لَمْ يَقُلْهَا لِأَحَدٍ 10

لَمْ يَقُلْهَا لِأَحَدٍ
الفصل العاشر – الأخير
أَقَامَ مَازِنٌ فِي مَكْتَبَتِهِ حَفْلَ تَوْقِيعٍ صَغِيرًا لِلطَّبْعَةِ الْأَلْمَانِيَّةِ مِنَ الْكِتَابِ، وَحَضَرَ الْجَمِيعُ، بِمَنْ فِيهِمْ أَبُو فِرَاسٍ، الَّذِي فَاجَأَ الْجَمِيعَ بِحُضُورِهِ رَغْمَ أَنَّ الْحَدَثَ كَانَ بِاللُّغَةِ الْأَلْمَانِيَّةِ فِي مُعْظَمِهِ.
بَعْدَ انْتِهَاءِ الْكَلِمَاتِ الرَّسْمِيَّةِ، اقْتَرَبَ أَبُو فِرَاسٍ مِنْ سَامِرٍ، يَحْمِلُ نُسْخَةً مِنَ الْكِتَابِ بِيَدِهِ.
— أَبُو فِرَاسٍ: سَامِرُ، أَتَعْرِفُ؟ فِرَاسٌ قَرَأَ لِي فُصُولًا مِنَ الْكِتَابِ بِالْأَلْمَانِيَّةِ، وَتَرْجَمَهَا لِي فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ. وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ، شَعَرْتُ أَنَّنِي أَفْهَمُ كَلِمَاتٍ أَلْمَانِيَّةً بِنَفْسِي، قَبْلَ أَنْ يُتَرْجِمَهَا هُوَ.
— سَامِرٌ: هَذَا يُسْعِدُنِي كَثِيرًا، يَا أَبَا فِرَاسٍ.
— أَبُو فِرَاسٍ: الَّذِي أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهُ لَكَ، يَا سَامِرُ، أَنَّنِي حِينَ قَرَأْتُ الْفَصْلَ الَّذِي كَتَبْتَهُ عَنِّي، عَنْ رَفْضِي تَعَلُّمَ اللُّغَةِ، شَعَرْتُ بِالْغَضَبِ فِي الْبِدَايَةِ. ثُمَّ أَدْرَكْتُ أَنَّكَ لَمْ تَسْخَرْ مِنِّي، بَلْ صَوَّرْتَنِي كَمَا كُنْتُ حَقًّا، بِكُلِّ عِنَادِي وَخَوْفِي.
— سَامِرٌ: لَمْ أُرِدْ يَوْمًا أَنْ أَسْخَرَ مِنْكَ، يَا أَبَا فِرَاسٍ. أَرَدْتُ أَنْ أُظْهِرَ أَنَّ عِنَادَكَ وَتَغَيُّرَكَ لَاحِقًا كَانَا جُزْءًا حَقِيقِيًّا مِنْ هَذِهِ الْحِكَايَةِ، لَا أَقَلَّ أَهَمِّيَّةً مِنْ حِكَايَتِي أَنَا.
ابْتَسَمَ أَبُو فِرَاسٍ ابْتِسَامَةً هَادِئَةً، لَمْ تَكُنْ مِنْ نَوْعِ ابْتِسَامَاتِهِ الْمُعْتَادَةِ.
— أَبُو فِرَاسٍ: أَتَعْرِفُ؟ كُنْتُ أَظُنُّ طَوَالَ حَيَاتِي أَنَّ الرِّجَالَ الْكِبَارَ لَا يَتَغَيَّرُونَ. وَهَا أَنَا، فِي هَذَا الْعُمْرِ، أَقِفُ فِي حَفْلٍ لِتَوْقِيعِ كِتَابٍ بِلُغَةٍ لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ مِنْهَا كَلِمَةً وَاحِدَةً قَبْلَ سَنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ. رُبَّمَا كُنْتُ مُخْطِئًا فِي ذَلِكَ الظَّنِّ.
احْتَضَنَ الرَّجُلَانِ بَعْضَهُمَا بَعْضًا، فِي مَشْهَدٍ رَاقَبَتْهُ لَيْلَى وَفِرَاسٌ مِنْ بَعِيدٍ بِتَأَثُّرٍ عَمِيقٍ.
—————-
بَعْدَ حَفْلِ التَّوْقِيعِ بِأَسَابِيعَ، دُعِيَ سَامِرٌ لِلْمُشَارَكَةِ فِي نَدْوَةٍ حَوْلَ أَدَبِ الْمَنْفَى، وَطَلَبَ مِنْ رِيمَا أَنْ تُشَارِكَ مَعَهُ، بِصِفَتِهَا امْرَأَةً عَاشَتْ تَجْرِبَةً مُخْتَلِفَةً لِلِاسْتِقْلَالِيَّةِ فِي الْمَنْفَى.
خِلَالَ النَّدْوَةِ، سَأَلَ أَحَدُ الْحَاضِرِينَ سُؤَالًا وَجَّهَهُ إِلَى رِيمَا مُبَاشَرَةً.
— أَحَدُ الْحَاضِرِينَ: سَيِّدَةُ رِيمَا، أَلَا تَشْعُرِينَ أَنَّ الْكِتَابَ صَوَّرَكِ بِطَرِيقَةٍ قَاسِيَةٍ بَعْضَ الشَّيْءِ، بِوَصْفِكِ سَبَبًا فِي انْهِيَارِ زَوَاجِكِ؟
ابْتَسَمَتْ رِيمَا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ.
— رِيمَا: عَلَى الْعَكْسِ تَمَامًا. الْكِتَابُ لَمْ يُصَوِّرْنِي سَبَبًا لِأَيِّ شَيْءٍ. صَوَّرَنِي امْرَأَةً اخْتَارَتْ حَيَاتَهَا، وَصَوَّرَ كَرِيمًا رَجُلًا لَمْ يَكُنْ مُسْتَعِدًّا لِهَذَا الِاخْتِيَارِ فِي وَقْتِهِ. لَمْ يَكُنِ الِانْفِصَالُ خَطَأَ أَحَدٍ، كَانَ نَتِيجَةَ طَرِيقَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِلنُّمُوِّ.
— سَامِرٌ: أَظُنُّ أَنَّ هَذَا بِالضَّبْطِ مَا حَاوَلْتُ قَوْلَهُ فِي الْكِتَابِ: أَنَّ الِانْفِصَالَ لَيْسَ دَائِمًا فَشَلًا، وَأَنَّ الزَّوَاجَ لَيْسَ دَائِمًا نَجَاحًا، بَلْ كِلَاهُمَا قَرَارٌ يَحْمِلُ مَنْطِقَهُ الْخَاصَّ.
سَأَلَتِ امْرَأَةٌ أُخْرَى مِنَ الْجُمْهُورِ.
— امْرَأَةٌ مِنَ الْجُمْهُورِ: وَهَلْ تَنْدَمِينَ عَلَى قَرَارِكِ، سَيِّدَةَ رِيمَا؟
— رِيمَا: لَا أَنْدَمُ عَلَى اخْتِيَارِ نَفْسِي، وَلَكِنِّي أَحْزَنُ أَحْيَانًا عَلَى الْوَقْتِ الَّذِي أَضَعْنَاهُ، أَنَا وَكَرِيمٌ، قَبْلَ أَنْ نَفْهَمَ أَنَّ الْحُبَّ وَحْدَهُ لَا يَكْفِي، وَأَنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَتَعَلَّمَ كَيْفَ نَسْتَمِعُ لِبَعْضِنَا حَقًّا.
بَعْدَ النَّدْوَةِ، شَكَرَ سَامِرٌ رِيمَا عَلَى صِدْقِهَا أَمَامَ الْجُمْهُورِ.
— سَامِرٌ: شُكْرًا لَكِ، يَا رِيمَا، عَلَى شَجَاعَتِكِ فِي الْحَدِيثِ عَنْ تَجْرِبَتِكِ بِهَذَا الْوُضُوحِ أَمَامَ الْغُرَبَاءِ.
— رِيمَا: تَعَلَّمْتُهَا مِنْكَ وَمِنْ لَيْلَى، بِصَرَاحَةٍ. إِذَا كَانَتْ حِكَايَتُكُمَا قَدْ أَفَادَتِ النَّاسَ، فَلِمَ لَا أُشَارِكُ أَنَا أَيْضًا بِمَا تَعَلَّمْتُهُ مِنْ حِكَايَتِي؟
—————-
بَعْدَ سَنَتَيْنِ مِنْ زَوَاجِهَا الثَّانِي، أَنْجَبَتْ سَلْمَى طِفْلَتَهَا الْأُولَى، فِي عُمْرٍ اعْتَقَدَتْ فِيهِ يَوْمًا أَنَّ الْأُمُومَةَ لَمْ تَعُدْ خِيَارًا مُتَاحًا لَهَا.
زَارَتْهَا لَيْلَى فِي الْبَيْتِ بَعْدَ أَيَّامٍ مِنَ الْوِلَادَةِ.
— لَيْلَى: كَيْفَ تَشْعُرِينَ، يَا سَلْمَى؟
— سَلْمَى: أَشْعُرُ بِسَعَادَةٍ لَمْ أَتَخَيَّلْهَا يَوْمًا. أَتَذَكَّرِينَ حِينَ كُنْتُ أَقُولُ لَكِ إِنَّ الزَّوَاجَ الْأَوَّلَ أَخَذَ مِنِّي كُلَّ رَغْبَتِي فِي الْأُمُومَةِ؟
— لَيْلَى: أَتَذَكَّرُ جَيِّدًا.
— سَلْمَى: لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ أَنَّنِي لَمْ أَكُنْ أُرِيدُ أَطْفَالًا، بَلْ أَنَّنِي لَمْ أَكُنْ أُرِيدُ أَطْفَالًا مَعَ رَجُلٍ لَمْ أَشْعُرْ يَوْمًا أَنَّهُ شَرِيكٌ حَقِيقِيٌّ لِي. الْفَرْقُ كَبِيرٌ.
حَمَلَتْ لَيْلَى الطِّفْلَةَ الصَّغِيرَةَ بَيْنَ يَدَيْهَا، وَشَعَرَتْ بِفَرَحٍ عَمِيقٍ لِصَدِيقَتِهَا الَّتِي رَافَقَتْهَا فِي أَصْعَبِ لَحَظَاتِ حَيَاتِهَا.
— لَيْلَى: مَاذَا سَتُسَمِّينَهَا؟
— سَلْمَى: قَرَّرْنَا أَنْ نُسَمِّيَهَا ‘أَمَلَ’. لِأَنَّهَا وُلِدَتْ بَعْدَ أَنْ ظَنَنْتُ يَوْمًا أَنَّ الْأَمَلَ فِي حَيَاةٍ جَدِيدَةٍ قَدِ انْتَهَى.
ابْتَسَمَتْ لَيْلَى، وَنَظَرَتْ إِلَى وَجْهِ الطِّفْلَةِ الصَّغِيرَةِ النَّائِمَةِ.
— لَيْلَى: أَهْلًا بِكِ، يَا أَمَلُ. اسْمٌ يَلِيقُ بِأُمِّكِ تَمَامًا.
——————–
بَلَغَتْ مَرْيَمُ سِنَّ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ، وَقَبِلَتْهَا جَامِعَةٌ لِدِرَاسَةِ الْهَنْدَسَةِ الْمِعْمَارِيَّةِ. جَلَسَ خَالِدٌ، عَبْرَ مُكَالَمَةِ فِيدْيُو مِنْ دِمَشْقَ، يُشَارِكُ ابْنَتَهُ فَرْحَتَهَا.
— خَالِدٌ: الْهَنْدَسَةُ الْمِعْمَارِيَّةُ! يَا لَهَا مِنِ اخْتِيَارٍ جَمِيلٍ، يَا مَرْيَمُ. سَتَبْنِينَ بُيُوتًا لِلنَّاسِ.
— مَرْيَمُ: بَابَا، أُرِيدُ أَنْ أَبْنِيَ أَكْثَرَ مِنْ بُيُوتٍ. أُرِيدُ أَنْ أُصَمِّمَ أَمَاكِنَ تَجْمَعُ بَيْنَ الطِّرَازِ الْعَرَبِيِّ الْقَدِيمِ وَالتَّصْمِيمِ الْأَلْمَانِيِّ الْحَدِيثِ. أَشْعُرُ أَنَّنِي، بِحُكْمِ حَيَاتِي بَيْنَ الثَّقَافَتَيْنِ، أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرَى جَمَالًا لَا يَرَاهُ مَنْ عَاشَ فِي ثَقَافَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ.
ابْتَسَمَ خَالِدٌ، وَشَعَرَ بِفَخْرٍ يَصْعُبُ وَصْفُهُ.
— خَالِدٌ: أَتَعْرِفِينَ؟ حِينَ أَرْسَلْتُكِ إِلَى أَلْمَانِيَا، كُنْتُ خَائِفًا أَنْ تَفْقِدِي جُذُورَكِ. وَهَا أَنْتِ الْآنَ تُخَطِّطِينَ أَنْ تَجْعَلِي مِنْ هَذِهِ الْجُذُورِ نَفْسِهَا أَسَاسَ عَمَلِكِ.
— مَرْيَمُ: لَمْ أَفْقِدْهَا أَبَدًا، يَا بَابَا. حَمَلْتُهَا مَعِي فِي كُلِّ خُطْوَةٍ، تَمَامًا كَمَا قَالَتْ لِي كَرِيسْتِينُ يَوْمًا: الْبَيْتُ لَيْسَ مَكَانًا، بَلْ كُلَّ مَا نَحْمِلُهُ مَعَنَا.
بَعْدَ انْتِهَاءِ الْمُكَالَمَةِ، جَلَسَتْ مَرْيَمُ تُفَكِّرُ فِي كُلِّ السَّنَوَاتِ الَّتِي مَرَّتْ مُنْذُ وُصُولِهَا خَائِفَةً إِلَى هَذَا الْبَلَدِ، وَشَعَرَتْ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ لِعَمِّهَا سَامِرٍ وَعَمَّتِهَا لَيْلَى، اللَّذَيْنِ فَتَحَا لَهَا بَابًا لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ أَنَّهُ سَيَقُودُهَا إِلَى كُلِّ هَذَا.
—————
بَعْدَ سَنَتَيْنِ مِنَ الْعَمَلِ، أَنْهَى يُوسُفُ رِسَالَتَهُ الْجَامِعِيَّةَ عَنْ أَدَبِ الْمَنْفَى، وَحَانَ يَوْمُ مُنَاقَشَتِهَا أَمَامَ لَجْنَةٍ أَكَادِيمِيَّةٍ. حَضَرَ سَامِرٌ وَلَيْلَى الْمُنَاقَشَةَ، جَالِسَيْنِ فِي الصُّفُوفِ الْخَلْفِيَّةِ.
بَعْدَ الْعَرْضِ، طَرَحَ أَحَدُ الْأَسَاتِذَةِ سُؤَالًا عَلَى يُوسُفَ.
— الْأُسْتَاذُ: فِي رِسَالَتِكَ، تَنْتَقِدُ وَالِدَكَ لِأَنَّهُ أَخْفَى مَشَاعِرَهُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً. أَلَا تَظُنُّ أَنَّ هَذَا نَقْدٌ قَاسٍ بَعْضَ الشَّيْءِ لِرَجُلٍ عَاشَ ظُرُوفًا صَعْبَةً؟
— يُوسُفُ: أَظُنُّ أَنَّ النَّقْدَ ضَرُورِيٌّ لِيَكُونَ التَّحْلِيلُ نَزِيهًا، أُسْتَاذِي. وَالِدِي نَفْسُهُ طَلَبَ مِنِّي أَلَّا أُجَامِلَهُ فِي هَذَا الْبَحْثِ. أَظُنُّ أَنَّ إِخْفَاءَ الْمَشَاعِرِ، مَهْمَا كَانَتْ مُبَرَّرَاتُهُ، يَحْمِلُ ثَمَنًا عَلَى مَنْ حَوْلَهُ، وَهَذَا مَا حَاوَلْتُ تَوْثِيقَهُ بِمَوْضُوعِيَّةٍ.
ابْتَسَمَ سَامِرٌ فِي مَكَانِهِ، فَخُورًا بِصَرَامَةِ ابْنِهِ الْأَكَادِيمِيَّةِ، حَتَّى وَإِنْ كَانَتْ مُوَجَّهَةً ضِدَّهُ هُوَ نَفْسَهُ.
— الْأُسْتَاذُ: وَمَاذَا عَنِ الْأُمِّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ؟ أَلَاحَظُ أَنَّ تَحْلِيلَكَ لِشَخْصِيَّتِهَا أَكْثَرُ تَعَاطُفًا.
— يُوسُفُ: رُبَّمَا، أُسْتَاذِي، وَلَكِنَّنِي حَاوَلْتُ أَنْ أُوَضِّحَ أَيْضًا كَيْفَ سَاهَمَتْ هِيَ فِي دِينَامِيكِيَّةِ الصَّمْتِ الَّتِي انْتَقَدْتُهَا فِي وَالِدِي. لَا أَحَدَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ بَرِيءٌ تَمَامًا، وَلَا أَحَدَ مُذْنِبٌ تَمَامًا. هَذَا مَا حَاوَلْتُ إِظْهَارَهُ.
بَعْدَ انْتِهَاءِ الْمُنَاقَشَةِ، وَنَجَاحِ يُوسُفَ بِتَقْدِيرٍ مُمْتَازٍ، اقْتَرَبَ سَامِرٌ مِنِ ابْنِهِ.
— سَامِرٌ: كُنْتَ رَائِعًا، يَا يُوسُفُ. وَبِصَرَاحَةٍ، تَعَلَّمْتُ مِنْ نَقْدِكَ أَشْيَاءَ لَمْ أَرَهَا فِي نَفْسِي مِنْ قَبْلُ.
— يُوسُفُ: هَذَا أَكْثَرُ مَا كُنْتُ أَخَافُهُ، بَابَا: أَنْ تَغْضَبَ مِنْ نَقْدِي.
— سَامِرٌ: كَيْفَ أَغْضَبُ مِنِ ابْنٍ تَعَلَّمَ مِنِّي أَنْ يَقُولَ الصِّدْقَ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الصِّدْقُ مُوجَّهًا ضِدِّي؟
—————–
بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنِ انْفِصَالِهِ عَنْ رِيمَا، أَخْبَرَ كَرِيمٌ سَامِرًا بِأَنَّهُ الْتَقَى امْرَأَةً بَدَأَ يَشْعُرُ نَحْوَهَا بِمَشَاعِرَ جَادَّةٍ.
— كَرِيمٌ: سَامِرُ، اسْمُهَا هَنَاءُ، وَهِيَ مُطَلَّقَةٌ مِثْلِي، وَعِنْدَهَا وَلَدٌ فِي عُمْرِ أَوْلَادِي.
— سَامِرٌ: وَكَيْفَ تَشْعُرُ حِيَالَ هَذِهِ الْعَلَاقَةِ؟
— كَرِيمٌ: أَشْعُرُ بِخَوْفٍ، بِصَرَاحَةٍ. أَخَافُ أَنْ أُكَرِّرَ الْأَخْطَاءَ نَفْسَهَا الَّتِي ارْتَكَبْتُهَا مَعَ رِيمَا.
— سَامِرٌ: وَمَاذَا تَعَلَّمْتَ مِنْ تِلْكَ الْأَخْطَاءِ؟
— كَرِيمٌ: تَعَلَّمْتُ أَنْ أَسْتَمِعَ قَبْلَ أَنْ أَحْكُمَ، وَأَنْ أُشَارِكَ الْقَرَارَاتِ بَدَلَ أَنْ أَنْتَظِرَ أَنْ تُفْهَمَ رَغَبَاتِي دُونَ أَنْ أُعَبِّرَ عَنْهَا. أَخْبَرْتُ هَنَاءَ بِكُلِّ هَذَا مُنْذُ الْبِدَايَةِ، وَبِتَجْرِبَتِي السَّابِقَةِ كَامِلَةً، دُونَ أَنْ أُخْفِيَ شَيْئًا.
أَعْجَبَ سَامِرًا هَذَا التَّحَوُّلُ فِي صَدِيقِهِ.
— سَامِرٌ: هَذَا نُضْجٌ حَقِيقِيٌّ، يَا كَرِيمُ. لَيْسَ كُلُّ رَجُلٍ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحَوِّلَ أَخْطَاءَهُ إِلَى دُرُوسٍ يُشَارِكُهَا بِصَرَاحَةٍ مَعَ شَرِيكَةٍ جَدِيدَةٍ.
— كَرِيمٌ: تَعَلَّمْتُ ذَلِكَ مِنْكَ وَمِنْ رِيمَا مَعًا، بِصَرَاحَةٍ. أَنْتُمَا عَلَّمْتُمَانِي أَنَّ الِاعْتِرَافَ بِالْخَطَأِ لَيْسَ ضَعْفًا، بَلْ بِدَايَةُ طَرِيقٍ لِعَدَمِ تَكْرَارِهِ.
ضَحِكَ سَامِرٌ بِخِفَّةٍ.
— سَامِرٌ: أَظُنُّنَا جَمِيعًا أَصْبَحْنَا مَدْرَسَةً لِبَعْضِنَا الْبَعْضِ، يَا كَرِيمُ، دُونَ أَنْ نَقْصِدَ ذَلِكَ.
——————
قَرَّرَ زِيَادٌ، بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ التَّرَدُّدِ، أَنْ يَزُورَ سُورِيَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِهِ، مُصْطَحِبًا هِبَةَ وَابْنَهُمَا يَاسِينَ. لَمْ يَكُنْ زِيَادٌ قَدْ وُلِدَ هُنَاكَ، وَلَكِنَّ وَالِدَيْهِ كَانَا قَدْ هَاجَرَا قَبْلَ الْحَرْبِ بِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، وَظَلَّتْ سُورِيَا بِالنِّسْبَةِ لَهُ حِكَايَاتٍ لَا ذِكْرَيَاتٍ.
عِنْدَ عَوْدَتِهِ، الْتَقَى سَامِرًا وَحَكَى لَهُ عَنِ الرِّحْلَةِ.
— زِيَادٌ: سَامِرُ، شَعَرْتُ بِشُعُورٍ غَرِيبٍ لَمْ أَتَوَقَّعْهُ. زُرْتُ بَيْتَ جَدِّي فِي حَلَبَ، وَشَعَرْتُ بِأَلْفَةٍ لَا أَسْتَطِيعُ تَفْسِيرَهَا، رَغْمَ أَنَّنِي لَمْ أَعِشْ هُنَاكَ يَوْمًا وَاحِدًا.
— سَامِرٌ: رُبَّمَا هَذَا مَا كُنْتَ تَقُولُهُ عَنِ الْجُذُورِ الَّتِي تُوَرَّثُ حِكَايَةً، لَا ذِكْرَى مُبَاشَرَةً. رَأَيْتَ بِعَيْنَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْرِفُهُ بِالْقِصَصِ فَقَطْ.
— زِيَادٌ: بِالضَّبْطِ. وَيَاسِينُ، رَغْمَ صِغَرِ سِنِّهِ، شَعَرَ بِشَيْءٍ أَيْضًا. سَأَلَنِي: بَابَا، هَلْ هَذَا بَيْتُنَا الْحَقِيقِيُّ؟ فَقُلْتُ لَهُ: هَذَا أَحَدُ بُيُوتِنَا، يَا يَاسِينُ. لَنَا بُيُوتٌ كَثِيرَةٌ، فِي أَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ، وَكُلُّهَا حَقِيقِيَّةٌ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِتَأَثُّرٍ عَمِيقٍ وَهُوَ يَسْمَعُ هَذِهِ الْحِكَايَةَ، فَقَدْ رَأَى فِيهَا صَدَى كَلِمَاتِ مَرْيَمَ لِكَرِيسْتِينَ مُنْذُ سَنَوَاتٍ.
— سَامِرٌ: هَذِهِ أَجْمَلُ إِجَابَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تُعْطِيَهَا لِابْنِكَ، يَا زِيَادُ. لَا وَطَنَ وَاحِدَ يُلْغِي الْآخَرَ، بَلْ أَوْطَانٌ تَتَعَايَشُ فِينَا، كُلَّمَا اتَّسَعَتْ قُلُوبُنَا لِاحْتِوَائِهَا.
— زِيَادٌ: أَظُنُّ أَنَّ هَذَا مَا سَنَظَلُّ نُعَلِّمُهُ لِيَاسِينَ وَلِأَيِّ أَطْفَالٍ قَادِمِينَ: أَنَّ الِانْتِمَاءَ لَيْسَ اخْتِيَارًا بَيْنَ مَكَانَيْنِ، بَلْ قُدْرَةً عَلَى احْتِضَانِهِمَا مَعًا.
————–
بَعْدَ سِنِينَ طَوِيلَةٍ مِنَ الْعَطَاءِ فِي الْمَرْكَزِ الثَّقَافِيِّ، بَدَأَتْ صِحَّةُ الْخَالَةِ تَضْعُفُ تَدْرِيجِيًّا. جَلَسَ سَامِرٌ بِجَانِبِ سَرِيرِهَا فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، يُمْسِكُ يَدَهَا.
— الْخَالَةُ: سَامِرُ، أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ لَكَ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ أَنْسَاهُ أَوْ يَفُوتَنِي الْوَقْتُ.
— سَامِرٌ: قُولِي، يَا خَالَتِي.
— الْخَالَةُ: حِينَ وَصَلْتُ إِلَى هُنَا، كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ حَيَاتِي انْتَهَتْ عَمَلِيًّا، وَأَنَّنِي جِئْتُ فَقَطْ لِأُغْلِقَ فَصْلًا أَخِيرًا بِهُدُوءٍ. وَلَكِنَّكُمْ، أَنْتَ وَلَيْلَى، فَتَحْتُمَا لِي فَصْلًا جَدِيدًا لَمْ أَكُنْ أَتَخَيَّلُهُ: تَعَلَّمْتُ لُغَةً، وَسَاعَدْتُ نِسَاءً كَثِيرَاتٍ، وَعِشْتُ سَنَوَاتٍ أَشْعُرُ فِيهَا أَنَّنِي مَا زِلْتُ أَنْمُو، فِي عُمْرٍ ظَنَنْتُ فِيهِ أَنَّ النُّمُوَّ قَدِ انْتَهَى.
شَعَرَ سَامِرٌ بِدُمُوعِهِ تَنْهَمِرُ، وَلَمْ يُحَاوِلْ إِخْفَاءَهَا.
— سَامِرٌ: أَنْتِ مَنْ عَلَّمْتِنَا، يَا خَالَتِي، أَنَّهُ لَا وَقْتَ مُتَأَخِّرًا جِدًّا لِنَتَعَلَّمَ أَوْ نَتَغَيَّرَ.
— الْخَالَةُ: أُرِيدُ مِنْكَ وَعْدًا وَاحِدًا: اكْتُبْ عَنِّي فِي كِتَابِكَ الْقَادِمِ فَصْلًا كَامِلًا. لَا لِأَنِّي أُرِيدُ الشُّهْرَةَ، بَلْ لِأَنَّنِي أُرِيدُ أَنْ تَعْرِفَ كُلُّ امْرَأَةٍ فِي عُمْرِي، فِي أَيِّ مَكَانٍ، أَنَّ التَّغَيُّرَ مُمْكِنٌ مَهْمَا تَأَخَّرَ الْوَقْتُ.
— سَامِرٌ: أَعِدُكِ، يَا خَالَتِي. سَأَكْتُبُ عَنْكِ، وَسَتَبْقَيْنَ حَاضِرَةً فِي كُلِّ نُسْخَةٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، بِكُلِّ لُغَةٍ يُتَرْجَمُ إِلَيْهَا.
ابْتَسَمَتِ الْخَالَةُ ابْتِسَامَةً هَادِئَةً، وَأَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا لِتَسْتَرِيحَ، بَيْنَمَا بَقِيَ سَامِرٌ جَالِسًا بِجَانِبِهَا، يُمْسِكُ يَدَهَا بِحُبٍّ عَمِيقٍ.
————–
بَعْدَ رَحِيلِ الْخَالَةِ بِأَسَابِيعَ، جَلَسَ سَامِرٌ لِيَفِيَ بِوَعْدِهِ لَهَا. لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ سَهْلًا؛ كَيْفَ يَكْتُبُ عَنِ امْرَأَةٍ رَحَلَتْ لِتَوِّهَا دُونَ أَنْ يَغْرَقَ فِي الْحُزْنِ وَحْدَهُ؟
جَلَسَتْ لَيْلَى بِجَانِبِهِ، تُسَاعِدُهُ عَلَى تَذَكُّرِ التَّفَاصِيلِ.
— لَيْلَى: اكْتُبْ عَنْ يَوْمِ نَجَاحِهَا فِي الِامْتِحَانِ. تِلْكَ الِابْتِسَامَةُ الَّتِي لَمْ نَرَهَا عَلَى وَجْهِهَا مِنْ قَبْلُ.
— سَامِرٌ: وَاكْتُبْ أَيْضًا عَنْ دَفْتَرِهَا الصَّغِيرِ، الْمَمْلُوءِ بِكَلِمَاتٍ أَلْمَانِيَّةٍ مَكْتُوبَةٍ بِخَطٍّ عَرَبِيٍّ. مَا زَالَ ذَلِكَ الدَّفْتَرُ عِنْدَنَا.
بَدَأَ سَامِرٌ يَكْتُبُ، وَشَعَرَ بِأَنَّ الْكَلِمَاتِ تَأْتِي بِسُهُولَةٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعَةٍ، كَأَنَّ الْخَالَةَ نَفْسَهَا تُمْلِي عَلَيْهِ مَا تُرِيدُ أَنْ يُقَالَ.
لَمْ تَكُنْ خَالَتِي امْرَأَةً اسْتِثْنَائِيَّةً بِمَعْنَى الْبُطُولَةِ التقليدي. كَانَتِ امْرَأَةً عَادِيَّةً قَرَّرَتْ، فِي عُمْرٍ يَظُنُّ فِيهِ كَثِيرُونَ أَنَّ الْحَيَاةَ قَدِ اسْتَقَرَّتْ عَلَى حَالِهَا الْأَخِيرِ، أَنْ تَبْدَأَ مِنْ جَدِيدٍ. تَعَلَّمَتْ لُغَةً لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ مِنْهَا كَلِمَةً وَاحِدَةً، وَمَنَحَتْ بَاقِيَ حَيَاتِهَا لِمُسَاعَدَةِ نِسَاءٍ أُخْرَيَاتٍ خِفْنَ كَمَا خَافَتْ هِيَ يَوْمًا.
إِذَا كَانَ هُنَاكَ دَرْسٌ وَاحِدٌ أُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ الْقَارِئُ مِنْ حِكَايَةِ خَالَتِي، فَهُوَ هَذَا: النُّمُوُّ لَا يَتَوَقَّفُ عِنْدَ عُمْرٍ مُعَيَّنٍ، وَالشَّجَاعَةُ لَا تَحْتَاجُ أَنْ تَكُونَ صَاخِبَةً لِتَكُونَ حَقِيقِيَّةً.
أَغْلَقَ سَامِرٌ حَاسُوبَهُ بَعْدَ إِتْمَامِ الْفَصْلِ، وَنَظَرَ إِلَى لَيْلَى.
— سَامِرٌ: أَظُنُّنِي وَفَّيْتُ بِوَعْدِي.
— لَيْلَى: أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ تَتَوَقَّعُ، أَنَا مُتَأَكِّدَةٌ.
—————-
بَعْدَ عَامٍ مِنْ رَحِيلِ الْخَالَةِ، تَدَهْوَرَتْ صِحَّةُ أَبِي فِرَاسٍ بِدَوْرِهِ. زَارَهُ سَامِرٌ فِي الْمُسْتَشْفَى، وَوَجَدَ فِرَاسًا جَالِسًا بِجَانِبِ وَالِدِهِ، يُمْسِكُ يَدَهُ.
— أَبُو فِرَاسٍ: سَامِرُ، تَعَالَ. أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ لَكَ شَيْئًا.
اقْتَرَبَ سَامِرٌ، وَجَلَسَ عَلَى الْكُرْسِيِّ الْآخَرِ.
— أَبُو فِرَاسٍ: طَوَالَ حَيَاتِي، ظَنَنْتُ أَنَّ قُوَّةَ الرَّجُلِ تُقَاسُ بِتَمَسُّكِهِ بِمَا يُؤْمِنُ بِهِ، مَهْمَا كَانَ الثَّمَنُ. وَالْيَوْمَ، وَأَنَا فِي هَذَا السَّرِيرِ، أُدْرِكُ أَنَّ الْقُوَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ كَانَتْ فِي أَنْ أَتَعَلَّمَ، وَلَوْ مُتَأَخِّرًا جِدًّا، أَنَّ التَّغَيُّرَ لَيْسَ ضَعْفًا.
— فِرَاسٌ: بَابَا، لَقَدْ تَغَيَّرْتَ فِعْلًا، وَأَنَا رَأَيْتُ ذَلِكَ بِعَيْنَيَّ.
— أَبُو فِرَاسٍ: تَغَيَّرْتُ مُتَأَخِّرًا، يَا فِرَاسُ، وَهَذَا مَا يُؤْلِمُنِي. لَوْ تَغَيَّرْتُ مُبَكِّرًا، رُبَّمَا كُنَّا وَفَّرْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا سَنَوَاتٍ كَثِيرَةً مِنَ التَّوَتُّرِ.
نَظَرَ إِلَى سَامِرٍ.
— أَبُو فِرَاسٍ: سَامِرُ، أَنْتَ أَيْضًا اكْتُبْ عَنِّي فَصْلًا، وَلَكِنْ لَا تُجَمِّلْنِي فِيهِ. اكْتُبْ عَنِّي كَمَا كُنْتُ: رَجُلًا عَنِيدًا، خَافَ مِنَ التَّغَيُّرِ طَوِيلًا، ثُمَّ تَعَلَّمَهُ مُتَأَخِّرًا. رُبَّمَا يَنْفَعُ هَذَا رَجُلًا آخَرَ يَقْرَؤُهُ، فَيُغَيِّرَ رَأْيَهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى سَرِيرِي هَذَا.
أَمْسَكَ سَامِرٌ يَدَهُ.
— سَامِرٌ: أَعِدُكَ، يَا أَبَا فِرَاسٍ. سَأَكْتُبُ الْحَقِيقَةَ كَامِلَةً، لِأَنَّ هَذَا مَا كُنْتَ تَسْتَحِقُّهُ دَائِمًا: أَنْ يُنْظَرَ إِلَيْكَ كَمَا أَنْتَ، لَا كَمَا يُرِيدُ الْآخَرُونَ أَنْ تَكُونَ.
ابْتَسَمَ أَبُو فِرَاسٍ ابْتِسَامَةً أَخِيرَةً، رَاضِيًا، بَيْنَمَا أَمْسَكَ فِرَاسٌ يَدَ وَالِدِهِ الْأُخْرَى، وَجَلَسَ الثَّلَاثَةُ صَامِتِينَ، فِي صَمْتٍ يَحْمِلُ كُلَّ شَيْءٍ قِيلَ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ يُقَالُ.
————–
بَعْدَ رَحِيلِ أَبِي فِرَاسٍ، جَلَسَ سَامِرٌ يُفَكِّرُ فِي كُلِّ مَا تَغَيَّرَ مُنْذُ صَدَرَ كِتَابُهُ الْأَوَّلُ. كَانَتِ الْحِكَايَةُ قَدِ اتَّسَعَتْ كَثِيرًا، وَشَعَرَ أَنَّ الْوَقْتَ حَانَ لِيَكْتُبَ جُزْءًا ثَانِيًا.
جَمَعَ الْعَائِلَةَ فِي أَحَدِ الْأُمْسِيَاتِ لِيُشَارِكَهُمُ الْفِكْرَةَ.
— سَامِرٌ: أُفَكِّرُ أَنْ أَكْتُبَ جُزْءًا ثَانِيًا مِنَ الْكِتَابِ، يَتَحَدَّثُ عَنِ السَّنَوَاتِ الَّتِي تَلَتِ الْأُولَى: زَوَاجُ سَلْمَى، طَبَاعَةُ خَالِدٍ لِلْفُصُولِ فِي دِمَشْقَ، نُضْجُ يُوسُفَ وَكَرِيسْتِينَ وَمَرْيَمَ، وَرَحِيلُ الْخَالَةِ وَأَبِي فِرَاسٍ.
— لَيْلَى: فِكْرَةٌ جَمِيلَةٌ. وَلَكِنْ هَذِهِ الْمَرَّةَ، أُرِيدُ أَنْ نَكْتُبَهُ مَعًا مُنْذُ الْبِدَايَةِ، لَا أَنْ تَكْتُبَهُ أَنْتَ ثُمَّ أُرَاجِعَهُ.
— يُوسُفُ: وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُسَاهِمَ أَيْضًا، بِخِبْرَتِي الْأَكَادِيمِيَّةِ هَذِهِ الْمَرَّةَ، لَا كَابْنٍ فَقَطْ.
— كَرِيسْتِينُ: وَأَنَا، بِخِبْرَتِي فِي عِلْمِ النَّفْسِ، أَسْتَطِيعُ أَنْ أُضِيفَ زَاوِيَةً مُخْتَلِفَةً عَنِ التَّأْثِيرِ النَّفْسِيِّ لِكُلِّ مَا حَدَثَ عَلَى الْعَائِلَةِ.
نَظَرَ سَامِرٌ حَوْلَهُ، إِلَى كُلِّ هَذِهِ الْأَصْوَاتِ الْمُتَحَمِّسَةِ لِلْمُشَارَكَةِ، وَشَعَرَ بِأَنَّ الْكِتَابَ الَّذِي بَدَأَ صَوْتًا وَاحِدًا خَائِفًا، صَارَ الْآنَ مَشْرُوعًا عَائِلِيًّا يَجْمَعُ ثَلَاثَةَ أَجْيَالٍ.
— سَامِرٌ: إِذَنْ، هَذِهِ الْمَرَّةَ، لَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ ‘أَنَا أَتَحَدَّثُ عَنَّا’، بَلْ ‘نَحْنُ نَتَحَدَّثُ عَنْ أَنْفُسِنَا’. مَاذَا عَنْ عُنْوَانٍ جَدِيدٍ؟
— لَيْلَى: مَاذَا عَنْ: ‘قُلْنَاهَا أَخِيرًا’؟
سَادَ صَمْتٌ قَصِيرٌ، ثُمَّ ابْتَسَمَ الْجَمِيعُ فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَكَأَنَّ الْعُنْوَانَ وَجَدَ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ.
سَامِرٌ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ
‘قُلْنَاهَا أَخِيرًا’. عُنْوَانٌ يُكْمِلُ ‘لَمْ يَقُلْهَا لِأَحَدٍ’ بِطَرِيقَةٍ لَمْ أَكُنْ لِأَتَخَيَّلَهَا حِينَ بَدَأْتُ الْكِتَابَةَ فِي ذَلِكَ الصَّبَاحِ الْبَعِيدِ، خَائِفًا مِنْ كُلِّ جَدِيدٍ وَغَرِيبٍ وَمَجْهُولٍ.
رَحْلَتِي بَدَأَتْ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ صَامِتٍ، خَائِفٍ مِنْ أَنْ يُسْمَعَ. وَهَا هِيَ تَنْتَهِي، أَوْ بِالْأَحْرَى تَتَحَوَّلُ، إِلَى جَوْقَةٍ مِنَ الْأَصْوَاتِ الَّتِي تَعَلَّمَتْ، كُلٌّ بِطَرِيقَتِهَا، أَنَّ الصَّمْتَ لَيْسَ حِكْمَةً، وَأَنَّ الْقَوْلَ، مَهْمَا تَأَخَّرَ، خَيْرٌ مِنْ أَلَّا يُقَالَ أَبَدًا.
—————–
فِي صَبَاحٍ يُشْبِهُ ذَلِكَ الصَّبَاحَ الْأَوَّلَ مِنْ هَذِهِ الْحِكَايَةِ، جَلَسَ سَامِرٌ عَلَى الشُّرْفَةِ نَفْسِهَا، يَحْتَسِي قَهْوَتَهُ، وَالْمَدِينَةُ فِي الْخَارِجِ تَسْتَيْقِظُ كَمَا اسْتَيْقَظَتْ فِي كُلِّ صَبَاحٍ طَوَالَ هَذِهِ السَّنَوَاتِ.
دَخَلَتْ لَيْلَى، وَجَلَسَتْ أَمَامَهُ، تَحْمِلُ فِنْجَانَهَا الْخَاصَّ.
— لَيْلَى: فِيمَ تُفَكِّرُ؟
— سَامِرٌ: أُفَكِّرُ فِي كُلِّ مَنْ عَبَرُوا فِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ: الْخَالَةُ، وَأَبُو فِرَاسٍ، وَخَالِدٌ فِي دِمَشْقَ، وَمَازِنٌ فِي مَكْتَبَتِهِ، وَكَرِيمٌ وَرِيمَا وَسَلْمَى وَزِيَادٌ وَهِبَةُ، وَأَبْنَاؤُنَا الَّذِينَ صَارُوا كِبَارًا يَبْنُونَ حَيَاتَهِمُ الْخَاصَّةَ.
— لَيْلَى: حِكَايَةٌ طَوِيلَةٌ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
— سَامِرٌ: طَوِيلَةٌ، وَلَمْ تَنْتَهِ بَعْدُ. سَتَسْتَمِرُّ فِي كِتَابٍ آخَرَ، وَفِي حَيَوَاتٍ أُخْرَى لَمْ نَرَهَا بَعْدُ.
نَظَرَتْ لَيْلَى إِلَى الْأُفُقِ، حَيْثُ كَانَتِ الشَّمْسُ تَشِقُّ طَرِيقَهَا بَيْنَ الْمَبَانِي.
— لَيْلَى: أَتَعْرِفُ مَا الَّذِي تَغَيَّرَ حَقًّا مُنْذُ ذَلِكَ الصَّبَاحِ الْأَوَّلِ؟
— سَامِرٌ: مَاذَا؟
— لَيْلَى: لَمْ نَعُدْ نَحْتَاجُ أَنْ نَمْلَأَ هَذَا الصَّمْتَ بَيْنَنَا بِالْكَلَامِ لِنَطْمَئِنَّ. صَارَ الصَّمْتُ نَفْسُهُ مُرِيحًا، لِأَنَّنَا نَعْرِفُ أَنَّهُ لَا يُخْفِي شَيْئًا.
ابْتَسَمَ سَامِرٌ، وَأَمْسَكَ يَدَهَا فَوْقَ الطَّاوِلَةِ.
سَامِرٌ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ
بَدَأَتْ هَذِهِ الْحِكَايَةُ بِرَجُلٍ يَخْشَى كُلَّ جَدِيدٍ وَغَرِيبٍ وَمَجْهُولٍ، يَحْسِبُ صَمْتَهُ حِكْمَةً. وَهَا هِيَ تَنْتَهِي، أَوْ تَتَحَوَّلُ، مَعَ رَجُلٍ مَا زَالَ يَخَافُ أَحْيَانًا، وَلَكِنَّهُ تَعَلَّمَ أَنَّ الْخَوْفَ لَا يُخِيفُ حِينَ نَحْمِلُهُ مَعًا، لَا وَحِيدِينَ.
كُلُّ مَنْ عَرَفْتُهُمْ فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ عَلَّمَنِي شَيْئًا: خَالَتِي عَلَّمَتْنِي أَنَّ النُّمُوَّ لَا يَتَوَقَّفُ عِنْدَ عُمْرٍ، أَبُو فِرَاسٍ عَلَّمَنِي أَنَّ الِاعْتِرَافَ بِالْخَطَأِ مُتَأَخِّرًا خَيْرٌ مِنْ أَلَّا نَعْتَرِفَ بِهِ أَبَدًا، مَازِنٌ عَلَّمَنِي ثَمَنَ الصَّمْتِ الطَّوِيلِ، خَالِدٌ عَلَّمَنِي أَنَّ الْبَقَاءَ وَالرَّحِيلَ كِلَيْهِمَا شَجَاعَةٌ، وَلَيْلَى، لَيْلَى عَلَّمَتْنِي أَنَّ الصِّدْقَ لَيْسَ لَحْظَةً وَاحِدَةً نَعِيشُهَا ثُمَّ نَنْتَهِي، بَلْ عَادَةً نَبْنِيهَا يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، فِنْجَانَ قَهْوَةٍ بَعْدَ فِنْجَانٍ، عَلَى الشُّرْفَةِ نَفْسِهَا، فِي الصَّبَاحِ نَفْسِهِ الَّذِي لَمْ يَعُدْ يُشْبِهُ نَفْسَهُ أَبَدًا.
لَمْ أَقُلْهَا لِأَحَدٍ، فِي الْبِدَايَةِ. وَالْآنَ، قُلْتُهَا لِلْجَمِيعِ: لِلَيْلَى، وَلِنُورٍ، وَلِأَبْنَائِي، وَلِأَصْدِقَائِي، وَلِقُرَّاءَ لَنْ أَلْتَقِيَ بِهِمْ يَوْمًا، وَلَكِنَّهُمْ سَيَعْرِفُونَ، مِنْ خِلَالِ هَذِهِ الصَّفَحَاتِ، أَنَّهُمْ لَيْسُوا وَحْدَهُمْ فِي خَوْفِهِمْ.
وَهَذَا، فِي النِّهَايَةِ، رُبَّمَا كَانَ كُلَّ مَا أَرَدْتُ قَوْلَهُ.
————-

نعمان البربري
باكنانغ – ألمانيا