مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَةِ
الفَصْلُ السِّتُّونَ: رَاقِصَةُ البَالِيهِ – مُوسْكُو — عَامُ ١٩٥٠م – «الذَّاكِرَةُ العُضْلِيَّةُ وَالهُوِيَّةُ الجَسَدِيَّةُ»
________________________________________
كَانَتِ القَاعَةُ التَّالِيَةُ تَخْتَلِفُ عَنْ سَابِقَاتِهَا اخْتِلَافًا جَوْهَرِيًّا؛ فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا أَثَرٌ لِتِمْثَالٍ مُهِيبٍ، وَلَا لِكِتَابٍ مَفْتُوحٍ عَلَى مَنَضِدَةٍ خَشَبِيَّةٍ، وَلَا لِضَوْءٍ بَارِدٍ يَنْسَكِبُ مِنْ نَافِذَةٍ عَالِيَةٍ.
كَانَتِ القَاعَةُ اسْتُودْيُو رَقْصٍ بَسِيطًا، تَغْطِي جُدْرَانَهُ الأَرْبَعَةَ مَرَايَا عَرِيضَةٌ تَمْتَدُّ مِنَ الأَرْضِ حَتَّى السَّقْفِ، تَعْكِسُ بَعْضُهَا بَعْضًا حَتَّى يَبْدُوَ الفَضَاءُ أَكْبَرَ مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ، وَكَأَنَّ الرَّاقِصَةَ تَؤُمُّ جُمْهُورًا لَا مَرْئِيًّا مِنَ الأَشْبَاحِ.
عِنْدَ البَارِ الخَشَبِيِّ المُثَبَّتِ عَلَى الجِدَارِ كَانَتْ تَقِفُ امْرَأَةٌ فِي السَّابِعَةِ وَالعِشْرِينَ مِنْ عُمُرِهَا، تَرْتَدِي ثَوْبَ التَّمْرِينِ الأَبْيَضَ الضَّيِّقَ، وَتُحَرِّكُ قَدَمَهَا اليُسْرَى بِزَاوِيَةٍ بَالِغَةِ الدِّقَّةِ، وَكَأَنَّهَا تُحَاوِرُ أَرْضًا لَا يَرَاهَا أَحَدٌ سِوَاهَا.
عَرَقٌ خَفِيفٌ كَانَ يَلْمَعُ عَلَى جَبِينِهَا، وَتَنَفُّسُهَا مُنْتَظِمٌ كَمَوْجٍ هَادِئٍ، وَعَيْنَاهَا لَيْسَتَا تَنْظُرَانِ إِلَى المَرْآةِ بِقَدْرِ مَا تَنْظُرَانِ إِلَى دَاخِلِهَا هِيَ.
دَخَلَ سَامِرٌ بِخُطُوَاتٍ حَذِرَةٍ، وَكَأَنَّهُ يَدْخُلُ مَعْبَدًا لَا يُبَاحُ فِيهِ الضَّجِيجُ.
قَالَتْ دُونَ أَنْ تَلْتَفِتَ إِلَيْهِ، بِنَبْرَةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ الحَرَارَةِ وَالتَّرْكِيزِ:
ـ أَهْلًا بِكَ.
اعْذُرِ اسْتِمْرَارِي فِي التَّمْرِينِ، لَكِنَّ جَسَدِي يَحْتَاجُ هَذَا التَّكْرَارَ اليَوْمِيَّ.
وَإِلَّا فَقَدَ كُلَّ شَيْءٍ تَعَلَّمَهُ بِصُعُوبَةٍ شَدِيدَةٍ عَبْرَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ.
ابْتَسَمَ سَامِرٌ، وَوَجَدَ مَقْعَدًا خَشَبِيًّا صَغِيرًا قُرْبَ البَابِ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ كَمَنْ يَجْلِسُ فِي صَالَةِ انْتِظَارِ مَحَطَّةِ قِطَارٍ، وَلَيْسَ لَدَيْهِ مِنَ الوَقْتِ مَا يَكْفِي لِلتَّعَجُّلِ.
قَالَ:
ـ أَنَا سَامِرٌ.
مَا الَّذِي تَتَدَرَّبِينَ عَلَيْهِ بِالضَّبْطِ؟
أَكْمَلَتْ حَرَكَةً دَقِيقَةً تُمَدِّدُ فِيهَا ذِرَاعَهَا اليُمْنَى فَوْقَ رَأْسِهَا، فِي تَوَازُنٍ مُذْهِلٍ يَجْعَلُ جَسَدَهَا كَلَّهُ يَبْدُو كَسَهْمٍ يَصْعَدُ نَحْوَ السَّقْفِ.
ثُمَّ أَجَابَتْ:
ـ أَنَا رَاقِصَةُ بَالِيهِ مُحْتَرِفَةٌ، تَدَرَّبْتُ مُنْذُ كُنْتُ فِي الخَامِسَةِ مِنْ عُمْرِي تَقْرِيبًا.
البَالِيهُ يَتَطَلَّبُ دِقَّةً مُذْهِلَةً، وَتَكْرَارًا لَا يَنْتَهِي تَقْرِيبًا، حَتَّى تُصْبِحَ كُلُّ حَرَكَةٍ، كُلُّ وَضْعِيَّةٍ، جُزْءًا مِنَ الجَسَدِ نَفْسِهِ، لَا فَقَطْ شَيْئًا أَتَذَكَّرُهُ بِعَقْلِي الوَاعِي.
شَعَرَ سَامِرٌ بِفُضُولٍ حَقِيقِيٍّ يَشْتَعِلُ فِي صَدْرِهِ:
ـ مَاذَا تَقْصِدِينَ بِـ”جُزْءٍ مِنَ الجَسَدِ نَفْسِهِ”؟
هَذَا التَّعْبِيرُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُشْرَحَ.
تَوَقَّفَتْ عَنِ التَّمْرِينِ لِلَحْظَةٍ، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ بِجِدِّيَّةٍ مِهَنِيَّةٍ تَعْلُوهَا دِفْءُ مَنْ وَجَدَ سُؤَالًا يَسْتَحِقُّ الإِجَابَةَ:
ـ هُنَاكَ نَوْعٌ مِنَ الذَّاكِرَةِ نُسَمِّيهَا نَحْنُ الرَّاقِصِينَ بِـ”الذَّاكِرَةِ العُضْلِيَّةِ”.
حِينَ أُؤَدِّي حَرَكَةً مُعَيَّنَةً آلَافَ المَرَّاتِ عَبْرَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، عَضَلَاتِي وَجِهَازِي العَصَبِيُّ يَتَعَلَّمَانِ تِلْكَ الحَرَكَةَ بِعُمْقٍ بَالِغٍ، لِدَرَجَةِ أَنَّنِي أَسْتَطِيعُ أَدَاءَهَا بِدِقَّةٍ كَامِلَةٍ دُونَ أَنْ أُفَكِّرَ بِوَعْيٍ مُبَاشِرٍ فِي كُلِّ تَفْصِيلٍ صَغِيرٍ مِنْهَا.
تَوَقَّفَتْ، ثُمَّ أَضَافَتْ كَمَنْ يَبْحَثُ عَنْ مِثَالٍ يُقَرِّبُ الفِكْرَةَ:
ـ تَخَيَّلْ أَنَّكَ تَعْزِفُ لَحْنًا عَلَى آلَةٍ مُوسِيقِيَّةٍ تَعَلَّمْتَهُ مُنْذُ طُفُولَتِكَ.
أَصَابِعُكَ تَنْتَقِلُ مِنْ نَوْتَةٍ إِلَى نَوْتَةٍ بِلَا تَفْكِيرٍ وَاعٍ، بَلْ لَرُبَّمَا تَخُونُكَ الأَصَابِعُ حِينَ تَبْدَأُ بِالتَّفْكِيرِ فِيهَا أَكْثَرَ مِنَ اللَّازِمِ!
هَذَا بِالضَّبْطِ مَا يَجْرِي فِي جَسَدِ الرَّاقِصِ.
ابْتَسَمَ سَامِرٌ:
ـ هَذَا يُشْبِهُ مَا قَالَهُ لِي فِيتْغِنْشتَايْنُ عَنْ مَعْرِفَةِ رُكُوبِ الدَّرَّاجَةِ.
قَالَ الفَيْلَسُوفُ إِنَّهَا مَعْرِفَةٌ جَسَدِيَّةٌ لَا تَحْتَاجُ كَلِمَاتٍ لِتُشْرَحَ، وَلَا يُمْكِنُ تَحْوِيلُهَا إِلَى تَعْلِيمَاتٍ مَكْتُوبَةٍ مَهْمَا كَانَ صَاحِبُهَا بَلِيغًا.
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِإِعْجَابٍ حَقِيقِيٍّ:
ـ مُثِيرٌ جِدًّا أَنَّ فَيْلَسُوفًا وَصَلَ إِلَى نَفْسِ الفَهْمِ الَّذِي أَعِيشُهُ أَنَا يَوْمِيًّا عَبْرَ جَسَدِي!
هَذِهِ الذَّاكِرَةُ العُضْلِيَّةُ عَمِيقَةٌ جِدًّا، وَأَحْيَانًا أَعْمَقُ وَأَكْثَرُ مُوثُوقِيَّةً مِنْ ذَاكِرَتِي الوَاعِيَةِ العَادِيَّةِ.
حَتَّى لَوْ نَسِيتُ تَفَاصِيلَ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ مِنْ حَيَاتِي، جَسَدِي لَنْ يَنْسَى أَبَدًا كَيْفَ يُؤَدِّي تِلْكَ القَفْزَةَ المُعَقَّدَةَ الَّتِي تَدَرَّبْتُ عَلَيْهَا آلَافَ المَرَّاتِ.
سَكَتَ سَامِرٌ قَلِيلًا، وَنَظَرَ إِلَى انْعِكَاسِهِ فِي المَرَايَا المُتَعَدِّدَةِ، كَأَنَّهُ يَرَى نُسَخًا عِدَّةً مِنْ نَفْسِهِ تَتَسَاءَلُ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
ثُمَّ قَالَ بِتَأَنٍّ:
ـ هَلْ تَظُنِّينَ أَنَّ يَوْمِيَ المَفْقُودَ قَدْ يَكُونُ مَحْفُوظًا فِي جَسَدِي، بِطَرِيقَةٍ مُشَابِهَةٍ لِذَاكِرَتِكِ العُضْلِيَّةِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَصِلْ إِلَى وَعْيِي المُبَاشِرِ؟
فَكَّرَتْ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ بِعِنَايَةٍ بَالِغَةٍ:
ـ هَذَا احْتِمَالٌ مُثِيرٌ حَقًّا، رَغْمَ اخْتِلَافِ طَبِيعَةِ المَسْأَلَتَيْنِ قَلِيلًا.
ذَاكِرَتِي العُضْلِيَّةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى تَكْرَارٍ وَاعٍ مَقْصُودٍ لِحَرَكَاتٍ مُحَدَّدَةٍ، بَيْنَمَا يَوْمُكَ المَفْقُودُ حَدَثَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَطْ، دُونَ تَكْرَارٍ مُتَعَمَّدٍ.
لَكِنَّ المَبْدَأَ الأَسَاسِيَّ يَبْقَى وَاحِدًا: أَنَّ الجَسَدَ يَحْتَفِظُ بِمَعْرِفَةٍ وَذَاكِرَةٍ لَا تَصِلُ دَائِمًا إِلَى الوَعْيِ المُبَاشِرِ.
وَهَذَا المَبْدَأُ قَدْ يَكُونُ ذَا صِلَةٍ حَقِيقِيَّةٍ بِحَالَتِكَ أَيْضًا.
أَوْمَأَ سَامِرٌ، وَمَضَى يُفَكِّرُ بِصَوْتٍ عَالٍ:
ـ يَقُولُ عُلَمَاءُ النَّفْسِ إِنَّ بَعْضَ الصَّدَمَاتِ النَّفْسِيَّةَ الَّتِي يَعْجِزُ المَرْءُ عَنْ تَذَكُّرِهَا بِوَعْيِهِ تَبْقَى مَحْفُورَةً فِي الجَسَدِ عَلَى هَيْئَةِ تَوَتُّرَاتٍ عَضَلِيَّةٍ مُزْمِنَةٍ، أَوْ رَدَّاتِ فِعْلٍ مُفَاجِئَةٍ لِا تَخْضَعُ لِسَيْطَرَةِ العَقْلِ الوَاعِي.
وَلَعَلَّ مَا أَعِيشُهُ لَيْسَ أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرًا.
رَفَعَتِ الرَّاقِصَةُ حَاجِبَيْهَا بِاهْتِمَامٍ:
ـ وَهَذَا مَا يَدْفَعُ بَعْضَ المُعَالِجِينَ النَّفْسِيِّينَ إِلَى اسْتِخْدَامِ الجَسَدِ نَفْسِهِ مَدْخَلًا لِلشِّفَاءِ.
الحَرَكَةُ، وَالرَّقْصُ، وَالتَّنَفُّسُ الوَاعِي؛ كُلُّهَا طُرُقٌ لِلتَّوَاصُلِ مَعَ ذَاكِرَةٍ لَا يَسْتَطِيعُ اللِّسَانُ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْهَا.
سَأَلَ سَامِرٌ:
ـ كَيْفَ يُمْكِنُنِي أَنَا أَنْ “أُصْغِيَ” إِلَى هَذِهِ الذَّاكِرَةِ الجَسَدِيَّةِ المُحْتَمَلَةِ، إِنْ وُجِدَتْ؟
نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِجِدِّيَّةٍ تَأَمُّلِيَّةٍ، ثُمَّ قَالَتْ:
ـ رُبَّمَا بِالانْتِبَاهِ عَنْ كَثَبٍ لِرُدُودِ أَفْعَالِ جَسَدِكَ التَّلْقَائِيَّةِ.
هَلْ هُنَاكَ أَمَاكِنُ مُعَيَّنَةٌ تَشْعُرُ فِيهَا بِتَوَتُّرٍ غَيْرِ مُبَرَّرٍ مَنْطِقِيًّا؟
هَلْ هُنَاكَ حَرَكَاتٌ أَوْ أَوْضَاعٌ جَسَدِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ تَشْعُرُ تِجَاهَهَا بِانْجِذَابٍ أَوْ نُفُورٍ غَرِيبٍ لَا تَفْهَمُ مَصْدَرَهُ؟
أَحْيَانًا الجَسَدُ “يَتَذَكَّرُ” بِطُرُقٍ لَا يَسْتَطِيعُ العَقْلُ الوَاعِي تَرْجَمَتَهَا مُبَاشَرَةً إِلَى كَلِمَاتٍ أَوْ صُوَرٍ وَاضِحَةٍ.
قَالَ سَامِرٌ بِتَأَمُّلٍ:
ـ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَمُرُّ قُرْبَ مَحَطَّةِ القِطَارِ القَدِيمَةِ فِي المَدِينَةِ، يَضِيقُ صَدْرِي فَجَأَةً دُونَ سَبَبٍ أَعْرِفُهُ.
لَمْ أَشْهَدِ اصْطِدَامًا، وَلَمْ أَفْقِدْ أَحَدًا هُنَاكَ فِيمَا أَعْلَمُ.
لَكِنَّ الجَسَدَ يَتَصَرَّفُ كَمَنْ يَعْرِفُ شَيْئًا أَنَا لَا أَعْرِفُهُ.
أَوْمَأَتِ الرَّاقِصَةُ بِوُدٍّ:
ـ هَذِهِ إِشَارَةٌ جَسَدِيَّةٌ بَالِغَةُ الأَهَمِّيَّةِ.
لَا تُعَالِجْهَا بِالمَنْطِقِ وَحْدَهُ، وَلَا تُقَنِّعْهَا بِالإِنْكَارِ.
اجْلِسْ مَعَهَا كَمَا يَجْلِسُ الإِنْسَانُ مَعَ ضَيْفٍ ثَقِيلٍ لَا يَعْرِفُ اسْمَهُ، وَامْنَحْهَا وَقْتًا كَافِيًا لِتَقُولَ مَا تُرِيدُ قَوْلَهُ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِفِكْرَةٍ تَتَشَكَّلُ:
ـ هَذَا يُشْبِهُ نَصِيحَةَ الشَّامَانِ الأَمَازُونِيِّ الَّذِي لَقِيتُهُ فِي إِحْدَى القَاعَاتِ.
قَالَ لِي بِالضَّبْطِ: لَا تَسْتَعْجِلِ التَّفْسِيرَ.
أَوْمَأَتِ الرَّاقِصَةُ بِإِعْجَابٍ:
ـ يَبْدُو أَنَّ حُكَمَاءَ كَثِيرِينَ قَابَلْتَهُمْ فِي رِحْلَتِكَ يَصِلُونَ إِلَى نَفْسِ الحَقِيقَةِ الأَسَاسِيَّةِ: الجَسَدُ يَحْمِلُ مَعْرِفَةً عَمِيقَةً، تَسْتَحِقُّ احْتِرَامًا وَإِصْغَاءً صَبُورًا، لَا فَقَطْ تَجَاهُلًا لِصَالِحِ العَقْلِ الوَاعِي المُبَاشِرِ وَحْدَهُ.
سَكَتَ الإِثْنَانِ لِحَظَاتٍ، وَكَانَ الصَّمْتُ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ أَنْ يُمَلَأَ.
ثُمَّ سَأَلَهَا سَامِرٌ سُؤَالًا شَخْصِيًّا بِلُطْفٍ:
ـ هَلْ تَعَرَّضْتِ يَوْمًا لِإِصَابَةٍ جَعَلَتْكِ تَفْقِدِينَ القُدْرَةَ عَلَى أَدَاءِ حَرَكَةٍ مُعَيَّنَةٍ كُنْتِ تُتْقِنِينَهَا؟
نَظَرَتْ بَعِيدًا، وَظَهَرَ فِي عَيْنَيْهَا حُزْنٌ مِهَنِيٌّ صَادِقٌ، كَحُزْنِ مَنْ فَقَدَ شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَشْرَحَهُ لِمَنْ لَمْ يَذُقْ مِثْلَهُ:
ـ نَعَمْ.
أُصِبْتُ إِصَابَةً خَطِيرَةً فِي كَاحِلِي قَبْلَ سَنَتَيْنِ، اضْطُرِرْتُ بَعْدَهَا لِلتَّوَقُّفِ عَنِ التَّمْرِينِ أَشْهُرًا طَوِيلَةً.
حِينَ عُدْتُ اكْتَشَفْتُ، بِأَلَمٍ حَقِيقِيٍّ لَا يُوصَفُ، أَنَّ جَسَدِي “نَسِيَ” جُزْئِيًّا بَعْضَ الحَرَكَاتِ المُعَقَّدَةِ الَّتِي كُنْتُ أُتْقِنُهَا بِسُهُولَةٍ قَبْلَ الإِصَابَةِ.
كَانَ الأَمْرُ أَشْبَهَ بِأَنْ تَعُودَ إِلَى بَيْتِكَ بَعْدَ غِيَابٍ طَوِيلٍ، فَتَجِدَ أَنَّ بَعْضَ الغُرَفِ قَدْ أُغْلِقَتْ أَبْوَابُهَا، وَلَا تَمْلِكُ مَفَاتِيحَهَا.
قَالَ سَامِرٌ بِتَعَاطُفٍ:
ـ كَيْفَ فَعَلْتِ هَذَا عَمَلِيًّا؟
كَيْفَ أَعَدْتِ فَتْحَ تِلْكَ الأَبْوَابِ؟
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا مُتَذَكِّرَةً، وَفِي وَجْهِهَا شَيْءٌ مِنَ الفَخْرِ الهَادِئِ:
ـ بِصَبْرٍ شَدِيدٍ جِدًّا، وَتَكْرَارٍ يَوْمِيٍّ ثَابِتٍ، دُونَ اسْتِعْجَالٍ أَوْ إِحْبَاطٍ مُفْرِطٍ حِينَ لَا تَأْتِي النَّتَائِجُ فَوْرًا.
أَعَدْتُ بِنَاءَ تِلْكَ الذَّاكِرَةِ العُضْلِيَّةِ تَدْرِيجِيًّا، خُطْوَةً بِخُطْوَةٍ، حَرَكَةً بَسِيطَةً قَبْلَ حَرَكَةٍ أَكْثَرَ تَعْقِيدًا.
تَخَيَّلْ طِفْلًا يَتَعَلَّمُ المَشْيَ مِنْ جَدِيدٍ بَعْدَ مَرَضٍ أَقْعَدَهُ؛ لَا يَبْدَأُ بِالجَرْيِ، بَلْ يَبْدَأُ بِأَنْ يَضَعَ قَدَمَهُ عَلَى الأَرْضِ وَيَثِقَ بِأَنَّهَا سَتَحْمِلُهُ.
هَكَذَا تَعَامَلْتُ مَعَ جَسَدِي تَمَامًا.
حَتَّى اسْتَعَدْتُ أَغْلَبَ مَا فَقَدْتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كُلُّ شَيْءٍ بِنَفْسِ الدِّقَّةِ الكَامِلَةِ السَّابِقَةِ تَمَامًا.
شَعَرَ سَامِرٌ بِأَمَلٍ عَمَلِيٍّ جَدِيدٍ يَسْرِي فِي صَدْرِهِ كَدِفْءٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعٍ:
ـ هَذَا يَمْنَحُنِي نَمُوذَجًا عَمَلِيًّا لِكَيْفِيَّةِ التَّعَامُلِ مَعَ فَقْدَانِي.
حَتَّى لَوْ كَانَ فَقْدَانًا مُخْتَلِفَ الطَّبِيعَةِ، فَرُبَّمَا المَبْدَأُ وَاحِدٌ: الصَّبْرُ، وَالتَّكْرَارُ اللَّطِيفُ، وَعَدَمُ القَسْوَةِ عَلَى النَّفْسِ حِينَ لَا يَجِيءُ مَا تَنْتَظِرُهُ فِي وَقْتِهِ.
ابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً دَافِئَةً فِيهَا شَيْءٌ مِنْ حَنَانِ مَنْ مَرَّ بِالأَلَمِ وَعَرَفَهُ جَيِّدًا:
ـ أَتَمَنَّى ذَلِكَ بِصِدْقٍ، يَا سَامِرُ.
الصَّبْرُ وَالتَّكْرَارُ اللَّطِيفُ، دُونَ قَسْوَةٍ عَلَى النَّفْسِ، غَالِبًا مَا يَكُونَانِ أَكْثَرَ فَاعِلِيَّةً مِنَ المُحَاوَلَاتِ المُتَسَرِّعَةِ العَنِيفَةِ لِاسْتِعَادَةِ شَيْءٍ فَقَدْنَاهُ.
حَتَّى الجُرُوحُ الجَسَدِيَّةُ تَلْتَئِمُ أَسْرَعَ حِينَ لَا نَنْكَأُهَا بِأَصَابِعَ قَلِقَةٍ.
وَقَفَ سَامِرٌ لِيَنْصَرِفَ، فَقَالَتْ وَهِيَ تَعُودُ إِلَى تَمْرِينِهَا بِتَرْكِيزٍ هَادِئٍ:
ـ اذْهَبِ الآنَ، يَا سَامِرُ.
وَاحْمِلْ مَعَكَ هَذَا: أَصْغِ لِجَسَدِكَ بِصَبْرٍ وَحُبٍّ.
فَقَدْ يَحْمِلُ ذَاكِرَةً أَعْمَقَ بِكَثِيرٍ مِمَّا يَتَخَيَّلُهُ عَقْلُكَ الوَاعِي.
بَدَأَ الاسْتُودْيُو يَتَلَاشَى بِبُطْءٍ، وَالمَرَايَا الكَبِيرَةُ تَذُوبُ فِي الهَوَاءِ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، حَتَّى اخْتَفَتْ آخِرُ صُورَةٍ رَآهَا سَامِرٌ فِيهَا: صُورَتُهُ هُوَ، وَاقِفًا وَحْدَهُ وَسَطَ قَاعَةٍ مُضَاءَةٍ بِنُورٍ لَا مَصْدَرَ لَهُ.
عَادَ إِلَى الرَّوَاقِ المُعْتَادِ، فَوَجَدَ العَجُوزَ يَنْتَظِرُهُ بِجَانِبِ بَابٍ يَحْمِلُ نَقْشًا لِعَدَسَةِ كَامِيرَا قَدِيمَةٍ، دَائِرِيَّةٍ وَمُحَاطَةٍ بِفُصُوصٍ كَعَيْنٍ مَفْتُوحَةٍ لَا تَنَامُ.
قَالَ العَجُوزُ بِنَبْرَتِهِ المُعْتَادَةِ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ الوَقَارِ وَشَيْءٍ مِنَ التَّحَدِّي:
ـ القَاعَةُ التَّالِيَةُ، يَا سَامِرُ، تَحْمِلُ صَوْتَ مُصَوِّرٍ يُوَثِّقُ أَهْوَالَ حَرْبٍ حَقِيقِيَّةٍ.
يَطْرَحُ سُؤَالًا صَعْبًا عَنْ طَبِيعَةِ الصُّورَةِ نَفْسِهَا: هَلْ هِيَ شَاهِدٌ أَمِينٌ عَلَى الحَقِيقَةِ؟
أَمْ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الكَذِبِ المُنَظَّمِ؟
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى نَقْشِ العَدَسَةِ طَوِيلًا.
ثُمَّ أَخَذَ نَفَسًا عَمِيقًا، وَمَدَّ يَدَهُ نَحْوَ المِقْبَضِ.
________________________________________
