لَمْ يَقُلْهَا لِأَحَدٍ
الفَصلُ السّادِسُ
جَلَسَ سامِرٌ وَلَيلَى إِلَى الطّاوِلَةِ نَفسِها الَّتِي ابتَدَأَت عِندَها الحِكايَةُ، فِي مَساءٍ يُشبِهُ ذلِكَ المَساءَ الأَوَّلَ فِي كُلِّ تَفصِيلٍ، إِلّا فِي واحِدٍ: الصَّمتُ بَينَهُما لَم يَعُد يُخفِي شَيئًا، بَل صارَ رَاحَةً تُشبِهُ رَاحَةَ مَن قالَ كُلَّ ما عِندَهُ.
— ليلى: سامِر، لَو عادَ بِكَ الزَّمَنُ، وَعَرَفتَ مُنذُ البِدايَةِ كُلَّ ما سَيَحدُثُ، أَكُنتَ سَتَعِيشُ القِصَّةَ نَفسَها؟
فَكَّرَ سامِر طَوِيلًا قَبلَ أَن يُجِيبَ، وَكَأَنَّهُ يَستَجمِعُ سَنَواتٍ كامِلَةً فِي جُملَةٍ واحِدَةٍ.
— سامر: لا أَدرِي، يا لَيلَى. لكِنِّي أَعرِفُ أَمرًا واحِدًا: لَم يَكُن لِيُتاحَ لِي أَن أَصِلَ إِلَى هُنا، إِلَى هذا الهُدُوءِ الَّذِي نُحِسُّهُ الآنَ، لَولا أَنَّنا عَبَرنا كُلَّ ما عَبَرناهُ.
— ليلى: أَفَلا تَندَمُ إِذَن؟
— سامر: أَندَمُ عَلَى أَشياءَ كَثِيرَةٍ: عَلَى سِنِينَ الصَّمتِ، عَلَى القِناعِ الَّذِي ارتَدَيتُهُ، عَلَى كُلِّ مَرَّةٍ اختَرتُ فِيها أَن أَصمُتَ بَدَلًا مِن أَن أَتَكَلَّمَ. لكِنَّنِي لا أَندَمُ عَلَى أَنَّنا وَصَلنا إِلَى هُنا، حَتَّى وَإِن كانَ الطَّرِيقُ مُوجِعًا.
أَمسَكَت لَيلَى يَدَهُ فَوقَ الطّاوِلَةِ، بِلا كَلامٍ إِضافِيٍّ. لَم تَكُن تِلكَ اللَّحظَةُ نِهايَةً بِالمَعنَى التَّقلِيدِيِّ، بَل كانَت استِمرارًا واعِيًا لِحَياةٍ لَم تَعُد تَخشَى أَسئِلَتَها الكُبرَى.
سامِر يُحَدِّثُ نَفسَهُ
لَم أَقُلها لِأَحَدٍ، طَوالَ هذِهِ الحِكايَةِ، إِنَّ الخَوفَ الَّذِي رافَقَنِي مُنذُ صَفحَتِها الأُولَى لَم يَختَفِ بِالكامِلِ. ما زِلتُ، فِي مَكانٍ ما مِن نَفسِي، ذلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي يَخشَى كُلَّ جَدِيدٍ وَغَرِيبٍ وَمَجهُولٍ.
غَيرَ أَنَّنِي تَعَلَّمتُ أَمرًا لَم أَكُن أَعرِفُهُ حِينَ بَدَأتُ: أَنَّ الشَّجاعَةَ لَيسَت غِيابَ الخَوفِ، بَل أَن تَحمِلَهُ مَعَكَ وَأَنتَ تَمشِي، بَدَلًا مِن أَن تَدَعَهُ يَقُودُكَ مِن خَلفِكَ فِي صَمتٍ.
كُلُّ مَن عَرَفتُهُم فِي هذِهِ السَّنَةِ — لَيلَى، وَنُور، وَمازِن، وَخالِد، وَكَرِيم وَرِيما، وَسَلمَى، وَأَبُو فِراسٍ، وَزِياد وَهِبَة، وَخالَتِي، وَأَبنائِي — كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُم مِرآةً أَرَتنِي وَجهًا مِن وُجُوهِ هذا الخَوفِ نَفسِهِ، بِأَشكالٍ مُختَلِفَةٍ، وَبِلا نَمُوذَجٍ واحِدٍ صَحِيحٍ لِمُواجَهَتِهِ.
لَم يَقُلها أَحَدُنا لِلآخَرِ بِوُضُوحٍ كامِلٍ، وَلَعَلَّ ذلِكَ لِأَنَّ بَعضَ الحَقائِقِ لا تُقالُ دُفعَةً واحِدَةً، بَل تُعاشُ قِطعَةً قِطعَةً، حَتَّى تُصبِحَ قابِلَةً لِلقَولِ.
وَهذا ما لَم أَقُلهُ لِأَحَدٍ، حَتَّى هذِهِ اللَّيلَةَ: أَنا ما زِلتُ خائِفًا. لكِنَّنِي، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، لَستُ وَحِيدًا فِي هذا الخَوفِ، وَهذا وَحدَهُ يَكفِي لِأُكمِلَ الطَّرِيقَ.
* * *
مَرَّت أَشهُرٌ عَلَى ذلِكَ الحَدِيثِ الَّذِي دارَ بَينَ سامِر وَمازِن فِي المَقهَى الصَّغِيرِ، حِينَ اعتَرَفَ مازِن بِسِرِّهِ القَدِيمِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ. وَها هُما يَلتَقِيانِ مِن جَدِيدٍ، فِي الزّاوِيَةِ نَفسِها، بَعدَ أَن تَغَيَّرَ كِلاهُما بِطَرِيقَتِهِ الخاصَّةِ.
— مازن: سامِر، أَراكَ رَجُلًا آخَرَ. شَيءٌ فِي عَينَيكَ تَغَيَّرَ.
— سامر: وَأَنا أَراكَ كَذلِكَ. يَبدُو أَنَّ رِحلَتَكَ إِلَى دِمَشقَ أَعادَت إِلَيكَ شَيئًا كُنتَ قَد فَقَدتَهُ.
— مازن: أَعادَت إِلَيَّ سُؤالًا جَدِيدًا، لا جَوابًا. لكِنَّنِي تَعَلَّمتُ أَنَّ السُّؤالَ الَّذِي نَعِيشُ مَعَهُ بِسَلامٍ خَيرٌ مِن جَوابٍ نَختَلِقُهُ لِنُرِيحَ أَنفُسَنا.
ابتَسَمَ سامِر، وَهُوَ يَتَذَكَّرُ كَم مِنَ المَرّاتِ كانَ يَفعَلُ ذلِكَ بِالضَّبطِ: يَختَلِقُ جَوابًا مُرِيحًا بَدَلًا مِن أَن يُواجِهَ سُؤالًا حَقِيقِيًّا.
— سامر: بِصَراحَةٍ يا مازِن، أَنتَ مَن عَلَّمَنِي هذا الدَّرسَ، فِي هذا المَقهَى بِالذّاتِ، مُنذُ أَشهُرٍ. لَولا صِدقُكَ ذلِكَ اليَومَ، رُبَّما كُنتُ ما زِلتُ أُؤَجِّلُ الأَسئِلَةَ الَّتِي كانَت تَنتَظِرُنِي.
— مازن: وَكَيفَ حالُ لَيلَى؟
— سامر: بِخَيرٍ، وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنذُ سِنِينَ، بِخَيرٍ حَقِيقِيٍّ لا مُتَخَيَّلٍ. ما زِلنا نَتَعَلَّمُ كَيفَ نَتَحَدَّثُ بِصِدقٍ، يَومًا بَعدَ يَومٍ، بِلا قِناعٍ.
— مازن: هذا كُلُّ ما يَحتاجُهُ أَيُّ زَواجٍ، فِي الحَقِيقَةِ: أَن يَتَعَلَّمَ طَرَفاهُ الصِّدقَ مِن جَدِيدٍ، كُلَّ يَومٍ، لا مَرَّةً واحِدَةً وَيَنتَهِي الأَمرُ.
جَلَسا صامِتَينِ لِبُرهَةٍ، يَحتَسِيانِ قَهوَتَيهِما، وَالمَقهَى مِن حَولِهِما يَمضِي فِي ضَجِيجِهِ الهادِئِ المُعتادِ.
— مازن: أَتَعرِفُ يا سامِر؟ لَو سَأَلَنِي أَحَدٌ قَبلَ سَنَةٍ: ما الَّذِي عَلَّمَتنا إِيّاهُ الغُربَةُ؟ لَما وَجَدتُ جَوابًا. أَمّا الآنَ، فَأَظُنُّنِي أَعرِفُ: عَلَّمَتنا أَنَّ الصَّمتَ لَيسَ حِكمَةً دائِمًا، وَأَنَّ بَعضَ الكَلامِ، مَهما تَأَخَّرَ، خَيرٌ مِن أَلّا يُقالَ أَبَدًا.
سامِر يُحَدِّثُ نَفسَهُ
نَظَرتُ إِلَى مازِن وَهُوَ يَتَحَدَّثُ، وَتَذَكَّرتُ الرَّجُلَ الَّذِي كانَهُ حِينَ عَرَفتُهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ: صامِتًا، مُتَحَفِّظًا، يَحمِلُ عَنهُ أَسرارًا لا يُبِيحُ بِها لِأَحَدٍ. وَها هُوَ الآنَ يَتَحَدَّثُ عَنِ الصِّدقِ وَكَأَنَّهُ اكتَشَفَهُ لِلتَّوِّ، بَعدَ عُمرٍ كامِلٍ مِنَ الاحتِراسِ.
أَظُنُّ أَنَّ كِلَينا، فِي هذِهِ الغُربَةِ الَّتِي جَمَعَتنا، تَعَلَّمنا الدَّرسَ نَفسَهُ بِطَرِيقَتَينِ مُختَلِفَتَينِ: أَنَّ المَنفَى لا يَمنَحُنا الأَمانَ وَحدَهُ، بَل يَمنَحُنا أَيضًا فُرصَةً نادِرَةً لِنُعِيدَ بِناءَ أَنفُسِنا بِصِدقٍ لَم نَكُن نَجرُؤُ عَلَيهِ فِي دِيارِنا الأُولَى، حَيثُ كانَتِ الأَعيُنُ كَثِيرَةً، وَالأَلسِنَةُ أَكثَرَ.
لَم أَقُلها لِمازِن بِهذا الوُضُوحِ، لكِنِّي أَعرِفُ الآنَ: صَداقَتُنا هذِهِ، الَّتِي بَدَأَت بِصَمتَينِ مُتَجاوِرَينِ، صارَت مِن أَصدَقِ ما مَنَحَتنِي إِيّاهُ هذِهِ الغُربَةُ.
* * *
جَلَسَت لَيلَى وَسَلمَى فِي المَقهَى المُطِلِّ عَلَى النَّهرِ، المَكانُ نَفسُهُ الَّذِي شَهِدَ أَصعَبَ اعتِرافاتِهِما مُنذُ أَشهُرٍ. غَيرَ أَنَّ شَيئًا فِي جُلُوسِهِما هذِهِ المَرَّةَ كانَ مُختَلِفًا: خِفَّةٌ لَم تَكُن حاضِرَةً مِن قَبلُ.
— سلمى: أَراكِ مُرتاحَةً، يا لَيلَى، بِطَرِيقَةٍ لَم أَرَكِ عَلَيها مُنذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ.
— ليلى: بِصَراحَةٍ، لَستُ أَدرِي إِن كانَ هذا ارتِياحًا كامِلًا، أَم مُجَرَّدَ سَلامٍ بَدَأتُ أَعقِدُهُ مَعَ أَسئِلَتِي القَدِيمَةِ. لكِنَّنِي، عَلَى كُلِّ حالٍ، أَشعُرُ أَنَّنِي أَعرِفُ نَفسِي أَكثَرَ مِمّا كُنتُ أَعرِفُها قَبلَ سَنَةٍ.
— سلمى: وَماذا عَن سامِر؟
— ليلى: سامِر يَتَغَيَّرُ أَيضًا، بِبُطءٍ، لكِن بِصِدقٍ. لَم نَعُد نَتَجَنَّبُ الأَسئِلَةَ الصَّعبَةَ كَما كُنّا نَفعَلُ. صِرنا نَطرَحُها، حَتَّى حِينَ نَخافُ أَجوِبَتَها.
ابتَسَمَت سَلمَى، وَشَرِبَت مِن فِنجانِها، ثُمَّ نَظَرَت إِلَى صَدِيقَتِها بِعَينَينِ مَلِيئَتَينِ بِذِكرَى سَنَواتٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الصَّداقَةِ.
— سلمى: أَتَتَذَكَّرِينَ حِينَ قُلتُ لَكِ ذاتَ مَرَّةٍ إِنَّكِ تُراقِبِينَ سامِر كَما تُراقِبُ الشُّرطَةُ مُتَّهَمًا؟ كُنتِ حِينَها غاضِبَةً مِنِّي.
— ليلى: كُنتُ غاضِبَةً لِأَنَّ كَلامَكِ كانَ صَحِيحًا، يا سَلمَى، لا لِأَنَّهُ كانَ ظُلمًا. أَحيانًا نَغضَبُ أَشَدَّ الغَضَبِ مِمَّن يَقُولُ الحَقِيقَةَ، لا مِمَّن يُخطِئُ فِي حَقِّنا.
— سلمى: وَأَنا أَيضًا تَعَلَّمتُ مِنكِ دَرسًا، وَإِن لَم أَقُلهُ لَكِ مِن قَبلُ: رَأَيتُكِ تُواجِهِينَ أَصعَبَ اللَّحَظاتِ بِهُدُوءٍ لَم أَكُن لِأَملِكَهُ لَو كُنتُ مَكانَكِ. وَهذا عَلَّمَنِي أَنَّ القُوَّةَ لَيسَت دائِمًا صَخَبًا، بَل قَد تَكُونُ هُدُوءًا يَحمِلُ فِي داخِلِهِ عاصِفَةً كامِلَةً.
بَقِيَتا فِي المَقهَى وَقتًا أَطوَلَ مِمّا خَطَّطَتا لَهُ، تَتَحَدَّثانِ عَن كُلِّ شَيءٍ وَعَن لا شَيءٍ فِي آنٍ واحِدٍ، كَما تَفعَلُ الصَّداقاتُ الَّتِي نَضَجَت بِما يَكفِي لِتَحتَمِلَ الصَّمتَ أَيضًا، لا الكَلامَ وَحدَهُ.
* * *
بَعدَ أَشهُرٍ مِن وُصُولِها، بَدَأَتِ الخالَةُ تَتَرَدَّدُ عَلَى مَركَزٍ ثَقافِيٍّ قَرِيبٍ مِنَ الحَيِّ، حَيثُ تُقامُ دُرُوسٌ فِي اللُّغَةِ الأَلمانِيَّةِ لِكِبارِ السِّنِّ. فاجَأَت بِذلِكَ الجَمِيعَ، فَهِيَ الَّتِي كانَت تُكَرِّرُ دائِمًا أَنَّها بَلَغَت سِنًّا لا تَسمَحُ لَها بِتَعَلُّمِ لُغَةٍ جَدِيدَةٍ.
فِي أَحَدِ الأَيّامِ، وَجَدَتها لَيلَى تُراجِعُ دَفتَرًا صَغِيرًا مَملُوءًا بِكَلِماتٍ أَلمانِيَّةٍ مَكتُوبَةٍ بِخَطٍّ عَرَبِيٍّ يُحاوِلُ تَقرِيبَ النُّطقِ.
— ليلى: خالَتِي، ماذا غَيَّرَ رَأيَكِ؟ كُنتِ تَقُولِينَ إِنَّ اللُّغَةَ الجَدِيدَةَ لا تَدخُلُ رَأسًا عَجُوزًا.
— الخالة: غَيَّرَ رَأيِي أَنَّنِي رَأَيتُكِ وَسامِر تُعِيدانِ بِناءَ حَياتِكُما مِن جَدِيدٍ، بَعدَ كُلِّ ما مَرَرتُما بِهِ. فَقُلتُ فِي نَفسِي: إِن كانَ الشّابُّ يَستَطِيعُ أَن يُعِيدَ بِناءَ نَفسِهِ فِي مُنتَصَفِ عُمرِهِ، فَلِمَ لا أُحاوِلُ أَنا أَيضًا، وَلَو بِخُطُواتٍ صَغِيرَةٍ؟
— ليلى: وَهَل الدُّرُوسُ صَعبَةٌ؟
— الخالة: صَعبَةٌ جِدًّا، يا بِنتِي. أَنسَى الكَلِمَةَ بَعدَ دَقِيقَةٍ مِن سَماعِها. لكِنَّنِي، لِلمَرَّةِ الأُولَى مُنذُ وُصُولِي، أَشعُرُ أَنَّنِي لَستُ مُجَرَّدَ ضَيفَةٍ فِي هذا البَيتِ وَفِي هذِهِ البِلادِ، بَل إِنسانَةً تُحاوِلُ أَن تَجِدَ لِنَفسِها مَكانًا فِيها.
جَلَسَت لَيلَى بِجانِبِها، وَأَخَذَتِ الدَّفتَرَ بَينَ يَدَيها، تَقرَأُ الكَلِماتِ المُتَعَثِّرَةَ بِابتِسامَةٍ مَلِيئَةٍ بِالحُبِّ.
— ليلى: أَنا فَخُورَةٌ بِكِ، يا خالَتِي. حَقًّا.
— الخالة: وَأَنا فَخُورَةٌ بِكِ أَيضًا، يا لَيلَى، لِأَنَّكِ لَم تَستَسلِمِي حِينَ كانَ يُمكِنُكِ أَن تَستَسلِمِي. تَعَلَّمتِ أَنتِ لُغَةَ الصِّدقِ مَعَ زَوجِكِ، وَأَنا أَتَعَلَّمُ لُغَةَ البِلادِ الَّتِي سَأَقضِي فِيها ما تَبَقَّى مِن عُمرِي. رُبَّما كِلتانا نُثبِتُ الشَّيءَ نَفسَهُ: أَنَّهُ لا وَقتَ مُتَأَخِّرًا جِدًّا لِنَتَعَلَّمَ شَيئًا جَدِيدًا، مَهما كانَ صَعبًا.
* * *
اجتَمَعَ الأَقارِبُ وَالأَصدِقاءُ فِي بَيتِ سامِر وَلَيلَى بِمُناسَبَةِ عِيدِ مِيلادِ كرِيستِين. حَضَرَتِ الخالَةُ، وَحَضَرَ أَبُو فِراسٍ وَأُمُّ فِراسٍ، وَبَعضُ الأَصدِقاءِ الآخَرِينَ.
دارَ نِقاشٌ عَفوِيٌّ حَولَ الطّاوِلَةِ، حِينَ لاحَظَتِ الخالَةُ أَنَّ كرِيستِين طَلَبَت أَن تُطفِئَ الشُّمُوعَ وَحدَها، بِلا مُساعَدَةٍ مِن أَحَدٍ.
— الخالة: عِندَنا، كانَ الأَطفالُ يَنتَظِرُونَ إِذنَ الكِبارِ فِي كُلِّ شَيءٍ، حَتَّى فِي إِطفاءِ الشَّمعَةِ. أَمّا هُنا، فَكُلُّ طِفلٍ يُرِيدُ أَن يَفعَلَ كُلَّ شَيءٍ بِنَفسِهِ.
— أم فراس: وَلَيسَ هذا سَيِّئًا بِالضَّرُورَةِ، يا خالَتِي. أَنا فِي البِدايَةِ كُنتُ أَراهُ قِلَّةَ أَدَبٍ، حَتَّى فَهِمتُ أَنَّهُ نَوعٌ مِنَ الثِّقَةِ بِالنَّفسِ يُرِيدُونَ غَرسَهُ فِي الأَطفالِ هُنا مُنذُ الصِّغَرِ.
— أبو فراس: ثِقَةٌ بِالنَّفسِ أَم قِلَّةُ احتِرامٍ لِلكِبارِ؟ الحُدُودُ بَينَهُما دَقِيقَةٌ.
تَدَخَّلَت لَيلَى، وَهِيَ تُراقِبُ ابنَتَها مِن بَعِيدٍ.
— ليلى: بِصَراحَةٍ، أَنا أَيضًا كُنتُ أَخافُ مِن هذا الاستِقلالِ المُبَكِّرِ عِندَ الأَطفالِ هُنا. لكِنِّي اكتَشَفتُ أَنَّ كرِيستِين، بِفَضلِ هذِهِ الثِّقَةِ، تَجرُؤُ عَلَى أَن تَسأَلَنِي أَسئِلَةً لَم أَكُن أَجرُؤُ أَنا عَلَى سُؤالِ أَهلِي عَنها فِي عُمرِها.
— سامر: وَهذا بِالضَّبطِ ما عَلَّمَتنِي إِيّاهُ هِيَ، لا نَحنُ إِيّاها: أَنَّ السُّؤالَ المُبَكِّرَ خَيرٌ مِنَ الصَّمتِ الطَّوِيلِ.
— الخالة: رُبَّما مَعَكُما حَقٌّ. لَستُ أَقُولُ إِنَّ طَرِيقَتَنا كانَتِ الأَفضَلَ دائِمًا، لكِنِّي أَقُولُ إِنَّها كانَت طَرِيقَتَنا، وَتَحتاجُ مِنِّي وَقتًا لِأَتَصالَحَ مَعَ طَرِيقَةٍ أُخرَى.
— أبو فراس: وَأَنا كَذلِكَ، ما زِلتُ أَحتاجُ وَقتًا. رُبَّما أَكثَرَ مِمّا تَحتاجِينَ.
ضَحِكَ الجَمِيعُ ضَحكَةً خَفِيفَةً، لا لِأَنَّ المَوضُوعَ سَهلٌ، بَل لِأَنَّ الاعتِرافَ بِصُعُوبَتِهِ، أَمامَ الجَمِيعِ، كانَ أَخَفَّ مِن حَملِهِ صامِتًا كَما كانَ يَفعَلُ كُلٌّ مِنهُم فِي الماضِي.
* * *
بَعدَ عَشاءِ عِيدِ مِيلادِ كرِيستِين بِأَيّامٍ قَلِيلَةٍ، زارَت هِبَةُ لَيلَى وَحدَها، تَحمِلُ فِي وَجهِها شَيئًا مِنَ القَلَقِ لَم تَعهَدهُ لَيلَى فِيها مِن قَبلُ.
— هبة: لَيلَى، أَحتاجُ أَن أَتَحَدَّثَ مَعَ أَحَدٍ. اتَّصَلَت بِي أُمِّي أَمسِ، وَكانَتِ المُكالَمَةُ صَعبَةً.
— ليلى: ماذا قالَت؟
— هبة: قالَت إِنَّها سَمِعَت أَنَّنِي وَزِيادًا نَتَشارَكُ فِي كُلِّ القَراراتِ، حَتَّى المالِيَّةِ مِنها، وَأَنَّ هذا لَيسَ مِن عاداتِ بَيتِنا. قالَت إِنِّي أَصبَحتُ “مُتَغَرِّبَةً أَكثَرَ مِنَ اللّازِمِ”.
شَعَرَت لَيلَى بِثِقَلِ الجُملَةِ، فَهِيَ قَد سَمِعَت كَلامًا شَبِيهًا بِهِ مِن خالَتِها، وَإِن بِصِيغَةٍ أَقَلَّ قَسوَةً.
— ليلى: وَكَيفَ رَدَدتِ عَلَيها؟
— هبة: لَم أَعرِف ماذا أَقُولُ فِي البِدايَةِ. شَعَرتُ بِالذَّنبِ، ثُمَّ شَعَرتُ بِالغَضَبِ مِن شُعُورِي بِالذَّنبِ. أَنا لَم أَفعَل شَيئًا خاطِئًا، لَيلَى، لكِنَّ صَوتَ أُمِّي ما زالَ يَملِكُ قُدرَةً عَجِيبَةً عَلَى أَن يَجعَلَنِي أَشُكُّ فِي نَفسِي.
— ليلى: أَعرِفُ هذا الشُّعُورَ جَيِّدًا. المَسافَةُ لا تُلغِي صَوتَ الأَهلِ فِي داخِلِنا، حَتَّى وَإِنِ اختَرنا طَرِيقًا مُختَلِفًا عَن طَرِيقِهِم.
— هبة: الأَصعَبُ أَنَّنِي لا أُرِيدُ أَن أَقطَعَ عَلاقَتِي بِأُمِّي، وَلا أُرِيدُ أَيضًا أَن أَتَخَلَّى عَنِ الحَياةِ الَّتِي بَنَيتُها مَعَ زِيادٍ. كَيفَ أُوَفِّقُ بَينَ الاثنَينِ؟
— ليلى: بِصَراحَةٍ، لا أَظُنُّ أَنَّ هُناكَ تَوفِيقًا كامِلًا، يا هِبَةُ. أَظُنُّ أَنَّ عَلَينا، نَحنُ الَّذِينَ اخَترنا حَياةً هُنا، أَن نَتَعَلَّمَ كَيفَ نَحمِلُ حُبَّ أَهلِنا وَاختِلافَنا عَنهُم فِي الوَقتِ نَفسِهِ، بِلا أَن يُلغِيَ أَحَدُهُما الآخَرَ.
جَلَسَتا صامِتَتَينِ لِبُرهَةٍ، وَشَعَرَت هِبَةُ أَنَّها، وَلَو لَم تَجِد حَلًّا نِهائِيًّا لِما يُقلِقُها، وَجَدَت عَلَى الأَقَلِّ مَن يَفهَمُ ثِقلَ السُّؤالِ نَفسِهِ.
* * *
دَخَلَت كرِيستِين المُراهَقَةَ المُبَكِّرَةَ، وَبَدَأَت أَسئِلَتُها تَتَغَيَّرُ شَيئًا فَشَيئًا. فِي مَساءٍ هادِئٍ، وَبَينَما كانَت تُساعِدُ أُمَّها فِي المَطبَخِ، سَأَلَت سُؤالًا لَم تَتَوَقَّعهُ لَيلَى.
— كريستين: ماما، كَيفَ عَرَفتِ أَنَّ بابا هُوَ الشَّخصُ المُناسِبُ لَكِ؟
تَوَقَّفَت لَيلَى عَن تَقطِيعِ الخُضارِ لَحظَةً، تُفَكِّرُ فِي أَفضَلِ إِجابَةٍ صادِقَةٍ يُمكِنُ أَن تُقَدِّمَها لِابنَتِها.
— ليلى: بِصَراحَةٍ، يا حَبِيبَتِي، لَم أَكُن مُتَأَكِّدَةً تَمامًا فِي البِدايَةِ. تَزَوَّجنا، وَتَعَلَّمنا مَعًا كَيفَ نُلائِمُ بَعضَنا بَعضًا، وَمَرَرنا بِلَحَظاتٍ صَعبَةٍ جِدًّا كِدنا فِيها نَفقِدُ بَعضَنا.
— كريستين: يَعنِي الحُبُّ لَيسَ كافِيًا وَحدَهُ؟
— ليلى: الحُبُّ يَفتَحُ البابَ، يا كرِيستِين، لكِنَّهُ لا يَبنِي البَيتَ وَحدَهُ. البَيتُ يُبنَى بِالصِّدقِ، وَبِالاستِعدادِ لِأَن تَسمَعِي أَشياءَ لا تُحِبِّينَ سَماعَها، وَبِالقُدرَةِ عَلَى أَن تَتَغَيَّرِي حِينَ تَكتَشِفِينَ أَنَّكِ كُنتِ مُخطِئَةً فِي أَمرٍ ما.
فَكَّرَت كرِيستِين فِي الجَوابِ، ثُمَّ سَأَلَت سُؤالًا آخَرَ، أَكثَرَ جُرأَةً.
— كريستين: وَهَل فَكَّرتِ يَومًا أَن تَترُكِي بابا؟
لَم تَتَرَدَّد لَيلَى فِي الإِجابَةِ، فَقَد قَرَّرَت مُنذُ زَمَنٍ أَلّا تُخفِيَ عَن أَبنائِها حَقائِقَ حَياتِها، ما دامَت تُقَدَّمُ بِطَرِيقَةٍ تُناسِبُ عُمرَهُم.
— ليلى: نَعَم، فَكَّرتُ فِي ذلِكَ فِي فَترَةٍ صَعبَةٍ مِن حَياتِنا. لكِنَّنِي اختَرتُ البَقاءَ، لا لِأَنَّنِي كُنتُ خائِفَةً مِنَ الوَحدَةِ، بَل لِأَنَّنِي رَأَيتُ أَنَّ أَباكِ مُستَعِدٌّ حَقًّا أَن يَتَغَيَّرَ، لا أَن يَعِدَنِي بِالتَّغَيُّرِ فَقَط.
— كريستين: شُكرًا لَكِ، ماما، لِأَنَّكِ لَم تَكذِبِي عَلَيَّ.
ابتَسَمَت لَيلَى، وَاحتَضَنَتِ ابنَتَها لَحظَةً، تَشعُرُ أَنَّها، فِي هذِهِ المُحادَثَةِ البَسِيطَةِ، وَرَّثَت لِكرِيستِين شَيئًا أَهَمَّ مِنَ الجَوابِ نَفسِهِ: الثِّقَةَ بِأَنَّ الصِّدقَ، مَهما كانَ مُوجِعًا، خَيرٌ مِنَ الصَّمتِ المُرِيحِ.
