لَمْ يَقُلْهَا لِأَحَدٍ
الفصل التاسع
بَعْدَ أَشْهُرٍ مِنَ التَّحْضِيرِ، افْتَتَحَ مَازِنٌ مَكْتَبَتَهُ الصَّغِيرَةَ فِي شَارِعٍ هَادِئٍ وَسَطَ الْمَدِينَةِ، وَسَمَّاهَا ‘مَكْتَبَةُ الْجُذُورِ’. حَضَرَ الِافْتِتَاحَ كُلُّ مَنْ عَرَفَهُمُ الْقَارِئُ فِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ.
عَلَى الرَّفِّ الْأَوَّلِ، وَضَعَ مَازِنٌ نُسَخًا مِنْ نُصُوصِ سَامِرٍ، الَّتِي قَرَّرَ أَخِيرًا أَنْ يَجْمَعَهَا فِي كِتَابٍ صَغِيرٍ، بَعْدَ أَنْ وَافَقَتْ لَيْلَى عَلَى كُلِّ فَصْلٍ فِيهِ.
— مَازِنٌ: سَامِرُ، تَفَضَّلْ، انْظُرْ إِلَى هَذَا الرَّفِّ.
اقْتَرَبَ سَامِرٌ، وَرَأَى كِتَابَهُ الْأَوَّلَ، بِعُنْوَانِ ‘لَمْ يَقُلْهَا لِأَحَدٍ’، مَصْفُوفًا بِعِنَايَةٍ بَيْنَ كُتُبٍ أُخْرَى لِكُتَّابٍ يُقَدِّرُهُمْ.
— سَامِرٌ: لَا أُصَدِّقُ أَنَّنِي أَرَى هَذَا حَقًّا.
اقْتَرَبَتْ لَيْلَى مِنْهُ، وَأَمْسَكَتْ يَدَهُ.
— لَيْلَى: أَتَعْرِفُ، يَا سَامِرُ؟ حِينَ قَرَأْتُ الْفَصْلَ الْأَخِيرَ، بَكَيْتُ. لَيْسَ لِأَنَّهُ حَزِينٌ، بَلْ لِأَنِّي رَأَيْتُ فِيهِ كُلَّ الطَّرِيقِ الَّذِي قَطَعْنَاهُ مَعًا، مَكْتُوبًا بِصِدْقٍ لَمْ أَتَخَيَّلْ يَوْمًا أَنَّنَا سَنَصِلُ إِلَيْهِ.
الْتَقَطَتْ كَرِيسْتِينُ وَيُوسُفُ وَمَرْيَمُ الْكِتَابَ، يَتَصَفَّحُونَهُ بِحَمَاسٍ، يَبْحَثُونَ عَنِ الْفُصُولِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْهُمْ.
— يُوسُفُ: بَابَا، سَأَسْتَخْدِمُهُ فِعْلًا فِي بَحْثِي الْجَامِعِيِّ. هَلْ تُصَدِّقُ؟
— سَامِرٌ: أُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ الْيَوْمَ، يَا يُوسُفُ. حَتَّى الْأَشْيَاءَ الَّتِي ظَنَنْتُ يَوْمًا أَنَّهَا لَنْ تَحْدُثَ أَبَدًا.
سَامِرٌ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ
أَنْظُرُ إِلَى هَذَا الْكِتَابِ الصَّغِيرِ عَلَى الرَّفِّ، وَأَتَذَكَّرُ ذَلِكَ الصَّبَاحَ الْأَوَّلَ، حِينَ كُنْتُ أَجْلِسُ عَلَى الشُّرْفَةِ خَائِفًا مِنْ كُلِّ جَدِيدٍ وَغَرِيبٍ وَمَجْهُولٍ، أَحْسِبُ صَمْتِي حِكْمَةً.
لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ حِينَهَا أَنَّ رِحْلَةَ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ سَتَقُودُنِي إِلَى هُنَا: إِلَى كِتَابٍ يَحْمِلُ اسْمِي، وَعَائِلَةٍ أُعِيدَ بِنَاءُ صِدْقِهَا حَجَرًا حَجَرًا، وَأَصْدِقَاءَ صَارُوا عَائِلَةً ثَانِيَةً، وَأَبْنَاءَ يَحْمِلُونَ شَجَاعَةً لَمْ أَمْلِكْهَا فِي عُمْرِهِمْ.
الْعُنْوَانُ الَّذِي اخْتَرْتُهُ لِهَذَا الْكِتَابِ صَارَ الْآنَ يَحْمِلُ مَعْنًى مُخْتَلِفًا عَمَّا كُنْتُ أَقْصِدُهُ حِينَ بَدَأْتُ الْكِتَابَةَ. لَمْ أَقُلْهَا لِأَحَدٍ، هَذَا صَحِيحٌ، وَلَكِنَّنِي أَخِيرًا قُلْتُهَا لِلْجَمِيعِ، دُفْعَةً وَاحِدَةً، بَيْنَ دَفَّتَيْ كِتَابٍ، فِي مَكْتَبَةٍ صَغِيرَةٍ اسْمُهَا ‘الْجُذُورُ’، فِي مَدِينَةٍ لَمْ تَكُنْ يَوْمًا وَطَنِي الْأَوَّلَ، وَلَكِنَّهَا صَارَتِ الْمَكَانَ الَّذِي وَجَدْتُ فِيهِ، أَخِيرًا، صَوْتِي الْحَقِيقِيَّ.
——————
بَعْدَ أَسَابِيعَ مِنْ صُدُورِ الْكِتَابِ، تَلَقَّى سَامِرٌ رِسَالَةً عَبْرَ مَوْقِعِهِ الْإِلِكْتْرُونِيِّ مِنِ امْرَأَةٍ لَا يَعْرِفُهَا، تَعِيشُ فِي مَدِينَةٍ أُخْرَى مِنْ أَلْمَانِيَا.
أُسْتَاذُ سَامِرُ،
قَرَأْتُ كِتَابَكَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، دُونَ أَنْ أَتْرُكَهُ مِنْ يَدِي. أَنَا امْرَأَةٌ سُورِيَّةٌ، مِثْلُكَ، أَعِيشُ هُنَا مُنْذُ سَبْعِ سِنَوَاتٍ، وَأَعِيشُ أَزْمَةً تُشْبِهُ إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ مَا وَصَفْتَهُ.
لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ كَيْفَ أُسَمِّي مَا أَشْعُرُ بِهِ حَتَّى قَرَأْتُ كَلِمَاتِكَ. شُكْرًا لِأَنَّكَ كَتَبْتَهَا، وَشُكْرًا لِزَوْجَتِكَ الَّتِي سَمَحَتْ لَكَ بِمُشَارَكَتِهَا.
مَعَ التَّقْدِيرِ
قَرَأَ سَامِرٌ الرِّسَالَةَ عِدَّةَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَادَى لَيْلَى لِتَقْرَأَهَا هِيَ أَيْضًا.
— لَيْلَى: هَذَا بِالضَّبْطِ مَا كُنْتُ آمُلُ حُدُوثَهُ حِينَ وَافَقْتُ عَلَى النَّشْرِ.
— سَامِرٌ: أَشْعُرُ بِشَيْءٍ غَرِيبٍ، يَا لَيْلَى. لِسِنِينَ طَوِيلَةٍ، كُنْتُ أَكْتُبُ لِأَفْهَمَ نَفْسِي فَقَطْ. وَالْآنَ، أَكْتَشِفُ أَنَّ فَهْمِي لِنَفْسِي صَارَ يُسَاعِدُ أُنَاسًا لَا أَعْرِفُهُمْ حَتَّى.
— لَيْلَى: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ ذَلِكَ مِنَ الْبِدَايَةِ؟
ابْتَسَمَ سَامِرٌ، وَقَرَّرَ أَنْ يَرُدَّ عَلَى الرِّسَالَةِ بِنَفْسِهِ، لَا كَكَاتِبٍ يُخَاطِبُ قَارِئَةً، بَلْ كَإِنْسَانٍ يُخَاطِبُ إِنْسَانَةً أُخْرَى تَحْمِلُ الْأَسْئِلَةَ نَفْسَهَا.
سَامِرٌ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ
قَرَأْتُ رِسَالَةَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا أَعْرِفُهَا، وَشَعَرْتُ بِشَيْءٍ لَمْ أَتَوَقَّعْهُ حِينَ بَدَأْتُ رِحْلَةَ الْكِتَابَةِ هَذِهِ: أَنَّ حِكَايَتِي الْخَاصَّةَ، بِكُلِّ ضَعْفِهَا وَتَرَدُّدِهَا، صَارَتْ جِسْرًا لِشَخْصٍ آخَرَ يَعْبُرُ عَلَيْهِ نَحْوَ فَهْمِ نَفْسِهِ.
لَمْ أَكْتُبْ لِأُصْبِحَ مُرْشِدًا لِأَحَدٍ. كَتَبْتُ لِأَنَّنِي كُنْتُ غَرِيقًا فِي أَسْئِلَتِي، وَلَمْ أَجِدْ طَرِيقًا لِلنَّجَاةِ إِلَّا بِأَنْ أَكْتُبَهَا. وَلَكِنَّنِي أَتَعَلَّمُ الْآنَ أَنَّ الصِّدْقَ، حِينَ يُكْتَبُ بِلَا خَوْفٍ مِنَ الْحُكْمِ، يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ طَاقَةً لَا نَتَوَقَّعُهَا: طَاقَةَ أَنْ يُطَمْئِنَ غَرِيبًا لَمْ نَلْتَقِ بِهِ يَوْمًا، بِأَنَّهُ لَيْسَ وَحِيدًا فِي مَا يَشْعُرُ بِهِ.
رُبَّمَا هَذَا هُوَ أَعْمَقُ مَعْنًى لِعُنْوَانِ كِتَابِي: لَمْ يَقُلْهَا أَحَدٌ لِأَحَدٍ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا يَظُنُّ أَنَّ خَوْفَهُ فَرِيدٌ، وَأَنَّ أَحَدًا لَنْ يَفْهَمَهُ. وَلَكِنَّنَا، حِينَ نَجْرُؤُ عَلَى قَوْلِهِ، نَكْتَشِفُ أَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ فِي صُدُورِ كَثِيرِينَ، صَامِتًا، حَتَّى وَجَدَ مَنْ يَقُولُهُ نِيَابَةً عَنْهُمْ.
—————
فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، فَاجَأَتْ لَيْلَى سَامِرًا بِطَلَبٍ لَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِهِ.
— لَيْلَى: سَامِرُ، أُرِيدُ أَنْ أَكْتُبَ أَنَا أَيْضًا. فَصْلًا وَاحِدًا، بِصَوْتِي أَنَا، لِنُضِيفَهُ فِي الطَّبْعَةِ الْقَادِمَةِ مِنَ الْكِتَابِ.
نَظَرَ إِلَيْهَا سَامِرٌ بِدَهْشَةٍ مَمْزُوجَةٍ بِفَرَحٍ.
— سَامِرٌ: فِكْرَةٌ رَائِعَةٌ، يَا لَيْلَى! لِمَاذَا لَمْ أُفَكِّرْ فِي هَذَا مِنْ قَبْلُ؟ الْكِتَابُ كُلُّهُ مَكْتُوبٌ بِصَوْتِي أَنَا، وَأَنْتِ الشَّخْصِيَّةُ الثَّانِيَةُ الْأَهَمُّ فِيهِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ نَسْمَعْ صَوْتَكِ أَنْتِ مُبَاشَرَةً وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً.
— لَيْلَى: بِالضَّبْطِ. قَرَأْتُ الْكِتَابَ كُلَّهُ مِنْ عَيْنَيْكَ، حَتَّى لَحَظَاتِي أَنَا نَفْسِي، رَأَيْتُهَا كَمَا رَأَيْتَهَا أَنْتَ، لَا كَمَا عِشْتُهَا أَنَا.
جَلَسَتْ لَيْلَى تِلْكَ اللَّيْلَةَ أَمَامَ حَاسُوبِهَا، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِهَا تَكْتُبُ شَيْئًا لِغَيْرِ نَفْسِهَا. كَتَبَتْ عَنِ الصَّبَاحِ الَّذِي وَجَدَتْ فِيهِ رِسَالَةَ نُورٍ، لَا كَمَا رَوَاهُ سَامِرٌ، بَلْ كَمَا عَاشَتْهُ هِيَ: الْبَرْدُ الَّذِي شَعَرَتْ بِهِ فِي يَدَيْهَا، الصَّوْتُ الدَّاخِلِيُّ الَّذِي حَاوَلَ أَنْ يُقْنِعَهَا بِأَلَّا تَفْتَحَ الرِّسَالَةَ، وَالْقَرَارُ الْمُفَاجِئُ بِأَنْ تَقْرَأَهَا رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ.
حِينَ انْتَهَتْ، قَرَأَتْ مَا كَتَبَتْهُ عَلَى سَامِرٍ.
— سَامِرٌ: لَيْلَى، هَذَا… هَذَا يُعْطِي تِلْكَ اللَّحْظَةَ بُعْدًا لَمْ أَكُنْ أَتَخَيَّلُهُ. كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّنِي أَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ عَمَّا شَعَرْتِ بِهِ، وَاكْتَشَفْتُ الْآنَ أَنَّنِي كُنْتُ أَعْرِفُ نِصْفَ الْحِكَايَةِ فَقَطْ.
— لَيْلَى: هَذَا بِالضَّبْطِ مَا أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَهُ لِلْقُرَّاءِ أَيْضًا: كُلُّ حِكَايَةِ حُبٍّ لَهَا رَاوِيَانِ عَلَى الْأَقَلِّ، وَالْحَقِيقَةُ الْكَامِلَةُ لَا تُوجَدُ إِلَّا حِينَ يَتَكَلَّمُ الِاثْنَانِ مَعًا.
سَامِرٌ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ
قَرَأْتُ فَصْلَ لَيْلَى مَرَّاتٍ عِدَّةً، وَشَعَرْتُ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ التَّوَاضُعَ الْعَمِيقَ: طَوَالَ هَذِهِ السَّنَةِ، كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّنِي أَرْوِي حِكَايَتَنَا. وَالْحَقِيقَةُ أَنَّنِي كُنْتُ أَرْوِي حِكَايَتِي أَنَا، بِعَيْنَيَّ أَنَا، وَبِتَحَيُّزَاتِي أَنَا، مَهْمَا حَاوَلْتُ أَنْ أَكُونَ مُنْصِفًا.
رُبَّمَا هَذَا آخِرُ دَرْسٍ تَعَلَّمْتُهُ فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ: أَنَّ الصِّدْقَ الْكَامِلَ لَا يَأْتِي مِنْ صَوْتٍ وَاحِدٍ، مَهْمَا كَانَ ذَلِكَ الصَّوْتُ صَادِقًا مَعَ نَفْسِهِ. الصِّدْقُ الْكَامِلُ يَحْتَاجُ إِلَى كُلِّ الْأَصْوَاتِ الَّتِي عَاشَتِ الْحِكَايَةَ نَفْسَهَا، كُلٌّ مِنْ زَاوِيَتِهِ الْخَاصَّةِ.
بَعْدَ أَنْ عَلِمَتْ نُورٌ، مِنْ بَعِيدٍ، بِصُدُورِ الْكِتَابِ، أَرْسَلَتْ إِلَى سَامِرٍ رِسَالَةً قَصِيرَةً، تَسْأَلُهُ فِيهَا إِنْ كَانَ يَسْمَحُ لَهَا أَنْ تَكْتُبَ هِيَ أَيْضًا فَصْلًا بِصَوْتِهَا، لِيُنْشَرَ فِي الطَّبْعَةِ الْجَدِيدَةِ.
تَرَدَّدَ سَامِرٌ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يَعْرِضَ الْأَمْرَ عَلَى لَيْلَى.
— سَامِرٌ: لَيْلَى، نُورٌ طَلَبَتْ أَنْ تَكْتُبَ فَصْلًا بِصَوْتِهَا. لَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَ هَذَا مُنَاسِبًا، بِالنَّظَرِ إِلَى كُلِّ مَا مَرَرْنَا بِهِ.
— لَيْلَى: بَصَرَاحَةٍ؟ أَظُنُّ أَنَّهُ مُنَاسِبٌ تَمَامًا. نُورٌ كَانَتْ جُزْءًا حَقِيقِيًّا مِنْ هَذِهِ الْحِكَايَةِ، وَصَوْتُهَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسْمَعَ كَمَا سُمِعَ صَوْتِي. لَا أَرَى فِي ذَلِكَ أَيَّ تَهْدِيدٍ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ.
وَافَقَ سَامِرٌ، وَبَعْدَ أَسَابِيعَ، وَصَلَ فَصْلُ نُورٍ.
لَمْ أَكْتُبْ هَذَا الْفَصْلَ لِأُبَرِّرَ شَيْئًا، فَلَمْ أَفْعَلْ مَا يَسْتَدْعِي تَبْرِيرًا. كَتَبْتُهُ لِأَقُولَ شَيْئًا ظَلَلْتُ أَصْمُتُ عَنْهُ طَوِيلًا: أَنَّ عَلَاقَتِي بِسَامِرٍ عَلَّمَتْنِي أَنَّ الْحُرِّيَّةَ الَّتِي اخْتَرْتُهَا لِنَفْسِي لَيْسَتْ نَقِيضًا لِلِالْتِزَامِ الَّذِي اخْتَارَهُ هُوَ، بَلْ طَرِيقًا مُخْتَلِفًا يَسِيرُ بِمُحَاذَاتِهِ.
تَعَلَّمْتُ أَيْضًا أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي تَخْتَارُ حُرِّيَّتَهَا لَيْسَتْ دَائِمًا عَدُوَّةً لِلْمَرْأَةِ الَّتِي تَخْتَارُ اسْتِقْرَارَهَا. كِلْتَانَا تَبْحَثَانِ عَنِ الشَّيْءِ نَفْسِهِ فِي النِّهَايَةِ: أَنْ نَعِيشَ حَيَاةً صَادِقَةً مَعَ أَنْفُسِنَا.
قَرَأَتْ لَيْلَى الْفَصْلَ بِتَأَنٍّ، ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَى سَامِرٍ.
— لَيْلَى: أُوَافِقُ عَلَى نَشْرِهِ كَمَا هُوَ، دُونَ أَيِّ تَعْدِيلٍ.
— سَامِرٌ: أَنْتِ مُتَأَكِّدَةٌ؟
— لَيْلَى: مُتَأَكِّدَةٌ تَمَامًا. كِتَابُنَا يَتَحَدَّثُ عَنِ الصِّدْقِ، سَامِرُ. وَلَا يُمْكِنُ أَنْ نَطْلُبَ الصِّدْقَ مِنَ الْآخَرِينَ، ثُمَّ نَرْفُضَ صِدْقَ نُورٍ لِأَنَّهُ يُزْعِجُنَا شَخْصِيًّا.
سَامِرٌ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ
حِينَ قَرَأْتُ كَلِمَاتِ نُورٍ، أَدْرَكْتُ شَيْئًا لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُهُ: أَنَّ الْكِتَابَ الَّذِي بَدَأَ صَوْتًا وَاحِدًا، صَارَ الْآنَ نَسِيجًا مِنْ أَصْوَاتٍ عِدَّةٍ، كُلٌّ مِنْهَا يُكْمِلُ الْآخَرَ، لَا يُنَاقِضُهُ.
رُبَّمَا هَذَا مَا كَانَتْ تَعْنِيهِ لَيْلَى حِينَ قَالَتْ إِنَّ الْحَقِيقَةَ الْكَامِلَةَ تَحْتَاجُ إِلَى كُلِّ الرُّوَاةِ: لَيْلَى، وَنُورٌ، وَمَازِنٌ، وَخَالِدٌ، وَكُلُّ مَنْ عَبَرَ فِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ. أَنَا لَمْ أَكُنْ سِوَى الرَّاوِي الْأَوَّلِ، لَا الرَّاوِيَ الْوَحِيدَ.
أَرْسَلَ سَامِرٌ نُسْخَةً مِنَ الْكِتَابِ إِلَى أَخِيهِ خَالِدٍ فِي دِمَشْقَ، مُتَرَدِّدًا فِي الْبِدَايَةِ، ثُمَّ حَاسِمًا أَمْرَهُ بَعْدَ أَنْ تَذَكَّرَ كَمْ عَلَّمَهُ خَالِدٌ الصِّدْقَ فِي أَصْعَبِ لَحَظَاتِهِ.
بَعْدَ أُسْبُوعَيْنِ، رَنَّ الْهَاتِفُ.
— خَالِدٌ: سَامِرُ، قَرَأْتُ الْكِتَابَ.
— سَامِرٌ: وَمَاذَا رَأَيْتَ؟
صَمَتَ خَالِدٌ لَحْظَةً، وَشَعَرَ سَامِرٌ بِثِقَلِ ذَلِكَ الصَّمْتِ عَبْرَ الْهَاتِفِ.
— خَالِدٌ: رَأَيْتُ نَفْسِي فِي كَثِيرٍ مِنْ صَفَحَاتِهِ، رَغْمَ أَنَّنِي لَمْ أَعِشْ حَيَاتَكَ هُنَاكَ. الْخَوْفُ الَّذِي وَصَفْتَهُ، خَوْفُ الرَّجُلِ مِنْ أَنْ يَقُولَ ضَعْفَهُ، أَعْرِفُهُ جَيِّدًا، حَتَّى هُنَا، فِي دِمَشْقَ، حَيْثُ لَمْ أَعِشْ تَجْرِبَةَ الْمَنْفَى الَّتِي عِشْتَهَا أَنْتَ.
— سَامِرٌ: يَعْنِي أَنَّ الْخَوْفَ لَيْسَ حِكْرًا عَلَى الْمَنْفَى؟
— خَالِدٌ: أَظُنُّ ذَلِكَ. الْمَنْفَى رُبَّمَا يَكْشِفُ الْخَوْفَ بِوُضُوحٍ أَكْبَرَ، لِأَنَّهُ يُزِيلُ كُلَّ الْأَقْنِعَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الَّتِي تُخْفِيهِ عَنَّا فِي أَوْطَانِنَا. وَلَكِنَّ الْخَوْفَ نَفْسَهُ، خَوْفَ الرَّجُلِ مِنْ أَنْ يُقَالَ عَنْهُ إِنَّهُ ضَعِيفٌ، مَوْجُودٌ فِي كُلِّ مَكَانٍ.
فَكَّرَ سَامِرٌ فِي كَلَامِ أَخِيهِ طَوِيلًا بَعْدَ الْمُكَالَمَةِ.
— خَالِدٌ: سَامِرُ، عِنْدِي طَلَبٌ.
— سَامِرٌ: قُلْ.
— خَالِدٌ: أُرِيدُ أَنْ أُتَرْجِمَ بَعْضَ فُصُولِ الْكِتَابِ إِلَى أَصْدِقَائِي هُنَا، شَفَهِيًّا، دُونَ نَشْرٍ رَسْمِيٍّ. أَظُنُّ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الرِّجَالِ هُنَا يَحْتَاجُونَ أَنْ يَسْمَعُوا مَا كَتَبْتَ، حَتَّى وَإِنْ لَمْ يَعِيشُوا الْمَنْفَى قَطُّ.
— سَامِرٌ: بِكُلِّ سُرُورٍ، يَا خَالِدُ. وَإِذَا رَغِبْتَ يَوْمًا أَنْ تَكْتُبَ أَنْتَ أَيْضًا فَصْلًا عَنْ تَجْرِبَتِكَ هُنَاكَ، فَسَيَكُونُ ذَلِكَ أَجْمَلَ إِضَافَةٍ يُمْكِنُ أَنْ يَحْظَى بِهَا الْكِتَابُ.
ابْتَسَمَ خَالِدٌ عَبْرَ الْهَاتِفِ، وَإِنْ لَمْ يَرَهُ سَامِرٌ.
— خَالِدٌ: سَأُفَكِّرُ فِي الْأَمْرِ جِدِّيًّا، يَا أَخِي. رُبَّمَا حَانَ الْوَقْتُ لِأَقُولَ أَنَا أَيْضًا مَا لَمْ أَقُلْهُ لِأَحَدٍ.
———————–
بَلَغَتْ كَرِيسْتِينُ سِنَّ اخْتِيَارِ التَّخَصُّصِ الْجَامِعِيِّ، وَأَعْلَنَتْ فِي عَشَاءٍ عَائِلِيٍّ قَرَارَهَا.
— كَرِيسْتِينُ: قَرَّرْتُ أَنْ أَدْرُسَ عِلْمَ النَّفْسِ. أُرِيدُ أَنْ أُصْبِحَ مُعَالِجَةً نَفْسِيَّةً مُتَخَصِّصَةً فِي مُسَاعَدَةِ عَائِلَاتٍ مِنْ خَلْفِيَّاتٍ مُهَاجِرَةٍ.
نَظَرَ إِلَيْهَا سَامِرٌ وَلَيْلَى بِفَخْرٍ، وَإِنْ سَأَلَتْهَا لَيْلَى عَنِ الدَّافِعِ.
— لَيْلَى: وَمَا الَّذِي دَفَعَكِ إِلَى هَذَا الِاخْتِيَارِ، يَا كَرِيسْتِينُ؟
— كَرِيسْتِينُ: بَصَرَاحَةٍ؟ أَنْتُمَا. رَأَيْتُكُمَا تَمُرَّانِ بِأَزْمَةٍ صَعْبَةٍ حِينَ كُنْتُ صَغِيرَةً، وَرَأَيْتُكُمَا تَخْرُجَانِ مِنْهَا أَقْوَى، لِأَنَّكُمَا وَجَدْتُمَا الشَّجَاعَةَ لِلْحَدِيثِ بَدَلَ الصَّمْتِ. أُرِيدُ أَنْ أُسَاعِدَ عَائِلَاتٍ أُخْرَى عَلَى إِيجَادِ الطَّرِيقِ نَفْسِهِ، خُصُوصًا الْعَائِلَاتِ الَّتِي تَحْمِلُ عِبْءَ ثَقَافَتَيْنِ كَمَا نَحْمِلُ نَحْنُ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِدُمُوعٍ تَقْتَرِبُ مِنْ عَيْنَيْهِ لِلْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ، بَعْدَ أَنْ سَمِعَ يُوسُفَ يُرَدِّدُ كَلِمَاتِهِ يَوْمًا، وَهَا هُوَ الْآنَ يَسْمَعُ ابْنَتَهُ تُخْبِرُهُ أَنَّ أَزْمَتَهُمَا صَارَتْ مَصْدَرَ إِلْهَامٍ لِمِهْنَةِ حَيَاتِهَا.
— سَامِرٌ: كَرِيسْتِينُ، أَنَا فَخُورٌ بِكِ بِطَرِيقَةٍ لَا أَجِدُ لَهَا كَلِمَاتٍ كَافِيَةً.
— كَرِيسْتِينُ: أَنْتُمَا مَنْ عَلَّمْتُمَانِي، دُونَ أَنْ تَقْصِدَا، أَنَّ أَصْعَبَ لَحَظَاتِ حَيَاتِنَا يُمْكِنُ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى شَيْءٍ يُفِيدُ الْآخَرِينَ، إِذَا وَاجَهْنَاهَا بِصِدْقٍ بَدَلَ أَنْ نَدْفِنَهَا.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى لَيْلَى، وَتَبَادَلَا نَظْرَةً تَحْمِلُ كُلَّ مَا لَا يَحْتَاجَانِ إِلَى قَوْلِهِ بَعْدَ الْآنَ، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ مِنَ الصِّدْقِ الْمُتَبَادَلِ.
——————–
اقْتَرَحَتْ دَارُ نَشْرٍ أَلْمَانِيَّةٌ صَغِيرَةٌ، بَعْدَ أَنْ سَمِعَتْ عَنِ الْكِتَابِ مِنْ إِحْدَى الْقَارِئَاتِ، أَنْ تُتَرْجِمَ نُصُوصَ سَامِرٍ إِلَى الْأَلْمَانِيَّةِ.
جَلَسَ سَامِرٌ مَعَ يُوسُفَ، الَّذِي أَصْبَحَ الْآنَ طَالِبًا مُتَقَدِّمًا فِي الْأَدَبِ الْمُقَارَنِ، يُنَاقِشَانِ كَيْفِيَّةَ التَّعَامُلِ مَعَ هَذَا الْعَرْضِ.
— يُوسُفُ: بَابَا، هَذِهِ فُرْصَةٌ عَظِيمَةٌ. وَلَكِنَّنِي أَعْرِفُ كَمْ تَخَافُ مِنَ التَّرْجَمَةِ الْحَرْفِيَّةِ الَّتِي تَفْقِدُ رُوحَ النَّصِّ.
— سَامِرٌ: بِالضَّبْطِ. أُرِيدُ مُتَرْجِمًا يَقْرَأُ النَّصَّ الْأَلْمَانِيَّ كَعَمَلٍ أَصِيلٍ، لَا كَتَرْجَمَةٍ آلِيَّةٍ. أُرِيدُ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى الصَّوْتِ السَّرْدِيِّ وَالْعُمْقِ الْعَاطِفِيِّ، لَا عَلَى الْكَلِمَاتِ فَقَطْ.
— يُوسُفُ: وَمَاذَا عَنِ اسْمِي سَامِرٍ وَلَيْلَى؟ هَلْ سَتُغَيِّرُهُمَا؟
— سَامِرٌ: لَا، سَيَبْقَى الِاسْمَانِ كَمَا هُمَا. أُرِيدُ لِلْقَارِئِ الْأَلْمَانِيِّ أَنْ يَشْعُرَ أَنَّهُ يَقْرَأُ عَنْ أُنَاسٍ حَقِيقِيِّينَ يَحْمِلُونَ أَسْمَاءَهُمُ الْأَصْلِيَّةَ، لَا شَخْصِيَّاتٍ مُعَدَّلَةً لِتُرْضِيَ ذَوْقًا مُعَيَّنًا.
بَدَأَ سَامِرٌ الْبَحْثَ عَنْ مُتَرْجِمٍ يُشَارِكُهُ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ، وَوَجَدَ ضَالَّتَهُ فِي شَابَّةٍ أَلْمَانِيَّةٍ تُتْقِنُ الْعَرَبِيَّةَ وَتَعِيشُ فِي بَيْرُوتَ لِسَنَوَاتٍ، وَتَفْهَمُ عَمِيقًا مَا يَعْنِيهِ أَنْ تَعِيشَ بَيْنَ ثَقَافَتَيْنِ.
سَامِرٌ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ
أَفْكِّرُ الْآنَ فِي رِحْلَةِ هَذَا الْكِتَابِ: بَدَأَ نُصُوصًا سِرِّيَّةً لَمْ أَجْرُؤْ عَلَى نَشْرِهَا، ثُمَّ صَارَ كِتَابًا يَحْمِلُ اسْمِي عَلَى رَفٍّ فِي مَكْتَبَةِ صَدِيقٍ، وَالْآنَ يَتَحَوَّلُ إِلَى لُغَةٍ أُخْرَى، لِيَصِلَ إِلَى قُرَّاءٍ لَمْ يَكُونُوا لِيَعْرِفُوا شَيْئًا عَنْ سَامِرٍ وَلَيْلَى وَنُورٍ لَوْلَا هَذِهِ التَّرْجَمَةَ.
أَشْعُرُ بِمَسْؤُولِيَّةٍ عَمِيقَةٍ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ: أَنْ تَبْقَى الْحِكَايَةُ صَادِقَةً بِلُغَتِهَا الْجَدِيدَةِ كَمَا كَانَتْ بِلُغَتِهَا الْأُولَى. لَيْسَتِ التَّرْجَمَةُ نَقْلًا لِلْكَلِمَاتِ فَقَطْ، بَلْ إِعَادَةَ وِلَادَةٍ لِلرُّوحِ نَفْسِهَا فِي جَسَدٍ لُغَوِيٍّ مُخْتَلِفٍ.
لَمْ أَكُنْ أَتَخَيَّلُ يَوْمًا أَنَّ حِكَايَتِي الَّتِي بَدَأَتْ بِخَوْفٍ مِنْ كُلِّ جَدِيدٍ وَغَرِيبٍ وَمَجْهُولٍ، سَتَعْبُرُ هِيَ نَفْسُهَا الْحُدُودَ إِلَى لُغَةٍ جَدِيدَةٍ وَقُرَّاءٍ جُدُدٍ، لِتُخْبِرَهُمْ أَنَّ الْخَوْفَ نَفْسَهُ، أَيًّا كَانَتِ اللُّغَةُ الَّتِي نُفَكِّرُ بِهَا، يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ، وَأَنْ يُسْمَعَ، وَأَنْ يُشْفَى مِنْهُ جُزْءٌ فِينَا.
————————
بَدَأَتِ الْمُتَرْجِمَةُ، وَاسْمُهَا كْلَارَا، عَمَلَهَا عَلَى النَّصِّ، وَطَلَبَتْ لِقَاءً مَعَ سَامِرٍ لِتُوَضِّحَ بَعْضَ الْمَسَائِلِ قَبْلَ أَنْ تَمْضِيَ قُدُمًا.
— كْلَارَا: أُسْتَاذُ سَامِرُ، عِنْدِي سُؤَالٌ عَنْ فُصُولِ ‘سَامِرٌ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ’. هَلْ تُرِيدُنِي أَنْ أُتَرْجِمَهَا بِأُسْلُوبٍ أَدَبِيٍّ رَفِيعٍ، أَمْ بِأُسْلُوبٍ أَقْرَبَ إِلَى الْحَدِيثِ الْيَوْمِيِّ؟
— سَامِرٌ: سُؤَالٌ مُهِمٌّ. أُرِيدُهَا أَدَبِيَّةً، وَلَكِنْ لَيْسَتْ مُتَكَلَّفَةً. هَذِهِ الْفُصُولُ صَوْتِي الدَّاخِلِيُّ، وَالصَّوْتُ الدَّاخِلِيُّ لَا يَتَكَلَّمُ بِلُغَةٍ مُتَصَنَّعَةٍ، بَلْ بِصِدْقٍ يَحْمِلُ جَمَالًا خَاصًّا بِهِ.
— كْلَارَا: أَفْهَمُ. وَسُؤَالٌ آخَرُ: كَيْفَ أَتَعَامَلُ مَعَ الِاقْتِبَاسَاتِ فِي رِسَالَةِ نُورٍ الْأَخِيرَةِ؟ فِي الْأَلْمَانِيَّةِ، نَسْتَخْدِمُ عَلَامَاتِ اقْتِبَاسٍ مُخْتَلِفَةً عَنِ الْعَرَبِيَّةِ.
— سَامِرٌ: اسْتَخْدِمِي مَا هُوَ مُعْتَادٌ فِي الْأَلْمَانِيَّةِ. أَثِقُ بِخِبْرَتِكِ فِي هَذَا.
تَابَعَتْ كْلَارَا حَدِيثَهَا بِحَمَاسٍ.
— كْلَارَا: شَيْءٌ آخَرُ أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهُ لَكَ: أَنَا نَفْسِي عِشْتُ فِي بَيْرُوتَ سِنِينَ طَوِيلَةً، وَقَرَأْتُ نَصَّكَ لَيْسَ كَمُتَرْجِمَةٍ فَقَطْ، بَلْ كَامْرَأَةٍ عَرَفَتْ أَيْضًا مَعْنَى أَنْ تَعِيشَ بَيْنَ ثَقَافَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ اتِّجَاهِي مُعَاكِسًا لِاتِّجَاهِكَ.
— سَامِرٌ: هَذَا يُطَمْئِنُنِي كَثِيرًا، يَا كْلَارَا. أُرِيدُ مُتَرْجِمَةً تَفْهَمُ النَّصَّ مِنَ الدَّاخِلِ، لَا مُتَرْجِمَةً تَنْقُلُ الْكَلِمَاتِ فَقَطْ.
سَامِرٌ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ
أَشْعُرُ بِارْتِيَاحٍ عَمِيقٍ بَعْدَ هَذَا اللِّقَاءِ. لَطَالَمَا خِفْتُ أَنْ تَفْقِدَ كَلِمَاتِي رُوحَهَا حِينَ تَعْبُرُ إِلَى لُغَةٍ أُخْرَى، وَكَأَنَّ التَّرْجَمَةَ عُبُورٌ يَتْرُكُ خَلْفَهُ جُزْءًا مِنَ الْحَقِيبَةِ عَلَى الْحُدُودِ.
وَلَكِنَّ كْلَارَا، بِحَمْلِهَا تَجْرِبَةً مُشَابِهَةً وَإِنْ كَانَتْ مُعَاكِسَةَ الِاتِّجَاهِ، مَنَحَتْنِي ثِقَةً أَنَّ النَّصَّ سَيُولَدُ مِنْ جَدِيدٍ بِلُغَتِهِ الْجَدِيدَةِ، لَا أَنَّهُ سَيُنْقَلُ نَقْلًا آلِيًّا فَاقِدًا لِرُوحِهِ.
رُبَّمَا هَذَا مَا تَعْنِيهِ الْغُرْبَةُ الَّتِي عِشْتُهَا، مَرَّةً أُخْرَى، بِشَكْلٍ مُخْتَلِفٍ: أَنَّ النُّصُوصَ، مِثْلَ النَّاسِ، يُمْكِنُ أَنْ تُهَاجِرَ إِلَى لُغَاتٍ جَدِيدَةٍ، وَتَجِدَ فِيهَا بَيْتًا ثَانِيًا، بِشَرْطِ أَنْ يَحْمِلَهَا مَنْ يَفْهَمُ ثِقْلَ مَا تَحْمِلُهُ.
