مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَةِ
الفَصْلُ الأَرْبَعُونَ: حَكِيمُ القَبِيلَةِ
________________________________________
كَانَتِ القَاعَةُ التَّالِيَةُ لَيْسَتْ قَاعَةً بِمَعْنَى الكَلِمَةِ المُتَعَارَفِ عَلَيْهَا؛ لَمْ تَكُنْ فِيهَا جُدْرَانٌ تَحْتَجِزُ الهَوَاءَ، وَلَا سَقْفٌ يَحُدُّ النَّظَرَ، وَلَا أَرْضِيَةٌ مُبَلَّطَةٌ تَعْكِسُ صَوْتَ الخُطَى.
كَانَتْ تَلَّةً خَضْرَاءَ وَاسِعَةً تَمْتَدُّ بِلَا حُدُودٍ فِي كُلِّ الاتِّجَاهَاتِ، وَسَمَاءً صَافِيَةً شَاسِعَةً تَبْدُو كَأَنَّهَا خُلِقَتْ لِلتَّوِّ مِنْ زُرْقَةٍ لَمْ تَلْمَسْهَا غَيْمَةٌ قَطُّ.
وَقَفَ سَامِرٌ لَحْظَةً، يَسْتَوْعِبُ هَذَا التَّحَوُّلَ المُفَاجِئَ مِنَ الرِّوَاقِ الضَّيِّقِ إِلَى هَذَا الاتِّسَاعِ الذِي يَكَادُ يُدِيرُ الرَّأْسَ.
وَكَانَ الرَّجُلُ هُنَاكَ.
جَالِسٌ عَلَى الأَرْضِ مُبَاشَرَةً، لَا عَلَى كُرْسِيٍّ وَلَا عَلَى حَجَرٍ وَلَا عَلَى أَيِّ شَيْءٍ يَفْصِلُهُ عَنِ التُّرَابِ.
كَانَ فِي الثَّمَانِينَ مِنَ العُمْرِ، وَكَانَتِ الثَّمَانُونَ فِيهِ لَيْسَتْ ثِقْلاً يَسْحَبُهُ نَحْوَ الأَسْفَلِ، بَلْ كَانَتْ أَشْبَهَ بِطَبَقَاتٍ مُتَرَاكِمَةٍ مِنَ الضَّوْءِ تَجْعَلُهُ أَكْثَرَ هُدُوءًا وَأَثْقَلَ حُضُوراً فِي الوَقْتِ ذَاتِهِ.
كَانَتْ يَدَاهُ مَفْتُوحَتَيْنِ عَلَى التُّرَابِ بِرِفْقٍ شَدِيدٍ، كَمَا تُلَامِسُ يَدُ الأَبِ رَأْسَ طِفْلِهِ حِينَ يَنَامُ.
وَكَانَ وَجْهُهُ مَحْفُوراً بِتَجَاعِيدَ عَمِيقَةٍ لَا تَدُلُّ عَلَى الإِرْهَاقِ، بَلْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَيَاةً طَوِيلَةً كَامِلَةً قَدْ مَرَّتْ مِنْ هُنَا وَتَرَكَتْ أَثَرَهَا بِأَمَانَةٍ.
لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ حِينَ اقْتَرَبَ سَامِرٌ.
قَالَ، وَصَوْتُهُ هَادِئٌ كَصَوْتِ الرِّيحِ حِينَ تَمُرُّ فَوْقَ عُشْبٍ طَوِيلٍ:
ـ اجْلِسْ بِجَانِبِي، أَيُّهَا الغَرِيبُ.
وَالْمَسِ الأَرْضَ، إِنِ اسْتَطَعْتَ.
سَتَتَعَلَّمُ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا تَتَعَلَّمُهُ مِنْ كَلِمَاتِي.
جَلَسَ سَامِرٌ.
لَمَسَ التُّرَابَ بِحَذَرٍ فِي البِدَايَةِ، كَمَنْ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى سَطْحٍ لَا يَعْرِفُ إِنْ كَانَ صَلْبًا أَمْ هَشًّا.
ثُمَّ بَقِيَتِ اليَدُ مَكَانَهَا، وَبَقِيَ الصَّمْتُ لَحْظَةً قَبْلَ أَنْ يَقُولَ:
ـ أَنَا سَامِرٌ.
وَأَنْتَ؟
نَظَرَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ أَخِيرًا، وَكَانَ فِي عَيْنَيْهِ شَيْءٌ يَصْعُبُ تَسْمِيَتُهُ بِدِقَّةٍ، شَيْءٌ يَجْمَعُ بَيْنَ الدِّفْءِ الشَّدِيدِ وَالحُزْنِ الشَّدِيدِ، كَأَنَّهُمَا لَيْسَا ضِدَّيْنِ بَلْ وَجْهَانِ لِعُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ.
ـ اسْمِي يَصْعُبُ نُطْقُهُ بِلُغَتِكَ.
لَكِنْ يُمْكِنُكَ أَنْ تَدْعُوَنِي “حَكِيمَ القَبِيلَةِ”، كَمَا يَدْعُونِي أَبْنَاءُ شَعْبِي.
ـ مَاذَا تَقْصِدُ بِأَنَّ الأَرْضَ سَتُعَلِّمُنِي أَكْثَرَ مِنْ كَلِمَاتِكَ؟
أَشَارَ الحَكِيمُ حَوْلَهُ بِحَرَكَةٍ وَاسِعَةٍ هَادِئَةٍ، كَأَنَّهُ يَرْسُمُ دَائِرَةً تَضُمُّ كُلَّ مَا تَقَعُ عَلَيْهِ العَيْنُ:
ـ هَذِهِ الأَرْضُ الَّتِي تَجْلِسُ عَلَيْهَا الآنَ، شَهِدَتْ كُلَّ شَيْءٍ حَدَثَ هُنَا عَبْرَ آلَافِ السِّنِينَ.
شَهِدَتْ حُرُوبًا اشْتَعَلَتْ وَأُطْفِئَتْ، وَاحْتِفَالَاتٍ صَاخِبَةً بِالغِنَاءِ وَالدُّفُوفِ، وَوِلَادَاتٍ جَاءَ فِيهَا أَطْفَالٌ إِلَى هَذَا العَالَمِ وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ بَعْدُ مَا يَنْتَظِرُهُمْ، وَمَوْتًا مَضَى بِهُدُوءٍ أَوْ بِمَرَارَةٍ.
وَشَهِدَتْ فَرَحًا حَقِيقِيًّا وَحُزْنًا حَقِيقِيًّا.
كُلُّ هَذَا مَحْفُوظٌ فِيهَا، بِطَرِيقَةٍ لَا تَسْتَطِيعُ كُتُبُكُمْ وَلَا حَتَّى ذَاكِرَتُكُمُ الفَرْدِيَّةُ أَنْ تُضَاهِيَهَا.
جَلَسَ سَامِرٌ فِي صَمْتٍ يَسْتَوْعِبُ هَذَا الكَلَامَ.
ثُمَّ قَالَ بِفُضُولٍ حَقِيقِيٍّ:
ـ كَيْفَ “تَتَذَكَّرُ” الأَرْضُ بِالضَّبْطِ؟
ـ بِطُرُقٍ كَثِيرَةٍ، أَعْمَقَ مِنْ أَنْ تَشْرَحَهَا كَلِمَاتٌ بَشَرِيَّةٌ بِدِقَّةٍ كَامِلَةٍ.
تَأَمَّلِ الأَشْجَارَ: هِيَ تَحْمِلُ فِي حَلَقَاتِهَا الدَّاخِلِيَّةِ سِجِلًّا دَقِيقًا لِكُلِّ سَنَةِ جَفَافٍ أَوْ وَفْرَةٍ.
حَلَقَةٌ رَفِيعَةٌ تَعْنِي عَامًا شَحِيحًا.
حَلَقَةٌ سَمِيكَةٌ تَعْنِي عَامًا سَخِيًّا.
وَتَأَمَّلِ الصُّخُورَ: هِيَ تَحْمِلُ آثَارَ كُلِّ زَلْزَالٍ وَكُلِّ حَرَكَةٍ جِيُولُوجِيَّةٍ جَرَتْ مُنْذُ آلَافِ السِّنِينَ.
وَحَتَّى التُّرْبَةُ نَفْسُهَا تَحْمِلُ بَقَايَا كُلِّ مَنْ عَاشَ وَمَاتَ وَدُفِنَ فِيهَا عَبْرَ قُرُونٍ طَوِيلَةٍ.
الأَرْضُ لَيْسَتْ صَامِتَةً، يَا سَامِرٌ.
الأَرْضُ تَتَكَلَّمُ.
لَكِنَّهَا تَتَكَلَّمُ بِلُغَةٍ تَحْتَاجُ مَنْ يَتَعَلَّمُ كَيْفَ يَسْمَعُهَا.
ـ هَذَا يُشْبِهُ مَا قَالَهُ لِي الشَّامَانُ الأَمَازُونِيُّ عَنِ الطَّبِيعَةِ كَذَاكِرَةٍ حَيَّةٍ.
أَوْمَأَ الحَكِيمُ بِرَأْسِهِ بِبُطْءٍ، نَظْرَةُ اعْتِرَافٍ هَادِئٍ فِي عَيْنَيْهِ:
ـ نَعَمْ.
أَظُنُّ أَنَّنَا، شُعُوبٌ مُخْتَلِفَةٌ عَاشَتْ قَرِيبَةً مِنَ الأَرْضِ وَلَيْسَ فَوْقَهَا، وَصَلْنَا إِلَى حِكْمَةٍ مُتَشَابِهَةٍ، كُلٌّ بِطَرِيقَتِهِ الخَاصَّةِ وَبِلُغَتِهِ الخَاصَّةِ.
لَكِنَّنِي أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكَ بِشَيْءٍ آخَرَ.
أَعْمَقَ.
وَأَكْثَرَ إِيلَامًا بِالنِّسْبَةِ لِي شَخْصِيًّا.
سَكَتَ سَامِرٌ وَانْتَظَرَ.
نَظَرَ الحَكِيمُ بَعِيدًا نَحْوَ الأُفُقِ، وَكَانَ الأُفُقُ هُنَا لَيْسَ خَطًّا رَفِيعًا بَلْ فَضَاءً كَامِلًا يَبْدُو أَنَّهُ يَمْتَدُّ إِلَى مَا وَرَاءَ الرُّؤْيَةِ.
ظَهَرَ فِي عَيْنَيْهِ حُزْنٌ عَمِيقٌ، لَيْسَ حُزْنَ اللَّحْظَةِ، بَلْ حُزْنَ الجِيلِ كُلِّهِ.
ـ شَعْبِي يُجْبَرُ الآنَ، فِي هَذِهِ السَّنَوَاتِ بِالذَّاتِ، عَلَى تَرْكِ هَذِهِ الأَرْضِ.
أَرْضِ أَجْدَادِنَا.
الأَرْضِ الَّتِي عِشْنَا عَلَيْهَا بِانْسِجَامٍ عَمِيقٍ لِقُرُونٍ طَوِيلَةٍ، لَمْ نَأْخُذْ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُعْطِيَ، وَلَمْ نُعْطِهَا أَقَلَّ مِمَّا تَسْتَحِقُّ.
جَاءَ آخَرُونَ وَقَالُوا: هَذِهِ الأَرْضُ لَنَا.
لَمْ يَسْأَلُوهَا.
لَمْ يَسْأَلُونَا.
وَحِينَ نَتْرُكُ هَذِهِ الأَرْضَ، نَخْشَى أَنْ نَفْقِدَ، لَيْسَ فَقَطْ مَكَانًا نَعِيشُ فِيهِ، بَلْ اتِّصَالًا عَمِيقًا بِذَاكِرَةٍ جَمَاعِيَّةٍ مَحْفُوظَةٍ فِي كُلِّ صَخْرَةٍ وَكُلِّ شَجَرَةٍ وَكُلِّ نَهْرٍ هُنَا.
ذَاكِرَةٌ لَا يُمْكِنُ نَقْلُهَا فِي صُنْدُوقٍ.
لَا يُمْكِنُ تَحْمِيلُهَا عَلَى ظَهْرِ دَابَّةٍ.
تَعِيشُ فِي المَكَانِ نَفْسِهِ أَوْ لَا تَعِيشُ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِثِقَلِ هَذَا الأَلَمِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ كَمَا يَنْزِلُ ظِلُّ سَحَابَةٍ كَبِيرَةٍ فَجْأَةً.
ـ هَذَا يَبْدُو فَقْدَانًا أَعْمَقَ بِكَثِيرٍ مِنْ فَقْدَانِ يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْ ذَاكِرَتِي الفَرْدِيَّةِ.
أَوْمَأَ الحَكِيمُ بِرَأْسِهِ بِحُزْنٍ صَادِقٍ:
ـ كُلُّ فَقْدَانٍ لَهُ ثِقْلُهُ الخَاصُّ، يَا سَامِرٌ.
لَا أُرِيدُ أَنْ أُقَلِّلَ مِنْ ثِقْلِ فَقْدَانِكَ أَنْتَ.
الرَّجُلُ الَّذِي يَفْقِدُ يَوْمًا مِنْ ذَاكِرَتِهِ يَفْقِدُ جُزْءًا مِنْ قِصَّةِ نَفْسِهِ.
وَالشَّعْبُ الَّذِي يُطْرَدُ مِنْ أَرْضِهِ يَفْقِدُ جُزْءًا مِنْ قِصَّةِ أَسْلَافِهِ كُلِّهِمْ.
الفَقْدَانَانِ مُخْتَلِفَانِ فِي الحَجْمِ، لَكِنَّهُمَا مُتَشَابِهَانِ فِي الجَوْهَرِ.
كِلَاهُمَا يَقُولُ: ثَمَّةَ شَيْءٌ كَانَ هُنَا، وَلَمْ يَعُدْ مَوْجُودًا، وَلَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَصِلُ إِلَيْهِ.
وَأُرِيدُ أَنْ أُشَارِكَكَ حِكْمَةً تَعَلَّمْتُهَا مِنْ هَذَا الأَلَمِ الجَمَاعِيِّ العَمِيقِ: حَتَّى حِينَ نُجْبَرُ عَلَى تَرْكِ مَكَانٍ مُعَيَّنٍ، لَا يَخْتَفِي اتِّصَالُنَا بِذَاكِرَتِهِ تَمَامًا.
نَحْمِلُ تِلْكَ الذَّاكِرَةَ بِدَاخِلِنَا، فِي طُقُوسِنَا، فِي قِصَصِنَا، فِي طَرِيقَةِ تَرْبِيَتِنَا لِأَطْفَالِنَا عَلَى احْتِرَامِ الأَرْضِ أَيْنَمَا كَانُوا.
الذَّاكِرَةُ لَيْسَتْ شَيْئًا يُخَزَّنُ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ فَقَطْ.
الذَّاكِرَةُ تَنْتَقِلُ.
تَتَشَكَّلُ.
تَجِدُ طَرِيقَهَا إِلَى الحَيَاةِ حَتَّى فِي المَنْفَى.
صَمَتَ سَامِرٌ، وَلَمَسَ التُّرَابَ مَرَّةً أُخْرَى، كَأَنَّ الكَلَامَ جَعَلَهُ يَنْسَى أَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِ.
ثُمَّ قَالَ:
ـ كَيْفَ يُسَاعِدُنِي هَذَا بِخُصُوصِ يَوْمِي المَفْقُودِ؟
فَكَّرَ الحَكِيمُ طَوِيلًا.
لَمْ يَتَعَجَّلْ.
يَدَاهُ لَا تَزَالَانِ تُلَامِسَانِ التُّرَابَ بِرِفْقٍ، كَأَنَّهُمَا تَسْتَمِدَّانِ الإِجَابَةَ مِنْهُ لَا مِنَ الرَّأْسِ.
ـ رُبَّمَا، حَتَّى لَوْ فَقَدْتَ ذَاكِرَةَ ذَلِكَ اليَوْمِ المُحَدَّدَةَ، فَإِنَّ المَكَانَ نَفْسَهُ الَّذِي حَدَثَ فِيهِ ذَلِكَ اليَوْمُ لَا يَزَالُ مَوْجُودًا.
يَحْمِلُ أَثَرًا لِمَا حَدَثَ، حَتَّى لَوْ لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْتَ قِرَاءَتَهُ مُبَاشَرَةً.
فِكِّرْ فِي الأَمْرِ هَكَذَا: حِينَ تَخْرُجُ نَارٌ مِنْ حَجَرٍ، تَبْقَى فِي الحَجَرِ الإِمْكَانِيَّةُ.
حِينَ يَمُرُّ إِنْسَانٌ مِنْ مَكَانٍ، يَبْقَى فِي المَكَانِ شَيْءٌ مِنَ المُرُورِ.
هَلْ عُدْتَ يَوْمًا إِلَى المَكَانِ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ بِالذَّاتِ؟
هَلْ جَلَسْتَ هُنَاكَ بِصَمْتٍ؟
هَلْ حَاوَلْتَ أَنْ تُصْغِيَ لِمَا قَدْ يَكُونُ المَكَانُ نَفْسُهُ يَحْمِلُهُ مِنْ ذِكْرَى؟
شَعَرَ سَامِرٌ بِدَهْشَةٍ حَقِيقِيَّةٍ.
لَيْسَتِ الدَّهْشَةَ الَّتِي تَأْتِي مِنَ الخَوْفِ، بَلِ الدَّهْشَةَ الَّتِي تَأْتِي حِينَ تَسْمَعُ فِكْرَةً لَمْ تَخْطُرْ لَكَ قَطُّ وَلَكِنَّهَا تَبْدُو وَاضِحَةً تَمَامًا بَعْدَ أَنْ سَمِعْتَهَا.
ـ لَمْ أُفَكِّرْ فِي هَذَا أَبَدًا.
كُنْتُ أُرَكِّزُ فَقَطْ عَلَى البَحْثِ دَاخِلَ عَقْلِي.
كَأَنَّ الذَّاكِرَةَ شَيْءٌ مَحْصُورٌ بَيْنَ جِدَارَيِ الجُمْجُمَةِ.
ابْتَسَمَ الحَكِيمُ ابْتِسَامَةً هَادِئَةً حَكِيمَةً:
ـ هَذَا خَطَأٌ شَائِعٌ جِدًّا فِي ثَقَافَاتٍ تَفْصِلُ بِشِدَّةٍ بَيْنَ العَقْلِ وَالمَكَانِ.
تُقَرِّرُونَ أَنَّ الذَّاكِرَةَ تَسْكُنُ فِي الرَّأْسِ، وَأَنَّ الرَّأْسَ مُسْتَقِلٌّ عَنِ العَالَمِ حَوْلَهُ.
لَكِنَّنَا نَعْرِفُ أَنَّ الذَّاكِرَةَ تَسْكُنُ فِي كُلِّ شَيْءٍ: فِي الرَّأْسِ، نَعَمْ، لَكِنْ أَيْضًا فِي الجَسَدِ كُلِّهِ، وَفِي المَكَانِ الَّذِي جَرَى فِيهِ الحَدَثُ، وَفِي الأَشْخَاصِ الَّذِينَ كَانُوا حَاضِرِينَ، وَفِي الهَوَاءِ نَفْسِهِ، رُبَّمَا.
وَلِهَذَا أَنْصَحُكَ: حِينَ تَعُودُ إِلَى زَمَنِكَ، زُرِ المَكَانَ الَّذِي حَدَثَ فِيهِ ذَلِكَ اليَوْمُ، إِنْ كَانَ لَا يَزَالُ مَوْجُودًا.
اجْلِسْ هُنَاكَ بِصَمْتٍ.
بِلَا تَوَقُّعَاتٍ مُحَدَّدَةٍ، وَلَا خُطَّةٍ مُسَبَّقَةٍ، وَلَا عَقْلٍ مُشَرَّعٍ عَلَى التَّحْلِيلِ.
فَقَطِ اسْمَحْ لِلْمَكَانِ أَنْ يَتَكَلَّمَ إِلَيْكَ بِطَرِيقَتِهِ الخَاصَّةِ.
ـ هَلْ تَظُنُّ أَنَّ هَذَا سَيَنْجَحُ فِعْلًا؟
أَنْ أَتَذَكَّرَ شَيْئًا بِمُجَرَّدِ الجُلُوسِ فِي مَكَانٍ مُعَيَّنٍ؟
هَزَّ الحَكِيمُ رَأْسَهُ بِصِدْقٍ، لَا بِالهَرَبِ مِنَ السُّؤَالِ:
ـ لَا أَعِدُكَ بِنَتِيجَةٍ مَضْمُونَةٍ، يَا سَامِرٌ.
مَنْ يَعِدُكَ بِنَتِيجَةٍ مَضْمُونَةٍ فِي أُمُورِ الذَّاكِرَةِ وَالرُّوحِ، فَهُوَ لَا يَعْرِفُ عَنْهُمَا شَيْئًا.
لَكِنَّنِي أَعِدُكَ بِهَذَا: حَتَّى لَوْ لَمْ تَسْتَعِدْ ذِكْرَى وَاضِحَةً مُحَدَّدَةً، فَإِنَّ الجُلُوسَ فِي ذَلِكَ المَكَانِ سَيَمْنَحُكَ شَيْئًا آخَرَ.
سَيَمْنَحُكَ اتِّصَالًا أَعْمَقَ بِمَكَانٍ يَخُصُّ قِصَّتَكَ.
وَهَذَا، بِحَدِّ ذَاتِهِ، لَهُ قِيمَةٌ حَقِيقِيَّةٌ.
لَيْسَ لِأَنَّهُ يُحَلُّ اللُّغْزَ.
بَلْ لِأَنَّهُ يَقُولُ لَكَ: كُنْتَ هُنَا.
حَدَثَ شَيْءٌ هُنَا.
وَهَذَا المَكَانُ مَا زَالَ يَتَذَكَّرُ، حَتَّى لَوْ كُنْتَ أَنْتَ قَدْ نَسِيتَ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِفِكْرَةٍ عَمَلِيَّةٍ جَدِيدَةٍ تَسْتَقِرُّ فِيهِ بِهُدُوءٍ.
لَيْسَتْ فِكْرَةً صَاخِبَةً تَأْتِي بِالفَرَحِ الكَبِيرِ.
بَلْ فِكْرَةً هَادِئَةً تَأْتِي بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الاطْمِئْنَانَ.
ـ شُكْرًا لَكَ.
سَأُجَرِّبُ هَذَا فِعْلًا، حِينَ أَعُودُ.
ابْتَسَمَ الحَكِيمُ ابْتِسَامَةً أَخِيرَةً دَافِئَةً، وَعَادَ إِلَى تَأَمُّلِ الأُفُقِ الوَاسِعِ أَمَامَهُ.
لَمْ يَقُلْ وَدَاعًا بِالكَلَامِ.
قَالَهُ بِطَرِيقَتِهِ: أَطْبَقَ عَيْنَيْهِ قَلِيلًا، وَأَرْسَى يَدَيْهِ بِشَكْلٍ أَعْمَقَ عَلَى التُّرَابِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَنَا هُنَا، وَأَنْتَ يُمْكِنُكَ أَنْ تَذْهَبَ.
ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ يَكَادُ يَكُونُ هَمْسًا:
ـ اذْهَبِ الآنَ، يَا سَامِرٌ.
وَاحْمِلْ مَعَكَ هَذَا: أَنْتَ لَسْتَ مُنْفَصِلًا عَنِ الأَرْضِ الَّتِي عِشْتَ عَلَيْهَا.
حَتَّى لَوْ شَعَرْتَ بِانْفِصَالٍ عَنْ جُزْءٍ مِنْ ذَاكِرَتِكَ الخَاصَّةِ.
الذَّاكِرَةُ لَيْسَتْ مِلْكَكَ وَحْدَكَ.
بَعْضُهَا مَوْدُوعٌ فِي الأَمَاكِنِ الَّتِي مَرَرْتَ بِهَا.
اذْهَبْ وَاسْتَرِدَّهُ مِنْ هُنَاكَ.
بَدَأَتِ التَّلَّةُ الخَضْرَاءُ وَالسَّمَاءُ الوَاسِعَةُ تَتَلَاشَيَانِ بِبُطْءٍ.
لَيْسَ بِاخْتِفَاءٍ مُفَاجِئٍ، بَلْ بِتَلَاشٍ هَادِئٍ، كَمَا يَتَلَاشَى ضَوْءُ الشَّمْعَةِ حِينَ يَأْتِي الفَجْرُ لَا حِينَ تَأْتِي رِيحٌ لِتُطْفِئَهَا.
وَعَادَ سَامِرٌ إِلَى الرِّوَاقِ المُعْتَادِ.
________________________________________
كَانَ العَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ بِجَانِبِ بَابٍ يَحْمِلُ نَقْشًا لِعَيْنٍ كَبِيرَةٍ تُرَاقِبُ مِنْ خَلْفِ قُضْبَانٍ رَمْزِيَّةٍ.
لَمْ يَسْأَلْهُ العَجُوزُ كَيْفَ كَانَ اللِّقَاءُ.
كَأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ.
قَالَ فَقَطْ، بِنَبْرَةٍ يَكُونُ فِيهَا الكَلَامُ مُقَدِّمَةً لَا خِتَامًا:
ـ القَاعَةُ التَّالِيَةُ، يَا سَامِرٌ، تَحْمِلُ صَوْتَ رَجُلٍ غَيَّرَ فَهْمَنَا تَمَامًا لِكَيْفِيَّةِ ارْتِبَاطِ المَعْرِفَةِ بِالسُّلْطَةِ.
رَجُلٌ أَدْرَكَ أَنَّ مَنْ يَمْلِكُ القُوَّةَ فِي أَيِّ مُجْتَمَعٍ، غَالِبًا مَا يَمْلِكُ أَيْضًا سُلْطَةَ كِتَابَةِ الذَّاكِرَةِ الرَّسْمِيَّةِ لِلْجَمِيعِ.
يَمْلِكُ سُلْطَةَ تَقْرِيرِ مَا يُتَذَكَّرُ وَمَا يُنْسَى.
مَا يُكْتَبُ فِي الكُتُبِ وَمَا يُحْذَفُ مِنْهَا.
مَا يُعَلَّمُ لِلْأَطْفَالِ فِي المَدَارِسِ وَمَا لَا يُذْكَرُ لَهُمْ أَبَدًا.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى العَيْنِ المَنْقُوشَةِ عَلَى البَابِ.
كَانَتْ تَبْدُو وَكَأَنَّهَا تَرُدُّ النَّظَرَ.
