متحف الأيام المفقودة 03

مُتْحَفُ الْأَيَّامِ الْمَفْقُودَةِ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ – الْجُزَيءُ الْأَوَّلُ لِلْحَيَاةِ – مُحَايِدٌ | نَشْأَةُ الْبِيُولُوجِيَا، قَبْلَ ثَلَاثِ مِئَةٍ وَثَمَانِينَ مِلْيُونِ سَنَةٍ – «الْحَيَاةُ حَادِثَةٌ أَمْ ضَرُورَةٌ؟»
————————————-
كَانَ الْبَابُ الثَّالِثُ أَصْغَرَ مِمَّا تَوَقَّعَ، فَاضْطُرَّ سَامِرٌ إِلَى الِانْحِنَاءِ لِيَعْبُرَهُ.
لَمْ يَجِدْ فِي الْجِهَةِ الْأُخْرَى مَا يُشْبِهُ الْقَاعَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ بِأَيِّ وَجْهٍ: مَاءٌ دَافِئٌ يَبْلُغُ رُكْبَتَيْهِ، وَحَرَارَةٌ رَطْبَةٌ تَثْقُلُ عَلَى الصَّدْرِ، وَرَائِحَةُ كِبْرِيتٍ خَفِيفَةٌ تَتَسَلَّلُ مِنْ شُقُوقٍ فِي أَرْضِيَّةٍ صَخْرِيَّةٍ سَوْدَاءَ، كَأَنَّهُ يَقِفُ عِنْدَ فُوَّهَةِ بُرْكَانٍ نَائِمٍ تَحْتَ سَطْحِ بَحْرٍ لَمْ يُشْهَدْ لَهُ شَاطِئٌ بَعْدُ.
لَمْ يَسْمَعْ شَيْئًا فِي الْبِدَايَةِ.
بَلْ شَعَرَ بِشَيْءٍ يَتَحَرَّكُ فِي الْمَاءِ حَوْلَهُ، شَيْءٌ أَصْغَرُ مِنْ أَنْ يُرَى، لَكِنَّهُ يَمْلَأُ الْمَكَانَ كُلَّهُ بِحُضُورٍ يَصْعُبُ تَسْمِيَتُهُ.
قَالَ بِصَوْتٍ لَا يَخْلُو مِنْ تَرَدُّدٍ:
ـ “هَلْ مِنْ أَحَدٍ هُنَا؟”
جَاءَهُ صَوْتٌ لَا ذُكُورِيٌّ وَلَا أُنْثَوِيٌّ، أَقْرَبُ إِلَى اهْتِزَازٍ مُنْتَظَمٍ لَهُ إِيقَاعُ النَّبْضِ لَا إِيقَاعُ الْكَلَامِ:
ـ “أَنَا هُنَا.
فِي كُلِّ مَكَانٍ حَوْلَكَ تَقْرِيبًا، وَفِي لَا مَكَانٍ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ.”
ـ “مَنْ أَنْتَ؟ أَوْ… مَا أَنْتَ؟”
ـ “لَمْ يَكُنْ لِي اسْمٌ حِينَ وُجِدْتُ.
أَنْتُمْ سَمَّيْتُمُونِي لَاحِقًا: الْجُزَيءَ الذَّاتِيَّ التَّضَاعُفِ، أَوِ الْحَمْضَ النَّوَوِيَّ الرِّيبُوزِيَّ الْبِدَائِيَّ، أَوْ، بِبَسَاطَةٍ أَكْثَرَ إِنْصَافًا: أَوَّلَ شَيْءٍ اسْتَطَاعَ أَنْ يَصْنَعَ نُسْخَةً مِنْ نَفْسِهِ.”
ـ “هَذَا… يَبْدُو كَأَنَّهُ أَوَّلُ كَائِنٍ حَيٍّ.”
ـ “لَيْسَ بَعْدُ.
لَيْسَ بِالْمَعْنَى الَّذِي تَفْهَمُونَهُ.
أَنَا لَا أَتَنَفَّسُ وَلَا آكُلُ وَلَا أَتَحَرَّكُ بِإِرَادَةٍ.
أَنَا مُجَرَّدُ سِلْسِلَةٍ مِنَ الْجُزَيئَاتِ وَجَدَتْ طَرِيقَةً لِتَنْسَخَ نَفْسَهَا، مُسْتَعِينَةً بِمَا يُحِيطُ بِهَا مِنْ مَوَادَّ فِي هَذَا الْمَاءِ الدَّافِئِ.
غَيْرَ أَنَّهُ فِي تِلْكَ النُّسْخَةِ الْأُولَى حَدَثَ شَيْءٌ غَيَّرَ كُلَّ شَيْءٍ:
حَدَثَ خَطَأٌ.”
تَوَقَّفَ سَامِرٌ.
كَانَ الْمَاءُ يَتَمَوَّجُ بِهُدُوءٍ حَوْلَ سَاقَيْهِ.
ـ “خَطَأٌ؟”
ـ “نَعَمْ.
حِينَ نَسَخْتُ نَفْسِي لِلْمَرَّةِ الْأُولَى، لَمْ تَكُنِ النُّسْخَةُ مُطَابِقَةً تَمَامًا لِلْأَصْلِ.
حَرْفٌ وَاحِدٌ، أَوْ مَا يُشْبِهُ الْحَرْفَ فِي لُغَتِكُمُ الْكِيمِيَائِيَّةِ، تَغَيَّرَ.
ذَلِكَ الْخَطَأُ هُوَ مَا تُسَمُّونَهُ لَاحِقًا:
الطَّفْرَةَ.
وَمِنْ تِلْكَ الطَّفْرَةِ الْأُولَى، بَدَأَ كُلُّ تَنَوُّعِ الْحَيَاةِ عَلَى كَوْكَبِكُمْ:
مِنَ الْبَكْتِيرِيَا إِلَى الدَّيْنُاصُورَاتِ إِلَيْكُمْ أَنْتُمْ.”
ـ “إِذَنْ… الْحَيَاةُ كُلُّهَا بَدَأَتْ بِخَطَأٍ فِي النَّسْخِ؟”
ـ “هَذَا سُؤَالٌ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُطْرَحَ بِعِنَايَةٍ أَكْبَرَ مِمَّا طَرَحْتَهُ.
هَلْ هُوَ خَطَأٌ، أَمْ أَنَّهُ اللَّحْظَةُ الْأُولَى الَّتِي اخْتَرَعَتْ فِيهَا الْمَادَّةُ الْفُرْصَةَ؟
السُّؤَالُ نَفْسُهُ الَّذِي تَحْمِلُهُ مَعَكَ مُنْذُ أَنْ وَطِئَتْ قَدَمَاكَ عَتَبَةَ هَذَا الْمُتْحَفِ:
هَلِ الْحَيَاةُ حَادِثَةٌ عَشْوَائِيَّةٌ، أَمْ كَانَتْ ضَرُورَةً سَتَقَعُ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ؟”
جَلَسَ سَامِرٌ عَلَى صَخْرَةٍ قَرِيبَةٍ، غَيْرَ مُبَالٍ بِمَا يَبُلُّهُ.
ـ “وَأَنْتَ؟ مَا رَأْيُكَ؟”
ـ “لَا أَمْلِكُ رَأْيًا بِالْمَعْنَى الَّذِي تَفْهَمُهُ.
لَكِنَّنِي أَمْلِكُ مَا يُشْبِهُ الذَّاكِرَةَ الْكِيمِيَائِيَّةَ لِمَا حَدَثَ.
وَمَا حَدَثَ هُوَ هَذَا:
فِي كُلِّ بُقْعَةٍ مِنْ كَوْكَبِكُمْ كَانَتْ فِيهَا الظُّرُوفُ مُؤَاتِيَةً، مَاءٌ وَحَرَارَةٌ وَجُزَيئَاتٌ عُضْوِيَّةٌ بَسِيطَةٌ وَطَاقَةٌ مِنَ الْبَرَاكِينِ أَوِ الْبَرْقِ أَوِ الشَّمْسِ، كَانَتْ هُنَاكَ مُحَاوَلَاتٌ لَا تُحْصَى لِتَشْكِيلِ جُزَيءٍ يَسْتَطِيعُ نَسْخَ نَفْسِهِ.
مُعْظَمُ تِلْكَ الْمُحَاوَلَاتِ تَفَكَّكَتْ وَلَمْ تُكْمِلْ.
أَمَّا أَنَا، أَوْ نَسْلِي بِالْأَحْرَى، فَقَدْ نَجَحَ: مَرَّةً وَاحِدَةً، فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، رُبَّمَا لَا يَخْتَلِفُ كَثِيرًا عَنْ هَذَا الْمَكَانِ الَّذِي تَجْلِسُ فِيهِ الْآنَ.”
ـ “مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَطْ؟”
ـ “هَذَا مَا يَقُولُهُ الْعِلْمُ حَتَّى الْآنَ فِي زَمَانِكَ:
كُلُّ أَشْكَالِ الْحَيَاةِ عَلَى كَوْكَبِكُمْ، مِنْ أَصْغَرِ بَكْتِيرِيَا إِلَى أَضْخَمِ حُوتٍ، تَشْتَرِكُ فِي الشِّيفْرَةِ الْوِرَاثِيَّةِ الْأَسَاسِيَّةِ ذَاتِهَا تَقْرِيبًا، مِمَّا يُشِيرُ إِلَى أَنَّهَا جَمِيعًا وَرَثَةُ سَلَفٍ مُشْتَرَكٍ وَاحِدٍ، كَائِنٍ وَحِيدِ الْخَلِيَّةِ بِدَائِيٍّ يُسَمِّيهِ عُلَمَاؤُكُمْ ‘لُوكَا’، السَّلَفَ الْمُشْتَرَكَ الْأَخِيرَ لِلْجَمِيعِ.”
ـ “هَذَا يَعْنِي أَنَّ وُجُودَنَا كُلَّهُ مُعَلَّقٌ بِحَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ، فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، فِي بُرْكَةٍ وَاحِدَةٍ؟”
ـ “يَبْدُو الْأَمْرُ كَذَلِكَ مِنْ مَنْظُورِكُمُ الضَّيِّقِ.
لَكِنِ انْظُرْ إِلَيْهِ مِنْ زَاوِيَةٍ أُخْرَى:
رُبَّمَا الْحَيَاةُ لَيْسَتْ حَادِثَةً نَادِرَةً بِقَدْرِ مَا هِيَ نَتِيجَةٌ شِبْهُ حَتْمِيَّةٍ حِينَ تَجْتَمِعُ الظُّرُوفُ الصَّحِيحَةُ.
الْكِيمِيَاءُ الْعُضْوِيَّةُ الْبَسِيطَةُ مَوْجُودَةٌ فِي كُلِّ مَكَانٍ فِي الْكَوْنِ، حَتَّى فِي الْغُبَارِ الْعَالِقِ بَيْنَ النُّجُومِ.
رُبَّمَا تَكَرَّرَتْ مُحَاوَلَاتٌ مُشَابِهَةٌ لِمُحَاوَلَتِي فِي آلَافِ الْكَوَاكِبِ الْأُخْرَى، وَنَحْنُ بِبَسَاطَةٍ لَا نَعْرِفُ عَنْهَا شَيْئًا بَعْدُ.”
شَعَرَ سَامِرٌ بِدُوَارٍ خَفِيفٍ، لَيْسَ مِنَ الْمَاءِ، بَلْ مِنْ ثِقَلِ مَا يُقَالُ.
ـ “إِذَنْ قَدْ لَا نَكُونُ وَحِيدِينَ فِي الْكَوْنِ؟”
ـ “لَا أَمْلِكُ إِجَابَةً عَنْ هَذَا.
أَنَا فَقَطْ جُزَيءٌ صَغِيرٌ فِي بُرْكَةٍ قَدِيمَةٍ.
لَكِنَّنِي أَعْرِفُ شَيْئًا وَاحِدًا بِيَقِينٍ تَامٍّ:
اللَّحْظَةَ الَّتِي نَسَخْتُ فِيهَا نَفْسِي لِلْمَرَّةِ الْأُولَى، لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّنِي أَبْدَأُ شَيْئًا سَيَقُودُ يَوْمًا إِلَى كَائِنٍ يَقِفُ فِي مَاءٍ دَافِئٍ، بَعْدَ ثَلَاثَةِ مِلْيَارَاتٍ وَثَمَانِمِئَةِ مِلْيُونِ سَنَةٍ، يَسْأَلُنِي عَنْ مَعْنَى وُجُودِهِ.”
صَمَتَ سَامِرٌ.
ثُمَّ سَأَلَ سُؤَالًا لَمْ يُخْطِطْ لَهُ:
ـ “هَلْ تَعْتَبِرُ نَفْسَكَ حَيًّا؟”
ـ “هَذَا سُؤَالٌ يَطْرَحُهُ عُلَمَاؤُكُمْ أَيْضًا، وَلَا يَتَّفِقُونَ عَلَى إِجَابَةٍ.
أَنَا لَا أَمْلِكُ خَلِيَّةً وَلَا غِشَاءً وَلَا أَيْضًا.
أَنَا فَقَطْ جُزَيءٌ يَنْسَخُ نَفْسَهُ.
حَسَبَ بَعْضِ تَعْرِيفَاتِكُمْ، لَسْتُ حَيًّا.
وَحَسَبَ تَعْرِيفَاتٍ أُخْرَى، أَنَا الْخُطْوَةُ الْأُولَى الضَّرُورِيَّةُ نَحْوَ الْحَيَاةِ، الْجِسْرُ بَيْنَ الْكِيمِيَاءِ وَمَا لَمْ يَكُنْ حَيًّا بَعْدُ، وَبَيْنَ الْبِيُولُوجِيَا وَمَا سَيَصِيرُ إِلَيْهِ.”
ـ “كَائِنٌ لَا يَعْرِفُ إِنْ كَانَ حَيًّا أَمْ لَا، وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ سَبَبُ كُلِّ حَيَاةٍ لَاحِقَةٍ…
هَذَا يُشْبِهُ أَسْئِلَةً كَثِيرَةً أَحْمِلُهَا عَنْ نَفْسِي.”
ـ “رُبَّمَا هَذَا هُوَ السَّبَبُ الَّذِي جَعَلَهُمْ يُرْسِلُونَكَ إِلَيَّ تَحْدِيدًا، يَا سَامِرُ.
أَنْتَ أَيْضًا لَا تَعْرِفُ بَعْدُ أَيَّ جُزْءٍ مِنْكَ هُوَ ‘الْأَصْلُ’ الْحَقِيقِيُّ، وَأَيُّ جُزْءٍ هُوَ نُسْخَةٌ تَغَيَّرَتْ قَلِيلًا عَبْرَ سَنَوَاتِ الْمَنْفَى وَالنِّسْيَانِ.
لَكِنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُكَ مِنْ أَنْ تَكُونَ أَصْلًا لِشَيْءٍ قَادِمٍ، حَتَّى لَوْ لَمْ تَرَهُ أَنْتَ بِعَيْنَيْكَ.”
لَامَسَ قَلْبَ سَامِرٍ شَيْءٌ دَافِئٌ غَرِيبٌ عِنْدَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ، فَلَمْ يُجِبْ فَوْرًا، بَلْ تَرَكَ الْمَاءَ يَتَمَوَّجُ حَوْلَهُ بِصَمْتٍ، دَقِيقَةً كَامِلَةً.
ثُمَّ سَأَلَ أَخِيرًا:
ـ “هَلْ تَتَذَكَّرُ؟ تِلْكَ اللَّحْظَةَ الْأُولَى، حِينَ نَسَخْتَ نَفْسَكَ؟”
ـ “‘أَتَذَكَّرُ’ كَلِمَةٌ كَبِيرَةٌ عَلَيَّ.
لَكِنْ إِنْ كَانَتِ الذَّاكِرَةُ هِيَ أَنْ يَحْمِلَ شَيْءٌ أَثَرَ مَا حَدَثَ لَهُ، فَنَعَمْ، بِطَرِيقَةٍ مَا، أَتَذَكَّرُ.
كُلُّ ذَرَّةٍ فِي جَسَدِكَ، يَا سَامِرُ، تَحْمِلُ أَثَرًا لِتِلْكَ اللَّحْظَةِ، حَتَّى لَوْ لَمْ تَشْعُرْ بِهَا أَنْتَ وَاعِيًا.”
بَدَأَ الْمَاءُ حَوْلَ سَامِرٍ يَهْدَأُ، وَالِاهْتِزَازُ الَّذِي مَلَأَ الْمَكَانَ أَخَذَ يَنْحَسِرُ تَدْرِيجِيًّا، كَأَنَّ الْجُزَيءَ يَنْسَحِبُ إِلَى عُمْقٍ أَبْعَدَ دَاخِلَ الْبِرْكَةِ.
ـ “هَلْ سَتَذْهَبُ الْآنَ؟”
ـ “لَمْ أَكُنْ هُنَا بِالْمَعْنَى الَّذِي تَفْهَمُهُ مِنَ الْأَسَاسِ.
أَنَا فِيكَ، يَا سَامِرُ، كَمَا كُنْتُ فِي كُلِّ قَطْرَةٍ مِنْ تِلْكَ الْبِرْكَةِ الْقَدِيمَةِ.
لَنْ تَحْتَاجَ إِلَى زِيَارَتِي مُجَدَّدًا، لِأَنَّكَ تَحْمِلُنِي مَعَكَ أَيْنَمَا ذَهَبْتَ.”
خَفَتَ الصَّوْتُ تَمَامًا.
وَبَدَأَ الْمَاءُ حَوْلَ قَدَمَيْ سَامِرٍ يَتَحَوَّلُ تَدْرِيجِيًّا إِلَى بَلَاطٍ بَارِدٍ جَافٍّ، حَتَّى وَجَدَ نَفْسَهُ وَاقِفًا مَرَّةً أُخْرَى فِي الرَّوَاقِ الْخَشَبِيِّ الْمُعْتَادِ، وَثِيَابُهُ جَافَّةٌ تَمَامًا، كَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ.
كَانَ الْعَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ عِنْدَ الْبَابِ الرَّابِعِ، الَّذِي بَدَا هَذِهِ الْمَرَّةَ دَائِرِيًّا، كَأَنَّهُ فَتْحَةٌ مِجْهَرِيَّةٌ مُكَبَّرَةٌ آلَافَ الْمَرَّاتِ.
قَالَ سَامِرٌ، وَهُوَ لَا يَزَالُ يَسْتَوْعِبُ مَا سَمِعَهُ:
ـ “كُلُّ مَنْ قَابَلْتُهُمْ حَتَّى الْآنَ لَا يُشْبِهُون بَعْضَهُمْ فِي شَيْءٍ، إِلَّا فِي سُؤَالٍ وَاحِدٍ يُكَرِّرُونَهُ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ.”
رَفَعَ الْعَجُوزُ حَاجِبَيْهِ بِاهْتِمَامٍ نَادِرٍ:
ـ “وَمَا هُوَ؟”
ـ “هَلْ أَنْتَ أَصْلٌ أَمْ نُسْخَةٌ؟”
ابْتَسَمَ الْعَجُوزُ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى، ابْتِسَامَةً تُشْبِهُ الْفَخْرَ الْهَادِئَ:
ـ “بَدَأْتَ تَفْهَمُ لِمَاذَا أُحْضِرْتَ إِلَى هُنَا.
تَعَالَ.
خَلْفَ هَذَا الْبَابِ، الشَّخْصِيَّةُ الرَّابِعَةُ لَنْ تُخْبِرَكَ عَنِ الْبِدَايَةِ.
سَتُخْبِرُكَ عَنْ أَوَّلِ مَنْ تَذَكَّرَ شَيْئًا، قَبْلَ أَنْ يَكُونَ ثَمَّةَ دِمَاغٌ يَتَذَكَّرُ بِهِ.”

متحف الأيام المفقودة 04