مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَة
الفَصْلُ الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ: الثَّوْرِيُّ الْمَارْكِسِيُّ – مُوسْكُو، شِتَاءُ عَامِ أَلْفٍ وَتِسْعِمِائَةٍ وَسَبْعَةَ عَشَرَ
________________________________________
لَمْ يَكُنِ الرِّوَاقُ يُشِيرُ هَذِهِ الْمَرَّةَ إِلَى قَاعَةٍ.
كَانَ يُشِيرُ إِلَى الْعَالَمِ بِأَسْرِهِ.
فَحِينَ فَتَحَ سَامِرٌ الْبَابَ الَّذِي نَقَشَ عَلَيْهِ الْعَجُوزُ صُورَةَ قَبْضَةٍ مَرْفُوعَةٍ، اتَّسَعَ الْمَكَانُ فَجْأَةً اتِّسَاعًا لَا حُدُودَ لَهُ.
لَمْ يَجِدْ نَفْسَهُ فِي غُرْفَةٍ.
وَجَدَ نَفْسَهُ فِي مَيْدَانٍ.
________________________________________
كَانَ الثَّلْجُ يَكْسُو كُلَّ شَيْءٍ؛ الْأَرْصِفَةَ، وَأَسْقُفَ الْمَبَانِي الرَّمَادِيَّةِ الشَّاهِقَةِ، وَأَغْصَانَ الْأَشْجَارِ الْعَارِيَةِ الَّتِي تَقِفُ عَلَى أَطْرَافِ الْمَيْدَانِ كَأَرْوَاحٍ بِلَا جَسَدٍ.
كَانَ الْهَوَاءُ يَحْمِلُ أَصْوَاتَ هُتَافَاتٍ بَعِيدَةٍ تَتَصَاعَدُ وَتَتَلَاشَى كَمَوْجٍ لَا يَبْلُغُ الشَّاطِئَ أَبَدًا.
وَفِي وَسَطِ الْمَيْدَانِ، عَلَى مِنَصَّةٍ خَشَبِيَّةٍ بَسِيطَةٍ، وَقَفَ رَجُلٌ فِي الْخَامِسَةِ وَالْأَرْبَعِينَ.
كَانَ يُلَوِّحُ بِيَدِهِ لِجَمْعٍ لَا يَرَاهُ سَامِرٌ، خَطِيبًا بِلَا جُمْهُورٍ حَاضِرٍ، وَكَأَنَّ الْجُمْهُورَ كَانَ مَوْجُودًا فِي مَكَانٍ آخَرَ تَمَامًا، فِي الزَّمَنِ لَا فِي الْمَكَانِ.
ثُمَّ لَاحَظَ سَامِرًا.
تَوَقَّفَ.
نَظَرَ إِلَيْهِ بِعَيْنَيْنِ حَادَّتَيْنِ كَأَنَّهُمَا مِيزَانٌ لَا يَرْحَمُ يَزِنُ مَنْ يَقِفُ أَمَامَهُ:
ـ مَنْ أَنْتَ؟
هَلْ أَتَيْتَ لِتَنْضَمَّ إِلَيْنَا؟
أَمْ لِتُرَاقِبَ فَقَطْ مِنْ بُعْدٍ، كَبَقِيَّةِ الْمُتَرَدِّدِينَ الَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ أَنْ تَنْجَحَ الثَّوْرَةُ أَوَّلًا قَبْلَ أَنْ يَدَّعُوا أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَهَا مِنَ الْبِدَايَةِ؟
________________________________________
ـ أَنَا سَامِرٌ.
وَأَنَا لَا أَنْتَمِي إِلَى زَمَنِكَ وَلَا إِلَى صِرَاعِكَ بِالضَّبْطِ.
نَزَلَ الثَّوْرِيُّ مِنَ الْمِنَصَّةِ.
خَطَا نَحْوَهُ بِخُطُوَاتٍ وَاثِقَةٍ عَلَى الثَّلْجِ، كَمَنِ اعْتَادَ أَنْ تُنَازِعَهُ الْأَرْضُ وَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُوقِفَهُ:
ـ كُلُّ إِنْسَانٍ يَنْتَمِي إِلَى صِرَاعٍ طَبَقِيٍّ مَا.
سَوَاءٌ أَدْرَكَ هَذَا أَمْ لَا.
وَقَفَ أَمَامَهُ.
كَانَ طَوِيلًا أَكْثَرَ مِمَّا بَدَا مِنَ الْبُعْدِ، وَعَيْنَاهُ تَحْتَرِقَانِ بِشَيْءٍ لَا يُسَمَّى بِسُهُولَةٍ؛ لَيْسَ غَضَبًا فَقَطْ، وَلَيْسَ حَمَاسًا فَقَطْ، بَلْ ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي يَنْشَأُ حِينَ يُؤْمِنُ الْمَرْءُ بِشَيْءٍ أَكْبَرَ مِنْ نَفْسِهِ وَيَحْمِلُهُ فِي جَسَدِهِ كُلَّهُ:
ـ أَنَا ثَوْرِيٌّ.
أُؤْمِنُ أَنَّنَا عَلَى أَعْتَابِ لَحْظَةٍ تَارِيخِيَّةٍ سَتُغَيِّرُ كُلَّ شَيْءٍ.
سَنُطِيحُ بِنِظَامٍ قَدِيمٍ ظَالِمٍ، وَنَبْنِي عَالَمًا جَدِيدًا عَادِلًا لَمْ يَرَهُ التَّارِيخُ مِنْ قَبْلُ.
________________________________________
ـ كَيْفَ تَتَعَلَّقُ الثَّوْرَةُ بِمَسْأَلَةِ الذَّاكِرَةِ؟
تِلْكَ الَّتِي أَبْحَثُ عَنْهَا.
تَوَقَّفَ الثَّوْرِيُّ.
ابْتَسَمَ ابْتِسَامَةً وَاثِقَةً تَقُولُ: هَذَا بِالضَّبْطِ مَا كُنْتُ أَنْتَظِرُ أَنْ يَسْأَلَهُ أَحَدٌ:
ـ عَلَاقَةٌ عَمِيقَةٌ جِدًّا، فِي الْحَقِيقَةِ.
الثَّوْرَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لَيْسَتْ فَقَطِ اسْتِبْدَالَ حُكَّامٍ بِحُكَّامٍ آخَرِينَ.
هَذَا مَا يَفْعَلُهُ الِانْقِلَابُ.
أَمَّا الثَّوْرَةُ فَشَيْءٌ آخَرُ تَمَامًا.
هِيَ إِعَادَةُ كِتَابَةٍ كَامِلَةٍ لِذَاكِرَةِ الشَّعْبِ نَفْسِهِ.
تَحْرِيرُهُ مِنْ أَسَاطِيرَ وَقِصَصٍ زَرَعَتْهَا الطَّبَقَةُ الْحَاكِمَةُ الْقَدِيمَةُ عَبْرَ قُرُونٍ، لِتُبَرِّرَ بِهَا سَيْطَرَتَهَا وَتُقْنِعَ الْمُسَيْطَرَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ قُيُودَهُمْ هِيَ قَدَرُهُمُ الطَّبِيعِيُّ.
تَخَيَّلِ الْأَمْرَ هَكَذَا:
رَجُلٌ يُوقَظُ فِي كُلِّ صَبَاحٍ وَيُقَالُ لَهُ: “أَنْتَ فَقِيرٌ لِأَنَّ اللَّهَ أَرَادَكَ فَقِيرًا.
الْغَنِيُّ غَنِيٌّ لِأَنَّ اللَّهَ أَرَادَهُ غَنِيًّا.
هَذَا هُوَ النِّظَامُ الطَّبِيعِيُّ لِلْأَشْيَاءِ.”
فَيُؤْمِنُ الرَّجُلُ بِهَذَا لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ قَطُّ سِوَاهُ.
الثَّوْرَةُ تَقُولُ لَهُ:
“لَا.
أَنْتَ فَقِيرٌ لِأَنَّ شَخْصًا آخَرَ يَأْخُذُ مِمَّا تُنْتِجُهُ بِيَدَيْكَ.
هَذَا لَيْسَ قَدَرًا.
هَذَا اخْتِيَارٌ مَفْرُوضٌ يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ.”
وَهُنَا تَبْدَأُ إِعَادَةُ كِتَابَةِ الذَّاكِرَةِ.
________________________________________
تَوَقَّفَ سَامِرٌ.
كَانَ فِي كَلَامِ الثَّوْرِيِّ شَيْءٌ يَشُدُّ الْعَقْلَ وَلَا يُطْلِقُهُ.
لَكِنَّ فِيهِ أَيْضًا شَيْئًا يُثِيرُ قَلَقًا هَادِئًا لَمْ يَسْتَطِعْ سَامِرٌ إِسْكَاتَهُ:
ـ هَذَا يَبْدُو قَوِيًّا.
لَكِنَّهُ أَيْضًا مُخِيفٌ قَلِيلًا.
“إِعَادَةُ كِتَابَةِ الذَّاكِرَةِ” تَبْدُو كَأَنَّهَا يُمْكِنُ أَنْ تَتَحَوَّلَ بِسُهُولَةٍ إِلَى أَدَاةِ تَلَاعُبٍ خَطِيرَةٍ.
مَنْ يَقْرِرُ أَيَّ ذَاكِرَةٍ يُكْتَبُ وَأَيَّ ذَاكِرَةٍ تُمْحَى؟
تَوَقَّفَ الثَّوْرِيُّ.
لَمْ يَكُنِ السُّؤَالُ مُتَوَقَّعًا.
أَوْ رُبَّمَا كَانَ مُتَوَقَّعًا وَمَخُوفًا فِي آنٍ وَاحِدٍ.
ظَهَرَتْ فِي عَيْنَيْهِ نَظْرَةٌ مُخْتَلِفَةٌ، نَظْرَةُ تَفْكِيرٍ عَمِيقٍ يَعْمَلُ تَحْتَ سَطْحِ الْجَوَابِ الْجَاهِزِ:
ـ هَذَا تَحْذِيرٌ مُهِمٌّ.
أَعْتَرِفُ بِهِ.
أَنَا أُؤْمِنُ بِقُوَّةٍ أَنَّ سَرْدِيَّتَنَا الثَّوْرِيَّةَ تَكْشِفُ حَقِيقَةً طُمِسَتْ عَمْدًا عَبْرَ قُرُونٍ مِنَ الْقَمْعِ الطَّبَقِيِّ.
لَكِنَّنِي أَيْضًا أُدْرِكُ، حِينَ أَكُونُ صَادِقًا مَعَ نَفْسِي تَمَامًا، أَنَّ أَيَّ إِعَادَةِ كِتَابَةٍ كُبْرَى لِلذَّاكِرَةِ الْجَمَاعِيَّةِ تَحْمِلُ خَطَرًا حَقِيقِيًّا.
مَنْ يَضْمَنُ أَنَّ السَّرْدِيَّةَ الْجَدِيدَةَ لَنْ تُصْبِحَ هِيَ نَفْسُهَا أَدَاةَ قَمْعٍ جَدِيدَةٍ؟
بِشَكْلٍ مُخْتَلِفٍ فَقَطْ، وَبِأَسْمَاءٍ جَدِيدَةٍ، لَكِنَّ الْجَوْهَرَ وَاحِدٌ؟
________________________________________
شَعَرَ سَامِرٌ بِإِعْجَابٍ حَقِيقِيٍّ لَمْ يَتَوَقَّعْهُ.
إِعْجَابٌ لَا بِالثَّوْرِيِّ الْوَاثِقِ الَّذِي وَقَفَ عَلَى الْمِنَصَّةِ، بَلْ بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَقِفُ أَمَامَهُ الْآنَ، الَّذِي يُفَكِّرُ فِي الْحُدُودِ، وَيُسَاءِلُ مَا يُؤْمِنُ بِهِ.
ـ هَلْ تَخَافُ مِنْ هَذَا الِاحْتِمَالِ فِعْلِيًّا؟
أَوْمَأَ الثَّوْرِيُّ بِرَأْسِهِ بِبُطْءٍ.
وَلِلَّحْظَةٍ بَدَا أَصْغَرَ سِنًّا، وَأَثْقَلَ حِمْلًا:
ـ أَخَافُ مِنْهُ.
نَعَمْ.
فِي لَحَظَاتِ صَفَاءٍ قَلِيلَةٍ كَهَذِهِ.
أُؤْمِنُ بِقَضِيَّتِنَا بِعُمْقٍ كَامِلٍ لَا شَكَّ فِيهِ.
لَكِنَّنِي أَيْضًا أَعْرِفُ أَنَّ التَّارِيخَ مَلِيءٌ بِثَوْرَاتٍ بَدَأَتْ بِنَوَايَا نَبِيلَةٍ حَقًّا، ثُمَّ انْحَرَفَتْ لَاحِقًا نَحْوَ قَمْعٍ جَدِيدٍ.
تَخَيَّلِ الْأَمْرَ: نَكْسَبُ الثَّوْرَةَ الْيَوْمَ، وَبَعْدَ جِيلٍ يَقِفُ رَجُلٌ مِثْلِي عَلَى مِنَصَّةٍ مِثْلَ هَذِهِ، وَيَقُولُ لِلنَّاسِ: “هَذَا هُوَ الْحَقُّ الثَّوْرِيُّ.
مَنْ خَالَفَهُ فَقَدْ خَانَ الشَّعْبَ.”
بَدَلًا مِنَ “الْحَقِّ الْإِلَهِيِّ” الْقَدِيمِ.
الْقَفَصُ نَفْسُهُ.
الْبَابُ نَفْسُهُ.
الزِّينَةُ مُخْتَلِفَةٌ فَقَطْ.
________________________________________
ـ كَيْفَ يُمْكِنُ تَجَنُّبُ هَذَا الِانْحِرَافِ؟
فَكَّرَ طَوِيلًا.
وَالثَّلْجُ حَوْلَهُمَا يَصْمُتُ.
وَالْهُتَافَاتُ الْبَعِيدَةُ لَا تَزَالُ تَتَصَاعَدُ وَتَتَلَاشَى فِي الْهَوَاءِ.
ثُمَّ أَجَابَ بِحَذَرٍ، كَمَنْ يَضَعُ قَدَمَهُ عَلَى جَسْرٍ لَمْ يَخْتَبِرْهُ بَعْدُ:
ـ رُبَّمَا بِالْحِفَاظِ دَائِمًا عَلَى مَسَاحَةٍ لِلنَّقْدِ الذَّاتِيِّ، حَتَّى دَاخِلَ الْحَرَكَةِ الثَّوْرِيَّةِ نَفْسِهَا.
بِأَلَّا نُصْبِحَ مُتَيَقِّنِينَ تَمَامًا، بِشَكْلٍ مُطْلَقٍ نِهَائِيٍّ، مِنْ أَنَّ سَرْدِيَّتَنَا الْجَدِيدَةَ كَامِلَةٌ وَلَا تَحْتَمِلُ أَيَّ مُرَاجَعَةٍ لَاحِقَةٍ.
أَنْ نُبَشِّرَ بِالتَّحَرُّرِ وَنَبْقَى نَحْنُ أَنْفُسَنَا أَحْرَارًا.
أَنْ نَبْنِيَ نِظَامًا يَقُولُ: “نَاقِشُونَا.
غَيِّرُونَا.
وَإِلَّا فَلَسْنَا أَفْضَلَ مِمَّنْ أَطَحْنَا بِهِمْ.”
صَمَتَ لَحْظَةً.
ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الثَّلْجِ تَحْتَ قَدَمَيْهِ:
ـ لَكِنَّ هَذَا أَصْعَبُ مِمَّا يَبْدُو.
لِأَنَّ الثَّوْرَةَ تَحْتَاجُ يَقِينًا لِتَتَحَرَّكَ.
وَالتَّوَاضُعُ يَحْتَاجُ شَكًّا لِيَبْقَى حَيًّا.
وَبَيْنَهُمَا خَطٌّ رَفِيعٌ كَحَدِّ السَّيْفِ.
________________________________________
شَعَرَ سَامِرٌ بِفِكْرَةٍ تَرْبِطُ هَذَا كُلَّهُ بِمَشْكَلَتِهِ الْخَاصَّةِ.
لَيْسَ تَشَابُهًا سَطْحِيًّا.
بَلْ رَابِطٌ أَعْمَقُ مِنْ ذَلِكَ.
ـ هَذَا يَجْعَلُنِي أُفَكِّرُ فِي يَوْمِي الْمَفْقُودِ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
رُبَّمَا أَنَا أَيْضًا أَحْتَاجُ أَنْ “أُعِيدَ كِتَابَةَ” فَهْمِي لِذَلِكَ الْيَوْمِ.
أَنْ أَبْنِيَ رِوَايَةً لِمَا حَدَثَ بِنَاءً عَلَى مَا أَجْمَعُهُ مِنْ أَدِلَّةٍ وَشَهَادَاتٍ.
لَكِنْ دُونَ أَنْ أَفْرِضَ عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ أَنْ تَكُونَ نِهَائِيَّةً مُغْلَقَةً لَا تَقْبَلُ مُرَاجَعَةً.
بَلْ أَبْقَى مَسَاحَةً لِلشَّكِّ، لِاحْتِمَالِ أَنَّنِي أُخْطِئُ فِي بَعْضِ مَا تَوَصَّلْتُ إِلَيْهِ.
أَوْمَأَ الثَّوْرِيُّ بِرَأْسِهِ بِإِعْجَابٍ حَقِيقِيٍّ.
لِإِعْجَابِهِ هَذَا وَزْنٌ لِأَنَّهُ نَادِرٌ مِنْ رَجُلٍ لَا يُعْجَبُ بِسُهُولَةٍ:
ـ هَذَا رَبْطٌ عَمِيقٌ جِدًّا.
أَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا التَّوَازُنَ، بَيْنَ الْإِيمَانِ بِفَهْمٍ جَدِيدٍ وَبَيْنَ التَّوَاضُعِ أَمَامَ احْتِمَالِ الْخَطَأِ فِيهِ، هُوَ أَصْعَبُ تَوَازُنٍ وَأَهَمُّهُ.
سَوَاءٌ أَكُنْتَ ثَوْرِيًّا يُحَاوِلُ تَحْرِيرَ شَعْبٍ، أَمْ فَرْدًا يُحَاوِلُ تَحْرِيرَ نَفْسِهِ مِنْ غُمُوضِ يَوْمٍ ضَاعَتْ ذَاكِرَتُهُ.
الْيَقِينُ الْمُطْلَقُ، فِي الْحَالَيْنِ، سِجْنٌ.
وَالشَّكُّ الْمُطْلَقُ، فِي الْحَالَيْنِ، شَلَلٌ.
وَبَيْنَهُمَا تَحْيَا الْحَقِيقَةُ الْحَيَّةُ الَّتِي لَا تَسْكُنُ الصِّيَغَ النِّهَائِيَّةَ الْجَاهِزَةَ.
________________________________________
ـ هَلْ تَظُنُّ أَنَّ ثَوْرَتَكَ سَتَنْجَحُ فِي بِنَاءِ عَالَمٍ أَكْثَرَ عَدَالَةً فِعْلًا؟
صَمَتَ الثَّوْرِيُّ.
صَمَتَ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ عَنْ كُلِّ صِمَتٍ سَابِقٍ.
صَمَتَ كَمَنْ يَسْمَعُ صَوْتًا بَعِيدًا لَا يُرِيدُ أَنْ يَسْمَعَهُ.
ثُمَّ نَظَرَ بَعِيدًا نَحْوَ أُفُقٍ ثَلْجِيٍّ أَبْيَضَ، حَيْثُ الْهُتَافَاتُ لَا تَزَالُ تَتَصَاعَدُ وَتَتَلَاشَى:
ـ أُؤْمِنُ بِهَذَا بِكُلِّ قَلْبِي الْآنَ، فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ.
لَا أَمْلِكُ يَقِينًا مُطْلَقًا عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ الْبَعِيدِ.
عَمَّا قَدْ يَحْدُثُ لِقَضِيَّتِنَا بَعْدَ سَنَوَاتٍ أَوْ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ.
قَدْ تَنْجَحُ.
قَدْ تَنْحَرِفُ.
قَدْ يَكُونُ مَا يَبْدُو الْيَوْمَ انْتِصَارًا هُوَ بَذْرَةُ هَزِيمَةٍ غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ بَعْدُ.
لَكِنَّنِي أُؤْمِنُ أَنَّ مُحَاوَلَةَ بِنَاءِ عَالَمٍ أَكْثَرَ عَدَالَةً، حَتَّى مَعَ كُلِّ مَخَاطِرِ الِانْحِرَافِ الْمُحْتَمَلَةِ، تَسْتَحِقُّ النِّضَالَ مِنْ أَجْلِهَا.
أَفْضَلُ بِكَثِيرٍ مِنَ الِاسْتِسْلَامِ لِظُلْمٍ قَائِمٍ نَعْرِفُهُ وَنُعَانِي مِنْهُ.
وَهَذَا كُلُّ مَا يَسْتَطِيعُ أَيُّ إِنْسَانٍ قَوْلَهُ أَمَامَ الْمُسْتَقْبَلِ.
يَعْمَلُ بِمَا يُؤْمِنُ بِهِ، وَيَتَوَاضَعُ أَمَامَ مَا لَا يَعْرِفُهُ.
________________________________________
شَعَرَ سَامِرٌ بِثِقَلِ هَذَا الْأَمَلِ الْمُعَقَّدِ.
لَيْسَ أَمَلَ الْمُتَحَمِّسِ الَّذِي لَا يُسَاءِلُ.
بَلْ أَمَلُ مَنْ يُسَاءِلُ وَيَنْضَالُ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
أَمَلٌ أَكَلَ التَّشَكُّكَ فِيهِ مِنْهُ شَيْئًا، وَزَادَهُ صِدْقًا.
ـ شُكْرًا لَكَ.
عَلَى هَذَا الصِّدْقِ الْمُعَقَّدِ حَوْلَ قَضِيَّتِكَ.
أَوْمَأَ الثَّوْرِيُّ بِرَأْسِهِ.
وَعَادَ إِلَى مِنَصَّتِهِ.
وَصَعِدَ إِلَيْهَا بِخُطُوَاتٍ وَاثِقَةٍ كَمَا نَزَلَ.
لَكِنَّ شَيْئًا مَا كَانَ مُخْتَلِفًا فِيهِ الْآنَ.
أَوْ رُبَّمَا كَانَ سَامِرٌ هُوَ الْمُخْتَلِفُ.
ثُمَّ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَهُوَ يُحِيلُ نَظَرَهُ نَحْوَ الْأُفُقِ الثَّلْجِيِّ مِنْ جَدِيدٍ:
ـ اذْهَبِ الْآنَ، يَا سَامِرُ.
وَاحْمِلْ مَعَكَ هَذَا:
حِينَ تُعِيدُ كِتَابَةَ فَهْمِكَ لِذَاكِرَتِكَ، احْتَفِظْ دَائِمًا بِمَسَاحَةٍ لِلشَّكِّ الْبَنَّاءِ.
وَإِلَّا فَقَدْ تَسْتَبْدِلُ سِجْنًا قَدِيمًا بِسِجْنٍ جَدِيدٍ.
بِأَسْمَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ فَقَطْ.
________________________________________
بَدَأَتِ السَّاحَةُ الثَّلْجِيَّةُ تَتَلَاشَى بِبُطْءٍ.
أَوَّلًا اخْتَفَتِ الْمَبَانِي الرَّمَادِيَّةُ فِي الضَّبَابِ.
ثُمَّ اخْتَفَتِ الْأَشْجَارُ الْعَارِيَةُ.
ثُمَّ اخْتَفَتِ الْهُتَافَاتُ الْبَعِيدَةُ، صَوْتًا وَرَاءَ صَوْتٍ، حَتَّى صَارَ الصَّمْتُ كَامِلًا.
آخِرُ مَا اخْتَفَى كَانَ الثَّلْجَ تَحْتَ قَدَمَيْ سَامِرٍ.
وَحِينَ اخْتَفَى الثَّلْجُ، وَجَدَ نَفْسَهُ وَاقِفًا عَلَى بَلَاطِ الرِّوَاقِ الْمَعْتَادِ.
________________________________________
كَانَ الْعَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ بِجَانِبِ الْبَابِ التَّالِي.
بَابٌ مَنْقُوشٌ عَلَيْهِ شَمْعَةٌ صَغِيرَةٌ تُضِيءُ فِي عَتَمَةٍ كَثِيفَةٍ.
لَمْ يَقُلِ الْعَجُوزُ شَيْئًا طَوِيلًا هَذِهِ الْمَرَّةَ.
قَالَ فَقَطْ، بِصَوْتٍ خَافِتٍ كَمَنْ يَنْطِقُ بِشَيْءٍ ثَقِيلٍ بِأَقَلِّ كَلِمَاتٍ مُمْكِنَةٍ:
ـ الْقَاعَةُ التَّالِيَةُ، يَا سَامِرُ، صَعْبَةٌ جِدًّا.
رُبَّمَا الْأَصْعَبُ حَتَّى الْآنَ.
سَتُقَابِلُ امْرَأَةً نَجَتْ مِنْ أَبْشَعِ مُحَاوَلَةٍ مُنَظَّمَةٍ لِمَحْوِ شَعْبٍ كَامِلٍ مِنَ الْوُجُودِ فِي التَّارِيخِ الْحَدِيثِ.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى الشَّمْعَةِ الصَّغِيرَةِ الْمَنْقُوشَةِ عَلَى الْبَابِ.
ضَوْءٌ صَغِيرٌ فِي عَتَمَةٍ كَبِيرَةٍ.
وَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْمَقْبِضِ.
