كيف يتولّد المعنى دلالياً؟ 01

كيف يتولّد المعنى دلالياً؟
مدخلٌ دلالي إلى نص مُكوِّن
الجزء الأول:

قائمة المراجع الجوهرية المختصرة لهذا المشروع
أولًا: الأساس اللساني – الدلالي (المعنى يُنتَج داخل النسق)
رقم الكتاب المؤلف دار النشر الطبعة
1 علم الدلالة أحمد مختار عمر عالم الكتب غير محددة
2 علم الدلالة العربي د. فايز الداية دار الفكر غير محددة
3 Semantics John Lyons Cambridge University Press 1977
4 Sprachtheorie Karl Bühler Fischer 1934
ثانيًا: النص والبنية (المعنى أثر نصي لا محتوى سابق)
رقم الكتاب المؤلف دار النشر الطبعة
5 علم لغة النص حسن بحيري دار المعارف غير محددة
6 Text and Context Teun A. van Dijk Longman غير محددة
7 بلاغة الخطاب وعلم النص صلاح فضل دار الشروق غير محددة
8 تحليل الخطاب الشعري: استراتيجية التناص محمد مفتاح المركز الثقافي العربي غير محددة
ثالثًا: نقد «المعنى السابق» والقصدية واللغة كوسيط
رقم الكتاب المؤلف دار النشر الطبعة
9 اللسانيات وأسسها المعرفية عبد السلام المسدي دار توبقال غير محددة
10 اللسانيات الوظيفية أحمد المتوكل أفريقيا الشرق غير محددة
11 قضايا اللغة: الوظيفة والبنية والدلالة أحمد المتوكل أفريقيا الشرق غير محددة

رابعًا: التأويل ونقد مركزية المؤلف والمرجع
رقم الكتاب المؤلف دار النشر الطبعة
12 مفهوم النص نصر حامد أبو زيد المركز الثقافي العربي غير محددة
13 Wahrheit und Methode Hans-Georg Gadamer Mohr Siebeck 1960
14 Der Konflikt der Interpretationen Paul Ricoeur Fink 1971

خامسًا: نقد التمثيل والانعكاس (المعنى كنظام علائقي)
رقم الكتاب المؤلف دار النشر الطبعة
15 اللغة والفلسفة طه عبد الرحمن المركز الثقافي العربي غير محددة
16 سؤال المعنى طه عبد الرحمن المركز الثقافي العربي غير محددة
17 نقد الحقيقة علي حرب المركز الثقافي العربي غير محددة
18 The Meaning of Meaning Ogden & Richards Routledge غير محددة
سادسًا: البعد التأسيسي والبداية النصية (المعنى يبدأ من الداخل)
رقم الكتاب المؤلف دار النشر الطبعة
19 دلائل الإعجاز عبد القاهر الجرجاني دار المعرفة غير محددة
20 أسرار البلاغة عبد القاهر الجرجاني دار المعرفة غير محددة
21 الأدب والغرابة عبد الفتاح كيليطو دار توبقال غير محددة
22 ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب محمد بنيس دار توبقال غير محددة

الفصل الأول
مقدمة:
لماذا ينبغي إعادة طرح سؤال الدلالة؟
تُعدّ مسألة الدلالة من الموضوعات المحورية في نظرية اللغة والنص، غير أنّها – على الرغم من مركزيتها – تُعامَل في ميادين اللسانيات الحديثة، والتأويلية، وفلسفة اللغة، وكأنها قضية حُسمت أو تمت إحاطتها بما يكفي من الإجابات. إذ تُصوَّر الدلالة غالباً بوصفها شيئاً “كامناً في النص” أو “مقصوداً من المؤلف” أو “يَفعّله القارئ عند القراءة”.
ورغم التباين بين هذه المواقف، فإنّها تشترك في مفترض أساس: أنّ الدلالة موجودة بصورةٍ ما سلفاً، تسبق فعل القراءة وتنتظر الكشف أو التلقي.
أما هذا الكتاب فيقف عند هذه النقطة تحديداً، ويطرح عليها سؤالاً نقدياً حادّاً. فالأطروحة التي ينطلق منها تقول إنّ “الدلالة ليست مضموناً سابقاً”، بل هي “حدثٌ يُنتِج بنيةً”، لا يسبق النص ولا يُستخلص منه استخراجاً مباشراً، وإنما تنشأ في تفاعل ثلاثي: “اللغة بوصفها إنشاءً”، و”البنية بوصفها انتظاماً”، و”القارئ بوصفه موقعاً للتأويل”. وعليه فالدلالة ليست جوهراً ثابتاً ولا ملكية تُمتلك، بل “عمليةٌ مستمرة التشكل”.
ومن هذه الرؤية يتبدّى لزاماً إعادة صياغة السؤال نفسه؛ فلا يكون مدار البحث “ما معنى النص؟” بل “كيف تتكوّن الدلالة أصلاً؟”. وهذه النقلة من النتيجة إلى النشأة تمثّل جوهر المنهج الذي يتأسس عليه هذا المشروع.
1.1 الفرضية الكامنة في النماذج التقليدية للدلالة
سواءٌ في الدلالة الكلاسيكية، أو في التقليد التأويلي، أو حتى في المناهج النصية الحديثة، كثيراً ما يُنظر إلى الدلالة على أنها “شيء يمثله الخطاب”، أو “يُحمَل عبره”، أو “تُنقل من خلاله”. وحتى في السياقات التي تجاوزت التصور التمثيلي البسيط، يبقى الاعتقاد بأن المعنى “موجود بالقوة” سابقاً على الفعل القِرائي.
فـ “غادامر”، على سبيل المثال، يرى في “الفهم” امتداداً لتاريخ التأثير، حيث “يتكشف المعنى ضمن أفق النص والقارئ”، غير أنه لا يفصّل بوضوح في كيفية التكوين البنيوي لذلك المعنى. أمّا “ريكور” فقد وجّه الاهتمام نحو اعتبار النص “بنية معنى مستقلة تتيح إمكانات دلالية جديدة”، لكنه بدوره يفترض مسبقاً أن “للنص معنى كامن قبل القراءة”.
لقد أولت فلسفة اللغة في القرن العشرين – من “فيتغنشتاين” مروراً بـ “أوستن” وصولاً إلى “سيرل” – اهتماماً بالغاً “لفعلية اللغة وأدائيتها”، غير أنّ هذا الاهتمام انصبّ في الغالب على مستوى “الملفوظات الفردية وأفعال الكلام”، لا على مستوى “البنى النصية المُنشِئة للدلالة”. ويتجلى القاسم المشترك بين هذه المقاربات في غفلةٍ منهجية عن سؤالٍ جوهري:
كيف يُستدرج القارئ إلى نسق الدلالة ابتداءً؟
1.2 الدلالة بوصفها حدثاً لا معطى
يقترح هذا الكتاب أن نكفّ عن النظر إلى الدلالة باعتبارها “شيئاً” أو “خاصية” ثابتة، وأن نتعامل معها بوصفها “حدثاً لا يتحقق إلا في شروط بنيوية محددة”. وهذه الشروط ليست تابعة أو ثانوية، بل هي الأصل الذي يمنح النص قابليته على إنتاج المعنى. إنها لا تكمن في موضوع النص أو محتواه، بل في “ترتيبه”، و”كيفية بدئه”، و”بنيته الداخلية”، و”العبارة المركزية التي يقيم عليها نظامه الدلالي”.
ويحظى “مبدأ البدء” هنا بمكانة خاصة؛ فالافتتاح النصي لا يُعدّ مجرد وسيلة شكلية أو مدخلاً تمهيدياً، بل “واقعة دلالية لها نظامها الخاص”، تعمل موجِّهة ومؤسِّسة، قبل أن يتشكل أي فهم تفصيلي للمحتوى. فالبدء لا يحدد ما الذي سيُفهم، بل يرسم “كيفية الفهم الممكنة أصلاً”.
وبذلك تتعارض هذه الرؤية مع التصور السائد الذي يردّ افتتاح النص إلى وظيفة تمهيدية أو خطابية فحسب. فـ “بداية النص” هي الموضع الذي تُتاح فيه إمكانية المعنى أول مرة.
1.3 النصوص المُكوِّنة ومكانتها المميّزة
ترتكز هذه الدراسة على طائفة من النصوص يمكن تسميتها “بالنصوص المُكوِّنة”، وهي نصوص لا تهدف أساساً إلى الإخبار أو الاحتجاج أو السرد، وإنما تعمل على “تأسيس نسق دلالي” يصبح في داخله “القول والقراءة والفهم” أفعالاً ذات معنى. وتتميز مثل هذه النصوص بأنها:
• لا “تشرح”، بل “توجّه”،
• لا “تحاجج”، بل “تنظم”،
• لا “تقنع”، بل “تُشكِّل موقفاً قرائياً”.
إنّ تحليل هذا النمط من النصوص يكشف آلية نشوء الدلالة في أنقى صورها، إذ يبرز فيها البعد البنيوي للمعنى بوضوحٍ بالغ، فيُتاح للباحث تأمّل ولادة الدلالة وهي تحدث في لحظتها التكوينية الأولى.
1.4 أهداف الكتاب وبنيته العامة
يهدف هذا الكتاب إلى بناء نموذجٍ نظري يشرح “كيفية تولُّد الدلالة”، لا أن يفترض وجودها مسبقاً، ويقوم هذا النموذج على أربعة مرتكزات أساسية:
1. أن تكون “الدلالة مُفسَّرة لا مفروغاً منها”،
2. وأن يُنظر إلى “البداية” بوصفها “فئة دلالية مركزية”،
3. وتقديم “البنية” في سلم التحليل قبل “المضمون”،
4. ثم اختبار هذا النموذج تطبيقياً على “نصّ محدد” للتحقق من صلاحيته.
وتتداخل في هذا المشروع ثلاث مقاربات معرفية متكاملة:
• “تأملات فلسفية في اللغة”،
• ” تحليل نصّي ذو منحى نظري”،
• ” منهجي تأويلي يستجيب لطبائع الفهم المختلفة”،
من غير أن يلتزم بمدرسة واحدة على نحو حصري.
أما بناء الكتاب فجاء في مسارٍ متدرّج وواضح المعالم:
• في “القسم الأول” يُعرّف نطاق الإشكال ويحدّد موقع السؤال ضمن مساره البحثي،
• وفي “القسم الثاني” تتبلور “نظرية البداية” بوصفها “حدثاً دلالياً”،
• بينما “القسم الثالث” يعرض المفاهيم المركزية الثلاثة: “العتبة”، “المركز”، “والنظام”،
• ويتلوه “القسم الرابع” بدراسة تطبيقية موسّعة تُختبر عبرها صلاحية النموذج،
• ثم يختتم “القسم الخامس” بمناقشة النتائج وآفاق البحث، وما تفتحه من إمكانات نظرية جديدة.
ولا يقدّم هذا الكتاب نفسه باعتباره نهاية القول في المسألة، بل “مساهمة في إعادة صياغة السؤال الجوهري حول معنى أن يكون للنص دلالة”، وبدايةٍ لمزيد من البحث في مساراته الممكنة.

الفصل الثاني
الدلالة بوصفها إشكالاً لا معطى جاهزاً
تُعدُّ الفكرة القائلة بأن “الدلالة أمر مُعطى سلفاً” واحدةً من أكثر المسلّمات رسوخاً في نظريات اللغة والنص. فهي تبدو من البداهة بحيث نادراً ما تُصاغ بوضوح، فضلاً عن إخضاعها للنقد أو المراجعة. وتظهر الدلالة في هذا التصور إمّا باعتبارها “قيمة كامنة في النص”، أو “مقصداً يضعه المؤلف”، أو “بناءً ذهنياً يستحضره القارئ”. ورغم تباين هذه الرؤى، فإنها تلتقي في افتراض أساسي واحد: الدلالة موجودة مسبقاً، وما على القارئ إلا استخراجها.
يقف هذا الفصل عند هذه النقطة تحديداً ليطرح موقفاً مغايراً. فهو لا ينظر إلى الدلالة بوصفها معطى جاهزاً، بل يتعامل معها باعتبارها “مسألة تقتضي الشرح والكشف”. ومن ثمّ تتحول صيغة السؤال من “أين تكمن الدلالة؟” إلى “تحت أي شروط يمكن الحديث عن دلالة أصلاً؟”.
2.1 بَداهة الدلالة وإشكالياتها
في الخطاب اليومي كما في الدرس العلمي، يسود التعبير عن الدلالة وكأنها حقيقة ثابتة. فنقول: “النص يحمل معنى”، و”الجملة تدل على كذا”، و”الكلمة تعني كذا”. وهذه العبارات عملية من الناحية التداولية، لكنها تُخفي تبسيطاً نظرياً له تبعات واسعة. فهي توحي بأن الدلالة قائمة بمعزل عن فعل القراءة والفهم.
تُعرّف ” السمانتكس الكلاسيكية” أو بالإنجليزية Classical Semantics ” الدلالة غالباً بوصفها علاقة بين “الدال اللغوي” و”مرجعه الخارجي”. وحتى عندما جرى تطوير هذه النماذج أو تنويعها، بقي الاعتقاد سائداً بأن المعنى قابل للتحديد والتثبيت (انظر Lyons 1977). وفي المقابل ركّزت “المناهج التأويلية” على دور الفهم، لكنها غالباً ما افترضت وجود “شيء ما” يُفهم، أي وجود دلالة مسبقة تنتظر الكشف. قد يتبدل معناها تاريخياً، لكنه لا يُطرح موضع سؤال من حيث المبدأ.
هنا تحديداً تبرز الحاجة إلى إعادة نظر جذرية في مفهوم الدلالة ذاته.
2.2 الدلالة وحواملها الضمنية
إنَّ تصور الدلالة كأمرٍ جاهز يرتبط بفرضية حول “من يحمل المعنى؟” أو “أين يقيم المعنى؟”. وقد سيطرت على هذا النقاش ثلاثة اتجاهات كبرى:
1. النص بوصفه حاملاً للمعنى
يُنظر هنا إلى النص كـ”وعاء للدلالة”، والقراءة ليست إلا محاولة لاستخراجها أو استعادتها.
2. المؤلف بوصفه منشأً للمعنى
في الرؤى “القصديّة”، يُعاد المعنى إلى “نية المؤلف”، ليغدو النص مجرد وسيط ناقل.
3. القارئ بوصفه مُنتجاً للمعنى
تشدد “جماليات التلقي” على الدور النشِط للقارئ، غير أن هذا غالباً ما يعني نقل مركز الثقل من النص إلى الذهن، لا مساءلة البنية المُنتِجة للمعنى نفسها.
ورغم اختلاف هذه النماذج، إلا أنها تتشارك فرضية واحدة: “الدلالة موجودة مسبقاً”، وما يبقى هو تحديد موضعها لا تفسير نشأتها.
أما هذا المشروع فيقترح فهماً آخر؛ فالدلالة هنا ليست مُحدّدة في “مكان”، بل “فعلٌ يتشكل عبر عملية” يُعاد فيها التفكير بالمعنى لا بوصفه نتيجة جاهزة، بل بوصفه حدثاً يتولد ضمن شروط نصّية وبنيوية مخصصة.
2.3 الدلالة من دون جوهر ثابت
إذا لم تكن الدلالة “جوهرًا مستقراً” يمكن القول إنه “يكمن” في موضع ما داخل النص، فإنها لا تُنقل ولا تُستخرج استخراجاً مباشراً، بل تتشكّل بوصفها “حصيلة فعل منظم” تتداخل فيه البنية اللغوية، وترتيب النص، ووضعية القارئ في علاقة مخصصة. عند هذا الحد، تتبدّى الدلالة باعتبارها:
• “ليست شيئاً مادياً”،
• “ولا قابلة للضبط الكامل”،
• “ولا مستقلة عن فعل القراءة ذاته”.
وليست الدلالة مرادفة للمعلومات. فقد يكون النص ثريّاً بالمعلومات دون أن يبدو ذا معنى عميق، كما قد يحدث العكس؛ إذ يترك النص أثراً دلالياً واضحاً دون أن يضيف معلومة جديدة. وتمثل هذه المفارقة مفتاحاً مهماً لفهم طبيعة الدلالة، فهي “لا تتولد من المحتوى أولاً، بل من جهة التوجيه والإيحاء الذي يقيمه النص”.
2.4 النتيجة المنهجية: من سؤال “ماذا؟” إلى سؤال “كيف؟”
إن الانتقال من النظر إلى الدلالة باعتبارها معطى جاهزاً إلى النظر إليها كـ”إشكالية تحتاج تفسيراً” يترتب عليه تحول منهجي جوهري؛ إذ تنتقل بؤرة الاهتمام من “نتائج الدلالة” إلى “شروط تحققها”. وعليه، يصبح من غير الكافي أن نسأل:
• ” ماذا يعني هذا النص؟”،
• “وما القول الذي يحمله؟”،
بل ينبغي أن تتحول الأسئلة إلى:
• “كيف يُفتح مجالٌ للدلالة؟”،
• ” كيف يُوضَع القارئ في موقع يسمح بالفهم؟”،
• “وأي بنية تجعل عملية الفهم ممكنة أصلاً؟”.
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقود ضرورةً إلى دراسة “البداية” و”الترتيب” و”المواضع المركزية في النص”، إذ لا تُكتشَف الدلالة في نهاية فعل التأويل، بل “تُتاح عند اللحظة الأولى التي ينتظم فيها النص كفعلٍ بنائي قابل للتلقي”.
2.5 الدلالة بوصفها تحدّياً نظرياً
إن النظر إلى الدلالة على أنها “إشكالية” لا “معطى جاهز” يقتضي التخلي عن وهم التعريف النهائي. فالدلالة عصيّة على الحصر، لأنها ليست كياناً ثابتاً يمكن الإمساك به، بل هي علاقة تتشكل داخل سياق مخصص، وتتوسطها بنية لغوية ونصية. ومع ذلك، فإن هذا التعقيد لا يعني الفوضى أو الانفلات؛ فغياب الجوهر الثابت لا يفضي إلى “لا حدود”، بل يستدعي قدراً أكبر من النظام والتنظيم. فليس من الممكن أن “يكون كل شيء قابلاً لأن يعني كل شيء”، إذ إن الدلالة “ممكنة” لكنها ليست “مطلقة بلا قيد”.
وتنبثق من هذه الفكرة قاعدة راسخة في هذا الكتاب: “الدلالة لا تولد من الحرية وحدها، بل من حضور النظام”.
2.6 استشراف: الطريق إلى البداية
وإذا اتضح أن الدلالة ليست مُعطاة سلفاً، وليست كذلك مفتوحة على كل الاحتمالات، تعيّن طرح السؤال التالي: أين يظهر المعنى لأول مرة؟ لا يظهر في “المفردة وحدها”، ولا في “التقرير أو الجملة فحسب”، بل في “اللحظة التي يضع فيها النص قارئه ضمن موقف تأويلي محدد”.
وعند هذه النقطة تتقدم “البدايات” إلى مركز البحث؛ فالبداية ليست جملة افتتاحية فقط، بل هي “الفعل البنائي الأول الذي ينشئ إمكانية الفهم”. ومن هنا ينطلق القسم التالي من الدراسة، موجّهاً النظر إلى البداية بوصفها حدثاً دلالياً مؤسِّساً.

الفصل الثالث
تصوّر “المعنى السابق”
يشكّل افتراض وجود “معنى سابق” إحدى الركائز العميقة – وربما الأقل خضوعاً للتأمل – في النماذج الحديثة للمعنى. فوفق هذا التصوّر، يكون المعنى موجوداً بصورته الأولية قبل أن يتجسّد في اللغة، أو يأخذ شكله النصّي، أو يدخل حيّز القراءة. وبذلك لا تُعدّ اللغة في هذا المنظور موضع تكوّن المعنى، بل مجرّد وسيط لاحق يكشفه أو ينقله.
يسعى هذا الفصل إلى بيان أن هذا التصوّر – على الرغم من وجاهته الظاهرة – يحمل إشكالات نظرية دقيقة؛ إذ إنّه يرحّل سؤال نشأة المعنى إلى مجال سابق للّغة، يصعب إخضاعه للتحليل العلمي الصارم.
3.1 أشكال “المعنى السابق”
تتبدّى فكرة “المعنى السابق” في صور متعددة، تختلف تاريخياً ومنهجياً، لكنها تلتقي في فرضية جوهرية مشتركة: أن المعنى مُتشكّل قبل أن يتحقق لغوياً. ومن أبرز هذه الصور:
1. المعنى القصدي
حيث يُنظر إلى المعنى على أنه ما “أراد المؤلف قوله”. وتكون مهمة اللغة أن تعبّر بأكبر قدر من الدقة عن هذا القصد الذهني؛ أي أنّ المعنى متحقق في الوعي قبل أن يُصاغ لفظاً.
2. المعنى الوجودي (الأنطولوجي)
وفي بعض الاتجاهات الفلسفية يُفترض أن المعنى راسخ في العالم أو في الوجود نفسه، وأن دور اللغة لا يتجاوز الكشف عنه أو رفع حجاب الخفاء عنه.
3. المعنى المترسب ثقافياً
وفق هذا الرأي، ينشأ المعنى من تراكم تاريخي واجتماعي وثقافي سابق على النص. وما يقوم به النص عندئذ ليس خلق المعنى، بل استدعاء رصيد معرفي مُسبق وتفعيله.
وإن اختلفت هذه النماذج ظاهراً، إلا أنّها تجتمع على رأي واحد مؤدّاه أن المعنى لا يولد مع اللغة، بل يسبقها وجوداً.
3.2 جاذبية مفهوم “المعنى السابق”
يحظى تصور “المعنى السابق” بقبول واسع لأنه يلبي حاجات معرفية مهمّة، لاسيما في سياقات التواصل والتأويل. فهو يسمح بـ:
• تثبيت المعنى واستقراره،
• ضمان إمكانية التفاهم المشترك،
• الحدّ من الانفتاح التأويلي الذي قد يفضي إلى تشتت الدلالات.
فإذا كانت هناك دلالة موجودة سلفاً، أمكن الرجوع إليها بوصفها مرجعاً ثابتاً. وعندئذ لا تكون القراءة فعلاً مُنشئاً، بل محاولة “لاستعادة” المعنى أو الاقتراب منه. ويوفر هذا التصور قدراً من اليقين المنهجي – خصوصاً حين ترتبط الدلالة بسلطة معرفية أو معيارية.
غير أن هذه الجاذبية ذاتها قد تحجب عنّا شروط تشكّل المعنى في الأصل، وتُبعدنا عن مساءلة لحظته الأولى بوصفه نتاجاً لعمليات لغوية ونصّية وسياقية لا تسبق اللغة بل تتولّد فيها.
3.3 إشكالية “الإزاحة إلى ما قبل اللغة”
تكمن الصعوبة الأساسية في مفهوم “المعنى السابق” في كونه عصيّاً على المعالجة المنهجية. فإذا افترضنا وجود معنى سابق للغة، فلن يكون تناوله ممكنًا إلّا بواسطة اللغة نفسها. وهنا يظهر مأزق دائري واضح: إذ لا يمكن إدراك المعنى السابق إلا بعد أن يتجسّد لغويًا، أي بعد أن يخرج من دائرة ما قبل القول إلى حيّز البيان.
ويظلّ غامضًا في هذا التصور:
• كيفية انتظام هذا المعنى وتكوينه،
• كيفية ثباته واستمراره،
• وكيف يمكن لقرّاء مختلفين النفاذ إلى “المعنى ذاته” إن كان سابقًا للكلام.
من ثمّ يغدو “المعنى السابق” في كثير من الأحيان اختصارًا نظريًا يُجنّب الباحث مواجهة السؤال الحقيقي عن كيفية نشوء المعنى، بدلاً من تقديم حل فعلي له.
3.4 اللغة بوصفها موضع تشكّل المعنى
في مقابل نموذج “المعنى السابق”، يقترح هذا البحث منظورًا آخر يقوم على أن المعنى لا يوجد خارج اللغة ثم يُنقل إليها، بل يتكوّن في داخلها. فاللغة ليست مجرد وعاء أو “أداة تعبير”، بل هي المجال الذي تُنتَج فيه الدلالة وتُعاد صياغتها.
ولا يعني هذا إنكار وجود نية للمتكلم، أو إحالات للعالم، أو خلفيات ثقافية وتاريخية، بل مفاده أن هذه العناصر لا تكتسب فعاليتها الدلالية إلا حين تتجسّد ضمن بنية لغوية. فالمعنى ليس ما يسبق العبارة، بل ما ينمو ويتشكل من خلالها.
3.5 دور البنية في توليد المعنى
إذا لم يكن المعنى سابقًا على اللغة، فلابد إذن من القول بأنه يُنتج عبر آليات نصّية محددة. وهذه العملية ليست فوضوية، بل تضبطها “البنية” بمعناها الواسع؛ أي نظام الترتيب والانتقاء والتكرار والمواضع داخل النص.
فالبنية هنا لا تُحصر في النحو أو الصرف، بل تشمل:
• توزيع العناصر،
• موازين الأهمّية،
• ما يتكرر وما يحذف،
• وتحديد المواقع الدلالية داخل السياق.
ويغدو “المطلع” أو “الافتتاح” على وجه الخصوص مجالاً حاسمًا؛ فهو الذي يضع الشروط الأولى لفهم ما سيأتي، ويمنح القارئ نقطة ارتكاز يدخل منها إلى النص. وفي هذا الفضاء الأول تُفتح إمكانية المعنى دون أن يكون مُحَدّدًا مسبقًا.
وعليه، لا يقوم البحث على فكرة “المعنى السابق”، بل على “البنية السابقة” التي تتيح للمعنى أن يتولّد في الفعل اللغوي نفسه.
3.6 انعكاسات ذلك على فهم النصوص
إنّ التخلي عن فكرة “المعنى السابق” يُحدث تحوّلاً جوهرياً في كيفية قراءة النصوص وتأويلها. فالنصوص ليست مجرد أوعية للمعنى، بل هي “ترتيبات تمكّن من نشوئه”. ومن ثم، فإن التأويل لا يعني الكشف عن محتوى مخفي مسبقاً، بل متابعة “حركة بنائية هيكلية” تتشكل داخل النص.
وتتيح هذه النظرة أخذ النصوص على محمل الجد حتى ولو لم تحتوي على معلومات صريحة، إذ تكمن أهميتها في ما تتيحه من إمكانات، لا في ما تقول صراحة. فالدلالة لا تنبع من القول المباشر، بل من الفرص التي تتيحها للمعنى كي ينشأ.
3.7 الانتقال: من المعنى إلى الفعل التأسيسي
عندما لا تكون الدلالة موجودة مسبقاً، بل تتكوّن أثناء القراءة، يظهر السؤال: ما هو الفعل الأول الذي يشرع في توليد المعنى؟ وهذا الفعل ليس “تصريحاً” أو “حجّة” أو “معلومة”، بل هو “موضع تأسيسي” أو “إرساء”.
وتشكّل دراسة هذا الفعل – من حيث شكلُه ووظيفته وأثره – نقطة الانطلاق للتحليل اللاحق، وتوجه النظر أخيراً إلى “البداية” بوصفها لحظة تأسيسية حاسمة في تكوين الدلالة.

الفصل الرابع
اللغة: وسيط أم موضع لتشكّل المعنى؟
إن السؤال عن دور اللغة في نشوء المعنى ليس مجرد مسألة اصطلاحية، بل هو قرار منهجي جوهري. ففهم اللغة كوسيط لنقل المعنى، أو كموضع أساسي لتكوّنه، يحدد كيفية قراءة النصوص وتأويلها وتصنيفها نظريًا.
ويجادل هذا الفصل بأن “فهم اللغة بوصفها موضعًا لتشكّل المعنى” وحده يمكنه أن يفسّر نشأة المعنى بشكل منهجي. أما النماذج التي تعتبر اللغة مجرد وسيط، فهي لا بد أن تنقل مشكلة المعنى إلى مجال ما قبل اللغة أو خارجها، ومن ثم تحرمها من إمكانية التحليل العلمي.
4.1 نموذج اللغة كوسيط
في كثير من المناهج الدلالية والتأويلية تُفهم اللغة ضمنيًا أو صراحة كوسيط. ففي هذه النماذج يُنظر إلى المعنى على أنه موجود مستقل عن اللغة، وأن اللغة مجرد أداة لنقله. وتعمل اللغة هنا كـ”وسيلة نقل” وليست كعامل تأسيسي.
ويظهر هذا النموذج في صور متعددة، منها:
• في تصور أن الكلمات “تشير” إلى محتويات محددة سلفًا،
• وفي الافتراض بأن النصوص “تنقل” المعاني،
• وفي الفكرة القائلة بأن اللغة أداة لتفعيل قدرات المعنى الموجودة مسبقًا.
ومع ما يبدو عليه هذا النموذج من وجاهة في الحياة اليومية، إلا أنه يحمل إشكالات نظرية كبيرة، إذ يترك سؤالاً جوهريًا دون جواب: كيف يمكن أن يكون المعنى منظمًا دون لغة، وكيف يمكن أن يظل ثابتًا ومستقرًا بمعزل عن الشكل اللغوي؟
4.2 انعكاسات نموذج اللغة كوسيط
إذا فُهمت اللغة مجرد وسيلة، تنشأ عدة نتائج نظرية:
1. يُرجَّح وجود المعنى مسبقًا – إما في وعي المؤلف، أو في العالم، أو في تراكمات ثقافية محددة.
2. تبدو اللغة ثانوية وقابلة للاستبدال.
3. يتحوّل النص إلى وعاء أو قناة لنقل المعنى، وليس إلى بنية تأسيسية.
وتجعل هذه النتائج من الصعب تفسير ظواهر لا يمكن اختزالها في مجرد محتوى إعلامي، مثل قوة التوجيه التي تحوزها بدايات النصوص، أو تأثير التعابير الثابتة، أو ثبات تراكيب نصية معينة عبر الحدود الثقافية والتاريخية.
4.3 اللغة بوصفها موضعًا لتشكّل المعنى
يقف هذا التصور في مواجهة نموذج اللغة كوسيط، ليقدّم رؤية بديلة تعتبر اللغة “المكان الذي ينشأ فيه المعنى أساسًا”. ففي هذا الإطار، لا تُعد اللغة مجرد وسيلة لتحقيق غاية، بل هي “شرط إمكانية” وجود المعنى.
فالمعنى هنا لا يوجد بمعزل عن الشكل اللغوي، ولا يرتبط بذهن المؤلف أو بالعالم بشكل مستقل، بل “ينتج عن خلال التراكيب اللغوية، والترتيبات، والعلاقات التي تؤسسها اللغة”.
وتستند هذه النظرة إلى بعض الأفكار في فلسفة اللغة في القرن العشرين، لكنها تتجاوزها خطوة حاسمة: إذ بينما يركّز فيتجنشتاين على استعمال اللغة، ينصبّ التركيز هنا على “البنية التنظيمية للنصوص”، وخصوصًا على “البداية وأشكال الترتيب” فيها.
4.4 البنية النصية بدلاً من الجوهر اللغوي
إذا كانت اللغة هي موضع تشكّل المعنى، فإن المفتاح لا يكمن في الكلمات أو الجمل المعزولة، بل في “البنية النصية” ككل. فالمعنى لا ينشأ نقطيًا، بل هو “علاقة متبادلة” تنتج عن:
• المواقع والترتيب داخل النص،
• الانتقالات بين الوحدات،
• الأوزان والتفاوت في الأهمية،
• التكرارات المتعمدة.
وفي هذا المعنى، لا يكون النص مجرد وسط خطي، بل هو “فضاء تُبنى فيه علاقات المعنى”. ومن ثم، تعني القراءة الدخول إلى هذا الفضاء واستكشافه والتوجه داخله.
وتتيح هذه النظرة فهم المعنى باعتباره شيئًا “لا يمكن ضبطه بالكامل، ولا هو مطلقًا بلا قيود”. فهو مرتبط بالبنية، لكنه “لا يُختزل في المحتوى وحده”.
4.5 البداية كمكان محدد لتشكّل المعنى
تتجلّى أهمية اللغة بوصفها موضعًا لتكوّن المعنى بوضوح خاص في بداية النص. فالبداية هي النقطة التي لا تكتفي فيها اللغة بالإعلان أو الإيصال، بل تقوم بالفعل التأسيسي. فهي تؤسس العلاقات قبل أن يُفهم أي مضمون.
وبهذا المعنى، لا تُعد البداية مقطعًا عاديًا بين المقاطع، بل هي “أول موضع فعّال للمعنى”. فهي تحدّد كيفية قراءة النص، وما هي التوقعات المسموح بها، وأي أشكال الفهم يمكن استبعادها.
ومن خلال تحليل البداية، يمكن رصد المعنى في اللحظة التي يكون فيها لا محتوى، بل “إمكانية” قابلة للنشوء.
4.6 التحديد: اللغة كمكان وليست سببًا
من المهم التأكيد على أن النظر إلى اللغة كمكان لتكوّن المعنى لا يعني الادعاء بأنها السبب الوحيد للمعنى. فاللغة ليست العامل الوحيد، لكنها “الفضاء الضروري” الذي يتشكل فيه المعنى.
فالنيات، والسياقات الثقافية، والممارسات الاجتماعية لا تعمل خارج اللغة، بل بداخلها. وتصبح هذه العوامل ذات أثر وقيمة فقط من خلال البنية اللغوية.
وتتيح هذه الرؤية تفسير تعدد المعاني دون الانزلاق إلى النسبية المطلقة أو الذاتية المطلقة.
4.7 الانتقال: من اللغة إلى البنية
إذا كانت اللغة هي موضع تشكّل المعنى، فإن التحليل يجب أن يركز على العناصر التي تنظم هذا الموضع. فالمركّز لا يكون على الكلمات أو ما تُنسب إليه من معانٍ، بل على: “البدايات، العتبات، المراكز، والترتيبات”.
وبهذا تتوفر الأسس للتحليل التالي، الذي يتوجه بشكل منهجي إلى البداية – ليس كمجرد تفصيل شكلي، بل كـ”حدث تأسيسي” لبنية المعنى.

الفصل الخامس
نقد الدلالة التمثيلية
تُعد الدلالة التمثيلية واحدة من أكثر النماذج تأثيرًا وإشكالية في نظرية المعنى. تقوم على فكرة بسيطة وظاهرة للعيان: فاللغة “تمثل” الواقع، ويكمن المعنى في مطابقة العلامات اللغوية للحقائق المعطاة. فالكلمات تمثل الأشياء، والجمل تمثل الوقائع، والنصوص تمثل العلاقات المعنوية المركبة.
إلا أن هذا الفصل يوضح أن هذا النموذج – رغم أهميته التاريخية – غير قادر على تفسير نشوء المعنى. فهو يفترض وجود المعنى مسبقًا، بدلاً من تحليل عملية تكوّنه، ويتجاهل الدور التأسيسي للبنية اللغوية.
5.1 الافتراضات الأساسية للدلالة التمثيلية
تعتمد الدلالة التمثيلية على عدة افتراضات مترابطة:
• هناك واقع محدد سابق للبنية، قائم مستقل عن اللغة.
• تشير العلامات اللغوية إلى هذا الواقع.
• ينشأ المعنى من مطابقة العلامة للمرجع.
• الفهم يعني إدراك هذه المطابقة بشكل صحيح.
هذه الافتراضات تؤثر ليس فقط على النظريات الدلالية الكلاسيكية، بل تمتد إلى النماذج اللغوية الحديثة، غالبًا بشكل ضمني.
5.2 إشكالية المرجعية
المفهوم المركزي في الدلالة التمثيلية هو المرجعية. يُنظر إلى المعنى هنا كعلاقة بين العلامة والعالم، لكن هذه العلاقة نفسها تحتاج إلى تفسير.
من جهة، يبقى غامضًا كيف تحدد العلامات اللغوية مراجعها بدقة. ومن جهة أخرى، لا تفسر المرجعية سبب إنتاج بعض الأشكال اللغوية للمعنى بينما تظل أخرى – رغم نفس المرجعية – بلا معنى أو تأثير.
كما لا تفسر المرجعية كيفية نشوء المعاني المجردة أو العلائقية أو المحملة بالمعايير، مثل “العدالة” و”المسؤولية” و”المعنى”، إذ لا يمكن تبسيطها إلى حقائق مباشرة دون فقدان جوهرها.
5.3 المعنى دون التمثيل
تكمن مشكلة أخرى للنموذج التمثيلي في مساواته الضمنية بين المعنى والتمثيل. فاللغة، وفق هذا النموذج، يجب أن تعكس العالم، وكلما كانت هذه الانعكاسات دقيقة، كان المعنى أكثر وضوحًا.
غير أن هذا التصور يغفل أن اللغة ليست مجرد انعكاس سلبي، بل “تنظم” الواقع بنشاط، توجه الانتباه، وتؤسس العلاقات. فالمعنى لا ينشأ لأن اللغة تُظهر شيئًا، بل بسبب كيفية إظهارها له.
وبذلك، تفشل استعارة الانعكاس في إدراك البعد الإنتاجي للأشكال اللغوية.
5.4 النقطة العمياء: البنية والبداية
تتجلى أوجه ضعف الدلالة التمثيلية خصوصًا في التعامل مع بدايات النصوص. فالبداية غالبًا لا تحتوي على مرجعية قابلة للفحص، ولا معلومات عن العالم، ولا بيان واضح، ومع ذلك فهي توجيهية وذات معنى.
نموذج تمثيلي لا يستطيع تفسير هذا التأثير؛ إذ لو كان المعنى ناتجًا حصريًا عن المرجعية، لكان من المفترض أن تكون بداية النص بلا معنى حتى تُقدم جملة مرجعية. لكن الواقع التجريبي يظهر العكس: “البداية تولد المعنى قبل أن تمثل شيئًا”.
5.5 آفاق بديلة وحدودها
حاولت نظريات عدة معالجة نقائص الدلالة التمثيلية، مثل:
• التوسعات البراغماتية،
• الإدماج السياقي،
• أو النماذج المعرفية.
رغم أن هذه المقاربات تقدم رؤى مهمة، فإنها غالبًا تبقى ضمن الإطار التمثيلي، تعدل النموذج دون أن تشكك في افتراضه الأساسي: أن المعنى قائم في جوهره على التمثيل أو المرجعية.
ويذهب هذا المشروع خطوة أبعد، بإشكالية هذا الافتراض ذاته.
5.6 المعنى كنظام علائقي
بدل فهم المعنى كتمثيل، يُنظر إليه هنا على أنه “نظام علائقي”. فالمعنى لا ينشأ من مطابقة اللغة للعالم، بل من تنظيم فضاء معنوي تصبح فيه الإشارات إلى العالم ممكنة وذات معنى.
وهذا النظام ليس عشوائيًا، بل يتبع أنماطًا محددة: “البدايات، العتبات، المراكز، والترتيبات” تلعب دورًا محوريًا. فهي توفر التوجيه، قبل أن تصبح المرجعية ممكنة أو ذات صلة.
وبهذه الرؤية، “اللغة ليست مرآة، بل هي هندسة”.
5.7 الانتقال: من النقد إلى إعادة التوجيه
إن نقد الدلالة التمثيلية ليس هدفًا في ذاته، بل وسيلة لتحرير النظر نحو سؤال آخر: إذا كان المعنى لا يُمثَّل، بل يُنتج، “فأين وكيف يبدأ هذا الإنتاج؟”
ومن ثم يتركز التركيز الآن على البداية كمكان تأسيسي لتكوّن المعنى، والخطوة التالية هي دراسة هذه البداية بشكل منهجي.

الفصل السادس
المعنى والدلالة والفهم – توضيحات مفهومية
تُعد مفاهيم “المعنى” و”الدلالة” و”الفهم” من المصطلحات المركزية في نظرية اللغة والنصوص، وهي في الوقت نفسه من أكثر المصطلحات استخدامًا وأقلها تحديدًا بدقة. كثيرًا ما تُستعمل هذه المصطلحات كمرادفات أو يُفترض ضمنيًا فهمها، دون توضيح وظائفها المختلفة داخل الإطار النظري.
ومن هنا، يكتسب هذا الفصل وظيفة توضيحية؛ فهو لا يسعى إلى تقديم تعريفات نهائية، بل إلى تمييز هذه المفاهيم وظيفيًا لجعلها صالحة للاستخدام المنهجي في التحليل.
6.1 ضرورة التمييز المفهومي
تعود كثير من الالتباسات النظرية في خطاب المعنى إلى غموض المفاهيم. فعند القول إن النص “له معنى” أو “يُفهم”، غالبًا ما يظل غير واضح على أي مستوى تقع هذه التصريحات.
وغياب التمييز المفهومي قد يؤدي إلى:
• خلط الفئات،
• دورات منطقية مغلقة،
• افتراضات مسبقة غير معلنة.
لذلك، يُعد التمييز الدقيق بين “المعنى” و”الدلالة” و”الفهم” ضرورة منهجية، وليس مجرد مسألة مصطلحية.
6.2 المعنى: التوجيه بلا تحديد
يشير “المعنى” في هذا المشروع إلى بعد توجيهي، لا إلى محتوى محدد. فهو ما يوجه “الفهم” نحو اتجاه معين، دون أن يفرضه مسبقًا. المعنى مفتوح، علائقي، ومتعلق بالسياق.
المعنى ليس نتاجًا للتفسير، بل شرطه. وينشأ حيث يُحدث النص موقفًا أو توقعًا أو تركيزًا محددًا. في هذا الإطار، المعنى “غير قابل للتثبيت” لكنه فعال.
هذه الرؤية ترتبط بالتقاليد الفينومينولوجية، لكنها تتحرر من تصور المعنى النواياي الموجود في الوعي.
6.3 الدلالة: تثبيت هيكلي للمعنى
تُفهم “الدلالة” هنا بمعنى أضيق من “المعنى”. فهي تشير إلى الشكل المنظم والمستقر الذي يظهر فيه المعنى داخل النص. الدلالة ليست حرة، بل مرتبطة بالترتيبات النصية.
بينما يتيح المعنى الحركة والتوجيه، تضمن الدلالة تثبيت المعنى ضمن حدود معينة. فالمعنى يظهر حين تحمله البنية، وبالتالي فهو لا يكون موضوعيًا أو ذاتيًا بشكل مطلق، بل علائقيًا.
في هذا الفهم، “الدلالة” ليست ملكية، بل هي أثر.
6.4 الفهم: التنفيذ لا الحالة
يشير “الفهم” إلى تنفيذ أثر المعنى والدلالة. الفهم ليس حالة ذهنية يمكن الوصول إليها أو إتمامها، بل فعلياً هي عملية مستمرة.
ولا يحدث الفهم تلقائيًا، بل يحتاج إلى شروط محددة:
• إمكانية الوصول البنيوي للنص،
• استعداد القارئ،
• التوجيه من خلال البداية والترتيب.
الفهم إذن ليس مجرد إدراك، بل مشاركة في نظام معنوي.
6.5 العلاقة بين المفاهيم الثلاثة
ترتبط هذه المفاهيم الثلاثة بعلاقة دينامية:
• “المعنى” يفتح فضاء الإمكانيات،
• ” الدلالة” تنظّم هذا الفضاء،
• “الفهم” هو التنفيذ ضمن هذا الفضاء.
لا يمكن اختزال أي بعد في الآخر: فالمعنى بلا دلالة يظل غامضًا، والدلالة بلا فهم بلا أثر، والفهم بلا معنى بلا توجيه. العلاقة بين هذه الأبعاد ليست هرمية، بل وظيفية.
6.6 التمييز عن استخدامات بديلة للمصطلحات
في تقليد الدلالة الفريجية، يُفهم المعنى غالبًا كمرحلة وسيطة بين العلامة والمرجع. هذا المشروع لا يعتمد هذا التمييز؛ فالمعنى هنا ليس محتوى وسيطيًا، بل بنية توجيهية.
وكذلك، لا يُفهم “الفهم” على أنه إعادة بناء دقيق للمعنى، بل كمشاركة فاعلة في تنظيم نصي.
تلك التمييزات ضرورية لتجنب الالتباسات في التحليل اللاحق.
6.7 الانتقال: من التوضيح إلى التحليل
بعد هذا التوضيح المفهومي، يصبح الطريق ممهّدًا للتحليل الفعلي. تركز الفصول التالية على كيفية إنتاج المعنى والدلالة هيكليًا، مع اعتبار البداية ليست مجرد فرضية نظرية، بل موضوع تحليل جاد.

الفصل السابع
الهرمنيوطيقا وحدودها
لقد أسهمت “الهرمنيوطيقا” أكثر من أي اختصاص آخر في تشكيل فهم النص والمعنى والفهم في القرن العشرين. فقد حولت التركيز من المعنى الموضوعي إلى عملية الفهم، وساهمت بذلك في إدراك جوهري مفاده أن المعنى لا يمكن التفكير فيه بمعزل عن القارئ.
ويقف هذا الكتاب في علاقة منتجة مع التقليد الهرمنيوطيقي؛ فهو يتبنى بعض الرؤى المركزية للهرمنيوطيقا، لكنه يبدأ من نقطة تصل فيها قدرتها التفسيرية إلى حدودها، وتحديدًا عند مسألة نشوء المعنى.
7.1 إنجاز الهرمنيوطيقا
لقد غير التحول الهرمنيوطيقي، كما جسّده خصوصًا هايدغر وجادامر، فهم النصوص بشكل جذري. فالفهم هنا لا يُنظر إليه كفعل منهجي، بل كهيكل وجودي أساسي للوجود البشري.
ومن الرؤى المركزية للهرمنيوطيقا:
• “الفهم” مرتبط بالبعد التاريخي،
• المعنى ينشأ في أفق النص والقارئ،
• الأحكام المسبقة ليست عائقًا للفهم، بل شرطه.
وقد هزّت هذه الرؤى الوهم القائل بالمعاني الموضوعية والخالدة، وأعادت للقارئ موقعه كفاعل نشط في إنتاج المعنى.
7.2 الفرض الضمني للهرمنيوطيقا
وعلى الرغم من أهمية هذه الرؤى، فإنها تقوم على فرض ضمني: وجود شيء يُفهم. فالهرمنيوطيقا تتساءل عن “كيف نفهم”، لا عن شروط إمكانية المعنى نفسه.
فالمعنى لدى جادامر يظهر كتاريخ للأثر، ولدى ريكور كنص معنوي يتكشف في فعل التفسير. وفي كلا الحالتين، “المعنى” لا يُنتج بل يُكشف أو يُفعّل.
ويبقى السؤال مفتوحًا: كيف يصبح النص حاملًا للمعنى أصلاً؟
7.3 الفهم بلا بداية؟
أحد أوجه القصور المركزي للنماذج الهرمنيوطيقية يكمن في تجاهلها للبداية. فالدائرة الهرمنيوطيقية تفترض دائمًا فهمًا موجودًا يمكن تعميقه وتصحيحه. لكن أين تبدأ هذه الدائرة؟ كيف يدخل القارئ لأول مرة إلى فضاء معنوي؟
الهرمنيوطيقا تصف الحركة، لكنها لا تحدد نقطة دخول هذه الحركة. فالبداية إما مفترضة أو مُحايدة وظيفيًا.
ومع ذلك، فإن هذه الفجوة تعتبر جوهرية لأي نظرية حول نشوء المعنى.
7.4 البنية مقابل الأفق
تعتمد المقاربات الهرمنيوطيقية غالبًا على مفهوم “الأفق”، الذي يصف فضاء الإمكانيات للفهم، والمتغير تاريخيًا وذاتيًا.
يستكمل هذا المشروع مفهوم الأفق بمنظور بنيوي. فبينما يصف الأفق من أين يُفهم النص، يتساءل التحليل البنيوي كيف يصبح الفهم ممكنًا أساسًا.
الأفق متحرك، أما البنية ففاعلة.
7.5 حدود التفسير الهرمنيوطيقي
تفسّر الهرمنيوطيقا سبب إمكانية تعدد التفسيرات، لكنها لا تفسّر بما يكفي سبب كون التفسير مفيدًا أصلاً. فهي تفترض المعنى بدلًا من تحليل نشوئه.
وخاصة في النصوص التأسيسية التي لا تهدف إلى الإعلام أو الجدال، بل إلى التوجيه، تظهر حدود الهرمنيوطيقا. أدواتها مخصصة لكشف المعنى، لا لإنتاجه.
7.6 استمرار لا انقطاع
ولا تعني هذه النقدية الانفصال عن التقليد الهرمنيوطيقي، بل على العكس: ينظر هذا المشروع إليها كاستكمال، يكمل حيث تتوقف الهرمنيوطيقا.
فالتحليل البنيوي للبداية يضيف بعدًا لم يكن مضاءً سابقًا، محوّلًا التركيز من تفسير المعنى إلى تمكين المعنى.
7.7 الانتقال: من الفهم إلى التأسيس
إذا كانت الهرمنيوطيقا تصف الفهم بالأساس، فإن نظرية نشوء المعنى تتقدم خطوة إضافية لتفحص “التأسيس” الذي يمكّن الفهم أصلاً.
هذا التأسيس ليس فعلًا هرمنيوطيقيًا، بل بنيويًا، ويظهر بشكل نموذجي في بداية النص.
وبذلك، يُفتح الطريق للخطوة التالية من الدراسة.

الفصل الثامن
فلسفة اللغة في القرن العشرين (لمحة موجزة)
لقد اتسمت فلسفة اللغة في القرن العشرين برؤية جوهرية مفادها أن “المعنى” ليس مجرد صورة بسيطة للعالم. وقد أسفرت هذه الرؤية عن مجموعة واسعة من المناهج النظرية التي لم تعد تعتبر اللغة وسيطًا محايدًا، بل عاملاً فاعلًا في الإدراك البشري.
هذا الفصل لا يقدم عرضًا شاملًا، بل يرسم الخطوط الرئيسة لفلسفة اللغة التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمسألة نشوء المعنى. الهدف هو تحديد الأفق النظري الذي يتوضع ضمنه هذا المشروع، والذي يميّزه أيضًا عن غيره من المناهج.
8.1 فيتغنشتاين المتأخر: المعنى كاستخدام
من خلال “التحقيقات الفلسفية”، يقوم لودفيغ فيتغنشتاين بالابتعاد عن رؤيته اللغوية المبكرة المبنية على المنطق والصورة. فالمعنى لم يعد يُفهم كمرجعية، بل كاستخدام للكلمة في اللغة.
هذا التحول له تبعات كبيرة، إذ يحرر المعنى من ارتباطه بالمراجع الثابتة ويثبته في الممارسات الاجتماعية. فاللغة تظهر هنا كـ”لعبة قواعد” ينشأ فيها المعنى عبر المشاركة.
ومع ذلك، يبقى استخدام اللغة ذاته بحاجة إلى تفسير. فبينما يوضح فيتغنشتاين أن المعنى يكمن في الاستخدام، فإنه لا يحلل بدقة كيف تمكّن البنى اللغوية هذا الاستخدام أو تحده.
8.2 نظرية الأفعال الكلامية: اللغة كفعل
مع جون إل. أوستن ولاحقًا جون سيرل، تُفهم اللغة صراحةً كفعل. فالعبارات “تفعل شيئًا”: فهي تعد، وتأمر، وتوضح، وتلزم.
توسع هذه الرؤية مفهوم المعنى ليشمل البعد التنفيذي. فالمعنى ليس فقط ما يُقال، بل أيضًا ما يحدث بفعل ما قيل.
لكن نظرية الأفعال الكلامية تظل محدودة إلى حد كبير على العبارات الفردية، إذ تسأل عن وظيفة الجمل، لا عن التنظيم البنيوي للنصوص. فالبداية هنا لا تظهر كحدث مستقل، بل كأول تعبير لغوي.
8.3 المقاربات البنيوية وما بعد البنيوية
تُدرك المقاربات البنيوية، خصوصًا في تقليد سوسير، اللغة كنظام من الفروق. فالـ “المعنى” لا ينشأ من المرجعية، بل من الاختلافات العلائقية داخل نظام العلامات.
أما النظريات ما بعد البنيوية، مثل دريدا، فتذهب أبعد من ذلك، إذ تشكك في استقرار المعنى بشكل جذري، معتبرة إياه دائم التأجيل (“”différance””).
تقدم هذه المقاربات نقدًا هامًا للنماذج الجوهرية للمعنى، لكنها تميل إلى إذابة البنية في عدم استقرار دائم. ومن هنا تظهر الإشكالية: كيف يمكن ضمان التوجيه الفعّال رغم الاختلاف والتحول المستمر؟
8.4 الفلسفة التحليلية للغة وحدودها
قدمت الفلسفة التحليلية للغة مساهمات مهمة في توضيح المفاهيم الدلالية، مثل “شروط الصدق” و”المرجعية” و”النية”.
ومع ذلك، غالبًا ما تظل هذه المدرسة محصورة عند مستوى الجملة. فظواهر نصية مثل البداية، والترتيب، والانتقال، نادرًا ما تُدرس بشكل منهجي.
وبذلك، تبقى مسألة نشوء المعنى على مستوى النص دون إجابة شافية.
8.5 الرؤى المشتركة والأسئلة المفتوحة
رغم اختلاف هذه المناهج، تشترك في عدة رؤى:
• المعنى ليس مرجعيًا بحتًا،
• اللغة فاعلة وليست سلبية،
• الفهم يعتمد على السياق.
غير أن التحليل المنهجي للبنية التي يولد من خلالها المعنى على مستوى النص، خصوصًا في البداية، لا يزال غائبًا.
8.6 موضع المشروع الحالي
ينطلق هذا المشروع من الرؤية القائلة إن المعنى ليس معطى مسبقًا، لكنه يتجاوزها خطوة حاسمة. فهو لا يركز أساسًا على الاستخدام، أو الفعل، أو الاختلاف، بل على “التأسيس”، و”النظام”، و”التوجيه”.
ينصب التركيز على البنى النصية التي تمكّن المعنى، حيث تُفهم البداية كـ “مكان تأسيسي لنشوء المعنى”، لا كتفصيل بلاغي فحسب.
8.7 الانتقال: من النظرة العامة إلى القرار
مع هذا العرض التمهيدي، يُحدد السياق النظري. وتركز الفصول التالية ليس على وضع النص في سياقه، بل على القرار المنهجي.
والخطوة التالية هي تحديد دور البنية مقابل المحتوى والقول بشكل منهجي.

الفصل التاسع
الأداء اللغوي ونشوء المعنى (أوستن، سيرل)
مع إدخال مفهوم “الأداء اللغوي”، خطت فلسفة اللغة في القرن العشرين خطوة جوهرية. لم تعد اللغة تُفهم أساسًا كوسيلة للوصف، بل كصيغة من أفعال الإنسان. فالعبارات “تفعل شيئًا”: تعدّ، تأمر، تشرح، تلزم أو تؤسس حقائق اجتماعية.
يتناول هذا الفصل مدى مساهمة نظرية الأفعال الكلامية عند “جون إل. أوستن” و”جون آر. سيرل” في شرح نشوء المعنى، ونقطة النهاية التي تصل إليها قدرتها التفسيرية.
9.1 انفصال أوستن عن نموذج البيان
وجه أوستن نقده للنظرية التقليدية التي ترى أن العبارات اللغوية هي بالأساس بيانات عن العالم يمكن أن تكون صحيحة أو خاطئة. وبالتمييز بين “العبارات التقريرية” و”الأداءات الكلامية” يظهر أن كثيرًا من الأفعال اللغوية لا تصف فحسب، بل تنجز ما تقوله.
ومن الأمثلة الكلاسيكية على ذلك الزواج: فالعبارة “أعلنكم زوجًا وزوجة” لا تصف واقعًا قائمًا، بل تُحدثه.
وتُعد هذه الرؤية ذات أهمية بالغة لهذا البحث، إذ تُبين أن المعنى ليس بالضرورة مرتبطًا بالمرجعية أو الوصف.
9.2 بنية الفعل الكلامي
يميز أوستن بين ثلاث مستويات للفعل اللغوي:
• “الفعل اللفظي”” (إصدار الكلام(،
• “الفعل المقصود”” (الفعل عبر الكلام)،
• “الفعل الناتج”” (الأثر على المستمع).
تُظهر هذه الفروق أن المعنى لا يكمن في التعبير اللغوي وحده، بل في إنجاز العبارة. فالمعنى يولد ليس فقط من المحتوى، بل من الطريقة التي تُستخدم بها اللغة.
9.3 تصنيف سيرل وتبعاته
يستند “جون سيرل” إلى أفكار أوستن ويصنف الأفعال المقصودة، ويحلل شروطها، مؤكدًا على دور القواعد الاجتماعية.
فالمعنى مرتبط بالتقليد والاعتماد على القواعد: فلا يعمل الفعل الكلامي إلا إذا تم الاعتراف بالقواعد المعينة. وهكذا يكون المعنى مرتبطًا بالإطار المؤسسي والاجتماعي، وليس بالإنتاج الفردي.
9.4 قوة نظرية الأداء اللغوي
تُسهم نظرية الأفعال الكلامية في:
• تحرير المعنى من المرجعية الصرفة،
• إظهار أن اللغة قادرة على خلق واقع،
• ربط المعنى بالممارسة الاجتماعية.
وبذلك توفر عناصر مهمة لفهم المعنى خارج الإطار التمثيلي التقليدي.
9.5 حدود نظرية الأفعال الكلامية
رغم مزاياها، تواجه نظرية الأداء اللغوي حدودًا واضحة: فهي تظل عند مستوى العبارات الفردية. فهي تسأل عما تفعله الجملة، لا عن كيفية افتتاح النص ككل لمجال من المعاني.
فالبداية في النص عادةً ليست فعلًا كلاميًا تقليديًا، فهي لا تعدّ، ولا تأمر، ولا تشرح، ومع ذلك تظل موجِّهة وذات معنى. وتكاد نظرية الأفعال الكلامية لا تفسر هذا الأثر.
9.6 الأداء اللغوي دون تأسيس
مشكلة أخرى تكمن في أن الأفعال الأدائية تفترض إطارًا موجودًا مسبقًا للعمل فيه. فالزواج لا ينفذ إلا لأن هناك مؤسسة، قواعد وأدوار قائمة.
يبقى سؤال “تأسيس هذا الإطار” دون إجابة؛ فالأداء اللغوي يشرح الأفعال ضمن ترتيب معنوي قائم، لكنه لا يفسر نشوء هذا الترتيب.
9.7 من الفعل إلى البنية
لذلك، يتطلب البحث الحالي تحويل التركيز من تحليل الأفعال اللغوية الفردية إلى تحليل التأسيس البنيوي. فالمعنى لا ينشأ فقط حيث تعمل اللغة، بل حيث تخلق النظام، وتوفر التوجيه، وتؤسس مواقع القارئ.
فالأداء اللغوي لحظة مهمة في نشوء المعنى، لكنه ليس مصدره الأساسي.
9.8 الانتقال: ما وراء الأداء
الإدراك بأن اللغة يمكن أن تفعل شيئًا يقودنا إلى السؤال التالي: ما الذي يمكّن هذه الأفعال؟ وما البنية المطلوبة لجعل الأفعال الأداءية ذات معنى؟
والجواب يعيدنا إلى “بداية النص”، ليس كفعل، بل كتأسيس لترتيب معنوي.

الفصل العاشر
البنية مقابل المحتوى – قرار منهجي
كل نظرية في المعنى تتخذ، صراحةً أو ضمنيًا، قرارًا منهجيًا بشأن ما تركز عليه في تحليلها. ففي كثير من النماذج التقليدية يُعتبر المحتوى الحامل الأساسي للمعنى، بينما تُنظر البنية باعتبارها ثانوية أو شكلية فحسب.
لكن هذا الكتاب يتخذ قرارًا مختلفًا: فهو يمنح البنية أولوية منهجية. وهذا القرار ليس مستندًا إلى اعتبارات جمالية أو أيديولوجية، بل ينبع من إدراك أن المعنى لا ينبثق من المحتوى وحده، بل من الترتيبات التي يصبح فيها المحتوى فاعلًا وذو تأثير.
10.1 أولوية المحتوى في النماذج التقليدية
تعتمد النماذج المعتمدة على المحتوى على فكرة أن المعنى يولد أساسًا من التصريحات الموضوعية أو المعلومات أو الفرضيات. وترى البنية في هذه الرؤية مجرد وعاء أو وسيلة لنقل المحتوى.
وتنعكس هذه الرؤية في:
• “السيمانتكيات الكلاسيكية”،
• العديد من التفاسير التأويلية،
• وأجزاء واسعة من فلسفة اللغة التحليلية.
وينصب التركيز المنهجي هنا على “ماذا يُقال” وليس على “كيفية ترتيب هذا القول”.
10.2 حدود التحليل المرتكز على المحتوى
يصل التحليل المرتكز على المحتوى إلى حدوده حيث تؤثر النصوص من دون أن تكون معلوماتية. فالشعائر، الصيغ الثابتة، المقدمات أو بدايات النصوص غالبًا ما تحتوي على محتوى محدود أو معدوم، ومع ذلك تنظم الفهم بطريقة حاسمة.
لو كان المعنى مرتبطًا بالمحتوى فقط، لكان يجب اعتبار هذه النصوص هامشية أو بلا معنى، لكن الواقع التجريبي يظهر العكس.
وتشير هذه الفجوة إلى أن المعنى لا ينبثق بالأساس من المحتوى.
10.3 البنية كشرط للمعنى
تعني البنية في هذا المشروع ترتيب العناصر اللغوية بطريقة تولد التوجيه، والتقدير، والعلاقات. فهي ليست مجرد شكلية، بل نظام وظيفي.
ومن العناصر البنائية المركزية:
• “البداية”،
• “التسلسل”،
• “التكرار والإيقاع”،
“• تأسيس المركز”.
تؤثر هذه العناصر قبل فهم المحتوى، وتحدد كيفية فهم المحتوى أصلاً.
10.4 البنية قبل التفسير
تفضيل البنية لا يعني تجاهل المحتوى، بل يعني أن المحتوى لا يمكن النظر إليه بمعزل عن ترتيب العناصر. فكل تفسير لمحتوى يحتاج إلى توجيه بنيوي نادرًا ما يُؤخذ في الاعتبار.
ومن خلال وضع البنية في المقدمة، يحوّل هذا الكتاب التركيز من تفسير الأقوال إلى تحليل شروط إمكانية التفسير.
10.5 البداية كحالة نموذجية
تُعد بداية النص أبلغ دليل على أولوية البنية. فهي غالبًا لا تحتوي على محتوى معقد، لكنها تؤثر حاسمًا في الفهم اللاحق.
فالبداية تحدد:
• “التوقعات المشروعة”،
• “الموقف الذي يتخذه القارئ”،
“• “أشكال المعنى الممكنة””.
وبهذا المعنى، ليست البداية أول محتوى، بل أول ترتيب.
10.6 الآثار المنهجية
إن منح البنية الأولوية له آثار واسعة على التحليل:
• تُقرأ النصوص كمساحات مرتبة، لا كمجموعة من الأقوال،
• لا يُلغى التفسير، لكنه يُعاد ربطه بالبنية.
وتتيح هذه الرؤية فهم المعنى كشيء ليس شخصيًا أو موضوعيًا فحسب، بل نسبي ومرتب.
10.7 تحديد: البنية ليست شكلًا بلا أثر
تأكيد البنية لا يعني العودة إلى الشكلية أو البنيوية بمعناها الضيق. فالبنية هنا ليست نظامًا مجردًا، بل ترتيبًا فعالًا يوجه القارئ ويُمكّن الفهم.
وبالتالي، البنية ليست خاوية، بل مولّدة للمعنى.
10.8 الانتقال: من القرار إلى التطبيق
بهذا القرار المنهجي يُغلق الإطار النظري للجزء الأول. وتركز الفصول التالية على التحليل الملموس للبداية، ليس كمبدأ نظري فقط، بل كظاهرة يمكن دراستها وتحليلها.

الفصل الحادي عشر
لماذا لا تنقل النصوص المعنى
تنتشر في اللغة اليومية والأكاديمية على حد سواء صورة مجازية مفادها أن النصوص “تنقل المعنى”. فيقال إن النص “يوصل شيئًا” أو “ينقل محتوىً” أو “يحمل رسالة”. هذه الصورة عملية في الاستخدام اليومي، لكنها تمثل إشكالًا نظريًا عند اعتمادها كأساس للتحليل.
يبيّن هذا الفصل أن النصوص لا تستطيع نقل المعنى، لأن المعنى ليس شيئًا ماديًا يمكن تحريكه من مكان إلى آخر. فمجاز النقل يخفي الشروط الحقيقية لقيام المعنى ويؤدي إلى سوء فهم منهجي.
11.1 جاذبية مجاز النقل
يبدو مجاز النقل بديهيًا للوهلة الأولى. فهو يفترض وجود:
• “مرسل”،
• “حامل”،
“• “متلقي””.
في هذا النموذج، يُنشئ المؤلف المعنى، ويضعه في النص، وينقله إلى القارئ الذي “يفك شفرته” ويفهمه. وتظهر هنا عملية التواصل على شكل نقل أو تحويل.
رغم سهولة هذا التصور في الاستخدام اليومي، إلا أنه يصبح مثيراً للمشاكل حين يُعتمد كأساس نظري.
11.2 المعنى ليس شيئًا
الخطأ الجوهري في مجاز النقل يكمن في تحويل المعنى إلى شيء مادي أو مستقل. فالمعنى لا يمتلك وجودًا مستقلاً عن استخدامه، وليس له جوهر مادي أو عقلي يمكن تحريكه أو تخزينه أو إرساله.
المعنى ينشأ فقط في فعل القراءة، لا قبل القراءة ولا بعدها.
النصوص تحتوي على علامات وبنى وترتيبات – لكنها لا تحمل معنى يمكن نقله.
11.3 النصوص كترتيب، لا كحاوية
إذا لم تكن النصوص حاويات، فلا بد من فهمها بشكل آخر. فالنصوص هي “ترتيبات” تتيح أو تقترح طرق قراءة معينة. إنها لا تقدم محتوى جاهزًا، بل تخلق شروطًا يصبح فيها المحتوى ذا معنى.
وتعمل هذه الترتيبات من خلال التوجيه، لا من خلال النقل. فهي توجه الانتباه، وتنظم التوقعات، وتفتح فضاءات للمعنى.
11.4 القارئ كمكان لنشوء المعنى – مع ضوابط
لكن نقد مجاز النقل لا يعني أن المعنى يولّد عشوائيًا من القارئ. فالقارئ ليس حرًا في اختلاق أي معنى، بل دوره تكويني ولكنه محدود.
تنظم النصوص الفهم دون أن تحدده تمامًا. وينشأ المعنى من التفاعل بين بنية النص ونشاط القارئ.
فالقارئ ليس مجرد متلقٍ للمعنى، بل “مشارك في نشوئه”.
11.5 لماذا المعلومات ليست معنى
غالبًا ما يدعم مجاز النقل الخلط بين المعلومات والمعنى. فالمعلومات يمكن بالفعل نقلها: بيانات، حقائق، إشارات.
لكن المعنى ليس هو نفسه المعلومات. فالنص قد يحتوي على معلومات كثيرة ويظل بلا معنى – أو العكس.
وتعد هذه التفرقة أساسية لفهم النصوص المؤسسة، التي تقدم توجيهًا قويًا رغم قلة المعلومات.
11.6 البداية كمثال ضد منطق النقل
تُعد بدايات النصوص أكثر الأمثلة وضوحًا على فشل منطق النقل. فهي لا تنقل معلومات، بل تضع إطارًا. تقول القليل، لكنها تفعل الكثير.
فالبداية ليست أول عملية نقل، بل أول توجيه. إنها تفتح فضاءً يصبح فيه النقل – بمعنى المعلومات – ممكنًا ومفهومًا.
11.7 الآثار على نظرية النصوص
إذا كانت النصوص لا تنقل المعنى، فيجب على نظريات النصوص إعادة النظر في مجازاتها الأساسية. فالتواصل ليس إرسالًا، والقراءة ليست فك شفرة، والفهم ليس فتح صندوق.
بدلاً من ذلك، ينبغي أن تُفهم النصوص كفضاءات ممكنة منظمة، حيث يُنتج المعنى، لا يصل فحسب.
11.8 الانتقال: المعنى كحدث
التخلي عن مجاز النقل يؤدي حتمًا إلى تحديد جديد للمعنى: المعنى ليس شيئًا ماديًا، بل “حدثًا”.
وسيتم في الفصل التالي تفصيل هذه الصفة الحدثية للمعنى بشكل منهجي.

الفصل الثاني عشر
المعنى كحدث
بعد أن تبين أن المعنى ليس جوهرًا معطىً ولا محتوى يمكن نقله، تطرح هنا السؤال الحاسم: “فما هو المعنى إذن؟”
الفرضية المركزية لهذا الكتاب تقول: “المعنى هو حدث”.
هذه الصياغة ليست مجازية، بل دقيقة من الناحية النظرية. فالمعنى يحدث – هو شيء يقع، لا شيء موجود مسبقًا. ليس له مكان خارج عملية وقوعه، ولا مدة مستقلة عن الشروط التي ينشأ فيها.
12.1 ضد تجسيم المعنى
في العديد من النظريات، يتم ضمنيًا تجسيم المعنى. فيبدو كما لو أن النصوص “تمتلكه”، أو المؤلف “يقصده”، أو القارئ “يعيد بناءه”. وحتى عندما يُشدد على تبعية المعنى للسياق، غالبًا ما يُفهم على أنه وحدة مستقرة.
منظور الحدث يكسر هذا التصور. فالمعنى ليس شيئًا، ولا محتوى، ولا كيانًا. هو فعل مرتبط بالزمن والبنية، ولا وجود له إلا حيث تتحقق شروط معينة.
بدون هذه الشروط، لا معنى – “فقط علامات”.
12.2 ما المقصود بـ”حدث”؟
مصطلح “الحدث” هنا لا يشير إلى واقعة مثيرة، بل إلى لحظة تأسيسية يظهر فيها شيء جديد فعّالًا. الحدث ليس قابلاً للتكرار العشوائي، بل مرتبط بتكوين محدد.
بالنسبة للمعنى، هذا يعني:
• المعنى “يحدث”،
• ويقع أثناء القراءة،
• ومرتبط بالبنية.
المعنى ليس حالة، بل انتقال: من حالة اللا توجيه إلى حالة التوجيه.
12.3 شروط وقوع المعنى
لكي يحدث المعنى، يجب توافر عدة شروط مجتمعة:
1. إقرار لغوي
يجب أن يضع النص شيئًا – ليس بالضرورة بيانًا، بل ترتيبًا.
2. ترتيب منظم
البداية، التسلسل، الوزن، والتكرار تخلق فضاءً للمعنى.
3. موقف القارئ
يحدث المعنى فقط حيث يُوضع القارئ في موقف محدد.
لا يكفي أي شرط بمفرده؛ فالمعنى ينشأ فقط من التفاعل بين هذه الشروط.
12.4 زمنية المعنى
كونه حدثًا، فإن المعنى جوهريًا مرتبط بالزمن. لا يتكشف دفعة واحدة، بل يتطور أثناء القراءة، وله بداية ومسار وربما تثبيت محتمل.
تُميز هذه الزمنية المعنى عن المعلومات، فالمعلومات قد تكون متاحة دفعة واحدة، أما المعنى فينشأ بالتتابع وبشكلِ عملية.
تلعب البداية دورًا خاصًا: فهي اللحظة الأولى التي يصبح فيها المعنى ممكنًا.
12.5 التكرار والتثبيت
رغم أن المعنى حدثي، فهو ليس زائلًا بالضرورة. عبر التكرار، والأشكال الطقسية، والبنى المستقرة يمكن للمعنى أن يتماسك.
لكن هذا التثبيت ليس عودة إلى الجوهرية؛ فهو نتيجة أحداث متكررة، وليس شرطًا لها. يظل المعنى حدثيًا، حتى لو أصبح مألوفًا.
12.6 المعنى والالتزام
يشير منظور الحدث إلى مسألة الالتزام بالمعنى. فلو كان المعنى يحدث، هل هو إذن عشوائي؟
الجواب: “لا”. فالمعنى حدثي ولكنه مرتبط بالبنية. ليس كل حدث ممكن، ولا كل قراءة مقبولة. تحدد البنية نطاق الحدث دون أن تحكم عليه بالكامل.
وهنا تكمن قوة مفهوم الحدث: فهو يجمع بين الانفتاح والنظام.
12.7 التمييز عن النماذج الذاتية
لا ينبغي خلط مفهوم المعنى كحدث بالذاتية المطلقة. فالمعنى لا يحدث داخل القارئ فقط، بل في الفضاء بين النص والقارئ، الذي تفتحه البنية.
القارئ ليس خالق المعنى، بل “مشارك في وقوعه”.
12.8 الانتقال: من الحدث إلى بنية البداية
إذا كان المعنى حدثًا، يبرز السؤال عن ظهوره الأول. أين يبدأ حدث المعنى؟ ليس عند تفسير محتوى، بل عند أول إقرار بنيوي للنص.
وهكذا تصبح البداية محور التحليل بشكل حاسم.

الفصل الثالث عشر
القارئ كعامل دلالي
لا توجد نظرية للمعنى يمكن أن تتجاهل دور القارئ. وفي الوقت نفسه، هناك خطر مزدوج: إمّا أن يُقلَّل من قيمة القارئ في عملية المعنى، أو أن يُبالَغ في منحه سلطة مطلقة. بينما ركّزت النماذج القديمة على القارئ كمستقبل سلبي، ارتأى بعض المنهجيات الحديثة أن تجعل منه منتجًا متفردًا للمعنى.
يقترح هذا الفصل “طريقًا ثالثًا”: فالقارئ ليس حاملًا لمعنى جاهز، ولا مخترعًا حرًا للمعنى، بل هو “عامل دلالي” – شرط ضروري لوقوع الحدث المعنوي.
13.1 من المستقبل إلى المشارك في الوقوع
في النماذج التمثيلية، يظهر القارئ كمستقبل لمعنى محدد مسبقًا، وتقتصر مهمته على التقاط هذا المعنى بدقة.
لكن الانفكاك عن استعارة النقل يجعل هذا التصور غير قابل للاستمرار. فإذا كانت النصوص لا تنقل معنى، فلا يمكن للقارئ أن يكون مستقبلًا فقط. المعنى يحدث فقط حيث تتم القراءة.
“القارئ إذن ليس نهاية عملية النقل، بل هو موضع الوقوع” للمعنى.
13.2 خطر الذاتوية
ومع ذلك، فإن التركيز على دور القارئ يحمل خطرًا آخر: “الذاتوية”. ففي بعض المناهج الجمالية أو البنيوية التفسيرية، يُنقل المعنى كليًا إلى وعي القارئ، فيصبح النص مجرد مناسبة لتجربة فردية، والمعنى إسقاط للتجارب والتوقعات الشخصية.
هذا الكتاب يرفض هذا الموقف. فالقارئ مهم في تكوين المعنى، لكنه ليس سياديًا عليه.
13.3 القارئ كفاعل منظم
لا يواجه القارئ النص “”كصفحة بيضاء””. بل يوجهه النص نفسه إلى موقف محدد. هذا الموقف ليس معبرًا عنه صراحة، بل يولد ضمنيًا عبر بنية النص.
“النص”:
• ” يفتح توقعات”،
• ” يضع حدودًا”،
• “ويوجّه الانتباه”.
يتصرف القارئ ضمن هذه التوجيهات. حريته ليست في التأويل المطلق، بل في التحرك ضمن ترتيب مسبق.
13.4 موقف القارئ وسلوكه
من المفيد التمييز بين “موقف القارئ” و”سلوكه”.
• ” موقف القارئ” يشير إلى الموقع البنيوي الذي يخصصه النص له.
• “سلوكه” يصف الطريقة العملية التي يتبنى بها هذا الموقف.
الموقف محدد نصيًا، والسلوك قابل للتنوع. المعنى يحدث حيث يلتقي الموقف بالنشاط القارئي.
13.5 البداية كخطاب للقارئ
البداية هي المكان الذي يُخاطب فيه القارئ لأول مرة – غالبًا بدون توجيه مباشر. يقرر النص هنا ما إذا كان القارئ “مراقبًا”، “مشاركًا”، “شاهدًا”، أو “متلقيًا”.
هذه المخاطبة لا تحدث من خلال المعلومات، بل من خلال البنية. إنها “الفعل الأول لتحديد موقف القارئ”.
دون هذه التحديدات، لا يمكن لحدث المعنى أن يقع.
13.6 القارئ وزمن النص
القراءة عملية زمنية. يتحرك القارئ عبر النص، ويعاد توجيهه باستمرار. المعنى لا ينشأ في لحظة واحدة، بل على امتداد العملية.
تلعب البداية دورًا حاسمًا، لأنها تحدد الاتجاه الأول. التعديلات أو التعميق لاحقًا ممكنة، لكنها تبنى على هذه البداية.
13.7 مسؤولية القارئ
تكوين المعنى عملية مشتركة بين النص والقارئ. ومن هنا تنشأ مسؤولية القارئ: “عليه الالتزام بأخذ بنية النص على محمل الجد”.
هذه المسؤولية ليست أخلاقية، بل منهجية. من يتجاهل البنية يفتقد شروط نشوء المعنى.
13.8 الانتقال: من القارئ إلى نوع النص
إذا كان القارئ عاملًا دلاليًا، فالسؤال التالي: هل تخاطب جميع النصوص القارئ بنفس الطريقة؟ من الواضح أن الجواب: “لا”.
الخطوة التالية إذن هي تمييز النصوص حسب دورها الوظيفي في تكوين المعنى، ليصبح “النص التأسيسي” محور الاهتمام.

الفصل الرابع عشر
النصوص المؤسسة: مدخل أولي
ليست جميع النصوص متساوية في مساهمتها في نشوء المعنى. فبعض النصوص “تخبر”، وأخرى “ترفه”، وبعضها “يجادل” أو “يوثق”. إلا أن هناك فئة خاصة من النصوص، تتمثل وظيفتها الأساسية ليس في نقل المحتوى، بل في “تأسيس فضاء للمعنى”.
يقدم هذا الفصل مفهوم “النص المؤسس”، ويحدد معناه بشكل سلبي ومؤقت، لا كتعريف نهائي، بل كنقطة انطلاق يتم توضيحها وتفصيلها لاحقًا.
14.1 لماذا يلزم تصنيف النصوص
إذا كان المعنى “حدثًا” يقع من خلال تفاعل البنية والقارئ، فمن المتوقع أن النصوص المختلفة تهيئ شروطًا مختلفة لهذا الحدث.
نظرية عامة للنصوص تتعامل مع جميع النصوص على حد سواء لن تكون قادرة على التمييز بين هذه الاختلافات. ومن ثم، فهناك حاجة إلى “”تصنيف وظيفي”” يميز النصوص وفق دورها في تكوين المعنى.
14.2 النصوص غير المؤسسة
لتحديد الحدود، يمكن أولًا تسمية النصوص التي ليست مؤسسة، مثل:
• ” كتيبات التشغيل”،
• ” المحاضر”،
• ” التوثيقات التقنية”،
• “الإعلانات المعلوماتية البحتة”.
هذه النصوص تفترض وجود إطار معنوي مسبق. فهي تعمل ضمن ترتيب موجود، لا تنشئه بنفسها، وهدفها هو “الوضوح” لا “التأسيس”.
14.3 التحديد الأول للنصوص المؤسسة
النصوص المؤسسة تختلف جوهريًا عن غيرها. فهي:
• “تفتح فضاءً جديدًا للمعنى”،
• “تضع توجيهات”،
• “تحدد مواقع القارئ”،
• “وتنظم التوقعات”.
إنها لا تجيب بالدرجة الأولى عن أسئلة محددة، بل تجعل الأسئلة نفسها ممكنة. تكمن وظيفتها في “أنّ” التأسيس لا في “ماذا”.
14.4 أمثلة على النصوص المؤسسة
من الأمثلة النموذجية على النصوص المؤسسة:
“النصوص الأدبية”،
“النصوص الدينية”،
“النصوص الفلسفية الأساسية”،
“الوثائق السياسية التأسيسية”.
هذه النصوص تعمل ليس من خلال المعلومات، بل من خلال ترتيب يحدد الإطار الذي يمكن من خلاله قراءة النصوص اللاحقة وفهمها.
14.5 البداية كلحظة تأسيسية
في النصوص المؤسسة، للبداية دور خاص. فهي ليست مجرد المقطع الأول، بل “المكان الذي يُفتَح فيه فضاء المعنى”.
تحدد البداية:
• ما إذا كان النص يُعتبر مؤسسًا،
• الموقف المطلوب من القارئ،
• ونوع المعنى المتوقع.
بدون بداية فعّالة، يبقى النص “فارغًا وظيفيًا”.
14.6 التأسيسية ليست مطلقة
مصطلح “مؤسس” لا يعني أن النص يفرض معنى نهائيًا أو عالميًا. فالنصوص المؤسسة مرتبطة تاريخيًا وثقافيًا وسياقيًا.
تكمن تأسيسيتها في “قدرتها على التنظيم”، لا في صدقها المطلق. إنها توفر “توجيهًا” حتى لو تم تعديله أو نقده لاحقًا.
14.7 العلاقة بالتفسير والنقد
النصوص المؤسسة عرضة للتفسير، تمامًا لأنها لا تنقل محتوى واضحًا. هذه الانفتاحية ليست نقصًا، بل جزء من وظيفتها.
النقد والتفسير يفترضان وجود الفعل التأسيسي. بدون هذا الفعل، لا يوجد ما يُنتقد أو يُفسر.
14.8 الانتقال: من نوع النص إلى بداية النص
بعد هذا المدخل الأول للنصوص المؤسسة، أصبح التركيز واضحًا. الفصول القادمة ستتناول التحليل التفصيلي لبداية النص – “كمكان متميز للمعنى المؤسس”.

الفصل الخامس عشر
البداية بوصفها فعلًا بنائيًا
غالبًا ما يُنظر في النظريات النصية إلى بداية النص على أنها مجرد نقطة انطلاق زمنية، لا تتجاوز كونها بدءً كرونولوجيًا لا قيمة له في البناء العميق للنص. هذا الفصل يعارض تلك النظرة صراحة. فالبداية ليست “قبلاً” محايدًا، بل هي فعل بنائي يضع هيكل النص ويؤسس شروط حدوث المعنى.
إن البداية ليست أول محتوى، بل أول “نظام”.
15.1 الفرق بين “البدء” و”البداية”
ينبغي قبل كل شيء التمييز بين “البدء” و”البداية”.
فالبدء يشير إلى نقطة الانطلاق الفعلية للنص، أما البداية فتعني الفعل البنائي الذي يخلق اتجاهًا ومعيارًا للقراءة.
ليس كل بدء بداية بالمعنى المقصود هنا؛ إذ قد يبدأ النص دون أن “ينطلق” حقًا، كما في التتابع المعلوماتي الخالي من الفرضيات البنيوية.
البداية القوية فعل وظيفي، لا مجرد موضع مكاني.
15.2 البداية فعل توجيه
البداية لا تضع مضامين، بل “تبني اتجاهات”. فهي تحدد:
• ما الذي يعد ذا صلة،
• وما نوع الانتباه المطلوب،
• وفي أي طور ينبغي للقارئ أن يتلقى النص.
وهذا التوجيه لا يجيء تصريحًا، بل يتضمنه البناء نفسه؛ فالبداية لا تشرح كيفية القراءة، لكنها “تفرض” وضعًا قرائيًا محددًا عبر بنيتها.
15.3 البداية كبنية غير متماثلة
تحمل البداية طابعًا من عدم التماثل البنيوي؛ فهي تؤثر فيما يليها بدرجة أكبر مما يؤثر اللاحق عليها. قد تقوم الأجزاء التالية بتعميق البداية أو تعديلها، لكنها نادرًا ما تلغي أثرها تمامًا.
هذه اللاتماثلية تجعل من البداية “موقعًا مميزًا” لتشكل المعنى؛ فهي لحظة أقصى الانفتاح مع أعلى درجات الفاعلية.
15.4 البداية وموقع القارئ
في هذه اللحظة الأولى يتحدد موقع القارئ داخل النص. لا يكون ذلك بالتوجيه المباشر، بل بوسائل بنيوية كـ:
• النبرة،
• درجة التقرير،
• الموقف السردي أو الاحتجاجي.
يدرك القارئ – غالبًا دون وعي – إن كان مدعوًا، أو متحديًا، أو موجهًا، أو مضطربًا. وما يُستقبل في اللحظة الأولى يستمر أثره ما تبقى من القراءة.
15.5 البداية وزمن المعنى
بوصفها فعل تأسيس، تمثل البداية النقطة الزمنية الأولى التي يصبح فيها المعنى ممكنًا. قبلها لا يوجد سوى احتمال غير مشروط.
ومع البداية ينشأ “زمن النص”. فالمعنى يتقدم إلى الأمام انطلاقًا من تلك اللحظة الأولى، لا إلى الوراء.
15.6 قوة تأسيسية بلا مضمون
من المهم ملاحظة أن قوة البداية لا تقوم غالبًا على وفرة المحتوى، بل على البنية.
قد يَرِد في أول النص “جملة أدبية”، أو “سؤال فلسفي”، أو “صيغة دينية”، وهي جميعًا قد تبدو قليلة المعلومات، لكنها قادرة على خلق توجيه قوي.
إن ندرة المضمون هي ما يجعل البداية تأسيسية.
15.7 فرق البداية عن المقدمة
لا تتطابق البداية مع المقدمة؛ فالمقدمة تشرح وتُمهِّد وتُنسّق، أما البداية “فتؤسّس”.
كثير من النصوص تبدأ بالمعنى البنائي قبل اكتمال مقدمتها، وقد يقع بدء النص التأسيسي دون مقدمة أصلًا.
15.8 تمهيد: أشكال البدايات
إذا كانت البداية فعلًا بنائيًا، يبرز السؤال حول الكيفيات التي يتحقق بها هذا الفعل. ليست جميع البدايات سواء، ولا كل بنية تنتج المستوى ذاته من الدلالة.
وعليه، يصبح من الضروري الانتقال إلى “تصنيف لأنماط البدايات”.

الفصل السادس عشر
أنماط البدايات
إذا كانت البداية فعلًا بنائيًا يضع هيكل النص، فإن هذا الفعل لا يتجلى على صورة واحدة، بل يتخذ صيغًا متعددة تختلف باختلاف نوع النص، ووظيفته، وطبيعة المعنى الذي يسعى إلى إتاحته. فالنصوص لا تبدأ اعتباطًا، وإنما تنطلق وفق منطق أدبي ومعرفي يحدد شكل الانبثاق الأول للمعنى.
يقدّم هذا الفصل تصنيفًا وظيفيًا لأنماط البدايات. وهذه الأنماط “نماذج مثالية”، قد تتداخل أو تتجاور في النصوص التطبيقية.
16.1 معايير تحديد الأنماط
يقوم هذا التصنيف على أثر البداية في توليد المعنى، لا على خصائص شكلية بحتة كالطول أو الأسلوب. ولذا تُعد محددات مثل:
• طبيعة التوجيه الذي تؤسسه البداية،
• موقع القارئ داخل النص،
• نسبة الوضوح إلى الانفتاح،
• ديناميكية الزمن الدلالي،
معايير أساسية تتيح التمييز بين الأنماط المختلفة.
16.2 البداية التقريرية
في هذا النمط تُطرح البنية منذ اللحظة الأولى بوضوح صريح؛ فيُذكر الموضوع مباشرة، ويُرسم إطار التأويل دون مواربة.
يشيع هذا الأسلوب في:
• الكتابات العلمية،
• النصوص البرمجية،
• الوثائق القانونية والسياسية.
قوته في وضوحه وثباته، غير أن ثباته نفسه يحدّ من طابع “الحدث الدلالي” الذي تتولد فيه المعاني تدريجيًا، إذ يجعل آفاق التأويل مضبوطة منذ البدء.
16.3 البداية السردية
لا تنطلق البداية السردية من “قول”، بل من “حدث”. يدخل القارئ في مشهد أو لحظة دون تفسير مسبق، فيستدل على السياق من الداخل.
يلائم هذا النمط:
• النصوص الأدبية،
• السرد التاريخي،
• السير والتأملات الأسلوبية.
هنا يتشكل المعنى عبر المعايشة لا عبر الشرح؛ فالتلقي يتحقق بالمشاركة في الحدث أكثر مما يتحقق بالخطاب المباشر.
16.4 البداية الاستفهامية
تفتتح البداية الاستفهامية النص بسؤال لا يقصد الجواب المباشر بقدر ما يفتح أفقًا للإشكال والتفكير.
يُعد هذا النمط قريبًا من:
• النصوص الفلسفية،
• المقالات النقدية،
• التأملات الأخلاقية واللاهوتية.
في هذا السياق يُوضَع القارئ في مقام الشريك المفكّر، ويولد المعنى من حركة البحث لا من يقينية المعطى.
16.5 البداية المفارِقة (البارادوكسية)
تنهض هذه البداية على الإرباك المقصود؛ إذ تقوّض توقعًا مستقرًا أو تجمع بين ما يبدو متعارضًا.
تظهر غالبًا في:
• الفكر الفلسفي التأسيسي،
• التجارب الأدبية،
• النصوص الروحية والوجدانية.
وظيفتها زعزعة النظام المألوف لفتح أفق دلالي جديد، حيث تتحول الحيرة إلى وسيلة توجيه وإعادة بناء.
16.6 البداية الضمنية
هنا لا يُعلن النص عن بدايته بوضوح؛ إذ يبدو وكأنه يبدأ عرضًا، دون مؤشر صريح.
وهو نمط يتكرر في:
• الأدب الحديث،
• النصوص المقطعية،
• الكتابات التي تتسم بانفتاح واسع.
في هذا النوع يتأخر إدراك القارئ أن “البداية حدثت”، مما يجعل لحظة التكوين الدلالي أكثر كثافة وعمقًا حين تتكشف تدريجيًا.
16.7 بدايات مركّبة وهجينة
نادراً ما تظهر هذه الأنماط في صورتها الخالصة؛ فقد يجتمع السرد بالسؤال، أو يتجاور التقرير مع المفارقة. لا يمثّل هذا التداخل ضعفًا، بل يشير إلى تعقّد الاستراتيجية الدلالية.
فالمقصد من التصنيف “ليس الحصر”، بل تنمية الحس التحليلي وتمكين الباحث من قراءة فعل البداية بوصفه آلية تأسيسية.
16.8 علاقة النمط بوظيفة النص
اختيار نوع البداية مرتبط بنوع النص، وبالصورة التي يُراد للقارئ أن يتخذها داخل العملية التأويلية، وبالوجه الذي يتشكل به المعنى.
تميل النصوص التأسيسية إلى استخدام بدايات سردية، أو استفهامية، أو مفارقة، لما تمنحه هذه الأنماط من رحابة وفاعلية دلالية.
16.9 تمهيد: فاعلية البداية في امتداد النص
يمثل هذا التصنيف أداة تحليلية لدراسة البدايات، ويبقى السؤال التالي: “ما مدى استمرار تأثير البداية في النص؟ وكيف تتطور بصمتها البنيوية مع تقدّم القراءة؟”
هذا ما ستتجه إليه الفصول اللاحقة.

الفصل السابع عشر
مدى فاعلية البداية في النص
تُمثّل البداية في كل نص حدثًا تأسيسيًا، غير أن الحدث يثير دائمًا سؤال الزمن: هل تنحصر فاعلية البداية في لحظة ظهورها الأولى؟ أم أنها تمتد، بوصفها بنية مُوَجِّهة، عبر مسار القراءة بأكمله؟
ينطلق هذا الفصل من فرضية مفادها أن البداية لا تنقضي بانقضاء قراءتها، بل تبقى “أثرًا بنائيًا” يعمل في النص بصفة كامنة. فقد تغيب عن السطح، لكنها لا تفقد تأثيرها.
17.1 البداية كبنية زمنية
لا يُقاس أثر البداية بالقرب الزمني، ولا ينخفض بالضرورة مع تقدّم القراءة. إنما يتغيّر شكله عبر المراحل:
• يظهر في البداية واضحًا صريحًا،
• ثم يتحول إلى حضور ضمني،
• ليغدو أخيرًا خلفية هيكلية تحكم بناء المعنى.
وهذا التحول بين الظهور والخفاء عنصر أساس في دينامية النص.
17.2 أفق التوقع
تُنشئ البداية، منذ اللحظة الأولى، “أفق توقّع” يُحدّد ما يمكن أن يبدو معقولًا داخل النص. ومن خلاله تتشكل:
• صور التطور المقبولة،
• إمكان حدوث الانقطاع الدلالي،
• ومساحة المفاجأة المسموح بها للكاتب.
قد يؤكَّد هذا الأفق أو يتغيّر أو يُخترق، لكنه نادرًا ما يُمحى تمامًا.
17.3 التحقق والتعديل والانفصال
يظهر استمرار أثر البداية عبر ثلاث صور مركزية:
التحقق
حين يتابع النص تطوير ما ابتدأ به دون انحراف.
التعديل
حين يُعاد تشكيل البداية جزئيًا دون نقضها.
الانفصال
حين يتعارض النص لاحقًا مع ما بدأ منه، غير أن هذا التعارض ذاته “يفترض” وجود البداية التي ينفصل عنها.
في هذه الحالات جميعًا تظل البداية فاعلة.
17.4 البداية كمقياس ضمني
تغدو البداية – كلما تقدم النص – معيارًا خفيًا تقاس إليه العناصر الجديدة. فالتلقي يقارن دون وعي بين اللاحق والسابق، ويُدرك الانسجام والانحراف قياسًا على اللحظة الأولى.
حتى حين ينفتح النص في مسارات غير متوقعة، يعود القارئ ذهنيًا إلى نقطة الانطلاق بوصفها مرجعًا أول.
17.5 عودة البداية
تتجلى عودة البداية بطرق متعددة، منها:
• تكرار الرموز أو الصور،
• البنية العاكسة (المرايا الأسلوبية(،
• التلميح أو الاستدعاء الموضوعي.
هذه العودة ليست تقنية شكلية فحسب، بل دليل على مركزية البداية في النسيج الدلالي.
17.6 البداية والنهاية
تبدو العلاقة بين البداية والنهاية جوهرية في فهم النص. فالنهاية المكتملة لا تُلغي البداية، بل “تختمها” وتحولها إلى معنى مُنجز. وبذلك يصبح اكتمال النهاية مؤسسًا على وجود بداية واضحة.
فمن دون بداية، لا تكون النهاية إلا توقفًا عارضا.
17.7 حدود الأثر الأول
على الرغم من قوة البداية، فإن سلطانها ليس مطلقًا. قد يتجاوزها النص أو يسخر منها أو يضع بدايات متعدّدة تكسر وحدتها. ومع ذلك، فإن هذا الكسر لا يكون إلا بالرجوع إليها.
وتبلغ حدود الأثر حين يتقصّد الكاتب تفكيك مفهوم “البداية” نفسه، أو يعيد إنتاجه في طبقات متتالية.
17.8 تمهيد للباب التالي
إذا كانت البداية تمتلك هذه الاستمرارية، فإن سؤالًا آخر يبرز: هل تُمارس البداية سلطة معيارية داخل النص؟ وهل تشكّل إطارًا لما يعدّ مناسبًا أو دالًا أو صحيح التأويل؟
هذا ما يمهّد للانتقال إلى الفصل الآتي.

الفصل الثامن عشر
البداية بوصفها عاملاً معيارياً
إن بداية النص ليست مجرّد إشارة افتتاحية تهدي القارئ إلى الطريق، بل هي فعل يؤسّس لمعايير دلالية تتحكم في مسار القراءة دون تصريح مباشر. فهي لا تفرض شرائع أو أحكاماً أخلاقية، بل ترسم ـ في المستوى العميق ـ ما يعدّ لاحقاً “مقبولًا” أو “منسجماً” أو “محتمل التأويل”.
فالبداية لا تضع قواعد، لكنها تُنشئ شروطاً لفاعلية المعنى.
18.1 معيارية بلا قواعد
غالباً ما تُقرن المعيارية بمجموعة من الأوامر أو الشروط المعلنة، غير أنّ البداية تعمل بطريقة مغايرة؛ إذ تمارس معياريتها بصورة ضمنية، من خلال البناء لا من خلال الإلزام.
ومن خلالها تتحدد ـ دون ضجيج ـ أسئلة من قبيل:
“ما الذي يُعدّ منسجماً مع سياق النص؟”
“متى يُقبل الانحراف؟”
“وأي قراءة يمكن عدّها شرعية؟”
وتسبق هذه القوة المعيارية كل احتجاج لاحق أو تفسير مضمون.
18.2 البداية مقياساً للملاءمة
يمضي النص في تتابعه، ويبقى القارئ ـ أحياناً دون وعي كامل ـ يقيس كل جديد على ما رسّخته البداية. فالملاءمة ليست حكماً موضوعياً خالصاً، إنما هي ميزان يتشكل عند أول انفتاح للمعنى.
هكذا تصبح البداية مرجعاً داخلياً يُتوقَّع معه امتداد معيّن، وتُستبعد منه مسارات تبدو غريبة أو نافرة.
18.3 معيارية البداية وتماسُك القارئ مع النص
تتبدّى قوة البداية المعيارية أوضح ما تكون في علاقة القارئ بالنص؛ فقبوله لمعاييرها ـ ولو بالصمت ـ هو ما يسمح له بالاستمرار في القراءة.
وليست هذه الاستجابة خضوعاً، بل نوعاً من الاتفاق العملي: من يرفض شروط البداية يفقد القدرة على مسايرة النص أو تفسيره.
18.4 بين المعيارية والحرية
لا تعارض بين سلطة البداية وحرية القارئ؛ فالمعيارية لا تعني قيداً اعتباطياً، وإنما إطاراً يجعل الحركة ممكنة.
إذ لا تتحقق حرية القراءة إلا داخل نسق ما، فمن دون معيار تصبح الحدود بين المعنى و اللا معنى متلاشية.
وعليه، فإن الحرية في التأويل هي حرية منظمة لا فوضى مفتوحة.
18.5 شرعية القطيعة
لا تقتصر معيارية البداية على إنتاج الاتساق، بل تمنح كذلك إمكان القطيعة. فالنص يستطيع أن يفاجئ ويكسر التوقعات، غير أنّ قيمة هذا الكسر لا تظهر إلا باعتبار ما سبق تأسيسه.
فالمخالفة لا معنى لها بلا قاعدة، والخرق لا يُفهم إلا مقابل نسق سابق.
18.6 معيارية بلا سلطة شخصية
إن النفاذ المعياري للبداية لا يرجع إلى إرادة المؤلف وحده، بل إلى فعالية البنية ذاتها. فحتى النصوص المجهولة أو الجماعية أو التاريخية تمارس معيارية مماثلة متى كانت بداياتها محكمة.
فالمقصود إذن معيارية نابعة من النص، لا من سلطة منتجه.
18.7 مقارنة بين النصوص المنشئة للمعيار وغيرها
تستند بعض النصوص في معياريتها إلى نظم خارجية كالأعراف والمؤسسات والمعايير الأكاديمية. فهذه النصوص تفترض المعيار، ولا تخلقه.
أما النصوص التأسيسية فهي التي تبتكر معيارها الخاص، وتشكّله عند البداية نفسها.
18.8 تمهيداً للفصل التالي
إذا كانت البداية تمتلك قوة معيارية فعالة، فماذا يحدث حين تفشل في أداء هذا الدور؟
ومتى يتحول البدء إلى “بداية خاطئة” تفقد النص تماسكه؟
هذه الأسئلة تقودنا إلى الفصل التالي.

كيف يتولّد المعنى دلالياً 02