متحف الأيام المفقودة 11

مُتْحَفُ الأَيَّامِ الْمَفْقُودَةِ
الْفَصْلُ الْحَادِي عَشَرَ: أَشُوكَا
«هَلْ يَسْتَطِيعُ الْقَاتِلُ أَنْ يُعِيدَ كِتَابَةَ ذَاكِرَتِهِ؟»
• أَشُوكَا | ذَكَرٌ، خَمْسُونَ سَنَةً | الْهِنْدُ، مِئَتَانِ وَخَمْسُونَ قَبْلَ الْمِيلَادِ.
________________________________________
لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْقَاعَةُ تُشْبِهُ مَا سَبَقَهَا.
فِي الْقَاعَاتِ الْمَاضِيَةِ كَانَ ثَمَّةَ دِفْءٌ مَا، حَتَّى فِي قَاعَةِ إِمْحُوتِبَ بِعَظَمَتِهَا الْحَجَرِيَّةِ، كَانَتْ رَائِحَةُ الْبَخُورِ تُرَطِّبُ الْهَوَاءَ وَتَجْعَلُ الثِّقْلَ مُحْتَمَلًا.
هُنَا كَانَ الْهَوَاءُ جَافًّا وَنَظِيفًا بِصَرَامَةٍ، وَالْأَعْمِدَةُ الْحَجَرِيَّةُ تَرْتَفِعُ بِتَنَاسُقٍ رِيَاضِيٍّ مُحْكَمٍ، كَأَنَّهَا مَحْسُوبَةٌ بِالْمِسْطَرَةِ لَا بِالْحَدْسِ، وَنُقُوشٌ طَوِيلَةٌ تَمْتَدُّ عَلَى الْجُدْرَانِ بِأَحْرُفٍ لَمْ يَفْهَمْهَا سَامِرٌ، لَكِنَّهَا كَانَتْ مُخْتَلِفَةً عَنْ كُلِّ النُّقُوشِ الَّتِي رَآهَا قَبْلَهَا.
لَمْ تَكُنْ تُزَيِّنُ الْجِدَارَ، بَلْ تُثْقِلُهُ.
كَأَنَّ مَنْ نَحَتَهَا كَانَ يُحَاوِلُ أَنْ يَطْرُدَ شَيْئًا مَا مِنْ دَاخِلِهِ، وَيَحْفِرَهُ فِي الْحَجَرِ لِكَيْلَا يَظَلَّ حَبِيسًا فِي صَدْرِهِ.
تَوَقَّفَ سَامِرٌ عِنْدَ الْمَدْخَلِ لَحْظَةً قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ.
شَيْءٌ مَا فِي الْهَوَاءِ كَانَ يَقُولُ لَهُ: «تَأَنَّ».
لَيْسَ خَوْفًا، بَلْ شَيْءٌ أَشْبَهُ بِالتَّهَيُّؤِ الَّذِي يَسْبِقُ حُضُورَ جَنَازَةٍ لِإِنْسَانٍ لَمْ تَعْرِفْهُ شَخْصِيًّا، لَكِنَّكَ تَعْرِفُ ثِقْلَ مَا حَمَلَ.
فِي وَسَطِ الْقَاعَةِ وَقَفَ رَجُلٌ فِي الْخَمْسِينِيَّاتِ.
لَمْ يَكُنْ يَجْلِسُ كَمَا وَجَدَ إِمْحُوتِبَ جَالِسًا يَكْتُبُ، وَلَمْ يَكُنْ مُنْهَمِكًا فِي عَمَلٍ.
كَانَ وَاقِفًا بِبَسَاطَةٍ، فِي مُنْتَصَفِ الْفُسْحَةِ الْحَجَرِيَّةِ الْوَاسِعَةِ، يَدُهُ الْيُمْنَى عَلَى صَدْرِهِ بِبُطْءٍ، كَمَنْ يَفْحَصُ ضَرَبَاتِ قَلْبِهِ أَوْ يُؤَكِّدُ لِنَفْسِهِ أَنَّهُ لَا يَزَالُ يَتَنَفَّسُ.
ثِيَابُهُ مَلَكِيَّةٌ، لَكِنْ دُونَ مُبَالَغَةٍ فِي الزِّينَةِ: قُمَاشٌ دَاكِنٌ ذُو حِيَاكَةٍ مُحْكَمَةٍ، بِلَا ذَهَبٍ مُعَلَّقٍ وَلَا تِيجَانٍ.
فَقَطْ هَيْبَةٌ هَادِئَةٌ تَنْبَعُ مِنْ طَرِيقَةِ وُقُوفِهِ، لَا مِمَّا يَرْتَدِيهِ.
لَكِنَّ عَيْنَيْهِ كَانَتَا مُخْتَلِفَتَيْنِ عَنْ كُلِّ عُيُونِ مَنْ الْتَقَى بِهِمْ سَامِرٌ فِي هَذَا الْمُتْحَفِ.
لَمْ تَكُونَا عَيْنَيْ فَيْلَسُوفٍ مُنْغَمِسٍ فِي أَفْكَارِهِ، وَلَا عَيْنَيْ مُعَلِّمٍ يَصْبِرُ عَلَى طَالِبٍ.
كَانَتَا عَيْنَيْ إِنْسَانٍ يَحْمِلُ وَزْنًا لَا يُرِيحُ نَفْسَهُ مِنْهُ، وَقَدْ قَرَّرَ بِوَعْيٍ تَامٍّ أَلَّا يُرِيحَ نَفْسَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَزْنَ جُزْءٌ مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ الْآنَ.
ـ أَهْلًا بِكَ.
أَنَا أَشُوكَا، إِمْبِرَاطُورُ مُورِيَا، حَاكِمُ أَغْلَبِ شِبْهِ الْقَارَّةِ الْهِنْدِيَّةِ.
صَوْتُهُ كَانَ مُتَّزِنًا تَمَامًا، لَا يَرْتَفِعُ لِإِثْبَاتِ الْهَيْبَةِ، وَلَا يَنْخَفِضُ تَوَاضُعًا مُصْطَنَعًا.
ثُمَّ تَوَقَّفَ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يُضِيفَ، كَأَنَّ الْجُمْلَةَ الثَّانِيَةَ تَحْتَاجُ نَفَسًا أَعْمَقَ:
ـ لَكِنَّ اللَّقَبَ الَّذِي يَهُمُّنِي أَكْثَرَ الْآنَ هُوَ لَقَبٌ آخَرُ: الْقَاتِلُ التَّائِبُ.
________________________________________
شَعَرَ سَامِرٌ بِثِقْلِ هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ وَهُمَا تَقَعَانِ فِي الْهَوَاءِ.
لَيْسَ لِأَنَّهُمَا مُفَاجَأَتَانِ؛ فَالْمُتْحَفُ عَلَّمَهُ أَلَّا يَتَوَقَّعَ شَيْئًا بِعَيْنِهِ.
بَلْ لِأَنَّ الطَّرِيقَةَ الَّتِي قَالَهُمَا بِهَا أَشُوكَا كَانَتْ خَالِيَةً مِنْ كُلِّ دِفَاعٍ.
لَمْ يُمَهِّدْ لَهُمَا، وَلَمْ يَضَعْ حَوْلَهُمَا سِيَاقًا يُخَفِّفُ مِنْ وَطْأَتِهِمَا.
قَالَهُمَا كَمَا تَقُولُ رَقْمًا فِي وَرَقَةِ مِيزَانِيَّةٍ: هَذَا مَا هُوَ مَوْجُودٌ.
لَا أَكْثَرَ وَلَا أَقَلَّ.
ـ قَاتِلٌ؟
أَوْمَأَ أَشُوكَا بِرَأْسِهِ.
نَظْرَةُ عَيْنَيْهِ لَمْ تَتَحَرَّكْ، وَلَمْ تَبْحَثْ عَنْ مَكَانٍ آخَرَ تَسْتَقِرُّ فِيهِ:
ـ قَبْلَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ عَامًا تَقْرِيبًا، خُضْتُ حَرْبًا ضِدَّ مَمْلَكَةِ كَالِينْغَا.
مَمْلَكَةٌ عَلَى سَاحِلِ الشَّرْقِ، أَرْضُهَا خَصْبَةٌ، وَتِجَارَتُهَا نَشِيطَةٌ، وَشَعْبُهَا عَنِيدُ الْمُقَاوَمَةِ.
أَرَدْتُ ضَمَّهَا إِلَى إِمْبِرَاطُورِيَّتِي.
انْتَصَرْتُ.
وَقَفَ لَحْظَةً.
الْكَلِمَةُ الْأَخِيرَةُ مُعَلَّقَةٌ فِي الْهَوَاءِ، كَأَنَّهَا لَمْ تَجِدْ مَكَانًا تَسْتَرِيحُ فِيهِ.
ـ لَكِنْ فِي ذَلِكَ الِانْتِصَارِ مَاتَ أَكْثَرُ مِنْ مِئَةِ أَلْفِ إِنْسَانٍ فِي الْمَعَارِكِ وَحْدَهَا.
وَسُبِيَ مِئَاتُ الْآلَافِ غَيْرُهُمْ، نُقِلُوا بَعِيدًا عَنْ أَرْضِهِمْ وَأَهْلِهِمْ.
وَتَشَرَّدَ مَنْ بَقِيَ مِنْ غَيْرِ الْمُحَارِبِينَ، يَبْحَثُونَ عَنْ مَنَازِلَ لَمْ تَعُدْ قَائِمَةً فَوْقَ أَرْضٍ صَارَتْ مَقْبَرَةً.
ثُمَّ أَضَافَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُهُ سَامِرٌ:
ـ وَقَفْتُ بَعْدَ الْمَعْرَكَةِ عَلَى تِلْكَ الْأَرْضِ.
الشَّمْسُ كَانَتْ تَرْتَفِعُ مِنَ الشَّرْقِ كَمَا تَرْتَفِعُ كُلَّ يَوْمٍ، بِلَا اهْتِمَامٍ بِمَا تَحْتَهَا.
وَالْأَرْضُ مِنْ حَوْلِي كَانَتْ مَلِيئَةً بِمَا لَا يُوصَفُ.
وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِي، رَأَيْتُ مَا فَعَلْتُهُ بِوُضُوحٍ كَامِلٍ.
لَيْسَ بِعُيُونِ الْمُنْتَصِرِ الَّذِي يَرَى أَرْضًا مُكْتَسَبَةً، بَلْ بِعُيُونِ إِنْسَانٍ يَقِفُ فِي وَسَطِ نَتَائِجِ أَفْعَالِهِ دُونَ أَيِّ غِطَاءٍ يُسَمَّى مَجْدًا أَوْ ضَرُورَةً سِيَاسِيَّةً.
________________________________________
ـ وَمَاذَا فَعَلْتَ بَعْدَ ذَلِكَ؟
كَانَ السُّؤَالُ أَبْسَطَ مِمَّا تَسْتَحِقُّهُ اللَّحْظَةُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ.
ـ تَغَيَّرْتُ.
لَيْسَ بِسِحْرٍ وَلَا بِوَحْيٍ إِلَهِيٍّ مُبَاشِرٍ كَمَا يَرْوِي بَعْضُهُمُ الْقِصَصَ، بَلْ بِبُطْءٍ مُؤْلِمٍ جِدًّا امْتَدَّ شُهُورًا.
كَأَنَّ التَّغَيُّرَ كَانَ يَحْدُثُ فِي طَبَقَاتٍ، طَبَقَةً فَوْقَ طَبَقَةٍ، وَكُلُّ طَبَقَةٍ تَحْتَاجُ وَقْتَهَا الْخَاصَّ.
أَوَّلًا جَاءَ الصَّمْتُ: صَمْتٌ دَاخِلِيٌّ طَوِيلٌ لَمْ أَكُنْ مُعْتَادًا عَلَيْهِ.
ثُمَّ جَاءَ السُّؤَالُ: مَاذَا أَنَا فِي الْحَقِيقَةِ؟
ثُمَّ جَاءَ مَا هُوَ أَصْعَبُ مِنَ السُّؤَالِ: الْجَوَابُ.
تَنَهَّدَ تَنَهُّدًا لَمْ يُخْفِهِ:
ـ تَبَنَّيْتُ تَعَالِيمَ بُوذِيَّةٍ.
لَيْسَ كَدِينٍ أُؤَدِّي طُقُوسَهُ بِانْتِظَامٍ فَحَسْبُ، بَلْ كَإِطَارٍ لِأَرَى بِهِ نَفْسِي وَأَفْعَالِي بِرُؤْيَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
أَمَرْتُ بِنَحْتِ مَرَاسِيمِي عَلَى أَعْمِدَةٍ حَجَرِيَّةٍ وَصُخُورٍ فِي كُلِّ أَنْحَاءِ إِمْبِرَاطُورِيَّتِي.
أَعْلَنْتُ فِيهَا أَمَامَ الْجَمِيعِ نَدَمِي عَلَى مَا جَرَى فِي كَالِينْغَا.
أَمَرْتُ بِتَحْرِيمِ الذَّبْحِ الْمَجَّانِيِّ لِلْحَيَوَانَاتِ.
بَنَيْتُ طُرُقًا وَآبَارًا وَمُسْتَشْفَيَاتٍ، لِلْبَشَرِ وَلِلْحَيَوَانَاتِ مَعًا.
أَرْسَلْتُ مَبْعُوثِينَ إِلَى مَمَالِكٍ بَعِيدَةٍ، لَا لِغَرَضِ التِّجَارَةِ أَوِ التَّوَسُّعِ، بَلْ لِنَشْرِ مَبْدَأٍ وَاحِدٍ بَسِيطٍ: الرَّحْمَةُ مُمْكِنَةٌ.
تَوَقَّفَ، ثُمَّ أَضَافَ بِنَبْرَةٍ أَهْدَأَ:
ـ حَاوَلْتُ أَنْ أَحْكُمَ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ كُلِّيًّا عَنِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي كَسَبْتُ بِهَا سُلْطَتِي.
هَذَا أَصْعَبُ مِمَّا يَبْدُو: أَنْ تَسْتَخْدِمَ الْقُوَّةَ ذَاتَهَا الَّتِي قَتَلَتْ لِكَيْ تَبْنِيَ.
الْمِطْرَقَةُ الَّتِي هَدَمَتْ يَجِبُ أَنْ تَتَعَلَّمَ كَيْفَ تَبْنِي، وَهِيَ تَظَلُّ مِطْرَقَةً، لَا تَتَحَوَّلُ فَجْأَةً إِلَى رِيشَةٍ نَاعِمَةٍ.
________________________________________
ـ هَذَا يَبْدُو وَكَأَنَّهُ مُحَاوَلَةٌ لِإِعَادَةِ كِتَابَةِ مَنْ أَنْتَ.
نَظَرَ إِلَيْهِ أَشُوكَا نَظْرَةً طَوِيلَةً.
لَيْسَتْ نَظْرَةَ اعْتِرَاضٍ عَلَى الْوَصْفِ، وَلَا نَظْرَةَ تَأْكِيدٍ مُتَحَمِّسٍ.
نَظْرَةُ مَنْ يَفْهَمُ السُّؤَالَ أَكْثَرَ مِمَّا يَفْهَمُهُ السَّائِلُ نَفْسُهُ، وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّ الْفَهْمَ الزَّائِدَ أَحْيَانًا لَا يُرِيحُ.
ـ هَذَا بِالضَّبْطِ مَا حَاوَلْتُ فِعْلَهُ طَوَالَ مَا تَبَقَّى مِنْ حَيَاتِي: أَنْ أُعِيدَ كِتَابَةَ ذَاكِرَتِي.
لَكِنْ دَعْنِي أَكُنْ وَاضِحًا تَمَامًا مَعَكَ فِي شَيْءٍ لَمْ أَتَعَلَّمْهُ إِلَّا بَعْدَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الْمُحَاوَلَةِ الْمُضْنِيَةِ.
مَشَى بِبُطْءٍ نَحْوَ أَحَدِ الْأَعْمِدَةِ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، كَأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ صُلْبٍ تَحْتَ يَدِهِ وَهُوَ يَقُولُ مَا سَيَقُولُهُ:
ـ لَمْ أَسْتَطِعْ أَبَدًا أَنْ أَمْحُوَ مَا حَدَثَ فِي كَالِينْغَا.
لَا بِالنَّدَمِ، وَلَا بِالطُّقُوسِ، وَلَا بِالْخَيْرِ.
كُلُّ مَرْسُومٍ نَحَتُّهُ عَلَى صَخْرَةٍ كَانَ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ صَدَى ذَلِكَ الْيَوْمِ.
كُلُّ مُسْتَشْفًى بَنَيْتُهُ، كَانَتْ أَرْضِيَّتُهُ تَقِفُ عَلَى ذَاكِرَةِ الْجُثَثِ الَّتِي رَأَيْتُهَا.
لَا تَسْتَطِيعُ الْكِتَابَةُ أَنْ تَمْحُوَ مَا كُتِبَ تَحْتَهَا.
أَبْعَدَ يَدَهُ عَنِ الْعَمُودِ، وَوَقَفَ أَمَامَ سَامِرٍ مُبَاشَرَةً:
ـ التَّوْبَةُ لَا تَمْحُو الذَّاكِرَةَ.
هِيَ فَقَطْ تُضِيفُ إِلَيْهَا فَصْلًا آخَرَ.
وَهَذَا الْفَصْلُ الْآخَرُ لَا يُلْغِي مَا قَبْلَهُ، لَكِنَّهُ يُغَيِّرُ كَيْفَ تَقْرَأُ الْكِتَابَ كُلَّهُ حِينَ تَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنَ النِّهَايَةِ.
________________________________________
شَعَرَ سَامِرٌ بِثِقْلِ هَذَا الْكَلَامِ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ عَنْ ثِقْلِ الْأَفْكَارِ الْأُخْرَى الَّتِي اصْطَدَمَ بِهَا فِي هَذَا الْمُتْحَفِ.
الْأَفْكَارُ الْأُخْرَى كَانَتْ تَزِيدُ مِنْ وُضُوحِ الرُّؤْيَةِ، وَتُضِيءُ زَوَايَا لَمْ يَكُنْ يَرَى فِيهَا.
هَذِهِ الْفِكْرَةُ لَمْ تُضِئْ، بَلْ كَشَفَتْ.
وَبَيْنَ الْإِضَاءَةِ وَالْكَشْفِ فَرْقٌ: الْإِضَاءَةُ تُرِيحُكَ، وَالْكَشْفُ يُقْلِقُكَ وَإِنْ كَانَ ضَرُورِيًّا.
ـ هَلْ يَسْتَحِقُّ الْأَمْرُ إِذًا؟
أَنْ تُحَاوِلَ التَّوْبَةَ، رَغْمَ أَنَّهَا لَنْ تَمْحُوَ مَا حَدَثَ؟
لَمْ يَتَرَدَّدْ أَشُوكَا فِي الْإِجَابَةِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُجِبْ بِانْدِفَاعٍ أَيْضًا.
أَجَابَ بِنَبْرَةِ مَنْ طَرَحَ هَذَا السُّؤَالَ عَلَى نَفْسِهِ مِئَاتِ الْمَرَّاتِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى مَا يَقُولُهُ الْآنَ:
ـ نَعَمْ، يَسْتَحِقُّ.
لَكِنْ لَيْسَ لِلسَّبَبِ الَّذِي تَظُنُّهُ.
النَّاسُ عَادَةً يَتَصَوَّرُونَ التَّوْبَةَ كَآلَةٍ لِلْمَحْوِ: إِذَا فَعَلْتَ كَذَا مِنَ الْخَيْرِ، سَيُحْذَفُ مِنْ سِجِلِّكَ كَذَا مِنَ الشَّرِّ.
هَذَا تَفْكِيرُ الْمُحَاسَبَةِ السَّاذَجَةِ.
الْحَقِيقَةُ أَعْقَدُ، وَأَشَدُّ قَسْوَةً، وَأَكْثَرُ إِنْسَانِيَّةً فِي آنٍ وَاحِدٍ.
تَابَعَ:
ـ التَّوْبَةُ لَا تَسْتَحِقُّ لِأَنَّهَا تَمْحُو الْمَاضِي.
تَسْتَحِقُّ لِأَنَّهَا تُغَيِّرُ مَاذَا تَفْعَلُ بِالْحَاضِرِ وَبِالْمُسْتَقْبَلِ.
أَنَا لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُحْيِيَ مِئَةَ أَلْفِ إِنْسَانٍ قَتَلْتُهُمْ.
هَذَا مُسْتَحِيلٌ، حَتَّى لَوْ أَمْضَيْتُ بَقِيَّةَ عُمْرِي رَاكِعًا.
لَكِنَّنِي اسْتَطَعْتُ أَنْ أَمْنَعَ أُمَرَاءَ إِمْبِرَاطُورِيَّتِي مِنْ شَنِّ حُرُوبٍ اعْتِبَاطِيَّةٍ كُنْتُ سَأَأْذَنُ بِهَا فِي الْمَاضِي بِلَا تَفْكِيرٍ.
اسْتَطَعْتُ أَنْ أَبْنِيَ طُرُقًا جَعَلَتِ الْقُرَى النَّائِيَةَ أَقَلَّ عُزْلَةً عَنِ الرِّعَايَةِ الطِّبِّيَّةِ.
اسْتَطَعْتُ أَنْ أُعْلِنَ أَمَامَ مُلُوكِ جِيرَانِي: أَنَا أَخْطَأْتُ.
وَهَذَا الْإِعْلَانُ وَحْدَهُ رُبَّمَا جَعَلَ بَعْضَهُمْ يُفَكِّرُ مَرَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَخُوضُوا حُرُوبًا يُمَجِّدُونَهَا فِي أَذْهَانِهِمْ.
ثُمَّ وَضَّحَ الْأَمْرَ بِمِثَالٍ لَمْ يَتَوَقَّعْ سَامِرٌ أَنْ يَسْمَعَهُ:
ـ تَخَيَّلْ رَجُلًا أَشْعَلَ نَارًا فِي حَقْلٍ بِإِهْمَالٍ، فَأَحْرَقَ خَمْسَ قُرًى.
لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعِيدَ تِلْكَ الْقُرَى.
لَكِنَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعَلِّمَ أَبْنَاءَهُ وَأَبْنَاءَ قَرْيَتِهِ كَيْفَ يَتَعَامَلُونَ مَعَ النَّارِ بِحَذَرٍ.
وَيَسْتَطِيعُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ مَنْ يَرْكُضُ حِينَ يُشَمُّ دُخَانٌ.
وَيَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْمِلَ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ مِنْ حَيَاتِهِ وَعْيًا بِمَا تَفْعَلُهُ اللَّامُبَالَاةُ، وَعْيًا يَجْعَلُ كُلَّ قَرَارَاتِهِ مُخْتَلِفَةً.
هَذَا لَا يُعَادِلُ الْخَمْسَ قُرَى.
لَكِنَّهُ لَيْسَ لَا شَيْءَ أَيْضًا.
________________________________________
شَعَرَ سَامِرٌ بِثِقْلٍ أَخْلَاقِيٍّ جَدِيدٍ، مُخْتَلِفٍ عَنْ كُلِّ مَا وَاجَهَهُ فِي الْقَاعَاتِ السَّابِقَةِ.
فِي الْقَاعَاتِ الْأُخْرَى كَانَتِ الْأَفْكَارُ تُشْعِرُهُ بِأَنَّ الْأُمُورَ أَوْسَعُ مِمَّا ظَنَّ، وَأَعْمَقُ مِمَّا تَخَيَّلَ.
هُنَا كَانَتِ الْأَفْكَارُ تُشْعِرُهُ بِأَنَّ الْأُمُورَ أَثْقَلُ مِمَّا كَانَ يُقِرُّ بِهِ، وَأَنَّ هَذَا الثِّقْلَ لَيْسَ عَيْبًا يَجِبُ إِزَالَتُهُ، بَلْ حَقِيقَةً يَجِبُ الِاعْتِرَافُ بِهَا.
ـ أَنَا لَمْ أَرْتَكِبْ جَرِيمَةً بِهَذَا الْحَجْمِ.
لَكِنَّنِي أَشْعُرُ أَحْيَانًا بِذَنْبٍ غَامِضٍ بِشَأْنِ يَوْمِي الْمَفْقُودِ، كَأَنَّنِي فَعَلْتُ شَيْئًا سَيِّئًا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، رَغْمَ أَنَّنِي لَا أَتَذَكَّرُهُ.
كَأَنَّ الذَّنْبَ وَصَلَ قَبْلَ الذَّاكِرَةِ، كَطَرْدٍ يَأْتِيكَ قَبْلَ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّكَ طَلَبْتَهُ.
نَظَرَ إِلَيْهِ أَشُوكَا بِتَعَاطُفٍ صَادِقٍ خَالٍ مِنَ التَّرَفُّقِ الْمُصْطَنَعِ.
لَمْ يَقُلْ: «لَا تَقْلَقْ، ذَنْبُكَ أَصْغَرُ مِنْ ذَنْبِي».
قَالَ شَيْئًا مُخْتَلِفًا:
ـ هَذَا عِبْءٌ مُخْتَلِفٌ عَنْ عِبْئِي، لَكِنَّهُ لَيْسَ أَخَفَّ بِالضَّرُورَةِ.
أَنَا أَحْمِلُ ذَنْبًا أَعْرِفُ تَفَاصِيلَهُ كَامِلَةً، أَعْرِفُ الْأَسْمَاءَ وَالْأَرْقَامَ وَالْأَيَّامَ.
أَنْتَ تَحْمِلُ ذَنْبًا مُحْتَمَلًا لَا تَعْرِفُ حَتَّى إِنْ كَانَ حَقِيقِيًّا أَصْلًا.
تَوَقَّفَ لَحْظَةً، ثُمَّ أَضَافَ بِهُدُوءٍ:
ـ رُبَّمَا هَذَا أَصْعَبُ بِطَرِيقَتِهِ الْخَاصَّةِ.
أَنْ تَخَافَ مِمَّا قَدْ تَكُونُ فَعَلْتَهُ دُونَ أَنْ تَعْرِفَ الْحَقِيقَةَ لِتُوَاجِهَهَا، أَوْ تَتَصَالَحَ مَعَهَا، أَوْ حَتَّى لِتَرْفُضَهَا.
أَنَا حِينَ أَحْمِلُ ذَنْبَ كَالِينْغَا، أَحْمِلُ شَيْئًا لَهُ شَكْلٌ.
حَجْمُهُ ضَخْمٌ جِدًّا، لَكِنَّهُ مُحَدَّدٌ.
أَنْتَ تَحْمِلُ ذَنْبًا بِلَا شَكْلٍ، وَمَا بِلَا شَكْلٍ يَمْلَأُ كُلَّ الْأَحْجَامِ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
________________________________________
ـ مَاذَا تَنْصَحُنِي أَنْ أَفْعَلَ؟
لَمْ يُجِبْ أَشُوكَا فَوْرًا.
مَشَى بِبُطْءٍ نَحْوَ جِدَارٍ كَانَتْ عَلَيْهِ نُقُوشٌ أَطْوَلُ مِنْ غَيْرِهَا، مَرَّ عَلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ كَمَنْ يَقْرَأُ شَيْئًا قَرَأَهُ كَثِيرًا، لَكِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتَأَكَّدَ أَنَّهُ لَا يَزَالُ صَحِيحًا:
ـ فِي تَعَالِيمِ بُوذَا الَّتِي تَبَنَّيْتُهَا، هُنَاكَ مَفْهُومٌ يُسَمَّى «كَارْمَا».
وَأَنَا أَعْرِفُ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ وَصَلَتْ إِلَى زَمَانِكَ مُشَوَّهَةً جِدًّا.
صَارَتْ تَعْنِي عِنْدَ كَثِيرِينَ نَوْعًا مِنَ الْعِقَابِ الْآلِيِّ: فَعَلْتَ شَرًّا، سَيُصِيبُكَ شَرٌّ.
كَأَنَّ الْكَوْنَ مُحَاسِبٌ آلِيٌّ يُسَجِّلُ وَيُعِيدُ.
الْتَفَتَ نَحْوَ سَامِرٍ:
ـ لَكِنَّ الْكَارْمَا أَعْمَقُ مِنْ هَذَا بِكَثِيرٍ.
الْكَارْمَا تَقُولُ إِنَّ كُلَّ فِعْلٍ يَتْرُكُ أَثَرًا، فِي نَفْسِكَ قَبْلَ أَنْ يَتْرُكَهُ فِي الْعَالَمِ.
حِينَ تَقْتُلُ إِنْسَانًا، تُغَيِّرُ نَوْعًا مَا دَاخِلَ نَفْسِكَ.
وَحِينَ تُسَاعِدُ إِنْسَانًا، تُغَيِّرُ نَوْعًا مَا دَاخِلَ نَفْسِكَ.
هَذَا الْأَثَرُ الدَّاخِلِيُّ هُوَ مَا يَجْعَلُكَ تَتَّخِذُ قَرَارَاتٍ مُخْتَلِفَةً لَاحِقًا.
لَكِنَّ الْأَهَمَّ أَنَّ الْأَثَرَ لَيْسَ قَدَرًا ثَابِتًا لَا يَتَزَحْزَحُ.
يُمْكِنُ لِأَفْعَالٍ لَاحِقَةٍ أَنْ تُضِيفَ وَزْنًا مُضَادًّا، لَيْسَ لِتَمْحُوَ، بَلْ لِتُوَازِنَ.
جَلَسَ عَلَى دَرَجَةٍ حَجَرِيَّةٍ عِنْدَ قَاعِدَةِ الْعَمُودِ:
ـ لَوْ كُنْتَ تَخْشَى أَنَّكَ فَعَلْتَ شَيْئًا سَيِّئًا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْمَجْهُولِ، فَأَفْضَلُ مَا يُمْكِنُكَ فِعْلُهُ لَيْسَ الْبَحْثَ الْمَهْوُوسَ عَنْ إِجَابَةٍ قَدْ لَا تَجِدُهَا أَبَدًا.
الْبَحْثُ الْمَهْوُوسُ يَسْتَنْزِفُ دُونَ أَنْ يُغَذِّي.
بَلْ أَنْ تَعِيشَ بَقِيَّةَ أَيَّامِكَ بِطَرِيقَةٍ وَاعِيَةٍ، بِطَرِيقَةٍ تُضِيفُ وَزْنًا جَيِّدًا إِلَى مِيزَانِ مَنْ أَنْتَ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ وَزْنِ ذَلِكَ الْيَوْمِ الْمَجْهُولِ.
حَتَّى لَوِ اتَّضَحَ يَوْمًا مَا أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ كَانَ فَارِغًا مِنْ أَيِّ خَطَأٍ، فَأَنْتَ لَنْ تَكُونَ خَسِرْتَ شَيْئًا مِنَ الْعَيْشِ بِوَعْيٍ أَكْبَرَ.
وَإِنِ اتَّضَحَ أَنَّهُ حَمَلَ خَطَأً، فَأَنْتَ سَتَكُونُ قَدْ بَدَأْتَ مِنَ الْآنِ فِي إِضَافَةِ الْوَزْنِ الْمُضَادِّ.
________________________________________
ـ هَذَا يُشْبِهُ مَا قَالَتْهُ لِي الْمَرْأَةُ السُّومَرِيَّةُ، بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ: رَكِّزْ عَلَى مَا يُمْكِنُكَ فِعْلُهُ الْآنَ، لَا عَلَى مَا لَا تَسْتَطِيعُ اسْتِرْجَاعَهُ.
أَوْمَأَ أَشُوكَا بِإِعْجَابٍ حَقِيقِيٍّ، كَأَنَّهُ يُسْعِدُهُ أَنْ يَسْمَعَ الْفِكْرَةَ وَصَلَتْ بِطَرِيقِهَا إِلَى هَذَا الشَّخْصِ قَبْلَهُ:
ـ يَبْدُو أَنَّكَ تَتَعَلَّمُ بِسُرْعَةٍ، يَا سَامِرُ.
هَذَا وَاحِدٌ مِنْ أَهَمِّ الدُّرُوسِ الَّتِي تَعَلَّمْتُهَا أَنَا بَعْدَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ جِدًّا مِنَ الْأَلَمِ.
لَا يُمْكِنُكَ أَنْ تَتَحَكَّمَ فِي مَاضِيكَ.
حَتَّى لَوْ كَانَ مَاضِيكَ مُرَوِّعًا كَمَاضِيَّ بِكُلِّ دَقَائِقِهِ الثَّقِيلَةِ، أَوْ غَامِضًا كَمَاضِيكَ بِكُلِّ فَرَاغَاتِهِ الْمُقْلِقَةِ، لَا تَمْلِكُ زِمَامَ الْعَوْدَةِ إِلَيْهِ وَتَعْدِيلِهِ.
مَا تَمْلِكُهُ كَامِلًا هُوَ هَذِهِ اللَّحْظَةُ بِالذَّاتِ.
وَاللَّحْظَةُ الَّتِي بَعْدَهَا.
وَكُلُّ لَحْظَةٍ تَأْتِي بَعْدَهَا.
ثُمَّ أَضَافَ بِنَبْرَةٍ شَبِيهَةٍ بِنَبْرَةِ مَنْ يُوصِي لَا مَنْ يُعَلِّمُ:
ـ وَهَذَا لَا يَعْنِي أَنْ تَتَظَاهَرَ بِأَنَّ الْمَاضِيَ غَيْرُ مَوْجُودٍ.
بَلْ يَعْنِي أَنْ تَأْخُذَهُ كَمَا هُوَ، بِكُلِّ ثِقْلِهِ، وَتَحْمِلَهُ بِيَدٍ مَفْتُوحَةٍ لَا بِيَدٍ مُشَدَّدَةٍ.
الْيَدُ الْمُشَدَّدَةُ عَلَى الْحَجَرِ الثَّقِيلِ تَتَأَلَّمُ أَكْثَرَ.
وَالْيَدُ الْمَفْتُوحَةُ تَحْمِلُهُ أَيْضًا، لَكِنَّهَا تَظَلُّ قَادِرَةً عَلَى فِعْلِ أَشْيَاءَ أُخْرَى.
________________________________________
ـ هَلْ تَشْعُرُ بِالسَّلَامِ الْآنَ؟ بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ مِنَ التَّوْبَةِ؟
تَنَهَّدَ أَشُوكَا تَنْهِيدَةً عَمِيقَةً.
لَمْ تَكُنْ تَنْهِيدَةَ تَعَبٍ وَلَا تَنْهِيدَةَ ضِيقٍ.
كَانَتْ تَنْهِيدَةَ إِنْسَانٍ يَعْرِفُ جَوَابَهُ، وَيَعْرِفُ أَنَّهُ ثَقِيلٌ حَتَّى وَهُوَ صَادِقٌ:
ـ لَيْسَ سَلَامًا كَامِلًا، وَلَنْ يَكُونَ أَبَدًا.
أَنَا لَا أَعْتَقِدُ أَنَّ سَلَامًا كَامِلًا مُمْكِنٌ لِإِنْسَانٍ فَعَلَ مَا فَعَلْتُهُ، وَأَنَا لَا أُرِيدُهُ فِي الْحَقِيقَةِ.
السَّلَامُ الْكَامِلُ بَعْدَ كَالِينْغَا سَيَعْنِي أَنَّنِي نَسِيتُ، أَوْ أَنَّنِي تَحَوَّلْتُ إِلَى نَوْعٍ مُخْتَلِفٍ مِنَ الْكَائِنَاتِ.
لَكِنَّهُ سَلَامٌ كَافٍ لِأَعِيشَ.
كَافٍ لِأَحْكُمَ بِعَدْلٍ فِي أَغْلَبِ الْأَيَّامِ.
كَافٍ لِأَنَامَ لَيْلًا دُونَ أَنْ يَخْنُقَنِي الذَّنْبُ تَمَامًا، وَإِنْ كَانَ الذَّنْبُ لَا يَغِيبُ كُلِّيًّا.
نَظَرَ إِلَى الْأَعْمِدَةِ مِنْ حَوْلِهِ:
ـ رُبَّمَا هَذَا أَقْصَى مَا يُمْكِنُ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ إِنْسَانٌ فَعَلَ مَا فَعَلْتُهُ.
لَيْسَ غُفْرَانًا كَامِلًا لِنَفْسِهِ، فَذَاكَ تَرَفٌ أَخْلَاقِيٌّ لَا أَسْتَحِقُّهُ.
بَلْ هُدْنَةً دَائِمَةً مَعَ نَفْسِهِ.
أَنْ يَقُولَ لَهَا كُلَّ يَوْمٍ: «مَا حَدَثَ حَدَثَ، وَلَا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ.
وَمَا يَحْدُثُ الْيَوْمَ، هَذَا مَا أَمْلِكُهُ.
فَلْنَبْدَأْ مِنْ هُنَا».
________________________________________
شَعَرَ سَامِرٌ بِشَيْءٍ يَسْتَقِرُّ فِي دَاخِلِهِ.
لَيْسَ الشُّعُورَ الدَّافِئَ الَّذِي أَحَسَّ بِهِ بَعْدَ حَدِيثِ إِمْحُوتِبَ، وَلَا الْخِفَّةَ الَّتِي أَتَتْ بَعْدَ بَعْضِ الْقَاعَاتِ الْأُخْرَى.
كَانَ شَيْئًا أَثْقَلَ مِنَ الْخِفَّةِ، وَأَكْثَرَ صِدْقًا مِنْهَا: نَوْعًا مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ الْجُزْئِيَّةِ الَّتِي لَا تُنْكِرُ الثِّقْلَ، لَكِنَّهَا تَقُولُ لَكَ إِنَّ الثِّقْلَ مُحْتَمَلٌ.
ـ شُكْرًا لَكَ.
عَلَى صَرَاحَتِكَ، رَغْمَ أَنَّهَا كَلَّفَتْكَ الْكَثِيرَ عَلَى مَا يَبْدُو.
ابْتَسَمَ أَشُوكَا ابْتِسَامَةً حَزِينَةً هَادِئَةً، الِابْتِسَامَةَ الْوَحِيدَةَ الَّتِي رَآهَا عَلَى وَجْهِهِ مُنْذُ دَخَلَ الْقَاعَةَ:
ـ الصَّرَاحَةُ مَعَ الذَّاتِ هِيَ أَصْعَبُ صَرَاحَةٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، يَا سَامِرُ.
أَصْعَبُ مِنْ مُوَاجَهَةِ عَدُوٍّ فِي مَيْدَانٍ، وَأَصْعَبُ مِنْ خِطَابٍ أَمَامَ جَمْعٍ مِنَ النَّاسِ.
لِأَنَّكَ فِي كُلِّ الْحَالَاتِ الْأُخْرَى تَسْتَطِيعُ أَنْ تُؤَجِّلَ، وَأَنْ تُضِيفَ تَزْوِيقًا، وَأَنْ تَسْتَعِينَ بِلُغَةٍ تُخَفِّفُ وَطْأَةَ الْحَقِيقَةِ.
لَكِنْ حِينَ تَقِفُ وَحْدَكَ أَمَامَ نَفْسِكَ فِي صَمْتٍ كَامِلٍ، لَا تَنْجَحُ مَعَكَ الْحِيَلُ.
ثُمَّ أَضَافَ بِنَبْرَةٍ أَهْدَأَ:
ـ أَتَمَنَّى لَكَ أَنْ تَصِلَ إِلَيْهَا يَوْمًا بِخُصُوصِ يَوْمِكَ الْمَفْقُودِ.
أَيًّا كَانَ مَا يَحْمِلُهُ ذَلِكَ الْيَوْمُ، أَنْتَ تَسْتَحِقُّ أَنْ تَعْرِفَهُ.
وَالْأَهَمُّ أَنَّكَ تَسْتَحِقُّ أَنْ تَسْتَطِيعَ النَّظَرَ إِلَيْهِ، حِينَ يَأْتِي، بِالْعَيْنَيْنِ اللَّتَيْنِ يُعْطِيكَ إِيَّاهُمَا كُلُّ هَذَا الَّذِي تَمُرُّ بِهِ الْآنَ.
________________________________________
بَدَأَتِ الْأَعْمِدَةُ الْحَجَرِيَّةُ تَتَلَاشَى بِبُطْءٍ.
النُّقُوشُ عَلَى الْجُدْرَانِ ظَلَّتْ أَطْوَلَ مِمَّا ظَلَّ غَيْرُهَا فِي الْقَاعَاتِ السَّابِقَةِ، كَأَنَّهَا تُقَاوِمُ التَّلَاشِيَ، كَأَنَّهَا تُرِيدُ أَنْ تَمْنَحَ الزَّائِرَ لَحْظَةً إِضَافِيَّةً لِيَحْفِرَ شَيْئًا مِنْهَا فِي دَاخِلِهِ.
حِينَ عَادَ سَامِرٌ إِلَى الرِّوَاقِ الْخَشَبِيِّ، كَانَ الْعَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ.
لَكِنَّ شَيْئًا فِي وَجْهِهِ هَذِهِ الْمَرَّةَ كَانَ مُخْتَلِفًا.
لَمْ يَكُنِ الِانْتِظَارُ الْمُعْتَادُ لِمَنْ يَعْرِفُ أَنَّ الزَّائِرَ سَيَخْرُجُ قَرِيبًا، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ جَاهِزًا لِلِانْتِقَالِ التَّالِي.
كَانَ انْتِظَارًا أَثْقَلَ قَلِيلًا، وَأَكْثَرَ تَأَمُّلًا، كَمَنْ فَكَّرَ فِي شَيْءٍ طَوَالَ الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ فِيهِ سَامِرٌ دَاخِلَ الْقَاعَةِ.
لَمْ يَسْأَلْهُ الْعَجُوزُ عَنْ شَيْءٍ، كَعَادَتِهِ.
لَكِنَّهُ هَذِهِ الْمَرَّةَ لَمْ يَنْطَلِقْ مُبَاشَرَةً نَحْوَ الْقَاعَةِ التَّالِيَةِ.
وَقَفَ لَحْظَةً إِضَافِيَّةً، وَنَظَرَ إِلَى سَامِرٍ بِطَرِيقَةٍ يَصْعُبُ وَصْفُهَا.
لَيْسَتْ إِشْفَاقًا، وَلَيْسَتْ تَحْذِيرًا.
رُبَّمَا أَقْرَبُ إِلَى مَا يَنْظُرُ بِهِ إِنْسَانٌ إِلَى آخَرَ يَعْرِفُ أَنَّهُ مُقْبِلٌ عَلَى شَيْءٍ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ جَاهِزًا لَهُ.
ثُمَّ بَدَأَ يَمْشِي، وَقَالَ دُونَ أَنْ يَلْتَفِتَ:
ـ الْقَاعَةُ التَّالِيَةُ مُخْتَلِفَةٌ عَنْ كُلِّ مَا سَبَقَ.
سَتُقَابِلُ امْرَأَةً لَا اسْمَ لَهَا فِي التَّارِيخِ.
لَيْسَ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً.
بَلْ لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَسْمَحْ لَهَا بِأَنْ تُذْكَرَ.
خَطَا سَامِرٌ خَلْفَهُ، وَفِي صَدْرِهِ ذَلِكَ الضِّيقُ الْقَدِيمُ الَّذِي لَمْ يُسَمِّهِ بَعْدُ.
لَكِنَّهُ حَمَلَهُ هَذِهِ الْمَرَّةَ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
لَيْسَ بِيَدٍ مُشَدَّدَةٍ.
بَلْ بِيَدٍ مَفْتُوحَةٍ.

متحف الأيام المفقودة 12