متحف الأيام المفقودة 04

مُتْحَفُ الْأَيَّامِ الْمَفْقُودَةِ
الْفَصْلُ الرَّابِعُ — الْخَلِيَّةُ الْأُولَى أُنْثَى — رَمْزٌ | أَوَّلُ تَكَاثُرٍ | قَبْلَ ثَلَاثَةِ مِلْيَارَاتٍ وَنِصْفِ مِلْيَارِ سَنَةٍ «الذَّاكِرَةُ الْجِينِيَّةُ أَقْدَمُ مِنَ الْعَقْلِ»
———————————
عَبَرَ سَامِرٌ الْبَابَ الدَّوَّارَ، فَوَجَدَ نَفْسَهُ فِي مَكَانٍ أَصْغَرَ بِكَثِيرٍ مِنَ الْقَاعَاتِ الَّتِي سَبَقَتْ.
لَمْ يَكُنْ قَاعَةً بِالْمَعْنَى الَّذِي اعْتَادَهُ، بَلْ غُرْفَةٌ مُسْتَدِيرَةٌ تُحِيطُ بِهَا جُدْرَانٌ رَقِيقَةٌ شِبْهُ شَفَّافَةٍ، تَنْبُضُ بِبُطْءٍ وَوَقَارٍ، كَأَنَّهُ يَقِفُ دَاخِلَ كُرَةٍ حَيَّةٍ تَتَنَفَّسُ فِي صَمْتِهَا.
فِي الْوَسَطِ تَمَامًا، شَكْلٌ دَائِرِيٌّ بَسِيطٌ.
لَا أَعْضَاءَ لَهُ، لَا مَلَامِحَ، لَا شَيْءٌ يُعَرِّفُهُ إِلَّا ذَلِكَ الِاهْتِزَازُ الْمُنْتَظَمُ، كَأَنَّهُ قَلْبٌ عَلَّقَهُ الزَّمَنُ فِي الْهَوَاءِ وَنَسِيَ أَنْ يُلْحِقَهُ بِجَسَدٍ.
جَاءَ الصَّوْتُ دُونَ أَنْ يُعْلِنَ عَنْ نَفْسِهِ.
صَوْتٌ أُنْثَوِيٌّ هَادِئٌ، يَحْمِلُ دِفْئًا غَرِيبًا يُشْبِهُ دِفْءَ الْأُمَّهَاتِ، لَكِنَّهُ لَا يَصْدُرُ عَنْ فَمٍ وَلَا عَنْ جَسَدٍ:
— «أَهْلًا بِكَ، يَا مَنْ تَحْمِلُ فِي كُلِّ خَلِيَّةٍ مِنْ جَسَدِكَ نُسْخَةً مِنِّي.»
اقْتَرَبَ سَامِرٌ بِحَذَرٍ، كَمَنْ يَقْتَرِبُ مِنْ جَذْوَةٍ لَا يَأْمَنُ حَرَارَتَهَا:
— «أَنْتِ… خَلِيَّةٌ؟»
— «أَنَا الْخَلِيَّةُ الْأُولَى.
أَوَّلُ كَائِنٍ تَعَلَّمَ أَنْ يُحِيطَ نَفْسَهُ بِغِشَاءٍ، وَأَنْ يَحْمِلَ فِي دَاخِلِهِ شَيْئًا ثَمِينًا: نُسْخَةً مِنَ الْمَعْلُومَاتِ الَّتِي تَجْعَلُهُ هُوَ، لَا سِوَاهُ.
قَبْلِي، كَانَتْ ثَمَّةَ جُزَيْئَاتٌ تَنْسَخُ نَفْسَهَا فِي الْمَاءِ الْمَفْتُوحِ، تَخْتَلِطُ بِكُلِّ شَيْءٍ حَوْلَهَا دُونَ حُدُودٍ وَدُونَ هُوِيَّةٍ.
أَنَا أَوَّلُ مَنْ قَالَ، بِطَرِيقَتِهِ الْبِدَائِيَّةِ الصَّامِتَةِ: هَذَا أَنَا، وَهَذَا حَدِّي، وَهَذَا مَا أَحْمِلُهُ لَنْ أَدَعَهُ يَضِيعُ.»
تَوَقَّفَ سَامِرٌ لَحْظَةً، يُفَكِّرُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ:
— «هَذَا يُشْبِهُ… أَوَّلَ شُعُورٍ بِالْهُوِيَّةِ.»
— «لَيْسَ شُعُورًا.
لَمْ يَكُنْ لَدَيَّ وَعْيٌ بِالْمَعْنَى الَّذِي تَعْرِفُهُ.
لَكِنَّهُ كَانَ أَوَّلَ حَدٍّ حَقِيقِيٍّ فِي تَارِيخِ الْحَيَاةِ: الدَّاخِلُ وَالْخَارِجُ، الْأَنَا وَالْعَالَمُ.
وَمِنْ هَذَا الْحَدِّ الْبَسِيطِ، نَشَأَ لَاحِقًا كُلُّ مَا تَعْرِفُهُ أَنْتَ عَنِ الْهُوِيَّةِ وَالذَّاكِرَةِ وَالْخَوْفِ مِنَ الْفُقْدَانِ.»
جَلَسَ سَامِرٌ قَرِيبًا مِنْهَا، يُرَاقِبُ نَبْضَهَا الْبَطِيءَ وَكَأَنَّهُ يَتَعَلَّمُ لُغَةً لَا أَحْرُفَ لَهَا:
— «الْعَجُوزُ أَخْبَرَنِي أَنَّكِ سَتُحَدِّثِينَنِي عَنِ الذَّاكِرَةِ، قَبْلَ أَنْ يَكُونَ فِي الْكَوْنِ دِمَاغٌ وَاحِدٌ يَتَذَكَّرُ بِهِ.»
— «نَعَمْ.
أَنْتَ تَظُنُّ أَنَّ الذَّاكِرَةَ شَيْءٌ يَحْدُثُ فِي الرَّأْسِ وَحْدَهُ؛ صُوَرٌ وَكَلِمَاتٌ وَأَحَاسِيسُ تُخَزَّنُ فِي أَعْمَاقِ الدِّمَاغِ.
لَكِنْ قَبْلَ أَنْ يُوجَدَ دِمَاغٌ وَاحِدٌ فِي الْكَوْنِ كُلِّهِ، كَانَتْ ثَمَّةَ ذَاكِرَةٌ أَعْمَقُ بِكَثِيرٍ: الذَّاكِرَةُ الْجِينِيَّةُ.
أَنَا أَحْمِلُ فِي دَاخِلِي تَعْلِيمَاتٍ دَقِيقَةً، مَكْتُوبَةً بِلُغَةٍ كِيمِيَائِيَّةٍ صَامِتَةٍ، تُخْبِرُ كُلَّ نُسْخَةٍ جَدِيدَةٍ مِنِّي كَيْفَ تَبْنِي نَفْسَهَا، وَكَيْفَ تَتَغَذَّى، وَكَيْفَ تَنْقَسِمُ.
هَذِهِ التَّعْلِيمَاتُ هِيَ ذَاكِرَةٌ، حَتَّى حِينَ لَا يَكُونُ ثَمَّةَ أَنَا وَاعِيَةٌ تَتَذَكَّرُهَا.»
— «ذَاكِرَةٌ بِلَا وَعْيٍ بِهَا…»
— «بِالضَّبْطِ.
وَهَذِهِ الذَّاكِرَةُ أَقْدَمُ وَأَعْمَقُ مِنْ أَيِّ ذِكْرَى وَاعِيَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تَمْلِكَهَا أَنْتَ.
حِينَ تَنْسَى يَوْمَكَ الَّذِي يُقْلِقُكَ كَثِيرًا، يَا سَامِرُ، جَسَدُكَ لَا يَنْسَاهُ بِالْكَامَلِ.
خَلَايَاكَ، الَّتِي وَرِثَتْ عَنِّي هَذَا الْمَبْدَأَ مُنْذُ ثَلَاثَةِ مِلْيَارَاتٍ وَنِصْفٍ مِنَ السِّنِينَ، تَحْمِلُ أَثَرًا لِكُلِّ مَا مَرَرْتَ بِهِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَصِلْ ذَلِكَ الْأَثَرُ إِلَى وَعْيِكَ أَبَدًا.»
تَوَقَّفَ سَامِرٌ فَجْأَةً.
شَيْءٌ مَا لَمَسَهُ مِنَ الدَّاخِلِ، لَمْسَةً لَا يَعْرِفُ لَهَا اسْمًا:
— «تَقْصِدِينَ أَنَّ يَوْمِيَ الْمَفْقُودَ… رُبَّمَا يَكُونُ مَحْفُوظًا فِي مَكَانٍ مَا مِنْ جَسَدِي، حَتَّى لَوْ لَمْ يَصِلْ إِلَى ذَاكِرَتِيَ الْوَاعِيَةِ؟»
— «لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُؤَكِّدَ لَكَ هَذَا فِيمَا يَخُصُّ يَوْمًا بِعَيْنِهِ؛ فَهَذَا لَيْسَ مَجَالِي.
لَكِنَّنِي أَسْتَطِيعُ أَنْ أُؤَكِّدَ لَكَ مَبْدَأً عَامًّا: الْجَسَدُ يَتَذَكَّرُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً لَا يَصِلُ وَعْيُهُ إِلَيْهَا أَبَدًا.
التَّوَتُّرُ الَّذِي يَظْهَرُ فَجْأَةً دُونَ سَبَبٍ وَاضِحٍ، الْخَوْفُ مِنْ شَيْءٍ لَا تَتَذَكَّرُ مَتَى بَدَأَ، الطَّرِيقَةُ الَّتِي يَنْقَبِضُ بِهَا قَلْبُكَ حِينَ تَسْمَعُ صَوْتًا بِعَيْنِهِ، كُلُّهَا أَشْكَالٌ مِنَ الذَّاكِرَةِ لَا تَمُرُّ عَبْرَ الْكَلِمَاتِ وَلَا عَبْرَ الصُّوَرِ، بَلْ عَبْرَ الْجَسَدِ نَفْسِهِ، عَبْرَ الْخَلَايَا، عَبْرَ شَيْءٍ أَعْمَقَ مِنَ اللُّغَةِ.»
— « هَذَا يَجْعَلُنِي أَشْعُرُ بِأَنَّنِي أَكْبَرُ مِمَّا أَعْرِفُ عَنْ نَفْسِي، وَأَصْغَرُ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ.»
أَكَّدَتِ الْخَلِيَّةُ دُونَ تَرَدُّدٍ:
— «شُعُورٌ دَقِيقٌ جِدًّا، يَا سَامِرُ.
أَنْتَ أَكْبَرُ، لِأَنَّكَ تَحْمِلُ ذَاكِرَةَ كُلِّ خَلَايَاكَ، وَكُلِّ أَسْلَافِكَ، وَكُلِّ مَنْ عَاشَ قَبْلَكَ وَوَرَّثَكَ جِينَاتِهِ.
وَأَنْتَ أَصْغَرُ، لِأَنَّ كُلَّ هَذَا يَحْدُثُ دُونَ أَنْ يَسْتَشِيرَكَ أَحَدٌ، دُونَ أَنْ يَطْلُبَ إِذْنَكَ.»
صَمَتَ سَامِرٌ قَلِيلًا، ثُمَّ سَأَلَ بِنَبْرَةٍ فِيهَا حَذَرٌ مُغَلَّفٌ بِفُضُولٍ:
— « هَلْ أَنْتِ خَائِفَةٌ مِنَ الْفَنَاءِ؟
كَالنَّجْمَةِ الَّتِي قَابَلْتُهَا قَبْلَ قَلِيلٍ؟»
— «أَنَا لَا أَفْنَى بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي تَتَخَيَّلُهَا.
حِينَ أَنْقَسِمُ، لَا أَمُوتُ بِالْمَعْنَى الَّذِي تَفْهَمُهُ.
أُصْبِحُ اثْنَتَيْنِ.
كِلْتَاهُمَا أَنَا بِالْقَدْرِ ذَاتِهِ، وَكِلْتَاهُمَا لَيْسَتْ أَنَا تَمَامًا، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا سَتَتَغَيَّرُ قَلِيلًا عَنِ الْأُخْرَى بِمُرُورِ الْوَقْتِ.
أَنَا أَوَّلُ كَائِنٍ فِي الْكَوْنِ جَرَّبَ السُّؤَالَ الَّذِي يُقْلِقُكَ كَثِيرًا، وَإِنْ كَانَ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا: هَلِ النُّسْخَةُ الْجَدِيدَةُ مِنِّي هِيَ أَنَا، أَمْ هِيَ شَيْءٌ آخَرُ يَحْمِلُ اسْمِي فَقَطْ؟»
— «وَمَا إِجَابَتُكِ؟»
— «بَعْدَ ثَلَاثَةِ مِلْيَارَاتٍ وَنِصْفٍ مِنَ السِّنِينَ وَأَنَا أَنْقَسِمُ وَأَنْقَسِمُ وَأَنْقَسِمُ، تَعَلَّمْتُ أَنَّ السُّؤَالَ نَفْسَهُ هُوَ الْخَطَأُ.
لَيْسَ مُهِمًّا إِنْ كَانَتِ النُّسْخَةُ الْجَدِيدَةُ أَنَا بِالضَّبْطِ أَمْ لَا.
الْمُهِمُّ أَنَّ شَيْئًا مِنِّي اسْتَمَرَّ، وَتَطَوَّرَ، وَتَعَقَّدَ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى كَائِنٍ يَقِفُ الْآنَ أَمَامِي يَسْأَلُنِي هَذَا السُّؤَالَ بِنَفْسِهِ.
هَذَا، بِحَدِّ ذَاتِهِ، نَوْعٌ مِنَ الِانْتِصَارِ عَلَى الْفَنَاءِ، حَتَّى لَوْ لَمْ تَبْقَ أَنَا الْأَصْلِيَّةُ بِشَكْلِهَا الْأَوَّلِ.»
أَحَسَّ سَامِرٌ بِدَمْعَةٍ تَكَادُ تَفْلِتُ مِنْهُ، فَحَبَسَهَا بِصُعُوبَةٍ:
— « هَذَا يُشْبِهُ مَا قَالَتْهُ النَّجْمَةُ عَنِ الذَّهَبِ وَالْعَنَاصِرِ… اسْتِمْرَارٌ بِلَا ذَاكِرَةٍ كَامِلَةٍ، لَكِنَّهُ اسْتِمْرَارٌ حَقِيقِيٌّ.»
— «نَحْنُ، يَا سَامِرُ، الْجُزَيْءُ وَالنَّجْمَةُ وَأَنَا، نُخْبِرُكَ جَمِيعًا بِالْحَقِيقَةِ ذَاتِهَا مِنْ زَوَايَا مُخْتَلِفَةٍ: الِاسْتِمْرَارُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَاكِرَةٍ كَامِلَةٍ مُتَّصِلَةٍ كَيْ يَكُونَ حَقِيقِيًّا.
يَكْفِي أَنْ يَحْمِلَ كُلُّ جِيلٍ أَثَرًا مِمَّا قَبْلَهُ، حَتَّى لَوْ نُسِيَتِ التَّفَاصِيلُ.»
— «لَكِنَّنِي إِنْسَانٌ، لَسْتُ خَلِيَّةً وَلَا نَجْمَةً.
أَنَا أَحْتَاجُ إِلَى ذَاكِرَتِيَ الْوَاعِيَةِ كَيْ أَشْعُرَ بِأَنَّنِي أَنَا.»
— « هَذَا صَحِيحٌ، وَلَا أُنْكِرُهُ.
لَكِنَّ الدَّرْسَ الَّذِي تَحْمِلُهُ مَعَكَ مِنْ هَذِهِ الْقَاعَةِ رُبَّمَا هُوَ هَذَا: حَتَّى حِينَ تَخُونُكَ ذَاكِرَتُكَ الْوَاعِيَةُ، حَتَّى حِينَ تَفْقِدُ يَوْمًا كَامِلًا مِنْ حَيَاتِكَ، هُنَاكَ جُزْءٌ أَعْمَقُ مِنْكَ، جُزْءٌ جِينِيٌّ وَخَلَوِيٌّ وَجَسَدِيٌّ، يَحْمِلُ أَثَرَ كُلِّ مَا عِشْتَهُ، حَتَّى لَوْ لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَقْرَأَهُ بِوَعْيِكَ.
أَنْتَ لَسْتَ فَقَطْ مَا تَتَذَكَّرُهُ.
أَنْتَ أَيْضًا مَا تَحْمِلُهُ خَلَايَاكَ دُونَ أَنْ تَسْتَأْذِنَكَ.»
نَبَضَتِ الْخَلِيَّةُ أَمَامَهُ بِقُوَّةٍ أَكْبَرَ لِلَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، كَأَنَّهَا تُوَدِّعُهُ بِمَا لَا تَسْتَطِيعُ قَوْلَهُ:
— «اذْهَبْ الْآنَ، يَا سَامِرُ.
أَعْرِفُ أَنَّ أَمَامَكَ ثَمَانِيَةً وَثَمَانِينَ زَائِرًا آخَرَ عَلَى الْأَقَلِّ، كُلٌّ مِنْهُمْ سَيُضِيفُ طَبَقَةً جَدِيدَةً لِفَهْمِكَ نَفْسَكَ.
لَكِنْ تَذَكَّرْ دَائِمًا أَنَّكَ بَدَأْتَ مِنْ هُنَا، مِنْ خَلِيَّةٍ وَاحِدَةٍ بَسِيطَةٍ تَعَلَّمَتْ أَنْ تَحْمِيَ مَا فِي دَاخِلِهَا وَتُوَرِّثَهُ لِلْمُسْتَقْبَلِ، حَتَّى حِينَ لَا تَعْرِفُ مَا الَّذِي يُخَبِّئُهُ ذَلِكَ الْمُسْتَقْبَلُ.»
انْحَنَى سَامِرٌ قَلِيلًا، بِحَرَكَةٍ لَمْ يُخَطِّطْ لَهَا وَلَمْ يَتَوَقَّعْهَا مِنْ نَفْسِهِ، كَأَنَّهُ يُحَيِّي جَدَّتَهُ الْأُولَى:
— «شُكْرًا لَكِ.»
— «لَا تَشْكُرْنِي.
اسْتَمِرَّ فَقَطْ.»
بَدَأَ الْجِدَارُ الرَّقِيقُ النَّابِضُ يَتَلَاشَى مِنْ حَوْلِهِ، وَالْغُرْفَةُ الْمُسْتَدِيرَةُ تَتَحَوَّلُ تَدْرِيجِيًّا إِلَى الرِّوَاقِ الْخَشَبِيِّ الْمُعْتَادِ، كَأَنَّ حُلُمًا يَسْحَبُ أَثَاثَهُ بِهُدُوءٍ قَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ.
حِينَ عَادَ سَامِرٌ إِلَى صَوَابِهِ بِالْكَامِلِ، وَجَدَ الْعَجُوزَ يَنْتَظِرُهُ فِي الْمَمَرِّ، وَقَدْ ظَهَرَ خَلْفَهُ بَابٌ خَامِسٌ يَحْمِلُ نَقْشًا لَمْ يَفْهَمْهُ سَامِرٌ لِلْوَهْلَةِ الْأُولَى: شَكْلٌ صَغِيرٌ مُلْتَفٌّ عَلَى ذَاتِهِ، أَشْبَهُ بِجَنِينٍ نَائِمٍ فِي عَتْمَةٍ دَافِئَةٍ.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى الْعَجُوزِ وَقَالَ بِصَوْتٍ فِيهِ تَعَبٌ جَمِيلٌ لَمْ يَعْهَدْهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ قَبْلُ:
— «كَمْ سَيَسْتَغْرِقُ هَذَا كُلُّهُ؟»
ابْتَسَمَ الْعَجُوزُ وَهُوَ يَفْتَحُ الْبَابَ الْخَامِسَ بِبُطْءٍ لَا يُعَجِّلُهُ شَيْءٌ:
— «بِقَدْرِ مَا تَحْتَاجُهُ لِتَتَعَلَّمَ أَنَّ السُّؤَالَ لَيْسَ مَتَى يَنْتَهِي، بَلْ مَاذَا تَتَعَلَّمُ فِي الطَّرِيقِ.»
وَدَخَلَ سَامِرٌ، بِاتِّجَاهِ الْجَنِينِ النَّائِمِ فِي عَتْمَةِ الرَّحِمِ، حَيْثُ يَنْتَظِرُهُ صَوْتٌ لَمْ يُولَدْ بَعْدُ.

متحف الأيام المفقودة 05