متحف الأيام المفقودة 14

متحف الأيام المفقودة
الفصل الرابع عشر: الشاعرة سافو – ليسبوس، 590 قبل الميلاد | «ما الذي يبقى من الحبِّ بعد النسيان؟»
________________________________________
لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ بَابٌ بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ يَفْصِلُ بَيْنَ الرَّوَاقِ وَهَذِهِ الْقَاعَةِ.
كَانَ الرَّوَاقُ يَفْتَحُ فَجَأَةً، كَأَنَّ جِدَارًا قَرَّرَ أَنْ يَتَنَفَّسَ، عَلَى مَا يُشْبِهُ شُرْفَةً مُعَلَّقَةً فَوْقَ بَحْرٍ.
لَا سَقْفَ، لَا حُدُودَ وَاضِحَةً بَيْنَ الْحَجَرِ وَالْهَوَاءِ، فَقَطْ دِرْعٌ رَقِيقٌ مِنْ ضَوْءِ الْبَحْرِ الْأَبْيَضِ الْمُتَوَسِّطِ يَنْتَشِرُ فِي كُلِّ اتِّجَاهٍ، وَنَسِيمٌ يَحْمِلُ فِي طَبَقَاتِهِ رَائِحَةَ الْمِلْحِ وَرَائِحَةَ الْيَاسَمِينِ مَعًا، مَزِيجٌ كَأَنَّ الْبَحْرَ يُحَاوِلُ أَنْ يُقْنِعَ الْأَرْضَ بِالرِّقَّةِ.
عَلَى حَافَّةِ الشُّرْفَةِ الْحَجَرِيَّةِ، وَقَدَمَاهَا تَتَدَلَّيَانِ بِلَا قَلَقٍ نَحْوَ الْفَرَاغِ، جَلَسَتِ امْرَأَةٌ فِي الْخَامِسَةِ وَالثَّلَاثِينَ.
شَعْرُهَا الدَّاكِنُ يَتَحَرَّكُ مَعَ النَّسِيمِ دُونَ أَنْ تَمُدَّ يَدَهَا لِتُمْسِكَهُ.
فِي حِضْنِهَا آلَةٌ وَتَرِيَّةٌ بَسِيطَةٌ، قِيثَارَةٌ صَغِيرَةٌ يَصْنَعُهَا الْمَرْءُ بِالْعَيْنِ قَبْلَ الْأُذُنِ، أَصَابِعُهَا تَمَسُّ أَوْتَارَهَا بِالْكَادِ، تَسْتَدْعِي مِنْهَا صَوْتًا لَا يَكْتَمِلُ، كَأَنَّهَا تَبْحَثُ عَنْ لَحْنٍ لَمْ يَجِدْ كَلِمَاتِهِ بَعْدُ.
لَمْ تَلْتَفِتْ إِلَى سَامِرٍ حِينَ وَقَفَ عِنْدَ حَدِّ الشُّرْفَةِ.
لَكِنَّهَا قَالَتْ، وَصَوْتُهَا يَجِدُ طَرِيقَهُ فِي النَّسِيمِ دُونَ جُهْدٍ:
ـ أَهْلًا بِكَ أَيُّهَا الْغَرِيبُ. هَلْ أَتَيْتَ لِتَسْمَعَ، أَمْ لِتَتَكَلَّمَ؟
ـ أَنَا سَامِرٌ. وَأَنْتِ؟
الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ بِبُطْءٍ، كَمَنْ يُنْهِي فِكْرَةً قَبْلَ أَنْ يُعِيرَ الزَّائِرَ انْتِبَاهَهُ الْكَامِلَ:
ـ يَعْرِفُونَنِي بِاسْمِ سَافُو، مِنْ جَزِيرَةِ لِيسْبُوسَ. أَكْتُبُ أَشْعَارًا عَنِ الْحُبِّ، عَنِ الشَّوْقِ، عَنْ كُلِّ مَا يَعْتَصِرُ الْقَلْبَ الْبَشَرِيَّ دُونَ رَحْمَةٍ وَدُونَ اسْتِئْذَانٍ.
________________________________________
جَلَسَ سَامِرٌ عَلَى الْحَجَرِ بِجَانِبِهَا، تَارِكًا بَيْنَهُمَا مَسَافَةً أَشْبَهَ بِالِاحْتِرَامِ مِنْهَا بِالْحَذَرِ.
نَظَرَ إِلَى الْبَحْرِ كَمَا نَظَرَتْ هِيَ، وَاسِعًا لَا ضِفَّةَ لَهُ فِي الْأُفُقِ:
ـ أَعْرِفُ اسْمَكِ. أَشْعَارُكِ مَا زَالَتْ تُقْرَأُ بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ عَامٍ.
أَضَاءَ شَيْءٌ فِي عَيْنَيْهَا، اهْتِمَامٌ حَقِيقِيٌّ يَمْزُجُ بَيْنَ الْفُضُولِ وَالْغَرَابَةِ:
ـ أَلْفَا عَامٍ؟ هَذَا عُمُرٌ لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَخَيَّلَهُ حَتَّى بِالْفِكْرِ. مَاذَا تَقُولُ النَّاسُ عَنْهَا؟ كَيْفَ يَقْرَؤُونَهَا؟
تَوَقَّفَ سَامِرٌ قَلِيلًا، يُرَتِّبُ الْكَلِمَاتِ بِعِنَايَةٍ، ثُمَّ قَالَ بِبُطْءٍ:
ـ رَغْمَ أَنَّ مُعْظَمَهَا ضَاعَ، وَلَمْ يَصِلْ إِلَيْنَا مِنْهَا سِوَى شَظَايَا مُتَنَاثِرَةٍ.
أَوْقَفَتْ أَصَابِعَهَا عَنِ الْأَوْتَارِ.
تَوَقُّفٌ تَامٌّ وَمُفَاجِئٌ كَأَنَّ الْخَيْطَ الَّذِي كَانَ يُمْسِكُهَا قُطِعَ:
ـ شَظَايَا فَقَطْ؟ بَعْدَ كُلِّ هَذَا الزَّمَنِ، لَمْ يَبْقَ سِوَى شَظَايَا؟
ـ نَعَمْ. كُتُبٌ كَامِلَةٌ، قَصَائِدُ طَوِيلَةٌ، أُحْرِقَتْ أَوْ ضَاعَتْ أَوْ تَآكَلَتْ عَبْرَ الْقُرُونِ. مَا تَبَقَّى مِنْهَا هُوَ أَسْطُرٌ مُتَنَاثِرَةٌ، وَأَحْيَانًا كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى حَافَّةِ بَرْدِيَّةٍ مُمَزَّقَةٍ، مُحَاطَةٌ بِبَيَاضٍ يَمْلَأُ مَكَانَ مَا كَانَ.
________________________________________
صَمَتَتْ سَافُو وَقْتًا طَوِيلًا.
كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَى الْبَحْرِ، لَكِنَّ نَظْرَتَهَا لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ.
كَانَتْ فِي مَكَانٍ آخَرَ، تَمُرُّ عَلَى شَيْءٍ فِي دَاخِلِهَا:
ـ أَمْضَيْتُ حَيَاتِي أُحَاوِلُ أَنْ أُمْسِكَ لَحَظَاتِ الْحُبِّ وَالشَّوْقِ بِكَلِمَاتٍ دَقِيقَةٍ. كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّ اللَّحْظَةَ سَتَمْضِي، وَكُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّ الذَّاكِرَةَ تَكْذِبُ وَتَخْتَارُ. لِهَذَا كَتَبْتُ، لِأُثَبِّتَ مَا كَانَ. وَالْآنَ تُخْبِرُنِي أَنَّ مَا كَتَبْتُهُ سَيُمْحَى هُوَ الْآخَرُ، وَأَنَّ الَّذِي سَيَصِلُ عَنِّي هُوَ نَفْسُ الشَّيْءِ الَّذِي خِفْتُ مِنْهُ دَائِمًا: شَظَايَا.
ـ أَنَا آسِفٌ لِإِخْبَارِكِ بِهَذَا.
هَزَّتْ رَأْسَهَا بِبُطْءٍ، لَا نَفْيًا لِلْحُزْنِ بَلْ تَقَبُّلًا لَهُ:
ـ لَا تَعْتَذِرْ. رُبَّمَا هَذَا، فِي الْحَقِيقَةِ، إِجَابَةٌ عَنْ سُؤَالِكَ أَنْتَ بِالذَّاتِ.
ـ مَاذَا تَقْصِدِينَ؟
نَظَرَتْ إِلَيْهِ مُبَاشَرَةً هَذِهِ الْمَرَّةَ:
ـ أَنْتَ تَبْحَثُ عَنْ يَوْمٍ كَامِلٍ مَفْقُودٍ، تُرِيدُ أَنْ تَسْتَعِيدَهُ بِكُلِّ تَفَاصِيلِهِ، كَمَا هُوَ، كَامِلًا لَا يَنْقُصُهُ شَيْءٌ. لَكِنِ انْظُرْ إِلَيَّ: كَتَبْتُ آلَافَ الْأَبْيَاتِ عَنِ الْحُبِّ، وَمَا بَقِيَ مِنْهَا، بَعْدَ كُلِّ هَذَا الزَّمَنِ الطَّوِيلِ، شَظَايَا. وَمَعَ ذَلِكَ، أَتَعْرِفُ مَاذَا؟ تِلْكَ الشَّظَايَا، حَتَّى وَهِيَ نَاقِصَةٌ وَمَكْسُورَةٌ وَمُحَاطَةٌ بِالْبَيَاضِ، لَا تَزَالُ تَحْمِلُ قُوَّةَ الْحُبِّ الَّذِي شَعَرْتُ بِهِ، رُبَّمَا أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ لِتَحْمِلَهُ الْقَصِيدَةُ الْكَامِلَةُ الْمُنْضَبِطَةُ.
ـ كَيْفَ ذَلِكَ؟
وَضَعَتْ أَصَابِعَهَا عَلَى الْأَوْتَارِ مَرَّةً أُخْرَى، لَكِنْ هَذِهِ الْمَرَّةَ بِنِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
عَزَفَتْ لَحْنًا قَصِيرًا هَادِئًا، ثُمَّ بَدَأَتْ تُنْشِدُ، بِصَوْتٍ يُشْبِهُ هَمْسًا يَخْرُجُ مِنْ أَعْمَاقِ مَاءٍ:
ـ «غَرَبَتِ الْقَمَرُ… وَالثُّرَيَّا… مُنْتَصَفُ اللَّيْلِ… وَالسَّاعَةُ تَمْضِي… وَأَنَا وَحْدِي أَرْقُدُ.»
تَوَقَّفَتْ.
أَبْقَتْ أَصَابِعَهَا عَلَى الْأَوْتَارِ، لَكِنْ دُونَ ضَغْطٍ.
ـ هَلْ لَاحَظْتَ كَيْفَ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْطُرَ النَّاقِصَةَ، بِفَجَوَاتِهَا وَبِمَا بَيْنَهَا مِنْ صَمْتٍ لَا يُمْلَأُ، تَحْمِلُ شَوْقًا أَعْمَقَ مِنْ أَيِّ وَصْفٍ مُفَصَّلٍ كَامِلٍ؟ الْقَمَرُ غَرَبَ، وَالنُّجُومُ غَرَبَتْ، وَاللَّيْلُ يَمْضِي، وَهِيَ وَحِيدَةٌ. لَمْ أَقُلْ مَنْ تَنْتَظِرُ، وَلَمْ أَقُلْ مُنْذُ مَتَى، وَلَمْ أَشْرَحْ سَبَبَ الْوَحْدَةِ. الْفَجْوَةُ نَفْسُهَا تُصْبِحُ جُزْءًا مِنَ الْمَعْنَى. الْقَارِئُ يَمْلَؤُهَا بِحُزْنِهِ الْخَاصِّ، بِشَوْقِهِ هُوَ، بِلَيْلَتِهِ الْخَاصَّةِ حِينَ انْتَظَرَ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ. لَوْ مَلَأْتُ كُلَّ فَرَاغٍ وَشَرَحْتُ كُلَّ تَفْصِيلٍ، لَصَارَ الشِّعْرُ خَبَرًا، وَالْخَبَرُ يُقْرَأُ مَرَّةً وَيُنْسَى.
________________________________________
شَعَرَ سَامِرٌ بِشَيْءٍ يَتَحَرَّكُ فِي أَعْمَاقِهِ، فِكْرَةٌ فِي طَوْرِ التَّشَكُّلِ، هَشَّةٌ كَالْفَجْرِ قَبْلَ أَنْ تُشْرِقَ الشَّمْسُ:
ـ تَقْصِدِينَ أَنَّ يَوْمِيَ الْمَفْقُودَ، كَفَجْوَةٍ فِي حَيَاتِي، قَدْ يَحْمِلُ مَعْنًى أَعْمَقَ مِمَّا لَوْ كُنْتُ أَتَذَكَّرُهُ بِالْكَامِلِ؟
مَدَّتْ يَدَهَا إِلَى الْجَانِبِ، وَأَمْسَكَتْ بِكُوبِ مَاءٍ كَانَ مَوْضُوعًا عَلَى الْحَجَرِ بِجَانِبِهَا، شَرِبَتْ رَشْفَةً صَغِيرَةً، ثُمَّ أَجَابَتْ:
ـ لَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا تَمَامًا بِالنِّسْبَةِ لِحَالَتِكَ، فَكُلُّ حَالَةٍ تَخْتَلِفُ عَنْ سِوَاهَا اخْتِلَافًا لَا تُصَحِّحُهُ الْمُقَارَنَةُ. لَكِنَّنِي أَعْرِفُ هَذَا: أَحْيَانًا مَا نَخْسَرُهُ، حَتَّى وَهُوَ يُؤْلِمُنَا، يُصْبِحُ جُزْءًا مِنْ شَكْلِ حَيَاتِنَا. تَمَامًا كَمَا أَنَّ الْفَجَوَاتِ فِي قَصَائِدِي أَصْبَحَتْ جُزْءًا مِنْ تُرَاثِي، فَكَثِيرٌ مِنَ الْبَاحِثِينَ يَقْضُونَ سَنَوَاتٍ فِي مُحَاوَلَةِ مَلْءِ تِلْكَ الْفَرَاغَاتِ، يُفَكِّرُونَ فِيهَا، يَسْتَنْتِجُونَ، يُجَادِلُونَ. لَوْ كَانَتِ الْقَصِيدَةُ كَامِلَةً، لَقَرَؤُوهَا مَرَّةً وَانْتَقَلُوا. الْفَجْوَةُ هِيَ الَّتِي تُبْقِيهِمْ يَعُودُونَ.
ـ هَلْ تَشْعُرِينَ بِالْأَسَى لِأَنَّ قَصَائِدَكِ لَنْ تَبْقَى كَامِلَةً؟
نَظَرَتْ إِلَى الْبَحْرِ قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ، نَظْرَةً طَوِيلَةً كَمَنْ يَسْأَلُ الْبَحْرَ نَفْسَهُ وَيَأْخُذُ وَقْتَهُ فِي الْإِصْغَاءِ:
ـ بِالطَّبْعِ أَشْعُرُ بِالْأَسَى. كُلُّ فَنَّانٍ يُرِيدُ أَنْ يُرَى عَمَلُهُ كَامِلًا، كَمَا تَخَيَّلَهُ حِينَ كَانَ يُبْدِعُهُ، بِلَا نَقْصٍ وَلَا تَحْرِيفٍ. لَكِنَّنِي أَيْضًا أَدْرَكْتُ، عَبْرَ سَنَوَاتٍ مِنَ الْكِتَابَةِ وَالْحُبِّ وَالْخَسَارَةِ، أَنَّ الْحُبَّ نَفْسَهُ الَّذِي أَكْتُبُ عَنْهُ، نَادِرًا مَا يَكُونُ كَامِلًا. نُحِبُّ جُزْئِيًّا، نُفْهَمُ جُزْئِيًّا، نُتَذَكَّرُ جُزْئِيًّا. حَتَّى الشَّخْصُ الَّذِي تُحِبُّهُ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ لَا يَرَى مِنْكَ كُلَّ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ، وَلَا تَرَاهُ أَنْتَ كَمَا هُوَ بِالْكَامِلِ. نُحِبُّ صُورَةً يُكْمِلُهَا خَيَالُنَا. رُبَّمَا هَذَا لَيْسَ عَيْبًا فِي الْحُبِّ أَوْ فِي الذَّاكِرَةِ، بَلْ هِيَ طَبِيعَتُهُمَا الْحَقِيقِيَّةُ الَّتِي نُحَاوِلُ طَوَالَ حَيَاتِنَا أَنْ نُقْنِعَ أَنْفُسَنَا بِأَنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ.
________________________________________
ـ هَلْ أَحْبَبْتِ أَحَدًا بِشِدَّةٍ؟ أَحَدًا تَتَذَكَّرِينَهُ الْآنَ، رَغْمَ كُلِّ هَذِهِ الْقُرُونِ؟
سَأَلَهَا سَامِرٌ بِحَذَرِ مَنْ يَمُدُّ يَدَهُ نَحْوَ شَمْعَةٍ لَا يُرِيدُ أَنْ يُطْفِئَهَا.
أَوْمَأَتْ سَافُو بِرَأْسِهَا بِبُطْءٍ.
عَيْنَاهَا تَلْمَعَانِ بِشَيْءٍ قَدِيمٍ جِدًّا، كَضَوْءِ نَجْمٍ وَصَلَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ:
ـ نَعَمْ. أَكْثَرَ مِنْ شَخْصٍ، فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ حَيَاتِي. وَأَكْثَرُ مَا يُؤْلِمُنِي، لَيْسَ أَنَّنِي نَسِيتُ تَفَاصِيلَ وُجُوهِهِمْ، فَأَنَا أَتَذَكَّرُهَا بِوُضُوحٍ. الْوُجُوهُ لَا تُنْسَى، تَبْقَى فِي مَكَانٍ مِنَ الذَّاكِرَةِ لَا تُزَاحِمُهُ الْأَفْكَارُ. مَا يُؤْلِمُنِي هُوَ أَنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّ الْعَالَمَ سَيَنْسَى أَنَّنِي أَحْبَبْتُهُمْ. سَيَنْسَى أَسْمَاءَهُمْ، سَيَنْسَى اللَّيَالِيَ الَّتِي كَتَبْتُ فِيهَا عَنْ شَوْقِي لَهُمْ، سَيَبْقَى فَقَطِ اسْمِي أَنَا، مُعَلَّقًا وَحِيدًا فِي الْأَثِيرِ، بِلَا مَنْ أَحْبَبْتُهُمْ وَبِلَا مَنْ أَحَبُّونِي. الْخُلُودُ، يَا سَامِرُ، أَحْيَانًا يَشْعُرُ بِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْوَحْدَةِ الْكُبْرَى.
ـ هَذَا يَبْدُو وَحِيدًا جِدًّا.
ـ هُوَ كَذَلِكَ. لَكِنَّهُ أَيْضًا، بِطَرِيقَةٍ غَرِيبَةٍ تَسْتَغْرِقُ سَنَوَاتٍ حَتَّى تَرَاهَا، يَجْعَلُنِي أُقَدِّرُ اللَّحْظَةَ الَّتِي أَعِيشُهَا الْآنَ، هَذِهِ اللَّحْظَةَ بِالذَّاتِ مَعَكَ، أَكْثَرَ مِمَّا كُنْتُ لِأُقَدِّرَهَا لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهَا سَتَبْقَى كَامِلَةً. أَعْرِفُ أَنَّهَا لَنْ تَدُومَ بِشَكْلِهَا الْكَامِلِ. أَعْرِفُ أَنَّ شَيْئًا مِنْهَا سَيَتَسَرَّبُ دُونَ أَنْ نُلَاحِظَ. وَهَذِهِ الْمَعْرِفَةُ، بَدَلًا مِنْ أَنْ تَجْعَلَنِي أَنْسَحِبُ وَأَحْمِيَ نَفْسِي، تَجْعَلُنِي أُقْبِلُ عَلَيْهَا بِكُلِّ مَا عِنْدِي. رُبَّمَا هَذَا مَا يَجْعَلُ الْحُبَّ جَمِيلًا أَصْلًا: أَنَّهُ عَابِرٌ، هَشٌّ، عُرْضَةٌ لِلنِّسْيَانِ وَالْخَسَارَةِ وَالتَّحْرِيفِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَخُوضُ فِيهِ الْبَشَرُ بِكُلِّ قُلُوبِهِمْ. هَذِهِ جُرْأَةٌ لَا تَعْتَرِفُ بِهَا الْمَعْجَمَاتُ بِوَصْفِهَا شَجَاعَةً، لَكِنَّهَا كَذَلِكَ.
________________________________________
نَظَرَتْ إِلَيْهِ أَخِيرًا بِدِفْءٍ يَخْتَلِفُ عَنْ دِفْءِ الْبِدَايَةِ، دِفْءُ مَنْ يُوَدِّعُ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يُوَدِّعَ:
ـ اذْهَبِ الْآنَ، يَا سَامِرُ. وَاحْمِلْ مَعَكَ هَذَا: لَا تَنْتَظِرِ الِاكْتِمَالَ لِتَشْعُرَ بِقِيمَةِ مَا تَعِيشُهُ أَوْ مَا تَتَذَكَّرُهُ. الشَّظَايَا، أَحْيَانًا، تَكْفِي. وَأَحْيَانًا، تَقُولُ مَا لَا تَسْتَطِيعُ الْقَصِيدَةُ الْكَامِلَةُ أَنْ تَقُولَهُ.
ثُمَّ ابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً فِيهَا حُزْنٌ وَجَمَالٌ مُتَشَابِكَانِ كَجُذُورِ شَجَرَةٍ قَدِيمَةٍ:
ـ وَإِنْ وَجَدْتَ يَوْمَكَ الْمَفْقُودَ يَوْمًا، وَإِنِ اسْتَعَدْتَهُ كَامِلًا كَمَا تُرِيدُ، فَتَذَكَّرْ أَنَّ الْفَجْوَةَ الَّتِي عِشْتَهَا كُلَّ هَذَا الْوَقْتِ وَهُوَ غَائِبٌ قَدْ شَكَّلَتْكَ أَنْتَ الَّذِي يَبْحَثُ، وَلَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ فَرَاغٍ. الْفَرَاغُ الَّذِي نَحْمِلُهُ يُصْبِحُ بِمُرُورِ الْوَقْتِ جُزْءًا مِنْ خَارِطَتِنَا الدَّاخِلِيَّةِ، مِثْلَ بَيَاضِ قَصِيدَتِي الَّذِي أَصْبَحَ جُزْءًا مِنْ مَعْنَاهَا.
________________________________________
بَدَأَتِ الشُّرْفَةُ تَتَلَاشَى بِبُطْءٍ، كَصُورَةٍ تُطْوَى مِنَ الْحَوَافِّ نَحْوَ الْمَرْكَزِ.
الْبَحْرُ الْأَزْرَقُ يَخْفُتُ، النَّسِيمُ الَّذِي كَانَ يَحْمِلُ الْمِلْحَ وَالْيَاسَمِينَ يُوَدِّعُ الْأَنْفَ قَبْلَ أَنْ يُوَدِّعَ السَّمْعَ.
لَكِنَّ أَصَابِعَ سَافُو لَمْ تَتَوَقَّفْ عَنْ لَمْسِ الْأَوْتَارِ حَتَّى آخِرِ لَحْظَةٍ، كَأَنَّهَا تَعْزِفُ حَتَّى اللَّحْظَةِ الَّتِي لَا يَبْقَى فِيهَا مَا يُعْزَفُ لَهُ.
صَوْتُ الْقِيثَارَةِ كَانَ آخِرَ مَا تَلَاشَى، قَبْلَ الْحَجَرِ، قَبْلَ ضَوْءِ الْبَحْرِ، قَبْلَ النَّسِيمِ، ذَلِكَ الصَّوْتُ النَّاقِصُ الْمُتَقَطِّعُ الَّذِي يُشْبِهُ نَفْسَهُ تَمَامًا: شَظِيَّةُ لَحْنٍ لَا تَكْفِي لِتُعَرِّفَ عَلَى الْقَصِيدَةِ كُلِّهَا، لَكِنَّهَا تَكْفِي لِتُعَرِّفَ عَلَى صَاحِبَتِهَا.
عَادَ سَامِرٌ إِلَى الرَّوَاقِ.
كَانَ الْعَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ بِجَانِبِ بَابٍ جَدِيدٍ، عَلَيْهِ نَقْشٌ لِخُوذَةٍ حَرْبِيَّةٍ بَسِيطَةٍ، بِلَا زَخْرَفَةٍ، كَخُوذَةِ مَنْ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّهُ لَنْ يَعُودَ إِلَى الْبَيْتِ لِيُعَلِّقَهَا عَلَى الْجِدَارِ.
ـ الْقَاعَةُ التَّالِيَةُ مُخْتَلِفَةٌ كُلِّيًّا عَنْ هَذَا الْهُدُوءِ الَّذِي عِشْتَهُ لِلتَّوِّ. سَتُقَابِلُ جُنْدِيًّا شَابًّا، فِي يَوْمِهِ الْأَخِيرِ، فِي مَعْرَكَةٍ يَتَذَكَّرُهَا التَّارِيخُ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ، وَيَتَجَاهَلُ الْجِهَةَ الْأُخْرَى تَقْرِيبًا.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى الْخُوذَةِ الْمَنْقُوشَةِ، وَفِي يَدِهِ لَا يَزَالُ اللَّوْحُ الطِّينِيُّ الْفَارِغُ، وَإِلَى جَانِبِ الْفَرَاغِ الَّذِي فِيهِ بَدَأَ يُحِسُّ الْآنَ بِشَيْءٍ أَشْبَهَ لِثِقَلِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي تَنْتَظِرُ أَنْ تُقَالَ.

متحف الأيام المفقودة 15