متحف الأيام المفقودة 59

مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَة
الفَصْلُ التَّاسِعُ وَالخَمْسُونَ: الرِّوَائِيُّ المُصَابُ بِالنِّسْيَانِ – بْرَاغ، خَرِيفُ عَامِ أَلْفٍ وَتِسْعِمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَتِسْعِينَ
________________________________________
كَانَ الرِّوَاقُ يَضِيقُ كُلَّمَا تَقَدَّمَ سَامِرٌ فِيهِ، كَأَنَّ الْمَكَانَ نَفْسَهُ يَتَنَفَّسُ وَيَنْكَمِشُ، وَتَزْدَادُ الْجُدْرَانُ قُرْبًا مِنْهُ خُطْوَةً بَعْدَ خُطْوَةٍ.
وَقَفَ أَمَامَ الْبَابِ الَّذِي دَلَّهُ إِلَيْهِ الْعَجُوزُ، فَلَمْ يَجِدْ عَلَيْهِ لَوْحَةً وَلَا رَقْمًا، بَلْ وَجَدَ مَا هُوَ أَغْرَبُ مِنْ ذَلِكَ: وَرَقَةً صَفْرَاءَ لَاصِقَةً كُتِبَ عَلَيْهَا بِخَطٍّ مُرْتَجِفٍ: “لَا تَنْسَ أَنَّكَ فَتَحْتَ هَذَا الْبَابَ مِنْ قَبْلُ.”
أَدَارَ سَامِرٌ الْمَقْبِضَ بِيَدٍ مُتَرَدِّدَةٍ.
________________________________________
انْفَتَحَتْ عَلَيْهِ قَاعَةٌ لَمْ يَتَوَقَّعْهَا.
لَمْ تَكُنْ قَاعَةً بِالْمَعْنَى الصَّحِيحِ، بَلْ كَانَتْ مَكْتِبًا مَنْزِلِيًّا صَغِيرًا مَحْشُوًّا بِالْفَوْضَى؛ نَوْعَ الْفَوْضَى الَّذِي يَنِمُّ عَنْ عَقْلٍ يَكَافِحُ بِقُوَّةٍ ضِدَّ شَيْءٍ غَيْرِ مَرْئِيٍّ.
كَانَتِ الْجُدْرَانُ الْأَرْبَعَةُ مُغَطَّاةً بِالْكَامِلِ بِأَوْرَاقٍ لَاصِقَةٍ مُلَوَّنَةٍ مِنْ كُلِّ حَجْمٍ وَلَوْنٍ؛ صَفْرَاءُ، وَزَرْقَاءُ، وَوَرْدِيَّةٌ، وَخَضْرَاءُ، مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا بِخُطُوطٍ مُتَفَاوِتَةِ الْحَجْمِ: أَسْمَاءُ شَخْصِيَّاتٍ وَتَوَارِيخُ وَمُلَاحَظَاتٌ وَأَسْئِلَةٌ مُوَجَّهَةٌ لِلنَّفْسِ.
“مَنْ هُوَ كَارِيل؟ هَلْ هُوَ الشَّقِيقُ أَمِ الصَّدِيقُ؟”
“الْفَصْلُ السَّابِعَ عَشَرَ يَحْدُثُ قَبْلَ الرَّابِعِ عَشَرَ أَوْ بَعْدَهُ؟”
“تَذَكَّرْ: الْبَطَلَةُ تَكْرَهُ الشَّتَاءَ — لِمَاذَا كَتَبْتَ أَنَّهَا أَحَبَّتِ الثَّلْجَ فِي الصَّفْحَةِ مِائَةٍ وَثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ؟”
وَفِي وَسَطِ كُلِّ هَذَا الزَّخَمِ الْوَرَقِيِّ، جَلَسَ رَجُلٌ فِي السَّابِعَةِ وَالسِّتِّينَ مِنْ عُمْرِهِ أَمَامَ آلَةٍ كَاتِبَةٍ قَدِيمَةٍ سَوْدَاءَ.
كَانَ يَقْرَأُ بِتَرْكِيزٍ مَحْمُومٍ شَيْئًا مَكْتُوبًا عَلَى أَوْرَاقٍ مُصْفَرَّةِ الْحَوَاشِي.
لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ حِينَ دَخَلَ سَامِرٌ.
لَمْ يَسْمَعْهُ.
أَوْ رُبَّمَا سَمِعَهُ وَنَسِيَ فِي اللَّحْظَةِ ذَاتِهَا.
________________________________________
قَالَ سَامِرٌ بِصَوْتٍ خَافِتٍ، كَمَنْ يَتَحَدَّثُ دَاخِلَ مَكْتَبَةٍ:
ـ أَهْلًا.
رَفَعَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ ببُطءٍ، كَأَنَّهُ يَعُودُ مِنْ سَفَرٍ بَعِيدٍ.
كَانَ وَجْهُهُ مُجَعَّدًا بِعَمَقٍ يَفُوقُ مَا تَفْعَلُهُ السُّنُونَ وَحْدَهَا، كَأَنَّ الْقَلَقَ الدَّائِمَ قَدِ اشْتَرَكَ مَعَ الزَّمَنِ فِي نَحْتِ مَلَامِحِهِ.
بَيْدَ أَنَّ عَيْنَيْهِ كَانَتَا مُضِيئَتَيْنِ بِذَكَاءٍ حَادٍّ لَا يُخْطِئُهُ النَّظَرُ.
ـ آهٍ، أَهْلًا بِكَ.
أَبْتَسَمَ ابْتِسَامَةً مُتَعَبَةً تَخْتَلِطُ فِيهَا السُّخْرِيَةُ الرَّفِيقَةُ بِالصَّبْرِ الْمُمَارَسِ مُمَارَسَةً طَوِيلَةً:
ـ اعْذُرْنِي لَحْظَةً.
أَعَادَ نَظَرَهُ إِلَى الصَّفَحَاتِ:
ـ أُحَاوِلُ أَنْ أَتَذَكَّرَ مَاذَا كَتَبْتُ بِالضَّبْطِ أَمْسِ.
صَمَتَ هُنَيْهَةً، ثُمَّ أَضَافَ بِنَبْرَةٍ لَا تَنْطَوِي عَلَى شَكْوَى، بَلْ عَلَى تَقْرِيرِ حَقِيقَةٍ بَارِدَةٍ:
ـ لَا أَتَذَكَّرُهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ الْآنَ.
________________________________________
تَقَدَّمَ سَامِرٌ خُطْوَةً نَحْوَهُ.
ـ أَنَا سَامِرٌ.
ثُمَّ بَعْدَ تَرَدُّدٍ:
ـ مَاذَا تَقْصِدُ بِأَنَّكَ لَا تَتَذَكَّرُ؟
رَفَعَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ مَرَّةً أُخْرَى. ابْتِسَامَتُهُ لَمْ تَتَغَيَّرْ، لَكِنَّهَا اتَّسَعَتْ قَلِيلًا، كَأَنَّهُ اعْتَادَ تَلَقِّيَ هَذَا السُّؤَالِ مِنَ الْغُرَبَاءِ:
ـ أُعَانِي مِنْ حَالَةٍ نَادِرَةٍ جِدًّا.
نَوْعٌ خَاصٌّ مِنْ فُقْدَانِ الذَّاكِرَةِ قَصِيرَةِ الْمَدَى، يُصِيبُنِي بِشَكْلٍ مُتَكَرِّرٍ مُنْذُ سَنَوَاتٍ.
كُلَّ يَوْمٍ تَقْرِيبًا، أَنْسَى تَفَاصِيلَ كَثِيرَةً مِمَّا حَدَثَ فِي الْيَوْمِ السَّابِقِ.
ثُمَّ، بَعْدَ وَقْفَةٍ قَصِيرَةٍ:
ـ بِمَا فِي ذَلِكَ، لِلْأَسَفِ الشَّدِيدِ، مَا أَكْتُبُهُ فِي رِوَايَتِي.
________________________________________
وَقَفَ سَامِرٌ يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِصَمْتٍ.
تَخَيَّلَ لِلَحْظَةٍ أَنْ يَكُونَ كَاتِبًا وَيَفْقِدَ مَا كَتَبَهُ فِي كُلِّ صَبَاحٍ جَدِيدٍ، أَنْ يَجْلِسَ أَمَامَ صَفَحَاتٍ كَتَبَهَا بِيَدِهِ وَلَا يَتَعَرَّفُ عَلَيْهَا.
أَحَسَّ بِشَيْءٍ يَشُدُّهُ مِنَ الدَّاخِلِ.
ـ هَذَا يَبْدُو وَكَأَنَّهُ عَذَابٌ مُسْتَمِرٌّ بِالنِّسْبَةِ لِكَاتِبٍ.
أَوْمَأَ الرَّجُلُ بِرَأْسِهِ بِبُطْءٍ:
ـ هُوَ كَذَلِكَ بِالْفِعْلِ، أَحْيَانًا.
أَقْرَأُ صَفَحَاتٍ كَتَبْتُهَا قَبْلَ أَيَّامٍ، فَلَا أَتَعَرَّفُ حَتَّى عَلَى أُسْلُوبِي الْخَاصِّ فِيهَا.
كَأَنَّهَا كَتَبَهَا شَخْصٌ آخَرُ تَمَامًا، غَرِيبٌ عَنِّي، رَغْمَ يَقِينِي الْمَنْطِقِيِّ الْقَاطِعِ أَنَّنِي مَنْ كَتَبَهَا بِهَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ.
نَظَرَ إِلَى كَفَّيْهِ لِلَحْظَةٍ.
ثُمَّ نَظَرَ إِلَى النَّافِذَةِ الَّتِي لَا تَبْدُو أَنَّهَا تُطِلُّ عَلَى أَيِّ مَنْظَرٍ.
ثُمَّ عَادَ إِلَى سَامِرٍ:
ـ لَكِنَّهُ لَيْسَ عَذَابًا دَائِمًا.
أَحْيَانًا هُوَ شَيْءٌ آخَرُ.
________________________________________
ـ كَيْفَ تَسْتَمِرُّ فِي الْكِتَابَةِ رَغْمَ هَذَا التَّحَدِّي الْهَائِلِ؟
ابْتَسَمَ الرِّوَائِيُّ ابْتِسَامَةً مُعَقَّدَةً، جُمِعَ فِيهَا حُزْنٌ وَإِصْرَارٌ وَشَيْءٌ يُشْبِهُ الرِّضَا الَّذِي جَاءَ بَعْدَ مُصَالَحَةٍ طَوِيلَةٍ مَعَ الْقَدَرِ:
ـ هَذَا سُؤَالٌ أَسْأَلُهُ لِنَفْسِي كَثِيرًا.
فِي الْبِدَايَةِ، حِينَ بَدَأَتْ هَذِهِ الْحَالَةُ، شَعَرْتُ بِيَأْسٍ عَمِيقٍ أَسْوَدَ كَالْقَارِ.
ظَنَنْتُ أَنَّنِي لَنْ أَسْتَطِيعَ أَبَدًا إِكْمَالَ أَيِّ عَمَلٍ رِوَائِيٍّ مُتَمَاسِكٍ مَرَّةً أُخْرَى.
كَيْفَ تُكْمِلُ بِنَاءً وَأَنْتَ تَنْسَى كُلَّ صَبَاحٍ كَمِ ارْتَفَعَ الْجِدَارُ أَمْسِ؟
كَيْفَ تَكْتُبُ شَخْصِيَّةً وَأَنْتَ لَا تَتَذَكَّرُ لَوْنَ عَيْنَيْهَا فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ؟
صَمَتَ.
ثُمَّ مَضَى:
ـ لَكِنَّنِي اكْتَشَفْتُ، بَعْدَ صِرَاعٍ طَوِيلٍ مَضَى عَلَيْهِ سَنَوَاتٌ، طَرِيقَةً مُخْتَلِفَةً تَمَامًا فِي الْعَمَلِ.
ـ مَا هِيَ؟
أَشَارَ إِلَى الْجُدْرَانِ مِنْ حَوْلِهِ، إِلَى تِلْكَ الشَّجَرَةِ الْعَجِيبَةِ مِنَ الْأَوْرَاقِ اللَّاصِقَةِ الْمُلَوَّنَةِ الَّتِي تُغَطِّي كُلَّ شَبَرٍ مِنَ الْجُدْرَانِ الْأَرْبَعَةِ:
ـ بَدَأْتُ أَعْتَمِدُ عَلَى نِظَامِ تَوْثِيقٍ خَارِجِيٍّ مُكَثَّفٍ.
أَكْتُبُ كُلَّ لَيْلَةٍ، قَبْلَ أَنْ أَنَامَ، مُلَخَّصًا مُفَصَّلًا لِمَا كَتَبْتُهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.
أَتْرُكُ لِنَفْسِي مُلَاحَظَاتٍ وَاضِحَةً حَوْلَ الشَّخْصِيَّاتِ وَالْأَحْدَاثِ وَالْخُطُوطِ الرِّوَائِيَّةِ.
أَحْيَانًا أُسَجِّلُ حَتَّى مَشَاعِرِي الْخَاصَّةَ حَوْلَ كُلِّ مَشْهَدٍ كَتَبْتُهُ؛ لِأَنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّنِي سَأَحْتَاجُ لِقِرَاءَةِ كُلِّ هَذَا مُجَدَّدًا فِي الصَّبَاحِ التَّالِي، لِأَتَذَكَّرَ أَيْنَ تَوَقَّفْتُ بِالضَّبْطِ.
نَظَرَ إِلَى الْأَوْرَاقِ مِنْ حَوْلِهِ بِنَظَرَةٍ تَخْتَلِطُ فِيهَا الْمَوَدَّةُ بِالسُّخْرِيَةِ الرَّفِيقَةِ:
ـ جُدْرَانِي هَذِهِ هِيَ ذَاكِرَتِي.
________________________________________
شَعَرَ سَامِرٌ بِفِكْرَةٍ تَتَشَكَّلُ فِي طَرَفِ عَقْلِهِ:
ـ هَذَا يُشْبِهُ مَا اقْتَرَحَتْهُ عَلَيَّ اللُّغَوِيَّةُ، عَنْ أَهَمِّيَّةِ التَّوْثِيقِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ كَامِلًا.
أَوْمَأَ الرِّوَائِيُّ بِرَأْسِهِ بِحَمَاسٍ حَقِيقِيٍّ، كَمَنْ سَمِعَ بِالضَّبْطِ مَا كَانَ يَتَوَقَّعُهُ:
ـ هَذَا مَنْطِقِيٌّ جِدًّا.
أَنَا أَيْضًا اكْتَشَفْتُ أَنَّ التَّوْثِيقَ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَلْتَقِطْ كُلَّ التَّفَاصِيلِ الدَّقِيقَةِ، يَخْلُقُ نَوْعًا مِنَ “الذَّاكِرَةِ الْخَارِجِيَّةِ” تُعَوِّضُ جُزْئِيًّا عَنْ ذَاكِرَتِي الدَّاخِلِيَّةِ الْمُتَقَطِّعَةِ.
تَخَيَّلْ أَنَّكَ تَعِيشُ فِي بَيْتٍ تَنْسَى فِيهِ كُلَّ صَبَاحٍ تَرْتِيبَ غُرَفِهِ.
لَكِنَّكَ كُلَّ لَيْلَةٍ تَرْسُمُ خَرِيطَةً وَتُعَلِّقُهَا عَلَى الْبَابِ.
فِي الصَّبَاحِ، تَقْرَأُ الْخَرِيطَةَ، وَتَعُودُ إِلَى بَيْتِكَ.
الْخَرِيطَةُ لَيْسَتِ الْبَيْتَ.
لَكِنَّهَا تُعِيدُكَ إِلَيْهِ.
ـ وَهُنَاكَ شَيْءٌ آخَرُ اكْتَشَفْتُهُ، رُبَّمَا أَكْثَرُ إِثَارَةً لِلِاهْتِمَامِ بِالنِّسْبَةِ لِسُؤَالِكَ أَنْتَ تَحْدِيدًا.
ـ مَا هُوَ؟
________________________________________
نَظَرَ إِلَيْهِ الرِّوَائِيُّ نَظْرَةً عَمِيقَةً، نَظْرَةَ مَنْ فَكَّرَ فِي شَيْءٍ طَوِيلًا حَتَّى صَارَ يُقِينًا:
ـ لَاحَظْتُ أَنَّ رِوَايَتِي، رَغْمَ كُلِّ هَذَا التَّقَطُّعِ فِي كِتَابَتِهَا الْيَوْمِيَّةِ، رَغْمَ أَنَّنِي أَنْسَى تَفَاصِيلَ كُلِّ يَوْمٍ سَابِقٍ، لَا تَزَالُ تَحْمِلُ نَوْعًا مِنَ التَّمَاسُكِ الدَّاخِلِيِّ الْغَرِيبِ.
صَمَتَ لَحْظَةً، كَأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنِ الْكَلِمَةِ الصَّحِيحَةِ:
ـ كَأَنَّ هُنَاكَ جُزْءًا مِنِّي، أَعْمَقَ مِنْ ذَاكِرَتِي الْوَاعِيَةِ الْمُتَقَطِّعَةِ، يُحَافِظُ عَلَى خَيْطِ الرِّوَايَةِ مُتَّصِلًا.
حَتَّى دُونَ أَنْ أَعِيَ ذَلِكَ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ كُلَّ يَوْمٍ.
فَكَّرَ سَامِرٌ فِي هَذَا.
تَخَيَّلَ نَهْرًا يَجْرِي تَحْتَ الْأَرْضِ؛ لَا تَرَاهُ، لَكِنَّكَ تَعْرِفُ أَنَّهُ مَوْجُودٌ لِأَنَّ الشَّجَرَ عَلَى الضَّفَّتَيْنِ لَا يَزَالُ أَخْضَرَ.
ـ تَقْصِدُ أَنَّ هُنَاكَ شَيْئًا، رُبَّمَا يُشْبِهُ “الصَّوْتَ الْإِبْدَاعِيَّ” أَوِ “الرُّؤْيَةَ الْفَنِّيَّةَ” الْخَاصَّةَ بِكَ، يَبْقَى ثَابِتًا، حَتَّى حِينَ تَتَقَطَّعُ ذَاكِرَتُكَ التَّفْصِيلِيَّةُ الْيَوْمِيَّةُ؟
أَوْمَأَ الرِّوَائِيُّ بِرَأْسِهِ بِحَمَاسٍ وَاضِحٍ:
ـ بِالضَّبْطِ.
بِالضَّبْطِ هَذَا مَا أُحَاوِلُ قَوْلَهُ.
________________________________________
قَامَ الرِّوَائِيُّ مِنْ كُرْسِيِّهِ ببُطءٍ، وَمَشَى نَحْوَ الْجِدَارِ الْأَقْرَبِ إِلَيْهِ.
أَشَارَ إِلَى وَرَقَةٍ لَاصِقَةٍ زَرْقَاءَ كُتِبَ عَلَيْهَا جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ: “الرِّوَايَةُ عَنِ الِانْتِظَارِ.”
ـ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مَوْجُودَةٌ هُنَا مُنْذُ أَرْبَعِ سَنَوَاتٍ.
مُنْذُ بَدَأْتُ هَذَا الْعَمَلَ.
أَرْبَعُ سَنَوَاتٍ وَأَنَا أَنْسَى كُلَّ يَوْمٍ وَأَتَذَكَّرُ كُلَّ صَبَاحٍ.
لَكِنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ لَمْ تَتَغَيَّرْ.
لِأَنَّنِي أَنَا لَمْ أَتَغَيَّرْ.
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى سَامِرٍ:
ـ رُبَّمَا هَذَا يُجِيبُ جُزْئِيًّا عَلَى سُؤَالِي الْخَاصِّ الَّذِي يَسْكُنُنِي مُنْذُ سَنَوَاتٍ:
هَلِ الْكِتَابَةُ تُعِيدُ الذَّاكِرَةَ أَمْ تَحِلُّ مَحَلَّهَا؟
اكْتَشَفْتُ أَنَّ الْكِتَابَةَ، بِالنِّسْبَةِ لِي، لَا تُعِيدُ ذَاكِرَتِي التَّفْصِيلِيَّةَ الْيَوْمِيَّةَ بِالْكَامِلِ.
لَكِنَّهَا تَخْلُقُ نَوْعًا مِنَ الِاسْتِمْرَارِيَّةِ الْبَدِيلَةِ، أَعْمَقَ مِنَ الذَّاكِرَةِ الْوَاعِيَةِ الْمُبَاشِرَةِ.
اسْتِمْرَارِيَّةٌ تُحَافِظُ عَلَى جَوْهَرِ مَا أُحَاوِلُ التَّعْبِيرَ عَنْهُ.
حَتَّى حِينَ تَضِيعُ التَّفَاصِيلُ الْيَوْمِيَّةُ وَاحِدَةً تِلْوَ الْأُخْرَى فِي غِيَابَاتِ النِّسْيَانِ.
________________________________________
ـ هَلْ تَظُنُّ أَنَّ هَذَا قَدْ يَنْطَبِقُ عَلَى يَوْمِي الْمَفْقُودِ أَيْضًا؟
فَكَّرَ الرِّوَائِيُّ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ.
نَظَرَ إِلَى الْأَوْرَاقِ عَلَى الْجُدْرَانِ، كَأَنَّهُ يَسْتَشِيرُهَا:
ـ رُبَّمَا.
بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ قَلِيلًا عَنْ حَالَتِي.
أَنَا أَكْتُبُ يَوْمِيًّا، أَخْلُقُ اسْتِمْرَارِيَّةً بَدِيلَةً بِشَكْلٍ نَشِطٍ مُسْتَمِرٍّ.
أَنْتَ تَبْحَثُ عَنِ اسْتِعَادَةِ يَوْمٍ وَاحِدٍ مُحَدَّدٍ ضَاعَ تَمَامًا.
لَكِنَّ الْمَبْدَأَ الْأَسَاسِيَّ قَدْ يَكُونُ مُتَشَابِهًا:
حَتَّى لَوْ لَمْ تَسْتَطِعِ اسْتِعَادَةَ التَّفَاصِيلِ الدَّقِيقَةِ الْكَامِلَةِ لِذَلِكَ الْيَوْمِ بَعْدَ أَنْ نَسِيتَهُ، قَدْ يَكُونُ هُنَاكَ “جَوْهَرٌ” أَعْمَقُ.
شَيْءٌ أَسَاسِيٌّ عَنْ مَنْ أَنْتَ.
اسْتَمَرَّ رَغْمَ تِلْكَ الْفَجْوَةِ الْمُحَدَّدَةِ.
يَسْتَحِقُّ أَنْ تُرَكِّزَ عَلَيْهِ وَتُقَدِّرَهُ.
بَدَلًا مِنَ التَّرْكِيزِ فَقَطْ عَلَى مَا ضَاعَ.
________________________________________
ـ كَيْفَ أَصِلُ إِلَى هَذَا “الْجَوْهَرِ” الَّذِي تَتَحَدَّثُ عَنْهُ؟
عَادَ الرِّوَائِيُّ إِلَى كُرْسِيِّهِ.
جَلَسَ بِبُطْءٍ كَمَنْ يَضَعُ ثِقْلًا طَوِيلَ الْحَمْلِ.
ثُمَّ ابْتَسَمَ ابْتِسَامَةَ حَكِيمٍ لَا تَخْلُو مِنْ دُعَابَةٍ هَادِئَةٍ:
ـ رُبَّمَا بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي أَصِلُ بِهَا إِلَيْهِ أَنَا.
بِالِاسْتِمْرَارِ فِي “الْكِتَابَةِ”.
أَيْ فِي الْعَيْشِ وَالتَّصَرُّفِ وَبِنَاءِ الْعَلَاقَاتِ، بِثَبَاتٍ عَلَى قِيَمِكَ وَمَبَادِئِكَ الْأَسَاسِيَّةِ، حَتَّى لَوْ لَمْ تَمْلِكْ كُلَّ التَّفَاصِيلِ الدَّقِيقَةِ لِكُلِّ يَوْمٍ مِنْ حَيَاتِكَ.
فَكِّرْ فِي نَجَّارٍ يَفْقِدُ كُلَّ صَبَاحٍ ذِكْرَى الْخَشَبَةِ الَّتِي نَحَتَهَا أَمْسِ.
لَكِنَّهُ يَسْتَيْقِظُ وَيَعُودُ إِلَى وَرْشَتِهِ.
وَيُمْسِكُ الْإِزْمِيلَ.
وَيَنْحِتُ.
لِأَنَّ النَّجَّارَ لَا يَسْكُنُ فِي ذِكْرَيَاتِهِ.
يَسْكُنُ فِي يَدَيْهِ.
صَمَتَ لَحْظَةً، ثُمَّ أَضَافَ:
ـ الْجَوْهَرُ يَكْشِفُ نَفْسَهُ عَبْرَ الِاسْتِمْرَارِيَّةِ.
لَا عَبْرَ اكْتِمَالِ كُلِّ تَفْصِيلٍ صَغِيرٍ.
________________________________________
شَعَرَ سَامِرٌ بِشَيْءٍ يَسْتَقِرُّ فِيهِ، كَحَجَرٍ يَجِدُ قَرَارَهُ فِي قَاعِ نَهْرٍ بَعْدَ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ.
ـ شُكْرًا لَكَ.
عَلَى هَذِهِ الْحِكْمَةِ الْمُسْتَخْلَصَةِ مِنْ تَحَدٍّ صَعْبٍ جِدًّا تُوَاجِهُهُ كُلَّ يَوْمٍ.
ابْتَسَمَ الرِّوَائِيُّ ابْتِسَامَةً أَخِيرَةً مُتَعَبَةً لَكِنَّهَا صَادِقَةٌ كَالضَّوْءِ.
عَادَ إِلَى آلَتِهِ الْكَاتِبَةِ.
وَضَعَ أَصَابِعَهُ عَلَى الْمَفَاتِيحِ.
ثُمَّ قَالَ دُونَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ:
ـ اذْهَبِ الْآنَ، يَا سَامِرُ.
وَاحْمِلْ مَعَكَ هَذَا:
رُبَّمَا لَنْ تَسْتَعِيدَ كُلَّ تَفْصِيلٍ دَقِيقٍ لِيَوْمِكَ أَبَدًا.
لَكِنَّ جَوْهَرَكَ، مَنْ أَنْتَ حَقًّا، لَا يَزَالُ مَوْجُودًا وَقَوِيًّا.
حَتَّى وَسَطَ تِلْكَ الْفَجْوَةِ الْمُحَدَّدَةِ.
________________________________________
بَدَأَ الْمَكْتَبُ الْمَنْزِلِيُّ الْمَلِيءُ بِالْمُلَاحَظَاتِ يَتَلَاشَى بِبُطْءٍ، كَصُورَةٍ فِي ذَاكِرَةٍ مُتَقَطِّعَةٍ.
الْأَوْرَاقُ اللَّاصِقَةُ آخِرُ مَا اخْتَفَى.
ظَلَّتْ تَتَلَأْلَأُ لَحْظَةً فِي الْهَوَاءِ، كَنُجُومٍ صَغِيرَةٍ مُلَوَّنَةٍ، ثُمَّ انْطَفَأَتْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً.
حَتَّى عَادَ سَامِرٌ إِلَى الرِّوَاقِ الْمَعْتَادِ.
________________________________________
كَانَ الْعَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ بِجَانِبِ الْبَابِ التَّالِي.
بَابٌ مَنْقُوشٌ عَلَيْهِ قَدَمٌ رَاقِصَةٌ فِي وَضْعِيَّةٍ مُتْقَنَةٍ تُحَلِّقُ.
قَالَ الْعَجُوزُ بِصَوْتٍ هَادِئٍ كَصَوْتِ مَنْ يُفَسِّرُ حُلُمًا:
ـ الْقَاعَةُ التَّالِيَةُ، يَا سَامِرُ، تَحْمِلُ صَوْتَ رَاقِصَةِ بَالِيهٍ.
تَحْفَظُ جَسَدُهَا حَرَكَاتٍ مُعَقَّدَةً جِدًّا.
حَتَّى حِينَ يَخُونُهَا عَقْلُهَا أَحْيَانًا فِي تَذَكُّرِ تَفَاصِيلَ أُخْرَى مِنْ حَيَاتِهَا.
وَضَعَ سَامِرٌ يَدَهُ عَلَى الْمَقْبِضِ.

متحف الأيام المفقودة 60