متحف الأيام المفقودة 15

متحف الأيام المفقودة
الفصل الخامس عشر – الجنديُّ الفارسيُّ – معركة ثيرموبيلاي — 480 ق.م
________________________________________
اخْتَرَقَ سَامِرٌ البَابَ فَلَمْ تَسْتَقْبِلْهُ أَيُّ قَاعَةٍ، بَلِ الْتَهَمَهُ الفَضَاءُ كُلُّهُ دُفْعَةً وَاحِدَةً.
صُخُورٌ رَمَادِيَّةٌ صَمَّاءُ تَنْهَضُ عَلَى الجَانِبَيْنِ كَجِدَارَيْنِ يَضِيقُ بَيْنَهُمَا النَّفَسُ، وَمَمَرٌّ تُرَابِيٌّ لَا يَتَّسِعُ لِأَكْثَرَ مِنْ عَرَبَتَيْنِ تَسِيرَانِ جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ.
الهَوَاءُ ثَقِيلٌ كَأَنَّ أَحَدًا عَجَنَ فِيهِ الدُّخَانَ وَالبَارُودَ وَالخَوْفَ وَعَرَقَ الأَجْسَادِ، ثُمَّ تَرَكَهُ يَتَخَثَّرُ تَحْتَ شَمْسٍ رَصَاصِيَّةٍ شَاحِبَةٍ.
مِنْ بَعِيدٍ، أَوْ رُبَّمَا مِنْ قَرِيبٍ، إِذْ كَانَ الصَّدَى فِي ذَلِكَ المَمَرِّ الضَّيِّقِ يَكْذِبُ عَلَى المَسَافَاتِ، يَتَصَاعَدُ دَوِيُّ مَعْرَكَةٍ لَا تُرَى: صَلِيلُ حَدِيدٍ عَلَى حَدِيدٍ، وَأَصْوَاتٌ بَشَرِيَّةٌ تَخْتَلِطُ فِيهَا الأَوَامِرُ بِالصَّرَاخِ وَالصَّرَاخُ بِالصَّمْتِ المُفَاجِئِ الأَشَدِّ وَطْأَةً مِنْ كُلِّ ضَوْضَاءٍ.
تَوَقَّفَ سَامِرٌ وَأَمْسَكَ بِحَافَّةِ صَخْرَةٍ بَارِدَةٍ لِيُثَبِّتَ تَوَازُنَهُ.
الرَّائِحَةُ وَحْدَهَا كَانَتْ كَافِيَةً لِتُخْبِرَهُ أَنَّ مَا يَجْرِي هُنَا لَيْسَ ذِكْرَى، وَلَيْسَ صَفْحَةً فِي كِتَابٍ، بَلْ حَدَثٌ يَقَعُ الآنَ، فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، بِكُلِّ مَا فِيهَا مِنْ فَوْضَى وَدَمٍ وَحَرَارَةِ الوَجَعِ الحَقِيقِيِّ.
ثُمَّ رَآهُ.
شَابٌّ فِي الثَّانِيَةِ وَالعِشْرِينَ مِنْ عُمُرِهِ، جَالِسٌ عَلَى صَخْرَةٍ مُنْبَسِطَةٍ عِنْدَ جَانِبِ المَمَرِّ، يَرْتَدِي دِرْعًا فَارِسِيَّةً مِنَ الجِلْدِ المُقَوَّى وَالصَّفَائِحِ البُرُونْزِيَّةِ المَرْصُوصَةِ فَوْقَ بَعْضِهَا كَقُشُورِ سَمَكَةٍ.
فِي يَدَيْهِ قِطْعَةُ قُمَاشٍ يَلُفُّهَا حَوْلَ فَخِذِهِ الأَيْسَرِ بِحَرَكَاتٍ حَذِرَةٍ وَصَابِرَةٍ، كَأَنَّهُ يُؤَدِّي طَقْسًا لَا كَأَنَّهُ يُغْلِقُ جُرْحًا.
الدَّمُ يَنْضَحُ عَبْرَ القُمَاشِ بِبُطْءٍ أَعْمَقَ مِنَ الوَرْدِيِّ وَأَغْمَقَ مِنَ القِرْمِزِيِّ.
وَجْهُهُ مُتْعَبٌ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي يَتْعَبُ بِهَا النَّاسُ حِينَ يَرْفُضُونَ الاسْتِسْلَامَ لِتَعَبِهِمْ: شَفَتَانِ مَضْمُومَتَانِ، وَفَكَّانِ مَقْبُوضَانِ، وَعَيْنَانِ صَافِيَتَانِ يَقِظَتَانِ تَمَامًا، كَعَيْنَيْ رَجُلٍ يَعْرِفُ أَنَّ النَّوْمَ تَرَفٌ لَا يُتَاحُ لَهُ فِي هَذَا اليَوْمِ.
سَمِعَ الجُنْدِيُّ خُطُوَاتِ سَامِرٍ عَلَى الحَصَى فَرَفَعَ رَأْسَهُ، وَيَدُهُ تَمْتَدُّ نَحْوَ رُمْحٍ قَصِيرٍ يَتَّكِئُ عَلَى الصَّخْرَةِ.
ـ ابْتَعِدْ. المَعْرَكَةُ لَمْ تَنْتَهِ بَعْدُ، رَغْمَ أَنَّ جَسَدِي يُخْبِرُنِي أَنَّهَا انْتَهَتْ بِالنِّسْبَةِ لِي.
لَا تَهْدِيدٌ فِي صَوْتِهِ، وَلَا مَرَضٌ فِي لُغَتِهِ.
مُجَرَّدُ إِخْبَارٍ هَادِئٍ بِحَقِيقَتَيْنِ فِي آنٍ وَاحِدٍ: حَقِيقَةُ الحَرْبِ الَّتِي تَدُورُ بَعِيدًا قَلِيلًا، وَحَقِيقَةُ جَسَدِهِ الَّذِي يَعِيشُ آخِرَ حِسَابَاتِهِ.
ـ لَا تَقْلَقْ. أَنَا لَسْتُ عَدُوًّا. اسْمِي سَامِرٌ.
أَمْسَكَ الجُنْدِيُّ بِالرُّمْحِ لَكِنَّهُ لَمْ يَرْفَعْهُ.
نَظَرَ إِلَى سَامِرٍ بِعَيْنَيْنِ تَنْتَقِلَانِ بَيْنَ الرِّيبَةِ وَالفُضُولِ، كَأَنَّ الفُضُولَ أَسْرَعُ أَقْدَامًا مِنَ الرِّيبَةِ فِي طَبِيعَتِهِ.
ـ اسْمٌ غَرِيبٌ. أَنَا لَا أَمْلِكُ اسْمًا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُذْكَرَ. أَنَا فَقَطْ جُنْدِيٌّ فِي جَيْشِ المَلِكِ العَظِيمِ، خَشَايَارْشَا، أُحَارِبُ فِي هَذَا المَمَرِّ الضَّيِّقِ الَّذِي تُسَمُّونَهُ أَنْتُمْ، فِي زَمَانِكُمُ المُقْبِلِ، ثِيرْمُوبِيلَايْ.
ـ ثِيرْمُوبِيلَايْ؟
أَعَادَ سَامِرٌ الاسْمَ مِثْلَ مَنْ يَتَذَكَّرُ شَيْئًا قَرَأَهُ مَرَّةً وَلَمْ يُدْرِكْ أَبَدًا أَنَّ لَهُ رَائِحَةَ دُخَانٍ وَأَلَمَ جَسَدٍ.
ـ المَعْرَكَةُ الَّتِي قَاتَلَ فِيهَا الإِسْبَارْطِيُّونَ الثَّلَاثُمِئَةٍ؟
ضَحِكَ الجُنْدِيُّ.
لَمْ تَكُنْ ضَحْكَةَ الرَّجُلِ المُرْتَاحِ، بَلْ ضَحْكَةَ مَنِ ابْتَلَعَ مَرَارَةً ثُمَّ قَرَّرَ أَنْ يُخْرِجَهَا بِنَبْرَةٍ يَخْتَارُهَا هُوَ.
ـ هَذَا اسْمُهَا فِي كُتُبِكُمْ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ «الثَّلَاثُمِئَةِ الإِسْبَارْطِيُّونَ البَوَاسِلُ». أَعْرِفُ ذَلِكَ. رَغْمَ أَنَّنِي أُحَارِبُ الآنَ، فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، وَلَمْ تُكْتَبِ الكُتُبُ بَعْدُ.
ـ مَاذَا تَقْصِدُ؟
أَوْثَقَ الجُنْدِيُّ القُمَاشَ عَلَى جُرْحِهِ وَشَدَّهُ بِحَرَكَةٍ حَادَّةٍ مَكْظُومَةٍ، ثُمَّ اسْتَقَرَّ ظَهْرُهُ عَلَى الصَّخْرَةِ.
ـ هَذَا المَكَانُ العَجِيبُ الَّذِي جَمَعَنِي بِكَ، يَا سَامِرُ، يُخْبِرُنِي بِطَرِيقَةٍ لَا أَجِدُ لَهَا تَفْسِيرًا، عَنْ كَيْفَ سَيَتَذَكَّرُ التَّارِيخُ هَذِهِ المَعْرَكَةَ. كَأَنَّ أَحَدًا يُوشِوِشُ فِي ذِهْنِي بِمَا سَيُكْتَبُ لَاحِقًا. وَأَعْرِفُ الآنَ أَنَّ أَعْدَائِي، الإِسْبَارْطِيِّينَ، سَيُخَلَّدُونَ أَبْطَالًا، يُرْسَمُ وَجْهُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي كُتُبٍ وَأَفْلَامٍ وَمَسْرَحِيَّاتٍ. وَمِئَاتُ الآلَافِ مِنَّا نَحْنُ الفُرْسَ، جُنُودٌ جَاؤُوا مِنْ أَصْقَاعِ الإِمْبَرَاطُورِيَّةِ، مِنْ مِيدْيَا وَبَابِلَ وَمِصْرَ وَالأَنَاضُولِ وَبَلُوخِسْتَانَ، سَنُخْتَصَرُ إِلَى كَلِمَتَيْنِ فَقَطْ: «جَيْشٌ غَازٍ». بِلَا أَسْمَاءٍ. بِلَا قِصَصٍ. بِلَا حَتَّى عَدَدٍ دَقِيقٍ يَحْتَرِمُ حَقِيقَتَنَا.
وَقَفَ سَامِرٌ فِي سُكُوتٍ.
كَانَ قَدْ سَمِعَ هَذِهِ القِصَّةَ طَوِيلًا، وَقَرَأَهَا فِي كُتُبٍ، وَشَاهَدَهَا فِي أَفْلَامٍ.
وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَتِ الكَامِيرَا تَتَّجِهُ نَحْوَ الجَانِبِ نَفْسِهِ، كَأَنَّ المَمَرَّ الجَبَلِيَّ لَا يَمْلِكُ إِلَّا وَجْهًا وَاحِدًا يَنْعَكِسُ عَلَيْهِ الضَّوْءُ.
ـ هَذَا… لَمْ أُفَكِّرْ فِيهِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ مِنْ قَبْلُ. دَائِمًا سَمِعْتُ القِصَّةَ مِنَ الجَانِبِ الآخَرِ.
أَوْمَأَ الجُنْدِيُّ بِرَأْسِهِ، نَظْرَةُ عَيْنَيْهِ لَا تَحْمِلُ غَضَبًا، بَلْ شَيْئًا أَثْقَلَ مِنَ الغَضَبِ وَأَصْعَبَ فِي الاحْتِمَالِ: مَرَارَةٌ هَادِئَةٌ، كَمَرَارَةِ رَجُلٍ يَفْهَمُ مَا يَجْرِي وَلَا يَمْلِكُ أَدَاةً لِتَغْيِيرِهِ.
ـ هَذَا مَا يَحْدُثُ دَائِمًا مَعَ التَّارِيخِ، يَا سَامِرُ. يُكْتَبُ مِمَّنْ يَنْتَصِرُ، أَوْ أَحْيَانًا، بِشَكْلٍ أَغْرَبَ، يُكْتَبُ مِمَّنْ يَخْسَرُ مَعْرَكَةً لَكِنَّهُ يَخْسَرُهَا بِطَرِيقَةٍ دِرَامِيَّةٍ تَسْتَحِقُّ أَنْ تُرْوَى. تَخَيَّلْ: نَحْنُ الفُرْسَ انْتَصَرْنَا فِي هَذَا المَمَرِّ فِي نِهَايَةِ المَطَافِ. اخْتَرَقْنَا الحِصْنَ، وَاجْتَزَأْنَا المَمَرَّ، وَوَصَلْنَا إِلَى أَثِينَا. وَمَعَ ذَلِكَ، التَّارِيخُ تَذَكَّرَ خَسَارَةَ أَعْدَائِنَا أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَذَكَّرَ انْتِصَارَنَا. أَلَا تَرَى الغَرَابَةَ فِي هَذَا؟ الخَاسِرُ أَكْثَرُ حُضُورًا فِي الذَّاكِرَةِ الجَمَاعِيَّةِ مِنَ المُنْتَصِرِ، لِأَنَّ خَسَارَتَهُ كَانَتْ أَجْمَلَ فِي طَرِيقَةِ تَقْدِيمِهَا لِلْمُشَاهِدِ.
ـ هَلْ هَذَا يُضَايِقُكَ؟
فَكَّرَ الجُنْدِيُّ طَوِيلًا.
لَيْسَ تَفْكِيرَ مَنْ يَبْحَثُ عَنْ إِجَابَةٍ مُنَاسِبَةٍ، بَلْ تَفْكِيرَ مَنْ يَزِنُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً فِي مِيزَانٍ وَاحِدٍ قَدِيمٍ مُتَشَقِّقٍ.
ـ بِصَرَاحَةٍ، لَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَ هَذَا أَهَمَّ شَيْءٍ يُضَايِقُنِي الآنَ. أَنَا مُصَابٌ، وَقَدْ أَمُوتُ قَبْلَ نِهَايَةِ هَذَا اليَوْمِ. وَأَكْثَرُ مَا يَشْغَلُ بَالِي فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ هُوَ أُمِّي. امْرَأَةٌ صَغِيرَةُ الحَجْمِ كَبِيرَةُ الصَّبْرِ، تَعِيشُ فِي بَلْدَةٍ لَا يَعْرِفُ اسْمَهَا أَحَدٌ، تَنْتَظِرُ عَوْدَتِي. لَا تَعْرِفُ بِالضَّبْطِ أَيْنَ أَنَا، وَلَا تَعْرِفُ إِنْ كُنْتُ مَا زِلْتُ عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ. كُلَّ صَبَاحٍ تَسْتَيْقِظُ وَتَعُدُّ الأَيَّامَ. سُؤَالُكَ عَنْ كَيْفَ سَيَتَذَكَّرُنِي التَّارِيخُ يَبْدُو تَرَفًا مُقَارَنَةً بِامْرَأَةٍ تَعُدُّ أَيَّامًا لَا تَعْرِفُ مَتَى سَتَتَوَقَّفُ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِشَيْءٍ يَهْوِي فِي صَدْرِهِ.
ـ أَنْتَ مُحِقٌّ. أَعْتَذِرُ.
هَزَّ الجُنْدِيُّ يَدَهُ هَزَّةً خَفِيفَةً.
ـ لَا، لَا دَاعِيَ لِلِاعْتِذَارِ. سُؤَالُكَ مُهِمٌّ حَقًّا، فَقَطْ أَرَدْتُ أَنْ أَضَعَ الأُمُورَ فِي نِصَابِهَا قَبْلَ أَنْ أُجِيبَكَ. دَعْنِي أَكُنْ صَادِقًا: نَعَمْ، يُضَايِقُنِي أَنْ أُنْسَى. يُضَايِقُنِي أَنْ أُخْتَزَلَ فِي «جَيْشٍ غَازٍ» كَأَنَّنِي جُزْءٌ مِنْ آلَةٍ لَا مِنْ بَشَرِيَّةٍ. هَا هُوَ ذَا، أَنَا، فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ: خَائِفٌ مِنَ المَوْتِ، مُشْتَاقٌ لِأُمِّي، يُؤْلِمُنِي فَخِذِي، أَتَسَاءَلُ إِنْ كَانَ رَفِيقِي آرَاتَا لَا يَزَالُ حَيًّا أَمْ سَقَطَ قَبْلَ سَاعَةٍ فِي الجَانِبِ الأَيْمَنِ مِنَ المَمَرِّ حَيْثُ تَوَقَّفَ صَوْتُهُ فَجْأَةً. أَنَا لَسْتُ «جَيْشًا». أَنَا رَجُلٌ يَجْلِسُ عَلَى صَخْرَةٍ وَيُحَاوِلُ أَنْ يُوقِفَ نَزِيفَ فَخِذِهِ بِقِطْعَةِ قُمَاشٍ.
ـ آرَاتَا. هَذَا اسْمُ صَدِيقِكَ؟
ـ آرَاتَا، ابْنُ بَلْدَةٍ مِيدِيَّةٍ تَزْرَعُ الحِنْطَةَ، يَعْزِفُ عَلَى آلَةٍ وَتَرِيَّةٍ أَوْتَارُهَا ثَلَاثَةٌ، وَيُحِبُّ بَطَّةً مَشْوِيَّةً بِالزَّيْتُونِ وَكُرَّاثٍ. التَّارِيخُ لَنْ يَذْكُرَهُ. لَكِنَّنِي أَذْكُرُهُ الآنَ، وَهَذَا شَيْءٌ.
جَلَسَ سَامِرٌ عَلَى الأَرْضِ أَمَامَ الجُنْدِيِّ الفَارِسِيِّ.
تَحْتَهُمَا الحَصَى وَالتُّرَابُ، وَفَوْقَهُمَا تِلْكَ السَّمَاءُ الرَّصَاصِيَّةُ الَّتِي لَا تَعْرِفُ المُهَلَ.
ـ لَكِنَّكَ قُلْتَ إِنَّ هَذَا يُضَايِقُكَ ثُمَّ أَضَفْتَ «لَكِنْ». مَا الَّذِي يُعَزِّيكَ؟
نَظَرَ الجُنْدِيُّ إِلَى كَفَّيْهِ.
ـ مَا يُعَزِّينِي أَنَّنِي، هُنَا وَالآنَ، حَقِيقِيٌّ تَمَامًا. أَلَمِي حَقِيقِيٌّ، وَخَوْفِي حَقِيقِيٌّ، وَحُبِّي لِأُمِّي حَقِيقِيٌّ، وَذِكْرَايَ لِآرَاتَا حَقِيقِيَّةٌ. لَا كِتَابُ تَارِيخٍ، مَهْمَا كَانَ مُتَحَيِّزًا أَوْ مُخْتَصَرًا أَوْ مُشَوِّهًا، يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْحُوَ مَا عِشْتُهُ بِنَفْسِي فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ. التَّارِيخُ يَمْلِكُ سُلْطَةَ الرِّوَايَةِ، لَكِنَّهُ لَا يَمْلِكُ سُلْطَةَ المَعِيشِ. يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ عَنِّي مَا يَشَاءُ، لَكِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْرِقَ مِنِّي مَا حَدَثَ فِعْلًا.
صَمَتَ سَامِرٌ يَتَأَمَّلُ.
فَكَّرَ فِي طَبَقَاتِ هَذِهِ الكَلِمَاتِ.
هُنَاكَ شَيْءٌ يُشْبِهُ مَا قَالَتْهُ لَهُ تِلْكَ المَرْأَةُ الإِغْرِيقِيَّةُ فِي القَاعَةِ السَّابِقَةِ: إِنَّ الحَيَاةَ المُعَاشَةَ بِصِدْقٍ لَا تَحْتَاجُ شَاهِدًا خَارِجِيًّا كَيْ تَكُونَ حَقِيقِيَّةً. يَكْفِيهَا أَنَّهَا حَدَثَتْ.
ـ هَذَا يُشْبِهُ مَا قَالَتْهُ لِي امْرَأَةٌ إِغْرِيقِيَّةٌ فِي قَاعَةٍ أَقْدَمَ. نُسِيَتْ هِيَ أَيْضًا.
ـ رُبَّمَا نَحْنُ، المَنْسِيِّينَ، نَتَقَاسَمُ حِكْمَةً بِعَيْنِهَا لَا يَمْلِكُهَا مَنْ يُكْتَبُ اسْمُهُ بِأَحْرُفٍ ذَهَبِيَّةٍ فِي السِّجِلَّاتِ. الَّذِينَ يُخَلَّدُونَ كَثِيرًا مَا يُصْبِحُونَ أَسْرَى رَمْزِيَّتِهِمْ. يَجِبُ أَنْ يَكُونُوا «البَطَلَ» دَائِمًا، «الشَّهِيدَ النَّقِيَّ»، «الأُسْطُورَةَ الَّتِي لَا تَنْكَسِرُ». نَحْنُ المَنْسِيُّونَ أَحْرَارٌ مِنْ هَذَا الثِّقَلِ. لَسْتُ مُضْطَرًّا أَنْ أَكُونَ أُسْطُورَةً لِكَيْ يَكُونَ أَلَمِي حَقِيقِيًّا.
ـ هَلْ تَخَافُ المَوْتَ؟
لَمْ يُبَادِرِ الجُنْدِيُّ بِجَوَابٍ سَرِيعٍ.
نَظَرَ إِلَى يَدَيْهِ، لَاحَظَ سَامِرٌ أَنَّهُمَا تَرْتَجِفَانِ رَجْفَةً خَفِيَّةً لَا يَبْدُو أَنَّ الجُنْدِيَّ يَمْلِكُ إِرَادَةً عَلَى إِيقَافِهَا.
لَيْسَتْ رَجْفَةَ فَزَعٍ، بَلْ رَجْفَةَ الدَّمِ الَّذِي قَلَّ وَالجَسَدِ الَّذِي يُحَاسِبُ.
ـ نَعَمْ، أَخَافُ. لَسْتُ بَطَلًا أُسْطُورِيًّا لَا يَعْرِفُ الخَوْفَ. الخَوْفُ مَوْجُودٌ فِي صَدْرِي مُنْذُ الفَجْرِ، يَجْلِسُ هُنَاكَ مِثْلَ حَجَرٍ ثَقِيلٍ. أَخَافُ أَنْ أَمُوتَ بَعِيدًا عَنْ أُمِّي فَلَا تَعْرِفَ أَيْنَ دُفِنْتُ. أَخَافُ أَنْ تَنْتَظِرَ وَتَنْتَظِرَ وَلَا يَأْتِيَ أَحَدٌ يُخْبِرُهَا. وَأَخَافُ شَيْئًا أَغْرَبَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ: أَخَافُ أَنْ تَمْضِيَ السَّنَوَاتُ وَتُنْسَى حَتَّى الطَّرِيقَةُ الَّتِي مَاتَ بِهَا النَّاسُ هُنَا، كَأَنَّهُمْ لَمْ يَمُوتُوا فِعْلًا، كَأَنَّهُمْ مُجَرَّدُ أَرْقَامٍ فِي مُعَادَلَةِ انْتِصَارٍ وَهَزِيمَةٍ لَا يَحْتَاجُ أَحَدٌ أَنْ يَفْهَمَ تَفَاصِيلَهَا.
تَوَقَّفَ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ:
ـ لَكِنَّنِي تَعَلَّمْتُ، فِي هَذِهِ السَّاعَاتِ الأَخِيرَةِ، أَنَّ الخَوْفَ لَا يَمْنَعُ الإِنْسَانَ مِنْ أَنْ يَخْتَارَ كَيْفَ يُوَاجِهَ مَا يَحْدُثُ. يُمْكِنُكَ أَنْ تَخَافَ وَأَنْ تُقَاتِلَ فِي الوَقْتِ ذَاتِهِ. يُمْكِنُكَ أَنْ تَخَافَ وَأَنْ تَبْقَى حَاضِرًا لِمَنْ بِجَانِبِكَ. آرَاتَا كَانَ خَائِفًا أَيْضًا هَذَا الصَّبَاحَ، رَأَيْتُهُ يُصَلِّي بِصَوْتٍ خَفِيضٍ لِإِلَهٍ يَعْرِفُهُ وَحْدَهُ. لَكِنَّهُ بَقِيَ بِجَانِبِ رِفَاقِهِ. لَمْ يَتَحَوَّلْ خَوْفُهُ إِلَى خِيَانَةٍ.
ـ هَلْ تَتَمَنَّى لَوْ لَمْ تَأْتِ إِلَى هَذِهِ الحَرْبِ؟
ابْتَسَمَ الجُنْدِيُّ ابْتِسَامَةً لَا تَكَادُ تُرَى، نِصْفُهَا حُزْنٌ وَنِصْفُهَا حِكْمَةٌ مُرَّةٌ اكْتُسِبَتْ بِثَمَنٍ لَمْ يُخْتَرْ.
ـ لَا أَمْلِكُ تَرَفَ التَّمَنِّي يَا سَامِرُ. أَنَا جُنْدِيٌّ فِي جَيْشِ مَلِكِ المُلُوكِ، خَشَايَارْشَا. لَمْ يَسْأَلْنِي أَحَدٌ يَوْمَ التَّجْنِيدِ إِنْ كُنْتُ أُرِيدُ أَوْ لَا أُرِيدُ. جَاءَ المُجَنِّدُونَ إِلَى بَلْدَتِنَا وَأَخَذُوا الشَّبَابَ مِنَ السِّنِّ الَّتِي تُرِيدُهَا الإِمْبَرَاطُورِيَّةُ، لَا مِنَ السِّنِّ الَّتِي يَخْتَارُهَا الشَّابُّ لِنَفْسِهِ. هَذِهِ الحَرْبُ لَمْ تَكُنْ حَرْبًا شَخْصِيَّةً بَيْنِي وَبَيْنَ أَيِّ إِسْبَارْطِيٍّ. أَنَا لَمْ أُقَاتِلِ اليَوْمَ لِأَنَّنِي أَحْقِدُ عَلَى أَحَدٍ، قَاتَلْتُ لِأَنَّ هَذَا مَا يُفْعَلُ فِي الحُرُوبِ: تُقَاتِلُ لِأَنَّ مَنْ بِجَانِبِكَ يُقَاتِلُ، وَلِأَنَّ التَّرَاجُعَ قَدْ يَعْنِي مَوْتَ شَخْصٍ تُحِبُّهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْنِي مَوْتَكَ أَنْتَ.
وَأَضَافَ بَعْدَ تَوَقُّفٍ:
ـ لَكِنْ تَعَلَّمْتُ شَيْئًا مِنْ هَذَا كُلِّهِ: حَتَّى فِي المَوْقِفِ الَّذِي لَا تَمْلِكُ فِيهِ خِيَارًا حَقِيقِيًّا، يَبْقَى لَكَ خِيَارٌ وَاحِدٌ صَغِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ سَلْبَهُ مِنْكَ: كَيْفَ تُوَاجِهُ مَا يَحْدُثُ لَكَ. هَلْ بِكَرَامَةٍ أَمْ بِانْهِيَارٍ. هَلْ بِمَحَبَّةٍ لِمَنْ حَوْلَكَ أَمْ بِلَامُبَالَاةٍ. اخْتَرْتُ الكَرَامَةَ. اخْتَرْتُ أَنْ أَبْقَى إِنْسَانًا كَامِلًا حَتَّى فِي مَوْقِفٍ يُرِيدُ أَنْ يُحَوِّلَنِي إِلَى قِطْعَةٍ فِي آلَةٍ. هَذَا كُلُّ مَا أَمْلِكُهُ، وَهُوَ لَيْسَ قَلِيلًا.
شَعَرَ سَامِرٌ بِثِقَلِ هَذِهِ الكَلِمَاتِ يَسْتَقِرُّ فِي صَدْرِهِ مِثْلَ شَيْءٍ يَبْقَى.
ـ هَذَا أَكْثَرُ شَجَاعَةً مِمَّا أَتَخَيَّلُهُ مِنْ نَفْسِي فِي مَوَاقِفَ أَصْغَرَ بِكَثِيرٍ.
ـ الشَّجَاعَةُ لَا تُعْلَنُ مُسْبَقًا، يَا سَامِرُ. لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْرِفَ إِنْ كَانَ شُجَاعًا أَمْ لَا حَتَّى يُوَاجِهَ اللَّحْظَةَ الفِعْلِيَّةَ الَّتِي تَطْلُبُ الشَّجَاعَةَ. كُلُّ إِنْسَانٍ يَجِدُ شَجَاعَتَهُ حِينَ يَحْتَاجُهَا فِعْلًا، لَا حِينَ يَتَخَيَّلُهَا. أَنْتَ أَيْضًا، حِينَ تُوَاجِهُ يَوْمَكَ المَفْقُودَ أَخِيرًا، أَيًّا كَانَ مَا يَحْمِلُهُ، سَتَجِدُ فِي نَفْسِكَ مَا لَا تَعْرِفُ أَنْتَ نَفْسَكَ أَنَّهُ فِيكَ.
تَحَرَّكَ شَيْءٌ فِي الضَّوْءِ.
الدُّخَانُ يَتَكَاثَفُ، وَصَوْتُ المَعْرَكَةِ البَعِيدُ يَقْتَرِبُ بِخُطُوَاتٍ لَا تُخْطِئُهَا الأُذُنُ الَّتِي صَارَتْ تَعْرِفُ هَذَا الصَّوْتَ.
ـ يَجِبُ أَنْ أَعُودَ. رِفَاقِي بِحَاجَةٍ إِلَيَّ.
ـ أَنْتَ مُصَابٌ.
ـ أَعْرِفُ. لَكِنَّنِي مَا زِلْتُ قَادِرًا عَلَى الوُقُوفِ. وَمَا دَامَ الوُقُوفُ مُمْكِنًا، فَالبَقَاءُ بِجَانِبِهِمْ مُمْكِنٌ.
قَامَ الجُنْدِيُّ بِحَرَكَةٍ بَطِيئَةٍ مُتَأَنِّيَةٍ، يُحَمِّلُ فَخِذَهُ المَجْرُوحَ بِتَدَرُّجٍ كَأَنَّهُ يُفَاوِضُهُ.
تَمَاسَكَ.
أَمْسَكَ رُمْحَهُ.
ثُمَّ نَظَرَ إِلَى سَامِرٍ نَظْرَةً أَخِيرَةً، لَيْسَتْ نَظْرَةَ وَدَاعٍ رُومَانْسِيٍّ، بَلْ نَظْرَةً بَسِيطَةً نَظِيفَةً، مِثْلَ نَظْرَةِ رَجُلٍ رَأَى شَخْصًا رَآهُ حَقًّا.
ـ هَلْ سَأَرَاكَ مُجَدَّدًا؟
ـ لَا أَعْرِفُ كَيْفَ يَعْمَلُ هَذَا المَكَانُ الغَرِيبُ. لَكِنْ تَذَكَّرْنِي، يَا سَامِرُ. أَنَا وَآرَاتَا وَعَشَرَاتِ الآلَافِ الَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بُلْدَانٍ كَثِيرَةٍ وَلَمْ يَرْجِعُوا. تَذَكَّرْنَا، حَتَّى لَوْ لَمْ يَذْكُرْنَا أَحَدٌ آخَرُ. هَذَا يَكْفِينِي.
وَابْتَعَدَ فِي الدُّخَانِ.
خُطْوَةٌ، خُطْوَتَانِ، ثَلَاثٌ، ثُمَّ الْتَهَمَهُ المَمَرُّ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْمًا.
________________________________________
بَقِيَ سَامِرٌ وَحْدَهُ.
الدُّخَانُ يَتَكَاثَفُ حَوْلَهُ، وَالأَصْوَاتُ تَقْتَرِبُ، وَتَحْتَ قَدَمَيْهِ التُّرَابُ وَالحَصَى وَالتَّارِيخُ الَّذِي لَمْ يُكْتَبْ بَعْدُ وَالَّذِي كُتِبَ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
فَكَّرَ فِي اسْمِ آرَاتَا.
رَجُلٌ يَعْزِفُ عَلَى آلَةٍ ثَلَاثَةِ أَوْتَارٍ وَيُحِبُّ البَطَّةَ المَشْوِيَّةَ بِالكُرَّاثِ.
اسْمٌ لَنْ يَجِدَهُ سَامِرٌ فِي أَيِّ كِتَابٍ.
لَنْ يَجِدَ صُورَتَهُ، وَلَا بَلْدَتَهُ، وَلَا الآلَةَ الَّتِي كَانَ يَعْزِفُ عَلَيْهَا.
لَكِنَّهُ الآنَ يَعْرِفُ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا، لِأَنَّ صَدِيقَهُ ذَكَرَهُ فِي مَمَرٍّ جَبَلِيٍّ فِي لَحْظَتِهِ الأَخِيرَةِ، وَهَذَا الذِّكْرُ، وَإِنْ لَمْ يُدَوَّنْ، حَدَثَ.
وَمَا حَدَثَ لَا يُمْحَى تَمَامًا، حَتَّى لَوْ نُسِيَ.
تَلَاشَى المَمَرُّ بِبُطْءٍ كَرَسْمٍ يَمْحُوهُ المَاءُ: أَوَّلًا الدُّخَانُ، ثُمَّ الصُّخُورُ، ثُمَّ الأَصْوَاتُ، حَتَّى بَقِيَ أَخِيرًا الصَّمْتُ فَقَطْ، ثُمَّ الرَّوَاقُ الأَصْلِيُّ.
________________________________________
كَانَ العَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ بِجَانِبِ البَابِ الأَخِيرِ فِي هَذَا المِحْوَرِ.
عَلَيْهِ نَقْشٌ لِشَجَرَةِ بَلُّوطٍ قَدِيمَةٍ، جُذُورُهَا أَعْمَقُ مِمَّا تُرِيهِ سَطْحُ الخَشَبِ.
نَظَرَ العَجُوزُ إِلَى سَامِرٍ بِطَرِيقَةِ مَنْ يُقْرَأُ الوَجْهُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُقْرَأَ بِالكَلِمَاتِ.
ـ هَا أَنْتَ ذَا. جِئْتَ مِنْ هُنَاكَ وَأَنْتَ تَلْهَثُ.
ـ كُنْتُ فِي مَعْرَكَةٍ.
ـ بَلْ كُنْتَ فِي مُحَادَثَةٍ. وَهَذَا أَحْيَانًا أَشَدُّ وَطْأَةً مِنَ المَعْرَكَةِ.
صَمَتَ سَامِرٌ ثُمَّ سَأَلَ:
ـ مَنْ فِي القَاعَةِ الأَخِيرَةِ؟
أَشَارَ العَجُوزُ إِلَى البَابِ بِنَقْشِهِ الهَادِئِ:
ـ امْرَأَةٌ عَاشَتْ بَعْدَ جُنْدِيِّكَ الفَارِسِيِّ بِخَمْسِمِئَةِ سَنَةٍ تَقْرِيبًا. فِي جَزِيرَةٍ بَعِيدَةٍ شِمَالًا، حَيْثُ الشِّتَاءُ طَوِيلٌ وَالكَلَامُ قَلِيلٌ وَالحِكْمَةُ نَاضِجَةٌ فِي العَتَمَةِ. تَحْمِلُ تَحْذِيرًا مِنْ شَيْءٍ قَدْ تَظُنُّهُ أَنْتَ نِعْمَةً خَالِصَةً.
ـ مَاذَا تَقْصِدُ؟
أَوْمَأَ العَجُوزُ نَحْوَ البَابِ.
ـ الكِتَابَةُ نَفْسُهَا.

متحف الأيام المفقودة 16