متحف الأيام المفقودة 45

مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَة
الفَصْلُ الخَامِسُ وَالأَرْبَعُونَ — عَالِمُ الآثَارِ – نِينَوَى، عَامَ أَلْفَيْنِ وَثَلَاثَةٍ مِيلَادِيَّةٍ – «الْحَفْرِيَّاتُ ذَاكِرَةُ الْأَرْضِ الْمَكْتُومَة»
________________________________________
كَانَتِ الْقَاعَةُ التَّالِيَةُ تَتَّسِعُ شَيْئًا فَشَيْئًا أَمَامَ خُطَى سَامِرٍ، حَتَّى تَحَوَّلَتْ بَلَاطُهَا الرُّخَامِيُّ الْبَارِدُ إِلَى تُرَابٍ خَشِنٍ يَصْطَكُّ تَحْتَ نَعْلَيْهِ، كَأَنَّ الزَّمَنَ نَفْسَهُ قَدْ انْقَلَبَ صَفْحَةً وَكَشَفَ عَنْ مَوْقِعِ حَفْرِيَّاتٍ أَثَرِيَّةٍ كَامِلٍ. كَانَتْ طَبَقَاتُ الْأَرْضِ مَكْشُوفَةً بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ، تَتَدَرَّجُ أَلْوَانُهَا مِنَ الْبُنِّيِّ الدَّاكِنِ إِلَى الْأَصْفَرِ الشَّاحِبِ، كَأَنَّهَا صَفَحَاتُ كِتَابٍ ضَخْمٍ كُتِبَ بِيَدِ السِّنِينَ نَفْسِهَا. وَكَانَتْ أَدَوَاتُ الْحَفْرِ الصَّغِيرَةُ — فُرَشٌ نَاعِمَةٌ، وَمَلَاعِقُ دَقِيقَةٌ، وَفَرَاجِينُ مَعْدِنِيَّةٌ رَهِيفَةٌ — مُرَتَّبَةً بِجَانِبِ حُفْرَةٍ عَمِيقَةٍ، كَأَنَّهَا أَدَوَاتُ جِرَاحٍ يُمَارِسُ عَمَلَهُ عَلَى جَسَدِ الْأَرْضِ نَفْسِهَا. وَفِي وَسَطِ هَذَا الْمَشْهَدِ، كَانَ رَجُلٌ فِي الثَّامِنَةِ وَالْخَمْسِينَ مِنْ عُمْرِهِ يَجْلِسُ الْقُرْفُصَاءَ عِنْدَ حَافَّةِ الْحُفْرَةِ، مُنْحَنِيًا بِجَسَدِهِ كَمَنْ يَنْحَنِي أَمَامَ مُقَدَّسٍ، يُنَظِّفُ بِأَنَامِلِهِ النَّاعِمَةِ قِطْعَةً فَخَّارِيَّةً صَغِيرَةً، بِحَذَرٍ يُشْبِهُ حَذَرَ مَنْ يُمْسِكُ بِقَلْبِ طَائِرٍ هَشٍّ.
قَالَ الرَّجُلُ، دُونَ أَنْ يَرْفَعَ بَصَرَهُ: ـ اقْتَرِبْ بِحَذَرٍ، رَجَاءً. ـ كُلُّ خُطْوَةٍ هُنَا قَدْ تُدَمِّرُ دَلِيلًا عُمْرُهُ آلَافُ السِّنِين.
تَحَرَّكَ سَامِرٌ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، كَأَنَّهُ يَمْشِي عَلَى زُجَاجٍ مَكْسُورٍ: ـ أَنَا سَامِرٌ. ـ أَعْتَذِرُ إِنْ أَخَفْتُكَ.
رَفَعَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ، وَابْتَسَمَ ابْتِسَامَةً هَادِئَةً عَلَى وَجْهِهِ الْمُغَبَّرِ بِالتُّرَابِ، وَكَأَنَّ التُّرَابَ نَفْسَهُ قَدْ صَارَ جُزْءًا مِنْ مَلَامِحِهِ: ـ لَا تَقْلَقْ، لَمْ تُخِفْنِي. ـ أَنَا مُعْتَادٌ عَلَى الْعَمَلِ بِصَمْتٍ تَامٍّ لِسَاعَاتٍ طَوِيلَةٍ. ـ اسْمِي عَالِمُ آثَارٍ، أَحْفِرُ فِي هَذَا الْمَوْقِعِ، أَطْلَالِ مَدِينَةِ نِينَوَى الْقَدِيمَةِ، مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ.
سَأَلَ سَامِرٌ، وَنَظَرَاتُهُ تَتَجَوَّلُ بَيْنَ الطَّبَقَاتِ الْمُلَوَّنَةِ: ـ مَاذَا تَجِدُ عَادَةً فِي حَفْرِيَّاتِكَ؟
أَشَارَ إِلَى طَبَقَاتِ الْأَرْضِ الْمُخْتَلِفَةِ حَوْلَهُ بِحَرَكَةٍ فَخُورَةٍ، كَأَنَّهُ يُقَدِّمُ لَوْحَةً فَنِّيَّةً لِزَائِرٍ فِي مَعْرِضٍ: ـ كُلُّ طَبَقَةٍ هُنَا، يَا سَامِرُ، تُمَثِّلُ فَتْرَةً زَمَنِيَّةً مُخْتَلِفَةً مِنْ تَارِيخِ هَذَا الْمَكَانِ. ـ كُلَّمَا حَفَرْنَا أَعْمَقَ، كُلَّمَا عُدْنَا أَبْعَدَ فِي الزَّمَنِ. ـ نَجِدُ فَخَّارًا مَكْسُورًا، وَأَدَوَاتٍ يَوْمِيَّةً، وَأَحْيَانًا مَخْطُوطَاتٍ كَامِلَةً مَحْفُوظَةً بِأُعْجُوبَةٍ، حَتَّى بَقَايَا بَشَرِيَّةً تُخْبِرُنَا عَنْ كَيْفِيَّةِ عَيْشِ النَّاسِ وَمَوْتِهِمْ مُنْذُ آلَافِ السِّنِينَ. ـ وَجَدْتُ مَرَّةً، فِي الطَّبَقَةِ الَّتِي تُحَدِّدُهَا الْآلَاتُ بِنَحْوِ أَلْفَيْنِ وَخَمْسِمِائَةٍ قَبْلَ الْمِيلَادِ، خَتْمًا حَجَرِيًّا صَغِيرًا، نُقِشَتْ عَلَيْهِ صُورَةُ امْرَأَةٍ تَحْمِلُ سُنْبُلَةَ قَمْحٍ، وَكَأَنَّ ذَلِكَ الْخَتْمَ يَهْتِفُ، بَعْدَ صَمْتٍ طَوِيلٍ، بِاسْمِ صَاحِبَتِهِ الَّتِي نُسِيَتْ تَمَامًا.
شَعَرَ سَامِرٌ بِفُضُولٍ عَمِيقٍ يَتَسَلَّلُ إِلَى صَدْرِهِ، كَمَاءٍ يَنْسَابُ بَيْنَ صُخُورٍ جَافَّةٍ: ـ كَيْفَ تَشْعُرُ حِينَ تَجِدُ شَيْئًا مُهِمًّا جِدًّا، بَعْدَ دَفْنِهِ آلَافَ السِّنِينَ؟
تَوَقَّفَ عَنْ عَمَلِهِ لِلَحْظَةٍ، وَنَظْرَةُ عَيْنَيْهِ تَحْمِلُ شَغَفًا عَمِيقًا، كَأَنَّهُ يَسْتَدْعِي مِنْ ذَاكِرَتِهِ مَشَاهِدَ لَا تُمْحَى: ـ شُعُورٌ لَا يُضَاهِيهِ شَيْءٌ آخَرُ تَقْرِيبًا. ـ تَخَيَّلْ: قِطْعَةُ الْفَخَّارِ هَذِهِ الَّتِي أُنَظِّفُهَا الْآنَ، لَمَسَتْهَا يَدُ إِنْسَانٍ حَيٍّ قَبْلَ ثَلَاثَةِ آلَافِ عَامٍ تَقْرِيبًا. ـ اسْتَخْدَمَهَا فِي حَيَاتِهِ الْيَوْمِيَّةِ، رُبَّمَا صَبَّ فِيهَا الْمَاءَ لِأَوْلَادِهِ ذَاتَ مَسَاءٍ صَيْفِيٍّ، ثُمَّ كَسَرَهَا بِالْخَطَأِ يَوْمًا. ـ رُمِيَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَنُسِيَتْ تَمَامًا، حَتَّى وَصَلْتُ إِلَيْهَا أَنَا الْآنَ، بَعْدَ كُلِّ هَذَا الزَّمَنِ الطَّوِيلِ. ـ وَكُلَّمَا أُمْسِكُ بِقِطْعَةٍ كَهَذِهِ، أَتَخَيَّلُ صَوْتَ ضَحِكَةٍ خَفِيفَةٍ، أَوْ نِدَاءَ أُمٍّ مِنْ بَعِيدٍ، عَالِقًا فِي ذَرَّاتِ التُّرَابِ الَّتِي تُغَلِّفُهَا.
قَالَ سَامِرٌ، وَفِي صَوْتِهِ نَبْرَةُ أَمَلٍ مُحْتَشِمَةٍ: ـ هَذَا يَعْنِي أَنَّ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، ظُنَّتْ مَفْقُودَةً تَمَامًا، يُمْكِنُ أَنْ تُسْتَعَادَ بَعْدَ آلَافِ السِّنِينَ؟
أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ بِحَمَاسٍ، وَكَأَنَّ سُؤَالَ سَامِرٍ قَدْ لَمَسَ صَمِيمَ فَلْسَفَتِهِ الَّتِي عَاشَ مِنْ أَجْلِهَا عُمْرَهُ كُلَّهُ: ـ بِالضَّبْطِ، هَذَا جَوْهَرُ عَمَلِي. ـ الْأَرْضُ لَا تَنْسَى تَمَامًا، يَا سَامِرُ، حَتَّى لَوْ بَدَا الْأَمْرُ كَذَلِكَ مِنْ مَنْظُورِنَا الْبَشَرِيِّ الْمَحْدُودِ. ـ كُلُّ مَا يَحْدُثُ عَلَى سَطْحِهَا، يَتْرُكُ أَثَرًا، طَبَقَةً فَوْقَ طَبَقَةٍ، تَنْتَظِرُ فَقَطْ مَنْ يَحْفِرُ بِصَبْرٍ وَعِنَايَةٍ كَافِيَيْنِ لِيَكْشِفَهَا مُجَدَّدًا. ـ خُذْ مَثَلًا حَلَقَاتَ الْأَشْجَارِ: كُلُّ حَلْقَةٍ تُخَزِّنُ ذِكْرَى عَامٍ كَامِلٍ، جَفَافَهُ، أَوْ خِصْبَهُ، أَوْ حَتَّى حَرِيقًا أَصَابَ الْغَابَةَ مِنْ بَعِيدٍ. ـ وَكَذَلِكَ طَبَقَاتُ الْجَلِيدِ فِي الْقُطْبَيْنِ، تَحْفَظُ فُقَّاعَاتِ هَوَاءٍ تَنَفَّسَهَا الْبَشَرُ قَبْلَ آلَافِ السِّنِينَ، كَأَنَّ الْكَوْنَ نَفْسَهُ مَوْلَعٌ بِالتَّوْثِيقِ، وَلَا يَدَعُ شَيْئًا يَمُرُّ دُونَ أَثَرٍ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِأَمَلٍ جَدِيدٍ يَتَشَكَّلُ فِي دَاخِلِهِ، كَبُرْعُمٍ يَشُقُّ طَرِيقَهُ نَحْوَ ضِيَاءٍ خَفِيٍّ: ـ هَلْ تَظُنُّ أَنَّ هَذَا يَنْطَبِقُ عَلَى ذَاكِرَتِي الشَّخْصِيَّةِ أَيْضًا؟ ـ أَنَّ يَوْمِي الْمَفْقُودَ قَدْ يَكُونُ «مَدْفُونًا» فِي مَكَانٍ مَا، يَنْتَظِرُ مَنْ يَحْفِرُ بِعِنَايَةٍ كَافِيَةٍ؟
فَكَّرَ عَالِمُ الْآثَارِ طَوِيلًا، وَيَدَاهُ لَا تَزَالَانِ تَعْمَلَانِ بِحَذَرٍ عَلَى الْقِطْعَةِ الْفَخَّارِيَّةِ، كَأَنَّهُ يَزِنُ كَلِمَاتِهِ بِمِيزَانِ صَائِغٍ دَقِيقٍ: ـ أُؤْمِنُ بِهَذَا بِقُوَّةٍ، بِطَرِيقَةٍ مَجَازِيَّةٍ عَلَى الْأَقَلِّ. ـ الذَّاكِرَةُ الْبَشَرِيَّةُ، مِثْلَ الْأَرْضِ، تَحْمِلُ طَبَقَاتٍ كَثِيرَةً، بَعْضُهَا وَاضِحٌ وَسَطْحِيٌّ، وَبَعْضُهَا مَدْفُونٌ عَمِيقًا، يَحْتَاجُ صَبْرًا وَعِنَايَةً فَائِقَةً لِاسْتِخْرَاجِهِ دُونَ إِتْلَافِهِ. ـ تَمَامًا كَمَا أَنَّ زِلْزَالًا قَدِيمًا قَدْ يَخْلِطُ طَبَقَتَيْنِ مِنْ طَبَقَاتِ الْأَرْضِ، فَيَجْعَلُ تَفْسِيرَ مَا نَجِدُهُ أَكْثَرَ تَعْقِيدًا، فَإِنَّ صَدْمَةً نَفْسِيَّةً عَنِيفَةً قَدْ تَخْلِطُ طَبَقَاتِ ذَاكِرَتِكَ، فَتَجِدُ ذِكْرَى طِفُولَتِكَ مُتَدَاخِلَةً مَعَ ذِكْرَى الْأَمْسِ، دُونَ أَنْ تَدْرِيَ.
سَأَلَ سَامِرٌ بِشَوْقٍ مَنْ يَبْحَثُ عَنْ مِنْهَجٍ يَتَّبِعُهُ، لَا عَنْ إِجَابَةٍ سَهْلَةٍ: ـ كَيْفَ «أَحْفِرُ» فِي ذَاكِرَتِي بِنَفْسِ الْعِنَايَةِ الَّتِي تَحْفِرُ بِهَا فِي الْأَرْضِ؟
نَظَرَ إِلَيْهِ بِجِدِّيَّةٍ مِهَنِيَّةٍ، وَكَأَنَّهُ يُلَقِّنُ تِلْمِيذًا أَوَّلَ دَرْسٍ فِي عِلْمِهِ: ـ بِنَفْسِ الْمَبَادِئِ الْأَسَاسِيَّةِ الَّتِي أَتْبَعُهَا هُنَا: الصَّبْرُ الشَّدِيدُ، عَدَمُ الِاسْتِعْجَالِ، التَّوْثِيقُ الدَّقِيقُ لِكُلِّ تَفْصِيلٍ صَغِيرٍ تَجِدُهُ عَلَى طُولِ الطَّرِيقِ، حَتَّى لَوْ بَدَا غَيْرَ مُهِمٍّ فِي الْبِدَايَةِ. ـ كَثِيرٌ مِنْ أَهَمِّ اكْتِشَافَاتِي الْأَثَرِيَّةِ بَدَأَتْ بِتَفَاصِيلَ صَغِيرَةٍ بَدَتْ تَافِهَةً فِي الْبِدَايَةِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا مَفَاتِيحُ لِفَهْمٍ أَوْسَعَ بِكَثِيرٍ. ـ وَلَدَيَّ قَاعِدَةٌ ذَهَبِيَّةٌ أَتَّبِعُهَا دَائِمًا: لَا تَرْفَعْ شَيْئًا مِنْ مَوْضِعِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَوِّرَهُ وَتُسَجِّلَ عُمْقَهُ وَمَوْقِعَهُ بِالضَّبْطِ، فَالْأَهَمُّ مِنَ الشَّيْءِ نَفْسِهِ غَالِبًا هُوَ مَوْضِعُهُ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ الْأُخْرَى، وَهَذَا أَيْضًا قَانُونٌ تَحْتَاجُ ذَاكِرَتُكَ أَنْ تَتَعَلَّمَهُ.
سَأَلَ سَامِرٌ، يَتَلَمَّسُ مِثَالًا مَلْمُوسًا يُبَدِّدُ غُمُوضَ الْكَلَامِ النَّظَرِيِّ: ـ مَا نَوْعُ التَّفَاصِيلِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تَقْصِدُهَا؟
فَكَّرَ طَوِيلًا، ثُمَّ أَجَابَ بِمِثَالٍ وَاضِحٍ، يَدَاهُ تَرْسُمَانِ فِي الْهَوَاءِ شَكْلَ بَذْرَةٍ صَغِيرَةٍ: ـ فِي عَمَلِي، أَحْيَانًا نَجِدُ بَقَايَا بُذُورٍ مُحْتَرِقَةٍ بَسِيطَةٍ، تَبْدُو غَيْرَ مُهِمَّةٍ. ـ لَكِنَّ تَحْلِيلَهَا بِدِقَّةٍ يُخْبِرُنَا عَنْ نَوْعِ الْمَحَاصِيلِ الَّتِي زَرَعُوهَا، عَنِ الْمُنَاخِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، حَتَّى عَنْ أَنْمَاطِ تِجَارَتِهِمْ مَعَ مَنَاطِقَ بَعِيدَةٍ. ـ وَأَتَذَكَّرُ مَرَّةً، فِي مَوْقِعٍ آخَرَ قُرْبَ نَهْرِ الْفُرَاتِ، حَيْثُ وَجَدْنَا قِطْعَةَ خَيْطٍ مَجْدُولٍ، لَا يَتَجَاوَزُ طُولُهَا أَصَابِعَ يَدِيَ الْأَرْبَعَ، فَقَادَنَا تَحْلِيلُهَا الدَّقِيقُ إِلَى اكْتِشَافِ أَنَّ سُكَّانَ تِلْكَ الْمَدِينَةِ كَانُوا يَتَبَادَلُونَ الْقُمَاشَ مَعَ قَبَائِلَ تَبْعُدُ عَنْهُمْ مَسَافَةَ أَيَّامٍ طَوِيلَةٍ، وَهُوَ مَا غَيَّرَ فَهْمَنَا كُلَّهُ لِشَبَكَةِ التِّجَارَةِ فِي تِلْكَ الْحِقْبَةِ. ـ بِالنِّسْبَةِ لَكَ، يَا سَامِرُ، قَدْ تَكُونُ التَّفَاصِيلُ الصَّغِيرَةُ، كَأَشْيَاءَ تَتَذَكَّرُهَا بِشَكْلٍ غَامِضٍ عَنْ تِلْكَ الْفَتْرَةِ، أَشْخَاصٍ كَانُوا حَوْلَكَ، حَتَّى مَشَاعِرَ عَابِرَةٍ بِلَا سِيَاقٍ وَاضِحٍ، مَفَاتِيحَ مُشَابِهَةً، تَحْتَاجُ فَقَطْ تَحْلِيلًا صَبُورًا وَدَقِيقًا. ـ رُبَّمَا رَائِحَةٌ مُعَيَّنَةٌ، أَوْ لَوْنُ ضَوْءٍ فِي سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ، أَوْ كَلِمَةٌ عَابِرَةٌ سَمِعْتَهَا دُونَ أَنْ تَنْتَبِهَ لِأَهَمِّيَّتِهَا، هِيَ بَقَايَا بُذُورِكَ الْمُحْتَرِقَةِ، يَا سَامِرُ، تَنْتَظِرُ مَنْ يُحَلِّلُهَا بِصَبْرٍ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِفِكْرَةٍ عَمَلِيَّةٍ جَدِيدَةٍ تَتَشَكَّلُ، كَخُطَّةِ عَمَلٍ تُصَفِّي ذِهْنَهُ مِنَ التَّشَوُّشِ: ـ هَذَا يَجْعَلُنِي أُفَكِّرُ بِطَرِيقَةٍ مَنْهَجِيَّةٍ أَكْثَرَ، بَدَلًا مِنَ الْبَحْثِ الْعَشْوَائِيِّ الْمُبَاشِرِ عَنِ الذِّكْرَى الْكَامِلَةِ فَوْرًا.
أَوْمَأَ عَالِمُ الْآثَارِ بِرَأْسِهِ بِإِعْجَابٍ، وَفِي عَيْنَيْهِ بَرِيقُ مَنْ وَجَدَ تِلْمِيذًا جَدِيرًا بِالْعِلْمِ: ـ بِالضَّبْطِ هَذَا مَا تَعَلَّمْتُهُ أَنَا عَبْرَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الْحَفْرِ: لَا تَبْحَثْ عَنِ الْكَنْزِ الْكَامِلِ دَفْعَةً وَاحِدَةً. ـ ابْحَثْ عَنْ قِطْعَةٍ صَغِيرَةٍ وَاحِدَةٍ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَثِّقْهَا بِعِنَايَةٍ، اربِطْهَا بِقِطَعٍ أُخْرَى وَجَدْتَهَا سَابِقًا، وَاسْمَحْ لِلصُّورَةِ الْأَكْبَرِ أَنْ تَتَشَكَّلَ تَدْرِيجِيًّا، بِصَبْرٍ، عَبْرَ الزَّمَنِ. ـ تَخَيَّلْ لَوْحَةً فُسَيْفِسَائِيَّةً ضَخْمَةً، تَهَشَّمَتْ إِلَى آلَافِ الْقِطَعِ الصَّغِيرَةِ، فَتَفَرَّقَتْ فِي الْأَرْضِ عَبْرَ قُرُونٍ. ـ مَنْ يَحَاوِلُ تَجْمِيعَهَا بِسُرْعَةٍ وَعَشْوَائِيَّةٍ، يَكْسِرُ مَا تَبَقَّى مِنْهَا. ـ وَمَنْ يَتَعَامَلُ مَعَ كُلِّ قِطْعَةٍ بِوَصْفِهَا عَالَمًا قَائِمًا بِذَاتِهِ، يَفْحَصُهَا، يُقَارِنُهَا، يُجَرِّبُ مَوَاضِعَهَا الْمُحْتَمَلَةَ بِهُدُوءٍ، هُوَ مَنْ يَرَى الصُّورَةَ الْكَامِلَةَ فِي النِّهَايَةِ، وَلَوْ بَعْدَ سَنَوَاتٍ.
سَأَلَ سَامِرٌ سُؤَالًا أَخِيرًا، وَنَبْرَتُهُ تَحْمِلُ هَمًّا دَفِينًا لَمْ يَسْتَطِعْ كَتْمَهُ أَكْثَرَ: ـ هَلْ تَخَافُ أَحْيَانًا مِنْ تَدْمِيرِ شَيْءٍ مُهِمٍّ بِالْخَطَأِ، أَثْنَاءَ حَفْرِكَ؟
نَظَرَ إِلَيْهِ بِجِدِّيَّةٍ صَادِقَةٍ، وَوَضَعَ الْفُرْشَاةَ الَّتِي كَانَ يَحْمِلُهَا جَانِبًا، كَمَنْ يُهَيِّئُ نَفْسَهُ لِاعْتِرَافٍ صَادِقٍ: ـ أَخَافُ مِنْ هَذَا بِاسْتِمْرَارٍ، فِي الْحَقِيقَةِ، وَهَذَا الْخَوْفُ بِالذَّاتِ هُوَ مَا يَجْعَلُنِي حَذِرًا جِدًّا، بَطِيئًا جِدًّا، فِي عَمَلِي. ـ أُفَضِّلُ أَنْ أَتَقَدَّمَ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ وَأُحَافِظَ عَلَى كُلِّ مَا أَجِدُهُ سَلِيمًا، بَدَلًا مِنْ أَنْ أَتَسَرَّعَ وَأُدَمِّرَ دَلِيلًا لَا يُمْكِنُ اسْتِعَادَتُهُ أَبَدًا. ـ مَرَّةً، فِي بِدَايَةِ مِشْوَارِي، تَسَرَّعْتُ فِي إِزَاحَةِ طَبَقَةٍ مِنَ التُّرَابِ، فَتَكَسَّرَتْ لَوْحَةٌ مَكْتُوبَةٌ بِالْخَطِّ الْمِسْمَارِيِّ إِلَى نِصْفَيْنِ، وَضَاعَ مِنْهَا سَطْرٌ كَامِلٌ لَا يُمْكِنُ تَعْوِيضُهُ أَبَدًا. ـ ظَلَّ ذَلِكَ السَّطْرُ الْمَفْقُودُ يُؤَرِّقُنِي سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً، وَعَلَّمَنِي أَنَّ السُّرْعَةَ، فِي عِلْمٍ كَهَذَا، عَدُوٌّ لَا يُغْتَفَرُ خَطَؤُهُ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِفِكْرَةٍ مُهِمَّةٍ تَتَشَكَّلُ عَنْ حَذَرِهِ الْخَاصِّ، وَكَأَنَّهُ يَرَى فِي قِصَّةِ السَّطْرِ الضَّائِعِ مِرْآةً لِمَخَاوِفِهِ هُوَ نَفْسِهِ: ـ رُبَّمَا هَذَا تَحْذِيرٌ مُهِمٌّ بِالنِّسْبَةِ لِي أَيْضًا، أَلَّا أَتَسَرَّعَ فِي «حَفْرِي» الْخَاصِّ بَحْثًا عَنْ يَوْمِي الْمَفْقُودِ.
أَوْمَأَ عَالِمُ الْآثَارِ بِرَأْسِهِ بِقُوَّةٍ، وَعَادَتْ يَدَاهُ إِلَى الْقِطْعَةِ الْفَخَّارِيَّةِ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، كَأَنَّ الْحَدِيثَ كُلَّهُ كَانَ تَمْهِيدًا لِهَذِهِ الْخُلَاصَةِ الْأَخِيرَةِ: ـ بِالضَّبْطِ، يَا سَامِرُ. ـ الصَّبْرُ وَالْحَذَرُ لَيْسَا عَائِقًا أَمَامَ الِاكْتِشَافِ، بَلْ أَهَمُّ أَدَوَاتِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. ـ وَتَذَكَّرْ دَائِمًا: مَا دُفِنَ بِعِنَايَةٍ، يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسْتَخْرَجَ بِعِنَايَةٍ مُمَاثِلَةٍ، وَإِلَّا فَقَدْنَا نِصْفَ قِيمَتِهِ فِي لَحْظَةِ اسْتِعَادَتِهِ نَفْسِهَا.
وَبَيْنَمَا كَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الْأَخِيرَةُ تَتَرَدَّدُ فِي ذِهْنِ سَامِرٍ، بَدَأَ مَوْقِعُ الْحَفْرِيَّاتِ وَالطَّبَقَاتُ الْمُتَرَاكِمَةُ يَتَلَاشَى ببُطْءٍ، ذَرَّةً بَعْدَ ذَرَّةٍ، كَأَنَّ التُّرَابَ نَفْسَهُ كَانَ مُؤَقَّتًا، اسْتُعِيرَ مِنْ مَكَانٍ آخَرَ لِيُؤَدِّيَ دَرْسَهُ ثُمَّ يَعُودَ إِلَيْهِ. وَلَمَّا تَبَدَّدَ آخِرُ خَيَالٍ مِنَ الْحُفْرَةِ وَأَدَوَاتِ الْحَفْرِ، وَجَدَ سَامِرٌ نَفْسَهُ قَدْ عَادَ إِلَى الرِّوَاقِ الْمُعْتَادِ، بِجُدْرَانِهِ الصَّامِتَةِ وَأَبْوَابِهِ الْعَدِيدَةِ الَّتِي لَا تَنْتَهِي.
كَانَ الْعَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ بِجَانِبِ بَابٍ يَحْمِلُ نَقْشًا لِمِرْآةٍ مَكْسُورَةٍ جُزْئِيًّا، تَعْكِسُ صُورَةً مُشَوَّهَةً قَلِيلًا، كَأَنَّهَا تُحَذِّرُ مِنْ مَا سَيَأْتِي: ـ الْقَاعَةُ التَّالِيَةُ، يَا سَامِرُ، صَعْبَةٌ عَاطِفِيًّا. ـ سَتُقَابِلُ طَبِيبَةً تَتَعَامَلُ يَوْمِيًّا مَعَ أَصْعَبِ أَنْوَاعِ فُقْدَانِ الذَّاكِرَةِ، حَيْثُ يَبْدَأُ الْجَسَدُ بِالِاسْتِمْرَارِ بَيْنَمَا تَتَلَاشَى الْهُوِيَّةُ نَفْسُهَا تَدْرِيجِيًّا.
وَقَفَ سَامِرٌ لِلَحْظَةٍ أَمَامَ الْمِرْآةِ الْمَنْقُوشَةِ، يَتَأَمَّلُ صُورَتَهُ الْمُشَوَّهَةَ فِيهَا، وَيَتَسَاءَلُ، بِصَمْتٍ، عَنْ أَيِّ طَبَقَةٍ مِنْ طَبَقَاتِ ذَاكِرَتِهِ سَتَنْكَشِفُ لَهُ خَلْفَ ذَلِكَ الْبَابِ، وَأَيُّ قِطْعَةٍ صَغِيرَةٍ سَيَحْمِلُهَا مَعَهُ، بِحَذَرٍ، نَحْوَ الصُّورَةِ الْأَكْبَرِ الَّتِي لَمْ تَكْتَمِلْ بَعْدُ.
________________________________________

متحف الأيام المفقودة 46