مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَةِ
الفَصْلُ الثَّالِثُ وَالعِشْرُونَ: الحَاخَامُ الأَكْبَرُ — «هَلْ يُمْكِنُ الإِيمَانُ بِإِلَهٍ يَسْمَحُ بِالنِّسْيَانِ الجَمَاعِيِّ؟»
الحَاخَامُ الأَكْبَرُ | ذَكَرٌ، اثْنَانِ وَسَبْعُونَ سَنَةً | وَارْسُو، خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ وَتِسْعُمِئَةٍ وَأَلْفٌ مِيلَادِيَّةٌ
________________________________________
لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مَعَابِدُ هُنَا.
لَا أَعْمِدَةَ رُخَامِيَّةٌ، وَلَا بَرْدِيٌّ مَكْتُوبٌ، وَلَا رُفُوفُ كُتُبٍ. لَا عَظَمَةٌ مِعْمَارِيَّةٌ تُؤَطِّرُ مَا سَيُقَالُ، وَلَا إِضَاءَةٌ دِرَامِيَّةٌ تُشِيرُ إِلَى أَنَّكَ عَلَى مَوْعِدٍ مَعَ شَيْءٍ اسْتِثْنَائِيٍّ.
كَانَتْ غُرْفَةً. فَقَطْ غُرْفَةً. صَغِيرَةً، شِبْهَ فَارِغَةٍ، جُدْرَانُهَا رَمَادِيَّةٌ دَاكِنَةٌ، كَلَوْنِ الأَشْيَاءِ الَّتِي لَا أَحَدَ يُرِيدُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا. أَرْضُهَا حَجَرٌ مُتَآكِلٌ. وَنَافِذَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الجِدَارِ المُقَابِلِ لِلْبَابِ، مُسْتَطِيلَةٌ وَضَيِّقَةٌ، كَنَافِذَةِ الزِّنْزَانَةِ، تُطِلُّ عَلَى سَمَاءٍ غَائِمَةٍ، وَمَدِينَةٍ تَحْتَ تِلْكَ السَّمَاءِ لَا تَزَالُ تَنْزِفُ.
مِنَ النَّافِذَةِ كَانَ يُرَى الدَّمَارُ. لَيْسَ دَمَارَ القُرُونِ الَّذِي يَتَحَوَّلُ مَعَ الزَّمَنِ إِلَى أَطْلَالٍ جَمِيلَةٍ يُصَوِّرُهَا السُّيَّاحُ. كَانَ دَمَارًا حَدِيثًا، حَارَّ الجُرْحِ؛ مَبَانٍ انْهَارَتْ، وَلَمْ تَتَعَلَّمْ بَعْدُ كَيْفَ تَبْدُو جَمِيلَةً فِي سُقُوطِهَا. وَدُخَانٌ يَتَصَاعَدُ مِنْ بَعِيدٍ، خَيْطٌ رَفِيعٌ رَمَادِيٌّ يَرْتَفِعُ نَحْوَ السَّمَاءِ بِشَكْلٍ مُسْتَقِيمٍ، كَأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ إِلَى أَيْنَ يَذْهَبُ.
جَلَسَ فِي وَسَطِ الغُرْفَةِ، عَلَى كُرْسِيٍّ خَشَبِيٍّ بَسِيطٍ، رَجُلٌ مُسِنٌّ.
اثْنَانِ وَسَبْعُونَ سَنَةً، رُبَّمَا، لَكِنَّهُ كَانَ يَبْدُو، فِي آنٍ وَاحِدٍ، أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ وَأَصْغَرَ. أَكْبَرَ؛ لِأَنَّ مَا فِي عَيْنَيْهِ مِنْ ثِقْلٍ لَا تُرَاكِمُهُ السِّنُونَ وَحْدَهَا، بَلْ تُرَاكِمُهُ الخَسَائِرُ. وَأَصْغَرَ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا بَقِيَ مِنْهُ بَدَا حَدِيثًا مَكْشُوفًا، كَشَيْءٍ لَمْ يَبْنِ حَوْلَهُ أَيَّ جِدَارٍ مِنَ الجُدْرَانِ الَّتِي يَبْنِيهَا النَّاسُ حَوْلَ أَنْفُسِهِمْ حِينَ تُصْبِحُ حَيَاتُهُمْ قَابِلَةً لِلتَّحَمُّلِ.
مَلَابِسُهُ بَالِيَةٌ، لَكِنَّهَا نَظِيفَةٌ. شَعْرُ لِحْيَتِهِ أَبْيَضُ، طَوِيلٌ، غَيْرُ مُعْتَنًى بِهِ، بِشَكْلٍ مَقْصُودٍ أَوْ غَيْرِ مُلَاحَظٍ. يَدَاهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، سَاكِنَتَانِ، سُكُونَ مَنْ لَا يَعُودُ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُمْسِكَ أَيَّ شَيْءٍ. وَعَيْنَاهُ كَانَتَا مَفْتُوحَتَيْنِ عَلَى مِصْرَاعَيْهِمَا، بِطَرِيقَةٍ لَا تَعْنِي اليَقَظَةَ بِقَدْرِ مَا تَعْنِي أَنَّ الإِغْمَاضَ أَيْضًا أَصْبَحَ بِلَا فَائِدَةٍ.
—ادْخُلْ، أَيُّهَا الغَرِيبُ. إِنْ كُنْتَ تُطِيقُ رُؤْيَةَ مَا تَبَقَّى مِنِّي.
لَمْ تَكُنِ الجُمْلَةُ تَرْحِيبًا بِهِ، بِالمَعْنَى المُعْتَادِ. لَمْ تَكُنْ مُجَامَلَةً مُفْتَعَلَةً، وَلَا فُتُورًا مَقْصُودًا. كَانَتْ شَيْئًا ثَالِثًا: صَرَاحَةً تَامَّةً عَنِ الحَالِ، مُقَدَّمَةً لِمَنْ يَدْخُلُ، كَمَعْلُومَةٍ يَجِبُ أَنْ يَعْرِفَهَا.
اقْتَرَبَ سَامِرٌ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ. شَيْءٌ مَا فِي هَذِهِ القَاعَةِ كَانَ يُبَطِّئُ الخُطُوَاتِ. لَيْسَ خَوْفًا، وَلَا إِحْجَامًا. كَانَ شَيْئًا أَشْبَهَ بِالِاحْتِرَامِ التِّلْقَائِيِّ الَّذِي يَجْعَلُكَ تَمْشِي بِهُدُوءٍ أَكْبَرَ فِي أَمَاكِنَ بِعَيْنِهَا، دُونَ أَنْ يَطْلُبَ مِنْكَ أَحَدٌ ذَلِكَ.
—أَنَا سَامِرٌ.
—أَنَا حَاخَامٌ، أَوْ كُنْتُ كَذَلِكَ، قَبْلَ أَنْ تُمْحَى جَمَاعَتِي تَقْرِيبًا. اسْمِي لَا يَهُمُّ الآنَ. مَا يَهُمُّ هُوَ مَا رَأَيْتُهُ، وَمَا لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْسَاهُ، رَغْمَ أَنَّنِي أَتَمَنَّى، أَحْيَانًا، فِي اللَّحَظَاتِ الأَشَدِّ إِظْلَامًا، أَنْ أَسْتَطِيعَ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِصُعُوبَةٍ حَقِيقِيَّةٍ فِي إِيجَادِ الكَلِمَاتِ. لَيْسَ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا، بَلْ لِأَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ تَبْدُو صَغِيرَةً جِدًّا حِينَ يَكُونُ مَا يَجِبُ أَنْ تَصِفَهُ كَبِيرًا بِهَذَا الحَجْمِ. كُلُّ الكَلِمَاتِ الَّتِي يَعْرِفُهَا بَدَتْ، فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، وَكَأَنَّهَا مَصْنُوعَةٌ لِأَشْيَاءَ أَصْغَرَ.
—أَعْرِفُ، جُزْئِيًّا، مَا حَدَثَ. فِي زَمَانِي، يُدَرَّسُ هَذَا كَأَحَدِ أَعْظَمِ فَظَائِعِ التَّارِيخِ البَشَرِيِّ.
أَوْمَأَ الحَاخَامُ بِرَأْسِهِ اعْتِرَافًا صَادِقًا بِصِحَّةِ مَا قِيلَ:
—نَعَمْ. وَهَذَا، فِي رَأْيِي، أَصْعَبُ سُؤَالٍ لَا يَزَالُ بِلَا جَوَابٍ يَقِينِيٍّ. لَوْ قُلْتُ لَكَ إِنَّنِي أَعْرِفُ لِمَاذَا لَمْ يَتَدَخَّلِ اللهُ، لَكُنْتُ أَكْذِبُ عَلَيْكَ. وَبَعْدَ مَا رَأَيْتُهُ، أَصْبَحَ الكَذِبُ، وَلَوْ بِحُسْنِ نِيَّةٍ، نَوْعًا مِنَ الخِيَانَةِ لِلْمَوْتَى.
تَوَقَّفَ لَحْظَةً، وَكَأَنَّهُ يَنْتَقِي كُلَّ كَلِمَةٍ بِحَذَرٍ يُشْبِهُ وَضْعَ حَجَرٍ فِي مَكَانِهِ عَلَى قَبْرٍ:
—لَكِنَّنِي تَعَلَّمْتُ شَيْئًا وَاحِدًا: لَيْسَ كُلُّ سُؤَالٍ لَا أَمْلِكُ جَوَابَهُ يُجْبِرُنِي عَلَى التَّخَلِّي عَنْ كُلِّ مَا أُؤْمِنُ بِهِ. لَوْ فَعَلْتُ ذَلِكَ، لَمَا بَقِيَ لِي شَيْءٌ عَلَى الإِطْلَاقِ. أَنَا لَا أُؤْمِنُ؛ لِأَنَّنِي حَلَلْتُ جَمِيعَ الأَلْغَازِ. أُؤْمِنُ، رَغْمَ أَنَّ بَعْضَهَا بَقِيَ أَلْغَازًا.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَيْهِ بِاهْتِمَامٍ عَمِيقٍ:
—أَلَا يُتْعِبُكَ ذَلِكَ؟ أَنْ تَعِيشَ مَعَ سُؤَالٍ لَا يَجِدُ إِجَابَةً؟
ابْتَسَمَ الحَاخَامُ ابْتِسَامَةً بَاهِتَةً، لَا فِيهَا فَرَحٌ وَلَا يَأْسٌ، بَلْ قَبُولٌ هَادِئٌ:
—بَلَى، يُتْعِبُنِي. لَكِنَّ الحَيَاةَ، يَا سَامِرُ، لَيْسَتْ مَسَابَقَةً لِجَمْعِ الأَجْوِبَةِ. أَحْيَانًا تَكُونُ فَنًّا فِي حَمْلِ الأَسْئِلَةِ دُونَ أَنْ تَسْمَحَ لَهَا أَنْ تُفْسِدَ كُلَّ مَا تَبَقَّى مِنْكَ.
ثُمَّ أَشَارَ إِلَى النَّافِذَةِ:
—أُنْظُرْ إِلَى الخَارِجِ.
تَقَدَّمَ سَامِرٌ خُطْوَةً، وَنَظَرَ.
كَانَ الدَّمَارُ لَا يَزَالُ هُنَاكَ. الحِجَارَةُ المُنْهَارَةُ، وَالنَّوَافِذُ الفَارِغَةُ، وَالشَّوَارِعُ الَّتِي بَدَتْ وَكَأَنَّهَا فَقَدَتْ ذَاكِرَتَهَا هِيَ الأُخْرَى.
قَالَ الحَاخَامُ بِهُدُوءٍ:
—هُنَا كَانَ يَبْيْتُ خَبَّازٌ كَانَ يَضْحَكُ بِصَوْتٍ عَالٍ. وَهُنَاكَ كَانَتْ تَعِيشُ مُعَلِّمَةٌ كَانَتْ تُحِبُّ الشِّعْرَ. وَفِي ذَلِكَ البَيْتِ كَانَ طِفْلٌ لَا يَكُفُّ عَنْ طَرْحِ الأَسْئِلَةِ. اليَوْمَ لَا يَعْرِفُهُمْ أَحَدٌ. وَلَوْ لَمْ يَبْقَ مَنْ يَذْكُرُهُمْ، لَكَانُوا قَدْ مَاتُوا مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِالقَتْلِ، وَمَرَّةً بِالنِّسْيَانِ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِانْقِبَاضٍ فِي صَدْرِهِ:
—إِذًا… الذَّاكِرَةُ، بِالنِّسْبَةِ لَكَ، وَاجِبٌ أَخْلَاقِيٌّ؟
أَدَارَ الحَاخَامُ وَجْهَهُ إِلَيْهِ بِبُطْءٍ:
—نَعَمْ. الذَّاكِرَةُ لَيْسَتْ رَفَاهِيَّةً، وَلَا هِوَايَةً لِلْمُؤَرِّخِينَ. الذَّاكِرَةُ عَهْدٌ. حِينَ نَذْكُرُ المَوْتَى، نُعِيدُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا مِمَّا أَرَادَ القَاتِلُ أَنْ يَسْلُبَهُ مِنْهُمْ: أَنْ يَكُونُوا قَدْ وُجِدُوا أَصْلًا.
سَكَتَ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَ:
—وَلِهَذَا، أَخَافُ النِّسْيَانَ أَكْثَرَ مِمَّا أَخَافُ المَوْتَ. المَوْتُ يُنْهِي الحَيَاةَ. أَمَّا النِّسْيَانُ فَقَدْ يُنْهِي مَعْنَاهَا.
وَقَعَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ فِي صَدْرِ سَامِرٍ بِثِقْلٍ غَرِيبٍ.
لِأَنَّهَا أَعَادَتْهُ، دُونَ إِنْذَارٍ، إِلَى سُؤَالِهِ الأَوَّلِ، سُؤَالِ اليَوْمِ المَفْقُودِ.
إِنْ كَانَ النِّسْيَانُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَوْتًا ثَانِيًا… فَمَاذَا يَعْنِي أَنْ يَكُونَ فِي حَيَاتِهِ يَوْمٌ مَاتَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، وَلَا يَسْتَطِيعُ إِعَادَتَهُ إِلَى الحَيَاةِ؟
—نَعَمْ. هَذَا السُّؤَالُ لَا يَزَالُ يُؤَرِّقُنِي فِي اللَّيَالِي الصَّعْبَةِ. لَا أَمْلِكُ لَهُ إِجَابَةً كَامِلَةً، وَلَنْ أَدَّعِيَ أَنِّي أَمْلِكُهَا. لَكِنَّنِي أَمْلِكُ مُلَاحَظَةً وَاحِدَةً، رُبَّمَا تَكُونُ أَقْرَبَ مَا أَسْتَطِيعُ الوُصُولَ إِلَيْهِ.
قَامَ مِنْ كُرْسِيِّهِ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، كَأَنَّ القِيَامَ يَتَطَلَّبُ قَرَارًا، وَمَشَى نَحْوَ النَّافِذَةِ، وَوَقَفَ أَمَامَهَا يَنْظُرُ إِلَى الخَارِجِ.
—رَأَيْتُ، وَسْطَ كُلِّ ذَلِكَ الظَّلَامِ الَّذِي لَا يُوصَفُ، لَحَظَاتٍ مِنَ الخَيْرِ الإِنْسَانِيِّ العَمِيقِ. رَجُلًا فِي مُعَسْكَرِ الِاحْتِجَازِ قَاسَمَ جَارَهُ، الَّذِي لَا يَعْرِفُهُ، رَغِيفَ خُبْزِهِ الأَخِيرَ، رَغْمَ أَنَّ الجُوعَ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُبَرِّرَ لَهُ عَدَمَ الإِعْطَاءِ. أُمًّا لَا تَعْرِفُ طِفْلًا غَرِيبًا حَمَتْهُ بِجَسَدِهَا. أَشْخَاصًا مِنْ خَارِجِ جَمَاعَتِي خَاطَرُوا بِحَيَاتِهِمْ وَحَيَاةِ أُسَرِهِمْ؛ لِإِخْفَاءِ عَائِلَاتٍ لَا تَرْبِطُهُمْ بِهَا سِوَى الإِنْسَانِيَّةِ المُشْتَرَكَةِ.
الْتَفَتَ نَحْوَ سَامِرٍ:
—رُبَّمَا الإِلَهُ لَمْ يَكُنْ غَائِبًا تَمَامًا. رُبَّمَا كَانَ حَاضِرًا فِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ الصَّغِيرَةِ مِنَ الخَيْرِ، وَسْطَ الفَظَاعَةِ الكُبْرَى. لَيْسَ فِي إِيقَافِ الفَظَاعَةِ نَفْسِهَا؛ ذَاكَ لَمْ يَحْدُثْ، وَأَنَا لَنْ أَتَظَاهَرَ بِأَنَّهُ حَدَثَ. لَكِنْ فِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ الَّتِي يَخْتَارُ فِيهَا إِنْسَانٌ أَنْ يَبْقَى إِنْسَانًا، رَغْمَ كُلِّ الضَّغْطِ الهَائِلِ الَّذِي يَدْفَعُهُ نَحْوَ العَكْسِ.
—هَذَا يَبْدُو عَزَاءً صَعْبَ الوُصُولِ إِلَيْهِ.
—هُوَ كَذَلِكَ، فِعْلًا. لَمْ أَصِلْ إِلَيْهِ فِي أُسْبُوعٍ أَوْ شَهْرٍ. وَصَلْتُ إِلَيْهِ بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ الصِّرَاعِ الدَّاخِلِيِّ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ شُهُودٌ. وَأَنَا لَا أُقَدِّمُهُ كَإِجَابَةٍ كَامِلَةٍ، أُقَدِّمُهُ كَالمَكَانِ الَّذِي وَجَدْتُ فِيهِ مَا يَكْفِينِي لِلِاسْتِمْرَارِ. بَعْضُ النَّاجِينَ وَصَلُوا إِلَى مَكَانٍ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا. فَقَدُوا إِيمَانَهُمْ كُلِّيًّا، وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَلُومَهُمْ، أَنَا الَّذِي رَأَيْتُ مَا رَأَيْتُهُ. كُلٌّ مِنَّا يَجِدُ طَرِيقَهُ فِي الظَّلَامِ، أَوْ لَا يَجِدُهُ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ الحَقُّ فِي أَنْ يُحَدِّدَ لِلْآخَرِ أَيْنَ يَجِبُ أَنْ يَقِفَ.
عَادَ إِلَى كُرْسِيِّهِ بِالنَّفْسِ البُطْءِ الَّذِي قَامَ بِهِ. كَأَنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ بَيْنَ مَكَانٍ وَمَكَانٍ تَسْتَلْزِمُ طَاقَةً لَا تَزِيدُ عَلَى الضَّرُورَةِ.
—أَنَا اخْتَرْتُ طَرِيقًا مُخْتَلِفًا، لَيْسَ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ، بَلْ لِأَنَّنِي وَجَدْتُ فِيهِ نَوْعًا مِنَ المَعْنَى يُسَاعِدُنِي عَلَى الِاسْتِمْرَارِ. وَالِاسْتِمْرَارُ، يَا سَامِرُ، صَارَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ فِعْلًا لَهُ مَعْنًى. أَنْ تَسْتَمِرَّ، رَغْمَ كُلِّ مَا يَدْعُوكَ إِلَى التَّوَقُّفِ، هُوَ نَوْعٌ مِنَ الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَرَادَ لَكَ أَلَّا تَسْتَمِرَّ.
—كَيْفَ يَتَعَلَّقُ هَذَا بِفِكْرَةِ النِّسْيَانِ الجَمَاعِيِّ؟ سُؤَالُكَ الأَصْلِيُّ كَانَ عَنِ النِّسْيَانِ، لَا فَقَطْ عَنِ المُعَانَاةِ.
نَظَرَ الحَاخَامُ إِلَيْهِ بِجِدِّيَّةٍ عَمِيقَةٍ، تَخْتَلِفُ عَنِ الجِدِّيَّةِ الَّتِي كَانَتْ فِي وَجْهِهِ حَتَّى هَذِهِ اللَّحْظَةِ. كَانَتْ جِدِّيَّةً أَكْثَرَ حِدَّةً، كَأَنَّ هَذَا هُوَ الجَوْهَرُ الحَقِيقِيُّ لِكُلِّ مَا قَالَهُ:
—هَذَا هُوَ خَوْفِي الأَعْمَقُ، يَا سَامِرُ. أَعْمَقُ حَتَّى مِنَ الأَلَمِ نَفْسِهِ، وَهَذَا قَوْلٌ ثَقِيلٌ جِدًّا لِمَنْ عَاشَ مَا عِشْتُهُ. لَكِنَّهُ صَحِيحٌ. أَخَافُ أَنْ يُنْسَى مَنْ فَقَدْتُهُمْ. أَخَافُ أَنْ تَمُرَّ عُقُودٌ، ثُمَّ قُرُونٌ، وَيُصْبِحَ مَا حَدَثَ مُجَرَّدَ رَقْمٍ فِي كِتَابِ تَارِيخٍ: سِتَّةُ مَلَايِينِ. رَقْمٌ ضَخْمٌ، مُرْعِبٌ، لَكِنَّهُ رَقْمٌ. بِلَا وُجُوهٍ، بِلَا أَسْمَاءٍ، بِلَا قِصَصٍ حَقِيقِيَّةٍ يَعْرِفُهَا أَحَدٌ.
قَالَ مَا يَلِي بِنَبْرَةِ مَنْ يُعْلِنُ حُكْمًا:
—الرَّقْمُ يَصِفُهَا كَارِثَةً. لَكِنَّ الأَسْمَاءَ تَجْعَلُهَا جَرِيمَةً. وَالفَرْقُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ لَيْسَ فَرْقًا فِي الحَجْمِ. هُوَ فَرْقٌ فِي المَسْؤُولِيَّةِ. حِينَ تُحْفَظُ الأَسْمَاءُ وَالقِصَصُ، يُصْبِحُ مَا حَدَثَ فِعْلًا بَشَرِيًّا مُوَجَّهًا ضِدَّ بَشَرٍ، لَا حَادِثَةً كَوْنِيَّةً حَدَثَتْ بِلَا فَاعِلٍ. هَذَا، بِالنِّسْبَةِ لِي، نَوْعٌ آخَرُ مِنَ القَتْلِ: قَتْلُ الذَّاكِرَةِ بَعْدَ قَتْلِ الجَسَدِ. وَالقَتْلُ الثَّانِي أَسْهَلُ عَلَى الجَانِي مِنَ الأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ يَحْدُثُ بِبُطْءٍ، وَدُونَ إِعْلَانٍ.
—وَمَاذَا تَفْعَلُ لِمُحَارَبَةِ هَذَا؟
—أَرْوِي. كُلَّ يَوْمٍ أَسْتَطِيعُ فِيهِ أَنْ أَرْوِي، أَرْوِي. أَكْتُبُ كُلَّ اسْمٍ أَتَذَكَّرُهُ. كُلَّ قِصَّةٍ. كُلَّ تَفْصِيلٍ صَغِيرٍ عَمَّنْ فَقَدْتُهُمْ. كَيْفَ كَانَتِ ابْنَتِي، مِيرْيَامُ، تَضْحَكُ بِصَوْتٍ عَالٍ جِدًّا، ثُمَّ تُغَطِّي فَمَهَا بِيَدِهَا خَجَلًا، كَأَنَّهَا فُوجِئَتْ بِصَوْتِهَا. أَيَّ أُغْنِيَةٍ كَانَ ابْنِي الأَكْبَرُ، دَافِيدُ، يُرَدِّدُهَا حَتَّى فِي النَّوْمِ. كَيْفَ كَانَتْ زَوْجَتِي تُحَضِّرُ الخُبْزَ كُلَّ صَبَاحِ جُمُعَةٍ، بِالنَّفْسِ التَّرْتِيبِ الَّذِي لَا تُغَيِّرُهُ، وَكَيْفَ كَانَتْ رَائِحَةُ الخُبْزِ تُعَرِّفُنِي بِيَوْمِنَا قَبْلَ أَنْ أَفْتَحَ عَيْنَيَّ.
نَظَرَ إِلَى سَامِرٍ مُبَاشَرَةً:
—هَذِهِ التَّفَاصِيلُ الصَّغِيرَةُ، يَا سَامِرُ، هِيَ مَا يَجْعَلُهُمْ بَشَرًا حَقِيقِيِّينَ فِي ذَاكِرَةِ مَنْ يَأْتِي بَعْدِي. هِيَ مَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ أَنْ يَصِيرُوا رَقْمًا فِي إِحْصَائِيَّةٍ، حَتَّى لَوْ كَانَتِ الإِحْصَائِيَّةُ صَحِيحَةً. الرَّقْمُ الصَّحِيحُ وَالِاسْمُ الحَيُّ لَا يَتَنَاقَضَانِ، لَكِنَّ الرَّقْمَ وَحْدَهُ، بِلَا أَسْمَاءٍ، هُوَ بِدَايَةُ النِّسْيَانِ.
بالتأكيد. إليك النص مُشكَّلًا تشكيلًا كاملًا، مع ضبط علامات الترقيم، والبدء بسطرٍ جديد بعد كلِّ نقطة:
شَعَرَ سَامِرٌ بِشَيْءٍ يَتَشَكَّلُ فِي دَاخِلِهِ، فَهْمٍ مِنْ نَوْعٍ جَدِيدٍ، مُخْتَلِفٍ عَنْ كُلِّ مَا جَاءَهُ مِنَ الفَهْمِ فِي القَاعَاتِ السَّابِقَةِ.
لَكِنَّهُ شَعَرَ، فِي الوَقْتِ ذَاتِهِ، بِشَيْءٍ آخَرَ، شَيْءٍ ضَيِّقٍ فِي الصَّدْرِ، شَيْءٍ يُشْبِهُ الخَجَلَ:
— مُشْكِلَتِي تَبْدُو ضَئِيلَةً جِدًّا أَمَامَ مَا تَحْمِلُهُ أَنْتَ. يَوْمٌ وَاحِدٌ مَفْقُودٌ مِنْ حَيَاتِي، مُقَابِلَ مَا خَسِرْتَهُ أَنْتَ…
قَاطَعَهُ الحَاخَامُ بِحَزْمٍ مُفَاجِئٍ، حَزْمِ مَنْ لَا يَحْتَمِلُ هَذَا النَّوْعَ بِالذَّاتِ مِنَ الكَلَامِ:
— لَا تَقُلْ هَذَا أَبَدًا.
لَمْ يَكُنِ الحَزْمُ غَاضِبًا.
كَانَ حَازِمًا بِطَرِيقَةِ مَنْ يُصَحِّحُ خَطَأً؛ لِأَنَّهُ يُرِيدُ لِلْآخَرِ الخَيْرَ، لَا لِأَنَّهُ أُزْعِجَ:
— الأَلَمُ لَيْسَ مُسَابَقَةً، يَا سَامِرُ. لَوْ قَارَنَّا كُلَّ أَلَمٍ بِأَلَمٍ أَكْبَرَ مِنْهُ، لَنْ يَبْقَى أَحَدٌ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُؤْخَذَ أَلَمُهُ عَلَى مَحْمَلِ الجِدِّ. الطِّفْلُ الَّذِي يَبْكِي؛ لِأَنَّهُ فَقَدَ لُعْبَتَهُ، لَيْسَ مُدَّعِيًا؛ لِأَنَّ ثَمَّةَ مَنْ يَبْكِي عَلَى فُقْدَانِ أَهْلِهِ. كُلٌّ مِنَّا يَعِيشُ مِنْ دَاخِلِ أَلَمِهِ، لَا مِنْ فَوْقِهِ. وَمِنْ دَاخِلِهِ هُوَ الأَلَمُ الَّذِي يَمْلَأُ كُلَّ الحَجْمِ المُتَاحِ لِلإِحْسَاسِ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ حَجْمِهِ المَوْضُوعِيِّ، مُقَارَنَةً بِأَلَمٍ آخَرَ.
ثُمَّ أَضَافَ بِنَبْرَةٍ أَهْدَأَ:
— خُذْ أَلَمَكَ عَلَى مَحْمَلِ الجِدِّ. وَاسْمَحْ لِي أَنْ آخُذَ أَلَمِي عَلَى مَحْمَلِ الجِدِّ أَيْضًا، دُونَ أَنْ نَحْتَاجَ إِلَى مُقَارَنَةٍ تَجْعَلُ وَاحِدًا مِنَّا يَشْعُرُ بِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَنِ الشُّعُورِ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ لِهَذِهِ الكَلِمَاتِ.
امْتِنَانٌ لَا يُشْبِهُ امْتِنَانَ المُجَامَلَةِ.
امْتِنَانُ مَنْ يُعْطَى شَيْئًا حَقِيقِيًّا فِي لَحْظَةٍ يَحْتَاجُهُ:
— شُكْرًا لَكَ. عَلَى هَذَا الدَّرْسِ، وَعَلَى صَرَاحَتِكَ المُؤْلِمَةِ.
أَوْمَأَ الحَاخَامُ بِرَأْسِهِ بِبُطْءٍ، إِيمَاءَةً قَصِيرَةً.
نَظْرَةُ عَيْنَيْهِ عَادَتْ إِلَى بُعْدِهَا الَّذِي بَدَأَ بِهِ، تِلْكَ النَّظْرَةُ الَّتِي تَنْظُرُ، لَكِنَّهَا تَنْظُرُ أَيْضًا إِلَى مَكَانٍ آخَرَ فِي آنٍ وَاحِدٍ:
— اذْهَبِ الآنَ. وَاحْمِلْ مَعَكَ شَيْئًا وَاحِدًا مِنْ كُلِّ مَا قُلْنَاهُ: مَهْمَا كَانَتْ ذَاكِرَتُكَ مَفْقُودَةً، أَوْ نَاقِصَةً، أَوْ مُرْبِكَةً، فَحَاوِلْ أَنْ تَتَذَكَّرَ، وَأَنْ تَرْوِيَ كُلَّ مَا تَسْتَطِيعُ تَذَكُّرَهُ وَرِوَايَتَهُ، عَنْ نَفْسِكَ، وَعَمَّنْ تُحِبُّهُمْ، وَعَنْ كُلِّ مَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُذْكَرَ. هَذَا، فِي النِّهَايَةِ، أَعْظَمُ مَا نَمْلِكُهُ ضِدَّ النِّسْيَانِ، أَيًّا كَانَ نَوْعُهُ، أَوْ حَجْمُهُ، أَوْ سَبَبُهُ. الرِّوَايَةُ. أَنْ تَسْتَمِرَّ فِي الرِّوَايَةِ.
ثُمَّ أَضَافَ شَيْئًا أَخِيرًا، بِصَوْتٍ أَخْفَضَ، كَأَنَّهُ قَالَهُ لِنَفْسِهِ أَكْثَرَ مِمَّا قَالَهُ لِسَامِرٍ:
— لَوْ تَوَقَّفْنَا عَنِ الرِّوَايَةِ، انْتَصَرَ النِّسْيَانُ. وَالنِّسْيَانُ، حِينَ يَفُوزُ، لَا يُسَمَّى نِسْيَانًا. يُسَمَّى نِهَايَةً.
بَدَأَتِ الغُرْفَةُ الرَّمَادِيَّةُ تَتَلَاشَى بِبُطْءٍ.
لَكِنْ بِبُطْءٍ مُخْتَلِفٍ عَنِ التَّلَاشِي فِي القَاعَاتِ الأُخْرَى.
هُنَاكَ كَانَتِ الأَشْيَاءُ تَذْهَبُ، كَأَنَّهَا تَنْسَحِبُ بِلِيَاقَةٍ.
هُنَا كَانَتْ تَذْهَبُ بِإِحْجَامٍ، كَأَنَّهَا لَا تُرِيدُ أَنْ تَتْرُكَ ذَلِكَ الرَّجُلَ وَحْدَهُ عَلَى ذَلِكَ الكُرْسِيِّ.
كَانَتِ النَّافِذَةُ آخِرَ مَا ذَهَبَ.
بَقِيَتْ مُعَلَّقَةً لَحْظَةً إِضَافِيَّةً، وَالدُّخَانُ الخَيْطِيُّ لَا يَزَالُ يَتَصَاعَدُ مِنْ خَلْفِهَا إِلَى السَّمَاءِ الغَائِمَةِ، وَكَأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ إِلَى أَيْنَ يَذْهَبُ.
حِينَ عَادَ سَامِرٌ إِلَى الرِّوَاقِ، كَانَ العَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ.
صَامِتًا.
فَتْرَةً أَطْوَلَ مِنَ المُعْتَادِ.
لَمْ يُعَلِّقْ، وَلَمْ يُهَيِّئْ لِلْقَاعَةِ التَّالِيَةِ.
فَقَطْ وَقَفَ وَانْتَظَرَ:
— هَذِهِ القَاعَةُ تُثْقِلُ عَلَى كُلِّ مَنْ يَدْخُلُهَا، يَا سَامِرُ. خُذْ وَقْتَكَ.
هَزَّ سَامِرٌ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ.
عَيْنَاهُ رَطْبَتَانِ، دُونَ أَنْ يُحَاوِلَ إِخْفَاءَ ذَلِكَ.
فِي هَذَا المَكَانِ، وَبَعْدَ هَذَا اللِّقَاءِ، كَانَ إِخْفَاءُ الرُّطُوبَةِ يَبْدُو نَوْعًا مِنَ الكَذِبِ لَا يَسْتَطِيعُهُ:
— لَنْ أَنْسَى مَا قَالَهُ. أَبَدًا.
وَقَالَهَا، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الوَعْدَ الصَّغِيرَ، وَعْدَ الذَّاكِرَةِ، كَانَ مَا طَلَبَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ بِالضَّبْطِ، وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ بِهَذِهِ الكَلِمَاتِ.
