وَمِيرَا إِلَى قَاعَةِ الزِّفَافِ، مُزَيَّنَةً بِمَزِيجٍ مِنَ الزُّهُورِ الْبَيْضَاءِ الْأُورُوبِّيَّةِ وَالْيَاسَمِينِ الشَّامِيِّ الَّذِي أَصَرَّتْ سَلْوَى عَلَى إِحْضَارِهِ خِصِّيصًا مِنْ مَتْجَرٍ عَرَبِيٍّ، رَمْزًا لِجُذُورِهَا الَّتِي لَمْ تَتَخَلَّ عَنْهَا عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.
لَاحَظَ جُورْجُ تَفَاصِيلَ أُخْرَى تَعْكِسُ هَذَا الْمَزِيجَ: طَاوِلَةً صَغِيرَةً تَحْمِلُ حَلَوِيَّاتٍ شَامِيَّةً تَقْلِيدِيَّةً بِجِوَارِ كَعْكَةِ الزِّفَافِ الْأَلْمَانِيَّةِ الْكِلَاسِيكِيَّةِ، وَمُوسِيقَى تَتَنَاوَبُ بَيْنَ أَغَانٍ عَرَبِيَّةٍ قَدِيمَةٍ وَمُوسِيقَى أَلْمَانِيَّةٍ مُعَاصِرَةٍ، وَكَأَنَّ الْقَاعَةَ نَفْسَهَا تَرْوِي قِصَّةَ عَرُوسَيْنِ يَبْنِيَانِ بَيْتًا مِنْ طَبَقَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، لَا مِنْ طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ تَمْحُو الْأُخْرَى.
الْتَقَى جُورْجُ أَثْنَاءَ الْحَفْلِ بِوَالِدَيْ خَطِيبِ أُخْتِهِ، زَوْجَيْنِ أَلْمَانِيَّيْنِ مُتَقَاعِدَيْنِ، بَدَا عَلَيْهِمَا وُدٌّ حَقِيقِيٌّ حِينَ تَعَارَفَا. قَالَ وَالِدُ الْخَطِيبِ، بِمُسَاعَدَةِ تَرْجَمَةٍ بَسِيطَةٍ مِنَ ابْنِهِ:
– سَعِدْنَا كَثِيرًا حِينَ عَلِمْنَا أَنَّكَ سَتَحْضُرُ. ابْنُنَا أَخْبَرَنَا كَمْ كَانَ هَذَا الْقَرَارُ صَعْبًا عَلَيْكَ، وَنَحْنُ نُقَدِّرُ شَجَاعَتَكَ فِي مُوَاجَهَةِ تَرَدُّدَاتِكَ مِنْ أَجْلِ أُخْتِكَ.
شَعَرَ جُورْجُ بِدِفْءٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعٍ مِنْ هَذَا التَّرْحِيبِ الصَّادِقِ، وَقَالَ:
– أُقَدِّرُ كَلِمَاتِكُمْ. مَا زِلْتُ أَتَعَلَّمُ كَيْفَ أُوَازِنُ بَيْنَ تَمَسُّكِي بِتُرَاثِي وَبَيْنَ احْتِرَامِ اخْتِيَارَاتِ مَنْ أُحِبُّ.
ابْتَسَمَتْ وَالِدَةُ الْخَطِيبِ، وَقَالَتْ شَيْئًا تَرْجَمَهُ ابْنُهَا بِحَنَانٍ:
– تَقُولُ أُمِّي إِنَّهَا تَفْهَمُ هَذَا الشُّعُورَ تَمَامًا، فَقَدْ مَرَّتْ هِيَ أَيْضًا بِتَجْرِبَةٍ مُشَابِهَةٍ حِينَ تَزَوَّجَ ابْنُهَا الْآخَرُ مِنِ امْرَأَةٍ يَابَانِيَّةٍ قَبْلَ سَنَوَاتٍ. الْحُبُّ، كَمَا تَقُولُ، يَحْتَاجُ دَائِمًا وَقْتًا لِيَتَّسِعَ لِمَا هُوَ مُخْتَلِفٌ عَنَّا.
حِينَ رَأَتْ سَلْوَى أَخَاهَا يَدْخُلُ الْقَاعَةَ، تَرَكَتْ مَجْمُوعَةَ الْمُهَنِّئِينَ مِنْ حَوْلِهَا، وَأَسْرَعَتْ نَحْوَهُ بِدُمُوعِ فَرَحٍ لَمْ تَسْتَطِعْ كَبْتَهَا:
– جُورْجُ! لَمْ أَكُنْ مُتَأَكِّدَةً أَنَّكَ سَتَأْتِي حَتَّى هَذِهِ اللَّحْظَةِ.
احْتَضَنَهَا جُورْجُ بِحَرَارَةٍ، وَقَالَ بِصِدْقٍ:
– لَنْ أُفَوِّتَ زِفَافَ أُخْتِي الْوَحِيدَةِ، مَهْمَا كَانَتْ خِلَافَاتِي حَوْلَ التَّفَاصِيلِ. أَنْتِ أَهَمُّ مِنْ أَيِّ خِلَافٍ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ سَلْوَى بِعَيْنَيْنِ مَلِيئَتَيْنِ بِالِامْتِنَانِ:
– هَلْ مَا زِلْتَ غَاضِبًا مِنِّي؟
فَكَّرَ جُورْجُ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ بِصِدْقٍ:
– لَسْتُ غَاضِبًا، يَا سَلْوَى. مَا زِلْتُ مُتَرَدِّدًا بِشَأْنِ بَعْضِ التَّفَاصِيلِ، لَكِنَّنِي تَوَصَّلْتُ إِلَى قَنَاعَةٍ أَنَّ حُبِّي لَكِ أَهَمُّ مِنْ كُلِّ هَذَا التَّرَدُّدِ. سَأَحْتَاجُ وَقْتًا لِأَتَصَالَحَ تَمَامًا مَعَ كُلِّ جَوَانِبِ هَذَا الْقَرَارِ، لَكِنَّنِي هُنَا، وَسَأَبْقَى حَاضِرًا فِي حَيَاتِكِ مَهْمَا اسْتَغْرَقَ هَذَا التَّصَالُحُ.
خِلَالَ الْحَفْلِ، جَلَسَ جُورْجُ بِجِوَارِ مِيرَا، يُرَاقِبُ الْمَزِيجَ الْغَرِيبَ مِنَ الْعَادَاتِ: نُخْبًا أَلْمَانِيًّا تَقْلِيدِيًّا، يَلِيهِ رَقْصٌ شَرْقِيٌّ أَدَارَتْهُ إِحْدَى صَدِيقَاتِ سَلْوَى، ثُمَّ كَلِمَةٌ قَصِيرَةٌ مِنْ خَطِيبِ سَلْوَى، الَّذِي شَكَرَ جُورْجَ بِالِاسْمِ عَلَى حُضُورِهِ، مُعْتَرِفًا بِصُعُوبَةِ الْقَرَارِ الَّذِي اتَّخَذَهُ.
قَالَ الْخَطِيبُ، أَمَامَ الْحُضُورِ جَمِيعًا:
– أَعْرِفُ أَنَّ حُضُورَ أَخِي جُورْجَ الْيَوْمَ لَمْ يَكُنْ قَرَارًا سَهْلًا، وَأَنَا مُمْتَنٌّ لَهُ شَخْصِيًّا لِأَنَّهُ اخْتَارَ الْحُبَّ فَوْقَ الْخِلَافِ. أَعِدُهُ أَنْ أَحْتَرِمَ دَائِمًا إِيمَانَ سَلْوَى وَعَائِلَتِهَا، وَأَنْ نَبْنِيَ بَيْتًا يَحْتَضِنُ كِلَا تُرَاثَيْنَا بِلَا إِقْصَاءٍ لِأَيٍّ مِنْهُمَا.
اسْتَمَرَّ الْخَطِيبُ فِي كَلِمَتِهِ، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ صِدْقًا وَاضِحًا:
– تَعَلَّمْتُ مِنْ سَلْوَى الْكَثِيرَ عَنْ تَارِيخِ عَائِلَتِهَا، عَنْ صُمُودِهِمْ فِي حَلَبَ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ الصِّعَابِ، عَنْ إِيمَانِهِمُ الَّذِي لَمْ يَتَزَعْزَعْ وَسْطَ أَقْسَى الظُّرُوفِ. أَعِدُكُمْ جَمِيعًا أَنْ أُسَاعِدَ فِي الْحِفَاظِ عَلَى هَذَا التُّرَاثِ حَيًّا فِي بَيْتِنَا، حَتَّى لَوِ اخْتَرْنَا نَحْنُ الِاثْنَانِ طَرِيقًا مُخْتَلِفًا عَنِ الطَّرِيقِ التَّقْلِيدِيِّ الَّذِي عَرَفْتُمُوهُ.
شَعَرَ جُورْجُ بِتَأَثُّرٍ عَمِيقٍ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْعَلَنِيَّةِ، وَتَبَادَلَ نَظْرَةً صَامِتَةً مَعَ مِيرَا، الَّتِي ابْتَسَمَتْ لَهُ بِفَخْرٍ وَاضِحٍ.
هَمَسَتْ مِيرَا فِي أُذُنِهِ:
– أَرَأَيْتَ؟ هَذَا الشَّابُّ يَحْتَرِمُ تُرَاثَكَ أَكْثَرَ مِمَّا تَوَقَّعْتَ، يَا جُورْجُ.
أَوْمَأَ جُورْجُ بِرَأْسِهِ، مُتَأَثِّرًا أَكْثَرَ مِمَّا اسْتَطَاعَ التَّعْبِيرَ عَنْهُ بِالْكَلَامِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ.
فِي نِهَايَةِ الْحَفْلِ، جَلَسَ جُورْجُ مَعَ سَلْوَى لِلَحَظَاتٍ هَادِئَةٍ، بَعِيدًا عَنْ ضَجِيجِ الِاحْتِفَالِ.
قَالَتْ سَلْوَى، بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ:
– شُكْرًا لَكَ، جُورْجُ. حُضُورُكَ الْيَوْمَ يَعْنِي لِي أَكْثَرَ مِمَّا تَتَخَيَّلُ.
قَالَ جُورْجُ، بِصِدْقٍ:
– مَا زِلْتُ لَا أُوَافِقُ عَلَى كُلِّ تَفْصِيلٍ فِي قَرَارِكِ، يَا سَلْوَى. لَكِنَّنِي أَدْرَكْتُ أَنَّ حُبِّي لَكِ أَكْبَرُ مِنْ أَيِّ خِلَافٍ حَوْلَ التَّفَاصِيلِ. أَنْتِ أُخْتِي، وَسَتَبْقَيْنَ كَذَلِكَ مَهْمَا اخْتَلَفَتْ قَرَارَاتُكِ عَنْ تَوَقُّعَاتِي.
ابْتَسَمَتْ سَلْوَى، وَدُمُوعُهَا لَا تَزَالُ تَلْمَعُ فِي عَيْنَيْهَا:
– هَذَا كُلُّ مَا أَرَدْتُهُ مِنْكَ، يَا جُورْجُ. لَيْسَ مُوَافَقَتَكَ الْكَامِلَةَ، بَلِ اسْتِمْرَارَ حُضُورِكَ فِي حَيَاتِي.
فِي طَرِيقِ الْعَوْدَةِ، قَالَتْ مِيرَا لِجُورْجَ:
– كَيْفَ تَشْعُرُ الْآنَ، بَعْدَ أَنِ انْتَهَى الْحَفْلُ؟
فَكَّرَ جُورْجُ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ بِصِدْقٍ:
– أَشْعُرُ بِرَاحَةٍ لَمْ أَتَوَقَّعْهَا. ظَنَنْتُ أَنَّ حُضُورِي سَيَعْنِي خِيَانَةً لِقِيَمِي، لَكِنَّنِي اكْتَشَفْتُ أَنَّهُ كَانَ تَأْكِيدًا لِقِيمَةٍ أَهَمَّ: أَنَّ الْحُبَّ الْعَائِلِيَّ يَجِبُ أَنْ يَتَّسِعَ لِاخْتِلَافَاتٍ لَا نَتَّفِقُ مَعَهَا بِالضَّرُورَةِ، طَالَمَا لَا تُؤْذِي أَحَدًا.
ابْتَسَمَتْ مِيرَا، وَأَمْسَكَتْ بِيَدِهِ:
– هَذَا أَعْمَقُ دَرْسٍ تَعَلَّمْنَاهُ مُنْذُ وُصُولِنَا إِلَى هُنَا، أَظُنُّ. أَنَّ الْإِيمَانَ الْحَقِيقِيَّ لَا يُقَاسُ بِصَلَابَةِ مَوَاقِفِنَا تُجَاهَ اخْتِلَافِ الْآخَرِينَ، بَلْ بِقُدْرَتِنَا عَلَى أَنْ نُحِبَّ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ هَذَا الِاخْتِلَافِ، لَا أَنْ نَتَخَلَّى عَنْ حُبِّنَا بِسَبَبِهِ.
بَعْدَ أَسَابِيعَ مِنَ الزِّفَافِ، تَلَقَّى جُورْجُ اتِّصَالًا مِنْ سَلْوَى، تُخْبِرُهُ بِخَبَرِ حَمْلِهَا الْأَوَّلِ.
سَأَلَتْهُ سَلْوَى، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ تَرَقُّبًا حَذِرًا:
– جُورْجُ، أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ سُؤَالًا مُهِمًّا: هَلْ تَقْبَلُ أَنْ تَكُونَ عِرَّابَ طِفْلِي، إِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْعَادَةُ سَتُطَبَّقُ بِشَكْلٍ مَا فِي تَرْبِيَتِهِ الْمُخْتَلِطَةِ؟
شَعَرَ جُورْجُ بِعَاطِفَةٍ جَيَّاشَةٍ، وَدُمُوعٍ كَادَتْ تُفْلِتُ مِنْ عَيْنَيْهِ:
– يُشَرِّفُنِي ذَلِكَ، يَا سَلْوَى. سَأَكُونُ عَمًّا حَاضِرًا دَائِمًا، مَهْمَا كَانَتِ التَّفَاصِيلُ الدِّينِيَّةُ الَّتِي سَتُرَبَّى عَلَيْهَا ابْنَتُكِ أَوِ ابْنُكِ.
بَعْدَ أَنْ أَنْهَى الْمُكَالَمَةَ، الْتَفَتَ إِلَى مِيرَا بِابْتِسَامَةٍ هَادِئَةٍ:
– أَظُنُّ أَنَّنِي وَجَدْتُ أَخِيرًا إِجَابَةً كَامِلَةً لِسُؤَالِ أَبُونَا يُوسُفَ. إِيمَانِي لَا يَتَزَعْزَعُ بِمَنْ تَتَزَوَّجُهُ أُخْتِي، بَلْ يَزْدَادُ عُمْقًا حِينَ أَخْتَارُ أَنْ أُحِبَّ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ الِاخْتِلَافِ، لَا أَنْ أَهْرُبَ مِنْهُ.


قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 23


قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 21