متحف الأيام المفقودة 54

مُتحَفُ الأَيَّامِ المَفقُودَة
الفَصلُ الرَّابِعُ وَالخَمسُون: المُبَرمِج
________________________________________
كَانَتِ القَاعَةُ الأَخِيرَةُ فِي هَذَا المِحْوَرِ العِلْمِيِّ مُخْتَلِفَةً عَنْ كُلِّ مَا سَبَقَهَا بِطَرِيقَةٍ لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَضَعَ إِصْبَعَكَ عَلَيْهَا بِدِقَّةٍ فِي البَدَايَةِ، لَكِنَّكَ تُحِسُّهَا فِي الهَوَاءِ نَفْسِهِ.
لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ صَمْتٌ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَسْكُنُ فِي مَعَامِلِ العُلَمَاءِ المُتَأَمِّلِينَ، ذَلِكَ الصَّمْتُ الثَّقِيلُ المَشْحُونُ بِالتَّفْكِيرِ.
كَانَ هُنَا صَخَبٌ هَادِئٌ مُنْتَظِمٌ: نَقْرُ أَصَابِعَ عَلَى لَوْحَةِ مَفَاتِيحَ بِإِيقَاعِ مَنْ يَسْبَحُ فِي تَيَّارِ لا يَتَوَقَّفُ، وَضَجِيجٌ رَقِيقٌ لِمَرَاوِحِ حَوَاسِيبَ تَعْمَلُ بِلا انْقِطَاعٍ، وَوَمِيضُ شَاشَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ تَعْرِضُ أَسْطُراً مِنَ الشِّفْرَاتِ البَرْمَجِيَّةِ تَنْزِلُ وَتَصْعَدُ كَنَهْرٍ إِلِكْتُرُونِيٍّ لا يَعْرِفُ الرَّاحَةَ.
فِي مَرْكَزِ هَذَا الفَضَاءِ التِّقْنِيِّ الحَدِيثِ، كَانَ يَجْلِسُ شَابٌ فِي الثَّامِنَةِ وَالعِشْرِينَ، يَرْتَدِي قَمِيصاً بِلَوْنٍ رَمَادِيٍّ مَنْسِيٍّ، وَعَلَى أُذُنَيْهِ سَمَّاعَاتٌ ضَخْمَةٌ تَحْجُبُ العَالَمَ مِنْ حَوْلِهِ بِإِرَادَةٍ وَاضِحَةٍ.
كَانَ يَكْتُبُ بِسُرْعَةٍ لا تَتَسَاءَلُ، بِأَصَابِعَ تَبْدُو كَأَنَّهَا تَتَكَلَّمُ بِلُغَةٍ لا يَعْرِفُهَا إِلا الحَاسُوبُ الَّذِي أَمَامَهُ.
حِينَ سَمِعَ صَوْتَ خُطَى سَامِرَ، أَزَاحَ السَّمَّاعَاتِ بِحَرَكَةٍ آلِيَّةٍ وَنَظَرَ إِلَيْهِ:
ـ أَهْلاً بِكَ. اعْذُرْ تَرْكِيزِي، أُحَاوِلُ حَلَّ مُشْكِلَةٍ بَرْمَجِيَّةٍ صَعْبَةٍ جِدَّاً. هَذِهِ الأَسْطُرُ تَتَصَرَّفُ بِطَرِيقَةٍ لَمْ أَبْرْمِجْهَا.
ـ أَنَا سَامِرُ. مَا الَّذِي تَعْمَلُ عَلَيْهِ؟
أَزَالَ السَّمَّاعَاتِ كَامِلاً وَوَضَعَهَا عَلَى الطَّاوِلَةِ، وَنَظَرَ إِلَيْهِ بِحَمَاسٍ شَبَابِيٍّ لَمْ يَتَعَلَّمْ بَعْدُ أَنْ يُخَفِّيَهُ خَلْفَ حَذَرٍ مُهَنِيٍّ:
ـ أَعْمَلُ فِي شَرِكَةٍ نَاشِئَةٍ فِي سَانْ فَرَانْسِيسْكُو، نُطَوِّرُ نِظَاماً لِلذَّاكِرَةِ الاصْطِنَاعِيَّةِ. الهَدَفُ مُسَاعَدَةُ الأَشْخَاصِ الَّذِينَ يُعَانُونَ مِنِ اضْطِرَابَاتِ ذَاكِرَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، عَبْرَ تَسْجِيلِ ذِكْرَيَاتِهِمْ وَتَنْظِيمِهَا رَقْمِيَّاً بِطَرِيقَةٍ يُمْكِنُهُمُ الوُصُولُ إِلَيْهَا بِسُهُولَةٍ فِيمَا بَعْدُ.
شَعَرَ سَامِرُ بِفُضُولٍ فَوْرِيٍّ شَدَّهُ نَحْوَ الشَّاشَاتِ:
ـ هَذَا يَبْدُو مُثِيراً جِدَّاً بِالنِّسْبَةِ لِمُشْكِلَتِي. هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُسَاعِدَنِي نِظَامٌ كَهَذَا فِي اسْتِعَادَةِ يَوْمِيَ المَفْقُودِ؟
هَزَّ الشَّابُّ رَأْسَهُ بِصِدْقٍ مِهَنِيٍّ لا لَبْسَ فِيهِ:
ـ لِلأَسَفِ، لا، لَيْسَ بِطَرِيقَةٍ مُبَاشِرَةٍ. نِظَامُنَا يُسَاعِدُ فَقَطْ فِي تَنْظِيمِ وَحِفْظِ ذِكْرَيَاتٍ تَمَّ تَسْجِيلُهَا بِالفِعْلِ بِطَرِيقَةٍ مَا، لا فِي “اسْتِرْجَاعِ” ذِكْرَيَاتٍ مَفْقُودَةٍ تَمَاماً مِنَ الأَسَاسِ لَمْ تُسَجَّلْ رَقْمِيَّاً قَطُّ. نَحْنُ لَا نَصْنَعُ ذَاكِرَةً مِنَ العَدَمِ، بَلْ نُنَظِّمُ مَا هُوَ مَوْجُودٌ أَصْلاً.
شَعَرَ سَامِرُ بِإِحْبَاطٍ خَفِيفٍ كَانَ مُنْتَظَراً لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَقَلَّ وَخْزاً:
ـ هَذَا مَنْطِقِيٌّ، أَظُنُّ. لَكِنْ أَخْبِرْنِي، مَا الَّذِي يُثِيرُ اهْتِمَامَكَ أَكْثَرَ فِي هَذَا المَجَالِ؟ أَنَا لا أَرَى عَالِماً يَكْتُبُ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ إِلا وَفِي رَأْسِهِ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنَ المُشْكِلَةِ الَّتِي أَمَامَهُ.
ابْتَسَمَ الشَّابُّ ابْتِسَامَةً فِكْرِيَّةً حَمَاسِيَّةً كَأَنَّ السُّؤَالَ أَطْلَقَ شَيْئاً كَانَ يَنْتَظِرُ مَنْ يَفْتَحُ لَهُ البَابَ:
ـ السُّؤَالُ الَّذِي يَشْغَلُنِي أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ مُؤَخَّراً هُوَ عَكْسُ مَا قَدْ تَتَخَيَّلُهُ. لَيْسَ كَيْفَ نَحْفَظُ كُلَّ شَيْءٍ وَنُسَجِّلُهُ بِدِقَّةٍ لا تُخْطِئُ. بَلْ هَلْ يُمْكِنُ، وَيَجِبُ، أَنْ نُبَرْمِجَ “نِسْيَاناً” مُتَعَمَّداً اخْتِيَارِيَّاً لِبَعْضِ الذِّكْرَيَاتِ المُؤْلِمَةِ جِدَّاً، بِطَرِيقَةٍ تُسَاعِدُ النَّاسَ عَلَى الشِّفَاءِ النَّفْسِيِّ وَالمُضِيِّ قُدُماً؟
ـ هَذَا يَبْدُو مَعَاكِساً تَمَاماً لِمَا كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْهُ أَنَا طَوَالَ هَذِهِ الرِّحْلَةِ.
أَوْمَأَ الشَّابُّ بِرَأْسِهِ بِتَفَهُّمٍ حَقِيقِيٍّ:
ـ أَفْهَمُ هَذَا تَمَاماً، وَهُوَ بِالضَّبْطِ مَا يَجْعَلُ هَذَا السُّؤَالَ مُعَقَّداً جِدَّاً أَخْلَاقِيَّاً. تَخَيَّلْ مَعِي: ثَمَّةَ جُنْدِيٌّ عَادَ مِنَ الحَرْبِ وَيُعَانِي مِنْ صَدَمَةٍ نَفْسِيَّةٍ حَادَّةٍ، تُعِيدُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى لَحَظَاتٍ لا يُرِيدُ أَنْ يَرَاهَا بَعَيْنَيْهِ حَتَّى وَهُوَ نَائِمٌ. وَثَمَّةَ امْرَأَةٌ تَعَرَّضَتْ لِعُنْفٍ شَدِيدٍ وَلا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُكَوِّنَ عَلَاقَةً أَوْ تَمْشِيَ فِي الشَّارِعِ دُونَ أَنْ تَرَى ذَلِكَ العُنْفَ يَتَكَرَّرُ أَمَامَهَا فِي كُلِّ مَكَانٍ. مَاذَا لَوِ اسْتَطَعْنَا، تِقْنِيَّاً، أَنْ “نَمْحُوَ” بِدِقَّةٍ ذَاكِرَةَ تِلْكَ اللَّحَظَاتِ الصَّادِمَةِ، أَوْ عَلَى الأَقَلِّ نُخَفِّفَ حِدَّةَ تَأْثِيرِهَا العَاطِفِيِّ بِشَكْلٍ كَبِيرٍ؟ هَلْ هَذَا تَطَوُّرٌ طِبِّيٌّ إِيجَابِيٌّ يَسْتَحِقُّ التَّطْوِيرَ وَالاسْتِثْمَارَ؟ أَمْ تَلَاعُبٌ خَطِيرٌ بِجَوْهَرِ هُوِيَّةِ الإِنْسَانِ نَفْسِهَا؟
شَعَرَ سَامِرُ بِفِكْرَةٍ مُعَقَّدَةٍ تَتَشَكَّلُ فِي ذِهْنِهِ بِبُطْءٍ، كَأَنَّهَا تَتَخَيَّرُ كَلِمَاتِهَا بِعِنَايَةٍ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ:
ـ مَاذَا لَوْ كَانَ شَخْصٌ مَا، فِي المَاضِي، اتَّخَذَ قَرَاراً، وَاعِياً أَوْ غَيْرَ وَاعٍ، لِيَمْحُوَ ذِكْرَى مُعَيَّنَةٍ بِنَفْسِهِ، بِطَرِيقَةٍ طَبِيعِيَّةٍ وَلَيْسَتْ تِقْنِيَّةٍ؟ تَمَاماً كَمَا حَدَثَ مَعِي مَعَ يَوْمِيَ المَفْقُودِ؟
نَظَرَ إِلَيْهِ الشَّابُّ بِاهْتِمَامٍ شَدِيدٍ، كَمَنْ وَجَدَ فَجْأَةً أَنَّ ضَيْفَهُ لَيْسَ مَجَرَّدَ زَائِرٍ بَلْ هُوَ جُزْءٌ مِنَ السُّؤَالِ الَّذِي يُفَكِّرُ فِيهِ:
ـ هَذَا رَبْطٌ مُثِيرٌ جِدَّاً لَمْ يَخْطُرْ لِي. رُبَّمَا عَقْلُكَ البَشَرِيُّ، بِطَرِيقَتِهِ الطَّبِيعِيَّةِ المُعَقَّدَةِ الَّتِي تَتَفَوَّقُ عَلَى كُلِّ مَا نَبْرْمِجُهُ حَتَّى الآنَ، فَعَلَ بِالفِعْلِ شَيْئاً مُشَابِهاً جِدَّاً لِمَا أُحَاوِلُ أَنَا أَنْ أُبَرْمِجَهُ تِقْنِيَّاً: قَرَّرَ، لِسَبَبٍ مَا، حِمَايَتَكَ مِنْ ذِكْرَى قَدْ تَكُونُ مُؤْلِمَةً جِدَّاً، عَبْرَ “مَحْوِهَا” أَوْ حَجْبِهَا عَنْ وَعْيِكَ المُبَاشِرِ. عَقْلُكَ كَتَبَ شِفْرَةً لَمْ تَطْلُبْهَا مِنْهُ، وَنَفَّذَهَا دُونَ أَنْ يَسْتَأْذِنَكَ.
صَمَتَ سَامِرُ لَحْظَةً، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ أَخْفَضَ:
ـ هَلْ تَظُنُّ أَنَّ هَذَا “القَرَارَ”، إِنْ كَانَ مَوْجُوداً فِعْلاً، كَانَ قَرَاراً صَحِيحاً؟ هَلْ يَجِبُ أَنْ أُحَاوِلَ إِلْغَاءَهُ بِاسْتِعَادَةِ الذِّكْرَى رَغْماً عَنْهُ؟
فَكَّرَ الشَّابُّ طَوِيلاً، وَحِينَ أَجَابَ ظَهَرَتْ فِي كَلامِهِ جِدِّيَّةٌ غَيْرُ مُتَوَقَّعَةٍ مِنْ شَابٍّ بِعُمْرِهِ، كَأَنَّ السُّؤَالَ جَعَلَهُ يَكْبَرُ سَنَوَاتٍ فِي ثَوَانٍ:
ـ هَذَا سُؤَالٌ أَخْلاقِيٌّ عَمِيقٌ جِدَّاً، حَتَّى بِالنِّسْبَةِ لِي فِي عَمَلِي التِّقْنِيِّ البَارِدِ الَّذِي يَبْدُو أَحْيَاناً بَعِيداً عَنِ الأَخْلاقِ. أَعْتَقِدُ أَنَّ الجَوَابَ يَعْتَمِدُ كَثِيراً عَلَى ظُرُوفِكَ الخَاصَّةِ، وَعَلَى مَدَى اسْتِعْدَادِكَ النَّفْسِيِّ وَالعَمَلِيِّ لِلتَّعَامُلِ مَعَ مَا قَدْ تَكْتَشِفُهُ إِنِ اسْتَعَدْتَ تِلْكَ الذِّكْرَى. أَحْيَاناً، الحِمَايَةُ الَّتِي يُوَفِّرُهَا النِّسْيَانُ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ غَيْرَ مُرِيحَةٍ بِسَبَبِ الغُمُوضِ الَّذِي تَتْرُكُهُ خَلْفَهَا، قَدْ تَكُونُ أَفْضَلَ مُؤَقَّتاً مِنْ مُوَاجَهَةٍ مُبَاشِرَةٍ غَيْرِ مُسْتَعَدٍّ لَهَا نَفْسِيَّاً. كَرَجُلٍ يَعُودُ مِنْ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ وَبَيْتُهُ فَوْضَى: رُبَّمَا أَفْضَلُ مَا يَفْعَلُهُ هُوَ أَنْ يَنَامَ أَوَّلاً قَبْلَ أَنْ يُقَرِّرَ مَا الَّذِي يُرْتَّبُ وَمَا الَّذِي يُرْمَى.
ـ كَيْفَ أَعْرِفُ إِنْ كُنْتُ “مُسْتَعِدَّاً” أَمْ لا؟
نَظَرَ إِلَيْهِ الشَّابُّ بِصِدْقٍ لَمْ يَتَزَيَّنْ:
ـ هَذَا سُؤَالٌ يَجِبُ أَنْ تَسْتَكْشِفَهُ مَعَ مُتَخَصِّصٍ نَفْسِيٍّ حَقِيقِيٍّ، لا مَعِي أَنَا الَّذِي أُجِيدُ الكَلامَ مَعَ الحَوَاسِيبِ أَكْثَرَ مِمَّا أُجِيدُهُ مَعَ القُلُوبِ. لَكِنَّنِي أَسْتَطِيعُ أَنْ أُشَارِكَكَ مُلاحَظَةً مِنْ عَمَلِي التِّقْنِيِّ، وَهِيَ أَنَّ أَفْضَلَ الأَنْظِمَةِ الَّتِي نُطَوِّرُهَا لَيْسَتْ تِلْكَ الَّتِي تَفْرِضُ عَلَى المُسْتَخْدِمِ اسْتِعَادَةَ ذِكْرَيَاتٍ أَوْ مَحْوَهَا بِشَكْلٍ مُفَاجِئٍ وَقَسْرِيٍّ، بَلْ تِلْكَ الَّتِي تَمْنَحُهُ أَدَوَاتٍ تَدْرِيجِيَّةً هُوَ يَتَحَكَّمُ بِوَتِيرَتِهَا وَاتِّجَاهِهَا، حَسَبَ اسْتِعْدَادِهِ الشَّخْصِيِّ الَّذِي لا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ. أَفْضَلُ نِظَامٍ هُوَ الَّذِي يَقُولُ لِلمُسْتَخْدِمِ: أَنْتَ تَقُودُ، أَنَا فَقَطْ أُضِيءُ الطَّرِيقَ.
شَعَرَ سَامِرُ بِحِكْمَةٍ عَمَلِيَّةٍ فِي هَذِهِ الإِجَابَةِ، لَيْسَتْ فَلْسَفَةً تَبْحَثُ عَنْ نَفْسِهَا، بَلْ صِدْقٌ خَرَجَ مِنْ تَجْرِبَةٍ:
ـ هَذَا يَبْدُو نَهْجاً مُتَوَازِناً وَمُحْتَرِماً.
أَوْمَأَ الشَّابُّ بِرَأْسِهِ بِحَمَاسٍ:
ـ هَذَا مَا أُؤْمِنُ بِهِ بِقُوَّةٍ فِي عَمَلِي وَخَارِجَ عَمَلِي: التِّقْنِيَّةُ يَجِبُ أَنْ تَخْدُمَ الإِنْسَانَ وَتَحْتَرِمَ إِرَادَتَهُ الذَّاتِيَّةَ، لا أَنْ تَفْرِضَ عَلَيْهِ حُلُولاً جَاهِزَةً كَأَنَّهُ مَسْأَلَةٌ رِيَاضِيَّةٌ لَهَا جَوَابٌ وَاحِدٌ صَحِيحٌ. الإِنْسَانُ لَيْسَ مَسْأَلَةً رِيَاضِيَّةً.
تَجَرَّأَ سَامِرُ عَلَى سُؤَالٍ أَخِيرٍ:
ـ هَلْ تَظُنُّ أَنَّ المُسْتَقْبَلَ، التِّقْنِيَّةَ المُتَقَدِّمَةَ جِدَّاً، سَتَحُلُّ يَوْماً مُشْكِلَةَ فُقْدَانِ الذَّاكِرَةِ بِشَكْلٍ كَامِلٍ؟
فَكَّرَ الشَّابُّ طَوِيلاً، وَكَانَ فِي عَيْنَيْهِ حَمَاسٌ مُسْتَقْبَلِيٌّ يُقَيِّدُهُ حَذَرٌ حَقِيقِيٌّ نَادِرٌ فِي مَنْ يَعْمَلُونَ فِي صَنَاعَةِ التِّقْنِيَّةِ وَيُؤْمِنُونَ أَنَّ كُلَّ مُشْكِلَةٍ لَهَا حَلٌّ بَرْمَجِيٌّ:
ـ رُبَّمَا، جُزْئِيَّاً، يَوْماً مَا، بَعْدَ تَطَوُّرَاتٍ تِقْنِيَّةٍ كَبِيرَةٍ جِدَّاً لا أَسْتَطِيعُ التَّنَبُّؤَ بِتَفَاصِيلِهَا الآنَ وَلا أَحَدٌ يَسْتَطِيعُ. لَكِنَّنِي أَعْتَقِدُ أَيْضاً أَنَّ جُزْءاً مِنْ كَوْنِنَا بَشَراً حَقِيقِيِّينَ، نَحْمِلُ قِصَصاً مُعَقَّدَةً وَجِرَاحاً وَأَفْرَاحاً لا تَقْبَلُ الأَرْقَامَ، يَكْمُنُ بِالضَّبْطِ فِي تِلْكَ الفَجَوَاتِ، تِلْكَ الأَمَاكِنِ غَيْرِ المُكْتَمِلَةِ فِي مَعْرِفَتِنَا عَنْ أَنْفُسِنَا.
صَمَتَ لَحْظَةً، ثُمَّ أَضَافَ بِلَهْجَةِ مَنْ يَقُولُ شَيْئاً اكْتَشَفَهُ لِلتَّوِّ:
ـ رُبَّمَا، حَتَّى لَوِ اسْتَطَعْنَا تِقْنِيَّاً أَنْ نَمْلأَ كُلَّ فَجْوَةٍ يَوْماً مَا، وَأَنْ نُجِيبَ عَنْ كُلِّ سُؤَالٍ وَنُلْغِيَ كُلَّ غُمُوضٍ، لَنْ نَرْغَبَ فِعْلِيَّاً فِي فِعْلِ ذَلِكَ. لأَنَّنَا سَنُدْرِكُ أَنَّ تِلْكَ الفَجَوَاتِ نَفْسَهَا جُزْءٌ أَصِيلٌ مِمَّا يَجْعَلُنَا بَشَراً حَقِيقِيِّينَ، لا آلاتٍ مُبَرْمَجَةً بِذَاكِرَةٍ كَامِلَةٍ مُثَالِيَّةٍ. الآلَةُ الكَامِلَةُ لَيْسَتْ إِنْسَاناً، هِيَ نَسَخَةٌ مِنْهُ بِلا روح.
شَعَرَ سَامِرُ بِفِكْرَةٍ عَمِيقَةٍ تَسْتَقِرُّ فِيهِ، لَا كَفِكْرَةٍ جَدِيدَةٍ، بَلْ كَتَأْكِيدٍ لِشَيْءٍ كَانَ يَعْرِفُهُ دُونَ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهُ يَعْرِفُهُ:
ـ شُكْراً لَكَ عَلَى هَذَا التَّوَازُنِ بَيْنَ التَّفَاؤُلِ التِّقْنِيِّ وَالحِكْمَةِ الإِنْسَانِيَّةِ. هَذَا نَادِرٌ فِيمَنْ يُؤْمِنُونَ أَنَّ كُلَّ مُشْكِلَةٍ لَهَا كُودٌ يَحُلُّهَا.
ابْتَسَمَ الشَّابُّ ابْتِسَامَةً أَخِيرَةً فِيهَا دِفْءٌ لَمْ تُخِبَّهُ الشَّاشَاتُ المُضِيئَةُ مِنْ حَوْلِهِ، أَعَادَ سَمَّاعَاتِهِ إِلَى أُذُنَيْهِ بِحَمَاسٍ مُتَجَدِّدٍ، وَقَالَ قَبْلَ أَنْ تُغْلَقَ عَلَيْهِ الأَصْوَاتُ:
ـ اذْهَبِ الآنَ يَا سَامِرُ. وَاحْمِلْ مَعَكَ هَذَا: حَتَّى فِي عَالَمٍ يَمْتَلِئُ بِتِقْنِيَاتٍ مُتَقَدِّمَةٍ جِدَّاً وَتَتَجَاوَزُ كُلَّ يَوْمٍ مَا كَانَ مُسْتَحِيلاً أَمْسِ، تَبْقَى قِيمَةُ الإِنْسَانِ الحَقِيقِيَّةُ فِي كَيْفِيَّةِ تَعَامُلِهِ مَعَ نَقْصِهِ وَفَجَوَاتِهِ وَأَسْئِلَتِهِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا إِجَابَةٌ كَامِلَةٌ، لا فَقَطْ فِي امْتِلاكِهِ ذَاكِرَةً مُكَتَّمَلَةً لا ثُغْرَةَ فِيهَا.
بَدَأَ المَكْتَبُ التِّقْنِيُّ وَالشَّاشَاتُ المُضِيئَةُ بِأَسْطُرِ الشِّفْرَاتِ تَتَلاشَى بِبُطْءٍ، كَأَنَّ أَحَداً كَتَبَ أَمْرَاً أَغْلَقَ البَرْنَامَجَ بِرِفْقٍ، حَتَّى عَادَ سَامِرُ إِلَى الرَّوَاقِ المَأْلُوفِ.
كَانَ العَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ، يَبْتَسِمُ ابْتِسَامَةً عَمِيقَةً وَهُوَ يُرَتِّبُ الأَشْيَاءَ المُتَرَاكِمَةَ فِي الدَّرَجِ الخَشَبِيِّ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ، كَمَنْ يُرَتِّبُ فُصُولاً مِنْ حَيَاةٍ بَشَرِيَّةٍ:
ـ انْتَهَى مِحْوَرُ العُلُومِ بِأَكْمَلِهِ الآنَ يَا سَامِرُ. اثْنَا عَشَرَ صَوْتاً عِلْمِيَّاً، مِنْ عِلْمِ الأَعْصَابِ إِلَى البَرْمَجَةِ، كُلُّهُمْ أَضَافُوا طَبَقَةً جَدِيدَةً لِفَهْمِكَ لِنَفْسِكَ وَلِلُغْزِكَ.
نَظَرَ سَامِرُ إِلَى الأَشْيَاءِ المُتَجَمِّعَةِ فِي الدَّرَجِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا صَغِيرٌ لَا يَكَادُ يُرَى، لَكِنَّ ثِقَلَهُمْ مَعاً كَانَ ثِقَلَ رِحْلَةٍ كَامِلَةٍ فِي قَلْبِهِ:
ـ نِصْفُ الرِّحْلَةِ تَقْرِيباً اكْتَمَلَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
أَوْمَأَ العَجُوزُ بِرَأْسِهِ:
ـ أَكْثَرُ قَلِيلاً مِنَ النِّصْفِ فِعْلِيَّاً. أَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ فَصْلاً وَرَاءَكَ، سِتَّةٌ وَثَلاثُونَ أَمَامَكَ. المِحْوَرُ السَّادِسُ يَنْتَظِرُكَ الآنَ: الفُنُونُ وَالإِبْدَاعُ، حَيْثُ سَتُقَابِلُ فَنَّانِينَ وَمُبْدِعِينَ عَبْرَ العُصُورِ، يَحْمِلُونَ فَهْماً مُخْتَلِفاً كُلِّيَّاً لِلذَّاكِرَةِ وَالنِّسْيَانِ، عَبْرَ الأَلْوَانِ وَالمُوسِيقَى وَالكَلِمَاتِ.
شَعَرَ سَامِرُ بِتَعَبٍ عَمِيقٍ لَكِنَّهُ كَانَ تَعَبَ مَنْ قَطَعَ مَسَافَةً حَقِيقِيَّةً، لا تَعَبَ مَنْ جَلَسَ طَوِيلاً دُونَ أَنْ يَتَحَرَّكَ. وَمَعَ التَّعَبِ، كَانَ ثَمَّةَ فُضُولٌ مُتَجَدِّدٌ لا يَنْضُبُ، كَنَهْرٍ يُفَرِّغُكَ مِنَ الشَّكِّ وَيَمْلَؤُكَ مِنَ السُّؤَالِ:
ـ لِنُوَاصِلْ، حِينَ تَشَاءُ.

متحف الأيام المفقودة 55