متحف الأيام المفقودة 50

مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَةِ
الفَصْلُ الخَمْسُونَ: اللُّغَوِيَّةُ
________________________________________
كَانَتِ القَاعَةُ التَّالِيَةُ لَيْسَتْ قَاعَةً أَيْضًا.
كَأَنَّ هَذَا المُتْحَفَ العَجِيبَ قَدْ قَرَّرَ مُنْذُ البِدَايَةِ أَلَّا يُقَيِّدَ نَفْسَهُ بِجُدْرَانٍ.
كَانَتْ قَرْيَةً نَائِيَةً بَسِيطَةً، تَقَعُ فِي حَضْنِ جِبَالٍ بَعِيدَةٍ تَبْدُو كَأَنَّهَا لَا تَعْرِفُ أَنَّ العَالَمَ الكَبِيرَ مَوْجُودٌ.
أَكْوَاخٌ خَشَبِيَّةٌ مُتَنَاثِرَةٌ بِلَا نِظَامٍ ظَاهِرٍ، كَأَنَّهَا نَبَتَتْ هُنَا كَمَا تَنْبُتُ الأَشْجَارُ، لَا كَمَا تُبْنَى البُيُوتُ.
أَرْضٌ تَرَابِيَّةٌ بَنِيَّةٌ، وَهَوَاءٌ بَارِدٌ يَحْمِلُ رَائِحَةَ خَشَبٍ مُبَلَّلٍ وَأَوْرَاقٍ مُتَعَفِّنَةٍ.
وَصَمْتٌ عَمِيقٌ لَا يَقْطَعُهُ إِلَّا صَوْتٌ وَاحِدٌ.
صَوْتٌ قَدِيمٌ يَخْرُجُ مِنْ جِهَازِ تَسْجِيلٍ صَغِيرٍ.
كَانَتِ المَرْأَةُ جَالِسَةً عَلَى مِقْعَدٍ خَشَبِيٍّ مُتَهَالِكٍ أَمَامَ أَحَدِ الأَكْوَاخِ، عُمْرُهَا ثَمَانِيَةٌ وَثَلَاثُونَ عَامًا، لَكِنَّ فِي عَيْنَيْهَا ثِقَلًا يُشِيرُ إِلَى أَنَّهَا رَأَتْ وَسَمِعَتْ وَدَوَّنَتْ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْمِلُهُ عُمْرٌ كَهَذَا عَادَةً.
كَانَتْ تُمْسِكُ بِدَفْتَرِ مَلَاحِظَاتٍ سَمِيكٍ وَقَلَمٍ، وَتَتَتَبَّعُ مَا يَصْدُرُ مِنَ الجِهَازِ بِتَرْكِيزٍ لَا يَتَزَعْزَعُ.
لَمْ تَسْمَعْ سَامِرًا يَاقْتَرِبُ.
أَوْ رُبَّمَا سَمِعَتْهُ وَلَمْ تُرِدْ أَنْ تَقْطَعَ مَا كَانَتْ تَسْمَعُهُ.
مَضَتْ لَحْظَاتٌ.
ثُمَّ أَوْقَفَتِ التَّسْجِيلَ بِحَرَكَةٍ رَفِيقَةٍ كَحَرَكَةِ مَنْ يَضَعُ شَيْئًا ثَمِينًا فِي مَكَانِهِ، وَرَفَعَتْ رَأْسَهَا.
ـ أَهْلًا بِكَ.
اجْلِسْ بِهُدُوءٍ، إِنِ اسْتَطَعْتَ.
أَنَا أَسْتَمِعُ لِآخِرِ تَسْجِيلٍ لِمُتَحَدِّثٍ أَصْلِيٍّ بِلُغَةٍ تُوشِكُ عَلَى الانْقِرَاضِ تَمَامًا.
كَانَ فِي صَوْتِهَا شَيْءٌ يَجْمَعُ بَيْنَ الدِّقَّةِ المِهَنِيَّةِ وَالتَّأَثُّرِ الإِنْسَانِيِّ، كَصَوْتِ طَبِيبٍ يَصِفُ مَرَضًا خَطِيرًا بِدِقَّةٍ عِلْمِيَّةٍ لَكِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ إِخْفَاءَ حُزْنِهِ.
جَلَسَ سَامِرٌ عَلَى الأَرْضِ بِجَانِبِهَا.
ـ أَنَا سَامِرٌ.
مَاذَا تَعْنِينَ بِـ”الانْقِرَاضِ” بِخُصُوصِ لُغَةٍ؟
نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِجِدِّيَّةٍ مِهَنِيَّةٍ عَمِيقَةٍ:
ـ أَعْمَلُ لُغَوِيَّةً، مُتَخَصِّصَةً فِي تَوْثِيقِ اللُّغَاتِ المُهَدَّدَةِ بِالاخْتِفَاءِ.
حَالِيًّا، أَعْمَلُ مَعَ آخِرِ مُتَحَدِّثٍ حَيٍّ بِطَلَاقَةٍ بِهَذِهِ اللُّغَةِ.
رَجُلٌ فِي الثَّمَانِينِيَّاتِ مِنْ عُمْرِهِ.
يَعِيشُ هُنَا، فِي هَذِهِ القَرْيَةِ، بَعِيدًا عَنِ الجَمِيعِ، بَعِيدًا رُبَّمَا عَنِ الإِدْرَاكِ الكَامِلِ بِأَنَّهُ حِينَ يَمُوتُ، سَيَأْخُذُ مَعَهُ شَيْئًا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَبْقَى بَعْدَهُ.
حِينَ يَمُوتُ هُوَ، سَتَمُوتُ مَعَهُ هَذِهِ اللُّغَةُ بِالكَامِلِ.
لَا يُوجَدُ مُتَحَدِّثٌ آخَرُ يَسْتَطِيعُ نَقْلَهَا لِجِيلٍ جَدِيدٍ.
لَا طِفْلٌ تَعَلَّمَهَا عَلَى رُكْبَةِ أَبِيهِ.
لَا شَابٌّ سَمِعَهَا وَاحْتَفَظَ بِهَا فِي ذَاكِرَتِهِ.
فَقَطْ هَذَا الرَّجُلُ العَجُوزُ، وَهَذَا الجِهَازُ الصَّغِيرُ، وَهَذَا الصَّوْتُ الَّذِي أَسْمَعُهُ الآنَ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِثِقَلِ هَذِهِ الحَقِيقَةِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فَجْأَةً:
ـ هَذَا يَبْدُو فَقْدَانًا هَائِلًا جِدًّا.
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِحُزْنٍ مِهَنِيٍّ عَمِيقٍ، حُزْنٌ تَعَلَّمَتْ أَنْ تَحْيَا مَعَهُ دُونَ أَنْ تَدَعَهُ يُعَطِّلَ عَمَلَهَا:
ـ هُوَ كَذَلِكَ بِالفِعْلِ.
أَكْبَرُ بِكَثِيرٍ مِمَّا يُدْرِكُهُ مَعْظَمُ النَّاسِ.
حِينَ تَمُوتُ لُغَةٌ، لَا تَمُوتُ فَقَطْ كَلِمَاتٌ وَقَوَاعِدُ نَحْوِيَّةٌ، كَأَنَّنَا نَفْقِدُ قَامُوسًا أَوْ كِتَابَ صَرْفٍ.
يَمُوتُ مَعَهَا شَيْءٌ أَعْمَقُ بِكَثِيرٍ:
طَرِيقَةٌ كَامِلَةٌ فَرِيدَةٌ فِي فَهْمِ العَالَمِ.
تَصْنِيفَاتٌ لِلْأَشْيَاءِ لَا تُوجَدُ فِي أَيِّ لُغَةٍ أُخْرَى.
بَعْضُ اللُّغَاتِ، مَثَلًا، لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ الأَزْرَقِ وَالأَخْضَرِ، لِأَنَّ أَصْحَابَهَا لَمْ يَرَوْا فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ أَنَّهُمَا شَيْئَانِ مُنْفَصِلَانِ.
وَبَعْضُ اللُّغَاتِ تَمْلِكُ كَلِمَةً وَاحِدَةً لِمَا نَحْتَاجُ نَحْنُ إِلَى جُمْلَةٍ كَامِلَةٍ لِنَصِفَهُ.
وَبَعْضُهَا يَبْنِي جُمَلَهُ عَكْسِيًّا تَمَامًا، فَيَبْدَأُ مِنَ الفِعْلِ لَا مِنَ الفَاعِلِ، مِمَّا يَعْنِي أَنَّ صَاحِبَهَا يَرَى الفِعْلَ أَهَمَّ مِنَ الَّذِي فَعَلَهُ.
وَتَمُوتُ مَعَهَا أَمْثَالٌ وَحِكَمٌ مُتَرَاكِمَةٌ عَبْرَ أَجْيَالٍ طَوِيلَةٍ، حِكْمَةٌ جَمَاعِيَّةٌ مَضَغَتْهَا الأَجْيَالُ وَصَاغَتْهَا بِكَلِمَاتٍ بَعِينِهَا لَا تُقَالُ بِغَيْرِهَا.
وَتَمُوتُ مَعَهَا طُرُقُ تَفْكِيرٍ رُبَّمَا لَا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهَا بِدِقَّةٍ كَامِلَةٍ بِأَيِّ لُغَةٍ أُخْرَى عَلَى الإِطْلَاقِ.
وَحِينَ تَمُوتُ لُغَةٌ، لَا أَحَدَ يُقِيمُ لَهَا حَفْلَ عَزَاءٍ.
لَا أَحَدَ يُلَاحِظُ غِيَابَهَا إِلَّا مَنْ كَرَّسَ حَيَاتَهُ لِلْبَحْثِ عَنِ اللُّغَاتِ الَّتِي تُوشِكُ عَلَى الرَّحِيلِ.
سَكَتَ سَامِرٌ هُنَيْهَةً يَسْتَوْعِبُ هَذَا الكَلَامَ.
ثُمَّ قَالَ:
ـ كَيْفَ يَتَعَلَّقُ هَذَا بِيَوْمِي المَفْقُودِ تَحْدِيدًا؟
فَكَّرَتْ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ.
لَمْ تَتَعَجَّلْ.
كَأَنَّ الإِجَابَةَ السَّرِيعَةَ ظُلْمٌ لِلسُّؤَالِ.
ـ دَعْنِي أُفَكِّرُ فِي هَذَا مَعَكَ بِصَوْتٍ عَالٍ.
كُلُّ لُغَةٍ تَحْمِلُ ذَاكِرَةً جَمَاعِيَّةً كَامِلَةً لِشَعْبِهَا.
طَرِيقَةً فَرِيدَةً فِي تَنْظِيمِ التَّجْرِبَةِ الإِنْسَانِيَّةِ، فِي ترتيبِ مَا يَأْتِي قَبْلَ وَمَا يَأْتِي بَعْدَ، فِي تَقْدِيرِ مَا يَسْتَحِقُّ اسْمًا مُسْتَقِلًّا وَمَا لَا يَسْتَحِقُّ.
رُبَّمَا، بِطَرِيقَةٍ مُشَابِهَةٍ، يَوْمُكَ المَفْقُودُ يَحْمِلُ “لُغَةً” خَاصَّةً بِهِ.
طَرِيقَةً فَرِيدَةً كَانَتْ ستُفَسِّرُ بِهَا تِلْكَ التَّجْرِبَةَ المُحَدَّدَةَ.
أَنْتَ لَمْ تَكُنْ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ الإِنْسَانَ نَفْسَهُ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ الآنَ.
كُنْتَ تَنْظُرُ بِعَيْنَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ قَلِيلًا.
كُنْتَ تُفَسِّرُ مَا يَحْدُثُ بِمِيزَانٍ مُخْتَلِفٍ قَلِيلًا.
وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ الفَرِيدَةُ قَدْ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَسْتَعِيدَهَا أَبَدًا بِكَلِمَاتٍ أُخْرَى مُطَابِقَةٍ تَمَامًا.
شَعَرَ سَامِرٌ بِفِكْرَةٍ عَمِيقَةٍ تَتَشَكَّلُ دَاخِلَهُ، وَهِيَ تَتَشَكَّلُ بِبُطْءٍ، كَمَا يَتَشَكَّلُ التِّمْثَالُ مِنَ الحَجَرِ بِضَرَبَاتٍ مُتَتَابِعَةٍ:
ـ تَقْصِدِينَ أَنَّنِي، حَتَّى لَوِ اسْتَعَدْتُ بَعْضَ تَفَاصِيلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، قَدْ لَا أَسْتَطِيعُ أَبَدًا أَنْ “أُتَرْجِمَهَا” بِدِقَّةٍ كَامِلَةٍ إِلَى فَهْمِي الحَالِيِّ؟
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِحَذَرٍ فِكْرِيٍّ، كَمَنْ يَخْطُو عَلَى جِسْرٍ يَعْرِفُ أَنَّهُ مَتِينٌ لَكِنَّهُ يُفَضِّلُ الحَذَرَ:
ـ هَذَا احْتِمَالٌ يَسْتَحِقُّ التَّفْكِيرَ فِيهِ بِجِدِّيَّةٍ.
تَمَامًا كَمَا لَا أَسْتَطِيعُ أَنَا، رَغْمَ كُلِّ جَهْدِي فِي التَّوْثِيقِ، أَنْ أَنْقُلَ المَعْنَى الكَامِلَ الدَّقِيقَ لِكَلِمَةٍ مُعَيَّنَةٍ بِلُغَةٍ مُنْقَرِضَةٍ إِلَى لُغَةٍ أُخْرَى تَمَامًا.
مَثَلًا: هُنَاكَ لُغَةٌ اسْكَانْدِنَافِيَّةٌ تَمْلِكُ كَلِمَةً لَا تَقَابُلَ لَهَا فِي العَرَبِيَّةِ تَعْنِي “الضَّوْءَ الَّذِي يَنْعَكِسُ عَلَى المَاءِ وَيَتَرَاقَصُ عَلَى الجِدَارِ”.
لَوِ انْقَرَضَتْ هَذِهِ اللُّغَةُ، وَأَرَدْتُ نَقْلَ هَذِهِ الكَلِمَةِ، سَأَضْطَرُّ لِاسْتِخْدَامِ جُمْلَةٍ كَامِلَةٍ.
وَلَكِنَّ الجُمْلَةَ لَيْسَتِ الكَلِمَةَ.
الجُمْلَةُ تَصِفُ.
الكَلِمَةُ تُجَسِّدُ.
كَذَلِكَ أَنْتَ: رُبَّمَا لَنْ تَسْتَطِيعَ أَنْ “تُتَرْجِمَ” تَجْرِبَةَ ذَلِكَ اليَوْمِ بِدِقَّةٍ كَامِلَةٍ إِلَى فَهْمِكَ الحَالِيِّ، حَتَّى لَوِ اسْتَعَدْتَ بَعْضَ ذِكْرَيَاتِهِ.
لِأَنَّ “لُغَتَكَ الدَّاخِلِيَّةَ” تَغَيَّرَتْ مُنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ.
تَعَلَّمْتَ كَلِمَاتٍ جَدِيدَةً لِأَشْيَاءَ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ أَسْمَاءَهَا.
وَنَسِيتَ رُبَّمَا كَيْفَ كُنْتَ تُسَمِّي بَعْضَ الأَشْيَاءِ قَبْلَ أَنْ تَكْبَرَ.
ـ هَلْ هَذَا يَعْنِي أَنَّ المُحَاوَلَةَ عَدِيمَةُ الجَدْوَى؟
هَزَّتْ رَأْسَهَا بِحَزْمٍ.
لَا تَرَدُّدَ فِيهَا.
ـ لَا.
عَلَى الإِطْلَاقِ.
رَغْمَ اسْتِحَالَةِ التَّرْجَمَةِ الكَامِلَةِ المِثَالِيَّةِ، فَإِنَّ التَّوْثِيقَ الجُزْئِيَّ لَهُ قِيمَةٌ هَائِلَةٌ جِدًّا.
أَنَا أُوَثِّقُ هَذِهِ اللُّغَةَ وَأَنَا أَعْرِفُ أَنَّ تَوْثِيقِي لَنْ يَكُونَ كَامِلًا أَبَدًا.
سَأُخَمِّنُ بَعْضَ النَّطْقِ.
سَأُقَدِّرُ بَعْضَ المَعَانِيَ.
سَأُفَوِّتُ بَعْضَ الفُرُوقِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي لَمْ أَسْمَعْهَا أَوْ لَمْ أَفْهَمْهَا.
لَكِنَّ مَا سَأُوَثِّقُهُ سَيَكُونُ أَفْضَلَ بِكَثِيرٍ مِنَ الصَّفْحَةِ البَيْضَاءِ الَّتِي لَا تَقُولُ شَيْئًا.
حِينَ أُوَثِّقُ وَلَوْ جُزْءًا مِنْ لُغَةٍ تُوشِكُ عَلَى الانْقِرَاضِ، أُحَافِظُ عَلَى شَيْءٍ كَانَ سَيَضِيعُ تَمَامًا.
وَهَذَا الشَّيْءُ، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا، يَظَلُّ حِجَارَةً يَمْكِنُ لِبَاحِثٍ قَادِمٍ بَعْدِي أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهَا.
ـ كَيْفَ تُوَثِّقِينَ عَمَلِيًّا، حِينَ تَعْرِفِينَ أَنَّ الكَمَالَ مُسْتَحِيلٌ؟
أَشَارَتْ إِلَى جِهَازِ التَّسْجِيلِ وَدَفَاتِرِ مَلَاحِظَاتِهَا المَنْثُورَةِ حَوْلَهَا كَأَوْرَاقِ خَرِيفٍ مَكْتُوبَةٍ:
ـ أُسَجِّلُ كُلَّ مَا أَسْتَطِيعُ.
أُسَجِّلُ النُّطْقَ الدَّقِيقَ لِكُلِّ كَلِمَةٍ، وَسِيَاقَاتِ اسْتِخْدَامِهَا المُخْتَلِفَةَ.
هَلْ تَقُولُهَا حِينَ تَكُونَ فَرِحًا؟
هَلْ تَقُولُهَا حِينَ تَكُونَ حَزِينًا؟
هَلْ تَقُولُهَا لِلْأَطْفَالِ فَقَطْ؟
هَلْ تَقُولُهَا لِلْرِجَالِ دُونَ النِّسَاءِ؟
وَأُسَجِّلُ أَيْضًا الإِيمَاءَاتِ الجَسَدِيَّةَ المُصَاحِبَةَ لِلْكَلَامِ، لِأَنَّ اللُّغَةَ لَيْسَتْ صَوْتًا فَقَطْ.
اللُّغَةُ جَسَدٌ يَتَكَلَّمُ.
وَأُوَثِّقُ بِقَدْرِ مَا أَسْتَطِيعُ، مَعَ وَعْيٍ كَامِلٍ بِأَنَّ التَّوْثِيقَ لَنْ يَكُونَ كَامِلًا تَمَامًا أَبَدًا.
لَكِنَّهُ أَفْضَلُ بِكَثِيرٍ مِنْ عَدَمِ التَّوْثِيقِ عَلَى الإِطْلَاقِ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِفِكْرَةٍ عَمَلِيَّةٍ جَدِيدَةٍ تُطَرِقُ عَلَى بَابِ عَقْلِهِ:
ـ رُبَّمَا هَذَا مَا يَنْبَغِي لِي فِعْلُهُ بِخُصُوصِ يَوْمِي.
أَنْ أُوَثِّقَ.
أَنْ أَكْتُبَ.
حَتَّى لَوْ لَمْ أَمْلِكِ الصُّورَةَ الكَامِلَةَ.
بَدَلًا مِنِ انْتِظَارِ اليَقِينِ التَّامِّ قَبْلَ أَنْ أَبْدَأَ.
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِحَمَاسٍ لَمْ تَخْفِهِ، حَمَاسُ مَنْ تَسْمَعُ كَلَامًا صَحِيحًا:
ـ بِالضَّبْطِ.
لَا تَنْتَظِرِ الكَمَالَ لِتَبْدَأَ التَّوْثِيقَ وَالمُحَاوَلَةَ.
ابْدَأْ بِمَا تَمْلِكُهُ الآنَ.
كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تَتَذَكَّرُهَا خَيْرٌ مِنَ الصَّمْتِ أَمَامَ اللُّغَةِ الضَّائِعَةِ.
تَفْصِيلٌ وَاحِدٌ تَعْرِفُهُ عَنْ ذَلِكَ اليَوْمِ خَيْرٌ مِنِ انْتِظَارِ أَنْ تَسْتَعِيدَ اليَوْمَ كُلَّهُ قَبْلَ أَنْ تَبْدَأَ.
أَضِفْ إِلَيْهِ تَدْرِيجِيًّا كُلَّمَا تَعَلَّمْتَ شَيْئًا جَدِيدًا.
وَحَتَّى لَوْ ظَلَّ السِّجِلُّ النِّهَائِيُّ غَيْرَ كَامِلٍ تَمَامًا إِلَى الأَبَدِ، فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ لَا شَيْءٍ.
سَأَلَ سَامِرٌ سُؤَالًا كَانَ يَتَرَدَّدُ قَبْلَ طَرْحِهِ، لَكِنَّ شَيْئًا فِي صَدْرِهِ أَصَرَّ عَلَيْهِ:
ـ كَيْفَ تَشْعُرِينَ تِجَاهَ المُتَحَدِّثِ الأَخِيرِ الَّذِي تَعْمَلِينَ مَعَهُ الآنَ؟
عَالِمَةً أَنَّهُ حِينَ يَمُوتُ، يَمُوتُ مَعَهُ شَيْءٌ لَا يُمْكِنُ اسْتِعَادَتُهُ أَبَدًا؟
نَظَرَتْ بَعِيدًا.
لَيْسَ نَحْوَ الجِبَالِ، بَلْ نَحْوَ شَيْءٍ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ غَيْرُهَا.
ظَهَرَ فِي عَيْنَيْهَا حُزْنٌ عَمِيقٌ صَادِقٌ، لَيْسَ مُصْطَنَعًا وَلَا مُتَكَلَّفًا:
ـ أَشْعُرُ بِثِقَلٍ هَائِلٍ.
وَبِمَسْؤُولِيَّةٍ كَبِيرَةٍ.
وَأَحْيَانًا بِحُزْنٍ عَمِيقٍ مُسْبَقٍ، حُزْنٍ يَسْبِقُ الفَقْدَانَ نَفْسَهُ.
أُحْزَنُ عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يَزَالُ بَيْنَ يَدَيَّ، يَتَكَلَّمُ وَيَضْحَكُ وَيَشْرَحُ.
أُحْزَنُ عَلَى مَا سَيَغِيبُ حِينَ يَغِيبُ هُوَ.
لَكِنَّنِي أَيْضًا أَشْعُرُ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ.
لِكُلِّ لَحْظَةٍ أُمْضِيهَا مَعَهُ.
لِكُلِّ كَلِمَةٍ أُوَثِّقُهَا.
لِكُلِّ جُمْلَةٍ يَقُولُهَا بِتِلْكَ اللُّغَةِ الَّتِي لَمْ يَعُدْ يَتَكَلَّمُهَا سِوَاهُ.
الامْتِنَانُ وَالحُزْنُ يَسْكُنَانِ فِيَّ مَعًا كُلَّ يَوْمٍ، جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ، دُونَ أَنْ يَدْفَعَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِتَعَاطُفٍ عَمِيقٍ لَا يَسْتَطِيعُ إِخْفَاءَهُ:
ـ هَذَا يَبْدُو عَمَلًا مُهِمًّا وَمُؤْلِمًا فِي آنٍ وَاحِدٍ.
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِصِدْقٍ:
ـ هُوَ كَذَلِكَ بِالفِعْلِ.
لَكِنَّنِي أُؤْمِنُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ كُلَّ هَذَا الأَلَمَ وَكُلَّ هَذَا الجُهْدَ.
لِأَنَّ البَدِيلَ، السَّمَاحَ بِضَيَاعِ كُلِّ هَذَا التُّرَاثِ الإِنْسَانِيِّ دُونَ أَيِّ مُحَاوَلَةٍ لِلْحِفَاظِ عَلَيْهِ، أَسْوَأُ بِكَثِيرٍ.
لِأَنَّ اللُّغَةَ لَيْسَتْ أَدَاةَ تَوَاصُلٍ فَقَطْ.
اللُّغَةُ هِيَ طَرِيقَةٌ فِي أَنْ تَكُونَ.
وَحِينَ تَمُوتُ لُغَةٌ، تَمُوتُ طَرِيقَةٌ فِي أَنْ يَكُونَ الإِنْسَانُ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِإِلْهَامٍ حَقِيقِيٍّ مِنْ هَذَا الالْتِزَامِ الَّذِي يَرَاهُ أَمَامَهُ مُتَجَسِّدًا فِي امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ وَجِهَازِ تَسْجِيلٍ صَغِيرٍ فِي قَرْيَةٍ نَائِيَةٍ لَا يَعْرِفُهَا أَحَدٌ:
ـ شُكْرًا لَكِ.
عَلَى عَمَلِكِ المُهِمِّ.
وَعَلَى الحِكْمَةِ الَّتِي شَارَكْتِنِيهَا.
ابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً أَخِيرَةً حَزِينَةً لَكِنَّهَا دَافِئَةٌ، ثُمَّ أَدَارَتْ وَجْهَهَا نَحْوَ جِهَازِ التَّسْجِيلِ، وَمَدَّتْ يَدَهَا بِحَرَكَةٍ لَطِيفَةٍ نَحْوَ زِرِّ التَّشْغِيلِ.
لَكِنَّهَا تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً وَقَالَتْ دُونَ أَنْ تَلْتَفِتَ:
ـ اذْهَبِ الآنَ، يَا سَامِرٌ.
وَاحْمِلْ مَعَكَ هَذَا: ابْدَأْ بِتَوْثِيقِ مَا تَسْتَطِيعُ مِنْ يَوْمِكَ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ كَامِلًا أَبَدًا.
هَذَا أَفْضَلُ بِكَثِيرٍ مِنَ الصَّمْتِ الكَامِلِ أَمَامَ احْتِمَالِ الفَقْدَانِ التَّامِّ.
وَتَذَكَّرْ: لَيْسَتِ الذَّاكِرَةُ الكَامِلَةُ هِيَ المَطْلُوبَةُ.
المَطْلُوبُ هُوَ الشَّاهِدُ.
أَنْ تَشْهَدَ عَلَى مَا كَانَ، حَتَّى لَوْ بِخُطُوطٍ نَاقِصَةٍ.
ثُمَّ ضَغَطَتِ الزِّرَّ.
وَعَادَ الصَّوْتُ القَدِيمُ يَمْلَأُ الهَوَاءَ.
بَدَأَتِ القَرْيَةُ النَّائِيَةُ وَالأَكْوَاخُ الخَشَبِيَّةُ تَتَلَاشَيَانِ بِبُطْءٍ.
وَبَقِيَ الصَّوْتُ لَحْظَةً أَطْوَلَ مِنَ المَكَانِ نَفْسِهِ.
كَأَنَّ اللُّغَاتِ لَا تَمُوتُ دَفْعَةً وَاحِدَةً.
بَلْ تَتَلَاشَى كَمَا يَتَلَاشَى صَوْتٌ حِينَ يَبْتَعِدُ قَائِلُهُ.
________________________________________
كَانَ العَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ بِجَانِبِ بَابٍ يَحْمِلُ نَقْشًا لِرُمُوزٍ رِيَاضِيَّةٍ بَسِيطَةٍ فِي ظَاهِرِهَا، مُعَقَّدَةٍ فِي بَاطِنِهَا.
نَظَرَ إِلَيْهِ العَجُوزُ، وَفِي عَيْنَيْهِ إِشَارَةٌ تَقُولُ: أَعْرِفُ أَيْنَ كُنْتَ.
ثُمَّ قَالَ:
ـ القَاعَةُ التَّالِيَةُ، يَا سَامِرٌ، تَحْمِلُ صَوْتَ رَجُلٍ يَدْرُسُ أُسُسَ المَنْطِقِ وَالرِّيَاضِيَّاتِ نَفْسَهَا.
رَجُلٌ قَدْ يُفَاجِئُكَ بِحُدُودِ مَا يَسْتَطِيعُ حَتَّى أَدَقُّ عِلْمٍ فِي العَالَمِ أَنْ يُثْبِتَهُ بِيَقِينٍ كَامِلٍ.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى الرُّمُوزِ المَنْقُوشَةِ عَلَى البَابِ.
كَانَتْ تَبْدُو وَكَأَنَّهَا تَقُولُ شَيْئًا بِلُغَةٍ لَا يَعْرِفُهَا.
لَكِنَّهُ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، لَمْ يَخَفْ مِنَ اللُّغَاتِ الَّتِي لَا يَعْرِفُهَا.

متحف الأيام المفقودة 51