متحف الأيام المفقودة 58

مُتْحَفُ الأَيَّامِ الْمَفْقُودَة
الْفَصْلُ الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ – الشَّاعِرَةُ الْمَنْفِيَّة – « الشِّعْرُ كَمُقَاوَمَةٍ لِمَحْوِ الذَّاكِرَة » – إِيرَانُ — ٢٠١٠ م
—————————————
كَانَتِ الْقَاعَةُ التَّالِيَةُ مِنْ قَاعَاتِ الْمُتْحَفِ الْغَرِيبِ لَا تُشْبِهُ سَابِقَاتِهَا فِي شَيْءٍ. لَمْ تَكُنْ رَحْبَةً وَلَا مُضَاءَةً بِالثَّرِيَّاتِ الْبَاذِخَةِ، وَلَمْ تَحْمِلْ فِي زَوَايَاهَا تِلْكَ الْأَجْهِزَةَ الَّتِي تَنْبِضُ بِضَوْءٍ أَزْرَقَ بَارِدٍ. كَانَتْ، بِبَسَاطَةٍ مُؤْلِمَةٍ، غُرْفَةً صَغِيرَةً، ضَيِّقَةَ الأَرْجَاءِ، تَقَعُ فِي مَدِينَةٍ غَرْبِيَّةٍ لَا يَعْرِفُ سَامِرٌ اسْمَهَا، لَكِنَّهُ أَحَسَّ فِي هَوَائِهَا بِبُرُودَةٍ تَتَجَاوَزُ فُصُولَ الشِّتَاءِ — بُرُودَةٌ تَخُصُّ الأَمَاكِنَ الَّتِي يَعِيشُ فِيهَا الإِنْسَانُ دُونَ أَنْ يَنْتَمِيَ إِلَيْهَا حَقًّا.
كَانَ فِي الْغُرْفَةِ نَافِذَةٌ وَاحِدَةٌ تُطِلُّ عَلَى شَارِعٍ لَا تُمَيِّزُهُ عَنْ آلَافِ الشَّوَارِعِ الأُخْرَى فِي آلَافِ المُدُنِ الأُخْرَى: أَرْصِفَةٌ رَمَادِيَّةٌ، وَمَحَلَّاتٌ بِنَوَافِذَ مُضَاءَةٍ، وَمَارَّةٌ يُسْرِعُونَ خُطَاهُمْ تَحْتَ مَطَرٍ خَفِيفٍ لَا يَنْتَهِي. شَارِعٌ بِلَا رَائِحَةٍ مَأْلُوفَةٍ، بِلَا مَعَالِمَ تُوقِظُ الذَّاكِرَةَ، بِلَا أَصْوَاتٍ تَمَسُّ الرُّوحَ — وَهَذَا وَحْدَهُ كَفِيلٌ بِأَنْ يَجْعَلَ الإِنْسَانَ يُدْرِكَ مَعْنَى الْغُرْبَةِ بِعُمْقٍ لَا تَبْلُغُهُ الْكَلِمَاتُ.
جَلَسَتِ الْمَرْأَةُ عِنْدَ مَكْتَبٍ بَسِيطٍ مِنَ الْخَشَبِ الدَّاكِنِ، مَكْتَبٍ لَا يَشِي بِثَرَوَةٍ وَلَا بِرَفَاهِيَةٍ، بَلْ بِعُمُرٍ طَوِيلٍ مِنَ الْاسْتِخْدَامِ الصَّادِقِ. كَانَتْ فِي الرَّابِعَةِ وَالأَرْبَعِينَ مِنْ عُمْرِهَا، وَإِنْ كَانَ وَجْهُهَا يَحْمِلُ مِنَ الْأَثَرِ مَا يَجْعَلُهُ يَبْدُو أَكْبَرَ أَحْيَانًا وَأَصْغَرَ أَحْيَانًا أُخْرَى — الْأَثَرُ الَّذِي لَا يَتْرُكُهُ الْعُمُرُ وَحْدَهُ، بَلْ يَتْرُكُهُ الأَلَمُ الْمُقِيمُ الَّذِي آثَرَ صَاحِبُهُ أَنْ يُحَوِّلَهُ إِلَى فِعْلٍ بَدَلًا مِنْ أَنْ يَسْتَسْلِمَ لَهُ.
كَانَتْ تَكْتُبُ. كَانَتْ تَكْتُبُ بِاللُّغَةِ الْفَارِسِيَّةِ، تِلْكَ اللُّغَةُ الَّتِي تَنْتَمِي إِلَيْهَا قَبْلَ أَنْ تَنْتَمِيَ إِلَى أَيِّ وَطَنٍ أَوْ أَيِّ إِنْسَانٍ آخَرَ. كَانَتْ خُطُوطُهَا أَنِيقَةً مُتَدَفِّقَةً، كَأَنَّ قَلَمَهَا يَجْرِي لَا يَتَوَقَّفُ إِلَّا حِينَ تَتَوَقَّفُ هِيَ لِتُفَكِّرَ، فَيَتَوَقَّفُ تَوَقُّفَهَا تَمَامًا، ثُمَّ يَعُودُ حِينَ تَعُودُ. حَوْلَهَا، عَلَى الْمَكْتَبِ وَفَوْقَهُ وَحَوْلَهُ، أَوْرَاقٌ كَثِيرَةٌ مُتَكَدِّسَةٌ، بَعْضُهَا مَكْتُوبٌ وَجْهَيْنِ، وَبَعْضُهَا مُشَطَّبٌ ثُمَّ كُتِبَ فَوْقَ تَشْطِيبِهِ، وَبَعْضُهَا ذُو طُرَّةٍ صَغِيرَةٍ مَلَأَتْهَا بِمُلَاحَظَاتٍ هَامِسَةٍ — كُلُّ تِلْكَ الأَوْرَاقِ كَانَتْ تَبْدُو لِسَامِرَ كَأَنَّهَا حَيَّةٌ، كَأَنَّهَا تَتَنَفَّسُ.
رَفَعَتِ الشَّاعِرَةُ رَأْسَهَا حِينَ شَعَرَتْ بِحُضُورِ سَامِرَ فِي الْغُرْفَةِ، وَابْتَسَمَتْ بِتِلْكَ الابْتِسَامَةِ الَّتِي يَمْلِكُهَا مَنِ اعْتَادَ أَنْ يَجِدَ فِي صُحْبَةِ الْغُرَبَاءِ رَاحَةً أَحْيَانًا.
ـ أَهْلًا بِكَ. اعْذُرْ فَوْضَى مَكْتَبِي — أَحَاوِلُ أَنْ أُنْهِيَ مَجْمُوعَةً شِعْرِيَّةً جَدِيدَةً قَبْلَ أَنْ تَتَسَلَّلَ اللُّغَةُ نَفْسُهَا مِنْ ذَاكِرَتِي.
تَوَقَّفَ سَامِرٌ عِنْدَ تِلْكَ الْعِبَارَةِ. لَمْ تَكُنْ عِبَارَةً عَادِيَّةً، وَلَمْ تَكُنْ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَقُولُهُ الإِنْسَانُ مُجَامَلَةً أَوِ اعْتِذَارًا عَابِرًا. كَانَتْ تَقُولُ شَيْئًا حَقِيقِيًّا عَنْ خَوْفٍ حَقِيقِيٍّ.
ـ مَاذَا تَقْصِدِينَ بِـ«تَتَسَلَّلُ اللُّغَةُ مِنْ ذَاكِرَتِكِ»؟
رَفَعَتْ عَيْنَيْهَا إِلَيْهِ، وَفِيهِمَا حُزْنٌ عَمِيقٌ لَيْسَ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَبْحَثُ عَنِ التَّعَازِي، بَلْ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَسْكُنُ فِي الإِنْسَانِ سُكُونَ الضَّيْفِ الَّذِي تَحَوَّلَ إِلَى مُقِيمٍ.
ـ أَعِيشُ فِي الْمَنْفَى مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ. بَعِيدَةٌ عَنْ وَطَنِي، عَنْ لُغَتِي الأُمِّ، عَنْ كُلِّ مَنْ يَفْهَمُهَا بِعُمْقٍ حَقِيقِيٍّ — ذَلِكَ الْعُمْقُ الَّذِي لَا يَأْتِي مِنَ الدِّرَاسَةِ وَحْدَهَا، بَلْ مِنَ الْعَيْشِ دَاخِلَ اللُّغَةِ، مِنَ الشِّجَارِ بِهَا، وَالْحُبِّ بِهَا، وَالْبُكَاءِ بِهَا.
تَوَقَّفَتْ لِحَظَّةً، كَأَنَّهَا تُمَيِّزُ بَيْنَ مَا تُرِيدُ أَنْ تَقُولَهُ وَمَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُولَهُ، ثُمَّ أَكْمَلَتْ:
ـ أَكْتُبُ بِالْفَارِسِيَّةِ، لَكِنَّ قَلِيلِينَ جِدًّا هُنَا يَقْرَؤُونَ بِهَذِهِ اللُّغَةِ. وَأَخْشَى — كُلَّ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي سَبَقَهُ — أَنْ تَبْدَأَ كَلِمَاتُ لُغَتِي الأُمِّ بِالتَّلَاشِي مِنْ ذَاكِرَتِي، مُسْتَبْدَلَةً تَدْرِيجِيًّا بِلُغَةِ الْمَكَانِ الَّذِي أَعِيشُ فِيهِ. هَذَا لَيْسَ خَوْفًا شَاعِرِيًّا، يَا سَامِرُ — هَذَا مَا يَحْدُثُ فِعْلًا. حِينَ تَعِيشُ بَيْنَ لُغَتَيْنِ، اللُّغَةُ الأَقَلُّ اسْتِخْدَامًا تَبْدَأُ تَتَرَاجَعُ كَالشَّمْسِ فِي الشِّتَاءِ — أَنْتَ لَا تَرَاهَا تَتَرَاجَعُ، وَلَكِنَّهَا تَتَرَاجَعُ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِثِقَلِ هَذَا الْخَوْفِ يَنْتَقِلُ إِلَيْهِ كَأَنَّهُ شَيْءٌ مَلْمُوسٌ. تَخَيَّلَ — لِأَوَّلِ مَرَّةٍ رُبَّمَا — مَا يَعْنِيهِ أَنْ تَفْقِدَ لُغَتَكَ لَا بِسَبَبِ مَرَضٍ وَلَا بِسَبَبِ إِهْمَالٍ، بَلْ بِسَبَبِ الْغِيَابِ الطَّوِيلِ وَحْدَهُ. أَنْ تَبْحَثَ عَنْ كَلِمَةٍ فِي لُغَتِكَ الأُمِّ فَلَا تَجِدَهَا، وَأَنْ تَجِدَ بَدَلَهَا كَلِمَةً فِي لُغَةٍ أُخْرَى تَسُدُّ مَكَانَهَا دُونَ أَنْ تَمْلأَ فَرَاغَهَا.
ـ هَذَا يَبْدُو فَقْدَانًا مُضَاعَفًا: فَقْدَانُ الْوَطَنِ أَوَّلًا، ثُمَّ فَقْدَانُ اللُّغَةِ الَّتِي كَانَتْ تَرْبِطُكِ بِهِ، كَأَنَّ الْمَنْفَى يَسْرِقُكِ مَرَّتَيْنِ.
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِحُزْنٍ صَادِقٍ لَا يَبْحَثُ عَنِ التَّأْكِيدِ وَلَا عَنِ الاعْتِرَاضِ — حُزْنٌ يَقِفُ عَلَى أَرْضِيَّةِ الْحَقِيقَةِ الثَّابِتَةِ.
ـ هُوَ كَذَلِكَ بِالضَّبْطِ. وَلِهَذَا أَكْتُبُ بِهَوَسٍ شِبْهِ يَوْمِيٍّ — وَكَلِمَةُ «هَوَسٍ» لَيْسَتْ مُبَالَغَةً؛ إِنَّهَا وَصْفٌ دَقِيقٌ. أُحَاوِلُ أَنْ أُبْقِيَ لُغَتِي حَيَّةً بِدَاخِلِي، حَتَّى لَوْ لَمْ يَقْرَأْهَا أَحَدٌ هُنَا. الْكِتَابَةُ أَصْبَحَتْ، بِالنِّسْبَةِ لِي، فِعْلَ مُقَاوَمَةٍ يَوْمِيٍّ ضِدَّ نِسْيَانٍ قَسْرِيٍّ يُهَدِّدُنِي مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. كَمَا يُقَاوِمُ الزَّارِعُ الجَفَافَ بِالسَّقْيِ الْيَوْمِيِّ، أُقَاوِمُ أَنَا النِّسْيَانَ بِالْكِتَابَةِ الْيَوْمِيَّةِ.
فَكَّرَ سَامِرٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ — الزَّارِعُ الَّذِي يَسْقِي وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ أَحَدٌ مِنْ ثِمَارِهِ بَعْدُ. ثُمَّ سَأَلَ:
ـ هَلْ تَشْعُرِينَ بِالْعُزْلَةِ؟ أَنْ تَكْتُبِي بِلُغَةٍ لَا يَفْهَمُهَا مَنْ حَوْلَكِ؟
نَظَرَتْ بَعِيدًا، إِلَى الشَّارِعِ الَّذِي خَلْفَ النَّافِذَةِ، حَيْثُ الْمَطَرُ الْخَفِيفُ لَا يَزَالُ يَسْقُطُ بِلَا تَعَجُّلٍ وَلَا كَسَلٍ — مَطَرٌ اعْتَادَ أَنْ يَسْقُطَ عَلَى مَنْ لَا يَنْتَظِرُونَهُ.
ـ أَشْعُرُ بِعُزْلَةٍ شَدِيدَةٍ أَحْيَانًا، نَعَمْ. لَكِنَّنِي أَيْضًا أُؤْمِنُ بِقُوَّةٍ أَنَّ الْكِتَابَةَ بِلُغَتِي الأُمِّ — حَتَّى لَوْ لَمْ تُقْرَأْ عَلَى نِطَاقٍ وَاسِعٍ الْآنَ — تَحْمِلُ قِيمَةً تَتَجَاوَزُ قُرَّائِيَ الْمُبَاشِرِينَ الْحَالِيِّينَ. أَكْتُبُ لِشَعْبِي الَّذِي تَرَكْتُهُ وَرَاءَ حُدُودٍ مُغْلَقَةٍ. أَكْتُبُ لِأَطْفَالِي الَّذِينَ قَدْ يَكْبَرُونَ بَعِيدًا عَنْ وَطَنِهِمْ وَيَحْتَاجُونَ يَوْمًا إِلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ لِيَفْهَمُوا مَنْ كَانُوا. حَتَّى أَكْتُبُ لِأَجْيَالٍ مُسْتَقْبَلِيَّةٍ لَمْ أُقَابِلْهَا وَلَنْ أُقَابِلَهَا، أَجْيَالٍ قَدْ تَحْتَاجُ يَوْمًا إِلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ لِتَفْهَمَ تَجْرِبَةَ مَنْفَانَا الجَمَاعِيِّ.
تَوَقَّفَ سَامِرٌ هُنَا. شَيْءٌ فِي هَذَا الْكَلَامِ أَيْقَظَ فِيهِ فِكْرَةً كَانَتْ نَائِمَةً.
ـ هَذَا يُشْبِهُ يَوْمِيَ الْمَفْقُودَ بِطَرِيقَةٍ مَا. شَيْءٌ حَدَثَ، لَهُ قِيمَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، حَتَّى لَوْ لَمْ «يُقْرَأْ» أَوْ يُفْهَمْ بِشَكْلٍ كَامِلٍ بَعْدُ — حَتَّى مِنْ قِبَلِي أَنَا نَفْسِي.
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِإِعْجَابٍ حَقِيقِيٍّ، كَإِعْجَابِ الشَّاعِرِ حِينَ يَسْمَعُ مِنْ غَيْرِهِ صُورَةً لَمْ يُفَكِّرْ فِيهَا لَكِنَّهَا صَحِيحَةٌ.
ـ رُبَّمَا نَعَمْ. دَعِينِي أُخْبِرُكَ عَنْ تَجْرِبَةٍ شَخْصِيَّةٍ مُرْتَبِطَةٍ بِهَذَا. حِينَ بَدَأَ نِظَامُ بِلَادِي يُحَاوِلُ قَمْعَ لُغَتِنَا وَثَقَافَتِنَا فِي مَرْحَلَةٍ مَا، كَتَبَ كَثِيرٌ مِنْ شُعَرَاءِ جِيلِي بِسِرِّيَّةٍ تَامَّةٍ. أَخْفَوْا أَعْمَالَهُمْ، نَشَرُوهَا سِرًّا، وَأَحْيَانًا حَفِظُوهَا فَقَطْ فِي ذَاكِرَتِهِمُ الشَّخْصِيَّةِ — خَوْفًا مِنْ أَنْ تُصَادَرَ أَوْ تُحْرَقَ إِنْ وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً.
فَتَحَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ الأَخِيرَةُ فِي ذِهْنِ سَامِرَ بَابًا إِلَى مَا سَمِعَهُ مِنَ الْكَاهِنَةِ الكِلْتِيَّةِ فِي قَاعَةٍ سَابِقَةٍ مِنَ الْمُتْحَفِ.
ـ هَذَا يُشْبِهُ مَا فَعَلَتْهُ الْكَاهِنَةُ الكِلْتِيَّةُ — الْحِفَاظُ عَلَى الْمَعْرِفَةِ شَفَهِيًّا خَوْفًا مِنْ فَقْدَانِهَا. الإِنْسَانُ، حِينَ يُهَدَّدُ مَا يَعْرِفُهُ وَمَا يَحْفَظُهُ، يَجِدُ طُرُقًا بَدِيلَةً لِيُبْقِيَهُ حَيًّا.
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِقُوَّةٍ، وَكَأَنَّهَا وَجَدَتْ أَخِيرًا مَنْ يَرَى مَا رَأَتْهُ هِيَ مُنْذُ زَمَنٍ.
ـ بِالضَّبْطِ — رَغْمَ اخْتِلَافِ الأَسْبَابِ وَالسِّيَاقَاتِ اخْتِلَافًا وَاسِعًا. حِينَ تَكُونُ الْكِتَابَةُ الْمُبَاشِرَةُ خَطِيرَةً، أَوْ حِينَ تُهَدَّدُ بِالْمَحْوِ الْقَسْرِيِّ، يَجِدُ الْبَشَرُ دَائِمًا طُرُقًا بَدِيلَةً لِلْحِفَاظِ عَلَى ذَاكِرَتِهِمْ: حِفْظًا شَفَهِيًّا، رُمُوزًا مُشَفَّرَةً، حَتَّى أَحْيَانًا صَمْتًا مُؤَقَّتًا مَدْرُوسًا يَنْتَظِرُ وَقْتًا أَكْثَرَ أَمَانًا لِلتَّعْبِيرِ الْكَامِلِ. الصَّمْتُ الْمَدْرُوسُ لَيْسَ نَقِيضَ الْكَلَامِ — إِنَّهُ أَحْيَانًا شَكْلٌ آخَرُ مِنْهُ.
فِكْرَةٌ وَلَدَتْ فِي ذِهْنِ سَامِرَ، وَبَقِيَتْ تَتَشَكَّلُ فِي صَمْتٍ.
ـ هَلْ تَظُنِّينَ أَنَّ يَوْمِيَ الْمَفْقُودَ قَدْ يَكُونُ نَوْعًا مِنْ هَذَا «الصَّمْتِ الْمَدْرُوسِ»؟ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ قَرَارًا وَاعِيًا مِنِّي؟
فَكَّرَتْ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ. لَمْ تَتَسَرَّعْ، وَلَمْ تَتَرَدَّدْ خَوْفًا — فَكَّرَتِ التَّفْكِيرَ الَّذِي يَحْتَرِمُ السُّؤَالَ وَيَحْتَرِمُ السَّائِلَ مَعًا.
ـ هَذَا احْتِمَالٌ مُثِيرٌ لِلتَّفْكِيرِ فِيهِ، رَغْمَ أَنَّنِي لَا أَمْلِكُ دَلِيلًا مُبَاشِرًا يُؤَكِّدُهُ. لَكِنَّنِي أَسْتَطِيعُ أَنْ أُشَارِكَكَ حِكْمَةً مِنْ تَجْرِبَتِي: أَحْيَانًا، الصَّمْتُ — حَتَّى لَوْ كَانَ غَيْرَ مُرِيحٍ، حَتَّى لَوْ كَانَ مُؤْلِمًا — هُوَ شَكْلٌ مِنْ أَشْكَالِ الْحِمَايَةِ الْمُؤَقَّتَةِ. حِمَايَةٌ تَنْتَظِرُ وَقْتًا أَكْثَرَ أَمَانًا وَاسْتِعْدَادًا لِلْكَشْفِ الْكَامِلِ. كَالْبَذْرَةِ تَحْتَ الثَّلْجِ — لَيْسَتْ مَيِّتَةً، إِنَّهَا تَنْتَظِرُ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِهَذِهِ الصُّورَةِ تَسْتَقِرُّ فِيهِ كَمَا تَسْتَقِرُّ الْبَذْرَةُ فِي التُّرَابِ — لَا بِضَوْضَاءٍ، بَلْ بِصَمْتٍ ثَقِيلٍ وَخَصِبٍ.
ـ كَيْفَ أَعْرِفُ مَتَى يَحِينُ «الْوَقْتُ الأَكْثَرُ أَمَانًا» بِالنِّسْبَةِ لِي؟
ابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً حَكِيمَةً حَزِينَةً — ابْتِسَامَةُ مَنْ خَبَرَتْ هَذَا السُّؤَالَ مِنَ الدَّاخِلِ.
ـ لَا أَمْلِكُ إِجَابَةً سَهْلَةً عَنْ هَذَا، يَا سَامِرُ. وَلَوْ مَلَكْتُهَا لَأَعْطَيْتُكَ إِيَّاهَا دُونَ تَرَدُّدٍ. لَكِنَّنِي أُؤْمِنُ — بِمَا شَهِدْتُهُ وَعِشْتُهُ — أَنَّ جَسَدَكَ وَرُوحَكَ يَعْرِفَانِ مَتَى يَكُونَانِ مُسْتَعِدَّيْنِ أَكْثَرَ لِمُوَاجَهَةِ مَا هُوَ مَخْفِيٌّ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَصِلْ هَذَا الإِدْرَاكُ إِلَى وَعْيِكَ الْمُبَاشِرِ بِشَكْلٍ وَاضِحٍ وَكَامِلٍ بَعْدُ. كَمَا أَنَّ الْجِسْمَ يَعْرِفُ مَتَى يَنَامُ وَمَتَى يَصْحُو، وَإِنْ لَمْ يُخْبِرْكَ بِالسَّاعَةِ.
جَلَسَا فِي صَمْتٍ لَحَظَةً. الْمَطَرُ الْخَفِيفُ خَارِجَ النَّافِذَةِ يُوَاصِلُ سُقُوطَهُ الرَّتِيبَ الْهَادِئَ. ثُمَّ سَأَلَ سَامِرٌ السُّؤَالَ الَّذِي كَانَ يَنْتَظِرُ عَلَى طَرَفِ لِسَانِهِ مُنْذُ دَخَلَ الْغُرْفَةَ:
ـ هَلْ تَأْمُلِينَ أَنْ تَعُودِي يَوْمًا إِلَى وَطَنِكِ؟
نَظَرَتْ مِنَ النَّافِذَةِ إِلَى الشَّارِعِ الْغَرِيبِ الْبَارِدِ. وَفِي عَيْنَيْهَا امْتَزَجَ الْحُزْنُ الْعَمِيقُ بِأَمَلٍ خَافِتٍ كَجَمْرَةٍ تَكَادُ تَنْطَفِئُ لَكِنَّهَا لَا تَنْطَفِئُ.
ـ أَحْلُمُ بِهَذَا كُلَّ يَوْمٍ تَقْرِيبًا، رَغْمَ أَنَّنِي لَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَ سَيَتَحَقَّقُ فِعْلًا فِي حَيَاتِي. لَكِنَّنِي — حَتَّى فِي غِيَابِ هَذَا الأَمَلِ الْمُؤَكَّدِ — أَسْتَمِرُّ فِي الْكِتَابَةِ، فِي الْحِفَاظِ عَلَى لُغَتِي حَيَّةً بِدَاخِلِي وَعَلَى الْوَرَقِ. لِأَنَّ هَذَا، بِحَدِّ ذَاتِهِ، نَوْعٌ مِنَ الْعَوْدَةِ الرَّمْزِيَّةِ الْمُسْتَمِرَّةِ — عَوْدَةٌ إِلَى الرُّوحِ، إِنْ لَمْ تَكُنِ الْعَوْدَةُ الْجَسَدِيَّةُ مُمْكِنَةً بَعْدُ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِإِعْجَابٍ عَمِيقٍ بِهَذِهِ الْمُقَاوَمَةِ الْهَادِئَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ — مُقَاوَمَةٌ لَا تَصْرُخُ وَلَا تَتَبَاهَى، مُقَاوَمَةٌ تَشْبَهُ الشَّمْعَةَ الَّتِي تُضِيءُ لَا لِتَقُولَ لِلظَّلَامِ إِنَّهَا مَوْجُودَةٌ، بَلْ لِأَنَّ طَبِيعَتَهَا أَنْ تُضِيءَ.
ـ شُكْرًا لَكِ — عَلَى شَجَاعَتِكِ، وَعَلَى مُشَارَكَتِي حِكْمَتَكِ الْعَمِيقَةَ.
ابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً أَخِيرَةً، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى كِتَابَتِهَا بِتَرْكِيزٍ مُتَجَدِّدٍ — كَمَنْ يَعُودُ إِلَى الْعَمَلِ لَا لِأَنَّ الضَّيْفَ غَادَرَ، بَلْ لِأَنَّ الْعَمَلَ هُوَ الَّذِي يَنْتَظِرُ دَائِمًا.
ـ اذْهَبِ الْآنَ، يَا سَامِرُ. وَاحْمِلْ مَعَكَ هَذَا: اسْتَمِرَّ فِي «الْكِتَابَةِ» — بِأَيِّ شَكْلٍ مُمْكِنٍ — عَنْ يَوْمِكَ الْمَفْقُودِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَفْهَمْهُ أَحَدٌ بَعْدُ، حَتَّى أَنْتَ نَفْسُكَ. هَذَا، بِحَدِّ ذَاتِهِ، فِعْلُ مُقَاوَمَةٍ جَمِيلٌ ضِدَّ النِّسْيَانِ الْكَامِلِ. وَالنِّسْيَانُ الْكَامِلُ، يَا سَامِرُ، هُوَ النِّهَايَةُ الَّتِي لَا يُرِيدُهَا أَحَدٌ.
بَدَأَتِ الْغُرْفَةُ الصَّغِيرَةُ وَالنَّافِذَةُ الْبَارِدَةُ تَتَلَاشَيَانِ بِبُطْءٍ، كَمَا يَتَلَاشَى صَوْتُ مُوسِيقَى عِنْدَمَا يُبْعَدُ عَنْهَا شَيْئًا فَشَيْئًا — لَا يَخْتَفِي دُفْعَةً وَاحِدَةً، بَلْ يَصِيرُ أَخَفَّ فَأَخَفَّ حَتَّى يَتَحَوَّلَ إِلَى شَيْءٍ يُشْبِهُ الصَّمْتَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَمْتًا تَامًّا.
حَتَّى عَادَ سَامِرٌ إِلَى الرَّوَاقِ الْمَعْتَادِ — ذَلِكَ الرَّوَاقُ الَّذِي بَدَا لَهُ الْآنَ كَمَكَانٍ لَهُ طَابِعٌ وَمَعْنًى، بَعْدَ أَنْ كَانَ مُجَرَّدَ مَمَرٍّ بَيْنَ قَاعَةٍ وَقَاعَةٍ.
كَانَ الْعَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ بِجَانِبِ بَابٍ جَدِيدٍ، بَابٍ يَحْمِلُ نَقْشًا لِقَلَمٍ يَكْتُبُ فَوْقَ وَرَقَةٍ تَخْتَفِي تَدْرِيجِيًّا — كَأَنَّ الْكِتَابَةَ وَالاخْتِفَاءَ يَحْدُثَانِ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ، كَأَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ تُكْتَبُ فِيهَا تَمْحُو كَلِمَةً كَانَتْ قَبْلَهَا.
ـ الْقَاعَةُ التَّالِيَةُ، يَا سَامِرُ، تَحْمِلُ صَوْتَ رَوَائِيٍّ يُعَانِي مِنْ حَالَةٍ نَادِرَةٍ وَمُؤْلِمَةٍ جِدًّا: يَنْسَى كُلَّ يَوْمٍ تَقْرِيبًا مَا كَتَبَهُ فِي الْيَوْمِ السَّابِقِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَسْتَمِرُّ فِي الْكِتَابَةِ بِإِصْرَارٍ غَرِيبٍ لَا يَشِيخُ وَلَا يَهَنُ. رُبَّمَا، يَا سَامِرُ، الْإِصْرَارُ لَا يَحْتَاجُ دَائِمًا إِلَى ذَاكِرَةٍ لِيَبْقَى حَيًّا.
وَقَفَ سَامِرٌ أَمَامَ الْبَابِ الْجَدِيدِ، يَنْظُرُ إِلَى نَقْشِ الْقَلَمِ وَالْوَرَقَةِ الَّتِي تَخْتَفِي. وَفِي ذِهْنِهِ صَوْتُ الشَّاعِرَةِ الْمَنْفِيَّةِ يَتَرَدَّدُ كَمَا تَتَرَدَّدُ قَصِيدَةٌ جَمِيلَةٌ بَعْدَ أَنْ تُقْرَأَ — لَيْسَ بِالْكَلِمَاتِ ذَاتِهَا، بَلْ بِمَا تَرَكَتْهُ مِنْ أَثَرٍ فِي الْهَوَاءِ.

متحف الأيام المفقودة 59