قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 23

قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ
بَعْدَ عَامٍ مِنْ وُصُولِهِمَا، بَدَأَ الْخِلَافُ بَيْنَ رُونَاهِي وَهَوْزَانَ يَتَّخِذُ شَكْلًا أَعْمَقَ مِنْ مُجَرَّدِ نِقَاشٍ حَوْلَ اسْمِ طِفْلٍ. لَاحَظَتْ رُونَاهِي أَنَّ هَوْزَانَ يَقْضِي مُعْظَمَ وَقْتِهِ فِي أَنْشِطَةٍ سِيَاسِيَّةٍ كُرْدِيَّةٍ، اجْتِمَاعَاتٍ وَمُظَاهَرَاتٍ وَلِقَاءَاتٍ مَعَ نُشَطَاءَ آخَرِينَ، بَيْنَمَا هِيَ انْغَمَسَتْ فِي حَيَاتِهَا الْجَدِيدَةِ بِشَكْلٍ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا: عَمَلٍ، أَصْدِقَاءَ أَلْمَانٍ، اهْتِمَامٍ مُتَزَايِدٍ بِالِانْخِرَاطِ فِي الْمُجْتَمَعِ الْمَحَلِّيِّ.
كَانَ هَوْزَانُ قَدْ أَصْبَحَ، خِلَالَ هَذَا الْعَامِ، وَجْهًا مَعْرُوفًا فِي الْأَوْسَاطِ الْكُرْدِيَّةِ الْمَحَلِّيَّةِ، يُشَارِكُ فِي تَنْظِيمِ فَعَالِيَّاتٍ ثَقَافِيَّةٍ وَسِيَاسِيَّةٍ، وَيُدْعَى لِلتَّحَدُّثِ فِي مُنَاسَبَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنْ قَضِيَّةِ شَعْبِهِ. شَعَرَتْ رُونَاهِي، فِي الْبِدَايَةِ، بِفَخْرٍ حَقِيقِيٍّ بِهَذَا النَّشَاطِ، لَكِنَّ الْفَخْرَ بَدَأَ يَتَحَوَّلُ تَدْرِيجِيًّا إِلَى شُعُورٍ بِالْوَحْدَةِ، خَاصَّةً فِي الْأُمْسِيَاتِ الَّتِي كَانَتْ تَقْضِيهَا وَحْدَهَا مَعَ دِيَارَ بَيْنَمَا يَحْضُرُ هَوْزَانُ اجْتِمَاعًا تِلْوَ آخَرَ.
قَالَتْ لَهُ ذَاتَ مَسَاءٍ، بَعْدَ أَنْ عَادَ مُتَأَخِّرًا مِنِ اجْتِمَاعٍ سِيَاسِيٍّ آخَرَ:
– هَوْزَانُ، أَشْعُرُ أَنَّنَا نَعِيشُ هُنَا حَيَاتَيْنِ مُنْفَصِلَتَيْنِ تَمَامًا. أَنَا أُحَاوِلُ أَنْ أَبْنِيَ حَيَاةً جَدِيدَةً، وَأَنْتَ مَا زِلْتَ تَعِيشُ بِكُلِّيَّتِكَ فِي الْقَضِيَّةِ الَّتِي تَرَكْنَاهَا وَرَاءَنَا جُغْرَافِيًّا عَلَى الْأَقَلِّ.
———
قَالَ هَوْزَانُ، بِدِفَاعِيَّةٍ وَاضِحَةٍ:
– الْقَضِيَّةُ الْكُرْدِيَّةُ لَا تَنْتَهِي بِمُجَرَّدِ أَنَّنَا غَادَرْنَا سُورِيَا جُغْرَافِيًّا، يَا رُونَاهِي. نَحْنُ هُنَا لَدَيْنَا فُرْصَةٌ نَادِرَةٌ لِرَفْعِ صَوْتِ شَعْبِنَا فِي مَكَانٍ حُرٍّ، وَلَا أَفْهَمُ كَيْفَ تَطْلُبِينَ مِنِّي أَنْ أَتَخَلَّى عَنْ هَذَا لِمُجَرَّدِ أَنْ أَنْدَمِجَ فِي مُجْتَمَعٍ جَدِيدٍ.
قَالَتْ رُونَاهِي، بِإِحْبَاطٍ مُتَرَاكِمٍ:
– لَا أَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ تَتَخَلَّى عَنْ قَضِيَّتِكَ، لَكِنَّنِي أَطْلُبُ أَنْ يَكُونَ لَدَيْنَا حَيَاةٌ مُشْتَرَكَةٌ أَيْضًا، لَا أَنْ تُصْبِحَ الْقَضِيَّةُ زَوْجَتَكَ الْحَقِيقِيَّةَ بَيْنَمَا أَنَا وَدِيَارُ مُجَرَّدُ مُلْحَقٍ فِي حَيَاتِكَ.
————-
تَصَاعَدَ الْخِلَافُ فِي الْأَسَابِيعِ التَّالِيَةِ، وَبَدَأَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَشْعُرُ بِابْتِعَادٍ حَقِيقِيٍّ عَنِ الْآخَرِ، لَيْسَ بِسَبَبِ كَرَاهِيَةٍ مُتَبَادَلَةٍ، بَلْ بِسَبَبِ اخْتِلَافٍ عَمِيقٍ فِي الْأَوْلَوِيَّاتِ لَمْ يَكُنْ وَاضِحًا بِهَذَا الشَّكْلِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ.
حَاوَلَ هَوْزَانُ فِي الْبِدَايَةِ أَنْ يُقَلِّلَ مِنْ عَدَدِ اجْتِمَاعَاتِهِ اسْتِجَابَةً لِطَلَبَاتِ رُونَاهِي، لَكِنَّهُ شَعَرَ بَعْدَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ بِضِيقٍ حَقِيقِيٍّ، وَكَأَنَّهُ يَخُونُ جُزْءًا أَسَاسِيًّا مِنْ نَفْسِهِ:
– أَشْعُرُ أَنَّنِي أَخْنُقُ نَفْسِي حِينَ أُقَلِّلُ مِنْ نَشَاطِي السِّيَاسِيِّ، يَا رُونَاهِي. هَذَا جُزْءٌ مِنِّي لَا يُمْكِنُنِي التَّخَلِّي عَنْهُ بِسُهُولَةٍ، حَتَّى لَوْ كَانَ هَذَا يَعْنِي إِرْضَاءَكِ.
قَالَتْ رُونَاهِي، بِصِدْقٍ مُؤْلِمٍ:
– وَأَنَا أَشْعُرُ أَنَّنِي أَخْتَنِقُ حِينَ أَطْلُبُ مِنْكَ ذَلِكَ، وَكَأَنَّنِي أَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ تُصْبِحَ شَخْصًا آخَرَ. لَا أُرِيدُ ذَلِكَ، يَا هَوْزَانُ. لَكِنَّنِي أَيْضًا لَا أُرِيدُ أَنْ أَعِيشَ بَقِيَّةَ حَيَاتِي فِي هَذَا الشُّعُورِ بِالْوَحْدَةِ.
فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، جَلَسَتْ رُونَاهِي مَعَ صَدِيقَتِهَا دِلْشَادَ، الَّتِي سَاعَدَتْهَا سَابِقًا فِي مَسْأَلَةِ اسْمِ دِيَارَ، وَشَارَكَتْهَا هَذَا الْقَلَقَ الْمُتَصَاعِدَ.
قَالَتْ دِلْشَادُ، بِصَرَاحَةِ صَدِيقَةٍ مُقَرَّبَةٍ:
– رُونَاهِي، هَلْ فَكَّرْتِ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ قَدْ لَا يُحَلُّ، وَأَنَّ عَلَيْكُمَا التَّفْكِيرَ فِي مَسَارٍ مُنْفَصِلٍ؟
صُدِمَتْ رُونَاهِي مِنْ هَذَا الِاقْتِرَاحِ الْمُبَاشِرِ، لَكِنَّهَا فَكَّرَتْ فِيهِ بِجِدِّيَّةٍ أَكْبَرَ مِمَّا تَوَقَّعَتْ مِنْ نَفْسِهَا:
– لَمْ أُفَكِّرْ فِي الِانْفِصَالِ بِشَكْلٍ جِدِّيٍّ بَعْدُ، لَكِنَّنِي أَعْتَرِفُ أَنَّ الْفِكْرَةَ بَدَأَتْ تُرَاوِدُنِي فِي الْأَسَابِيعِ الْأَخِيرَةِ.
سَأَلَتْهَا دِلْشَادُ، بِلُطْفٍ:
– مَا الَّذِي يَمْنَعُكِ مِنْ طَرْحِ الْأَمْرِ بِصَرَاحَةٍ مَعَ هَوْزَانَ؟
فَكَّرَتْ رُونَاهِي طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ:
– أَخْشَى أَنْ يَشْعُرَ بِالْخِيَانَةِ، أَنْ أَطْلُبَ مِنْهُ الِانْفِصَالَ بَيْنَمَا هُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَفْعَلُ الصَّوَابَ مِنْ أَجْلِ قَضِيَّةٍ يُؤْمِنُ بِهَا بِصِدْقٍ. لَا أُرِيدُ أَنْ أَجْعَلَهُ يَشْعُرُ أَنَّنِي أُعَاقِبُهُ عَلَى إِيمَانِهِ.
قَالَتْ دِلْشَادُ بِحِكْمَةٍ:
– لَا تَطْلُبِي مِنْهُ الِانْفِصَالَ كَعِقَابٍ، بَلْ كَصِدْقٍ. أَخْبِرِيهِ أَنَّ حُبَّكِ لَهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ، لَكِنَّ مَسَارَ حَيَاتِكُمَا بَدَأَ يَتَبَاعَدُ، وَهَذَا لَيْسَ ذَنْبَ أَحَدٍ، بَلْ وَاقِعٌ يَجِبُ مُوَاجَهَتُهُ بِصِدْقٍ بَدَلَ الِاسْتِمْرَارِ فِي عَلَاقَةٍ تُنْهِكُ كِلَيْكُمَا تَدْرِيجِيًّا.
بَعْدَ مُحَادَثَاتٍ صَعْبَةٍ وَمُتَكَرِّرَةٍ، تَوَصَّلَ هَوْزَانُ وَرُونَاهِي إِلَى إِدْرَاكٍ مُشْتَرَكٍ: كِلَاهُمَا يُحِبُّ الْآخَرَ وَيَحْتَرِمُهُ، لَكِنَّ مَسَارَ حَيَاتِهِمَا بَدَأَ يَتَبَاعَدُ بِشَكْلٍ جَوْهَرِيٍّ، لَا يَتَعَلَّقُ بِخِيَانَةٍ أَوْ إِهْمَالٍ مُتَعَمَّدٍ، بَلْ بِاخْتِلَافٍ حَقِيقِيٍّ فِي كَيْفِيَّةِ فَهْمِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِمَعْنَى الْحَيَاةِ الْجَدِيدَةِ فِي الْمَنْفَى.
قَالَ هَوْزَانُ، فِي مُحَادَثَةٍ هَادِئَةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ بَيْنَهُمَا:
– أَظُنُّ أَنَّنِي أَفْهَمُ أَخِيرًا مَا كُنْتِ تُحَاوِلِينَ قَوْلَهُ لِي مُنْذُ أَشْهُرٍ. أَنَا اخْتَرْتُ أَنْ أَعِيشَ هُنَا وَكَأَنَّنِي مَا زِلْتُ فِي الْمَعْرَكَةِ، بَيْنَمَا أَنْتِ اخْتَرْتِ أَنْ تَبْنِيَ حَيَاةً جَدِيدَةً كَامِلَةً. كِلَا الْخِيَارَيْنِ مَشْرُوعٌ، لَكِنَّهُمَا لَا يَبْنِيَانِ بَيْتًا وَاحِدًا بِسُهُولَةٍ.
قَالَتْ رُونَاهِي، بِحُزْنٍ هَادِئٍ:
– أَظُنُّ أَنَّكَ مُحِقٌّ. لَا أُرِيدُ أَنْ أَطْلُبَ مِنْكَ التَّخَلِّيَ عَنْ قَضِيَّتِكَ، وَلَا أُرِيدُ أَنْ أَتَخَلَّى أَنَا عَنْ رَغْبَتِي فِي بِنَاءِ حَيَاةٍ جَدِيدَةٍ هُنَا. رُبَّمَا هَذَا يَعْنِي أَنَّنَا بِحَاجَةٍ لِمَسَارَيْنِ مُنْفَصِلَيْنِ، لَا مَسَارٍ وَاحِدٍ نُحَاوِلُ أَنْ نُجْبِرَ أَنْفُسَنَا عَلَيْهِ.
———————
قَرَّرَ الِاثْنَانِ، بَعْدَ أَسَابِيعَ مِنَ الْحِوَارِ الصَّادِقِ وَالْمُؤْلِمِ، الِانْفِصَالَ بِشَكْلٍ وُدِّيٍّ، دُونَ خُصُومَةٍ أَوِ اتِّهَامَاتٍ مُتَبَادَلَةٍ. اتَّفَقَا عَلَى تَرْبِيَةِ دِيَارَ مَعًا، بِالتَّنَاوُبِ بَيْنَ بَيْتَيْهِمَا، وَعَلَى أَنْ يُحَافِظَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى حُضُورِ الْآخَرِ فِي حَيَاةِ ابْنِهِمَا عَلَى الرَّغْمِ مِنَ الِانْفِصَالِ.
كَانَ الْقَرَارُ صَعْبًا عَلَى كِلَيْهِمَا، خَاصَّةً حِينَ اضْطُرَّا لِإِخْبَارِ عَائِلَتَيْهِمَا فِي الْقَامِشْلِي عَبْرَ مُكَالَمَاتِ فِيدْيُو مُرْهِقَةٍ عَاطِفِيًّا، إِذْ لَمْ يَكُنِ الِانْفِصَالُ أَمْرًا شَائِعًا أَوْ مَقْبُولًا بِسُهُولَةٍ فِي مُجْتَمَعِهِمَا الْأَصْلِيِّ. لَكِنَّ كِلَيْهِمَا وَجَدَ، بِشَكْلٍ مُفَاجِئٍ، تَفَهُّمًا أَكْبَرَ مِمَّا تَوَقَّعَا مِنْ وَالِدَيْهِمَا، الَّذِينَ عَاشُوا هُمْ أَنْفُسُهُمْ صُعُوبَاتٍ كَثِيرَةً عَبْرَ سَنَوَاتِ الْحَرْبِ وَالتَّهْجِيرِ، وَأَدْرَكُوا أَنَّ مَعَايِيرَ الْحُكْمِ عَلَى الزَّوَاجِ وَالِانْفِصَالِ تَتَغَيَّرُ حَتْمًا حِينَ تَتَغَيَّرُ الظُّرُوفُ الْمُحِيطَةُ بِهَذَا الشَّكْلِ الْجَذْرِيِّ.
قَالَ هَوْزَانُ، فِي جَلْسَةٍ أَخِيرَةٍ مَعَ مُحَامٍ مُتَخَصِّصٍ بِشُؤُونِ الْأُسْرَةِ، سَاعَدَهُمَا عَلَى صِيَاغَةِ اتِّفَاقِ تَرْبِيَةٍ مُتَوَازِنٍ:
– أُرِيدُ أَنْ يَكْبَرَ دِيَارُ بِلُغَتَيْنِ وَهُوِيَّتَيْنِ، لَا هُوِيَّةٍ وَاحِدَةٍ تُلْغِي الْأُخْرَى. سَأُعَلِّمُهُ الْكُرْدِيَّةَ وَتَارِيخَ شَعْبِنَا، وَسَتُعَلِّمُهُ رُونَاهِي كَيْفَ يَعِيشُ بِانْفِتَاحٍ فِي هَذَا الْمُجْتَمَعِ الْجَدِيدِ.
قَالَتْ رُونَاهِي، بِامْتِنَانٍ لِهَذَا الِاتِّفَاقِ النَّادِرِ:
– هَذَا بِالضَّبْطِ مَا أَرَدْتُهُ أَيْضًا، يَا هَوْزَانُ. أَنْ نَبْقَى وَالِدَيْنِ صَالِحَيْنِ لَهُ، حَتَّى لَوْ لَمْ نَعُدْ زَوْجَيْنِ.
أَضَافَ الْمُحَامِي، وَهُوَ يُرَاجِعُ تَفَاصِيلَ الِاتِّفَاقِ مَعَهُمَا:
– أَرَى الْكَثِيرَ مِنْ حَالَاتِ الطَّلَاقِ الْمُؤْلِمَةِ فِي عَمَلِي، لَكِنَّ مَا يَفْعَلُهُ كِلَاكُمَا الْيَوْمَ نَادِرٌ: وَضْعُ مَصْلَحَةِ الطِّفْلِ فَوْقَ أَيِّ رَغْبَةٍ فِي الِانْتِقَامِ أَوْ إِثْبَاتِ النُّقْطَةِ. هَذَا سَيَجْعَلُ انْتِقَالَ دِيَارَ بَيْنَ الْبَيْتَيْنِ أَسْهَلَ بِكَثِيرٍ مِمَّا يَتَخَيَّلُهُ كَثِيرُونَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الظُّرُوفِ.
—————-
بَعْدَ أَشْهُرٍ مِنَ الِانْفِصَالِ، الْتَقَتْ رُونَاهِي بِهَوْزَانَ فِي حَدِيقَةٍ عَامَّةٍ، لِتُسَلِّمَهُ دِيَارَ فِي نِهَايَةِ أُسْبُوعِهِ الْمُخَصَّصِ، وَلَاحَظَتْ تَغَيُّرًا فِي هَوْزَانَ: بَدَا أَكْثَرَ هُدُوءًا، وَأَخْبَرَهَا أَنَّهُ بَدَأَ يُشَارِكُ فِي أَنْشِطَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ غَيْرِ سِيَاسِيَّةٍ بَحْتَةٍ أَيْضًا، بِتَشْجِيعٍ مِنْ صَدِيقٍ جَدِيدٍ الْتَقَاهُ.
قَالَ هَوْزَانُ، بِصِدْقٍ:
– أَدْرَكْتُ بَعْدَ انْفِصَالِنَا أَنَّ جُزْءًا مِنْ غَضَبِي الْمُسْتَمِرِّ كَانَ هُرُوبًا مِنْ مُوَاجَهَةِ حَيَاتِي الشَّخْصِيَّةِ هُنَا، لَا الْتِزَامًا خَالِصًا بِالْقَضِيَّةِ فَقَطْ. بَدَأْتُ أُوَازِنُ الْآنَ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ بِشَكْلٍ أَفْضَلَ.
ابْتَسَمَتْ رُونَاهِي، سَعِيدَةً بِهَذَا التَّطَوُّرِ عَلَى الرَّغْمِ مِنَ الْأَلَمِ الَّذِي لَا يَزَالُ يُرَافِقُ أَيَّ انْفِصَالٍ، مَهْمَا كَانَ وُدِّيًّا:
– يُسْعِدُنِي أَنْ تَجِدَ هَذَا التَّوَازُنَ، يَا هَوْزَانُ. دِيَارُ مَحْظُوظٌ بِأَبٍ يَهْتَمُّ بِقَضِيَّتِهِ، لَكِنَّهُ أَيْضًا مَحْظُوظٌ بِأَبٍ يَتَعَلَّمُ كَيْفَ يَعِيشُ حَيَاتَهُ الْخَاصَّةَ بِسَلَامٍ.
سَأَلَهَا هَوْزَانُ، بِصِدْقٍ مُمَاثِلٍ:
– وَأَنْتِ؟ كَيْفَ تَشْعُرِينَ تُجَاهَ هَذَا الْفَصْلِ الْجَدِيدِ مِنْ حَيَاتِكِ؟
فَكَّرَتْ رُونَاهِي قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ:
– أَشْعُرُ بِحُزْنٍ حَقِيقِيٍّ أَحْيَانًا، فَالِانْفِصَالُ لَيْسَ قَرَارًا سَهْلًا مَهْمَا كَانَ وُدِّيًّا. لَكِنَّنِي أَشْعُرُ أَيْضًا بِرَاحَةٍ أَنَّنِي لَمْ أَعُدْ أُحَاوِلُ أَنْ أُجْبِرَ نَفْسِي عَلَى حَيَاةٍ لَمْ تَعُدْ تُنَاسِبُنِي، وَأَنَّنِي أَسْتَطِيعُ أَنْ أَبْنِيَ مُسْتَقْبَلِي هُنَا دُونَ الشُّعُورِ الدَّائِمِ بِالذَّنْبِ تُجَاهَ قَضِيَّةٍ لَمْ أَعُدْ أَضَعُهَا فِي مَرْكَزِ حَيَاتِي الْيَوْمِيَّةِ بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا.
—————-
بَعْدَ عَامٍ مِنَ الِانْفِصَالِ، جَلَسَتْ رُونَاهِي مَعَ دِيَارَ، الَّذِي أَصْبَحَ يَبْلُغُ مِنَ الْعُمْرِ عَامَيْنِ، وَبَدَأَ يَنْطِقُ كَلِمَاتِهِ الْأُولَى بِلُغَتَيْنِ: كَلِمَاتٍ كُرْدِيَّةً تَعَلَّمَهَا مِنْ وَالِدِهِ فِي عُطَلِ نِهَايَةِ الْأُسْبُوعِ، وَكَلِمَاتٍ أَلْمَانِيَّةً بَدَأَ يَلْتَقِطُهَا مِنَ الْحَضَانَةِ وَمِنْ أَصْدِقَائِهِ الْجُدُدِ.
قَالَتْ رُونَاهِي لِصَدِيقَتِهَا دِلْشَادَ، وَهُمَا تُرَاقِبَانِ دِيَارَ يَلْعَبُ فِي الْحَدِيقَةِ:
– أَظُنُّ أَنَّنَا، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ الْأَلَمِ، اتَّخَذْنَا الْقَرَارَ الصَّحِيحَ. دِيَارُ يَكْبَرُ بِحُبِّ كِلَيْنَا، لَا بِحَرْبٍ بَارِدَةٍ بَيْنَ وَالِدَيْنِ مُتَنَافِرَيْنِ تَحْتَ سَقْفٍ وَاحِدٍ.
ابْتَسَمَتْ دِلْشَادُ، وَقَالَتْ:
– هَذَا أَنْضَجُ شَكْلٍ مِنْ أَشْكَالِ الْحُبِّ رَأَيْتُهُ مُنْذُ وُصُولِنَا إِلَى هُنَا: أَنْ يَضَعَ الْوَالِدَانِ سَعَادَةَ طِفْلِهِمَا فَوْقَ رَغْبَتِهِمَا فِي الظُّهُورِ كَزَوْجَيْنِ نَاجِحَيْنِ أَمَامَ الْآخَرِينَ.
سَأَلَتْهَا دِلْشَادُ، بِفُضُولٍ وَدُودٍ:
– وَهَلْ فَكَّرْتِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ؟ فِي احْتِمَالِ أَنْ تَلْتَقِي شَخْصًا جَدِيدًا يَوْمًا مَا؟
ابْتَسَمَتْ رُونَاهِي ابْتِسَامَةً هَادِئَةً، بَعِيدَةً عَنْ أَيِّ أَلَمٍ حَادٍّ:
– رُبَّمَا، يَوْمًا مَا. لَكِنَّنِي الْآنَ أُرَكِّزُ عَلَى أَنْ أَبْنِيَ اسْتِقْرَارِي الْخَاصَّ أَوَّلًا، وَعَلَى أَنْ أَكُونَ أُمًّا حَاضِرَةً وَامْرَأَةً تَعْرِفُ نَفْسَهَا جَيِّدًا، قَبْلَ أَنْ أُفَكِّرَ فِي أَيِّ عَلَاقَةٍ جَدِيدَةٍ. تَعَلَّمْتُ مِنْ هَذِهِ التَّجْرِبَةِ كُلِّهَا أَنْ أَعْرِفَ أَوَّلًا مَا أُرِيدُهُ أَنَا شَخْصِيًّا، لَا أَنْ أَنْجَرِفَ فِي عَلَاقَةٍ لِمُجَرَّدِ الْخَوْفِ مِنَ الْوَحْدَةِ.
نَظَرَتْ دِلْشَادُ إِلَى صَدِيقَتِهَا بِإِعْجَابٍ:
– هَذِهِ حِكْمَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، يَا رُونَاهِي، اكْتَسَبْتِهَا بِثَمَنٍ بَاهِظٍ، لَكِنَّهَا سَتَبْقَى مَعَكِ طَوِيلًا.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، رَكَضَ دِيَارُ نَحْوَ أُمِّهِ، يَحْمِلُ زَهْرَةً صَغِيرَةً الْتَقَطَهَا مِنَ الْحَدِيقَةِ، وَقَالَ بِمَزِيجٍ مِنَ الْكَلِمَاتِ الْكُرْدِيَّةِ وَالْأَلْمَانِيَّةِ الَّتِي بَدَأَ يُتْقِنُهَا بِبَرَاعَةٍ طُفُولِيَّةٍ مُدْهِشَةٍ:
– مَامَا، gul بُو تُو! (يَعْنِي: هَذِهِ زَهْرَةٌ لَكِ!)
ضَحِكَتْ رُونَاهِي بِفَرَحٍ صَادِقٍ، وَاحْتَضَنَتِ ابْنَهَا بِحَرَارَةٍ، وَشَعَرَتْ أَنَّ هَذَا الْمَشْهَدَ الْبَسِيطَ، طِفْلٌ يَجْمَعُ بَيْنَ لُغَتَيْنِ بِعَفْوِيَّةٍ تَامَّةٍ، يُلَخِّصُ كُلَّ مَا حَاوَلَتْ هِيَ وَهَوْزَانُ أَنْ يَبْنِيَاهُ لَهُ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ صُعُوبَةِ الطَّرِيقِ: هُوِيَّةً غَنِيَّةً بِتَعَدُّدِهَا، لَا مُمَزَّقَةً بِتَنَاقُضِهَا.


قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 24


قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 22