كيف يتولّد المعنى دلالياً؟ 02

كيف يتولّد المعنى دلالياً؟

الجزء الثاني

الفصل التاسع عشر
البدايات الملتبسة وإخفاق التأسيس
ليس كل بدء نصّي قادرًا على أداء وظيفته التكوينية. فبعض البدايات تمرّ دون أثر، وأخرى ترسم أفقًا لا يكتمل، وغيرها يضع للقارئ معايير متناقضة. ولا يُنظر هنا إلى هذه البدايات بوصفها قصورًا أسلوبيًا، بل مشكلات بنائية تمسّ آليات تشكّل المعنى ذاته.
وعليه، فإن “فشل البداية” لا يعني “رداءة الجملة”، بل “تعثّر فعل التأسيس”.
19.1 معنى “الإخفاق” في سياق البداية
إن فشل البداية لا يرتبط بغياب الفهم أو ندرة القراءة، بل يتحقق حين تعجز عن:
• إرساء توجيه واضح،
• تثبيت موقع قارئ مستقر،
• أو بناء توقّعات قابلة للتحقق بنيويًا.
فالإخفاق هنا حكم وظيفي يطال القدرة على إنتاج المعنى، لا حكماً جمالياً.
19.2 البداية الفارغة
من أبرز صور الإخفاق ما يمكن تسميته “البداية الفارغة”: افتتاح حاضر شكلاً، غائب أثرًا. لا يشحن التوقع، ولا يحدد موقعًا للقارئ، ولا يمنح النص أوليته الحقيقية.
وتشيع هذه البداية في النصوص التي تعتمد:
“العبارات العامة”،
“الوعود الفضفاضة”،
أو “الافتتاح التقليدي المألوف”.
هنا يبقى القارئ معلقًا في فراغ دلالي، فلا ينشأ المعنى إلا متأخرًا ـ وربما لا ينشأ على الإطلاق.
19.3 البداية المُشبعة
وعلى الطرف المقابل تقع “البداية المشبعة”: افتتاح يكدّس المعايير حتى يضيق مجال الحراك الدلالي.
تتسم هذه البداية بأنها:
• تُفصح أكثر مما ينبغي،
• وتضيق مساحات التأويل،
• فتسلب النص حدثيّته وتطوّره.
فبدل أن تفتح المعنى، تستنفده مبكرًا. وهكذا يفقد النص إمكانية الإدهاش أو التعمّق.
19.4 البداية المضلِّلة
ثمّة نمط أشد تعقيدًا هو “البداية المضلِّلة”: بداية تبني توقعًا يعجز النص عن تحقيقه أو تحويله إلى خرق مثمر.
والفارق بينها وبين “الخرق الواعي” ـ كما أشرنا في الفصل السابق ـ أن هذه البداية لا تستند إلى إحكام بنيوي يسمح بتحويل الخيبة إلى معنى جديد، بل تقطع الخيط الدلالي وتترك القارئ في خيبة غير منتجة.
فينهار المسار التأويلي أو يفقد تماسكه الداخلي.
19.5 التأسيس المتناقض
وقد يتجلّى الإخفاق كذلك في بدايات تؤسس معايير متضاربة؛ تمنح القارئ موقعًا أوليًا، ثم تنقضه لاحقًا دون تبرير أو وعي نصّي بذلك.
هنا لا ينشأ “تعدّد” منتج، بل “تفكك” يفصل بين أنظمة دلالية متنازعة، فتتفتت وحدة المعنى.
19.6 أثر البدايات الفاشلة في التلقي
لا يظهر فشل البداية دائمًا مباشرة، بل يتكشف مع تقدم القراءة. وغالبًا ما تتجلى آثاره في:
“تشتت القارئ”،
“انخفاض الدافعية”،
أو “الإحساس بانعدام الانسجام الداخلي”.
وهذه الأعراض ليست عيبًا في القارئ، بل علامة على خلل بنيوي.
19.7 النسبية الثقافية والتاريخية
قد تنجح بداية في سياق ثقافي وتفشل في آخر؛ ففاعلية الافتتاح ليست مطلقة.
لكن نسبية التلقي لا تعني فوضى في المعايير، فحتى المتغير منها يخضع لشروط بنائية تحكم كيفية اشتغال البداية.
19.8 القيمة التعليمية للبدايات الفاشلة
تكتسب البدايات الفاشلة أهميتها النظرية من كونها تكشف ما تؤديه البداية الناجحة دون أن تصرّح به.
فالخلل هنا يُبرز الشروط التي يحتاجها النص لينشئ معناه، ويجعل بنية التأسيس أكثر شفافية.
19.9 من الإخفاق إلى الوعي الذاتي بالنص
يقود تحليل إخفاقات البداية إلى سؤال حاسم:
هل يستطيع النص أن يفكّر في بدايته؟
هل يمكن للخطاب أن يعرّي فعل التأسيس أو يعيد النظر فيه؟
هذا السؤال يمهد للانتقال إلى الفصل المقبل.

الفصل العشرون
البدايات ذاتية الوعي
يقوم هذا النوع من البدايات على كشف فعل البدء نفسه، لا على إخفائه. فهي لا تكتفي بأن تبدأ النص، بل تُظهر أنها تفعل ذلك. هنا يصبح “البدء” موضوعًا للمعنى لا مجرد أداة للوصول إليه. وبهذا يتحول فعل إنشاء الدلالة إلى ظاهرة واعية تتجه نحو القارئ مباشرة، ليشهد معها لحظة التأسيس.
يهدف هذا الفصل إلى بيان كيفية اشتغال هذه البدايات، وما تتيحه من أشكال خاصة لإنتاج المعنى.
20.1 مفهوم الذاتية في بداية النص
لا تعني “الذاتية” هنا مجرد تعليق ميتالغوي أو نبرة ساخرة؛ بل تعني قدرة النص على كشف بدايته بوصفها فعلًا مقصودًا.
إنه بدء يشير إلى نفسه، ويُظهر أنه “لم يكن حتميًا” وأن وجوده نتاج اختيار.
فالنص لا يقول فحسب، بل يعلن أنه يبدأ الآن، فيلفت النظر إلى هشاشة فعل البداية وإمكان تعدده.
20.2 كسر “براءة البداية”
في أغلب النصوص التقليدية تبدو البداية طبيعية، كأنها تأتي ببداهة لا تحتاج إلى تبرير. أما البداية الذاتية فتكسر هذه “البراءة” وتعيد مساءلتها، إذ تكشف أن كل بداية قرار، وأن البدء ليس قدرًا بل اختيارًا.
ولا يؤدي هذا الكشف إلى إضعاف التأسيس، بل يعيد تشكيل أثره. فالمعيارية لا تُلغى هنا بل تُعيَن، لتصبح موضوعًا للتفكير بدلاً من أن تعمل في الخفاء.
20.3 أنماط البدايات الذاتية
تتجلى هذه البدايات بعدة صور، منها:
• التصريح بالسؤال “كيف نبدأ؟”،
• التشكيك في إمكانية البداية أصلًا،
• التلاعب الساخر بفكرة البدء،
• الإحالة إلى بدايات سابقة أو فاشلة.
وتجتمع هذه الصور في خاصية محورية: أنها لا تكتفي بوضع القارئ في موقع تلقي، بل تجعله شريكًا في لحظة التأسيس.
20.4 القارئ شاهدًا على فعل البدء
لا يُستدعى القارئ هنا كمتلقٍّ فقط، بل كـ”شاهد” على لحظة التكوين.
فهو لا يدخل النص من بوابة جاهزة، بل يرى هذه البوابة وهي تُبنى أمامه.
وهذا الاشتراك يكثّف لحظة المعنى، إذ يوقظ انتباه القارئ لشروط فهمه نفسه، ويجعله واعيًا لدور البدء في تشكيل الأفق التأويلي.
20.5 الذاتية والمعيارية
لا تُبطل الذاتية أثر البداية المعياري، بل تغيّر طبيعته.
تغدو المعيارية هنا صريحة، لا مستترة؛ فيتبع القارئ مسار النص لا رغم هشاشته، بل بفضل تواضعه المُعلن.
إن القارئ لا يسلّم بالبداية رغم تشككها بنفسها، بل لأنه يرى هذا التشكل ويتقبله.
20.6 مخاطر البدايات الذاتية
ليست الذاتية ضمانًا لبدء ناجح. فالبداية قد:
“تبدو مراوغة”،
أو “تؤخر التوجيه”،
أو “تميع فعل التأسيس فلا ينشأ إطار واضح للمعنى”.
والبداية الجيدة هي التي تحقق توازنًا بين الانكشاف والانطلاق؛ تكشف فعل التأسيس دون أن تضيّعه.
20.7 السياقات التاريخية لظهور هذا النمط
تزداد البدايات الذاتية حضورًا في العصور التي تضطرب فيها مسلمات المعرفة، كما في الحداثة وما بعدها.
فهنا لا تكون الذاتية ترفًا بل إجابة على “قلق منهجي”، حيث لم يعد البدء يقينًا بل سؤالًا معرفيًا.
20.8 تمهيد لما بعده
يصل هذا النوع من البدايات إلى تخوم فعل التأسيس النصي، إذ يجعل من بدء النص نفسه موضوعًا للتفكير.
والخطوة التالية تتطلب وضع البداية في علاقتها مع عتبات نصية أخرى، مثل المقدمة والتمهيد، ليتّضح موقعها بين أشكال الافتتاح.

الفصل الحادي والعشرون
البداية، المــقدمة، التمهيد – حدود بنيويّة
تتعامل كثير من الدراسات العربية مع ما يسبق “جسم النص” بوصفه كتلة افتتاحية واحدة، تُختزل غالباً في كونه تمهيداً بسيطاً. غير أنّ النظر البنيوي يكشف أنّ “البداية” و”المقدمة” و”التمهيد” ليست مترادفات، بل وظائف نصيّة متمايزة، يؤدي كلّ منها دوراً مختلفاً في تكوين المعنى ومساره.
يهدف هذا الفصل إلى بيان تلك الفروق بمنهجية دقيقة، وشرح أثر الخلط بينها في تعطيل فهم اللحظة التأسيسية للمعنى داخل النص.
21.1 الخلط بين الموقع والوظيفة
من أبرز الأخطاء الشائعة ردُّ “البداية” و”المقدمة” إلى موقعهما الطباعي: فالأولى ما يَرِد أولاً، والثانية ما يتلوها. غير أنّ هذا التعريف يتجاهل البعد البنيوي، إذ لا تستمد الوظيفة النصية قيمتها من ترتيبها على الصفحة، بل من أثرها الدلالي في قارئ النص.
فالتحليل هنا يقوم على قاعدة محورية:
“الوظيفة البنيوية تُحدَّد بنوع الأثر الذي تُحدثه، لا بموضعها الزمني داخل النص.”
21.2 البداية : لحظة التأسيس
تُعرّف “البداية” في هذا المشروع بوصفها الشرارة الأولى لتوليد المعنى.
وتتجلى خصائصها في ثلاث مهام رئيسة:
1. فتح أفق التوقّع لدى القارئ،
2. تحديد موقعه داخل الفضاء النصي،
3. إطلاق فعل المعنى باعتباره حدثاً تأسيسياً.
ليست البداية شـرحاً ولا تهيئة معرفية، بل “وضع بنيوي” يشقّ الطريق للدلالة. وقد تتحقّق في جملة واحدة، أو في مشهد عابر، أو حتى في “صمت دال” يوقظ الحس التأويلي دون لفظٍ مباشر.
21.3 المقدمة : وظيفة التوجيه
أما “المقدمة” فهي تقوم بدور مختلف؛ إنها حيّز توجيهي يشرح السياق، ويعرض الموضوع، وينظم استقبال القارئ للمعنى الذي بدأ التشكل مسبقاً.
الإطار الذي تتحرك فيه المقدمة إطار فوق-نصي، لأنّها تفترض بدء الفعل الدلالي مسبقاً، لتعيد ترتيبه وتقديمه بصورة واعية.
ولهذا يمكن أن نجد مقدمة دون بداية قوية، كما قد تصادفنا بداية قوية دون مقدمة.
21.4 التمهيد أو التصدير : منطقة التوسّط
يمثّل “التمهيد” أو “التصدير” – سواء كتبه المؤلف أو الناشر – منطقة وسيطة بين النص وقارئه من جهة، وبين النص وسياقه الخارجي من جهة أخرى.
وأبرز سماته:
• إمكانية الاستغناء عنه دون أن تنهار بنية النص،
• حديثه عن النص من الخارج لا من الداخل،
• تركيزه على الشرعية والنية وظروف التأليف.
فالتمهيد ليس منشئاً للمعنى، بل مُبرِّراً أو شارحاً له.
21.5 تداخل الوظائف واحتمالات الالتقاء
رغم وضوح التمايز بين الوظائف، فإنّ النصوص الأدبية والفكرية قد تظهر فيها مناطق تداخل:
• قد تتضمن المقدمة عناصر تأسيسية تجعلها قريبة من البداية،
• وقد يحمل التمهيد إشارات دلالية تفتح أفق القراءة،
• وقد تُخفى البداية داخل نص يبدو مبدئياً مقدمة.
غير أنّ هذا التداخل لا يلغي الحدود، بل يجعل التحليل أكثر ضرورة ودقة.
21.6 السؤال المنهجي: أين يبدأ المعنى؟
المعيار الذي يحسم التفريق لا يتعلّق بالسطر الأول أو الترتيب الشكلي، بل بالسؤال:
أين تبدأ الدلالة في الاشتغال؟
فالنقطة التي يشعر عندها القارئ بأنّ النص ألقى عليها ثقلاً دلالياً ما، تعدّ موضع البداية، ولو كانت منتصف صفحة أو جملة عابرة.
21.7 النتائج المنهجية للتمييز
يتيح هذا التمييز مجموعة من النتائج البحثية المهمة:
• إعادة النظر في مقاربات تقليدية تساوي بين العناوين ووظائفها،
• اكتشاف بدايات “خفية” محمولة على الإيحاء لا على التصريح،
• تجاوز نقائص القراءة الشكلية التي تخدعها المواقع المادية للنص.
ولهذا نفهم لماذا قد تفشل نصوص ذات مقدمات محكمة، في حين تنجح أخرى من دون أي تمهيد ظاهر.
21.8 من العتبة إلى الحركة
بعد رسم حدود “العتبات النصية” وبيان وظائفها، يبرز سؤال المرحلة التالية:
كيف يتحول “فعل التأسيس” إلى حركة سردية أو فكرية؟
وكيف تتطور “البداية” من لحظة وضعٍ دلالي إلى مسار تأويلي متصل؟
بهذا السؤال ننتقل إلى تحليل دينامية النص الداخلية وتحولاته.

الفصل الثاني والعشرون
من البداية إلى الحركة – دينامية النص
إنّ “البداية” لحظةٌ حدثية؛ غير أنّ الحدث وحده لا يصنع نصًّا. فلكي لا تنطفئ الدلالة عند نقطة الانطلاق، لا بدّ للنص أن يدخل طور الحركة. يبحث هذا الفصل في الكيفية التي تتحوّل بها لحظة التأسيس الأولى إلى مسارٍ دلالي متواصل، فتتشكل “الدينامية النصية” بوصفها عملية نموٍّ منظَّم لا يكتفي بالتقدّم الفيزيائي، بل يُعيد تشكيل اتجاه القراءة وتوجّهها.
22.1 الحركة شرط بقاء المعنى
المعنى، من حيث هو “حدث”، هشّ بطبيعته؛ إذ قد يتجمّد عند بدايته، أو يتبدّد في الطريق إذا لم تدفعه حركةٌ نصيّة منظّمة.
ومن هنا يتبيّن أن الحفاظ على المعنى لا يتحقق بالثبات، بل عبر التطوّر المضبوط الذي يُبقي الأثر الأول حيًّا وقابلًا للامتداد.
22.2 البداية دافع لا مخطّط
لا تحتوي البداية على “الخريطة الكاملة للنص”، وإنما تعمل كنبضة محرّكة تمنح الاتجاه دون أن تحسم المسار.
وتنبع أهمية هذه السمة من كونها:
• تتيح للنصّ حرية النمو،
• تمنع التكرار والرتابة،
• وتحفظ طاقة المعنى في حالة تفاعل مستمر.
وعليه، فدينامية النص ليست تنفيذًا لبرنامج مسبق، بل “عملية بنائية تتقدم خطوةً فخطوة وفقًا لإيقاع تطورها الداخلي”.
22.3 صور الحركة النصيّة
تتبدّى الحركة النصية في أنماط عدّة، من أبرزها:
• التقدّم السردي حيث يتعاقب الحدث على الحدث،
• البناء الحجاجي القائم على “الطرح – التبرير – التفصيل”،
• تنويع الفكرة،
• والتوتر الحواري بين الأصوات.
وإنما يجمع بين هذه الصور كلّها أنّها لا تُكرّر البداية، بل تُثمّرها وتوسعها.
22.4 الانتقالات: عقد التوليد الدلالي
تكتسب الانتقالات بين المقاطع أو الأفكار مكانة محورية؛ فهي ليست فواصل محايدة، بل “عُقد يتولد عندها المعنى ويتحوّل”.
وعلى جودة هذه الانتقالات يتوقف:
• تماسك النص،
• ومرونة تعديل التوقعات،
• وقدرة النص على ضمّ دلالات جديدة دون انفصال.
فقد يبدأ النص بداية قويّة، ثم يتعثر عند انتقال ضعيف فينهار إيقاعه.
22.5 الدينامية بوصفها قيادة للقراءة
الحركة داخل النص ليست مسارًا شكليًا فحسب، بل هي أيضًا “أسلوب لقيادة القارئ”.
إذ يوزّع النص الانتباه، ويضبط السرعة، ويقدّم المعلومات أو يؤخرها بصورة واعية.
لكن هذه القيادة لا تقوم على الإكراه، بل على “دعوة يتقبلها القارئ لأنه يشعر بأنّ كل مرحلة تنهض من سابقتها نهضةً طبيعية”.
22.6 التسريع والإبطاء
لا تعني الدينامية تصاعدًا دائمًا في الإيقاع؛ فالنص يستعمل كذلك آليات:
• “التسريع” عبر التكثيف والتوتير،
• “الإبطاء” عبر التأمل أو التكرار أو فسحة الصمت.
بهذا الإيقاع تتشكّل لحظات “تولد المعنى” وأخرى يترسّخ فيها.
22.7 خطر الانفصال الدينامي
تتجلّى إحدى المخاطر في انفصال الحركة عن نقطة التأسيس. فإذا فقد النص صلته ببدايته، بقي يسير لكنه لا “يتقدم”، وتتبدل الدينامية إلى مسار فارغ لا ضرورة داخلية تحمله.
22.8 البداية مرجع دائم
يبقى أثر البداية حاضرًا خلال حركة النص كلها؛ لا بوصفه تكرارًا شكليًا، بل باعتباره مرجعًا يُقاس عليه التطوّر.
كل مرحلة تلتفت إلى البداية بطريقة ما: توكيدًا أو تعديلًا أو نقضًا.
وهكذا تنشأ حركة مفتوحة، لكنها غير سائبة.
22.9 نحو مفهوم الاتساق
حين تنجح الدينامية النصية، يتشكل الاتساق لا من الرتابة، بل من “تحوّلٍ منتظم في بنية الدلالة”.
وتبرز هنا مسألة محورية تمهّد للفصل الآتي:
كيف يمكن اختبار هذا الاتساق إدراكيًا وتأويليًا؟
بذلك تفتح الحركة باب النقاش نحو معاينة معيار التماسك البنيوي في النص.

الفصل الثالث والعشرون
التماسك بوصفه أثرًا لا شرطًا مسبقًا
ترى كثيرٌ من النظريات النصية أنّ “الانسجام أو التماسك” شرط سابق على توليد المعنى، وكأنّ النصّ يُقرأ باعتباره متماسكًا أو غير متماسك قبل مباشرته فعليًا. هذا الفصل يعيد النظر في تلك المسلّمة، مقترحًا رؤية مغايرة مفادها أنّ التماسك ليس نقطة انطلاق، بل “ثمرة تتحقّق عند نجاح حركة النص وتطور دلالته”.
فالنسيج الدلالي لا يُمنح جاهزًا، بل يُبنى أثناء القراءة.
23.1 التصوّر التقليدي للتماسك
درجت المقاربات الكلاسيكية على تعريف التماسك باعتباره اتساقًا داخليًا يتم عبر الروابط المنطقية أو الموضوعية أو المرجعية.
ونبني على هذا الفهم أنّ:
• التماسك موجود بشكل موضوعي مسبق،
• يمكن قياسه أو الحكم عليه،
• وهو شرط أولي لعملية الفهم.
وبذلك يُختزل دور القارئ في “التحقق والمراجعة” بدل المشاركة في توليد المعنى.
23.2 إشكالات التماسك المفترض
إن اعتبار التماسك سابقًا على القراءة يواجه عدة إشكالات ظاهرة، منها أنّ:
• نصوصًا قليلة الروابط الشكلية قد تمتلك قدرة عالية على توليد المعنى،
• ونصوصًا محكمة البناء قد تُستقبل بوصفها خاوية أو غير مُجدية،
• ثم إنّ التماسك غالبًا ما يُدرك بعد اكتمال القراءة لا في بدايتها.
وكل ذلك يشير إلى هشاشة التصور القائل بوجود تماسك جاهز.
23.3 التماسك بوصفه أثرًا إدراكيًّا
وفق الرؤية المقترحة هنا، “الانسجام أثرٌ يتولد أثناء القراءة”، لا خاصية معطاة سلفًا.
ويُحسّ القارئ بتماسك النص حين:
• تكون الانتقالات بين أجزائه مفهومة،
• وتظهر التحولات منطقية وغير قسرية،
• ويظل أثر البداية فاعلًا في المسار.
وعليه، “فالمتانة الدلالية نتيجة دينامية ناجحة لا شرطًا لها”.
23.4 البداية مرساة التماسك
تؤدي البداية دور “المرساة التي تُشدّ إليها عناصر النص”.
فإذا غاب في المطلع ما يمنح القارئ نقطة تثبيت، أصبح من الصعب بناء العلاقات وتشكيل الوحدة.
عندئذٍ يغدو العرض مجرد تتابع لا رابط حيًّا يحكمه.
23.5 التماسك وإدارة التوقع
لا ينشأ التماسك من استجابة النص للتوقعات بحرفيتها، بل من “تحويل تلك التوقعات وترتيبها ضمن نسقٍ جديد”.
فالنص المتماسك هو الذي:
• يستقبل توقع القارئ،
• يعدّله أو يوسّعه،
• ويعيد دمجه في نظام دلالي أرحب.
فالنص الذي يكتفي بالتكرار مملّ وغير متماسك، مثلما أنّ النص الذي يكسر التوقعات اعتباطًا يفتقر للضرورة الداخلية.
23.6 التماسك ليس تجانسًا
لا يعني التماسك إلغاء التنوّع أو المحو البلاغي للتوتر.
قد يكون “الانقطاع والتباين ذاتهما مولّدين للتماسك” متى ارتبطا ببنية النص وأهدافه.
فالوحدة هنا ليست تماثلًا، بل “ترابطًا نسبيًا يجعل التعدد جزءً من كلٍّ ذي معنى”.
23.7 التماسك والفهم التأويلي
لا تتقرر درجة التماسك قبل التأويل، بل تظهر بنتيجة القراءة.
وقد يختلف القرّاء في شعورهم بالانسجام دون أن يعني ذلك انفلات التفسير؛ إذ تضبط البنية مجال الاختلاف الممكن.
فالقراء “يصنعون التماسك داخل حدود ما يسمح به النص”.
23.8 تماسك ظاهري
هناك نمط خاص يمكن تسميته “تماسكًا زائفًا”:
نصوص تبدو محكمة شكليًا، لكنّها لا تفضي إلى معنى ممتدّ.
وقد يسهل قراءتها لكنها تُنسى سريعًا؛ إذ تعتمد على “ديكور دلالي” لا على حركة توليد حقيقية.
23.9 نحو سؤال الحقيقة
وإذا ثبت أنّ التماسك أثرٌ بنائيٌّ حاصل لا شرطٌ سابق، نشأ سؤال آخر:
هل كل نص متماسك صادق؟
وهل قد يكون الوهم متماسكًا والدلالة الحقة مفككة؟
هذا السؤال يمهّد لما سيأتي في الفصل الموالي.

“الفصل الرابع والعشرون
التماسك والحقيقة”
يُعدّ الربط بين “الانسجام النصّي” و”الحقيقة” من أقدم المسلّمات التي شغلت الفكر الفلسفي عبر العصور. فالنص المتماسك في بنائه، المتناسق في أجزائه، كثيراً ما يُستقبل على أنه أقرب إلى الصواب، بينما يبدو النص المليء بالتناقضات أبعد عن الحقيقة، بل موضع شكّ وريبة. غير أنّ هذه المساواة بين التماسك والحقيقة ليست دائماً صائبة، إذ تكشف القراءة النقدية أنّ التماسك شرط للإقناع، لا شرط للحقيقة.
” 24.1 غواية التماسك”
يملك التماسك قوة تأثير لافتة؛ فحين ترتبط أجزاء النص ببعضها ارتباطاً منطقياً، يتولد لدى المتلقي شعور بالثقة. وقد أثبتت الدراسات النفسية والبلاغية هذا الأثر.
غير أنّ الإقناع لا يعني بالضرورة مطابقة الواقع؛ فالتاريخ والفكر الإيديولوجي حافلان بنصوص متماسكة البناء، لكنها مضلّلة أو بعيدة عن الحق.
” 24.2 الحقيقة خارج بنية النص”
تتحدد الحقيقة – تبعاً للمنظور الفلسفي – بثلاث صور رئيسة:
1. مطابقة الواقع،
2. التبرير بين الذوات،
3. أو صلاحيّة الفكرة في الواقع العملي.
ولا تتطابق أي من هذه المعايير مع التماسك النصي وحده؛ فقد يكون النص محكماً ومقنعاً، لكنه لا يرقى إلى مرتبة الحقيقة في أي من هذه المعاني.
” 24.3 التماسك شرط لبحث الحقيقة”
على الرغم من أنّ التماسك لا يصنع الحقيقة، إلا أنه يمهّد لإمكان اختبارها. إذ لا يمكن نقد النص أو تفنيده ما لم يكن واضح البنية. فالنص المتفكك يغدو مستعصياً على الفحص، لا لأنه خطأ، بل لأنه غير قابل للدرس والتحقق.
” 24.4 البداية بين الادّعاء والحقيقة”
لا تتحدد حقيقة النص من بدايته، لكن مستهلّه يرسم وجهة الادعاء المعرفي الذي يسلكه. فالبداية قد تجعل الحقيقة في إطار:
“وحي”،
“فرضية”،
“حكاية”،
أو “حجّة عقلية”.
وبهذا تمنح الافتتاحية شكلاً معيارياً لطريقة تداول الحقيقة داخله.
” 24.5 التماسك ومفهوم الموثوقية”
يسهم التماسك بقوة في بناء الثقة بالنص، فالترابط الداخلي يمنحه هيبة واتساقاً ظاهرياً. ومع ذلك، تبقى “الموثوقية” علاقة تربط القارئ بالنص، لا علاقة بين النص والواقع ذاته.
” 24.6 الحقيقة كحدث؟”
يطرح التصور الحدثي للمعنى سؤالاً جوهرياً: هل تكون الحقيقة حدثاً يتجلّى؟
ورغم أنّ الإجابة ليست محسومة هنا، إلا أنّ ما يمكن قوله باطمئنان هو أنّ الحقيقة لا تنغلق داخل النص وحده، بل تتولد من تفاعل النص مع العالم ومع القارئ. ويأتي التماسك كشرط مساعد، لا كدليل حاسم.
” 24.7 خطر التماسك المضلِّل”
تبلغ الخطورة مداها عندما يقترن التماسك النصي بسلطة معيارية خفية، دون الإفصاح عن مقدماتها. فالقارئ قد ينخدع ببنية محكمة تعتمد الإخفاء أكثر مما تعتمد البرهان. وهنا تبرز ضرورة القراءة النقدية القادرة على مساءلة الانسجام بدلاً من الاكتفاء بالإعجاب به.
” 24.8 انتقال: من التماسك إلى النقد”
إنّ الفصل بين التماسك والحقيقة يوضح أن مسار المعنى لا ينتهي عند اكتمال بنية النص، بل يستدعي حركة ثانية هي النقد. وبهذا ينتقل البحث إلى القسم اللاحق، حيث تبدأ مواجهة النص وتحليله بعد فهم تماسكه.

“الفصل الخامس والعشرون
النقد بوصفه الحركة الثانية للمعنى”
يتشكّل المعنى، ثم يستقرّ، ثم يمارس أثره في ذهن المتلقي وفي السياق الذي ينتمي إليه. غير أنّ ثباته لا ينبغي أن يتحول إلى جمود؛ فكل موضع يستقر فيه المعنى يولّد ضرورة مساءلته. ومن هنا تتبلور الفكرة الرئيسة في هذا الفصل: النقد ليس إعاقة لمسار إنتاج الدلالة، بل هو حركتها الثانية المكمّلة.
” 25.1 النقد خارج دائرة الشبهة”
ينظر كثيرون إلى النقد بوصفه ممارسة كاشفة، غايتها فضح الأيديولوجيا، أو تفكيك آليات السلطة، أو رفع الأقنعة عن التضليل. هذه الرؤية صحيحة في جانب منها، لكنها لا تمثل جوهر النقد بأكمله.
فالنقد ليس هدماً للمعنى، بل هو فعل مراجعة وتجديد. إنّه لا يسعى إلى إلغاء الدلالة، وإنما يعمل على إعادة صياغتها وتطويرها.
” 25.2 منطق الزمن في الحركة النقدية”
يأتي النقد دائماً تالياً لتكوّن المعنى، فلا نقد من دون نص مستقرّ يمكن مساءلته. فحيث لا انسجام أولي، يغيب الأساس الذي يستند إليه الناقد في تفكيكه وإعادة تقويمه.
وعلى هذا، يمكن القول إن حركة النص تمرّ بثلاث مراحل:
“البداية تضع الأسس”،
“المعنى يتنامى وينتظم”،
“ثم يأتي النقد للتحقق والمراجعة”.
” 25.3 النقد ومسافة الفهم”
يتطلب النقد مسافة من الموضوع المقروء؛ مسافة ليست مكانية، بل معرفية. يبتعد القارئ خطوة عن النص ليقرأه بعين مزدوجة: من داخله بوصفه بنية، ومن خارجه بوصفه خطاباً قابلاً للتفكيك.
وليست هذه المسافة انقطاعاً عن القراءة، بل تحولاً في موقف القارئ من الامتثال إلى التفكّر.
” 25.4 الأساس المعياري للنقد”
لا يتولّد النقد في فراغ، بل يستند إلى معايير تُستقى غالباً من النص ذاته، وخصوصاً من بداياته التي تُعلن شكل خطابه ومجالات معناه.
فالبداية لا تحدد فحسب ما يعدّ ذا دلالة، وإنما تمنح القارئ مفاتيح يُسائل بها النص حين يتعثر المعنى أو يتضخم على غير أساس.
” 25.5 النقد بوصفه قطيعة مُنتِجة”
النقد انقطاعٌ عن السلاسة الظاهرية للنص، لكنه انقطاع ضروري يُتيح رؤية جديدة. فالقطيعة هنا ليست كسراً تعسفياً، بل انفصال مؤقت يعيد وصل النص بذاته بشكل أعمق.
إنه توقّف يعيد ترتيب الأسئلة، ويهيئ للنص إمكانات متجددة للفهم والتأويل.
” 25.6 النقد والحقيقة”
يتجاوز النقد السعي إلى مجرد تماسك القول، ليقارب الحقيقة بوصفها ادعاءً يحتاج إلى اختبار لا ملكية ثابتة.
ومن ثمّ قد يقود النقد إلى ثلاثة مسارات:
“تأكيد المعنى”،
“إصلاحه”،
“أو استبعاده”.
وفي جميع الحالات يوسع النقد مساحة الدلالة ويمنحها أفقاً رحباً.
” 25.7 خطر النقد المبكر”
الخطر الأكبر يكمن في النقد الذي يسبق التكوّن. فقبل أن يشتد عود المعنى ويستقر نسقه، يصبح النقد فعلاً هداماً يعطل حركة الدلالة.
لذلك يأتي “الفهم قبل النقد”، لا ليحصّنه، بل ليتيح للأفكار أن تتشكل ثم تُختبر.
” 25.8 النقد بوصفه ممارسة أخلاقية”
النقد ليس مجرد أداة تحليلية، بل هو فعل أخلاقي يقارب النص بقدر من الاحترام، لا بالخضوع ولا بالتسامح المفرط.
فاحترام النص يكون بأخذه على محمل الجد، وبفحص افتراضاته ومساءلة منطقه، لا عبر تجنّب مواجهته.
” 25.9 نحو حدود النقد”
إذا كان النقد هو الحركة الثانية في دينامية المعنى، يبرز سؤال جوهري: هل للنقد حدود؟ وهل هناك نصوص أو سياقات يصبح فيها النقد عاجزاً عن التقدم؟
هذا السؤال يمهد للانتقال إلى الفصل التالي، حيث يُبحث في إمكانات النقد ومناط توقّفه.
“الفصل السادس والعشرون
حدود النقد”
يظلّ النقد ضرورة فكريّة لا غنى عنها، غير أنّ ضرورته لا تعني إطلاقه بلا قيود. فحين ينسى النقد شروطه الأولى أو يتجاوز مجاله المشروع، يفقد قدرته على الإثراء والتحويل، ويتحوّل من أداة للفهم إلى سبب في التعطيل والالتباس. ومن ثَمّ ينطلق هذا الفصل من أطروحة مفادها أنّ النقد لا يكون فاعلاً إلا إذا اعترف بحدوده “الزمانية”، و”الهيكلية”، و”الوظيفية”.
فالحدود هنا ليست قيداً على حرّيّته، بل شرط في فعاليّته وجدواه.
” 26.1 النقد يفترض وجود معنى سابق”
أولى حدود النقد أنّه مشروطٌ بوجود معنى سابق عليه. فلا يبدأ النقد من العدم، ولا يعمل في الفراغ، بل يتعامل مع “نظام دلالي” قائم يمكن مساءلته أو إعادة بنائه.
وحيث لم يتشكّل المعنى بعد، يصبح النقد هدماً لا كشفاً، ويعترض نشأة الدلالة بدل أن يرشد مسارها.
النقد حركة ثانية في توليد المعنى – وليس الأولى.
” 26.2 الحد الزمني للنقد وفترة التكوّن”
يرتبط النقد بالوقت ارتباطاً مباشراً؛ فالنصوص، خاصة المؤسِّسة منها، تحتاج زمناً للاستقرار والنمو قبل إخضاعها للفحص.
إن النقد المبكر:
“يختزل مسار تشكّل المعنى”،
“ويستبدل الفهم بالحكم”،
“ويفقد القدرة على ملامسة جوهر الموضوع”.
ومن ثمّ يمكن القول إن إحدى حدود النقد “عتبة زمنية” لا يجوز تجاوزها دون قراءة وتدبر.
” 26.3 الحدود البنيوية للنقد”
لا يعمل النقد خارج بنية النص، بل يستند إليها ويقرأها من داخل نظامها. أمّا النقد الذي يهمل شكل النص وترتيبه وحججه، فإنه لا يفكك النص بل يفكك صورة ذهنية عنه أو إسقاطاً من خارجه.
وتفرض بنية النص حدوداً واضحة:
“ما الأسئلة الممكن طرحها؟”
“وما الاعتراضات القابلة للنقاش؟”
“وما طبيعة النقد التي يتيحها السياق؟”
فالنقد إمّا أن يكون بنيوياً أو يفقد دقته.
” 26.4 خطر النقد الشامل”
يظهر الخلل حين يتحوّل النقد إلى ممارسة شمولية لا تستثني شيئاً، فيصبح كل معنى موضع شك دائم. عندها يتلاشى الفرق بين “الدلالة” و”الإيديولوجيا”، ويتحوّل النقد نفسه إلى “يقين سلطوي” لا يراجع مسلّماته.
وهنا تتجلى حدود النقد في ضرورة أن يشمل نفسه بمساءلته.
” 26.5 النقد بوصفه فتحاً لا هدماً”
يغدو النقد عديم الجدوى حين لا يقدّم بديلاً أو لا يفتح أفقاً لمعنى جديد. فالنقد المثمر هو الذي:
“يكشف مواطن الضعف”،
“ويبرز التوترات الخفية”،
“ويقترح إمكانات للتعديل”.
أمّا النقد الذي ينتهي إلى الإنكار فقط، فإنه يقطع سلسلة توليد المعنى ويغلق باب الاستمرار.
” 26.6 البعد الأخلاقي في ممارسة النقد”
للنقد جانب أخلاقي يتصل بطريقة التعامل مع نصوص ومعتقدات قد تمثل للآخرين جزءً من هويتهم أو تاريخهم الفكري.
والأخلاق هنا لا تعني الامتناع عن النقد، بل احترام “وظيفة المعنى” وعدم إهداره تعسفاً. فيحق للنقد أن يسأل، ولكن لا ينبغي له أن يُفرغ النص من قيمته دون مسوّغ.
” 26.7 النقد والنصوص التأسيسية”
في التعامل مع النصوص ذات الطابع التكويني أو المرجعي، تتضاعف الحاجة إلى الحذر والعمق. فهي نصوص تملك قدرة معيارية وتاريخاً فاعلاً، ما يجعل نقدها مشروعاً ومهماً، لكنه يتطلب شروطاً صارمة، من أبرزها:
“الاعتراف بدورها التأسيسي”،
“والعودة إلى بداياتها السياقية”،
“ومراعاة تاريخ تلقيها وتأثيرها”.
فمن دون هذه الشروط قد ينفصل النقد عن موضوعه وينقلب إلى تقويض غير منتج.
” 26.8 النقد الحقيقي يحدّ ذاته”
تبلغ الممارسة النقدية ذروتها حين تدرك حدود نفسها. فالنقد الواعي لا يسعى إلى الهيمنة ولا يدّعي القدرة على تقويض كل معنى في كل وقت، بل يعرف مواضع التوقف ومواطن الصمت.
وهذه “الاستجابة الحدودية” ليست ضعفاً، بل علامة نضج فكري وتوازن نظري.
” 26.9 نحو العودة إلى التأسيس”
مع بيان حدود النقد، تكتمل الحركة الثانية في مسار المعنى. وهنا ينهض سؤال جديد: ماذا يبقى بعد انتهاء النقد من مهمته؟ أيُّ معنى يمكن إعادة بنائه بعد انكشاف مواطن الضعف والتوتر؟
هذا السؤال يعيدنا إلى “المكوّن التأسيسي للمعنى”، وهو ما يمهّد للجزء التالي من الكتاب حيث تُستأنف عملية البناء، هذه المرة على ضوء النقد.

“الفصل السابع والعشرون
العودة إلى التأسيس – المعنى بعد النقد”
لا تمثّل ممارسة النقد نهايةً لمسار توليد المعنى، بل نقطة عبور إلى مرحلة تتجاوز الفحص والتشكيك نحو إعادة البناء. فبعد أن يكشف النقد حدود الدلالة ويعيد ترتيبها، يحلّ طور جديد، تُستعاد فيه “عملية وضع المعنى” بوصفها فعلاً واعياً لا عودة فيه إلى البراءة الأولى أو القبول غير المشروط.
فما بعد النقد ليس نفياً للمعنى، بل إعادة تأسيسه على نحوٍ أعمق وأرشَد.
” 27.1 استحالة المعنى الخالي من النقد”
حين تتشكل الخبرة النقدية، يصبح من المتعذّر العودة إلى “المعنى البريء”. فكل معنى جديد ينشأ محمولاً على وعي بشروطه وحدوده وباحتمالات التحيّز الكامنة فيه.
غير أنّ هذا الوعي لا يضعف المعنى، بل يجعله أكثر رشداً ومسؤولية، لأنّه ينشأ مكشوفاً أمام ذاته ومعترفاً بطبيعته المؤقتة.
” 27.2 التأسيس بعد النقد فعل قصدي”
المعنى بعد النقد لا ينمو تلقائياً، بل يقوم على “قرار واعٍ” بإعادة بناء الدلالة رغم الشكوك والاحترازات. وهذا القرار لا يصدر عن رغبة اعتباطية، بل عن:
“فهم بنيوي لطبيعة النص”،
“وتقييم نقدي لمواطن القوة والقصور”،
“وحاجة وظيفية إلى توجيه الفهم”.
فإعادة التأسيس بهذا المعنى فعل إرادي يرتكز إلى وعي معرفي لا إلى تلقائية ساذجة.
” 27.3 التحوّل في مكانة البداية”
لا تعود بداية النص بعد النقد ذات سلطة مطلقة. فهي تبقى منبعاً معيارياً، لكنها تُقرأ في ضوء مساءلة نقدية تجعلها مفتوحة للتأويل.
إنها لحظة بدء جديدة “تعرف أنها تبدأ”، لا تتخفّى خلف بداهة مزعومة.
فالمبتدأ هنا مُعادٌ إليه لا مكتفٍ بذاته.
” 27.4 المعنى بين الثبات والانفتاح”
يقوم المعنى بعد النقد على توازن دقيق بين طرفين:
“الانغلاق الذي يحوّله إلى يقين جامد”،
“والانفتاح غير المحدود الذي يبدده”.
فالدلالة المتجددة تمنح القارئ اتجاهاً، لكنها تظل قابلة للمراجعة، بما يتيح استمرار النقاش وتعدد الاحتمالات دون انفلات أو صلابة.
” 27.5 القارئ بعد النقد”
يعود القارئ إلى النص لا بوصفه متلقياً فقط، بل شريكاً في إنتاج المعنى ومسؤوليته. فالتجربة النقدية تمنحه:
“وعياً بمرحلية الفهم”،
“واستعداداً لتغيير الموقف”،
“وقابلية لمتابعة الحركة التأويلية”.
إنه قارئ يقرأ بافتتاح، ويعيد البناء بدراية.
” 27.6 المعنى حين يصبح مؤسسة”
يمكن للمعنى بعد النقد أن ينتقل إلى طور “المؤسسة”، فيستقر في مناهج، ومتون، وتقاليد معرفية. وهذه المؤسسة تحفظ المعنى وتمكّنه من الانتقال عبر الأجيال، لكنها قد تجعله عرضة للجمود.
لذلك تبقى “إمكانية النقد” جزءً من بنية المعنى ذاتها، وليس خارجه.
” 27.7 التأسيس المتكرر حركة لولبية”
لا يتوقف تشكّل المعنى عند مرحلة بعينها. فالحركة بين “التأسيس – النقد – إعادة التأسيس” ليست دائرة مغلقة، بل “حلقة لولبية” كل عودة فيها تتم على مستوى أعلى من الوعي والمعالجة.
هذه الحركة تضمن تجدّد الدلالة وعدم انطفائها.
” 27.8 أخلاق إعادة التأسيس”
يتطلب المعنى بعد النقد مسؤولية أخلاقية مضاعفة. فمَن يعيد التأسيس يعلم أثر الكلمة في الوعي والمجتمع ويعي كذلك قدرتها على الإقصاء أو الهيمنة.
ومن هنا تتجلى ضرورة مراعاة:
“حساسية اللغة”،
“ومواضع القوة والمعنى”،
“وعدالة التلقي والتأويل”.
فالتأسيس الواعي فعل أخلاقي بقدر ما هو معرفي.
” 27.9 نحو مفهوم التقاليد”
تفضي العودة إلى التأسيس بعد النقد إلى سؤال جديد: كيف يستمر المعنى عبر الزمن؟ وكيف تنتقل الدلالة من جيلٍ لآخر دون أن تفقد إمكان تحولها؟
هنا تبرز “التقاليد” بوصفها الوعاء الحامل للمعنى واستمراره، بما يدفع الفصل اللاحق إلى دراسة العلاقة بين “المعنى” و”التقليد”.

الفصل الثامن والعشرون
المعنى والتقاليد
لا يقتصر المعنى على كونه حدثًا آنياً يولد في لحظته، بل يمكن له أن يستقر عبر الزمن، فيتشكل منه ما نطلق عليه “التقليد”. والتقليد ليس حفظًا جامدًا لما مضى، بل هو سيرورة حيّة تتضمن تناقل المعنى وتحويله وتجديده، بما يسمح له بالاستمرار والتأثير.
يتناول هذا الفصل طبيعة العلاقة البنيوية بين “المعنى” و”التقليد”.
28.1 التقليد بوصفه معنى مترسّبًا
تتشكل التقاليد حيث تتكرر الدلالات وتستعاد باستمرار، فتنغرس في الوعي الجمعي وتغدو مألوفة مثل حقائق لا تحتاج إلى برهان. هذا الترسب ضروري لأنه يمنح الأجيال المتعاقبة نظامًا للاستدلال، ومرجعًا للاستمرار والانتماء.
28.2 وهم الأصل النقي
غالبًا ما تُقدَّم التقاليد بوصفها امتدادًا مباشرًا لأصل أول ثابت. غير أنّ هذا الأصل ــ في أغلب الأحيان ــ ليس نقيًا، بل تحكمه “قرارات”، و”تأسيسات” أولى، وظروف تاريخية طارئة. إن الاعتقاد بوجود معنى أول متعالٍ وخالٍ من التأثر، هو نفسه نتاج تقليدي جرى تكريسه عبر الزمن.
28.3 البداية داخل بنية التقليد
تخسر البداية في سياق التقليد حضورها المادي المباشر، لكنها تكسب قوة رمزية. فهي تتحول إلى مرجع تستدعى إليه العودة لا من خلال استعادته حرفيًا، بل عبر إعادة تفسيره وتكييفه. فالتقاليد لا تحيا بالبداية نفسها، بل بالفعل المستمر للرجوع التأويلي إليها.
28.4 التقليد والسلطة
يولد التقليد سلطة معيارية تستند إلى القبول الاجتماعي أكثر من استنادها إلى الإكراه. غير أن لهذه السلطة وجهًا آخر، إذ قد تتحول إلى آلية تمنع الاختلاف وتعيق النقد. وعندما تُحصّن التقاليد نفسها ضد المراجعة، يتجمد المعنى ويفقد حيويته.
28.5 التأويل بوصفه عملاً تقليديًا
كل قراءة هي في جوهرها مشاركة في صناعة التقليد. فهي تحفظ بعض المعاني، وتعيد تشكيل بعضها الآخر، وتفتح المجال لمعاني جديدة. فالمؤول ليس شاهدًا خارجيًا، بل حلقة فاعلة في سلسلة النقل وإعادة التوليد.
28.6 القطيعة داخل التقليد
لا تسير التقاليد في خط واحد مستقيم، بل تعرف الانقطاع والنسيان والبدايات البديلة. وهذه القطيعة لا تمثل خسارة بالضرورة، بل قد تكون الشرط الذي يسمح للمعنى بأن يتجدد، ويتحرر من ثقل التراكمات الصلبة.
28.7 التقليد بعد النقد
لا يعني إخضاع التقليد للنقد رفضه أو القطيعة معه، وإنما جعله موضوعًا للوعي والتفكير. فالتقليد ـ حين يُرى في ضوء تاريخه ـ يحتفظ بدوره الإرشادي دون أن يتحول إلى مرجعية مطلقة. وهكذا تتأسس “تقاليد واعية” لا عمياء ولا متسيبة.
28.8 القوة المعيارية للتقليد
يمتلك التقليد قدرة على وضع المعايير وضبط آفاق الفهم. قوته ليست نهائية لكنها مؤثرة؛ فهي ترسم توقعاتنا، وتحدد حدود التأويل، وتشكل صور الانتماء والمشروعية الثقافية.
28.9 تمهيد: من التقليد إلى السلطة
وعندما يصبح التقليد قوة تُعرّف ما يجب حفظه وتفسيره ونقله، تبرز مسألة “السلطة” بوصفها امتدادًا منطقيًا. فالسؤال هنا: من يملك الحق في تعريف التقليد وتوجيهه؟ وهكذا يتصل هذا الفصل بما يليه اتصالًا مباشرًا.

الفصل التاسع والعشرون
التقليد والسلطة
لا تتكوّن “التقاليد” في فراغ، بل تنشأ داخل نسيج اجتماعي وثقافي تتقاطع فيه القوى المؤثرة. فحيثما يُنقَل المعنى ويُعاد إنتاجه، تعمل “السلطة” بشكل ظاهر أو خفي. ويهدف هذا الفصل إلى بيان كيف تستطيع التقاليد تثبيت المعنى من جهة، وتنظيمه هرميًا من جهة أخرى.
29.1 السلطة بوصفها آلية انتقاء
التقليد لا يحفظ كل شيء، بل ينتقي. وهذا الانتقاء ليس محايدًا، بل يخضع لحركة الموازين والقوى. فهو يحدد:
• ما يُحفَظ في الذاكرة،
• وما يُهمَل ويندر ذكره،
• وما يُمنح صفة “المعنى المعتبر”.
ليست السلطة هنا مجرد أداة قمع، بل هي قدرة على تشكيل فضاء الدلالة وتنظيمه.
29.2 صناعة القانون وتراتبية الإقصاء
يُعد “القانون” أحد أبرز أدوات السلطة داخل التقاليد؛ إذ يرتّب النصوص والممارسات والمعاني، ويمنح بعضها مكانة معيارية. وما يقع خارج هذا القانون لا يختفي كليًا، لكنه يفقد بريق الحضور وفاعلية التأثير.
29.3 البداية كمصدر شرعية
كثيرًا ما تستمد التقاليد مشروعيتها من “البداية الأولى”. تصبح تلك البداية مرجعًا تُبنى عليه الأحكام، وتُستمد منه الحجج. غير أنه كلما ابتعدنا تاريخيًا عن تلك اللحظة، اتسع مجال التأويل فيها، وتزايد تأثير السلطة في إعادة تعريفها.
29.4 المؤسسات بوصفها حاملة للتقليد
تتكفل المؤسسات بنقل التقاليد وترسيخها، ومنها:
• مؤسسات التعليم،
• الهيئات الدينية،
• التخصصات العلمية والمعرفية.
تسهم هذه الأطر في تثبيت المعنى، لكنها قد تضيّق في الوقت نفسه نطاق القراءات البديلة، وتحجب إمكانات تجديده.
29.5 السلطة المستترة: اعتياد المعنى
تكمن فاعلية السلطة الحقيقية في لحظة اللا مرئية؛ أي حين تتحول التقاليد إلى “بديهيات” لا تُساءل. عندها يغدو المعنى شبيهًا بنظام طبيعي لا يُرى فيه أثر للتاريخ أو الاختيار، رغم أنه نتاج تراكمات وصراعات.
29.6 نقد سلطة التقليد
لا يستهدف النقد هنا نقض التقاليد ذاتها، إنما يعترض على تحويلها إلى مرجع مطلق لا يقبل السؤال. وهذا النقد يثير أسئلة من قبيل:
“من يملك حق التحدث باسم التقليد؟”
“لصالح من تُحفظ بنيته السائدة؟”
“ومن الذي يُستبعَد من حق المشاركة فيه؟”
مثل هذه الأسئلة تضمن للتقليد حيويته وتمنع تحوّله إلى بناء مغلق.
29.7 السلطة بعد النقد
النقد لا يلغي السلطة، لكنه يعيد توزيعها. فحتى التقاليد الواعية تحتاج آليات للاعتماد والتثبيت. والسؤال ليس “هل تعمل السلطة؟” بل “كيف تعمل؟”، و”إلى أي مدى تبقى قابلة للمراجعة والتصحيح؟”.
29.8 القارئ داخل شبكة السلطة
لا يقف القارئ خارج فضاء القوة، بل يتفاعل معه. فتصوّراته المسبقة ومساراته التعليمية ورؤيته للنصوص جميعها مشروطة بالتقليد. ومن ثم يصبح فعل القراءة ذاته ممارسة داخل “حقل السلطة”، يتخذ القارئ فيه موقفًا سواء شعر بذلك أم لم يشعر.
29.9 تمهيد: من التقليد إلى الجماعة
وحين نرى كيف تنظم التقاليد المعنى، وتوزع السلطة في داخله، يصبح من الضروري طرح سؤال آخر: كيف تتأسس “الجماعة” على معنى مشترك؟ تمثل هذه النقطة مدخلًا منطقيًا للفصل التالي.

الفصل الثلاثون
المعنى والجماعة
لا يولد “المعنى” في عزلة فردية تامة؛ فحتى أكثر التأويلات خصوصية تتحرك داخل فضاء رمزي سابق على الفرد. وتتشكل “الجماعة” عندما يصبح المعنى مشتركًا، معترفًا به، ومتداولًا بين أفرادها. يبحث هذا الفصل في الكيفية التي يغدو بها المعنى عامل بناء للروابط الاجتماعية، وفي الوقت ذاته أداة ترسيم لحدودها.
30.1 المعنى المشترك أساس قيام الجماعة
ليست القرابة أو الجوار وحدهما ما يصنع الجماعة، بل “اشتراك الأفراد في معانٍ ورموز” تتجلى في اللغة، والطقوس، والحكايات المؤسسة. فحيث يتشكل أفق تأويلي واحد، تتحقق إمكانية الانتماء. أما إذا غاب المعنى المشترك، ظلت العلاقات الاجتماعية هشّة وعرضة للتفكك.
30.2 توليد المعنى وأثره في الانتماء
تقوم الجماعات على ما تعدّه “ذي معنى” داخل نسقها القيمي. فمن يوافق هذا النسق ويشارك دلالاته يُعدّ عضوًا فيه، بينما من يختلف عنه يقف خارجه. وهكذا يغدو المعنى مصدرًا للانتماء، لكنه يحدّد كذلك حدود المشاركة.
30.3 البدايات في نظم المعنى الجماعي
لكل جماعة “بداية” تستند إليها: قصة تأسيس، نص مؤسس، حدث محوري أو رمز متوارث. لا تكمن أهميتها في مادتها التاريخية وحدها، بل في فاعليتها الرمزية التي تمنح الجماعة صورة ذاتية وتوجّه فهمها لوجودها.
30.4 التكرار آلية تثبيت المعنى
يحافظ المعنى المشترك على حضوره عبر التكرار: في الاحتفالات، والممارسات الطقوسية، والروايات المتوارثة. فالتكرار يرسّخ الألفة ويؤسس للاستمرارية. غير أن الخطر يكمن في أن يتحول التكرار إلى عادة جامدة إذا غابت المراجعة النقدية.
30.5 الصراع بوصفه ظاهرة دلالية
لا تنشأ النزاعات داخل الجماعات فقط من المصالح المادية، بل كثيرًا ما تكون صراعًا حول “المعنى”. فالتأويلات المتنافسة تسعى إلى الاعتراف والشرعية. ومن هنا، فالصراع ليس علامة ضعف، بل دليل على حيوية المعنى وفاعليته.
30.6 السلطة في بنية الجماعة
لا يمكن فصل المعنى الجماعي عن “السلطة”. فبعض التأويلات تفرض حضورها وتكتسب مركزًا، بينما تُدفع أخرى إلى الهامش. وعليه تحتاج الجماعات إلى آليات لإدارة الخلاف الدلالي دون انهيار الرابط المشترك.
30.7 التعددية وآفاق المعنى المشترك
تتسم الجماعات الحديثة بالتنوع. فهي لا تقوم على تطابق كامل في الرؤى، بل على “تقاطعات دلالية” تسمح بالعيش المشترك. في ظل هذا التنوع يصبح المعنى المشترك أرقَّ، لكنه أوسع وأقدر على التكيف.
30.8 الفرد داخل الجماعة
ليس الفرد مجرد وعاء ينقل المعنى الجماعي، بل يساهم في تشكيله عبر التفسير والتعديل والإضافة. تقوم الجماعة على توتر خلاق بين حرية الفرد والمعنى المشترك، ومن هذا التوتر تستمد قابليتها للتجدد.
30.9 تمهيد: من المعنى إلى الهوية
إذا كان المعنى يُنشئ الجماعة ويحدد روابطها، فإنه كذلك يسهم في بناء “الهوية”، فردية كانت أو جمعية. وهذا يمهد للانتقال إلى الفصل التالي.

الفصل الحادي والثلاثون
المعنى والهوية
ليست “الهوية” جوهرًا ثابتًا يكتفي بعرض المعنى أو تمثيله، بل هي عملية مستمرة تتشكل في إطار “المعنى” وتمرّ عبره. يدرك الإنسان ذاته لأنه يتعامل مع المعاني: يتبنّاها حينًا، ويعارضها حينًا آخر، يعيد تأويلها أو يصوغها في هيئة قصة تحكي من يكون. يهدف هذا الفصل إلى قراءة الهوية بوصفها علاقة ذاتية تتحدد من خلال بنيات المعنى ومساراته.
31.1 الهوية بوصفها بناءً دلاليًا
لا تُبنى الهوية داخل ذات منعزلة، بل تتكون حين يضع الفرد نفسه ضمن شبكات من المعنى.
تشمل هذه الشبكات:
• “اللغة”،
• “السرديات”،
• “القيم”،
• و”الأدوار الاجتماعية”.
تغدو الهوية بذلك ممارسة مستمرة وليست ملكية نهائية؛ فعلًا لا يُستكمل.
31.2 السردية كآلية تشكّل للهوية
من أهم ملامح الهوية طابعها السردي. فالإنسان يصوغ ذاته عبر “حكايات يرويها عن نفسه”، بوعي أو من دون وعي.
تؤدي هذه الحكايات وظائف عدة، فهي:
• تصل الماضي بالحاضر، وتفتحهما على المستقبل،
• تمنح الذات قدرًا من الثبات وسط التحولات،
• وتتيح إمكانية التواصل مع الآخرين.
إن الهوية “معنى يُروى”.
31.3 بدايات الهوية
للهوية كذلك “بدايات” تتشكل عبر أصول عائلية، أو تسميات مبكرة، أو تجارب مؤثرة. لهذه البدايات سلطة تنظيمية، لكنها لا تحدد المصير كاملاً.
وكما في النص، “البداية” تمنح الهيكل، دون أن تصادر الامتداد.
31.4 بين التعيين الخارجي والتأويل الذاتي
تتطور الهوية داخل مجال يتجاذبه “الحكم الذي يطلقه الآخرون” و”التفسير الذي يختاره الفرد لنفسه”. قد تُقبَل تلك الأحكام أو تُعدَّل أو تُرفض.
لذلك لا تكون الهوية ذاتية خالصة، ولا خاضعة بالكامل للآخر. إنها مجال تفاعل دائم.
31.5 التشقق والقطيعة في بناء الهوية
الهوية لا تُصاغ على نحو متجانس دائمًا؛ فالتصدعات، والشكوك، واللحظات الحرجة جزء من بنيتها.
وليست هذه الانقطاعات نقصًا بالضرورة، بل قد تكون ميلادًا لمعنى جديد يتيح مراجعة الذات وإعادة تشكيلها.
31.6 الهوية بعد النقد
لا تنحل الهوية تحت مجهر النقد، بل تصبح أكثر وعيًا بذاتها. يدرك الفرد أن صور الذات “مُنشأة” وليست معطاة.
هذا الإدراك لا يؤدي إلى التفكك، بل يتيح “صنع الذات بوعي ومسؤولية”.
31.7 السلطة والهوية
الهوية ليست حيادية؛ فأنماط الهوية المتاحة في المجتمع توزَّع “تحت تأثير قوى ومعايير” ترفع بعضها وتقصي بعضها. ومساءلة هذه السلطة جزء أصيل من العمل على الهوية.
31.8 الهوية الجماعية
ترتبط الهوية الفردية بهوية جماعية أوسع: وطنية أو ثقافية أو دينية. هذه الجماعات ليست كيانات مغلقة، بل “بناءات سردية” تتمتع بطاقة معيارية تؤثر في تشكيل الأفراد.
31.9 نحو أزمة الهوية
وحين تتخلخل “أنظمة المعنى” التي تقوم عليها الجماعة، تهتز الهوية وتتصدع. وتشهد المجتمعات الحديثة حالات متكررة من هذا الاضطراب. ومن هنا يتهيأ الانتقال إلى معالجة هذا الموضوع في الفصل التالي.

الفصل الثاني والثلاثون
أزمة المعنى والهوية
يشيع في الخطاب المعاصر الحديث عن “أزمة في المعنى والهوية”، غير أنّ الأزمة هنا لا تعني فراغاً خالصاً أو انقطاعاً تامًّا، بل هي حالة تتكثّف فيها القدرة على التأمّل والمراجعة. فالحداثة لا تُنتج خواءً بقدر ما تخلق فيضاً من المعاني وتسارعاً في تبدّلها، الأمر الذي يجعل نظم الدلالة أقل استقراراً وأكثر حركة واضطراباً.
32.1 الأزمة كخاصية بنيوية للحداثة
لا تمثّل الأزمة في المجتمعات الحديثة حالة عابرة أو ظرفاً استثنائياً، بل هي “بنية ملازمة” للحداثة نفسها. إذ تعمل الحداثة على تفكيك البنى التقليدية الحاملة للمعنى من دون أن تتيح بدائل ثابتة طويلة الأمد. ومن ثَمّ لا تصبح الهوية مستحيلة، ولكنها تغدو “هشة قابلة للتزعزع”.
32.2 تعدّد عروض المعنى
تتسم الحداثة بتكاثر غير مسبوق في “عروض المعنى”؛ فالدين، والعلم، والسياسة، والفنون، والإعلام، تقدم قراءات متعددة للعالم. وتفتح هذه التعددية آفاقاً واسعة للفهم، لكنها في الوقت نفسه قد “تربك المتلقي” وتثقل قدرته على تنظيم الدلالات واستيعابها.
32.3 التسارع وتراجع القدرة على توليد المعنى
يسهم تسارع الإيقاع الحياتي في إضعاف عملية بناء المعنى. فحين تتراكم التجارب من غير اندماج أو تأمل، يبرز “التشظّي والسطحية” بدلاً من الترابط. وعندها تؤول الهوية إلى “استجابات ظرفية”، تحكمها اللحظة بدل السرد المتماسك.
32.4 تآكل مرتكزات الهوية القديمة
لم تعد مرتكزات الهوية التقليدية – كالانتماء العائلي، والمهنة، والنوع الاجتماعي، والدين – تمتلك حضورها الطبيعي المسلّم به. فأضحت الهوية مشروعاً مفتوحاً على إعادة القراءة والتشكيل المستمر. وهذه “الحرية” ذات وجهين: تمنح إمكانات واسعة، لكنها تزرع قدراً من الشكّ والقلق.
32.5 الأصالة بوصفها عَرَضاً للأزمة
إنّ الدعوة الحديثة إلى “الأصالة” لا تعبّر دائماً عن ثقة بالنفس، بل تُعدّ مؤشراً على القلق الناتج عن انحسار المرجعيات الخارجية. فالبحث عن “الذات الحقيقية” محاولة لتعويض فراغ المعنى، مع أنّ الذات نفسها تتكوّن داخل شبكات من الدلالة ولا تنشأ من عدم.
32.6 الهوية بين التشظّي والتصلّب
في مشهد الأزمة تتأرجح الهوية بين قطبين:
1. “تشظّي بلا رابط”، يفقد فيه الفرد تماسكه الداخلي.
2. “تصلّب دفاعي” يُغلِق الهوية على تعريف جامد.
وكلا الموقفين يعوقان بناء معنى فعّال ومتوازن.
32.7 الأزمة كإمكان معرفي
لا تدلّ الأزمة على الانحدار فقط، بل قد تكشف “صناعة المعنى” وتفكّك بداهاته. وحين تنكشف الشروط التي تقوم عليها الهوية، تتاح فرصة واعية لإعادة بنائها بقدر من الحرية والمسؤولية.
32.8 المجتمع في لحظة الأزمة
لا تقف الأزمة عند حدود الأفراد، بل تشمل الجماعات كذلك. فالمرويّات الوطنية أو الثقافية أو الدينية قد تخسر قدرتها على جمع الناس، أو تتحوّل إلى “نزعات انغلاقية متشدّدة”. وهذان المظهران وجهان لعدم اليقين ذاته.
32.9 نحو فصل جديد: المعنى بوصفه مهمة
حين يصبح كلٌّ من المعنى والهوية مجالاً للشكّ والتقلّب، لا يعودان معطيين جاهزين، بل يتحوّلان إلى “مهمة مستمرة” يتقاسمها الفرد والمجتمع معاً. ومن هنا تنفتح أبواب التساؤل في الفصل اللاحق.

الفصل الثالث والثلاثون
المعنى بوصفه مهمة لا ملكية
كان المعنى في النظم القديمة يظهر بوصفه معطى جاهزاً، موروثاً، ومسنوداً بسلطة التقليد وضمان الاستمرارية. أمّا في السياق الحديث، فقد تلاشت إمكانية النظر إليه كمُلكٍ ثابت أو حقيقة مضمونة. لم يعد المعنى “ممتلكاً” محفوظاً، بل “مهمة متجددة” تتطلب جهداً مستمراً لإنتاجه وتفسيره وإعادة ترسيخه. وهذا الفصل يتعقب نتائج هذا التحول الجوهري.
33.1 توديع نموذج الملكية في المعنى
يفترض نموذج الملكية للمعنى وجود “ثبات وتحكم واستدعاء دائم”. فمن يظن أنه “يملك المعنى” يتصور قدرته على استحضاره والدفاع عنه في أي لحظة. غير أن هذا التصور سرعان ما يتعثر أمام “تعدد المعاني الممكنة”، و”تقلب التاريخ”، و”الطابع الحدثي للدلالة”. فالمعنى ينفلت بطبيعته من أي امتلاك مطلق أو سيطرة نهائية.
33.2 المعنى بوصفه ممارسة
إذا كان المعنى مهمة، فهو إذن ممارسة. إنه يتشكّل في الفعل ذاته:
• “في التأويل”،
• “في السرد”،
• “في اتخاذ القرار”،
• “وفي العمل الإنساني”.
ليس المعنى حصيلة معرفة عقلية خالصة، بل “اتجاه عملي للوجود” يتجلى في ممارسة الحياة.
33.3 مسؤولية إنتاج المعنى
وحيث لا يُمتلك المعنى بل يُنشأ، تنشأ معه “مسؤولية” أخلاقية تتعلق بمدى تأثير التفسير في الذات والآخر، وبنتائج إنتاج الدلالة وتبعاتها المعيارية. فـ”الاشتغال على المعنى” هو دوماً اشتغال على ما يلزمنا به من قيم وخيارات.
33.4 القارئ بوصفه شريكاً في صناعة الدلالة
وفق هذا المنظور، لا يُعدّ القارئ مستهلكاً للمعنى فحسب، بل “مشاركاً في إنتاجه”. فالقراءة ليست استقبالاً سلبياً، بل فعل تأويلي ينسج المعنى داخل الخبرة. لا يملك القارئ حرية مطلقة في التفسير، لكنه “شريك مقرِّر” في صياغة الدلالة.
33.5 المعنى بلا ضمانات نهائية
المعنى بوصفه مهمة لا يرتكز على “ضمان ميتافيزيقي” نهائي. فلا وجود لمرجعية مطلقة تكفل صواب المعنى على نحو يقيني. وهنا لا تمثّل اللاغرَضية نقصاً، بل “فضاءً للحرية والانفتاح”، بما يتيح تعدد القراءات وتطورها.
33.6 البعد الزمني للعمل الدلالي
يملك المعنى بناءً زمنياً لا ينفصل عن الفعل الإنساني. فهو يحتاج دائماً إلى أن يُبدأ، ويُصان، ويُراجع، ويُورث. إن “الاشتغال على المعنى” عملية مفتوحة “لا تكتمل”، بل “تنتقل وتتجدد”.
33.7 الفشل مكوّن من مكونات إنتاج المعنى
وحيث المعنى مهمة مفتوحة، فإن “الفشل والانقطاع وانهيار الدلالات” أمور واردة وفاعلة في عملية التشكيل ذاتها. ويجعل هذا الاحتمالُ العملَ الدلالي أكثر إنسانية وصدقاً.
33.8 مهمة المعنى بين الفرد والجماعة
لا تنحصر صناعة المعنى في الفرد وحده، بل تشترك فيها الجماعات أيضاً عبر “النقاش والتداول والمؤسسات والتقاليد الثقافية”. ويقاس نضجُ الجماعات بقدرتها على توزيع هذه المهمة وتقييمها نقدياً.
33.9 نحو المستقبل: المعنى بوصفه أفقاً
ما دام المعنى مهمة، فهو بالضرورة “منفتح على المستقبل”. إنه ليس مجرد تفسير للماضي، بل “تصميم لما يمكن أن يكون”. ومن هنا يتجه النظر في الفصل التالي إلى علاقة المعنى بالمستقبل وإمكان الابتكار.

الفصل الرابع والثلاثون
المعنى والمستقبل
لا يتجه المعنى إلى الماضي وحده، ولا يكتفي بالاستناد إلى الأصول والسياقات التاريخية، بل ينفتح كذلك نحو الآتي، نحو ما لم يحدث بعد ولكنه “ممكن” و”منتظر”. فالدلالة لا تتشكل فقط ممّا كان، بل مما يمكن تصوره بوصفه آتياً. وفي هذا الفصل نبحث البعد المستقبلي للمعنى.
34.1 المستقبل بوصفه ركناً بنيوياً في الدلالة
المعنى ذو طبيعة زمنية غير متماثلة؛ فهو لا ينغلق في الزمن الحاضر، بل يشير دائماً إلى “ما لم يتحقق بعد”. إن التوقعات والغايات والمشاريع هي التي تحدد ما نعدّه ذا معنى، فما دون الارتباط بالمستقبل لا يتجاوز حدود الوصف الجامد.
34.2 التوقع وبناء الدلالة
تحتشد عمليات القراءة والفهم والفعل بانتظارات مسبقة. فهي التي “توجّه الانتباه” و”تنظم الإدراك” و”تؤثر في عملية التأويل”.
ويولد المعنى ضمن تفاعل بين:
• “توقعات تتحقق”،
• “وتوقعات تخيب”،
• “وتوقعات يعاد تشكيلها وتحويرها”.
34.3 البداية بوصفها انفتاحاً نحو الآتي
ليس المطلع في النص مرجعية خلفية فحسب، بل هو “بوابة أفق مستقبلي” يطلق المجال لتوقعات تتبلور عبر القراءة. وكل بداية موفقة لا تَعِد فقط، بل “تلزم” النص بمسار محتمل يتكشف لاحقاً.
34.4 الأمل كمَدخل للمعنى
“الأمل” ليس انخداعاً بالتوقع، بل موقفٌ معرفي يقوم على إبقاء المعنى مفتوحاً رغم غياب اليقين. وهكذا يغدو الأمل شكلاً واعياً من التوجه للمستقبل، ومحوراً أساسياً في بناء الدلالة ضمن ظروف عدم الاستقرار.
34.5 اليوتوبيا وفائض المعنى
إن “اليوتوبيا” تعبّر عن فائض معنوي يتجاوز الواقع القائم، إذ تمنح الخيال مساحة لتصور ممكنات بديلة. وليست اليوتوبيا ضرباً من الوهم إن ارتبطت بـ”وعي نقدي” يحولها إلى قوة اقتراحية وتوجيهية.
34.6 المستقبل بلا غاية نهائية مغلقة
لا تتحرك الدلالة نحو مستقبل محسوم أو “غاية مُحددة سلفاً”. إن المستقبل مجال مفتوح للخيارات، حيث يمكن للمعنى أن يُنتج ويُساءل ويُعاد تشكيله باستمرار.
34.7 مسؤولية المعنى تجاه المستقبل
من يبتكر معنى لا يخاطب الحاضر وحده، بل “يؤثر في توقعات الأجيال القادمة”. لذلك تُعدّ صناعة المعنى ممارسة تمتد زمنياً عبر أجيال، وتكتسب بعداً أخلاقياً يتجاوز اللحظة الراهنة.
34.8 الأزمة وفقدان المستقبل
كثير من أزمات المعنى المعاصرة هي في جوهرها “أزمات مستقبل”. فعندما يغدو المستقبل تهديداً أو فراغاً، يفقد المعنى قدرته على التوجيه. لذا فإن استعادة الأفق المستقبلي تمثل شرطاً لتجديد الدلالة.
34.9 نحو مبحث الإمكان
إن انفتاح المعنى على المستقبل يحيل إلى مفهوم أعمق، هو “الإمكان”. فالمعنى لا يتعامل مع الواقع كما هو فقط، بل مع ما يمكن أن يكون. ومن هنا يبدأ الانتقال إلى الفصل الآتي.

الفصل الخامس والثلاثون
المعنى وإمكاناته
لا ينحصر “المعنى” في حدود ما هو قائم بالفعل، بل يمتد ليشمل آفاق ما يمكن أن يكون. إنه يفتح مساحات الاحتمال، ويتحرّك في فضاء الممكن أكثر من تحرّكه في فضاء الواقع الخالص. ومن هنا تأتي أهمية دراسة “الإمكان” بوصفه ركناً أساسياً في تشكّل المعنى.
35.1 الإمكان بوصفه شرطاً للمعنى
حيث تنعدم الإمكانية ينعدم المعنى؛ فحين يكون كل شيء محسوماً ومقرَّراً سلفاً، لا يبقى ما يمكن فهمه أو توقّعه أو تأويله. وينشأ المعنى فقط حين يمكن تخيّل بدائل متعددة، حتى وإن لم تتحقق في الواقع.
35.2 الممكن بين الحرية والفوضى
ليس كل ممكن سائغاً أو عشوائياً، فحيّز الإمكان منظّم تحكمه بنى عديدة، من أهمها:
“البنية اللغوية”، “التقاليد”، “التوقعات”، و”الظروف الاجتماعية”.
ومن خلال هذه الحدود يتشكّل مجال للمعنى يسمح بالاحتمالات دون أن ينفلت إلى مجال اللامحدود.
35.3 المعنى بوصفه فتحاً لأفق الفعل
يكتسب المعنى قيمته حين يتحوّل إلى قوة دافعة للسلوك. فالنص، والحكاية، والقاعدة الاجتماعية لا تكتفي بتوليد الدلالة، بل تفتح مسارات للفعل، أو تغلقها. وهكذا يصبح المعنى ممارسة لا تنفصل عن الحياة.
35.4 البداية إطار للإمكان
كل بداية نصية تمارس فعل التأسيس؛ فهي تحدّد أي المسارات ستصبح ممكنة وأيها سيُستبعد. وليست هذه الحدود نقصاً في النص، بل هي شرط لانتظامه وقدرته على التوجيه والفهم.
35.5 الإمكان والحرية
يقوم مبدأ الحرية على الإمكان. غير أنّ الحرية لا تعني تراكم الخيارات بلا تمييز، بل القدرة على اختيار الأنسب بينها. ومن ثمّ، يقوم المعنى بدور التنظيم لمساحة الحرية دون أن يلغيها.
35.6 اللاممكن حدّ فاصل
حتى “المستحيل” جزء من مجال الممكن، فهو الحدّ الذي تظهر عنده البنية العميقة للنظام والمعايير. فعندما يتعذّر تأويل ما أو القيام بفعل ما، تنكشف الأسس القيمية والمعرفية التي تضبط المجال الدلالي.
35.7 الإمكان بعد النقد
بعد مرور النقد على نصّ أو فكرة، يتغيّر أفق الإمكان؛ فتسقط خيارات كانت مقبولة، وتظهر أخرى لم تكن في الحساب. ولذلك يغدو النقد فعلاً لإعادة تشكيل الحقول الدلالية وإزاحة حدودها.
35.8 الإمكان والمسؤولية
إن فتح باب الإمكان ليس فعلاً لغوياً فقط، بل هو فعل أخلاقي أيضاً، إذ يتحمّل من ينتج المعنى مسؤولية الخيارات التي يتيحها، وما يترتب عليها من عواقب معرفية وسلوكية.
35.9 خاتمة وتمهيد
وحيث إن المعنى يولّد إمكانات متعددة، يبقى السؤال: كيف نختار بين هذه الإمكانات ونحسم القرار؟ عند هذه النقطة يتقدّم مفهوم “القرار” بوصفه امتداداً طبيعياً للبحث في المعنى والإمكان.

الفصل السادس والثلاثون
المعنى والقرار
يفتح “المعنى” آفاق الإمكان، بينما تتولّى “القرار” تحويل أحد تلك الإمكانات إلى واقع. فلو غاب القرار لبقي المعنى معلّقًا بلا أثر، ولو انعدم المعنى لأصبحت القرارات ضربًا من العمى. لذلك يعالج هذا الفصل العلاقة بين الدلالة والاختيار بوصفها بُعدًا محوريًا في الفعل الإنساني.
36.1 القرار بوصفه تفعيلًا للمعنى
حين نتّخذ قرارًا، فإنّنا نُخرج خيارًا من حيّز الممكن إلى حيّز المتحقق، فنثبّت معنى ونُرسّخ دلالة. وكل قرار هو في جوهره فعل تحديد لمعنى من بين معانٍ متعددة.
36.2 القرار في ظلّ اللايقين
نادراً ما يتخذ الإنسان قراراته استنادًا إلى معرفة كاملة. وهنا ينهض المعنى بدور أساسي في التعامل مع الغموض، لا بإزالته بالكامل، بل بتوفير أرضية تسمح بالاختيار. فالقرار تحمّل للمسؤولية في أفق معرفة ناقصة.
36.3 المعنى إطارٌ للقرار
يقوم المعنى بتنظيم مجال الاختيار، محدّدًا:
• أيّ الخيارات تكون ظاهرة ومطروحة،
• أيّها يُعَدّ مشروعًا وقابلاً للتبرير،
• أيّها يُستبعد بطبيعة الحال.
لذا فالقرارات ليست مجرد إجراءات تقنية، بل هي خيارات محكومة بالسياق الدلالي.
36.4 بدايات القرار
لكل قرار بداية، قد تكون سؤالًا، أو أزمة، أو ومضة تفكير. وهذه اللحظة الأولى ترسم حدوده اللاحقة، بما يشبه افتتاح النص الذي يحدّد مسار التأويل. وما إن تبدأ بذرة القرار حتى يتحوّل الإمكان إلى مجال يقبل التحقّق.
36.5 الحرية والالتزام في القرار
القرار يجمع بين فعل الحرية وفعل الالتزام. فمن يختار، يُقْدم على تحديد معنى، ويغلق أبواب احتمالات أخرى. غير أنّ هذا الإغلاق ليس نقصًا، بل شرط للفعل والإنجاز، إذ لا عمل بلا التزام بما وقع عليه الاختيار.
36.6 القرار والهوية
تتشكل الهوية عبر سلسلة من القرارات المتعاقبة. فالتكرار يرسّخ صورة الذات، بينما يصنع القرار الجذري تحوّلًا في بنائها. وبذلك يمكن النظر إلى الهوية بوصفها سجلًا للقرارات التي اتّخذها الفرد عبر الزمن.
36.7 القرارات الجماعية
كما يتخذ الفرد قراراته، تتخذ الجماعات أيضًا قرارات مشتركة تستند إلى معنى متقاسم بينها. وهنا تتقاطع الدلالة مع السلطة والمسؤولية، حيث يصبح القرار فعلًا جماعيًا ذا أثر أوسع.
36.8 فشل القرارات
لا تفضي كل القرارات إلى ما يُرجى منها. فالإخفاق جزء من مسار الاختيار. ويتيح المعنى إمكانية فهم الفشل وتأويله، لا لإنكاره أو تجنّبه، بل لاستيعابه والاتّعاظ به.
36.9 انتقال نحو الفعل
ينتهي القرار عادة إلى ممارسة عملية. ومن ثمّ تنتقل دراسة المعنى من مجال الاختيار النظري إلى مجال الفعل والتنفيذ، ليتحول السؤال من “أي قرار نتخذ؟” إلى “كيف نمارس ما اخترناه؟”.

الفصل السابع والثلاثون
المعنى والفعل
يبقى “المعنى” معلّقًا إذا لم يُترجم إلى فعل، كما تظلّ “الفاعلية” عمياء إن لم تستند إلى معنى يهدي مسارها. فالعلاقة بين المعنى والفعل علاقة تأسيس متبادل: فالمعنى يمنح الفعل اتجاهه، أما الفعل فيؤكد المعنى أو يعدّله أو ينسفه. وهذا الفصل يعالج تفاعل الدلالة مع الممارسة الإنسانية بوصفهما بُعدين متكاملين.
37.1 الفعل مجال لاختبار المعنى
لا يكتمل المعنى إلا حين يُمارس. فالتطبيق العملي وحده يكشف مدى صلابة المعاني وقدرتها على الصمود أمام الواقع. لذلك يُعدّ الفعل محكًا حقيقيًا للمعنى، لا من جهة التنظير، بل من واقع التجربة الممارسة.
37.2 المعنى بوصفه موجّهًا للفعل
يقوم المعنى بدور الإطار المنظّم لحركة الإنسان، إذ:
• يحدّد الأهداف،
• ويبرّر الوسائل،
• ويتيح إمكان التقييم والمراجعة.
ولولا هذا الإطار الدلالي لأصبحت الأفعال مجرد استجابات عشوائية لا رابط بينها.
37.3 الفعل واحتمالات الطارئ
تجري الأفعال دومًا ضمن شروط غير مضمونة النتائج. فالطارئ حاضر، والتحكم الكامل مستحيل. غير أنّ وجود هذا اللايقين لا يلغي الحاجة إلى المعنى، بل يضاعفها؛ فالمعنى يمكّن من التحرك في فضاء غير مكتمل المعرفة.
37.4 بدايات الفعل
كما للقرارات بدايات، كذلك الأفعال. فهي تُولد عن موقف، أو دافع، أو ظرف يستدعي الحركة. وتمثل هذه البداية لحظة تشكيل لمسار الفعل ومعناه، تمامًا كما يشكّل افتتاح النص أفق فهمه.
37.5 الفعل بوصفه مولّدًا للمعنى
لا يقتصر الفعل على إعادة إنتاج ما هو قائم من دلالات، بل يملك القدرة على خلق دلالات جديدة. فالتفاعلات غير المتوقعة، وردود فعل الآخرين، والتأمل في النتائج، كلها تسهم في توسيع المجال الدلالي. ومن هنا كان الفعل حدثًا دلاليًا في ذاته.
37.6 المسؤولية في الفعل
لا تتجسد المسؤولية كاملة في النوايا، بل في الأفعال الواقعة ونتائجها. فالقرار يبقى مجرّد فكرة ما لم يتحول إلى ممارسة. والمسؤولية تمتد لتشمل الآثار المترتبة على الفعل، لا مجرد دوافعه.
37.7 الفعل الجماعي
جانب كبير من أفعال البشر تشاركي. وتتطلب هذه المشاركة وجود معنى مشترك ينسّق الجهود، لكنه في الآن نفسه قد يفتح أبوابًا للخلاف والتنافس. وهنا تظهر البنية الاجتماعية للمعنى في أوضح صورها.
37.8 الفعل والإخفاق
لا يُكتب النجاح لكل فعل، فالفشل جزء من التجربة العملية. غير أن المعنى يقدّم إمكانية لاستيعاب الإخفاق وتفسيره، بدل إنكاره أو تجاهله، ويجعله مادة للتعلم وإعادة التوجيه في المستقبل.
37.9 نحو الفصل التالي: المعنى والخبرة
تترك الأفعال آثارًا حية في الذاكرة والتجربة، فتتحول إلى “خبرة” تُعاد معالجتها دلاليًا لاحقًا. ومن هنا يكون الانتقال الطبيعي إلى الفصل التالي الذي يبحث العلاقة بين المعنى والتجربة.

الفصل الثامن والثلاثون
المعنى والخبرة
ليست “الخبرة” مجرد ما يحدث للإنسان، بل ما يُصاغ منه معنى ويُستوعَب في الوعي. فالأحداث لا تتحول كلها إلى خبرات، كما لا تُنتج كل خبرة معنًى بالضرورة. وهذا الفصل يتناول الخبرة بوصفها حلقة وسيطة بين الفعل وإعادة تشكل الدلالة.
38.1 الخبرة بوصفها إعادة بناء دلالي في الرجوع إلى الوراء
لا تُدرَك الخبرة لحظة وقوع الفعل، بل تُستعاد لاحقًا من خلال التأويل والتقويم وربط ما حدث بسياقات أوسع. فالخبرة عمل دلالي يُمارَس بأثر رجعي.
38.2 الفارق بين الحدث والخبرة
لا يستوي “الحدث” مع “الخبرة”. فقد يبقى الحدث عابرًا، في حين تتحول الخبرة حين تكون:
• مُدمَجة في بنية الفهم،
• قابلة للاستدعاء والتذكّر،
• ومشحونة بمعنى قابل للتأويل.
فالخبرة تفترض حدًّا من الوعي بالمغزى، لا مجرد المرور بالواقعة.
38.3 الخبرة وكسر التوقع
تنشأ الخبرة غالبًا عند نقطة اصطدام التوقع بالواقع؛ حيث تُخالف النتائج ما كان منتظرًا. هذا الانكسار يفرض إعادة نظر في المعنى القائم. وبهذا المعنى تُعد الخبرة موقعًا مميزًا لإعادة تشكيل الدلالة.
38.4 بدايات الخبرة
للخبرة بدايات مثلما للأفعال بدايات. تنطلق من لحظة ارتباك أو دهشة أو أزمة تشير إلى أن المعنى القديم لم يعد كافيًا. وبدايتها غالبًا لحظة فقدان توازن دلالي.
38.5 الخبرة والتعلّم
تغدو الخبرة أساسًا للتعلّم؛ إذ لا يعني التعلّم مجرد تراكم المعلومات، بل إعادة بناء أنساق المعنى. وما لم يُعدل نمط الفهم، ظلت الخبرة سطحية لا أثر لها.
38.6 الخبرة المتجسّدة
ليست الخبرة عملية عقلية صرفة؛ فهي تتجسد في الجسد والانفعال والوجدان. فالعاطفة وردود الفعل الجسدية تشارك في توليد المعنى، مما يجعل الدلالة عنصرًا حسيًّا ومعاشًا لا مفهوماً مجردًا.
38.7 الخبرة المشتركة
يمكن للخبرة أن تتجاوز الفرد لتُصبح خبرة جماعية عبر “السرد” أو “الطقوس” أو الممارسة المشتركة. فالمشاركة تُرسخ المعنى وتُعيد صياغة الفهم الفردي في ضوء الجماعة.
38.8 الخبرة والزمن
تُكثّف الخبرة الزمن، فتجمع بين الماضي والحاضر والمستقبل في نسيج دلالي واحد. لذلك تؤثر الخبرات المتراكمة في توقعات الفرد وفي أفعاله المقبلة.
38.9 نحو الفصل التالي: المعنى والذاكرة
تترك الخبرة أثرًا في الذاكرة، لتبقى فاعلة عبر “التذكّر” الذي يمنحها استمرارًا وتأثيرًا. ومن هنا ينتقل البحث تلقائيًا إلى العلاقة بين المعنى والذاكرة.

الفصل التاسع والثلاثون
المعنى والذاكرة
ليست “الذاكرة” مجرد استعادة آلية لما مضى، بل هي عملية انتقائية واعية، تُعيد تفسير الماضي وترتيبه. يعيش المعنى في فضاء الذاكرة عندما تُستعاد الخبرة، وتُروى، ويُعاد دمجها في سياقات جديدة. وهذا الفصل يبحث الذاكرة بوصفها وسيطًا يحفظ استمرارية المعنى عبر الزمن.
39.1 الذاكرة ممارسة فعليّة لإنتاج المعنى
لا يعني التذكّر نسخ الماضي، بل يقتضي الاختيار والترجيح والتأويل. فما يُستحضَر يكتسب معنى، وما يُتْرَك للنسيان يفقد دلالته. ومن ثم فالتذكّر فعل تأسيسي للمعنى وليس عملية محايدة.
39.2 الذاكرة الفردية والجمعية
للذاكرة بعدان: فردي وجماعي. فذكريات الإنسان الشخصية تتكوّن داخل أنماط تأويل ثقافية أوسع، كما أن الذاكرة الجمعية تنعكس في هوية الفرد وصورته عن ذاته. وهكذا يتحرك المعنى بين هذين المستويين في علاقة تبادلية.
39.3 بدايات الذاكرة
لا تُستعاد البدايات كما وقعت تمامًا، بل يُعاد تشكيلها سرديًا. فـ”بداية الأحداث” كما نحفظها في ذاكرتنا هي بناء حكائي يمنح التجربة شكلًا ومعنى، بغضّ النظر عن دقته التاريخية. وتلك البدايات تُوجّه الهوية وتُحدد آفاق التوقع.
39.4 الذاكرة والسرد
تعبّر الذاكرة عن نفسها غالبًا عبر “الحكاية”. فالسرد يُعيد ترتيب الخبرات في زمن ومعنى، ويحفظها في شكل مفهوم وقابل للتداول. والحكاية ليست وصفًا تامًا للماضي، لكنها تمنح الإنسان اتجاهًا لفهمه.
39.5 النسيان بوصفه لحظة من لحظات المعنى
ليس النسيان نقصًا بالضرورة؛ فهو يخفّف وطأة التفاصيل، ويرتّب الانتباه، ويفتح المجال لمعانٍ جديدة. ولولا النسيان لتحولت الذاكرة إلى عبء جامد يشلّ قدرة الإنسان على إعادة التأويل.
39.6 الذاكرة والسلطة
الذاكرة ليست بريئة من تأثير “السلطة”. فبعض الوقائع تُمنح مساحة في الوعي العام، وأخرى تُستبعد أو تُهمّش. لذلك فسياسات الذاكرة هي في جوهرها سياسات للمعنى، توزّع ما يجب أن يُتذكّر وما يجب أن يغيب.
39.7 الصدمة والذاكرة المعطوبة
ثمّة تجارب لا تقبل التذكر السلس. فالصدمة النفسية غالبًا ما تقاوم “الإدماج السردي”، لتبقى خارج المعنى المألوف. هنا تظهر حدود الذاكرة التقليدية، والحاجة إلى طرائق خاصة لمعالجة ما يتعذر تأويله.
39.8 الذاكرة مورد للمستقبل
الذاكرة ليست التزامًا بالماضي فقط؛ فهي تشكّل التوقعات، وتصوغ الآمال والمخاوف. فالمعنى المتشكّل عبر التذكر يعمل في اتجاه المستقبل بقدر ما يستحضر ما مضى.
39.9 نحو الفصل التالي: المعنى والتاريخ
وحين تتجاوز الذاكرة نطاق الفرد لتغدو شأنًا اجتماعيًا مشتركًا، تتحول إلى “تاريخ”. ومن هنا تنبثق المسألة التالية: ما علاقة المعنى بالتمثيل التاريخي؟

الفصل الأربعون
المعنى والتاريخ
ليس التاريخ هو الماضي ذاته، بل هو الطريقة التي نُسبغ بها معنى على أحداثه. فالتاريخ، بوصفه فعلاً معرفياً، يقوم على “الاختيار” و”التنظيم” و”التأويل”. ومن هنا تأتي أهمية النظر إليه بوصفه شكلاً خاصاً من أشكال إنتاج المعنى، يتوسط بين الذاكرة والبحث العلمي والسرد.
40.1 التاريخ بوصفه شكلاً لمعنى الماضي
إن الماضي لا نهائيّ ومتسع، بينما التاريخ محدود ومؤطّر. ومن أجل فهمه، تعمد الكتابة التاريخية إلى اختزال تعقيد الوقائع عبر “الربط بين الأحداث”، و”إسناد الأسباب”، و”صياغة تطورات” تبدو مترابطة في سياق واحد.
وعليه، فالتاريخ ليس “انعكاساً مباشراً” للماضي، بل هو “بنية للمعنى” تُنظّم ذلك الماضي وتعيد تشكيله.
40.2 الفرق بين الذاكرة والتاريخ
الذاكرة خبرة حيّة، ترتبط بالسياق والموقف، وتلامس الهوية الفردية والجماعية. أما التاريخ فهو معرفة “منضبطة”، “بعيدة نسبياً عن الذات”، و”قابلة للتحقق والمراجعة”.
ورغم اختلافهما، فإن العلاقة بين الذاكرة والتاريخ ليست علاقة تضاد، بل توتر خلاق يقوم على التكامل؛ فكلّ منهما يغذي الآخر ويفتح أمامه إمكانات جديدة للفهم.
40.3 سردية المعنى التاريخي
تتشكل الكتابة التاريخية في قالب سردي، له بدايات وانحرافات ومسارات وختام. وهذه السردية ليست نقصاً في العلمية، بل شرط أساس للفهم؛ إذ لا يمكن إدراك التاريخ دون “حبكة” تمنحه اتساقاً ومعنى.
40.4 بداية التاريخ
لا يبدأ التاريخ مع أول حدث وقع فعلاً، بل مع “تحديد البداية” التي يختارها الباحث. وهذا التحديد فعل تأويلي معياري، يتوقف عليه ما نعدّه “أصلاً” أو “سبباً” أو “منشأً” لمسار ما. وهنا تتجلى سلطة التأويل في اختيار نقطة البدء قبل سرد الوقائع ذاتها.
40.5 التاريخ والحقيقة
ليست الحقيقة التاريخية مجرد صحة الوقائع وتاريخها الزمني، بل “معقولية الروابط” التي انتظمت فيها. فقد يكون نص تاريخي صحيحاً من حيث فجائعه وتواريخه، لكنه يقدم “فهماً مضللاً” إذا شُكّلت علاقاته السببية بشكل منحاز أو مبتور.
40.6 السلطة في كتابة التاريخ
التاريخ ـ في جوهره ـ ممارسة للسلطة؛ فمن يكتب التاريخ يمتلك القدرة على “توجيه معنى الأحداث”. وهكذا تسهم الروايات الرسمية في تثبيت أنماط السلطة، بينما تُدفع الروايات البديلة إلى الهامش أو تُقصى تماماً.
40.7 نقد بناء المعنى التاريخي
لا تستهدف قراءة النقد التاريخي الوقائع نفسها، بل “طريقة ترتيبها”. إنها تسأل:
“أيّ منظور تم تجاهله؟”
“ومن أين بدأ السرد؟”
“وما البدائل التي أُقصيت؟”
فالنقد هنا امتداد لعملية تشكيل المعنى، لا نقض لها.
40.8 التاريخ كمعنى مفتوح
التاريخ ليس بنية مكتملة، بل مسار قابل للتجدد. فكل اكتشاف لوثائق جديدة، أو طرح لأسئلة مستحدثة، يعيد تشكيل “معناه”. ومن ثمّ يبقى المعنى التاريخي قابلًا للمراجعة والتحوّل.
40.9 انتقال: من التاريخ إلى السرد
يكشف التحليل السابق عن حضور السرد في بنية التاريخ، الأمر الذي يفتح الباب لدراسة “ماهية السرد” نفسه بوصفه أداة للفهم وإنتاج الدلالة. وهنا يبدأ النظر في البنية العامة للحكاية.

الفصل الحادي والأربعون
المعنى والسرد
لا يُعدّ السرد مجرد تقنية أدبية تُستعمل في الكتابة، بل هو شكل أصيل من أشكال توليد المعنى عند الإنسان. فالبشر يدركون ذواتهم والآخرين والعالم من حولهم من خلال “رواية الأحداث” و”تنظيمها” و”تقييمها”. ومن هنا يتناول هذا الفصل السرد بوصفه الوسيط الأول لتكوين الدلالة.
41.1 السرد بوصفه بنية للفهم
نادراً ما يتحقق الفهم من خلال “معطيات منفصلة” أو وقائع معزولة، إذ إن العقل البشري يميل إلى “ربط الأحداث” وصوغها في سياقات مترابطة تُكسبها معنى. والسرد هو الإطار الذي تجري داخله عملية الربط وإعادة بناء الزمن والفكرة.
41.2 زمنيّة السرد
يقوم السرد بتنظيم الزمن وترتيبه، فهو يستند إلى “بداية”، و”مسار”، و”نهاية”، بحيث لا يتولد المعنى بالرغم من البنية الزمنية، بل “من خلالها”. فالتتابع الزمني هو الذي يمنح الحكاية قدرتها على الإيحاء والفهم.
41.3 بداية السرد
لا تنبع قوة البداية من كونها أول ما يُروى فحسب، بل من طبيعتها باعتبارها “اختياراً تأويلياً” يحدد مسار السرد وتوقعاته. فما يُستبعد من البداية يظل غالباً في الهامش أو يغيب عن مجال الرؤية، بينما ما يُقدَّم أولاً يحتل مركز الاهتمام والدلالة.
41.4 الفعل والمعنى في الحكاية
يقوم السرد على الفعل الإنساني؛ فهو يكشف “من يقوم بالفعل”، و”لماذا قام به”، و”كيف تتولد نتائجه”. ويتشكل المعنى هنا في صلة سببية تربط بين الدافع والنتيجة، بحيث تُفهم الأفعال لا بوصفها أحداثاً صامتة، بل بوصفها مسارات هادفة.
41.5 السرد والهوية
تتكون الهوية الإنسانية في إطار سردي؛ إذ يبني الإنسان صورة ذاته من خلال “قصص يرويها عن نفسه” تمنحه الاستمرارية عبر الزمن. وهذه السرديات ليست ثابتة إطلاقاً، لكنها ليست منفلتة كذلك، فهي تتشكل داخل أطر ثقافية واجتماعية تضبطها وتوجهها.
41.6 السرد والمجتمع
تتشكل الجماعات عبر “سرديات مشتركة”: حكايات التأسيس، والروايات التاريخية، والذاكرة الجمعية. ومن خلالها تنشأ مشاعر الانتماء كما تنشأ آليات الإقصاء. فالسرد لا يوحد فقط، بل يميز ويحدد من الداخل ومن الخارج.
41.7 الحقيقة والسرد
ليست الحقيقة في السرد مرهونة بالدقة الواقعية وحدها، بل بما يحفظه النص من “معقولية المعنى”. فالحقيقة السردية هي “شكل من أشكال الهداية” وليست مجرد “تجميع معلومات”. ولذا نجد أن الحكاية قد تكون غير مطابقة للوقائع تماماً، لكنها تظل صادقة في بعدها الدلالي.
41.8 سلطة السرد
من يروي يمتلك سلطة؛ فهو الذي يحدد الزاوية التي تُرى منها الوقائع، ويقرر ما يُبرز وما يُهمَل. وهذه السلطة لا تمارس بالقوة الظاهرة دائماً، بل غالباً ما تعمل بشكل خفي وعميق، لتعيد تشكيل الوعي الجمعي على المدى الطويل.
41.9 تمهيد: حدود السرد
على الرغم من مركزية السرد في بناء المعنى، فإن له حدوداً لا يمكن تجاوزها. فليست كل التجارب قابلة لأن تُروى، ولا يمكن دمج كل أشكال الدلالة في قصة واحدة. وهذا الإدراك يمهد الطريق للانتقال إلى البحث التالي.

الفصل الثاني والأربعون
حدود التشكيل السردي للمعنى
يُعدّ السرد من أكثر الأدوات فعالية في توليد المعنى، لكنه ليس الشكل الوحيد ولا الأوسع شمولاً. فهناك معانٍ لا يمكن احتواؤها داخل بنية حكائية، وتجارب لا تُكتسب دلالتها من قابليتها للرواية. وعليه يتناول هذا الفصل حدود التوليد السردي للمعنى دون إنكار لمكانته المركزية.
42.1 إغراء السرد الشامل
تذهب بعض النظريات الحديثة إلى اعتبار السرد “الصيغة الكونية للمعنى”. غير أن هذا التعميم يغفل حقيقة أن السرد نفسه “نظام مخصص” له شروطه وحدوده، وما يستبعده لا يقل أهمية عمّا يتضمنه. فحين يُراد تحويل كل شيء إلى قصة، تفقد الحكاية قدرتها على التمييز والإيحاء.
42.2 التجربة السابقة على السرد
توجد أنواع من الخبرات تتقدم على الحكي أو تقاومه، مثل:
• الانفعالات الجسدية،
• العواطف المباشرة،
• الحالات الشعورية،
• الصدمات المربكة.
هذه الخبرات ذات معنى، حتى وإن لم تجد بعدُ طريقها إلى “التعبير القصصي”.
42.3 الصمت كشكل من أشكال المعنى
ليس “غياب الحكاية” نفياً للمعنى. فالصمت قد يكون:
• حماية،
• حفظاً للخبرة،
• أو تعبيراً عن رفض ومقاومة.
إنه يشير إلى معنى متمنّع على التثبيت السردي، دالّ بصمته كما يدل بالكلام.
42.4 المعنى المتشظي وغير المكتمل
ليس كل معنى يُبنى في صورة قصة متماسكة. فهناك “شذرات وصور ورموز وطقوس” تحمل دلالات كثيفة دون أن تنتظم في مسار حكائي. هذه الأشكال لا تقوم على الامتداد الزمني، بل على التكثيف والإيحاء.
42.5 حدود الاتساق في السرد
تسعى الحكاية بطبعها إلى الاتساق، لكن بعض التجارب “غير منسجمة” بطبيعتها، ومحاولة صوغها ضمن سرد متماسك قد تُفقدها حقيقتها. إذ يمكن للحكاية أن تُجمّل الانكسارات أو تُنعّم الحواف الخشنة للتجربة، بينما قد تكون “الصدوع” ذاتها جزءً من حقيقتها.
42.6 الصدمة واستعصاء التروي
تشكل الصدمة النفسية نموذجاً صارخاً لحدود السرد؛ فهي تقاوم “التسلسل الزمني والسببية والخاتمة”، وقد لا تُستوعَب سردياً إلا بعد زمن طويل، وربما لا تُستوعَب أبداً. السرد هنا يأتي لاحقاً، ومحاولة فرضه قسراً قد تزيد الجرح اتساعاً.
42.7 أخلاق الامتثال لحدود الحكي
الإقرار بحدود السرد موقف أخلاقي بقدر ما هو معرفي. فليس كل ما يمكن قوله “يجوز أن يُروى”. بعض التجارب تستوجب الصون أو التكتّم، احتراماً لعمقها وألمها وطبيعة أصحابها.
42.8 السرد والسلطة – عودة إلى السؤال
يمارس السرد قوة مضمَرة، وقد يتحول مطلب الحكي إلى معيار للإقصاء. فمن لا يستطيع أن يروي أو يختار ألا يفعل، قد يُهمَّش أو يُسكت. ومن هنا تصبح “نقد سرد السلطة” امتداداً ضرورياً لنقد المعنى ذاته.
42.9 ما بعد السرد: إمكانات أخرى للمعنى
تمهّد رؤية حدود الحكاية للانتباه إلى أشكال دلالية بديلة: “الرمز، الطقس، الجمالي، والأداء”. إنها مسارات غير سردية للمعنى، تفتح المجال لبحث جديد يتناول تلك الصيغ ومداها الوظيفي.

الفصل الثالث والأربعون
الرمز، الطقس، وأشكال المعنى غير السردية
لا تُستمدّ كل الدلالات من الحكاية أو السرد. فبعض المعاني لا تُروى، بل “تُرى وتُمارَس وتُكثَّف”. ومن بين هذه الأشكال تأتي الرموز والطقوس بوصفها صيغاً فاعلة لإنتاج المعنى خارج المسار القصصي. وعليه، يتناول هذا الفصل هذه الصيغ باعتبارها أنماطاً موازية للمعنى لا تقل وزناً عن السرد في قدرتها على الإيحاء والتأثير.
43.1 الرمز بوصفه تكثيفاً للمعنى
الرمز يجمع المعاني في بنية واحدة دون أن يشرحها سردياً. إنه يشير إلى ما يتجاوز شكله الظاهر، ويبقى “مفتوحاً على التأويل” غير قابل للاختزال أو الإغلاق النهائي. فالرمزية تُبقي المعنى حيّاً، زائدَ الدلالة وخصبَ القراءات.
43.2 الفارق بين العلامة والرمز
بين “العلامة والرمز” مسافة واسعة: العلامة تحيل إلى معنى واحد واضح ومباشر، بينما يفتح الرمز مجالاً رحباً للتأويل والدلالة. العلامة وظيفةٌ إشارية، أما الرمز فوجودي الطابع، يقاوم التفسير الكامل ويحتفظ بسرّه.
43.3 الطقوس بوصفها معنى متجسّد
الطقس لا يشرح نفسه، بل “يُمارَس ويُؤدَّى”. يتولّد معناه من التكرار والشكل والحضور الجسدي. لا يشترط الإدراك المفهومي لفاعليته؛ فالمعنى هنا يُنجَز بالفعل، لا بالشرح.
43.4 زمنية الطقس
يقطع الطقس مجرى الحياة اليومية ليُنشئ زمنَه الخاص، زمناً تتداخل فيه “الذاكرة والحضور والتوقع”. بهذا التشكيل الزمني ينشأ المعنى ويتوطّد الشعور الجمعي.
43.5 طقس بلا سرد
كثير من الطقوس يمارس أثره بعيداً عن أي صياغة سردية. ففاعليته نابعة من الحدث الطقسي ذاته، لا من تفسيره أو حكاية تسبقه أو تتبعه. يمكن للسرد أن يواكبه أو يشرحه، ولكنه ليس أساس وجوده.
43.6 السلطة الرمزية
يمتلك الرمز كما الطقس قدرة على إنتاج السلطة وتثبيتها. فهما “يمنحان الشرعية ويشيّدان الانتماء ويؤسسان الالتزام الاجتماعي”. مصدر قوتهما ليس البرهان العقلي، بل التكرار والمشاركة والقبول.
43.7 أزمة الدلالة الرمزية
في المجتمعات الحديثة تتراجع بداهة الرموز والطقوس، وتخضع لطلب التفسير والتبرير. وقد يؤدي هذا التحوّل إلى “انحسار المعنى” أو بالعكس إلى إحياء الوعي الرمزي بطريقة جديدة وأكثر قصديّة.
43.8 نقد الأشكال غير السردية
يمكن للرموز والطقوس أن تكون موضوعاً للنقد، غير أن هذا النقد يجب أن ينطلق من فهم خصوصيتها. فالنقد السردي أو المنطقي الخالص قد لا يصيب جوهرها لأنها تعمل بمنطق “التكثيف والإيحاء” لا بمنطق الحكاية أو الجدل.
43.9 عبور نحو الجماليات
تكشف دراسة الرمز والطقس عن مجال أوسع من أشكال المعنى غير السردي، هو المجال “الجمالي والفني”. فالفن كثيراً ما يعمل خارج السرد والحجة، بما يفتحه أمامنا من أبواب جديدة لصناعة المعنى.

كيف يتولّد المعنى دلالياً؟ 03