لَم يَقُلْها لِأَحَدٍ
الفصل الثالث
الْتَقَيَا هذِهِ المَرَّةَ فِي مَقهًى قَرِيبٍ مِنَ المَكتَبَةِ المَركَزِيَّةِ، بِطَلَبٍ مِن نُورٍ، بَعدَ أَن أَرسَلَت إِلَيهِ نَصًّا طَوِيلًا عَن أُمِّها الَّتِي لَم تُكَلِّمْها مُنذُ سَنَتَينِ.
جَلَسا عِندَ النّافِذَةِ. كانَت نُورُ أَكثَرَ جِدِّيَّةً مِنَ المَرَّةِ الأُولَى، وَكَأَنَّ النَّصَّ الَّذِي أَرسَلَتْهُ فَتَحَ فِيها بابًا لَم تَكُن تُخَطِّطُ لِفَتحِهِ بِهذِهِ السُّرعَةِ.
— نور: أَقَرَأتَ النَّصَّ؟
— سامر: قَرَأتُهُ مَرَّتَينِ. بِصَراحَةٍ، هُوَ قاسٍ، لكِنَّهُ صادِقٌ إِلَى دَرَجَةِ الوَجَعِ.
— نور: أُمِّي ما زالَت تَظُنُّنِي هَرَبتُ مِنَ العائِلَةِ، لا أَنَّنِي اختَرتُ حَياتِي. وَكُلَّما حاوَلتُ أَن أُفَهِّمَها، ازدادَ الجُرحُ اتِّساعًا.
صَمَتَت قَلِيلًا، ثُمَّ نَظَرَت إِلَيهِ مُباشَرَةً، بِطَرِيقَةٍ كَشَفَت أَنَّها لَم تَدْعُهُ لِيَتَحَدَّثَ عَن أُمِّها وَحدَها.
— نور: سامِر، أُرِيدُ أَن أَسأَلَكَ سُؤالًا، وَرُبَّما لا يُعجِبُكَ.
— سامر: اسأَلِي.
— نور: أَنا وَأَنتَ، مُنذُ أَوَّلِ يَومٍ تَعارَفنا فِيهِ، نَتَحَدَّثُ عَن كُلِّ شَيءٍ إِلّا شَيئًا واحِدًا: ماذا أَكُونُ بِالضَّبطِ بِالنِّسبَةِ إِلَيكَ؟ صَدِيقَةٌ؟ قارِئَةٌ لِنُصُوصِكَ؟ أَم شَيءٌ آخَرُ لا تَجرُؤُ عَلَى تَسمِيَتِهِ؟
لَم يُجِب سامِر فَورًا. نَظَرَ إِلَى الفِنجانِ أَمامَهُ، ثُمَّ إِلَيها.
— سامر: بِصَراحَةٍ؟ لا أَعرِفُ. لكِنِّي أَعرِفُ شَيئًا واحِدًا: تَحَدَّثتُ مَعَ لَيلَى عَنكِ.
تَوَقَّعَت نُور كُلَّ شَيءٍ إِلّا هذا. ارتَسَمَت عَلَى وَجهِها دَهشَةٌ صادِقَةٌ.
— نور: أَخبَرتَها؟ لِماذا؟
— سامر: لِأَنَّها سَأَلَتنِي مُباشَرَةً، وَلَم أَستَطِع أَن أَكذِبَ عَلَيها. وَقالَت لِي شَيئًا لا أَعرِفُ كَيفَ أَنساهُ: قالَت إِنَّ الارتِياحَ الَّذِي أَشعُرُ بِهِ مَعَكِ رُبَّما لَيسَ بِسَبَبِكِ أَنتِ بِالذّاتِ، بَل لِأَنَّهُ لا تارِيخَ ثَقِيلٌ بَينَنا بَعدُ.
فَكَّرَت نُور فِي الجُملَةِ لِلَحظَةٍ، ثُمَّ ابتَسَمَت ابتِسامَةً لا تَخلُو مِن مَرارَةٍ.
— نور: زَوجَتُكَ أَذكَى مِمّا تَوَقَّعتُ. وَبِصَراحَةٍ، يَصعُبُ أَن أَختَلِفَ مَعَها.
— سامر: أَيَعنِي هذا مُوافَقَةً عَلَى كَلامِها؟
— نور: مُوافَقَةٌ جُزئِيَّةٌ. أَنا أَعرِفُ أَنَّ أَيَّ شَيءٍ بَينِي وَبَينَكَ، إِن حَدَثَ، سَيَحتاجُ وَقتًا وَثَمَنًا لِيَصِيرَ حَقِيقِيًّا كَما هُوَ الحالُ بَينَكَ وَبَينَ لَيلَى. لكِنَّ هذا لا يُلغِي أَنَّ هُناكَ شَيئًا حَقِيقِيًّا الآنَ، وَإِن كانَ خَفِيفًا.
نَظَرَت مِنَ النّافِذَةِ لِلَحظَةٍ، ثُمَّ عادَت إِلَيهِ.
— نور: سامِر، لَستُ هُنا لِآخُذَكَ مِن بَيتِكَ. أَعرِفُ كَم هِيَ الحُرِّيَّةُ غالِيَةٌ، وَقَد دَفَعتُ ثَمَنَها وَحدِي. لَن أَطلُبَ مِن أَحَدٍ أَن يَدفَعَ الثَّمَنَ عَنِّي. لكِنِّي أُرِيدُ مِنكَ شَيئًا واحِدًا فَقَط: لا تَستَخدِمنِي طَرِيقَةً لِلهُرُوبِ مِن قَرارٍ يَجِبُ أَن تَتَّخِذَهُ وَحدَكَ.
كانَتِ الجُملَةُ أَقرَبَ إِلَى صَدًى لِما قالَهُ مازِن قَبلَ أَيّامٍ، وَشَعَرَ سامِر بِشَيءٍ يُشبِهُ الدُّوارَ مِن هذا التَّقاطُعِ.
سامِر يُحَدِّثُ نَفسَهُ
قالَت نُور الجُملَةَ نَفسَها تَقرِيبًا الَّتِي قالَها مازِن، بِكَلِماتٍ مُختَلِفَةٍ: لا تَجعَلْنِي وَسِيلَةَ هُرُوبٍ مِن قَرارٍ هُوَ مِلكُكَ وَحدَكَ.
حِينَ يَقُولُ لِي شَخصانِ مُختَلِفانِ، مِن عالَمَينِ مُختَلِفَينِ تَمامًا، الحَقِيقَةَ نَفسَها، أَعرِفُ أَنَّ الوَقتَ قَد حانَ لِأَتَوَقَّفَ عَنِ التَّذَرُّعِ بِالحَيرَةِ.
الحَقِيقَةُ أَنَّنِي لَستُ حائِرًا بَينَ امرَأَتَينِ. أَنا حائِرٌ بَينَ نُسخَتَينِ مِنِّي: النُّسخَةِ الَّتِي بَنَت حَياةً كامِلَةً بِصَبرٍ وَثَباتٍ، وَالنُّسخَةِ الَّتِي ما زالَت، رَغمَ كُلِّ شَيءٍ، تَخافُ أَن تَكُونَ قَد بَنَت هذِهِ الحَياةَ لِأَنَّها الأَسهَلُ، لا لِأَنَّها الأَصدَقُ.
نُور مُحِقَّةٌ فِي شَيءٍ واحِدٍ عَلَى الأَقَلِّ: لَيسَ مِنَ العَدلِ أَن أَجعَلَها مِرآةً أَنظُرُ فِيها إِلَى نَفسِي، دُونَ أَن أَمنَحَها الحَقَّ فِي أَن تَكُونَ شَيئًا واضِحًا فِي حَياتِي: إِمّا حاضِرَةً بِكُلِّ ثِقَلِها، أَو غائِبَةً بِكُلِّ وُضُوحٍ. البَقاءُ فِي المُنتَصَفِ ظُلمٌ لَها، وَلِلَيلَى، وَلِي أَنا.
لَم أَقُل هذا لِأَحَدٍ بَعدُ. لكِنَّنِي، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، بَدَأتُ أَشعُرُ أَنَّ السُّؤالَ لَم يَعُد «ماذا أُرِيدُ؟»، بَل «كَم مِنَ الوَقتِ سَأَستَمِرُّ فِي تَأجِيلِ الجَوابِ؟»
* * *
كانَ فِي البَيتِ وَلَدانِ: يُوسُف، فِي السّادِسَةَ عَشرَةَ مِن عُمرِهِ، الَّذِي بَدَأَ يَقضِي وَقتًا أَطوَلَ فِي غُرفَتِهِ مُنذُ فَترَةٍ، وَكرِستِين، ذاتُ الاثنَي عَشَرَ عامًا، الَّتِي وُلِدَت فِي أَلمانِيا وَلا تَعرِفُ سُورِيا إِلّا مِن صُوَرٍ قَدِيمَةٍ وَحِكاياتٍ مُتَقَطِّعَةٍ.
لاحَظا التَّوَتُّرَ قَبلَ أَن يَفهَماهُ. يُوسُف صارَ يَتَجَنَّبُ الجُلُوسَ عَلَى الطّاوِلَةِ طَوِيلًا، وَكرِستِين، الأَكثَرُ جُرأَةً مِن أَخِيها، قَرَّرَت أَن تَسأَلَ مُباشَرَةً.
فِي أَحَدِ الأَيّامِ، بَينَما كانَت تُساعِدُ أَباها فِي تَرتِيبِ مَكتَبَتِهِ، تَوَقَّفَت فَجأَةً.
— كريستين: بابا، أَنتَ وَماما… كُلُّ شَيءٍ عَلَى ما يُرامُ بَينَكُما؟
فُوجِئَ سامِر بِالسُّؤالِ، وَحاوَلَ أَن يَبدُوَ طَبِيعِيًّا.
— سامر: بِالطَّبعِ يا حَبِيبَتِي، لِماذا سَأَلتِنِي هكَذا؟
— كريستين: لِأَنَّكُما لَم تَعُودا تَتَحَدَّثانِ كَثِيرًا عَلَى الطّاوِلَةِ. وَماما صارَت تُغلِقُ بابَ غُرفَتِها أَكثَرَ مِن ذِي قَبلُ. وَأَنتَ صِرتَ تَخرُجُ إِلَى الشُّرفَةِ وَحدَكَ كَثِيرًا.
لَم يَكُن بِإِمكانِهِ أَن يُقَلِّلَ مِن دِقَّةِ مُلاحَظَتِها. الأَطفالُ، رَغمَ صِغَرِ أَعمارِهِم، يَلتَقِطُونَ ما يَفشَلُ الكِبارُ أَحيانًا فِي إِخفائِهِ.
— سامر: بِصَراحَةٍ يا كرِستِين، هُناكَ بَعضُ التَّوَتُّرِ بَينِي وَبَينَ ماما هذِهِ الفَترَةَ. لكِنَّهُ لَيسَ أَمرًا خَطِيرًا، وَلا داعِيَ لِلقَلَقِ.
— كريستين: لكِن لِماذا لا تَتَحَدَّثانِ أَمامَنا؟ صَدِيقاتِي فِي المَدرَسَةِ، يَتَشاجَرُ أَهلُهُنَّ أَمامَهُنَّ عادِيًّا، وَيَحدُثُ حِوارٌ وَتَحدُثُ مُصالَحَةٌ، وَهُنَّ يَعرِفنَ ما يَجرِي بِالضَّبطِ. أَمّا عِندَنا هُنا، فَكُلُّ شَيءٍ مُخَبَّأٌ، وَهذا أَكثَرُ ما يُخِيفُنِي.
تَوَقَّفَ سامِر عَن تَرتِيبِ الكُتُبِ، وَجَلَسَ عَلَى الأَرضِ إِلَى جانِبِها.
— سامر: رُبَّما مَعَكِ حَقٌّ. نَحنُ كَبِرنا فِي ثَقافَةٍ تَقُولُ إِنَّ المَشاكِلَ تُحَلُّ بَعِيدًا عَن عُيُونِ الأَولادِ، حَتَّى لا نُحَمِّلَكُم هَمًّا إِضافِيًّا. لكِنْ رُبَّما نَصنَعُ بِذلِكَ هَمًّا أَكبَرَ: هَمَّ المَجهُولِ.
— كريستين: أَنا أُفَضِّلُ أَن أَعرِفَ حَتَّى لَو كانَ المَوضُوعُ صَعبًا، عَلَى الأَقَلِّ أَعرِفُ ما يَجرِي. لَيسَ كَما الآنَ، أَشعُرُ أَنَّ هُناكَ شَيئًا كَبِيرًا يَحدُثُ وَلَن يُخبِرَنِي بِهِ أَحَدٌ.
شَعَرَ سامِر بِشَيءٍ يُشبِهُ الخَجَلَ. طَوالَ حَياتِهِ، كانَ يَعتَقِدُ أَنَّ حِمايَةَ أَبنائِهِ تَعنِي إِخفاءَ الاضطِرابِ عَنهُم بِالكامِلِ، لا مُشارَكَتَهُم مِنهُ بِقَدرِ ما يَحتَمِلُونَ.
— سامر: أَعِدُكِ، حِينَ يَتَّضِحُ الأَمرُ أَكثَرَ، سَنَتَحَدَّثُ مَعَكِ وَمَعَ يُوسُف مَعًا، بِصَراحَةٍ أَكثَرَ مِمّا كُنّا نَفعَلُ.
— كريستين: لكِن وَعدٌ حَقِيقِيٌّ، لا وَعدٌ كَالَّذِي يُقالُ لِلأَطفالِ لِيَسكُتُوا فَقَط.
ابتَسَمَ سامِر رَغمَ ثِقَلِ اللَّحظَةِ.
— سامر: وَعدٌ حَقِيقِيٌّ.
سامِر يُحَدِّثُ نَفسَهُ
كرِستِين وُلِدَت هُنا. لَم تَعرِف الصَّمتَ الَّذِي فَرَضَتهُ عَلَينا سُورِيا، وَلَم تَتَعَلَّم أَنَّ السُّكُوتَ شَكلٌ مِن أَشكالِ الحِمايَةِ. لِهذا استَطاعَت أَن تَسأَلَنِي سُؤالًا بِهذِهِ البَساطَةِ وَالمُباشَرَةِ، بَينَما نَحنُ، جِيلُها الَّذِي جاءَ مِن هُناكَ، ما زِلنا نَعتَقِدُ أَنَّ حِمايَةَ مَن نُحِبُّ تَعنِي إِخفاءَ الحَقِيقَةِ عَنهُم.
رُبَّما هذا أَعمَقُ فَرقٍ بَينَ جِيلِي وَجِيلِ أَبنائِي هُنا: نَحنُ وَرِثنا صَمتًا كانَ شَرطَ بَقاءٍ فِي بَلَدٍ لا يُسامِحُ عَلَى الكَلامِ. هُم، إِن لَم نَتَنَبَّه، سَيَرِثُونَ مِنّا الصَّمتَ نَفسَهُ، لكِن بِلا أَيِّ مُبَرِّرٍ حَقِيقِيٍّ لَهُ هُنا، فِي مَكانٍ يُمكِنُ فِيهِ أَن نَتَكَلَّمَ دُونَ خَوفٍ مِن ثَمَنٍ سِياسِيٍّ، وَإِنَّما لا نَجرُؤُ عَلَى دَفعِ ثَمَنٍ عاطِفِيٍّ.
وَعَدتُ كرِستِين بِالصِّدقِ. لا أَعرِفُ بَعدُ كَيفَ سَأَفِي بِهذا الوَعدِ، لِأَنَّنِي لَم أَصِل بَعدُ إِلَى صِدقٍ كامِلٍ مَعَ نَفسِي. لكِنَّنِي أَعرِفُ أَنَّ استِمرارِي فِي حِمايَةِ الأَطفالِ بِالصَّمتِ لَم يَعُد يَحمِيهِم، بَل يُعَلِّمُهُم أَن يَخافُوا مِنَ المَجهُولِ أَكثَرَ مِمّا نَخافُ نَحنُ مِنَ الحَقِيقَةِ نَفسِها.
* * *
بَعدَ شُهُورٍ طَوِيلَةٍ مِنَ المُعامَلاتِ وَالانتِظارِ، وَصَلَت خالَةُ لَيلَى، أُمُّ وَلِيد، إِلَى أَلمانِيا عَبرَ بَرنامَجِ لَمِّ الشَّملِ. كانَت امرَأَةً فِي أَواخِرِ السِّتِّينِيّاتِ مِن عُمرِها، حَمَلَت مَعَها حَقِيبَتَينِ كَبِيرَتَينِ، وَذاكِرَةً كامِلَةً لَم تَتَغَيَّر رَغمَ كُلِّ ما تَغَيَّرَ حَولَها.
فِي المَطارِ، احتَضَنَت لَيلَى طَوِيلًا، وَبَكَت دُونَ أَن تُحاوِلَ إِخفاءَ ذلِكَ.
— الخالة: يا بِنتِي، رَأَيتُكِ صِرتِ امرَأَةً أُخرَى. شَكلُكِ مُرتاحٌ، لكِنَّ فِي عَينَيكِ شَيئًا تَعِبًا.
— ليلى: خالَتِي، أَنتِ لِتَوِّكِ وَصَلتِ، دَعِينا نُرِيحُكِ الآنَ، سَنَتَحَدَّثُ لاحِقًا.
فِي البَيتِ، وَبَعدَ أَيّامٍ قَلِيلَةٍ مِنَ الاستِقرارِ، بَدَأَتِ الخالَةُ تُلاحِظُ إِيقاعَ الحَياةِ الجَدِيدِ: سامِر يَخرُجُ باكِرًا، وَلَيلَى تَتَحَدَّثُ بِلُغَةٍ تُخالِطُها الأَلمانِيَّةُ أَحيانًا، وَالأَولادُ يَتَحَدَّثُونَ فِيما بَينَهُم بِالأَلمانِيَّةِ أَكثَرَ مِنَ العَرَبِيَّةِ.
فِي إِحدَى الأُمسِيّاتِ، بَينَما كانَت تُساعِدُ لَيلَى فِي المَطبَخِ، قالَت فَجأَةً.
— الخالة: لَيلَى، بِصَراحَةٍ، الجَوُّ فِي البَيتِ مُختَلِفٌ عَمّا كُنتُ أَتَخَيَّلُهُ. أَشعُرُ أَنَّكِ وَسامِر… لا أَعرِفُ كَيفَ أَقُولُها… بَعِيدانِ قَلِيلًا عَن بَعضِكُما.
— ليلى: خالَتِي، كُلُّ زَواجٍ يَمُرُّ بِمَراحِلَ. نَحنُ بِخَيرٍ.
— الخالة: يا بِنتِي، عِشتُ أَربَعِينَ سَنَةً مَعَ خالِكِ، رَحِمَهُ اللهُ. أَعرِفُ الفَرقَ بَينَ بَيتٍ فِيهِ هُدُوءٌ وَبَيتٍ فِيهِ سُكُوتٌ. وَهذا البَيتُ فِيهِ سُكُوتٌ، لا هُدُوءٌ.
تَوَقَّفَت لَيلَى عَنِ العَمَلِ لِلَحظَةٍ.
— ليلى: خالَتِي، بَلَدُنا كانَ أَسهَلَ فِي مِثلِ هذِهِ المَواضِيعِ. الرَّجُلُ يَعمَلُ، وَالمَرأَةُ تُرَبِّي، وَلا أَحَدَ يَسأَلُ نَفسَهُ أَسئِلَةً كَبِيرَةً عَنِ السَّعادَةِ. هُنا، كُلُّ شَيءٍ يَجِبُ أَن يَكُونَ مِثالِيًّا، وَكُلُّ شَيءٍ يَجِبُ أَن نَتَحَدَّثَ عَنهُ، وَهذا مُتعِبٌ.
— الخالة: لكِن يا بِنتِي، نَحنُ كُنّا نَتَحَمَّلُ أَكثَرَ، لا لِأَنَّنا كُنّا أَسعَدَ. كُنّا نَتَحَمَّلُ لِأَنَّهُ لَم يَكُن هُناكَ خِيارٌ آخَرُ. أَنتِ الآنَ لَدَيكِ خِياراتٌ، وَهذا أَمرٌ جَيِّدٌ، لكِنَّهُ يُخِيفُ أَيضًا.
جَلَستا مَعًا، وَكانَ الصَّمتُ بَينَهُما هذِهِ المَرَّةَ مُختَلِفًا: صَمتَ تَفكِيرٍ، لا صَمتَ تَجَنُّبٍ.
— الخالة: أُرِيدُ أَن أَسأَلَكِ سُؤالًا رُبَّما لا يُعجِبُكِ: هَل ما زِلتِ تُحِبِّينَهُ؟
— ليلى: أُحِبُّهُ، خالَتِي. لكِنِّي صِرتُ خائِفَةً مِن أَنَّ المَحَبَّةَ وَحدَها لَيسَت كافِيَةً. صِرتُ مُحتاجَةً إِلَى شَيءٍ آخَرَ، لا أَعرِفُ كَيفَ أُسَمِّيهِ.
— الخالة: هذا اسمُهُ الاحتِرامُ، يا بِنتِي. المَحَبَّةُ تَجعَلُ القَلبَ دافِئًا، لكِنَّ الاحتِرامَ هُوَ ما يُبقِي البَيتَ قائِمًا.
لَم تُجِب لَيلَى، لكِنَّ الجُملَةَ استَقَرَّت فِيها كَبَذرَةٍ سَتَنمُو بِبُطءٍ فِي الفُصُولِ القادِمَةِ.
سامِر يُحَدِّثُ نَفسَهُ
سَمِعتُ جُزءًا مِن هذا الحَدِيثِ عَرَضًا، مِن خَلفِ البابِ، دُونَ قَصدٍ. لَم أَتَدَخَّل، لِأَنَّنِي شَعَرتُ أَنَّ هذا حَدِيثٌ لا يَخُصُّنِي، رَغمَ أَنَّهُ يَتَحَدَّثُ عَنِّي بِشَكلٍ مُباشِرٍ.
قالَتِ الخالَةُ إِنَّ بَيتَنا فِيهِ سُكُوتٌ لا هُدُوءٌ. هذا وَصفٌ أَدَقُّ مِمّا أُحِبُّ أَن أَعتَرِفَ بِهِ. لَطالَما اعتَقَدتُ أَنَّ الهُدُوءَ وَالسُّكُوتَ شَيءٌ واحِدٌ، لِأَنَّ كِلَيهِما لا يُصدِرُ صَوتًا. لكِنَّ الفَرقَ، كَما أَدرَكتُ الآنَ، هُوَ فِي ما يَحدُثُ تَحتَهُما: الهُدُوءُ يَعنِي أَنَّ كُلَّ شَيءٍ استَقَرَّ لِأَنَّهُ وُضِعَ فِي مَكانِهِ الصَّحِيحِ. أَمَّا السُّكُوتُ فَيَعنِي أَنَّ كُلَّ شَيءٍ مُعَلَّقٌ، يَنتَظِرُ أَن يُقالَ، لكِنَّهُ لَم يُقَل بَعدُ.
قالَتِ الخالَةُ أَيضًا إِنَّ الاحتِرامَ هُوَ ما يُبقِي البَيتَ واقِفًا، لا الحُبُّ وَحدَهُ. أَتَساءَلُ الآنَ: هَل ما زِلتُ أَحتَرِمُ لَيلَى بِالقَدرِ نَفسِهِ الَّذِي أُحِبُّها بِهِ؟ أَم أَنَّنِي، فِي مَكانٍ ما، بَدَأتُ أَنظُرُ إِلَيها بِشَفَقَةٍ أَكثَرَ مِن احتِرامٍ، لِأَنَّنِي أَعرِفُ أَشياءَ عَن نَفسِي لا تَعرِفُها هِيَ بَعدُ؟
هذا سُؤالٌ لَم أَطرَحْهُ عَلَى نَفسِي مِن قَبلُ، وَأَعتَقِدُ أَنَّهُ أَخطَرُ مِن كُلِّ الأَسئِلَةِ الَّتِي طَرَحتُها حَتَّى الآنَ.
* * *
رَنَّ الهاتِفُ فِي وَقتٍ مُتَأَخِّرٍ مِنَ المَساءِ. كانَ المُتَّصِلُ خالِدًا، شَقِيقَ سامِر الأَكبَرَ، الَّذِي بَقِيَ فِي دِمَشقَ حِينَ غادَرَ سامِر إِلَى أَلمانِيا.
جاءَ الصَّوتُ مُتَقَطِّعًا، كَما هُوَ الحالُ دائِمًا حِينَ يَكُونُ الاتِّصالُ عَبرَ الإِنتَرنِت فِي حَيٍّ ما زالَتِ الكَهرَباءُ فِيهِ مَسأَلَةَ تَفاوُضٍ يَومِيٍّ.
— خالد: سامِر؟ صَوتُكَ واضِحٌ اليَومَ، الحَمدُ للهِ.
— سامر: الحَمدُ للهِ، يا خالِد. كَيفَ حالُكَ؟ كَيفَ الوَضعُ عِندَكُم؟
— خالد: كَما هُوَ، لا أَحسَنَ وَلا أَسوَأَ. الكَهرَباءُ تَأتِي أَربَعَ ساعاتٍ فِي اليَومِ، وَصِرنا نُرَتِّبُ حَياتَنا حَولَها. لكِنَّ المُهِمَّ أَنَّكُم بِخَيرٍ هُناكَ.
شَعَرَ سامِر، كَما يَحدُثُ فِي كُلِّ مُكالَمَةٍ تَقرِيبًا، بِذلِكَ الثِّقلِ المَألُوفِ: امتِنانٌ لِأَنَّهُ بَعِيدٌ عَن كُلِّ هذا، وَذَنبٌ لِأَنَّهُ بَعِيدٌ عَن كُلِّ هذا.
— سامر: خالِد، بِصَراحَةٍ، أَشعُرُ بِالذَّنبِ كُلَّما حَدَّثتَنِي عَنِ الكَهرَباءِ وَالوَضعِ، وَأَنا هُنا جالِسٌ فِي أَمانٍ.
— خالد: سامِر، دَعكَ مِن هذا الكَلامِ. أَنتَ لَم تَهرُب، أَنتَ نَجَوتَ. وَلا داعِيَ لِأَن تَحمِلَ ذَنبَ نَجاتِكَ.
قالَها خالِد بِهُدُوءِ رَجُلٍ تَعِبَ مِنَ الشَّرحِ، لكِنَّهُ ما زالَ يُكَرِّرُهُ كُلَّما شَعَرَ أَنَّ أَخاهُ بِحاجَةٍ إِلَى سَماعِهِ.
— سامر: لكِن أَحيانًا أَشعُرُ أَنَّهُ لَم يَكُن يَنبَغِي أَن أَرحَلَ. كُنتُ أَستَطِيعُ أَن أَبقَى، أُساعِدَ، أَكُونَ مَوجُودًا.
— خالد: مَوجُودًا لِتَفعَلَ ماذا؟ سامِر، أَنتَ كاتِبٌ. لَو بَقِيتَ هُنا، لَانخَنَقَ صَوتُكَ كَما انخَنَقَت أَصواتٌ كَثِيرَةٌ. هُناكَ، صارَ لَكَ مِنبَرٌ ما كانَ يُمكِنُ أَن يَكُونَ لَكَ هُنا. هذا لَيسَ هُرُوبًا، هذا امتِدادٌ.
تَوَقَّفَ سامِر قَلِيلًا، يُوازِنُ بَينَ الامتِنانِ لِهذِهِ الكَلِماتِ وَبَينَ شُعُورٍ قَدِيمٍ لَم يُغادِرْهُ مُنذُ سَنَواتٍ.
— سامر: وَأَنتَ؟ لِماذا لَم تُحاوِل أَن تُغادِرَ، يا خالِد؟ كانَ يُمكِنُ أَن نُساعِدَكَ فِي الأَوراقِ، وَفِي كُلِّ شَيءٍ.
— خالد: حاوَلتُ أَن أُفَكِّرَ فِي الأَمرِ، بِصَراحَةٍ. لكِنَّ بَيتِي هُنا، وَأَرضِي هُنا، وَذِكرَياتِ أُمِّي وَأَبِي هُنا. لَيسَ كُلُّ واحِدٍ يَجِبُ أَن يَرحَلَ كَما رَحَلتَ أَنتَ. هُناكَ أُناسٌ قَرارُهُم أَن يَبقَوا، وَهذا أَيضًا قَرارٌ، لا استِسلامٌ.
شَعَرَ سامِر أَنَّ أَخاهُ يَقُولُ لَهُ، رُبَّما دُونَ أَن يَقصِدَ، إِنَّ البَقاءَ وَالرَّحِيلَ كِلَيهِما قَرارٌ يَستَحِقُّ الاحتِرامَ، وَلَيسَ أَحَدُهُما أَفضَلَ مِنَ الآخَرِ بِالمُطلَقِ.
— خالد: لكِن بِصَراحَةٍ يا سامِر، أَحسَستُ مِن صَوتِكَ اليَومَ أَنَّ هُناكَ شَيئًا آخَرَ يُزعِجُكَ، لا الكَهرَباءَ وَذَنبَ النَّجاةِ فَقَط. هُناكَ شَيءٌ آخَرُ، أَلَيسَ كَذلِكَ؟
تَوَقَّفَ سامِر. كانَ خالِد، رَغمَ بُعدِ المَسافَةِ، لا يَزالُ قادِرًا عَلَى قِراءَتِهِ بِدِقَّةِ الأَخِ الأَكبَرِ الَّتِي لَم تَتَغَيَّر.
— سامر: بِصَراحَةٍ، نَعَم. هُناكَ أَزمَةٌ بَينِي وَبَينَ لَيلَى هذِهِ الفَترَةَ. لَيسَت بَسِيطَةً.
— خالد: أَتَعرِفُ ما الفَرقَ بَينَنا، يا سامِر؟ أَنا هُنا أُواجِهُ أَزَماتٍ واضِحَةً: كَهرَباءَ، وَأَمانًا، وَمالًا. أَنتَ هُناكَ، فِي أَمانٍ، لكِنَّكَ تُواجِهُ أَزَماتٍ لا شَكلَ واضِحًا لَها. وَهذا أَحيانًا أَصعَبُ، لِأَنَّهُ لا يُوجَدُ عَدُوٌّ واضِحٌ تُحارِبُهُ.
كانَتِ الجُملَةُ دَقِيقَةً إِلَى دَرَجَةِ أَنَّ سامِر شَعَرَ بِها كَصَفعَةٍ لَطِيفَةٍ.
سامِر يُحَدِّثُ نَفسَهُ
قالَ خالِد إِنَّنِي لَم أَهرُب، بَل نَجَوتُ، وَإِنَّ صَوتِي امتَدَّ لا انخَنَقَ. أُرِيدُ أَن أُصَدِّقَهُ بِالكامِلِ، لكِنَّ جُزءًا مِنِّي ما زالَ يُقارِنُ بَينَ مُعاناتِهِ المَلمُوسَةِ وَمُعاناتِي الَّتِي لا شَكلَ واضِحًا لَها، وَيَشعُرُ بِالخَجَلِ مِن نَفسِهِ.
لكِنَّ خالِدًا قالَ أَيضًا شَيئًا أَهَمَّ: إِنَّ أَزمَتِي هُنا، رَغمَ أَنَّها لا تُشبِهُ أَزمَتَهُ، لَيسَت أَقَلَّ حَقِيقَةً لِمُجَرَّدِ أَنَّها بِلا شَكلٍ واضِحٍ. هذا تَصالُحٌ لَم أَمنَحْهُ لِنَفسِي مِن قَبلُ: أَن يَكُونَ لِي الحَقُّ فِي أَن أَتَأَلَّمَ مِن أَشياءَ لا تُقاسُ بِمِقياسِ الحَربِ وَالكَهرَباءِ، دُونَ أَن أَشعُرَ أَنَّ هذا الأَلَمَ رَفاهِيَةٌ لا أَستَحِقُّها.
رُبَّما هذا ما يَفعَلُهُ المَنفَى بِنا جَمِيعًا: يَمنَحُنا الأَمانَ، ثُمَّ يَترُكُ لَنا مُهِمَّةً أَصعَبَ: أَن نَتَعَلَّمَ كَيفَ نَعِيشُ داخِلَ هذا الأَمانِ، بَعدَ أَن تَعَلَّمنا لِسَنَواتٍ كَيفَ نَنجُو فَقَط.
