متحف الأيام المفقودة 13

مُتْحَفُ الْأَيَّامِ الْمَفْقُودَةِ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ عَشَرَ: ابْنُ سِينَا – «الْعَقْلُ وَالرُّوحُ وَالذَّاكِرَةُ»
• ابْنُ سِينَا | ذَكَرٌ، ثَمَانِيَةٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً | بُخَارَى، أَلْفٌ وَعِشْرُونَ مِيلَادِيَّةً.
________________________________________
كَانَتْ هَذِهِ الْقَاعَةُ مُخْتَلِفَةً.
لَمْ يَكُنْ فِيهَا عَظَمَةُ الْمَعَابِدِ، وَلَا ثِقْلُ الْقَاعَاتِ الَّتِي حَمَلَتْ أَوْزَانَ الْحَضَارَاتِ الْمُبَكِّرَةِ.
كَانَتْ أَبْسَطَ، وَأَكْثَرَ إِنْسَانِيَّةً.
وَبِسَبَبِ هَذِهِ الْبَسَاطَةِ بِالذَّاتِ، كَانَتْ أَشَدَّ قُرْبًا.
رُفُوفٌ خَشَبِيَّةٌ عَالِيَةٌ تَمْتَدُّ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّقْفِ عَلَى طُولِ الْجُدْرَانِ الْأَرْبَعَةِ، مَلِيئَةٌ بِمَخْطُوطَاتٍ مُجَلَّدَةٍ بِعِنَايَةٍ، مُخْتَلِفَةِ السُّمْكِ وَالْحَجْمِ.
بَعْضُهَا ضَخْمٌ كَالطُّوبِ، يَبْدُو أَنَّ كُلَّ حَرْفٍ فِيهِ يَحْمِلُ وَزْنَ قَرَارٍ.
وَبَعْضُهَا رَفِيعٌ كَوَرِيقَةٍ، يُمْكِنُ لِلرِّيحِ أَنْ تُطَيِّرَ بِهَا لَوْ فَتَحْتَهَا فِي مَكَانٍ مَفْتُوحٍ.
وَكَانَتِ الرَّائِحَةُ رَائِحَةَ الْوَرَقِ الْقَدِيمِ الْمَأْلُوفَةَ، لَكِنَّهَا هُنَا مُضَافٌ إِلَيْهَا رَائِحَةُ الْحِبْرِ الطَّازَجِ، دَلِيلًا عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الْمَكَانِ لَا يَقْرَأُ فَحَسْبُ، بَلْ يَكْتُبُ أَيْضًا، وَبِانْتِظَامٍ.
فِي وَسَطِ الْقَاعَةِ، عَلَى وِسَادَةٍ مُسْتَدِيرَةٍ ذَاتِ لَوْنٍ دَاكِنٍ، جَلَسَ رَجُلٌ نَحِيلٌ فِي أَوَاخِرِ الثَّلَاثِينِيَّاتِ.
بَشَرَتُهُ قَمْحِيَّةٌ فَاتِحَةٌ، عَلَيْهَا آثَارُ السَّهَرِ الطَّوِيلِ الَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ أَيُّ إِضَاءَةٍ إِخْفَاءَهَا.
خُطُوطٌ خَفِيفَةٌ تَحْتَ الْعَيْنَيْنِ، وَثِقْلٌ فِي الْجَفْنَيْنِ، وَذَلِكَ الشُّحُوبُ الْخَاصُّ بِمَنْ يَقْضِي اللَّيْلَ فِي الْكِتَابَةِ، وَيَقْضِي النَّهَارَ فِي التَّفْكِيرِ، وَلَا يَجِدُ لِلنَّوْمِ إِلَّا الْهَامِشَ الضَّيِّقَ بَيْنَهُمَا.
أَمَامَهُ كِتَابٌ مَفْتُوحٌ عَلَى صَفْحَةٍ كَثِيفَةِ النَّصِّ.
وَإِلَى يَمِينِهِ دَوَاةٌ وَرِيشَةُ كِتَابَةٍ وُضِعَتَا بِعِنَايَةٍ، كَمَنْ يَضَعُ أَدَاةً يَحْتَرِمُهَا.
لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ فَوْرًا حِينَ سَمِعَ خُطُوَاتِ سَامِرٍ.
أَنْهَى سَطْرًا كَانَ يَقْرَؤُهُ، ثُمَّ رَفَعَ عَيْنَيْهِ بِبُطْءٍ.
وَفِيهِمَا ذَلِكَ الْإِرْهَاقُ الَّذِي لَا يُخْفِيهِ، وَأَيْضًا شَيْءٌ آخَرُ لَا يُخْفِيهِ: فُضُولٌ حَيٌّ لَمْ يُطْفِئْهُ التَّعَبُ.
ـ أَهْلًا بِكَ.
اعْذُرْنِي إِنْ بَدَوْتُ مُتْعَبًا، فَأَنَا أَكْتُبُ مُنْذُ الْفَجْرِ دُونَ تَوَقُّفٍ.
لَكِنَّ تَعَبِي لَا يَعْنِي غِيَابِي.
________________________________________
ـ أَنَا سَامِرٌ.
ـ يُسَمُّونَنِي فِي بِلَاطِ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ خَدَمْتُهُمْ «الشَّيْخَ الرَّئِيسَ».
لَقَبٌ يُعْجِبُنِي أَحْيَانًا، وَيُثْقِلُنِي أَحْيَانًا أُخْرَى.
لَكِنَّ اسْمِي الْحَقِيقِيَّ ابْنُ سِينَا.
وَكَمَا سَيُسَمِّينِي الْغَرْبُ بَعْدَ زَمَنٍ، أَفِيسِينَا.
طَبِيبٌ حِينَ يُتَاحُ لِي وَقْتٌ.
وَفَيْلَسُوفٌ حِينَ يَزِيدُ وَقْتٌ عَلَى ذَلِكَ.
وَكَاتِبٌ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَحْتَاجُ إِلَى إِذْنٍ مِنْ أَحَدٍ كَيْ تَبْدَأَ.
ـ سَمِعْتُ عَنْكَ.
«الْقَانُونُ فِي الطِّبِّ» مَا زَالَ يُدَرَّسُ فِي زَمَانِي، بَعْدَ أَلْفِ سَنَةٍ تَقْرِيبًا مِنَ الْآنَ.
أَسْقَطَ ابْنُ سِينَا عَيْنَيْهِ لِلَحْظَةٍ، ثُمَّ رَفَعَهُمَا، وَعَلَى وَجْهِهِ ابْتِسَامَةٌ مُتْعَبَةٌ، لَكِنْ فِيهَا رِضًا خَفِيٌّ.
النَّوْعُ الَّذِي لَا يُعْلِنُهُ الْمَرْءُ، لَكِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ إِخْفَاءَهُ تَمَامًا.
ـ هَذَا يُثْلِجُ صَدْرِي، رَغْمَ أَنَّنِي لَنْ أَعِيشَ لِأَرَى ذَلِكَ بِنَفْسِي.
لَكِنَّ هَذَا لَيْسَ مُهِمًّا جِدًّا.
أَهَمُّ مَا يَهُمُّنِي الْآنَ هُوَ أَنَّ الْأَفْكَارَ الَّتِي أَكْتُبُهَا صَحِيحَةٌ، لَا أَنَّ الِاسْمَ الَّذِي يُكْتَبُ فَوْقَهَا يُذْكَرُ.
الِاسْمُ يَخُصُّنِي أَنَا، أَمَّا الْفِكْرَةُ فَهِيَ لِمَنْ يَسْتَطِيعُ الِاسْتِفَادَةَ مِنْهَا.
أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ لِثَانِيَةٍ، ثُمَّ فَتَحَهُمَا مِنْ جَدِيدٍ بِتَرْكِيزٍ مُخْتَلِفٍ:
ـ لَكِنْ أَخْبِرْنِي، مَا الَّذِي أَتَى بِكَ إِلَى هُنَا؟
الْعَجُوزُ الَّذِي رَافَقَكَ أَخْبَرَنِي أَنَّكَ تَحْمِلُ سُؤَالًا عَنِ الذَّاكِرَةِ وَالرُّوحِ.
________________________________________
جَلَسَ سَامِرٌ عَلَى وِسَادَةٍ قَرِيبَةٍ.
الْمَكَانُ كَانَ مُرِيحًا بِطَرِيقَةٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعَةٍ، كَأَنَّهُ مُصَمَّمٌ لِلْجُلُوسِ الطَّوِيلِ وَالتَّفْكِيرِ الْبَطِيءِ.
ـ نَعَمْ.
فَقَدْتُ يَوْمًا مِنْ حَيَاتِي، يَوْمًا كَامِلًا اخْتَفَى مِنْ ذَاكِرَتِي.
وَلَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَ هَذَا يَعْنِي أَنَّ جُزْءًا مِنْ «رُوحِي» أَوْ «نَفْسِي» فُقِدَ مَعَهُ، أَمْ أَنَّ النَّفْسَ شَيْءٌ مُنْفَصِلٌ تَمَامًا عَنِ الذَّاكِرَةِ.
هَلْ أَنَا أَقَلُّ «أَنَا» لِأَنَّنِي لَا أَتَذَكَّرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ؟
أَغْلَقَ ابْنُ سِينَا الْكِتَابَ أَمَامَهُ بِرِفْقٍ وَاضِحٍ، كَمَنْ يَضَعُ شَيْئًا ثَمِينًا فِي مَكَانِهِ الصَّحِيحِ.
وَضَعَهُ جَانِبًا.
وَأَعَادَ وَضْعَ الرِّيشَةِ فِي الدَّوَاةِ.
وَانْتَصَبَ فِي جِلْسَتِهِ قَلِيلًا.
كَأَنَّ السُّؤَالَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ جَسَدُهُ أَيْضًا حَاضِرًا بِالْكَامِلِ.
ـ هَذَا سُؤَالٌ يَقَعُ فِي صَمِيمِ مَا أَمْضَيْتُ حَيَاتِي كُلَّهَا أُحَاوِلُ فَهْمَهُ.
وَأَنَا سَعِيدٌ أَنَّكَ طَرَحْتَهُ بِهَذِهِ الدِّقَّةِ.
كَثِيرُونَ يَسْأَلُونَنِي عَنِ الذَّاكِرَةِ كَعُضْوٍ أَوْ كَوَظِيفَةٍ.
قَلِيلُونَ يَسْأَلُونَ عَنْ عَلَاقَتِهَا بِمَنْ نَحْنُ.
ثُمَّ قَالَ بِنَبْرَةِ الْمُعَلِّمِ الَّذِي يَعْرِفُ أَنَّ الْفِكْرَةَ الصَّعْبَةَ تَحْتَاجُ بَابًا جَانِبِيًّا:
ـ دَعْنِي أُحَدِّثْكَ عَنْ تَجْرِبَةٍ فِكْرِيَّةٍ ابْتَكَرْتُهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ.
أُسَمِّيهَا «الرَّجُلَ الطَّائِرَ».
تَخَيَّلْ إِنْسَانًا خُلِقَ فَجْأَةً، كَامِلًا نَاضِجًا، مُعَلَّقًا فِي الْهَوَاءِ فِي فَرَاغٍ تَامٍّ.
لَا أَرْضَ تَحْتَهُ، وَلَا سَمَاءَ فَوْقَهُ، وَلَا هَوَاءَ يَحِسُّ بِمُقَاوَمَتِهِ عَلَى جِلْدِهِ.
وَلَا يَرَى أَيَّ جُزْءٍ مِنْ جَسَدِهِ.
يَدَاهُ غَائِبَتَانِ عَنْ بَصَرِهِ، وَسَاقَاهُ لَا يَحِسُّ بِثِقْلِهِمَا.
وَلَيْسَ لَدَيْهِ أَيُّ ذِكْرَيَاتٍ سَابِقَةٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
لَا طُفُولَةَ، وَلَا اسْمَ، وَلَا وَجْهَ شَخْصٍ أَحَبَّهُ، وَلَا رَائِحَةَ مَطْبَخٍ، وَلَا صَوْتَ شَارِعٍ.
فَرَاغٌ كَامِلٌ، حِسِّيٌّ وَذَاكِرِيٌّ مَعًا.
________________________________________
تَوَقَّفَ وَانْتَظَرَ.
ـ حَسَنًا.
أَتَخَيَّلُ.
ـ السُّؤَالُ هُوَ: هَلْ سَيَظَلُّ هَذَا الْإِنْسَانُ، رَغْمَ كُلِّ هَذَا الْفَرَاغِ الْمُطْلَقِ، وَاعِيًا أَنَّهُ مَوْجُودٌ؟
هَلْ سَيَبْقَى فِي دَاخِلِهِ شَيْءٌ يَقُولُ: «أَنَا هُنَا.
أَنَا مَوْجُودٌ»؟
حَتَّى لَوْ لَمْ يَعْرِفْ مَنْ هُوَ، وَلَا مَا هُوَ، وَلَا أَيْنَ هُوَ؟
فَكَّرَ سَامِرٌ.
لَمْ يَكُنِ السُّؤَالُ سَهْلًا، رَغْمَ بَسَاطَةِ صِيَاغَتِهِ.
كَانَ يَتَطَلَّبُ نَوْعًا مِنَ التَّجْرِيدِ الذِّهْنِيِّ لَا يُمَارِسُهُ الْمَرْءُ عَادَةً إِلَّا فِي لَحَظَاتِ السُّكُونِ التَّامِّ:
ـ أَظُنُّ… نَعَمْ.
سَيَظَلُّ يَعْرِفُ أَنَّهُ مَوْجُودٌ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَعْرِفْ شَيْئًا آخَرَ عَنْ نَفْسِهِ.
لِأَنَّ حَتَّى الشَّكَّ فِي وُجُودِهِ هُوَ نَفْسُهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مَوْجُودٌ.
أَوْمَأَ ابْنُ سِينَا بِحَرَكَةِ رَأْسٍ بَطِيئَةٍ وَمُعَبِّرَةٍ.
لَيْسَتْ إِيمَاءَةَ التِّلْقَائِيِّ الَّذِي يُوَافِقُ لِإِرْضَاءِ الْآخَرِ، بَلْ إِيمَاءَةَ مَنْ وَصَلَ إِلَى الْمَكَانِ ذَاتِهِ بَعْدَ طَرِيقٍ طَوِيلٍ، وَيَجِدُ شَخْصًا آخَرَ قَدْ وَصَلَ إِلَيْهِ بِاخْتِصَارٍ:
ـ بِالضَّبْطِ.
وَهَذَا مَا تَوَصَّلْتُ إِلَيْهِ أَنَا أَيْضًا، لَكِنْ بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ التَّفْكِيرِ.
هَذَا الْوَعْيُ الْأَسَاسِيُّ بِالْوُجُودِ، هَذَا «أَنَا مَوْجُودٌ» الْمُجَرَّدُ مِنْ كُلِّ تَفَاصِيلِهِ، لَا يَعْتَمِدُ عَلَى الذَّاكِرَةِ.
لَا يَعْتَمِدُ عَلَى الْجَسَدِ.
لَا يَعْتَمِدُ عَلَى أَيِّ مَعْرِفَةٍ خَارِجِيَّةٍ أَوْ دَاخِلِيَّةٍ.
هُوَ شَيْءٌ سَابِقٌ عَلَى كُلِّ هَذَا، وَأَعْمَقُ.
أُسَمِّيهِ النَّفْسَ.
وَبَعْضُهُمْ يُسَمِّيهِ الرُّوحَ.
الِاسْمُ أَقَلُّ أَهَمِّيَّةً مِنَ الْإِدْرَاكِ بِأَنَّ هَذَا الشَّيْءَ مَوْجُودٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الذَّاكِرَةَ.
ثُمَّ نَظَرَ إِلَى سَامِرٍ مُبَاشَرَةً:
ـ وَهَذَا يَعْنِي بِوُضُوحٍ تَامٍّ: فَقْدَانُكَ لِيَوْمِكَ لَا يَعْنِي فَقْدَانَ نَفْسِكَ.
أَنْتَ لَا تَزَالُ «أَنْتَ»، بِكُلِّ مَا تَحْمِلُ هَذِهِ الْكَلِمَةُ مِنْ مَعْنًى، حَتَّى لَوْ لَمْ تَتَذَكَّرْ كُلَّ تَفَاصِيلِ مَا حَدَثَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.
________________________________________
شَعَرَ سَامِرٌ بِرَاحَةٍ جُزْئِيَّةٍ، لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَسْلِمْ بِسُهُولَةٍ لِهَذِهِ الرَّاحَةِ.
كَانَ قَدْ تَعَلَّمَ فِي هَذَا الْمُتْحَفِ أَنَّ الْأَفْكَارَ الَّتِي تُرِيحُ بِسُرْعَةٍ كَبِيرَةٍ غَالِبًا تَحْتَاجُ سُؤَالًا إِضَافِيًّا يَتْبَعُهَا:
ـ لَكِنْ أَلَيْسَتِ الذَّاكِرَةُ جُزْءًا أَسَاسِيًّا مِنْ هُوِيَّتِنَا؟
أَلَيْسَ مَا أَتَذَكَّرُهُ هُوَ مَا يَجْعَلُنِي «أَنَا» بِالتَّحْدِيدِ، لَا أَيَّ إِنْسَانٍ آخَرَ؟
أَنَا وَأَخِي خُلِقْنَا مِنَ الْأَبَوَيْنِ ذَاتَيْهِمَا، فِي الْجِسْمِ نَفْسِهِ تَقْرِيبًا، لَكِنَّنَا شَخْصَانِ مُخْتَلِفَانِ.
وَأَكْثَرُ مَا يُمَيِّزُنِي عَنْهُ لَيْسَ وَجْهِي، بَلْ مَا أَتَذَكَّرُهُ أَنَا وَلَا يَتَذَكَّرُهُ هُوَ، وَمَا يَتَذَكَّرُهُ هُوَ وَلَا أَتَذَكَّرُهُ أَنَا.
نَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ سِينَا بِإِعْجَابٍ حَقِيقِيٍّ:
ـ سُؤَالٌ مُمْتَازٌ.
وَأَنَا لَا أَمْلِكُ إِجَابَةً بَسِيطَةً عَنْهُ، لِأَنَّ السُّؤَالَ نَفْسَهُ لَيْسَ بَسِيطًا.
لَكِنْ دَعْنِي أُخْبِرْكَ بِمَا أَعْتَقِدُهُ، وَهُوَ يَتَطَلَّبُ أَنْ نُفَرِّقَ بَيْنَ طَبَقَتَيْنِ مِنَ الْهُوِيَّةِ.
قَامَ مِنْ مَكَانِهِ بِبُطْءٍ، كَأَنَّ الْفِكْرَةَ تَحْتَاجُ حَرَكَةَ الْجَسَدِ كَيْ تَجْرِيَ بِسَلَاسَةٍ:
ـ الطَّبَقَةُ الْأُولَى هِيَ النَّفْسُ الْأَسَاسِيَّةُ: الْوَعْيُ الْخَالِصُ بِالْوُجُودِ.
«أَنَا هُنَا، أَنَا مَوْجُودٌ، أَنَا أُفَكِّرُ».
هَذِهِ الطَّبَقَةُ لَا تَتَغَيَّرُ بِفَقْدَانِ الذَّاكِرَةِ.
لَوْ أُصِبْتَ غَدًا بِفَقْدَانِ ذَاكِرَةٍ كَامِلٍ لِكُلِّ مَا مَرَرْتَ بِهِ، لَظَلِلْتَ سَتَشْعُرُ بِأَنَّكَ مَوْجُودٌ.
سَتَظَلُّ تُحِسُّ بِالْجُوعِ وَالْأَلَمِ وَالدِّفْءِ.
سَتَظَلُّ قَادِرًا عَلَى الْفَرَحِ أَوِ الْحُزْنِ.
وَعْيُكَ بِوُجُودِكَ لَا يُغَادِرُكَ.
تَوَقَّفَ وَأَكْمَلَ:
ـ الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ الشَّخْصِيَّةُ، أَوِ «السِّيرَةُ».
ذِكْرَيَاتُكَ، وَخِبْرَاتُكَ، وَعَلَاقَاتُكَ، وَالطَّرِيقَةُ الَّتِي تُحِبُّ بِهَا شُرْبَ الْقَهْوَةِ، وَالْأُغْنِيَةُ الَّتِي تُلَاحِقُكَ دُونَ سَبَبٍ، وَخَوْفُكَ الْقَدِيمُ مِنْ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ.
هَذِهِ الطَّبَقَةُ مَبْنِيَّةٌ مِنَ الذَّاكِرَةِ، نَعَمْ.
وَفَقْدَانُ الذَّاكِرَةِ يُؤَثِّرُ عَلَيْهَا.
لَكِنَّهُ لَا يَمَسُّ الطَّبَقَةَ الْأُولَى أَبَدًا.
الطَّبَقَةُ الْأُولَى تَظَلُّ تَحْتَهَا، رَاسِخَةً، لَا تَهْتَزُّ.
________________________________________
ـ إِذَنْ أَنَا فَقَدْتُ جُزْءًا مِنْ «سِيرَتِي»، لَا مِنْ «نَفْسِي» الْأَسَاسِيَّةِ؟
ـ هَذَا تَعْبِيرٌ دَقِيقٌ جِدًّا، وَدَقِيقٌ بِطَرِيقَةٍ تُسْعِدُنِي.
لِأَنَّ كَثِيرِينَ حِينَ يُفَكِّرُونَ فِي فَقْدَانِ الذَّاكِرَةِ يَتَصَوَّرُونَ أَنَّ جُزْءًا مِنْهُمْ «مَاتَ».
لَكِنَّ مَا مَاتَ، إِنْ صَحَّ التَّعْبِيرُ، هُوَ جُزْءٌ مِنَ الرِّوَايَةِ لَا الرَّاوِي.
الرَّاوِي لَا يَزَالُ هُنَا.
الْكِتَابُ بِهِ صَفْحَةٌ مَمْحُوَّةٌ، لَكِنَّ الْكَاتِبَ لَمْ يَخْتَفِ.
عَادَ إِلَى مَكَانِهِ وَجَلَسَ، وَبَدَا أَنَّ هُنَاكَ فِكْرَةً أُخْرَى تَنْتَظِرُ:
ـ وَهُنَاكَ شَيْءٌ آخَرُ يَسْتَحِقُّ التَّأَمُّلَ.
حَتَّى هَذِهِ الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ، السِّيرَةُ، لَيْسَتْ مَا يَظُنُّهُ النَّاسُ عَادَةً.
النَّاسُ يَظُنُّونَ أَنَّ السِّيرَةَ مُسْتَوْدَعٌ ثَابِتٌ، أَرْشِيفٌ مَحْفُوظٌ يُمْكِنُكَ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ فِي أَيِّ وَقْتٍ، وَتَجِدُ فِيهِ الْأَحْدَاثَ مُرَتَّبَةً بِتَرْتِيبِهَا الصَّحِيحِ كَمَا حَدَثَتْ.
لَكِنْ هَذَا لَيْسَ مَا تَفْعَلُهُ الذَّاكِرَةُ.
ـ مَاذَا تَفْعَلُ إِذَنْ؟
ـ الذَّاكِرَةُ تَحْكِي قِصَصًا.
وَكُلُّ قِصَّةٍ تَتَغَيَّرُ قَلِيلًا فِي كُلِّ مَرَّةٍ تُحْكَى.
حِينَ تَسْتَحْضِرُ ذِكْرَى طُفُولَتِكَ الْآنَ، أَنْتَ لَا تَسْتَعِيدُ تَسْجِيلًا أَمِينًا كَمَا حَدَثَ.
أَنْتَ تُعِيدُ بِنَاءَهَا بِأَدَوَاتِ الْيَوْمِ: بِمَا تَعَلَّمْتَهُ مُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ، وَبِمَا تَخْشَاهُ الْآنَ، وَبِمَا تُحِبُّهُ الْآنَ.
السِّيرَةُ الَّتِي تَحْكِيهَا لِنَفْسِكَ الْيَوْمَ تَخْتَلِفُ عَنِ السِّيرَةِ الَّتِي كُنْتَ سَتَحْكِيهَا لِنَفْسِكَ قَبْلَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ تَتَحَدَّثُ عَنِ الْأَحْدَاثِ ذَاتِهَا.
شَعَرَ سَامِرٌ بِشَيْءٍ يَنْفَتِحُ فِي ذِهْنِهِ.
لَا مُرِيحًا بِالضَّرُورَةِ، لَكِنَّهُ مُضِيءٌ:
ـ إِذَنْ السِّيرَةُ نَفْسُهَا مَرِنَةٌ، وَلَيْسَتْ مَحْفُورَةً فِي حَجَرٍ.
ـ بِالضَّبْطِ.
وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ فَقْدَانَ يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْهَا لَا يَعْنِي انْهِيَارَ الْقِصَّةِ كُلِّهَا.
قَدْ يَعْنِي فَقَطْ أَنَّ عَلَيْكَ أَنْ تَجِدَ طَرِيقَةً لِرِوَايَةِ الْقِصَّةِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ هَذِهِ الْفَجْوَةَ كَجُزْءٍ مِنْهَا، لَا كَعَيْبٍ يُهَدِّدُ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا.
الْفَجْوَةُ لَيْسَتْ خَرْقًا فِي الْقُمَاشِ.
هِيَ خَيْطٌ مُخْتَلِفُ اللَّوْنِ نُسِجَ فِي الْمَنْسُوجَةِ، يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ جُزْءًا مِنَ النَّقْشَةِ.
________________________________________
تَأَمَّلَ سَامِرٌ هَذِهِ الْفِكْرَةَ طَوِيلًا دُونَ أَنْ يَقُولَ شَيْئًا.
الْمَكْتَبَةُ مِنْ حَوْلِهِ كَانَتْ صَامِتَةً صَمْتًا مِنْ نَوْعٍ خَاصٍّ.
لَيْسَ صَمْتَ الْفَرَاغِ، بَلْ صَمْتَ الِامْتِلَاءِ.
كَأَنَّ الْكُتُبَ عَلَى الرُّفُوفِ كَانَتْ تَنْتَظِرُ أَيْضًا:
ـ هَذَا يَجْعَلُ الْفَجْوَةَ تَبْدُو وَكَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ الْقِصَّةِ، لَا خَرْقًا فِيهَا.
ـ بِالضَّبْطِ.
وَهَذَا، فِي الْحَقِيقَةِ، أَمْرٌ يَحْدُثُ لِلْجَمِيعِ وَلَيْسَ لَكَ وَحْدَكَ.
لَا أَحَدَ يَتَذَكَّرُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ حَيَاتِهِ بِالتَّفْصِيلِ.
مُعْظَمُ أَيَّامِنَا تَذُوبُ فِي ضَبَابٍ عَامٍّ لَا نَلْتَفِتُ إِلَيْهِ.
تَتَذَكَّرُ مِنْهُ فَقَطِ اللَّحَظَاتِ الْبَارِزَةَ: يَوْمَ زَوَاجٍ، أَوْ مَوْتَ شَخْصٍ عَزِيزٍ، أَوْ لَحْظَةَ فَرَحٍ مُفَاجِئَةٍ، أَوْ خَيْبَةَ أَمَلٍ حَادَّةٍ.
أَمَّا الْأَيَّامُ الْعَادِيَّةُ، وَهِيَ الْغَالِبِيَّةُ السَّاحِقَةُ مِنْ عُمُرِنَا، فَتَذْهَبُ دُونَ أَنْ تَتْرُكَ بَصْمَةً وَاضِحَةً فِي الذَّاكِرَةِ.
أَنْتَ تَخْتَلِفُ عَنْ سَائِرِ الْبَشَرِ فَقَطْ فِي أَنَّكَ وَاعٍ لِفَجْوَتِكَ بِالذَّاتِ، فِي حِينِ أَنَّهُمْ غَيْرُ وَاعِينَ لِفَجَوَاتِهِمُ الْكَثِيرَةِ الْمُمَاثِلَةِ.
تَوَقَّفَ لَحْظَةً، ثُمَّ أَضَافَ:
ـ بَلْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
بَعْضُ النَّاسِ لَا يَتَذَكَّرُونَ سَنَوَاتٍ كَامِلَةً مِنْ طُفُولَتِهِمْ.
الْإِنْسَانُ لَا يَتَذَكَّرُ أَيَّ شَيْءٍ مِنْ أُولَى سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ مِنْ حَيَاتِهِ، وَهِيَ سَنَوَاتٌ شَكَّلَتْهُ فِي أَعْمَاقِهِ.
كُلُّنَا نَحْمِلُ فَجَوَاتٍ.
الْفَارِقُ أَنَّكَ تَعْرِفُ بِفَجْوَتِكَ.
وَهَذِهِ الْمَعْرِفَةُ، رَغْمَ أَنَّهَا مُؤْلِمَةٌ، هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ شَكْلٌ مِنْ أَشْكَالِ الْوَعْيِ الذَّاتِيِّ.
كَثِيرُونَ يُفَضِّلُونَ عَدَمَ الْمَعْرِفَةِ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِدَهْشَةٍ حَقِيقِيَّةٍ.
لَيْسَتْ دَهْشَةَ الْمُفَاجَأَةِ، بَلْ دَهْشَةَ مَنْ يَرَى فَجْأَةً مَا كَانَ أَمَامَهُ دَائِمًا مِنْ زَاوِيَةٍ لَمْ يَتَخَيَّلْ أَنَّهُ لَمْ يَرَهَا مِنْ قَبْلُ:
ـ لَمْ أُفَكِّرْ فِي الْأَمْرِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ قَطُّ.
ـ هَذَا طَبِيعِيٌّ.
حِينَ نَخَافُ مِنْ شَيْءٍ، نَمِيلُ بِطَرِيقَةٍ تِلْقَائِيَّةٍ إِلَى تَضْخِيمِهِ وَاسْتِثْنَائِهِ.
نَظُنُّهُ فَرِيدًا يُهَدِّدُنَا وَحْدَنَا، بَيْنَمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ جُزْءٌ مِنَ الْحَالَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ، فَقَطْ بِدَرَجَةِ وَعْيٍ مُخْتَلِفَةٍ.
الْخَوْفُ يُشْبِهُ الْعَدَسَةَ الْمُكَبِّرَةَ.
يَجْعَلُ الشَّيْءَ يَمْلَأُ مَجَالَ النَّظَرِ كُلَّهُ، فَلَا تَرَى مَا حَوْلَهُ.
________________________________________
ـ وَمَا رَأْيُكَ فِي الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْعَقْلِ وَالْجَسَدِ؟
هَلْ تَظُنُّ أَنَّ ذَاكِرَتِي قَدْ تَكُونُ مَحْفُوظَةً فِي جَسَدِي، حَتَّى لَوْ لَمْ يَصِلْهَا عَقْلِي الْوَاعِي؟
سَأَلَنِي إِمْحُوتِبُ سُؤَالًا مُشَابِهًا عَنِ الْجَسَدِ، لَكِنَّهُ وَصَلَ إِلَيْهِ مِنْ بَابِ الطِّبِّ.
أَنْتَ مِنْ بَابِ الْفَلْسَفَةِ.
أَتَسَاءَلُ إِنْ كَانَا يَصِلَانِ إِلَى الْمَكَانِ ذَاتِهِ.
أَوْمَأَ ابْنُ سِينَا بِاهْتِمَامٍ شَدِيدٍ:
ـ إِمْحُوتِبُ كَانَ مُحِقًّا، وَأَنَا لَا أُفَاجَأُ بِذَلِكَ.
الْعَبَاقِرَةُ فِي الْغَالِبِ يَصِلُونَ إِلَى الْأَفْكَارِ ذَاتِهَا مِنْ طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ.
الْعَقْلُ وَالْجَسَدُ، فِي رَأْيِي، مُتَّصِلَانِ اتِّصَالًا عَمِيقًا جِدًّا، لَكِنَّهُمَا لَيْسَا شَيْئًا وَاحِدًا تَمَامًا.
وَهَذَا التَّمْيِيزُ مُهِمٌّ جِدًّا.
قَامَ مَرَّةً أُخْرَى، وَمَشَى نَحْوَ رَفٍّ جَانِبِيٍّ.
أَخْرَجَ مَخْطُوطَةً رَفِيعَةً، وَفَتَحَهَا عَلَى صَفْحَةٍ بِعَيْنِهَا، كَأَنَّهُ يَعْرِفُ مَكَانَهَا عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ:
ـ رَأَيْتُ فِي مُمَارَسَتِي الطِّبِّيَّةِ عَبْرَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ حَالَاتٍ تُذْهِلُ الْعَقْلَ.
رَجُلٌ أَصَابَتْهُ ضَرْبَةٌ قَوِيَّةٌ فِي الرَّأْسِ، فَقَدَ بَعْدَهَا الْقُدْرَةَ عَلَى الْكَلَامِ تَمَامًا.
لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُسَمِّيَ الْأَشْيَاءَ الْمَوْضُوعَةَ أَمَامَهُ.
وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُشَكِّلَ جُمْلَةً بَسِيطَةً.
لَكِنَّكَ لَوْ غَنَّيْتَ لَهُ أُغْنِيَةً عَرَفَهَا فِي طُفُولَتِهِ، فَجْأَةً يُرَافِقُكَ فِي غِنَائِهَا، كَلِمَةً بِكَلِمَةٍ، مَعَ اللَّحْنِ وَبِنَبْرَةٍ وَاثِقَةٍ، كَمَنْ لَمْ يُصَبْ بِشَيْءٍ.
كَأَنَّ الذَّاكِرَةَ الْمُوسِيقِيَّةَ مَحْفُوظَةٌ فِي طَرِيقٍ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا عَنْ طَرِيقِ ذَاكِرَةِ الْكَلَامِ.
وَضَعَ الْمَخْطُوطَةَ وَتَابَعَ:
ـ وَرَأَيْتُ رَجُلًا آخَرَ فَقَدَ ذَاكِرَتَهُ لِلْأَحْدَاثِ الْحَدِيثَةِ كُلِّهَا.
كُلُّ يَوْمٍ يَمُرُّ يَبْدَأُ مِنْ جَدِيدٍ دُونَ أَنْ يَتَذَكَّرَ مَا قَبْلَهُ.
لَكِنَّهُ كَانَ يَتَعَلَّمُ كُلَّ يَوْمٍ مَهَارَاتٍ يَدَوِيَّةً جَدِيدَةً، وَيُتْقِنُهَا، رَغْمَ أَنَّهُ كُلَّ صَبَاحٍ لَا يَتَذَكَّرُ أَنَّهُ تَعَلَّمَهَا.
جَسَدُهُ تَعَلَّمَ وَحَفِظَ، بَيْنَمَا عَقْلُهُ الْوَاعِي لَمْ يَعْرِفْ شَيْئًا.
هَذَا يُخْبِرُنِي أَنَّ الذَّاكِرَةَ لَيْسَتْ شَيْئًا وَاحِدًا مُوَحَّدًا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ.
هِيَ طَبَقَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ، وَمَسَارَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ، بَعْضُهَا أَعْمَقُ وَأَكْثَرُ مُقَاوَمَةً لِلْفُقْدَانِ مِنْ غَيْرِهِ.
________________________________________
ـ هَذَا يُعْطِينِي أَمَلًا غَرِيبًا.
أَنَّ جُزْءًا مِنْ يَوْمِي قَدْ يَكُونُ مَحْفُوظًا فِي طَبَقَةٍ لَمْ أَصِلْ إِلَيْهَا بَعْدُ، فِي مَسَارٍ لَمْ أُجَرِّبْ طَرْقَهُ الصَّحِيحَةَ.
ابْتَسَمَ ابْنُ سِينَا ابْتِسَامَةً مُخْتَلِفَةً عَنِ ابْتِسَامَةِ الْبِدَايَةِ.
أَقَلُّ تَعَبًا وَأَكْثَرُ صِدْقًا:
ـ هَذَا أَمَلٌ مَعْقُولٌ، وَلَيْسَ مُجَرَّدَ تَمَنٍّ.
الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمَلِ الْمَعْقُولِ وَالتَّمَنِّي أَنَّ الْأَمَلَ الْمَعْقُولَ مَبْنِيٌّ عَلَى شَيْءٍ حَقِيقِيٍّ.
وَهُوَ أَنَّ الذَّاكِرَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ أَكْثَرُ تَعْقِيدًا وَأَكْثَرُ ثَرَاءً مِمَّا نُدْرِكُهُ عَادَةً.
مَا لَا تَسْتَطِيعُ اسْتِعَادَتَهُ بِالْمُحَاوَلَةِ الْمُبَاشِرَةِ قَدْ يَكُونُ مَوْجُودًا فِي رَائِحَةٍ، أَوْ فِي صَوْتٍ، أَوْ فِي حَرَكَةِ جَسَدٍ، أَوْ فِي حُلْمٍ.
الدُّخُولُ إِلَى الذَّاكِرَةِ الْعَمِيقَةِ لَا يَكُونُ دَائِمًا مِنَ الْبَابِ الْأَمَامِيِّ.
ثُمَّ أَضَافَ، وَهُوَ يُعِيدُ فَتْحَ كِتَابِهِ بِبُطْءٍ، إِشَارَةً مِنْهُ أَنَّ مَا سَيَقُولُهُ هُوَ الْخِتَامُ:
ـ اسْتَمِرَّ فِي الْبَحْثِ، يَا سَامِرُ.
لَكِنْ لَا تَجْعَلْ ذَلِكَ الْبَحْثَ يَسْتَهْلِكُ سَلَامَكَ الدَّاخِلِيَّ.
الْبَحْثُ الْمُهْوُوسُ يُصْبِحُ قَفَصًا بَدَلًا مِنْ أَنْ يَكُونَ طَرِيقًا.
النَّفْسُ الْأَسَاسِيَّةُ فِيكَ، الَّتِي تَحَدَّثْنَا عَنْهَا، مَوْجُودَةٌ وَكَامِلَةٌ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ نَتِيجَةِ بَحْثِكَ.
سَوَاءٌ وَجَدْتَ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَمْ لَمْ تَجِدْهُ، أَنْتَ لَسْتَ مَنْقُوصًا.
أَنْتَ رُبَّمَا لَا تَزَالُ تَكْتَشِفُ مَا تَعْرِفُهُ.
________________________________________
بَدَأَتْ رُفُوفُ الْكُتُبِ وَالْمَخْطُوطَاتِ تَتَلَاشَى بِبُطْءٍ، كَأَنَّهَا تَنْسَحِبُ بِتَوَاضُعٍ، مُقِرَّةً بِأَنَّ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ تُحْتَوَى بَيْنَ أَغْلِفَةٍ.
رَائِحَةُ الْحِبْرِ بَقِيَتْ لِفَتْرَةٍ أَطْوَلَ مِنَ الْأَثَاثِ، كَأَنَّهَا أَكْثَرُ إِلْحَاحًا فِي الْبَقَاءِ، ثُمَّ ذَهَبَتْ هِيَ أَيْضًا.
حِينَ عَادَ سَامِرٌ إِلَى الرِّوَاقِ، كَانَ الْعَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ بِجَانِبِ بَابٍ صَغِيرٍ.
عَلَى الْبَابِ نَقْشٌ لِقِيثَارَةٍ بَسِيطَةٍ مَحْفُورَةٍ فِي الْخَشَبِ الدَّاكِنِ، نَاعِمَةِ الْخُطُوطِ، كَأَنَّ مَنْ نَحَتَهَا أَرَادَ لَهَا أَنْ تَبْدُوَ كَأَنَّهَا تُعْزَفُ لَا كَأَنَّهَا تُحْفَرُ.
نَظَرَ الْعَجُوزُ إِلَى سَامِرٍ نَظْرَةً عَابِرَةً، لَكِنَّهَا كَانَتْ تَقِيسُ شَيْئًا مَا:
ـ الْقَاعَةُ التَّالِيَةُ، يَا سَامِرُ، تَحْمِلُ صَوْتًا مُخْتَلِفًا تَمَامًا.
شَاعِرَةٌ عَاشَتْ قَبْلَ ابْنِ سِينَا بِقُرُونٍ طَوِيلَةٍ.
وَهِيَ تَتَحَدَّثُ عَنْ سُؤَالٍ مُخْتَلِفٍ كُلِّيًّا:
مَاذَا يَبْقَى مِنَ الْحُبِّ بَعْدَ أَنْ يَنْسَى الْجَمِيعُ كُلَّ شَيْءٍ؟
خَطَا سَامِرٌ خَلْفَهُ فِي اتِّجَاهِ الْقِيثَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ.
وَفِي رَأْسِهِ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ كُلِّ مَا سَمِعَهُ تَوًّا.
جُمْلَةٌ تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ رَفِيقَةً لِبَقِيَّةِ الطَّرِيقِ:
أَنْتَ رُبَّمَا لَا تَزَالُ تَكْتَشِفُ مَا تَعْرِفُهُ.

متحف الأيام المفقودة 14