متحف الأيام المفقودة 08

مُتحَفُ الأَيّامِ المَفقودَةِ
الفَصلُ الثّامِنُ: الحُلمُ – (كِيانٌ لا جِنسَ لَهُ | خارِجَ الزَّمَنِ) «هَلِ الأَحلامُ ذاكِرَةٌ أَم اِحتِمالٌ؟»
——————————
لَمْ يَكُنِ البابُ الثّامِنُ بابًا بِالمَعنى الَّذي اعتادَهُ سامِر.
كانَ… شَيئًا آخَرَ.
حينَ حاوَلَ التَّركيزَ عَلَيهِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، بَدا لَهُ بابًا خَشَبِيًّا قَديمًا، بِمَفصِلاتٍ حَديدِيَّةٍ صَدِئَةٍ، مِن نَوعِ تِلكَ الأَبوابِ الَّتي تَراها في البُيوتِ الدِّمَشقِيَّةِ القَديمَةِ. لَكِنَّهُ حينَ مَدَّ يَدَهُ لِيَلمِسَهُ، تَحَوَّلَ إِلى سِتارَةٍ مِن ضَبابٍ كَثيفٍ، ناعِمٍ وَبارِدٍ كَأَنَّكَ تَمَسُّ الهَواءَ فَوقَ نَهرٍ. وَحينَ حاوَلَ اختِراقَ الضَّبابِ بِيَدِهِ، وَجَدَ أَنَّ البابَ لَم يَعُد مَوجودًا عَلى الإِطلاقِ، بَل تَحَوَّلَ إِلى مُجَرَّدِ فِكرَةٍ عَن بابٍ، إِلى الإِحساسِ بِأَنَّ ثَمَّةَ عَتَبَةً يَنبَغي عُبورُها، مِن دونِ أَن يَكونَ لِلعَتَبَةِ شَكلٌ مُحَدَّدٌ يُمكِنُ لَمسُهُ أَو رُؤيَتُهُ.
تَوَقَّفَ سامِرٌ أَمامَهُ طَويلًا، يُحَدِّقُ، يُحاوِلُ. ثُمَّ قَرَّرَ، كَما يُقَرِّرُ المَرءُ أَحيانًا في مُواجَهَةِ الأَشياءِ غَيرِ المَفهومَةِ، أَن يُغلِقَ عَقلَهُ عَن مُحاوَلَةِ الفَهمِ، وَأَن يَمشِيَ لِلأَمامِ بِبَساطَةٍ.
عَبَرَ.
لَم يَجِد نَفسَهُ في مَكانٍ مُحَدَّدٍ.
وَجَدَ نَفسَهُ في تَتابُعٍ.
كانَتِ المَشاهِدُ تَتَغَيَّرُ حَولَهُ بِسُرعَةٍ لَم تَكُن مُؤلِمَةً بِقَدرِ ما كانَت مُدهِشَةً:
غُرفَةُ طُفولَتِهِ في دِمَشقَ، تِلكَ الغُرفَةُ الصَّغيرَةُ ذاتُ الجِدارِ الأَزرَقِ الَّذي طَلَتهُ أُمُّهُ بِيَدِها، وَالنّافِذَةُ الَّتي كانَت تُطِلُّ عَلى شَجَرَةِ تينٍ لا يَعرِفُ أَينَ ذَهَبَت الآنَ.
ثُمَّ، دونَ تَحذيرٍ، شارِعٌ في مَدينَةٍ أَلمانِيَّةٍ لَم يَرَها قَطُّ، أَرصِفَتُهُ نَظيفَةٌ بِشَكلٍ يَبدو مُصطَنَعًا، وَلافِتاتُهُ بِأَحرُفٍ لا يَستَطيعُ قِراءَتَها رَغمَ أَنَّهُ يَعرِفُ الأَلمانِيَّةَ جَيِّدًا.
ثُمَّ وَجهُ امرَأَةٍ، لَيسَ وَجهًا غَريبًا تَمامًا، بَل وَجهٌ يَشعُرُ أَنَّهُ يَعرِفُهُ مِن مَكانٍ ما، مِن حُلمٍ آخَرَ رُبَّما، أَو مِن لَحظَةٍ نَسِيَها في يَومٍ عادِيٍّ. ثُمَّ بَحرٌ، رَمادِيٌّ هادِئٌ لا أُفُقَ لَهُ، بَحرٌ لَم يَزُرهُ قَطُّ لَكِنَّهُ يَشعُرُ أَنَّهُ كانَ مَوجودًا فيهِ مِن قَبلُ.
كُلُّ مَشهَدٍ لا يَتَجاوَزُ ثانِيَةً أَو ثانِيَتَينِ.
ثُمَّ يَذوبُ، وَيَحُلُّ مَحَلَّهُ غَيرُهُ، بِسَلاسَةٍ تُشبِهُ سَلاسَةَ الأَحلامِ الحَقيقِيَّةِ.
ثُمَّ سَمِعَ الصَّوتَ.
لَم يَأتِ الصَّوتُ مِن جِهَةٍ مُحَدَّدَةٍ.
لَم يَأتِ مِنَ اليَمينِ أَوِ اليَسارِ، مِنَ الأَمامِ أَوِ الخَلفِ.
بَدا كَأَنَّهُ يَتَسَلَّلُ مِن نَسيجِ الأَشياءِ نَفسِها، مِنَ الهَواءِ الَّذي يَملَأُ الفَضاءَ بَينَ المَشاهِدِ المُتَغَيِّرَةِ، كَأَنَّ المَكانَ كُلَّهُ يَتَكَلَّمُ:
ـ «مَرحَبًا بِكَ في مَكاني.
أَعرِفُ أَنَّهُ مُربِكٌ.
هُوَ كَذَلِكَ دائِمًا، حَتّى بِالنِّسبَةِ لي.»
حاوَلَ سامِرٌ أَن يَتَّجِهَ نَحوَ مَصدَرِ الصَّوتِ، لَكِنَّ الصَّوتَ لَم يَكُن لَهُ مَصدَرٌ:
ـ «مَن أَنتَ؟ أَو… ما أَنتَ؟»
جاءَ الرَّدُّ هادِئًا، بِلا تَسَرُّعٍ، كَأَنَّ السُّؤالَ نَفسَهُ كانَ مُتَوَقَّعًا مُنذُ الأَزَلِ:
ـ «أَنا الحُلمُ.
لا أَملِكُ جِنسًا، وَلا شَكلًا ثابِتًا، وَلا حَتّى اسمًا واحِدًا يَكفيني.
البَشَرُ يُنادونَني بِأَسماءٍ كَثيرَةٍ تَبَعًا لِما يُريدونَ أَن يُصَدِّقوهُ عَنّي:
يَقولُ العُلَماءُ “اللّاوَعي”، وَيَقولُ الشُّعَراءُ “الخَيالُ”، وَيَقولُ المُتَدَيِّنونَ “الرُّؤيا”، وَيَقولُ الخائِفونَ “الكابوسُ”.
لَكِنَّني، في جَوهَري، شَيءٌ واحِدٌ بَسيطٌ:
المَكانُ الَّذي يَذهَبُ إِلَيهِ عَقلُكُم حينَ يَتَوَقَّفُ عَن مُراقَبَةِ نَفسِهِ بِصَرامَةٍ.»
شَعَرَ سامِرٌ بِدُوارٍ خَفيفٍ مِن تَغَيُّرِ المَشاهِدِ المُستَمِرِّ حَولَهُ.
مَشهَدٌ يَذوبُ، آخَرُ يَحُلُّ مَحَلَّهُ، لا شَيءَ يَبقى أَكثَرَ مِن لَحظَتَينِ:
ـ «لِماذا كُلُّ هَذا التَّغَيُّرِ السَّريعِ؟ كَأَنَّ المَكانَ لا يَستَقِرُّ عَلى شَكلٍ واحِدٍ.»
ـ «لِأَنَّني لَستُ مَكانًا بِالمَعنى الَّذي تَفهَمُهُ.
أَنا عَمَلِيَّةٌ، لا مَوضِعًا.
كُلَّ لَيلَةٍ تَقريبًا، حينَ يَنامُ دِماغُكَ وَتَنسَحِبُ الرَّقابَةُ الواعِيَةُ، أَبدَأُ أَنا عَمَلي:
أُعيدُ تَرتيبَ ذِكرَياتِكَ، أَخلِطُ بَينَها وَبَينَ مَخاوِفِكَ وَأَمنِيّاتِكَ، أَصنَعُ مَشاهِدَ لَم تَحدُث أَبَدًا لَكِنَّها مَبنِيَّةٌ مِن مَوادَّ حَقيقِيَّةٍ أَخَذتُها مِن يَومِكَ، مِن سَنَتِكَ، مِن حَياتِكَ كُلِّها.
أَنتَ تُمِدُّني بِالخاماتِ، وَأَنا أُعيدُ تَشكيلَها.»
ـ «هَل الأَحلامُ إِذَن ذاكِرَةٌ؟ أَم شَيءٌ آخَرُ تَمامًا؟»
صَمَتَ الحُلمُ لِلحظَةٍ، وَكانَت تِلكَ اللَّحظَةُ كافِيَةً لِكَي تَمُرَّ ثَلاثَةُ مَشاهِدٍ كامِلَةٍ:
سوقٌ شَعبِيٌّ مُزدَحِمٌ، ثُمَّ حَديقَةٌ فارِغَةٌ تَحتَ مَطَرٍ، ثُمَّ مَكتَبٌ صَغيرٌ فيهِ ضَوءُ مِصباحٍ أَصفَرَ.
ثُمَّ جاءَ الرَّدُّ:
ـ «هَذا هُوَ السُّؤالُ الَّذي يَسأَلُني إِيّاهُ كُلُّ مَن يَدخُلُ هُنا، وَهُوَ سُؤالٌ جَيِّدٌ لِأَنَّهُ لا يَملِكُ إِجابَةً واحِدَةً بَسيطَةً.
الأَحلامُ لَيسَت ذاكِرَةً خالِصَةً، لِأَنَّها تُشَوِّهُ ما حَدَثَ، تَخلِطُهُ، تُضيفُ إِلَيهِ أَشياءَ لَم تَحدُث قَطُّ.
لَكِنَّها لَيسَت خَيالًا خالِصًا أَيضًا، لِأَنَّها مَبنِيَّةٌ بِالكامِلِ مِن مَوادِّ ذاكِرَتِكَ.
الوُجوهُ الَّتي تَراها في أَحلامِكَ لَيسَت وُجوهًا اختَرَعَتها مِنَ العَدَمِ، بَل هِيَ وُجوهٌ رَأَيتَها في الحَياةِ الفِعلِيَّةِ، حَتّى لَو كانَت وَجهَ غَريبٍ مَرَرتَ بِهِ مَرَّةً واحِدَةً في مَحَطَّةِ قِطارٍ قَبلَ خَمسِ سَنَواتٍ وَلَم تُفَكِّر فيهِ أَبَدًا.
عَقلُكَ خَزَّنَهُ.
وَأَنا استَخدَمتُهُ.»
أَدرَكَ سامِرٌ فَجأَةً أَنَّ وَجهَ المَرأَةِ الَّذي رَآهُ قَبلَ قَليلٍ كانَ، رُبَّما، وَجهَ مُوَظَّفَةٍ في بَنكٍ ما في مَدينَةٍ ما في يَومٍ عادِيٍّ لا يَتَذَكَّرُهُ.
وَعَلى الرَّغمِ مِن أَنَّ الفِكرَةَ كانَت بَسيطَةً، إِلّا أَنَّها أَصابَتهُ بِشُعورٍ غَريبٍ، مَزيجٌ مِنَ الدَّهشَةِ وَالقَلَقِ مَعًا.
ـ «إِذَن هِيَ… اِحتِمالٌ مَبنِيٌّ مِن ذاكِرَةٍ؟»
ـ «تَعبيرٌ جَميلٌ.
يُعجِبُني.
يُمكِنُكَ أَن تَتَخَيَّلَ الأَمرَ هَكَذا:
ذاكِرَتُكَ هِيَ المَوادُّ الخامُ، المَكتَبَةُ الضَّخمَةُ الَّتي تَحتَوي عَلى كُلِّ ما رَأَيتَهُ وَسَمِعتَهُ وَشَعَرتَ بِهِ.
وَأَنا الوَرشَةُ الَّتي تُعيدُ في كُلِّ لَيلَةٍ تَشكيلَ تِلكَ المَوادِّ إِلى أَشكالٍ جَديدَةٍ.
أَحيانًا أَصنَعُ شَيئًا مُفيدًا:
أُساعِدُ عَقلَكَ عَلى حَلِّ مُشكِلَةٍ لَم يَحُلَّها وَهُوَ مُستَيقِظٌ، كَما يَحدُثُ لِلعُلَماءِ الَّذينَ يَجِدونَ الإِجاباتِ في أَحلامِهِم، كَما فَعَلَ كيكوليه حينَ رَأى في حُلمِهِ ثُعبانًا يَعُضُّ ذَيلَهُ فَاكتَشَفَ الشَّكلَ الحَلَقِيَّ لِجُزَيئَةِ البِنزينِ.
وَأَحيانًا أَصنَعُ شَيئًا لا مَعنى لَهُ ظاهِرِيًّا، أَخلِطُ فيهِ وَجهَ أُمِّكَ بِصَوتِ مُعَلِّمِكَ بِمَكانٍ لَم تَزُرهُ قَطُّ، فَقَط لِأَرى ماذا يَحدُثُ حينَ أَضَعُ هَذا بِجانِبِ ذاكَ.»
تَوَقَّفَ المَشهَدُ فَجأَةً.
لِلمَرَّةِ الأولى مُنذُ دُخولِهِ، استَقَرَّ المَكانُ عَلى صورَةٍ واحِدَةٍ:
بابٌ أَزرَقُ بَسيطٌ، خَشَبِيٌّ خَفيفٌ، في حَيٍّ لا يَعرِفُهُ، في ضَوءٍ بَعدَ-ظُهرِيٍّ أَصفَرَ.
لَم يَكُنِ البابُ مُثيرًا لِلاهتِمامِ بِأَيِّ مَعنى.
لَكِنَّ سامِرَ شَعَرَ حِيالَهُ بِشُعورٍ لا يَستَطيعُ تَسمِيَتَهُ:
شَيءٌ بَينَ الحَنينِ وَالخَوفِ، كَأَنَّ هَذا البابَ يَخُصُّهُ بِطَريقَةٍ ما، كَأَنَّهُ يَعرِفُ ما وَراءَهُ وَلا يَعرِفُ في الوَقتِ نَفسِهِ.
ـ «هَل تَعرِفُ عَن يَومي المَفقودِ؟
ذَلِكَ اليَومِ في السّابِعِ عَشَرَ مِن تِشرينَ الأَوَّلِ عامَ تِسعَةٍ وَتِسعينَ وَتِسعَمِئَةٍ وَأَلفٍ؟»
صَمَتَ الحُلمُ.
صَمتًا حَقيقِيًّا هَذِهِ المَرَّةَ، لا صَمتَ تَرَدُّدٍ بَل صَمتُ مَن يَزِنُ كُلَّ كَلِمَةٍ، يَقيسُ ما يُمكِنُ قَولُهُ وَما يَجِبُ إِخفاؤُهُ:
ـ «أَعرِفُ أَنَّني زُرتُكَ بِشَأنِهِ أَكثَرَ مِن مَرَّةٍ، رَغمَ أَنَّكَ لا تَتَذَكَّرُ زِياراتي في الصَّباحِ.
هَذا يَحدُثُ كَثيرًا.
أَحيانًا يَكونُ الحَدَثُ مَدفونًا عَميقًا جِدًّا في طَبَقاتِ وَعيِكَ، بِحَيثُ لا يَستَطيعُ الصُّعودَ مُباشَرَةً إِلى الذّاكِرَةِ الواعِيَةِ، إِلى تِلكَ الطَّبَقَةِ الَّتي يُمكِنُكَ الوُصولُ إِلَيها وَأَنتَ مُستَيقِظٌ وَتَتَكَلَّمُ.
لَكِنَّهُ مَوجودٌ هُناكَ، في مَكانٍ أَعمَقَ، يَضغَطُ، وَيُريدُ القَولَ.
وَحينَ يَحدُثُ ذَلِكَ، أُحاوِلُ أَنا أَن أَقولَ لَكَ شَيئًا عَنهُ بِطَريقَةٍ غَيرِ مُباشِرَةٍ:
عَبرَ رَمزٍ، عَبرَ مَشهَدٍ غَريبٍ، عَبرَ شُعورٍ تَستَيقِظُ مِنهُ دونَ أَن تَفهَمَهُ، ذَلِكَ الشُّعورُ الثَّقيلُ الَّذي يَجلِسُ عَلى صَدرِكَ أَحيانًا في الصَّباحِ الباكِرِ وَلا تَعرِفُ مِن أَينَ أَتى.»
شَعَرَ سامِرٌ بِقُشَعريرَةٍ حَقيقِيَّةٍ تَسري في جَسَدِهِ، مِن ذَلِكَ النَّوعِ الَّذي لا يَأتي مِن بُرودَةٍ خارِجِيَّةٍ بَل مِن داخِلِ الجَسَدِ، كَأَنَّ شَيئًا يَتَحَرَّكُ في أَعماقِهِ:
ـ «هَل… هَل حَلَمتُ بِذَلِكَ اليَومِ مِن قَبلُ؟»
ـ «أَكثَرَ مِن مَرَّةٍ.»
الجُملَةُ قَصيرَةٌ.
لَكِنَّها كانَت كافِيَةً.
ـ «لَكِنَّكَ كُنتَ تَستَيقِظُ في كُلِّ مَرَّةٍ وَتَنسى الحُلمَ خِلالَ دَقائِقَ، كَما يَحدُثُ لِمُعظَمِ البَشَرِ مَعَ مُعظَمِ أَحلامِهِم.
في الدَّقيقَةِ الأولى بَعدَ الاستيقاظِ، تَملِكُ رُبَّما خَمسَةً وَعِشرينَ بِالمِئَةِ مِنَ الحُلمِ.
بَعدَ عَشرِ دَقائِقَ، يَبقى أَقَلُّ مِن عَشرَةِ بِالمِئَةِ.
بَعدَ نِصفِ ساعَةٍ، لا شَيءَ.
هَذا لَيسَ عَجزًا مِنّي، بَل طَبيعَةُ الذّاكِرَةِ لَدَيكُم:
أَنتُم لا تُخَزِّنونَ أَحلامَكُم بِنَفسِ الطَّريقَةِ الَّتي تُخَزِّنونَ بِها الذِّكرَياتِ الواقِعِيَّةَ، لِأَنَّ أَدمِغَتَكُم أَثناءَ النَّومِ تَعمَلُ بِكيمياءَ مُختَلِفَةٍ، بِمُستَوَياتٍ مُختَلِفَةٍ مِنَ الأَسيتيل كولين وَالنّورابينِفرين، مِمّا يَجعَلُ تَثبيتَ الذِّكرَياتِ أَصعَبَ بِكَثيرٍ مِمّا هُوَ عَلَيهِ في حالَةِ اليَقَظَةِ.» ـ «هَل تَستَطيعُ أَن تُريَني ذَلِكَ الحُلمَ مَرَّةً أُخرى؟ الآنَ؟»
ـ «يُمكِنُني أَن أُحاوِلَ.
لَكِن يَجِبُ أَن أُحَذِّرَكَ أَوَّلًا:
ما سَأُريكَ إِيّاهُ لَيسَ بِالضَّرورَةِ ما حَدَثَ فِعلًا في ذَلِكَ اليَومِ.
هُوَ فَقَط ما صَنَعَهُ عَقلُكَ مِنَ الأَثَرِ الَّذي تَرَكَهُ ذَلِكَ اليَومُ فيكَ.
وَالفَرقُ بَينَهُما كَبيرٌ جِدًّا.
الذّاكِرَةُ لَيسَت تَسجيلًا أَمينًا لِلواقِعِ كَما تَتَخَيَّلُ، حَتّى الذِّكرَياتُ الواعِيَةُ الَّتي تَعتَقِدُ أَنَّكَ تَتَذَكَّرُها بِدِقَّةٍ هِيَ في الواقِعِ إِعادَةُ بِناءٍ جَديدَةٍ في كُلِّ مَرَّةٍ تَستَدعيها.
كَما أَنَّ الصّورَةَ الَّتي تُصَوِّرُها هاتِفُكَ تَختَلِفُ عَن ما رَأَتهُ عَيناكَ، ما أُريكَ إِيّاهُ هُوَ التَّفسيرُ لا الحَدَثُ.»
ـ «لا يُهِمُّ.
أُريدُ أَن أَرى أَيَّ شَيءٍ.»
بَدَأَتِ المَشاهِدُ المُتَغَيِّرَةُ مِن حَولِهِ تَتَباطَأُ.
كَأَنَّ شَخصًا ما يُقَلِّلُ سُرعَةَ فيلمٍ، مَشهَدٌ بَعدَ مَشهَدٍ، حَتّى أَصبَحَتِ المَساحَةُ بَينَ كُلِّ مَشهَدٍ وَآخَرَ تَتَّسِعُ، ثُمَّ تَتَّسِعُ، حَتّى استَقَرَّتِ المَشاهِدُ أَخيرًا عَلى صورَةٍ واحِدَةٍ لا تَتَغَيَّرُ:
شارِعٌ ضَيِّقٌ في حَيٍّ قَديمٍ. الجِدرانُ حَجَرِيَّةٌ داكِنَةٌ، وَالأَرضُ مُبَلَّطَةٌ بِبَلاطٍ غَيرِ مُتَساوٍ.
يُشبِهُ أَحياءَ دِمَشقَ القَديمَةِ، لَكِنَّ شَيئًا فيهِ غَيرُ مَألوفٍ:
الضَّوءُ يَأتي مِن جِهَةٍ خاطِئَةٍ، وَالأَصواتُ لَها صَدًى أَكثَرَ مِمّا يَنبَغي، كَأَنَّ الشّارِعَ أَطوَلُ مِن أَن تَستَطيعَ الأَصواتُ تَجاوُزَهُ. كانَ سامِرُ أَصغَرَ سِنًّا في المَشهَدِ.
كَثيرًا.
رُبَّما في السّادِسَةِ عَشرَةَ أَو السّابِعَةِ عَشرَةَ.
كانَ يَركُضُ، يَلهَثُ، وَخَلفَهُ ظِلٌّ يُلاحِقُهُ.
لَيسَ رَجُلًا.
لَيسَ حَيَوانًا.
ظِلٌّ بِالمَعنى الحَرفِيِّ:
شَكلٌ أَسوَدُ بِلا مَلامِحَ، بِلا عُيونٍ، بِلا صَوتٍ، لَكِنَّهُ يَتَحَرَّكُ بِهَدَفٍ واضِحٍ، وَهَدَفُهُ سامِرٌ.
سَأَلَ سامِرُ بِصَوتٍ مُرتَجِفٍ:
ـ «مَن هَذا الظِّلُّ؟»
ـ «لا أَعرِفُ.»
جاءَتِ الإِجابَةُ فاجَأَتهُ:
ـ «هَذا هُوَ الجُزءُ مِن حُلمِكَ الَّذي يَتَكَرَّرُ دائِمًا وَلا أَفهَمُهُ أَنا نَفسي تَمامًا.
أَنا لَستُ مُفَسِّرًا، يا سامِرُ.
أَنا لَستُ طَبيبًا نَفسِيًّا يَجلِسُ خَلفَكَ وَيَقولُ لَكَ “الظِّلُّ يُمَثِّلُ خَوفَكَ مِنَ الفَشَلِ” أَو “الظِّلُّ هُوَ والِدُكَ”.
قَد يَكونُ ما يَصِفُهُ المُحَلِّلونَ النَّفسِيّونَ صَحيحًا.
وَقَد يَكونُ الظِّلُّ شَيئًا حَدَثَ فِعلًا في ذَلِكَ اليَومِ، شَخصٌ رَآهُ سامِرُ الصَّغيرُ، خَوفٌ حَقيقِيٌّ عاشَهُ. وَقَد لا يَكونُ الأَمرُ أَيًّا مِن ذَلِكَ. رُبَّما هُوَ رَمزٌ اختَرَعَهُ عَقلُكَ لِيُمَثِّلَ خَوفًا عامًّا لا عَلاقَةَ لَهُ بِحَدَثٍ مُحَدَّدٍ، كَما نُمَثِّلُ أَحيانًا المَرَضَ بِرَجُلٍ بِثيابٍ سَوداءَ أَوِ المَوتَ بِهَيكَلٍ عَظمِيٍّ يَحمِلُ مِنجَلًا.
أَنا لا أَملِكُ إِجاباتٍ نِهائِيَّةً.
أَنا فَقَط أُعيدُ تَرتيبَ ما تَملِكُهُ أَنتَ بِالفِعلِ.»
تَوَقَّفَ المَشهَدُ فَجأَةً.
تَجَمَّدَ.
ثُمَّ بَدَأَ يَتَلاشى بِبُطءٍ، كَما تَتَلاشى الأَحلامُ حينَ تُحَسُّ بِأَنَّكَ توشِكُ عَلى الاستيقاظِ:
ـ «انتَظِر! لا تَذهَب الآنَ!»
ـ «لَستُ أَنا مَن يَذهَبُ.
أَنتَ مَن بَدَأتَ تَستَيقِظُ، حَتّى لَو لَم تَكُن نائِمًا بِالمَعنى التَّقليدِيِّ.
هَذا ما يَحدُثُ دائِمًا:
تَقتَرِبُ مِنَ الحَقيقَةِ، يَبدَأُ قَلبُكَ بِالخَفَقانِ السَّريعِ، يَشتَدُّ وَعيُكَ، وَحينَ يَشتَدُّ الوَعيُ تَنسَحِبُ الأَحلامُ.
هُما لا يَستَطيعانِ العَيشَ مَعًا في المَساحَةِ نَفسِها.
الوَعيُ الكامِلُ يَطرُدُ الحُلمَ. وَالحُلمُ الكامِلُ يُعَطِّلُ الوَعيَ.
هَذا لَيسَ عِقابًا.
هَذِهِ فيزِياءُ ما أَنا.»
ـ «هَذا مُحبِطٌ جِدًّا.»
ـ «أَعرِفُ.
لَكِن دَعني أُخبِرَكَ بِشَيءٍ قَد يُخَفِّفُ مِن إِحباطِكَ.
لَيسَت كُلُّ الإِجاباتِ يَجِبُ أَن تَأتِيَ مِنَ الذّاكِرَةِ المُباشِرَةِ.
الذّاكِرَةُ المُباشِرَةُ أَداةٌ واحِدَةٌ فَحَسبُ، وَهِيَ لَيسَت دائِمًا الأَفضَلَ.
أَحيانًا الإِجابَةُ تَأتي مِن تَراكُمِ أَشياءَ كَثيرَةٍ صَغيرَةٍ:
أَحلامٌ مُتَكَرِّرَةٌ، أَحاسيسُ غامِضَةٌ، أَثَرٌ جَسَدِيٌّ لا تَفهَمُهُ مِثلَ تَوَتُّرٍ دائِمٍ في كَتِفِكَ الأَيسَرِ في أَوقاتٍ بِعَينِها أَو غَثَيانٍ خَفيفٍ حينَ تَمُرُّ بِشَوارِعَ تُشبِهُ ذَلِكَ الشّارِعَ.
كُلُّ ذَلِكَ يَتَراكَمُ، حَتّى يَصِلَ يَومٌ تَتَجَمَّعُ فيهِ الأَشياءُ كُلُّها في صورَةٍ كامِلَةٍ، لَيسَ بِسَبَبِ ذاكِرَةٍ واحِدَةٍ انفَجَرَت فَجأَةً، بَل بِسَبَبِ مِئَةِ إِشارَةٍ صَغيرَةٍ كانَت مَوجودَةً طَوالَ الوَقتِ وَأَنتَ لَم تَنتَبِه إِلَيها.»
هَدَأَ سامِرُ قَليلًا.
لَم يَزُلِ الإِحباطُ تَمامًا، لَكِنَّ شَيئًا في ما قالَهُ الحُلمُ كانَ صَحيحًا بِطَريقَةٍ يَصعُبُ تَجاهُلُها:
ـ «هَل سَتَزورُني مُجَدَّدًا؟ في نَومي الحَقيقِيِّ، خارِجَ هَذا المَتحَفِ؟»
ـ «كُلَّ لَيلَةٍ تَقريبًا، كَما فَعَلتُ دائِمًا.
أَنا لا أَختارُ مَن أَزورُ وَمَن لا أَزورُ.
أَنا جُزءٌ مِن آلِيَّةِ دِماغِكَ، لَستُ ضَيفًا يُمكِنُكَ دَعوَتُهُ أَو إِبعادُهُ.
السُّؤالُ الحَقيقِيُّ لَيسَ إِن كُنتُ سَأَزورُكَ، بَل إِن كُنتَ أَنتَ سَتَتَذَكَّرُني في الصَّباحِ هَذِهِ المَرَّةَ.
وَلِلمَرَّةِ الأولى مُنذُ وَقتٍ طَويلٍ، أَشعُرُ أَنَّ احتِمالَ ذَلِكَ لَيسَ صِفرًا.»
بَدَأَتِ المَشاهِدُ مِن حَولِهِ تَتَلاشى تَمامًا. المَكانُ كُلُّهُ ذابَ بِبُطءٍ، مَشهَدٌ تِلوَ مَشهَدٍ، حَتّى لَم يَبقَ إِلّا العَتَمَةُ الهادِئَةُ، ثُمَّ الرِّواقُ الخَشَبِيُّ وَإِضاءَتُهُ الذَّهَبِيَّةُ المُعتادَةُ.
كانَ العَجوزُ يَنتَظِرُهُ، يَحمِلُ في يَدِهِ ثَمانِيَةَ بِطاقاتٍ صَغيرَةٍ، يَضَعُها بِعِنايَةٍ واحِدَةً واحِدَةً في دَرجٍ خَشَبِيٍّ مَفتوحٍ أَمامَهُ، كَما يَضَعُ الأَرشيفِيُّ وَثائِقَ لا يُريدُ فِقدانَها.
قالَ سامِرٌ، وَهُوَ لا يَزالُ يُحاوِلُ أَن يَستَوعِبَ ما رَآهُ لِلتَّوِّ:
ـ «كُلُّ واحِدٍ مِنهُم يُضيفُ قِطعَةً.
لَكِنَّ لا أَحَدَ مِنهُم يُعطيني الصّورَةَ كامِلَةً.»
رَفَعَ العَجوزُ رَأسَهُ.
وَلِلمَرَّةِ الأولى مُنذُ بَدءِ رِحلَتِهِ في هَذا المَتحَفِ الغَريبِ، بَدا صَوتُ العَجوزِ جادًّا تَمامًا، بِلا أَيِّ أَثَرٍ مِن غُموضِهِ المُعتادِ أَو ابتِسامَتِهِ المُلتَبِسَةِ:
ـ «هَذا لِأَنَّ الصّورَةَ الكامِلَةَ لَيسَت هَدَفًا يُمكِنُ الوُصولُ إِلَيهِ في فَصلٍ واحِدٍ، يا سامِرُ.
ثَمانونَ فَصلًا أُخرى أَمامَكَ عَلى الأَقَلِّ.
كُلُّ واحِدٍ سَيُعطيكَ قِطعَةً، وَفي النِّهايَةِ، أَنتَ مَن سَيُقَرِّرُ كَيفَ يُرَتِّبُها.
هَذا لَيسَ تَقصيرًا مِن جانِبِنا.
هَذِهِ طَبيعَةُ الفَهمِ:
لا يَأتي دُفعَةً واحِدَةً، بَل يَتَراكَمُ بِبُطءٍ، كَما يَتَراكَمُ الضَّوءُ في الغُرفَةِ المُظلِمَةِ حينَ تَفتَحُ النّافِذَةَ قَليلًا قَليلًا.»
أَغلَقَ الدُّرجَ، وَأَشارَ إِلى الرِّواقِ المُمتَدِّ أَمامَهُما.
حَيثُ بَدَأَت تَتَشَكَّلُ أَبوابٌ جَديدَةٌ، أَكثَرُ مِن أَن تُحصى، تَمتَدُّ إِلى ما لا نِهايَةَ، كُلُّ بابٍ مُختَلِفٌ عَنِ الآخَرِ في الشَّكلِ وَالحَجمِ وَاللَّونِ، كَأَنَّها جاءَت مِن عُصورٍ وَأَمكِنَةٍ مُختَلِفَةٍ جُمِعَت هُنا في هَذا الرِّواقِ الواحِدِ:
ـ «المِحوَرُ الثّاني يَنتَظِرُكَ:
حَضاراتٌ قَديمَةٌ، أَصواتٌ لَم تُسمَع مُنذُ آلافِ السِّنينَ.
هَل أَنتَ مُستَعِدٌّ؟»
نَظَرَ سامِرُ إِلى يَدِهِ.
الحَجَرُ لَم يَكُن فيها.
لَكِنَّهُ ما زالَ يَشعُرُ بِثِقلِهِ الوَهمِيِّ، بِصَلابَتِهِ الغائِبَةِ الحاضِرَةِ، كَما تَشعُرُ بِذِراعٍ فَقَدتَها لَكِنَّها لَم تَنسَ أَن تُؤلِمَكَ.
أَومَأَ بِرَأسِهِ:
ـ «نَعَم. لِنُكمِل.»

متحف الأيام المفقودة 09