مُتْحَفُ الأَيَّامِ الْمَفْقُودَةِ
الْفَصْلُ السَّادِسُ عَشَرَ: الْكَاهِنَةُ الْكِلْتِيَّةُ – بِرِيتَانْيَا — السَّنَةُ الْخَمْسُونَ بَعْدَ الْمِيلَادِ
________________________________________
لَمْ تَكُنِ الْقَاعَةُ قَاعَةً بِالْمَعْنَى الَّذِي يَتَخَيَّلُهُ الْعَقْلُ حِينَ يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ.
لَمْ يَكُنْ فِيهَا سَقْفٌ وَلَا جُدْرَانٌ وَلَا بِلَاطٌ.
كَانَتْ غَابَةً، أَوْ شَيْئًا يُشْبِهُ الْغَابَةَ إِلَى حَدٍّ يُرْبِكُ الْحَوَاسَّ كُلَّهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً.
أَشْجَارُ بَلُّوطٍ عِمْلَاقَةٍ، قَائِمَةٌ كَعَمُودِ مَعْبَدٍ لَمْ يَبْنِهِ بَشَرٌ.
جُذُورُهَا تَخْتَرِقُ التُّرْبَةَ الدَّاكِنَةَ كَأَصَابِعِ كَائِنَاتٍ نَائِمَةٍ مُنْذُ آلافِ السِّنِينَ.
ضَبَابٌ خَفِيفٌ — أَبْيَضُ شَاحِبٌ، دَافِئٌ بِشَكْلٍ لَا يُفَسَّرُ — يَلْتَفُّ بَيْنَ الْجُذُوعِ وَيَتَسَلَّقُ الْأَغْصَانَ السُّفْلَى.
كَأَنَّهُ كَائِنٌ حَيٌّ يَتَنَفَّسُ بِهُدُوءٍ وَيَتَلَوَّى دُونَ أَنْ يُصْدِرَ صَوْتًا.
الْهَوَاءُ كَانَ مُخْتَلِفًا هُنَا.
لَمْ يَكُنْ بَارِدًا وَلَا دَافِئًا تَمَامًا.
بَلْ كَانَ لَهُ ثِقَلٌ خَاصٌّ، كَثِقَلِ الْكَلِمَاتِ حِينَ تُقَالُ قَبْلَ مَوْعِدِهَا.
فِي قَلْبِ تِلْكَ الْغَابَةِ، فِي مَسَاحَةٍ دَائِرِيَّةٍ صَغِيرَةٍ وُلِدَتْ بَيْنَ الْأَشْجَارِ كَأَنَّهَا فَتَحَتْ عَيْنَيْهَا تَوًّا، كَانَتْ تَقِفُ امْرَأَةٌ.
تَوَقَّفَ سَامِرُ عِنْدَ حَافَّةِ الدَّائِرَةِ، وَلَمْ يَتَجَرَّأْ عَلَى الْخُطُوِّ إِلَى الدَّاخِلِ.
شَيْءٌ مَا فِي الْمَشْهَدِ كَانَ يَحْمِلُ طَابِعَ الْقَدَاسَةِ.
لَيْسَتْ قَدَاسَةً رَسْمِيَّةً مَعْرُوفَةً، بَلْ قَدَاسَةٌ أَقْدَمُ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ.
قَدَاسَةُ الْمَكَانِ حِينَ يَكُونُ قَدِ احْتَضَنَ آلافًا مِنَ الْبَشَرِ قَبْلَكَ، وَاحِدًا وَاحِدًا، وَكُلُّهُمْ وَقَفُوا عِنْدَ الْحَافَّةِ نَفْسِهَا وَأَحَسُّوا بِالشَّيْءِ نَفْسِهِ.
كَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي السِّتِّينَاتِ مِنْ عُمُرِهَا.
قَامَتُهَا مَدِيدَةٌ، لَكِنْ لَيْسَتْ شَامِخَةً، بَلْ مُسْتَقِيمَةٌ بِاتِّزَانٍ كَالْأَشْجَارِ مِنْ حَوْلِهَا.
شَعْرُهَا أَبْيَضُ نَاصِعٌ، طَوِيلٌ حَتَّى الْخَصْرِ، يَسْقُطُ عَلَى ظَهْرِهَا كَسِتَارَةِ ضَوْءٍ.
وَجْهُهَا مَحْفُورٌ بِتَجَاعِيدَ عَمِيقَةٍ.
لَكِنَّ كُلَّ تَجْعِيدٍ فِيهِ يُشْبِهُ خَطًّا فِي خَرِيطَةٍ.
كَأَنَّ سَنَوَاتِ حَيَاتِهَا لَمْ تَتْرُكْ أَثَرًا عَابِرًا، بَلْ رَسَمَتْ جُغْرَافِيَا.
أَمَامَهَا نَارٌ صَغِيرَةٌ، مُتَأَنِّيَةٌ، مُصَوَّنَةٌ، تَحْتَرِقُ دُونَ اسْتِعْجَالٍ.
وَكَانَتْ تُرَتِّلُ.
كَلِمَاتٌ بِلُغَةٍ لَمْ تَطْرُقْ أُذُنَ سَامِرَ مِنْ قَبْلُ.
لَا يَعْرِفُ أَصْوَاتِهَا وَلَا مَعَانِيَهَا وَلَا قَوَاعِدَهَا.
لَكِنَّ إِيقَاعَهَا — الإِيقَاعَ وَحْدَهُ — كَانَ يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْ فَوْقِ الْحَاجِزِ اللُّغَوِيِّ مُبَاشَرَةً.
يَصِلُ إِلَى شَيْءٍ أَعْمَقَ مِنَ الْفَهْمِ.
كَأَنَّ التَّرْتِيلَ كَانَ يُخَاطِبُ مَكَانًا فِي الْجَسَدِ لَا يَعْرِفُ الْقِرَاءَةَ لَكِنَّهُ يَعْرِفُ الِاسْتِمَاعَ.
تَوَقَّفَتْ عَنِ التَّرْتِيلِ.
لَمْ تَلْتَفِتْ فَوْرًا، بَلْ أَنْهَتْ عِبَارَتَهَا الأَخِيرَةَ حَتَّى آخِرِ مَقْطَعٍ.
كَأَنَّ قَطْعَهَا قَبْلَ الاكْتِمَالِ كَانَ سَيَجْرَحُ شَيْئًا فِي الْهَوَاءِ.
ثُمَّ الْتَفَتَتْ.
ـ اقْتَرِبْ، أَيُّهَا الْغَرِيبُ الْقَادِمُ مِنْ زَمَنٍ لَا أَعْرِفُهُ.
صَوْتُهَا كَانَ عَمِيقًا بِشَكْلٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعٍ لِامْرَأَةٍ فِي حَجْمِهَا.
عَمِيقًا وَرَصِينًا كَدَقَّاتِ طَبْلٍ بَعِيدٍ.
ـ أَشْعُرُ بِثِقَلِ أَسْئِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَتَكَلَّمَ.
بَعْضُ النَّاسِ يَحْمِلُونَ أَسْئِلَتَهُمْ كَأَمْتِعَةٍ خَفِيفَةٍ يَرْتَدُونَهَا عَلَى الظَّهْرِ.
وَبَعْضُهُمْ يَحْمِلُونَهَا كَحِجَارَةٍ دَاخِلَ الصَّدْرِ.
أَنْتَ مِنَ النَّوْعِ الثَّانِي.
اقْتَرَبَ سَامِرُ بِبُطْءٍ.
حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَسَافَةٍ تُتِيحُ لَهُ أَنْ يَرَى حُبَيْبَاتِ الرَّمَادِ تَرْقُصُ فِي الْهَوَاءِ قَبْلَ أَنْ تَخْبُوَ.
ـ أَنَا سَامِرُ.
وَأَنْتِ؟
ـ أَنَا كَاهِنَةٌ.
حَامِلَةُ ذَاكِرَةِ الْكَلْتِيِّينَ فِي هَذِهِ الْجَزِيرَةِ الَّتِي تُسَمِّيهَا الرُّومَانُ بِرِيتَانْيَا.
ـ لَا أَمْلِكُ لَقَبًا وَاحِدًا يَكْفِي وَصْفِي.
أَنَا مُعَلِّمَةٌ وَشَاعِرَةٌ وَحَافِظَةُ قَوَانِينِ وَرَاوِيَةُ أَسَاطِيرَ.
كُلُّ هَذَا مَعًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
الْمُصْطَلَحُ الَّذِي كُنْتُمْ سَتَسْتَخْدِمُونَهُ فِي زَمَانِكَ رُبَّمَا كَانَ «مُوسُوعَةً حَيَّةً».
لَوْ أَنَّ الْمُوسُوعَاتِ تَسْتَطِيعُ الْكَلَامَ وَالْبُكَاءَ وَتَذَكُّرَ أَسْمَاءِ الْمَوْتَى.
نَظَرَ إِلَيْهَا سَامِرُ بِاهْتِمَامٍ:
ـ هَذَا يَبْدُو دَوْرًا ثَقِيلًا.
ابْتَسَمَتْ.
وَفِي ابْتِسَامَتِهَا شَيْءٌ لَا يُشْبِهُ السَّعَادَةَ وَلَا الْحُزْنَ.
بَلْ شَيْءٌ فِي الْمُنْتَصَفِ بَيْنَهُمَا.
ـ هُوَ كَذَلِكَ.
أَمْضَيْتُ أَرْبَعِينَ سَنَةً أَحْفَظُ فِي ذَاكِرَتِي آلافَ الأَنَاشِيدِ، وَالْقَوَانِينِ الْقَبَلِيَّةِ، وَأَنْسَابَ الْمُحَارِبِينَ وَالْكَهَنَةِ، وَالْأَسَاطِيرَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي يَعُودُ بَعْضُهَا إِلَى زَمَنٍ لَا يَتَذَكَّرُهُ التَّارِيخُ.
كُلُّ هَذَا دُونَ أَنْ أَكْتُبَ كَلِمَةً وَاحِدَةً.
تَجَمَّدَ نَظَرُ سَامِرَ عَلَيْهَا.
ـ دُونَ كِتَابَةٍ؟ لِمَاذَا؟
جَاءَ سُؤَالُهُ تِلْقَائِيًّا، كَرَدِّ فِعْلٍ غَرِيزِيٍّ.
ـ أَلَا تَجْعَلُ الْكِتَابَةُ الْحِفْظَ أَسْهَلَ وَأَكْثَرَ دِقَّةً؟
أَلَا تُقَلِّلُ مِنْ خَطَرِ الضَّيَاعِ؟
نَظَرَتْ إِلَيْهِ نَظَرَةً طَوِيلَةً، قِيَاسِيَّةً، كَأَنَّهَا تَزِنُ مَا إِذَا كَانَ الشَّرْحُ سَيَبْنِي فَهْمًا حَقِيقِيًّا أَمْ سَيُضَافُ فَقَطْ إِلَى مَخْزُونِ الْمَعْلُومَاتِ الْعَابِرَةِ فِي رَأْسِهِ.
— هَذَا بِالضَّبْطِ السُّؤَالُ الَّذِي يَطْرَحُهُ عَلَيَّ الرُّومَانُ.
يَأْتُونَ إِلَى أَرْضِنَا بِجُيُوشِهِمْ، وَطُرُقِهِمُ الْمُعَبَّدَةِ، وَلَوْحَاتِهِمُ الْحَجَرِيَّةِ الْمَنْقُوشَةِ.
وَيَتَعَجَّبُونَ:
«كَيْفَ تَحْفَظُونَ دُونَ كِتَابَةٍ؟ أَلَيْسَ هَذَا تَخَلُّفًا؟»
تَوَقَّفَتْ، وَنَظَرَتْ إِلَى النَّارِ.
— سَأُخْبِرُكَ بِمَا تَعَلَّمْتُهُ أَنَا وَأَسْلَافِي عَبْرَ أَجْيَالٍ:
الْكِتَابَةُ تَحْمِلُ خَطَرًا عَمِيقًا.
خَطَرًا قَلَّ مَنْ يَفْكِّرُ فِيهِ، لِأَنَّهُ يَخْتَبِئُ خَلْفَ فَوَائِدِهِ الْوَاضِحَةِ.
— أَيُّ خَطَرٍ؟
رَفَعَتْ رَأْسَهَا، وَبَدَتْ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ أَكْبَرَ مِمَّا هِيَ.
— حِينَ تَكْتُبُ شَيْئًا، تَتَوَقَّفُ عَنْ الِاضْطِرَارِ إِلَى حَمْلِهِ فِي دَاخِلِكَ بِكُلِّ كِيَانِكَ.
تَضَعُهُ خَارِجَكَ — عَلَى جِلْدِ حَيَوَانٍ، أَوْ حَجَرٍ، أَوْ وَرَقٍ — وَتَظُنُّ أَنَّكَ بِذَلِكَ حَفِظْتَهُ إِلَى الْأَبَدِ.
لَكِنَّكَ فِي الْحَقِيقَةِ بَدَأْتَ بِنِسْيَانِهِ مِنَ الدَّاخِلِ.
لِأَنَّكَ لَمْ تَعُدْ بِحَاجَةٍ إِلَى الِاحْتِفَاظِ بِهِ حَيًّا فِي قَلْبِكَ.
صَمَتَ سَامِرُ.
الْفِكْرَةُ ضَرَبَتْهُ فِي مَكَانٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهُ.
— هَذَا عَكْسُ مَا كُنْتُ أَظُنُّ تَمَامًا.
كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْكِتَابَةَ تَحْمِي الْمَذْكَرَةَ.
— تَحْمِي شَكْلًا وَاحِدًا مِنْهَا، نَعَمْ.
مَدَّتِ الْكَاهِنَةُ يَدَهَا نَحْوَ النَّارِ، لَكِنَّهَا لَمْ تَلْمِسْهَا.
أَبْقَتْهَا قَرِيبَةً مِنَ الدِّفْءِ فَقَطْ.
— شَكْلًا خَارِجِيًّا، ثَابِتًا، بَاهِتًا.
لَكِنَّهَا تَقْتُلُ شَكْلًا آخَرَ، أَعْمَقَ وَأَكْثَرَ حَيَوِيَّةً:
الْمَذْكَرَةَ الْحَيَّةَ.
تِلْكَ الَّتِي تَنْتَقِلُ مِنْ قَلْبٍ إِلَى قَلْبٍ، مِنْ صَوْتٍ إِلَى صَوْتٍ، تَتَغَيَّرُ قَلِيلًا فِي كُلِّ مَرَّةٍ تُرْوَى، وَتَتَنَفَّسُ مَعَ كُلِّ جِيلٍ يَحْمِلُهَا.
ابْحَثْ مَعِي فِي هَذَا الْمِثَالِ:
تَخَيَّلْ أَمْثَالَنَا لَوْ دَوَّنَّا قَانُونَ قَبِيلَتِنَا فِي تَسْوِيَةِ النِّزَاعَاتِ عَلَى الْمَاشِيَةِ.
مَاذَا يَحْدُثُ؟
يَتَجَمَّدُ الْقَانُونُ.
يُصْبِحُ مَا كُتِبَ عَامَ خَمْسِمِئَةٍ قَبْلَ الْمِيلَادِ حُكْمًا مُقَدَّسًا لَا يُمْكِنُ مَسُّهُ عَامَ خَمْسِينَ بَعْدَ الْمِيلَادِ.
حَتَّى لَوْ تَغَيَّرَ كُلُّ شَيْءٍ:
الْمُنَاخُ، الْحُدُودُ الْقَبَلِيَّةُ، قِيمَةُ الثَّوْرِ، مَعْنَى الشَّرَفِ نَفْسُهُ.
النَّصُّ لَا يَتَغَيَّرُ لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ.
أَمَّا الْقَانُونُ الَّذِي يَعِيشُ فِي ذَاكِرَةِ الْكَاهِنِ، فَكُلَّمَا أَعَادَ رِوَايَتَهُ أَمَامَ خَصْمَيْنِ يَتَنَازَعَانِ عَلَى ثَوْرٍ، أَضَافَ إِلَيْهِ دُونَ أَنْ يَشْعُرَ:
تَجْرِبَةً، تَحَوُّلًا فِي الرُّؤْيَةِ، دَرْسًا مِنْ قَضِيَّةٍ سَابِقَةٍ.
الْقَانُونُ الْحَيُّ يَنْمُو.
وَالْمَكْتُوبُ يَشِيخُ.
— لَكِنْ — قَالَ سَامِرُ — أَلَيْسَ فِي النُّمُوِّ خَطَرُ التَّحْرِيفِ؟
خَطَرُ أَنْ يُضَافَ مَا لَا يَنْبَغِي إِضَافَتُهُ؟
أَوْمَأَتِ الْكَاهِنَةُ دُونَ تَرَدُّدٍ.
— طَبْعًا.
هَذَا خَطَرٌ حَقِيقِيٌّ، وَهُوَ ثَمَنُ الْحَيَوِيَّةِ.
لَكِنَّ الْكِتَابَةَ لَيْسَتْ بَرِيئَةً مِنَ التَّحْرِيفِ هِيَ الْأُخْرَى.
كَمْ مِنْ نَصٍّ نُقِلَ بِالنَّسْخِ يَدًا بِيَدٍ، وَفِي كُلِّ نُسْخَةٍ أَخْطَاءٌ صَغِيرَةٌ تَتَرَاكَمُ حَتَّى تَصِيرَ الرِّسَالَةُ شَيْئًا آخَرَ؟
وَكَمْ مِنْ كِتَابٍ قَدِيمٍ فُسِّرَ تَفْسِيرَاتٍ مُتَعَاكِسَةٍ لِأَنَّ الْكَلِمَاتِ ظَلَّتْ ثَابِتَةً وَالْعَالَمُ تَغَيَّرَ؟
اتَّكَأَ سَامِرُ عَلَى جِذْعِ بَلُّوطَةٍ قَرِيبَةٍ.
كَانَ يُفَكِّرُ فِي نَظَرِيَّةٍ شَاهَدَهَا ذَاتَ مَرَّةٍ فِي تَجْرِبَةٍ عِلْمِيَّةٍ أُجْرِيَتْ عَلَى الْمَذْكَرَةِ الْبَشَرِيَّةِ.
طُلِبَ مِنْ مَجْمُوعَةٍ مِنَ النَّاسِ حِفْظُ قَائِمَةِ كَلِمَاتٍ، ثُمَّ قُسِّمُوا إِلَى فَرِيقَيْنِ:
فَرِيقٌ كَتَبَ الْقَائِمَةَ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ الْحِفْظِ، وَفَرِيقٌ لَمْ يَفْعَلْ.
عِنْدَمَا اخْتُبِرُوا لَاحِقًا، تَذَكَّرَ مَنْ لَمْ يَكْتُبُوا أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ.
الْكِتَابَةُ أَعْطَتْهُمْ وَهْمَ الْحِفْظِ، فَأَجَّلُوا الْجُهْدَ الدَّاخِلِيَّ الْحَقِيقِيَّ.
أَخْبَرَ الْكَاهِنَةَ بِهَذِهِ التَّجْرِبَةِ.
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بُطْئًا، كَمَنْ يَسْمَعُ خَبَرًا يُؤَكِّدُ مَا كَانَ يَعْرِفُهُ مُنْذُ أَمَدٍ.
— أَلَا يُقْلِقُكِ — سَأَلَهَا — أَنْ تَضِيعَ تِلْكَ الْمَذْكَرَةُ إِلَى الْأَبَدِ إِنْ لَمْ تُكْتَبْ؟
مَاذَا لَوْ نَسِيَ الْجَمِيعُ؟
مَاذَا لَوْ مَاتَتِ الْكَاهِنَاتُ قَبْلَ أَنْ يَنْقُلْنَ مَا يَحْمِلْنَ؟
جَلَسَتْ فِي صَمْتٍ لِثَوَانٍ.
ثُمَّ قَالَتْ، وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى النَّارِ:
— هَذَا خَطَرٌ حَقِيقِيٌّ.
وَلَنْ أَكْذِبَ عَلَيْكَ: حَدَثَ.
أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ.
ضَاعَتْ مَعَارِفُ كَامِلَةٌ مَعَ مَوْتِ آخِرِ مَنْ يَحْمِلُهَا.
قَصَائِدُ مُقَدَّسَةٌ انْطَفَأَتْ كَمَا تَنْطَفِئُ جَمْرَةٌ تَحْتَ الْمَطَرِ.
لَنْ أَقُولَ لَكَ إِنَّ شَفَهِيَّتَنَا خَالِيَةٌ مِنَ الْخَسَارَةِ.
لَكِنِ انْظُرْ إِلَى مَا يَحْدُثُ لِلْمَعْرِفَةِ الْمَكْتُوبَةِ حِينَ تُنْسَى لُغَتُهَا.
كَمْ لُغَةٍ مَاتَتْ وَتَرَكَتْ وَرَاءَهَا نُصُوصًا لَا يَفْهَمُهَا أَحَدٌ؟
وَكَمْ حَضَارَةٍ حَفَرَتْ كِتَابَاتِهَا فِي الْحَجَرِ، وَمَاتَتِ الْأُسْرَةُ الْكَاهِنَةُ الْوَحِيدَةُ الْقَادِرَةُ عَلَى قِرَاءَتِهَا؟
الْكِتَابَةُ تَحْفَظُ الْجَسَدَ، وَالشَّفَهِيَّةُ تَحْفَظُ الرُّوحَ.
وَكِلَاهُمَا قَدْ يَهْلِكُ.
السُّؤَالُ لَيْسَ: أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟
السُّؤَالُ: أَيُّهُمَا أَكْثَرُ أَمَانًا لِمَا تُرِيدُ أَنْ يَبْقَى؟
فَكَّرَ سَامِرُ فِي صَمْتٍ، يَسْتَمِعُ إِلَى صَوْتِ النَّارِ تَتَحَرَّكُ.
كَانَ يَبْحَثُ عَنْ يَوْمٍ مَفْقُودٍ مِنْ ذَاكِرَتِهِ.
يَوْمٍ بِأَكْمَلِهِ غَائِبٍ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ.
لَا صُورَةَ، لَا صَوْتَ، لَا رَائِحَةَ.
فَرَاغٌ نَظِيفٌ فِي الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ ذِكْرَى.
— مَا تَقُولِينَهُ يَجْعَلُنِي أُفَكِّرُ فِي بَحْثِي مِنْ زَاوِيَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
أَنَا أَبْحَثُ عَنْ وَثِيقَةٍ، عَنْ دَلِيلٍ خَارِجِيٍّ، عَنْ كِتَابَةٍ تُخْبِرُنِي بِمَا حَدَثَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.
لَكِنَّكِ تُخْبِرِينِي أَنَّ هُنَاكَ ذَاكِرَةً أُخْرَى، رُبَّمَا مَحْفُوظَةً دَاخِلِي، حَتَّى لَوْ لَمْ تُكْتَبْ فِي أَيِّ مَكَانٍ.
ابْتَسَمَتِ الْكَاهِنَةُ ابْتِسَامَةً أَوْسَعَ هَذِهِ الْمَرَّةَ:
— هَذَا بِالضَّبْطِ مَا أُحَاوِلُ تَعْلِيمَكَ إِيَّاهُ.
الْوَثِيقَةُ الْمَكْتُوبَةُ، إِنْ وُجِدَتْ يَوْمًا، سَتُخْبِرُكَ بِحَقَائِقَ خَارِجِيَّةٍ:
تَارِيخٍ، مَكَانٍ، أَسْمَاءٍ.
لَكِنَّهَا لَنْ تُخْبِرَكَ أَبَدًا بِمَا شَعَرْتَ بِهِ فِعْلًا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ.
كَيْفَ نَبَضَ قَلْبُكَ.
مَا الَّذِي كُنْتَ تَخَافُهُ.
مَا الَّذِي كُنْتَ تَرْجُوهُ.
مَا الَّذِي شَمَمْتَهُ فِي الْهَوَاءِ أَوْ أَحْسَسْتَهُ تَحْتَ قَدَمَيْكَ.
هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْمَذْكَرَةِ — الْمَذْكَرَةُ الْحَيَّةُ — لَا يُمْكِنُ أَنْ يُكْتَبَ كَامِلًا.
يَجِبُ أَنْ يُسْتَحْضَرَ، يُعَاشَ مِنْ جَدِيدٍ، يُسْتَعَادَ مِنْ جَسَدٍ لَا مِنْ وَرَقٍ.
تَذَكَّرَ سَامِرُ، وَهُوَ يَسْمَعُ، تَجْرِبَةً أُخْرَى.
ثَمَّةَ رَوَائِحَ لَا يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ تَذَكُّرَهَا بِإِرَادَتِهِ، لَكِنْ حِينَ تَهُبُّ عَلَيْهِ فَجْأَةً، تُعِيدُ إِلَيْهِ مَشَاهِدَ بِأَكْمَلِهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً.
ذِكْرَى طُفُولَةٍ، وَجْهُ جَدَّةٍ، صَوْتُ مَطَرٍ.
لَا كِتَابَةَ فِي الْعَالَمِ قَادِرَةً عَلَى اسْتِدْعَاءِ مَا تَسْتَدْعِيهِ رَائِحَةُ عُشْبٍ مُبَلَّلٍ أَوْ خُبْزٍ يَخْرُجُ مِنْ تَنُّورٍ.
الْمَذْكَرَةُ الْحَيَّةُ تَسْكُنُ فِي الْجَسَدِ، لَا فِي الْحُرُوفِ.
قَالَ هَذَا لِلْكَاهِنَةِ.
أَوْمَأَتْ بِحَمَاسَةٍ خَفِيفَةٍ:
— نَعَمْ.
وَهَذَا لِمَاذَا طُقُوسُنَا تَعْتَمِدُ عَلَى الْجَسَدِ بِأَكْمَلِهِ:
الإِيقَاعُ الَّذِي يُحِسُّهُ الْقَلْبُ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَهُ الْأُذُنُ.
التَّرْتِيلُ الْمُتَكَرِّرُ الَّذِي يُخَزَّنُ فِي الْعَضَلَاتِ وَلَيْسَ فِي الْعَقْلِ فَقَطْ.
الصَّمْتُ الْعَمِيقُ الَّذِي يَفْتَحُ أَبْوَابًا لَا تَفْتَحُهَا الضَّوْضَاءُ.
أَجْدَادُنَا كَانُوا يَعْرِفُونَ مَا تَوَصَّلَ إِلَيْهِ عُلَمَاؤُكَ بَعْدَ أَلْفِ سَنَةٍ:
الْجَسَدُ يَتَذَكَّرُ مَا يَنْسَى الْعَقْلُ.
— كَيْفَ إِذًا أَسْتَعِيدُ ذَاكِرَةً لَمْ تُكْتَبْ؟
سَأَلَهَا بِصِدْقٍ تَامٍّ، بِلَا خَجَلٍ.
فَكَّرَتِ الْكَاهِنَةُ طَوِيلًا.
نَظَرَتْ إِلَى النَّارِ الَّتِي بَدَأَتْ تَخْفُتُ.
— لَا أَمْلِكُ إِجَابَةً سَهْلَةً.
لَكِنِّي أَعْرِفُ أَنَّ ثَمَّةَ طُرُقًا لِفَتْحِ مَا انْغَلَقَ:
الإِيقَاعُ الْمُتَكَرِّرُ الَّذِي يُرْبِكُ الْعَقْلَ التَّحْلِيلِيَّ.
الصَّمْتُ الطَّوِيلُ، لَا الصَّمْتُ الْفَارِغُ، بَلِ الصَّمْتُ الْمَسْكُونُ.
الِاحْرَامُ الْحِسِّيُّ الْمُؤَقَّتُ — الْعَتْمَةُ وَالصَّمْتُ وَتَوَقُّفُ الْجَسَدِ.
وَالِاسْتِمَاعُ إِلَى الْجَسَدِ بَدَلًا مِنْ سُؤَالِ الذِّهْنِ.
تَذَكَّرَ سَامِرُ إِمْحُوتِبَ فِي قَاعَةٍ سَابِقَةٍ:
«الْجَسَدُ أَذْكَى مِمَّا تَظُنُّ. دَعْهُ يُخْبِرْكَ.»
كَأَنَّ الْحِكْمَةَ نَفْسَهَا تَعْبُرُ الْزَّمَانَ وَالْمَكَانَ.
أَخْبَرَ الْكَاهِنَةَ.
— رُبَّمَا — قَالَتْ — كُلُّ الْحُكَمَاءِ الَّذِينَ لَقِيتَهُمْ يُحَاوِلُونَ أَنْ يُخْبِرُوكَ الْحَقِيقَةَ ذَاتَهَا.
أَنَّ مَا تَبْحَثُ عَنْهُ لَيْسَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ.
الْمَذْكَرَةُ الْحَقِيقِيَّةُ أَوْسَعُ وَأَعْمَقُ مِنْ أَيِّ وَثِيقَةٍ مَكْتُوبَةٍ.
هِيَ تَعِيشُ فِي جَسَدِكَ وَأَحْلَامِكَ وَصَمْتِكَ.
وَأَحْيَانًا فِي الْفَجْوَةِ نَفْسِهَا الَّتِي تَخَافُ مِنْهَا.
تَوَقَّفَتْ، ثُمَّ أَضَافَتْ بِصَوْتٍ أَخْفَتَ وَأَحْنَى:
— الْفَجْوَةُ فِي ذَاكِرَتِكَ، يَا سَامِرُ، لَيْسَتْ غِيَابًا فَقَطْ.
قَدْ تَكُونُ هِيَ الشَّيْءَ نَفْسَهُ الَّذِي تَبْحَثُ عَنْهُ.
الْفَرَاغُ الَّذِي يُشَكِّلُ الْإِنَاءَ هُوَ مَا يَجْعَلُهُ إِنَاءً.
لَوْلَا الْفَرَاغُ لَمَا كَانَ ثَمَّةَ مَكَانٌ يُحْمَلُ فِيهِ الْمَاءُ.
أَدْرَكَ سَامِرُ، وَهُوَ وَاقِفٌ فِي تِلْكَ الْغَابَةِ، أَنَّ شَيْئًا مَا بَدَأَ يَتَرَكَّبُ بُطْئًا فِي دَاخِلِهِ.
لَيْسَ فَهْمًا بِالْمَعْنَى الْفِكْرِيِّ.
بَلْ شَيْءٌ أَشْبَهُ بِالتَّمَاسُكِ.
كَأَنَّ كُلَّ قَاعَةٍ زَارَهَا كَانَتْ تُقَدِّمُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ أُحْجِيَّةٍ.
لَيْسَ لِيَرْسُمَهَا عَلَى وَرَقٍ.
بَلْ لِيَحْمِلَهَا فِي نَفْسِهِ حَتَّى تَجِدَ طَرِيقَهَا إِلَى الْمَكَانِ الصَّحِيحِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهَا.
— شُكْرًا لَكِ.
قَالَهَا بِهُدُوءٍ، وَكَانَتْ حَقِيقِيَّةً تَمَامًا.
ابْتَسَمَتِ الْكَاهِنَةُ ابْتِسَامَتَهَا الْأَخِيرَةَ.
عَادَتْ إِلَى نَارِهَا الْخَافِتَةِ.
وَبَدَأَتِ التَّرْتِيلَ مِنْ جَدِيدٍ.
كَانَتِ الْغَابَةُ تَتَلَاشَى بِبُطْءٍ.
الْأَشْجَارُ تَتَرَاجَعُ كَأَنَّهَا تَنْسَحِبُ بِتَأَدُّبٍ.
الضَّبَابُ يَرِقُّ حَتَّى يَصِيرَ ذِكْرَى ضَبَابٍ.
وَالصَّوْتُ يَبْقَى أَطْوَلَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.
ثُمَّ يَذُوبُ فِي الصَّمْتِ.
عَادَ سَامِرُ إِلَى الرِّوَاقِ.
وَكَانَ الْعَجُوزُ يَنْتَظِرُ.
فِي يَدِهِ اللَّوْحُ الطِّينِيُّ الْفَارِغُ.
يُقَلِّبُهُ بَيْنَ كَفَّيْهِ بِبُطْءٍ.
— انْتَهَى الْمَحْوَرُ الثَّانِي.
صَمْتٌ.
— ثَمَانِيَةٌ وَسِتُّونَ فَصْلًا تَنْتَظِرُكَ بَعْدُ.
لَكِنْ لَا عَجَلَةَ.
كُلُّ صَوْتٍ سَمِعْتَهُ يُضِيفُ طَبَقَةً لِمَا سَتَفْهَمُهُ.
لَيْسَتْ طَبَقَةَ مَعْلُومَاتٍ.
بَلْ طَبَقَةَ فَهْمٍ.
وَهَذَانِ شَيْئَانِ مُخْتَلِفَانِ اخْتِلَافًا جَذْرِيًّا.
نَظَرَ سَامِرُ إِلَى اللَّوْحِ فِي يَدِ الْعَجُوزِ:
— مَا زِلْتُ لَمْ أَكْتُبْ عَلَيْهِ شَيْئًا.
رَفَعَ الْعَجُوزُ عَيْنَيْهِ.
وَفِيهِمَا ذَلِكَ الْبَرِيقُ الْغَامِضُ:
— سَتَفْعَلُ.
حِينَ يَحِينُ الْوَقْتُ.
أَعَادَ اللَّوْحَ إِلَى يَدِ سَامِرٍ بِهُدُوءٍ.
— الْمَحْوَرُ الثَّالِثُ يَنْتَظِرُكَ الآنَ:
أَدْيَانٌ وَفَلْسَفَاتٌ كُبْرَى.
أَصْوَاتٌ حَمَلَتْ أَسْئِلَةَ الإِيمَانِ وَالشَّكِّ عَبْرَ قُرُونٍ طَوِيلَةٍ.
فِي كُلِّ بُقْعَةٍ مِنَ الْأَرْضِ.
هَلْ أَنْتَ مُسْتَعِدٌّ؟
حَمَلَ سَامِرُ اللَّوْحَ الْفَارِغَ.
أَحَسَّ بِثِقَلِهِ.
ثِقَلًا أَكْبَرَ مِمَّا يَنْبَغِي لِطِينَةٍ فَارِغَةٍ.
وَاحْتَمَالًا أَنَّ الْفَرَاغَ نَفْسَهُ كَانَ يَزِنُ شَيْئًا.
— نَعَمْ.
لِنُكْمِلْ.
أَوْمَأَ، وَخَطَا نَحْوَ الرِّوَاقِ التَّالِي.
وَفِي يَدِهِ لَوْحٌ فَارِغٌ.
وَفِي صَدْرِهِ شَيْءٌ بَدَأَ تَوًّا بِالاكْتِمَالِ.
