مُتْحَفُ الأَيَّامِ الْمَفْقُودَة
الْفَصْلُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُون – سِيمُون دُو بُوفْوَار — بَارِيس، ١٩٥٢م – «الْمَرْأَةُ كَذَاكِرَةٍ طَمَسَتْهَا الرِّوَايَةُ الذُّكُورِيَّة»
________________________________________
كَانَتِ الشَّمْسُ تَتَسَلَّلُ بِخُجُولٍ عَبْرَ زُجَاجِ نَوَافِذِ الْمَقْهَى الْبَارِيسِيِّ، كَأَنَّهَا تَسْتَأْذِنُ قَبْلَ أَنْ تَلْمَسَ مَا فِي دَاخِلِهِ مِنْ هُدُوءٍ وَدُخَانٍ وَأَفْكَارٍ مُعَلَّقَةٍ فِي الْهَوَاءِ.
دَخَلَ سَامِرٌ الْمَكَانَ بِخُطُواتٍ مُتَأَنِّيَةٍ، عَيْنَاهُ تَجُولَانِ بَيْنَ طَاوِلَاتٍ خَشَبِيَّةٍ صَغِيرَةٍ تَحْمِلُ آثَارَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الِاسْتِخْدَامِ، وَكُؤُوسِ قَهْوَةٍ مُهْمَلَةٍ، وَكُتُبٍ مَفْتُوحَةٍ عَلَى صَفَحَاتٍ لَمْ يُنْتَهَ مِنْهَا بَعْدُ.
عِنْدَ طَاوِلَةٍ قَرِيبَةٍ مِنَ النَّافِذَةِ، كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَجْلِسُ.
كَانَتْ فِي الرَّابِعَةِ وَالْأَرْبَعِينَ مِنْ عُمْرِهَا، بِمَلَامِحَ تَنِمُّ عَنْ ذَكَاءٍ حَادٍّ لَا يُخْطِئُهُ أَحَدٌ، وَبِعَيْنَيْنِ تُحَلِّلَانِ كُلَّ شَيْءٍ بِهُدُوءٍ يُشْبِهُ الْخَطَرَ الْمُضْمَرَ.
كَانَتْ تُدَخِّنُ سِيجَارَةً بِبُطْءٍ مَقْصُودٍ، كَأَنَّ كُلَّ نَفَسٍ مِنَ الدُّخَانِ هُوَ فِكْرَةٌ تُرْسِلُهَا إِلَى الْهَوَاءِ.
أَمَامَهَا أَوْرَاقٌ كَثِيرَةٌ مُتَنَاثِرَةٌ، تَتَنَافَسُ فِي الِانْتِشَارِ فَوْقَ الطَّاوِلَةِ الضَّيِّقَةِ، بَعْضُهَا مَكْتُوبٌ بِخَطٍّ سَرِيعٍ يَكَادُ يَتَعَثَّرُ بِنَفْسِهِ، وَبَعْضُهَا مَرْسُومٌ عَلَيْهِ أَسْهُمٌ وَدَوَائِرُ وَأَسْئِلَةٌ لَمْ تَنْتَهِ بَعْدُ إِلَى إِجَابَاتٍ.
كَانَتْ تَكْتُبُ بِتَرْكِيزٍ شَدِيدٍ يَجْعَلُ الْعَالَمَ مِنْ حَوْلِهَا يَبْدُو كَأَنَّهُ ظِلٌّ لَا يَسْتَحِقُّ الِالْتِفَاتَ إِلَيْهِ.
رَفَعَتْ عَيْنَيْهَا حِينَ اقْتَرَبَ مِنْهَا سَامِرٌ، فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ نَظْرَةً سَرِيعَةً وَلَكِنَّهَا كَانَتْ شَامِلَةً، كَمَنْ يَقْرَأُ نَصًّا بِأَكْمَلِهِ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ.
قَالَتْ بِصَوْتٍ هَادِئٍ يَحْمِلُ شَيْئًا مِنَ الْحِدَّةِ الْمُحَبَّبَةِ:
ـ اجْلِسْ، إِنْ أَرَدْتَ.
ثُمَّ أَضَافَتْ دُونَ أَنْ تَرْفَعَ عَيْنَيْهَا عَنْ أَوْرَاقِهَا مَرَّةً أُخْرَى:
ـ لَكِنْ لَا تَتَوَقَّعْ مِنِّي مُجَامَلَاتٍ فَارِغَةً. أَنَا لَا أُحِبُّهَا، وَلَا أَرَى فِيهَا أَيَّ فَائِدَةٍ تُذْكَرُ.
ابْتَسَمَ سَامِرٌ بِارْتِيَاحٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهُ هُوَ نَفْسُهُ، وَجَلَسَ عَلَى الْكُرْسِيِّ الْخَشَبِيِّ الْمُقَابِلِ:
ـ أَنَا سَامِرٌ.
ـ سِيمُون دُو بُوفْوَار.
قَالَتِ اسْمَهَا كَمَنْ يَضَعُ كِتَابًا عَلَى الطَّاوِلَةِ، لَا تَفَاخُرًا وَلَا تَوَاضُعًا، بَلْ إِخْبَارًا بِالْوَقَائِعِ كَمَا هِيَ.
ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَيْهِ مُبَاشَرَةً وَقَالَتْ:
ـ أَكْتُبُ الْآنَ كِتَابًا عَنْ وَضْعِ الْمَرْأَةِ عَبْرَ التَّارِيخِ.
أَطْفَأَتِ السِّيجَارَةَ بِحَرَكَةٍ هَادِئَةٍ، وَتَابَعَتْ كَأَنَّهَا تُكْمِلُ فِكْرَةً بَدَأَتْهَا قَبْلَ قُرُونٍ:
ـ أُحَاوِلُ أَنْ أَفْهَمَ كَيْفَ أَصْبَحَتِ الْمَرْأَةُ، عَبْرَ رِوَايَاتٍ كَتَبَهَا الرِّجَالُ أَسَاسًا وَعَلَى امْتِدَادِ قُرُونٍ طَوِيلَةٍ، «الْآخَرَ» دَائِمًا، لَا الذَّاتَ الْكَامِلَةَ الْمُسْتَقِلَّةَ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِفُضُولٍ حَقِيقِيٍّ يَنْبُثُ فِيهِ، وَتَذَكَّرَ فَجْأَةً وَجْهًا لَمْ يَزَلْ مَحْفُورًا فِي ذَاكِرَتِهِ:
ـ قَابَلْتُ، فِي جَوْلَاتِي هُنَا، امْرَأَةً مِنْ أَثِينَا الْقَدِيمَةِ.
قَالَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ مِنَ التَّرَدُّدِ، كَأَنَّهُ لَا يَزَالُ يَسْتَوْعِبُ غَرَابَةَ تِلْكَ اللَّقِيَا:
ـ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَتَّى اسْمٌ فِي السِّجِلَّاتِ التَّارِيخِيَّةِ. وَقَدْ تَحَدَّثَتْ مَعِي عَنْ نَفْسِ الْمُشْكِلَةِ بِالضَّبْطِ.
أَوْمَأَتْ دُو بُوفْوَار بِرَأْسِهَا بِجِدِّيَّةٍ وَاضِحَةٍ، وَظَهَرَتْ فِي عَيْنَيْهَا نَظْرَةُ اهْتِمَامٍ عَمِيقٍ، كَمَنْ وَجَدَ شَاهِدًا حَيًّا عَلَى نَظَرِيَّةٍ طَالَ بَحْثُهُ عَنْهَا:
ـ هَذَا بِالضَّبْطِ مَا أُحَاوِلُ تَوْثِيقَهُ وَفَهْمَهُ.
قَالَتْ ذَلِكَ بِهُدُوءٍ يَحْمِلُ ثِقَلَ الْيَقِينِ:
ـ عَبْرَ آلَافِ السِّنِينَ، كُتِبَ التَّارِيخُ، وَالْفَلْسَفَةُ، وَالْأَدَبُ، وَالدِّينُ، غَالِبًا مِنْ مَنْظُورٍ ذُكُورِيٍّ يَضَعُ الرَّجُلَ مَعْيَارًا لِلْإِنْسَانِيَّةِ الْكَامِلَةِ.
تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً، ثُمَّ أَضَافَتْ بِنَبْرَةٍ أَحَدَّ:
ـ أَمَّا الْمَرْأَةُ، فَقَدْ صَوَّرُوهَا انْحِرَافًا عَنْ هَذَا الْمَعْيَارِ، «آخَرَ» يُعَرَّفُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّجُلِ لَا بِذَاتِهَا الْمُسْتَقِلَّةِ، كَمَا لَوْ أَنَّهَا كَائِنٌ لَا يَكْتَمِلُ مَعْنَاهُ إِلَّا فِي مَرْآةِ غَيْرِهِ.
مَالَ سَامِرٌ قَلِيلًا عَلَى الطَّاوِلَةِ وَسَأَلَ:
ـ وَكَيْفَ يَتَّصِلُ هَذَا بِمُشْكِلَتِي أَنَا، مَعَ ذَاكِرَتِي الشَّخْصِيَّةِ؟
نَظَرَتْ إِلَيْهِ نَظْرَةَ مَنْ يَزِنُ سُؤَالًا قَبْلَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ:
ـ بِطَرِيقَةٍ عَمِيقَةٍ جِدًّا، أَعْتَقِدُ.
ثُمَّ قَالَتْ بِوُضُوحٍ مَدْرُوسٍ:
ـ فَكِّرْ فِي الْأَمْرِ هَكَذَا: إِذَا كَانَتْ ذَاكِرَةُ جِنْسٍ كَامِلٍ مِنَ الْبَشَرِ، نِصْفِ الْبَشَرِيَّةِ تَقْرِيبًا، قَدْ طُمِسَتْ أَوْ شُوِّهَتْ عَبْرَ قُرُونٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ الْمُهَيْمِنَةِ، فَمَا الَّذِي يَمْنَعُ أَنَّ ذَاكِرَةَ فَرْدٍ وَاحِدٍ، مِثْلَكَ أَنْتَ، قَدْ تُطْمَسُ أَوْ تُشَوَّهُ بِطُرُقٍ مُشَابِهَةٍ، أَصْغَرَ حَجْمًا لَكِنَّهَا تَعْمَلُ بِنَفْسِ الْآلِيَّةِ الْأَسَاسِيَّةِ بِالضَّبْطِ؟
شَعَرَ سَامِرٌ بِشَيْءٍ يَتَشَكَّلُ بُطْئًا فِي ذِهْنِهِ، كَفِكْرَةٍ لَمْ تَجِدِ اسْمَهَا بَعْدُ:
ـ تَقْصِدِينَ أَنَّ هُنَاكَ «رِوَايَاتٍ مُهَيْمِنَةً» قَدْ تَكُونُ أَثَّرَتْ حَتَّى عَلَى ذَاكِرَتِي الشَّخْصِيَّةِ لِيَوْمِي الْمَفْقُودِ؟
ـ هَذَا احْتِمَالٌ يَسْتَحِقُّ التَّفْكِيرَ فِيهِ بِجِدِّيَّةٍ.
قَالَتْهَا بِحَسْمٍ لَا يُرَاوِدُهُ تَرَدُّدٌ، ثُمَّ أَضَافَتْ بِنَبْرَةٍ أَهْدَأَ:
ـ مَنْ قَرَّرَ، أَصْلًا، أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ بِالذَّاتِ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُنْسَى أَوْ يُمْحَى؟
تَوَقَّفَتْ، كَأَنَّهَا تَمْنَحُ السُّؤَالَ مَكَانَهُ فِي الْهَوَاءِ، ثُمَّ تَابَعَتْ:
ـ هَلْ كَانَ ذَلِكَ قَرَارًا وَاعِيًا مِنْكَ، أَمْ كَانَ تَأْثِيرًا مِنْ قُوًى خَارِجِيَّةٍ، اجْتِمَاعِيَّةٍ أَوْ نَفْسِيَّةٍ، فَرَضَتْ عَلَيْكَ نَوْعًا مِنَ النِّسْيَانِ الْقَسْرِيِّ لِحِمَايَةِ رِوَايَةٍ مُعَيَّنَةٍ؟ رِوَايَةٍ عَنْ نَفْسِكَ، أَوْ عَنْ عَائِلَتِكَ، أَوْ عَنْ مُجْتَمَعِكَ بِأَكْمَلِهِ؟
شَعَرَ سَامِرٌ بِقُشَعْرِيرَةٍ خَفِيفَةٍ تَجَرَّأَتْ عَلَى ظَهْرِهِ.
لَمْ يَكُنِ الْبَرْدُ، إِذِ الْمَقْهَى كَانَ دَافِئًا بِمَا يَكْفِي.
كَانَ ذَلِكَ الِاحْتِمَالُ نَفْسُهُ، وَقَدِ اقْتَرَبَ مِنْهُ فَجْأَةً بِشَكْلٍ لَمْ يَكُنْ مُسْتَعِدًّا لَهُ.
قَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ:
ـ لَمْ أُفَكِّرْ فِي هَذَا الِاحْتِمَالِ مِنْ قَبْلُ بِهَذِهِ الْجِدِّيَّةِ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ دُو بُوفْوَار نَظْرَةً تَحْلِيلِيَّةً عَمِيقَةً:
ـ فِي تَجْرِبَتِي الشَّخْصِيَّةِ، أَكْتَشِفُ بِاسْتِمْرَارٍ كَيْفَ أَنَّ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً ظَنَنْتُهَا «طَبِيعِيَّةً» أَوْ «حَتْمِيَّةً» فِي حَيَاتِي كَامْرَأَةٍ، كَانَتْ فِي الْحَقِيقَةِ نِتَاجًا لِبُنْيَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ بَعِيدَةَ الْجُذُورِ.
أَشَعَلَتْ سِيجَارَةً جَدِيدَةً بِحَرَكَةٍ لَا مُبَالِيَةٍ، كَمَنْ يُضِيءُ مِصْبَاحًا لَا يَرَى بِغَيْرِهِ، ثُمَّ قَالَتْ:
ـ خُذْ مِثَالًا بَسِيطًا: حِينَ تَسْأَلُ امْرَأَةً عَنْ حُلْمِهَا فِي الْحَيَاةِ، يُجِيبُكَ كَثِيرٌ مِنَ النِّسَاءِ بِقَوْلِهِنَّ: «أَنْ أَكُونَ زَوْجَةً صَالِحَةً وَأُمًّا جَيِّدَةً.» وَهَذَا لَيْسَ جَوَابًا خَاطِئًا بِالضَّرُورَةِ، لَكِنَّهُ جَوَابٌ تَعَلَّمَتْهُ مِنْ مُجْتَمَعٍ قَرَّرَ مُسْبَقًا مَا الَّذِي يَجِبُ أَنْ تَحْلُمَ بِهِ النِّسَاءُ.
تَوَقَّفَتْ، ثُمَّ أَضَافَتْ:
ـ الْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي الْحُلْمِ نَفْسِهِ، بَلْ فِي أَنَّ الْخَيَارَ لَمْ يَكُنْ خَيَارًا حَقِيقِيًّا أَصْلًا. لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ فُرْصَةٌ لِتَسْأَلَ نَفْسَهَا: «مَاذَا أُرِيدُ أَنَا، بِمَعْزِلٍ عَمَّا يُرِيدُهُ الْمُجْتَمَعُ لِي؟»
نَظَرَ إِلَيْهَا سَامِرٌ بِإِصْغَاءٍ تَامٍّ:
ـ وَكَيْفَ يَنْطَبِقُ هَذَا عَلَيَّ؟ أَنَا رَجُلٌ، وَيَوْمِي الْمَفْقُودُ شَيْءٌ شَخْصِيٌّ جِدًّا.
ابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً خَفِيفَةً فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الصَّبْرِ:
ـ الرُّجُولَةُ نَفْسُهَا، يَا سَامِرُ، هِيَ بِنَاءٌ اجْتِمَاعِيٌّ أَيْضًا.
قَالَتْ ذَلِكَ بِهُدُوءٍ لَا يَحْمِلُ اتِّهَامًا:
ـ قُرُونٌ مِنَ التَّرْبِيَةِ تَقُولُ لِلرَّجُلِ: «لَا تَبْكِ. لَا تَضْعُفْ. لَا تَعْتَرِفْ بِالضَّيَاعِ.» وَهَذِهِ الْأَوَامِرُ الصَّامِتَةُ كَثِيرًا مَا تَدْفَعُ الرَّجُلَ إِلَى دَفْنِ ذِكْرَيَاتٍ مُؤْلِمَةٍ أَوْ مُرْبِكَةٍ فِي الْعُمْقِ، لَا لِأَنَّهُ نَسِيَ فِعْلًا، بَلْ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ الْمُحِيطَةَ بِهِ لَا تَمْلِكُ مَكَانًا لِذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ الضَّعْفِ.
شَعَرَ سَامِرٌ كَأَنَّ شَيْئًا صَغِيرًا لَكِنَّهُ مُهِمًّا قَدِ انْكَسَرَ فِي دِفَاعَاتِهِ الدَّاخِلِيَّةِ، دُونَ أَنْ يَأْلَمَ، بَلْ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الِارْتِيَاحَ.
سَأَلَهَا بِصَوْتٍ أَهْدَأَ مِمَّا قَبْلَ:
ـ كَيْفَ أَبْدَأُ بِالتَّحَقُّقِ مِنْ هَذَا الِاحْتِمَالِ؟
أَطْفَأَتِ السِّيجَارَةَ الثَّانِيَةَ وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ مُبَاشَرَةً:
ـ ابْدَأْ بِفَحْصِ السِّيَاقِ الْأَوْسَعِ لِذَلِكَ الْيَوْمِ.
قَالَتْ ذَلِكَ بِبُطْءٍ، كَمَنْ يَضَعُ خُطُوَاتٍ عَلَى أَرْضٍ قَدْ تَكُونُ هَشَّةً:
ـ مَنْ كَانَ حَوْلَكَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِالتَّحْدِيدِ؟ هَلْ كَانَتْ هُنَاكَ ضُغُوطٌ عَائِلِيَّةٌ أَوِ اجْتِمَاعِيَّةٌ قَدْ تَسْتَفِيدُ مِنْ نِسْيَانِكَ لِذَلِكَ الْيَوْمِ بِالذَّاتِ؟
ثُمَّ أَكْمَلَتْ:
ـ أَحْيَانًا، الذَّاكِرَةُ الْفَرْدِيَّةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَلَفٍّ مَحْفُوظٍ فِي الدِّمَاغِ، بَلْ هِيَ أَيْضًا تَفَاوُضٌ مُسْتَمِرٌّ بَيْنَ مَا يُرِيدُ الْفَرْدُ أَنْ يَتَذَكَّرَهُ، وَمَا تَسْمَحُ لَهُ الْبِيئَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ مِنْ حَوْلِهِ بِالِاعْتِرَافِ بِهِ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِفِكْرَةٍ مُعَقَّدَةٍ تَتَشَكَّلُ تَدْرِيجِيًّا، كَبِنَاءٍ يَرْتَفِعُ طَابَقًا بَعْدَ طَابَقٍ:
ـ هَذَا يَفْتَحُ أَبْوَابًا لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُهَا.
ـ هَذَا بِالضَّبْطِ هَدَفُ الْفَلْسَفَةِ الْجَيِّدَةِ، يَا سَامِرُ.
قَالَتْهَا بِنَبْرَةٍ جَافَّةٍ لَكِنَّهَا مُحِبَّةٌ بِطَرِيقَتِهَا الْخَاصَّةِ:
ـ أَنْ تَفْتَحَ أَبْوَابًا جَدِيدَةً، لَا أَنْ تُغْلِقَهَا بِإِجَابَاتٍ سَرِيعَةٍ تُرِيحُ الْعَقْلَ مُؤَقَّتًا وَلَكِنَّهَا تُعْمِيهِ عَلَى الْمَدَى الْبَعِيدِ.
ثُمَّ تَابَعَتْ بِجِدِّيَّةٍ لَا تُجَامِلُ:
ـ أَنَا لَا أَمْلِكُ إِجَابَةً كَامِلَةً عَنْ يَوْمِكَ الْمُحَدَّدِ، وَلَيْسَ مِنْ حَقِّي أَنْ أَدَّعِيَ ذَلِكَ. لَكِنَّنِي أَحُثُّكَ عَلَى التَّسَاؤُلِ بِعُمْقٍ أَكْبَرَ عَنِ السِّيَاقَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالسُّلْطَوِيَّةِ الَّتِي قَدْ تَكُونُ أَثَّرَتْ عَلَى ذَاكِرَتِكَ الْفَرْدِيَّةِ، تَمَامًا كَمَا أَثَّرَتْ قُرُونٌ مِنَ السُّلْطَةِ الذُّكُورِيَّةِ عَلَى ذَاكِرَةِ الْمَرْأَةِ الْجَمَاعِيَّةِ.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَيْهَا بِإِعْجَابٍ صَادِقٍ:
ـ هَلْ تَشْعُرِينَ بِالْأَمَلِ تُجَاهَ تَغْيِيرِ هَذِهِ الْبِنْيَةِ، عَبْرَ الزَّمَنِ؟
حَوَّلَتْ نَظَرَهَا إِلَى النَّافِذَةِ، وَإِلَى شَارِعِ بَارِيسَ الَّذِي يَمُوجُ بِالْبَشَرِ كَنَهْرٍ حِيٍّ لَا يَتَوَقَّفُ.
صَمَتَتْ لَحْظَةً، ثُمَّ قَالَتْ:
ـ أُؤْمِنُ أَنَّ الْوَعْيَ، حِينَ يُمْنَحُ فُرْصَةً، يَسْتَطِيعُ أَنْ يَكْشِفَ وَيُفَكِّكَ حَتَّى أَعْمَقَ الْبِنَى الْمُهَيْمِنَةِ.
ثُمَّ أَضَافَتْ بِبُطْءٍ:
ـ رَغْمَ أَنَّ هَذَا يَتَطَلَّبُ جُهْدًا مُسْتَمِرًّا لَا يَنْقَطِعُ، وَشَجَاعَةً لَا تَتَزَعْزَعُ. كِتَابَتِي الْآنَ هِيَ مُحَاوَلَةٌ لِبَدْءِ هَذَا الْكَشْفِ، حَتَّى لَوْ لَمْ أَرَ نَتَائِجَهُ الْكَامِلَةَ فِي حَيَاتِي أَنَا شَخْصِيًّا.
شَعَرَ سَامِرٌ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الِامْتِنَانَ يَنْتَشِرُ فِي صَدْرِهِ، لَيْسَ لِلْإِجَابَاتِ، بَلْ لِلْأَسْئِلَةِ نَفْسِهَا الَّتِي حَمَلَتْهَا إِلَيْهِ هَذِهِ الْمَرْأَةُ بِكُلِّ هَذَا الِهُدُوءِ الْحَادِّ:
ـ شُكْرًا لَكِ، عَلَى فَتْحِ هَذَا الْبَابِ الْجَدِيدِ فِي تَفْكِيرِي.
رَفَعَتِ ابْتِسَامَةً خَفِيفَةً وَحَادَّةً مَعًا فِي آنٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى أَوْرَاقِهَا بِتَرْكِيزٍ مُتَجَدِّدٍ وَقَالَتْ دُونَ أَنْ تَرْفَعَ رَأْسَهَا:
ـ اذْهَبِ الْآنَ، يَا سَامِرُ. وَاسْأَلْ بِجُرْأَةٍ أَكْبَرَ: مَنْ يَسْتَفِيدُ مِنْ نِسْيَانِكَ؟
تَوَقَّفَتِ الْقَلَمُ لَحْظَةً فَوْقَ الْوَرَقَةِ، ثُمَّ أَضَافَتْ:
ـ وَمَنْ قَرَّرَ، فِعْلِيًّا، أَنَّ تِلْكَ التَّفَاصِيلَ تَحْدِيدًا تَسْتَحِقُّ أَنْ تَخْتَفِيَ مِنْ رِوَايَتِكَ الشَّخْصِيَّةِ عَنْ نَفْسِكَ؟
أَخَذَ سَامِرٌ السُّؤَالَيْنِ وَرَاحَ يَحْمِلُهُمَا كَمَنْ يَحْمِلُ حَجَرَيْنِ ثَقِيلَيْنِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْهُمَا وَلَا أَنْ يَنْسَى ثِقَلَهُمَا.
بَدَأَ الْمَقْهَى الْبَارِيسِيُّ يَتَلَاشَى بِبُطْءٍ، الطَّاوِلَاتُ الْخَشَبِيَّةُ، وَالدُّخَانُ الرَّقِيقُ، وَصَوْتُ أَقْلَامٍ تَكْتُبُ فِي صَمْتٍ، كُلُّ ذَلِكَ تَرَاجَعَ شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى عَادَ سَامِرٌ إِلَى الرَّوَاقِ الْمَعْتَادِ يَحْمِلُ فِي صَدْرِهِ سُؤَالًا جَدِيدًا ثَقِيلًا لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ مِنْ قَبْلُ.
كَانَ الْعَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ بِجَانِبِ بَابٍ يَحْمِلُ نَقْشًا لِتَلَّةٍ خَضْرَاءَ بَسِيطَةٍ تَحْتَ سَمَاءٍ وَاسِعَةٍ.
نَظَرَ إِلَيْهِ الْعَجُوزُ بِعَيْنَيْنِ تَقْرَآنِ مَا لَا يُقَالُ، وَقَالَ بِصَوْتِهِ الَّذِي يُشْبِهُ صَوْتَ مَنْ عَاشَ طَوِيلًا جِدًّا:
ـ الْقَاعَةُ التَّالِيَةُ، يَا سَامِرُ، تَحْمِلُ صَوْتَ رَجُلٍ مُسِنٍّ.
ثُمَّ أَضَافَ بِنَبْرَةٍ تَنِمُّ عَنْ احْتِرَامٍ عَمِيقٍ:
ـ رَجُلٌ يَحْمِلُ حِكْمَةَ شَعْبِهِ الَّذِينَ عَاشُوا بِانْسِجَامٍ عَمِيقٍ مَعَ الْأَرْضِ نَفْسِهَا، لِقُرُونٍ طَوِيلَةٍ قَبْلَ أَنْ يُجْبَرُوا عَلَى تَرْكِهَا.
وَقَفَ سَامِرٌ أَمَامَ الْبَابِ الْمَنْقُوشِ بِالتَّلَّةِ الْخَضْرَاءِ، يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ الْوَاسِعَةِ فِي النَّقْشِ.
وَتَسَاءَلَ إِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ أَيْضًا تَمْلِكُ ذَاكِرَةً، وَإِنْ كَانَتِ السَّمَاءُ الْوَاسِعَةُ تَحْفَظُ مِمَّنْ نَسُوا.
________________________________________
