مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَةِ
الفَصْلُ الرَّابِعُ وَالسِّتُّونَ: النَّاجِيَةُ مِنَ الهُولُوكُوسْتِ – نِيُويُورْكُ — عَامُ ١٩٨٥م – «الشَّهَادَةُ وَاجِبٌ أَخْلَاقِيٌّ رَغْمَ الأَلَمِ»
________________________________________
لَمْ تَكُنِ القَاعَةُ هَذِهِ المَرَّةَ قَاعَةً بِالمَعْنَى الَّذِي أَلِفَهُ سَامِرٌ فِي رِحْلَتِهِ عَبْرَ المُتْحَفِ.
لَمْ تَكُنْ فِيهَا أَعْمِدَةٌ رُخَامِيَّةٌ، وَلَا إِضَاءَةٌ مَسْرَحِيَّةٌ مُحْسُوبَةٌ، وَلَا فَضَاءٌ مَهِيبٌ يُوحِي بِأَنَّ مَا سَيَجْرِي فِيهِ سَيَكُونُ عَظِيمًا.
كَانَتْ غُرْفَةَ مَعِيشَةٍ بَسِيطَةً دَافِئَةً، تِلْكَ الدِّفْءُ الَّذِي تَمْنَحُهُ الأَمَاكِنُ الَّتِي سَكَنَتْهَا الحَيَاةُ لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ دُونَ أَنْ تَطَّهِرَهَا مِنْ آثَارِهَا.
عَلَى الجُدْرَانِ كَانَتْ صُوَرٌ عَائِلِيَّةٌ كَثِيرَةٌ تَمْلَأُ كُلَّ مَسَافَةٍ خَالِيَةٍ: أَطْفَالٌ فِي يَوْمِ أَوَّلٍ مِنَ المَدْرَسَةِ، وَعَرُوسَانِ يَبْتَسِمَانِ أَمَامَ كَعْكَةٍ بَيْضَاءَ، وَأَجْدَادٌ يَحْمِلُونَ أَحْفَادًا بَدَوْا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ كَأَثْقَلِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْمِلَهُ أَحَدٌ وَأَخَفِّهِ فِي آنٍ مَعًا.
فِي الكُرْسِيِّ المَرِيحِ القَرِيبِ مِنَ النَّافِذَةِ كَانَتْ تَجْلِسُ امْرَأَةٌ فِي الثَّمَانِينَ مِنْ عُمْرِهَا، تَحْمِلُ دَفْتَرًا صَغِيرًا بِغِلَافٍ أَسْوَدَ، وَتَكْتُبُ فِيهِ بِخَطِّ يَدٍ مُرْتَجِفٍ قَلِيلًا، كَمَنْ يَعْرِفُ أَنَّ الوَقْتَ الَّذِي يَمْلِكُهُ لَيْسَ بِلَا حُدُودٍ، وَيَكْتُبُ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ لَا بِسَبَبِهِ.
حِينَ دَخَلَ سَامِرٌ نَظَرَتْ إِلَيْهِ وَقَالَتْ بِنَبْرَةٍ لَيْنَةٍ تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا شَيْئًا مِنَ الحِكْمَةِ الَّتِي تَعْرِفُ حُدُودَ نَفْسِهَا:
ـ ادْخُلْ، يَا بُنَيَّ.
لَا تَقْلَقْ، لَنْ أُثْقِلَ عَلَيْكَ بِكُلِّ شَيْءٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً.
هُنَاكَ حُدُودٌ لِمَا يُمْكِنُ لِأَيِّ شَخْصٍ أَنْ يَسْتَوْعِبَهُ فِي جَلْسَةٍ وَاحِدَةٍ.
جَلَسَ سَامِرٌ عَلَى كُرْسِيٍّ قَرِيبٍ مِنْهَا، وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا لِلَحْظَةٍ، كَأَنَّهُ يَنْتَظِرُ أَنْ يَعْرِفَ الفَضَاءُ طَبِيعَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْلَأَهُ بِالكَلَامِ.
ثُمَّ قَالَ:
ـ أَنَا سَامِرٌ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِعَيْنَيْنِ تَحْمِلَانِ عُمْقًا يَصْعُبُ وَصْفُهُ بِدِقَّةٍ، كَعُمْقِ البِئْرِ الَّتِي لَا تَرَى قَاعَهَا لَكِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ فِيهَا مَاءً:
ـ أَنَا نَاجِيَةٌ.
هَذِهِ الكَلِمَةُ، رَغْمَ بَسَاطَتِهَا الظَّاهِرِيَّةِ، تَحْمِلُ ثِقَلَ عَالَمٍ كَامِلٍ بِدَاخِلِهَا.
شَعَرَ سَامِرٌ بِحَذَرٍ وَتَعَاطُفٍ شَدِيدَيْنِ يَجْتَمِعَانِ فِيهِ بِطَرِيقَةٍ غَيْرِ مَأْلُوفَةٍ:
ـ لَا أُرِيدُ أَنْ أَطْلُبَ مِنْكِ تَفَاصِيلَ مُؤْلِمَةً، إِنْ كَانَ هَذَا صَعْبًا عَلَيْكِ.
ابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً حَزِينَةً هَادِئَةً، تِلْكَ الابْتِسَامَةُ الَّتِي لَا تَنْكُرُ الحُزْنَ وَلَا تَتَظَاهَرُ بِغِيَابِهِ، بَلْ تَقُولُ: “أَنَا أَعْرِفُهُ، وَهُوَ يَعْرِفُنِي، وَنَحْنُ نَتَعَايَشُ”:
ـ هَذَا لُطْفٌ مِنْكَ.
لَكِنَّنِي، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، اخْتَرْتُ أَنْ أَتَحَدَّثَ رَغْمَ الأَلَمِ، لَا أَنْ أَصْمُتَ.
أَرَى هَذَا وَاجِبًا أَخْلَاقِيًّا، لَا عِبْئًا أَتَحَمَّلُهُ رَغْمَ إِرَادَتِي فَقَطْ.
سَأَلَ سَامِرٌ:
ـ لِمَاذَا اخْتَرْتِ هَذَا، رَغْمَ الأَلَمِ الوَاضِحِ الَّذِي يَحْمِلُهُ؟
وَضَعَتِ الدَّفْتَرَ جَانِبًا بِعِنَايَةٍ، كَمَنْ يَضَعُ شَيْئًا ثَمِينًا فِي مَكَانٍ آمِنٍ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ عَنْ سُؤَالٍ مُهِمٍّ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِجِدِّيَّةٍ عَمِيقَةٍ:
ـ لِأَنَّنِي أَعْرِفُ، بِيَقِينٍ مُطْلَقٍ، أَنَّ الصَّمْتَ يَخْدُمُ النِّسْيَانَ.
وَالنِّسْيَانُ يَفْتَحُ البَابَ لِتَكْرَارِ الفَظَاعَةِ نَفْسِهَا.
أَنَا أَحَدُ آخِرِ مَنْ بَقِيَ حَيًّا لِيَشْهَدَ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ عَلَى مَا حَدَثَ.
حِينَ أَمُوتُ أَنَا وَأَمْثَالِي، لَنْ يَبْقَ شُهُودٌ مُبَاشِرُونَ أَحْيَاءٌ؛ فَقَطْ سِجِلَّاتٌ مَكْتُوبَةٌ، وَصُوَرٌ، وَأَفْلَامٌ.
هَذَا مُهِمٌّ، لَكِنَّهُ مُخْتَلِفٌ عَنْ صَوْتِ إِنْسَانٍ حَيٍّ يَقُولُ: “أَنَا كُنْتُ هُنَاكَ.
هَذَا حَدَثَ فِعْلًا، لِجَسَدِي، لِعَائِلَتِي، لِشَعْبِي.”
سَكَتَ سَامِرٌ، وَنَظَرَ إِلَى إِحْدَى الصُّوَرِ عَلَى الجِدَارِ: طِفْلَةٌ صَغِيرَةٌ بِضَفَائِرَ تَضْحَكُ فِي مَوْجٍ لَمْ يُرَ قَطُّ مِنْ قَبْلُ.
تَسَاءَلَ إِنْ كَانَتْ هِيَ هَذِهِ المَرْأَةُ نَفْسَهَا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحَ مَا أَصْبَحَتْ، أَوْ أَنَّهَا شَخْصٌ آخَرُ تَمَامًا.
قَالَ بِهَدُوءٍ:
ـ هَذَا يَبْدُو مَسْؤُولِيَّةً ثَقِيلَةً جِدًّا لِتَحْمِلِيهَا وَحْدَكِ.
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِصِدْقٍ غَيْرِ مُدَافِعٍ عَنْ نَفْسِهِ:
ـ هِيَ كَذَلِكَ، نَعَمْ.
لَكِنَّنِي لَا أَحْمِلُهَا وَحْدِي تَمَامًا.
هُنَاكَ آخَرُونَ مِثْلِي، نَجْتَمِعُ أَحْيَانًا، نَرْوِي قِصَصَنَا لِبَعْضِنَا البَعْضِ، حَتَّى حِينَ لَا يُوجَدُ جُمْهُورٌ آخَرُ يَسْتَمِعُ.
هَذَا، بِحَدِّ ذَاتِهِ، نَوْعٌ مِنَ الدَّعْمِ المُتَبَادَلِ فِي حَمْلِ هَذَا الثِّقَلِ المُشْتَرَكِ.
فَكَّرَ سَامِرٌ فِي ذَلِكَ: أُنَاسٌ يَرْوُونَ قِصَصَهُمْ لِبَعْضِهِمْ حَتَّى حِينَ لَا يُوجَدُ مَنْ يَسْمَعُ، لِأَنَّ فِعْلَ الرِّوَايَةِ نَفْسَهُ ضَرُورِيٌّ، مُسْتَقِلٌّ عَنِ الجُمْهُورِ.
كَأَنَّ الكَلَامَ لَيْسَ مُجَرَّدَ نَقْلٍ لِمَعْلُومَةٍ مِنْ فَمٍ إِلَى أُذُنٍ، بَلْ هُوَ فِعْلٌ يُؤَكِّدُ أَنَّ مَا حَدَثَ قَدْ حَدَثَ فِعْلًا، وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوجَدَ بِصَوْتٍ عَالٍ فِي الهَوَاءِ لَا أَنْ يَبْقَى حَبِيسًا فِي الصَّدْرِ.
سَأَلَهَا بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، مُوَازِنًا بَيْنَ الفُضُولِ وَاحْتِرَامِ الأَلَمِ:
ـ كَيْفَ تَسْتَمِرِّينَ فِي الحَيَاةِ، بَعْدَ كُلِّ مَا رَأَيْتِهِ وَعِشْتِهِ؟
نَظَرَتْ بَعِيدًا لِلَحْظَةٍ، كَمَنْ يَنْظُرُ إِلَى أُفُقٍ لَا يَرَاهُ الآخَرُونَ.
صِرَاعٌ دَاخِلِيٌّ عَمِيقٌ ظَهَرَ فِي عَيْنَيْهَا، لَيْسَ صِرَاعَ مَنْ لَا يَعْرِفُ الإِجَابَةَ، بَلْ صِرَاعَ مَنْ يَعْرِفُهَا جَيِّدًا وَلَا يَزَالُ يَجِدُ أَنَّهَا صَعْبَةٌ:
ـ بِصُعُوبَةٍ بَالِغَةٍ، لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ جِدًّا بَعْدَ نَجَاتِي مُبَاشَرَةً.
لَكِنَّنِي وَجَدْتُ، رُوَيْدًا رُوَيْدًا، مَعْنًى فِي أَمْرَيْنِ أَسَاسِيَّيْنِ: أَوَّلًا، شَهَادَتِي الَّتِي تَحَدَّثْنَا عَنْهَا.
وَثَانِيًا، حَيَاةٌ جَدِيدَةٌ بَنَيْتُهَا هُنَا: أَطْفَالٌ، أَحْفَادٌ، حَيَاةٌ يَوْمِيَّةٌ بَسِيطَةٌ أُحَاوِلُ أَنْ أَمْلَأَهَا بِقَدْرِ مَا أَسْتَطِيعُ مِنَ الفَرَحِ، رَغْمَ كُلِّ الثِّقَلِ الَّذِي أَحْمِلُهُ مَعِي دَائِمًا.
تَوَقَّفَتْ، ثُمَّ أَضَافَتْ كَمَنْ يُدَقِّقُ فِي تَعْبِيرِهِ:
ـ لَا أَقُولُ إِنَّ الفَرَحَ يَمْحُو الأَلَمَ.
لَا أَقُولُ إِنَّ أَحَدَهُمَا يَنْفِي الآخَرَ.
لَكِنَّنِي تَعَلَّمْتُ أَنَّهُمَا يَسْكُنَانِ مَعًا فِي نَفْسِ القَلْبِ دُونَ أَنْ يَتَعَارَضَا.
فَرَحُ الحَفِيدِ الأَوَّلِ حِينَ مَشَى لَا يَمْحُو ذِكْرَى أُمِّي الَّتِي لَمْ تَرَهُ.
لَكِنَّهُ حَقِيقِيٌّ بِالرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ، وَرُبَّمَا بِسَبَبِهِ.
تَوَقَّفَتْ، ثُمَّ أَضَافَتْ بِصَوْتٍ أَهْدَأَ:
ـ حِينَ تَعَلَّمَ حَفِيدِي الأَصْغَرُ عَزْفَ أُغْنِيَةٍ عَلَى البِيَانُو وَعَزَفَهَا لِي فِي عِيدِ مِيلَادِي الأَخِيرِ، بَكَيْتُ.
لَمْ أَبْكِ لِأَنَّنِي حَزِينَةٌ، وَلَا لِأَنَّنِي سَعِيدَةٌ فَقَطْ.
بَكَيْتُ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا كَانَا صَحِيحَيْنِ فِي نَفْسِ اللَّحْظَةِ.
سَأَلَ سَامِرٌ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ:
ـ هَلْ تَشْعُرِينَ بِالذَّنْبِ أَحْيَانًا؟
لِأَنَّكِ نَجَوْتِ بَيْنَمَا مَاتَ آخَرُونَ كَثِيرُونَ لَمْ يَنْجُوا؟
صَمَتَتْ طَوِيلًا.
أَلَمٌ عَمِيقٌ صَادِقٌ ظَهَرَ بِوُضُوحٍ فِي عَيْنَيْهَا، لَكِنَّهُ لَمْ يُفَاجِئْهَا، كَأَلَمِ جُرْحٍ عَرَفَهُ الجَسَدُ مُنْذُ زَمَنٍ وَلَا يَزَالُ يَتَذَكَّرُهُ بِنَفْسِ الوَضُوحِ:
ـ نَعَمْ، كَثِيرًا، خَاصَّةً فِي السَّنَوَاتِ الأُولَى بَعْدَ نَجَاتِي.
نُسَمِّي هَذَا أَحْيَانًا “ذَنْبَ النَّاجِي”.
سُؤَالٌ يُطَارِدُنِي بِاسْتِمْرَارٍ: لِمَاذَا أَنَا؟
لِمَاذَا نَجَوْتُ أَنَا تَحْدِيدًا، بَيْنَمَا مَاتَتْ أُمِّي، أَبِي، إِخْوَتِي، كُلُّ مَنْ أَحْبَبْتُهُمْ تَقْرِيبًا؟
تَوَقَّفَتْ، ثُمَّ قَالَتْ بِنَبْرَةٍ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الكَشْفِ الصَّادِقِ:
ـ وَالأَصْعَبُ مِنَ السُّؤَالِ هُوَ أَنَّهُ لَا جَوَابَ لَهُ.
لَيْسَ لِأَنَّ الجَوَابَ مَخْفِيٌّ، بَلْ لِأَنَّ السُّؤَالَ نَفْسَهُ غَيْرُ مَبْنِيٍّ عَلَى مَنْطِقٍ يَقْبَلُ جَوَابًا.
الكَوَارِثُ الكُبْرَى لَيْسَتْ عَادِلَةً وَلَا ظَالِمَةً بِالمَعْنَى الَّذِي نَفْهَمُهُ.
إِنَّهَا فَقَطْ حَدَثَتْ.
وَأَنَا فَقَطْ كُنْتُ هُنَاكَ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِثِقَلِ هَذَا الأَلَمِ العَمِيقِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ كَشَيْءٍ مَلْمُوسٍ.
صَمَتَ مُحْتَرِمًا لِلَحْظَةٍ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ:
ـ كَيْفَ تَعَامَلْتِ مَعَ هَذَا الذَّنْبِ؟
نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِصِدْقٍ مُؤْلِمٍ لَكِنَّهُ أَيْضًا حَكِيمٌ، كَمَنْ يُجِيبُ عَنْ سُؤَالٍ فَكَّرَ فِيهِ آلَافَ المَرَّاتِ وَوَصَلَ أَخِيرًا إِلَى إِجَابَةٍ لَا تُرِيحُهُ لَكِنَّهَا صَحِيحَةٌ:
ـ لَمْ “أَتَعَامَلْ” مَعَهُ بِمَعْنَى أَنَّنِي تَخَلَّصْتُ مِنْهُ تَمَامًا.
فَهَذَا لَمْ يَحْدُثْ أَبَدًا بِشَكْلٍ كَامِلٍ.
لَكِنَّنِي تَعَلَّمْتُ أَنْ أَحْمِلَهُ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، أَنْ أُحَوِّلَهُ، قَدْرَ اسْتِطَاعَتِي، إِلَى دَافِعٍ لِعَيْشِ حَيَاةٍ ذَاتِ مَعْنًى، حَيَاةٍ تُكَرِّمُ ذِكْرَى مَنْ فَقَدْتُهُمْ، بَدَلًا مِنْ أَنْ يَسْحَقَنِي ذَلِكَ الذَّنْبُ تَمَامًا وَيَمْنَعَنِي مِنَ العَيْشِ أَصْلًا.
تَوَقَّفَتْ، ثُمَّ قَالَتْ بِصَوْتٍ أَرَقَّ:
ـ تَخَيَّلْ أَنَّكَ تَحْمِلُ حَجَرًا ثَقِيلًا فِي جَيْبِكَ فِي كُلِّ مَكَانٍ تَذْهَبُ إِلَيْهِ.
فِي البِدَايَةِ لَا يُمْكِنُكَ التَّفْكِيرُ فِي شَيْءٍ آخَرَ.
مَعَ الوَقْتِ، لَا يَخِفُّ الحَجَرُ، لَكِنَّ عَضَلَاتِكَ تَعْتَادُهُ، وَتَتَعَلَّمُ الوُقُوفَ بِشَكْلٍ أَكْثَرَ تَوَازُنًا رَغْمَ وُجُودِهِ.
هَذَا لَيْسَ انْتِصَارًا.
لَكِنَّهُ حَيَاةٌ.
قَالَ سَامِرٌ بِإِعْجَابٍ هَادِئٍ:
ـ هَذَا يَبْدُو شَجَاعَةً اسْتِثْنَائِيَّةً.
هَزَّتْ رَأْسَهَا بِرِفْقٍ:
ـ لَا أَعْتَبِرُهَا شَجَاعَةً بِقَدْرِ مَا أَعْتَبِرُهَا ضَرُورَةَ بَقَاءٍ بَسِيطَةً.
كَانَ أَمَامِي خِيَارَانِ فَقَطْ: أَنْ أَسْمَحَ لِلْأَلَمِ بِأَنْ يَسْحَقَنِي تَمَامًا، أَوْ أَنْ أُحَاوِلَ أَنْ أَبْنِيَ شَيْئًا ذَا مَعْنًى رَغْمَهُ.
اخْتَرْتُ الثَّانِيَ، يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، بِصُعُوبَةٍ بَالِغَةٍ أَحْيَانًا جِدًّا.
وَلَيْسَ كُلُّ يَوْمٍ كَانَ فِيهِ ذَلِكَ الاخْتِيَارُ سَهْلًا.
كَانَ هُنَاكَ أَيَّامٌ اخْتَرْتُ فِيهَا البَقَاءَ لِمُجَرَّدِ أَنَّنِي لَمْ أَجِدْ سَبَبًا كَافِيًا لِلرَّحِيلِ.
وَكَانَ ذَلِكَ كَافِيًا أَيْضًا.
سَأَلَ سَامِرٌ سُؤَالًا يَرْبِطُ هَذَا كُلَّهُ بِمَشْكَلَتِهِ:
ـ كَيْفَ يُسَاعِدُنِي هَذَا فِي فَهْمِ يَوْمِيَ المَفْقُودِ، رَغْمَ أَنَّ مَشْكَلَتِي أَصْغَرُ بِكَثِيرٍ مِمَّا عِشْتِيهِ أَنْتِ؟
نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِدِفْءٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعٍ:
ـ لَا تُقَلِّلْ مِنْ شَأْنِ أَلَمِكَ، يَا سَامِرُ.
سَبَقَ لِي أَنْ سَمِعْتُ، مِنْ زُوَّارٍ سَابِقِينَ هُنَا، حِكْمَةً مُمَاثِلَةً لِمَا سَأَقُولُهُ لَكَ الآنَ: الأَلَمُ لَيْسَ مُسَابَقَةً.
لَيْسَ مِنَ الضَّرُورِيِّ أَنْ تُثْبِتَ أَنَّ أَلَمَكَ يُسَاوِي أَلَمِي أَوْ يَفُوقُهُ لِكَيْ يَكُونَ حَقِيقِيًّا وَيَسْتَحِقَّ أَنْ يُعَالَجَ.
تَوَقَّفَتْ، ثُمَّ أَضَافَتْ:
ـ لَكِنَّنِي أَسْتَطِيعُ أَنْ أُشَارِكَكَ دَرْسًا مُهِمًّا تَعَلَّمْتُهُ: الشَّهَادَةُ، التَّوْثِيقُ، الكَلَامُ بِصِدْقٍ عَمَّا حَدَثَ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ كَامِلًا أَوْ مَفْهُومًا بِالكَامِلِ، لَهُ قِيمَةٌ حَقِيقِيَّةٌ عَمِيقَةٌ.
تَخَيَّلْ أَنَّكَ فَقَدْتَ جُزْءًا مِنْ خَرِيطَةٍ كُنْتَ تَسِيرُ بِهَا.
الشَّهَادَةُ لَيْسَتْ بِالضَّرُورَةِ أَنْ تَجِدَ ذَلِكَ الجُزْءَ المَفْقُودَ، لَكِنَّهَا أَنْ تَقُولَ بِصَوْتٍ عَالٍ: “كُنْتُ هُنَا، وَفَقَدْتُ شَيْئًا، وَأَنَا أَعْرِفُ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا.”
هَذَا وَحْدَهُ يَمْنَعُ الفَقْدَانَ مِنْ أَنْ يُحَاوِلَ إِقْنَاعَكَ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَيْءٌ يُفْقَدُ أَصْلًا.
قَالَ سَامِرٌ:
ـ تَقْصِدِينَ أَنَّ عَلَيَّ أَنْ “أَشْهَدَ” عَلَى فَقْدَانِي، حَتَّى لَوْ لَمْ أَفْهَمْهُ بِالكَامِلِ؟
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِقُوَّةٍ:
ـ بِالضَّبْطِ.
تَحَدَّثْ عَنْهُ، اكْتُبْ عَنْهُ، شَارِكْ مَا تَعْرِفُهُ وَمَا لَا تَعْرِفُهُ مَعَ مَنْ تَثِقُ بِهِمْ.
هَذَا الفِعْلُ، فِعْلُ الشَّهَادَةِ الصَّادِقَةِ، حَتَّى مَعَ كُلِّ النَّقْصِ فِيهَا، لَهُ قُوَّةُ شِفَاءٍ حَقِيقِيَّةٍ.
لَيْسَ لِأَنَّهُ يَمْلَأُ الفَجَوَاتِ، بَلْ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ أَنَّ الفَجَوَاتِ مَوْجُودَةٌ، وَأَنَّ مَا كَانَ يَمْلَأُهَا كَانَ حَقِيقِيًّا.
شَعَرَ سَامِرٌ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ يَصْعُبُ وَصْفُهُ بِكَلِمَاتٍ دَقِيقَةٍ:
ـ شُكْرًا لَكِ، عَلَى هَذِهِ الحِكْمَةِ المُسْتَخْلَصَةِ مِنْ أَلَمٍ لَا يُمْكِنُنِي تَخَيُّلُهُ بِالكَامِلِ.
ابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً أَخِيرَةً دَافِئَةً حَزِينَةً، وَعَادَتْ إِلَى دَفْتَرِهَا بِعِنَايَةٍ هَادِئَةٍ:
ـ اذْهَبِ الآنَ، يَا سَامِرُ.
وَاحْمِلْ مَعَكَ هَذَا: الشَّهَادَةُ الصَّادِقَةُ، مَهْمَا كَانَتْ نَاقِصَةً، فِعْلُ مُقَاوَمَةٍ جَمِيلٌ ضِدَّ النِّسْيَانِ وَالصَّمْتِ.
بَدَأَتْ غُرْفَةُ المَعِيشَةِ الدَّافِئَةُ وَالصُّوَرُ العَائِلِيَّةُ تَتَلَاشَى بِبُطْءٍ.
وَآخِرُ مَا رَآهُ سَامِرٌ قَبْلَ أَنْ تَخْتَفِيَ الغُرْفَةُ كُلِّيًّا هُوَ يَدُهَا المُرْتَجِفَةُ قَلِيلًا وَهِيَ تَكْتُبُ.
لَمْ يَرَ مَا تَكْتُبُهُ.
لَكِنَّهُ شَعَرَ، بِطَرِيقَةٍ لَا تَخْضَعُ لِلتَّفْسِيرِ المَنْطِقِيِّ المُبَاشِرِ، أَنَّ الكِتَابَةَ هِيَ شَكْلٌ مِنْ أَشْكَالِ الصَّلَاةِ، لَيْسَ نَحْوَ إِلَهٍ بِعَيْنِهِ، بَلْ نَحْوَ الأَحْيَاءِ الَّذِينَ رَحَلُوا، نَحْوَ لَحْظَاتٍ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا أَثَرُهَا.
عَادَ إِلَى الرَّوَاقِ المُعْتَادِ، يَحْمِلُ ثِقَلًا عَاطِفِيًّا عَمِيقًا لَمْ يَكُنْ يُوجَدُ اسْمٌ مُحَدَّدٌ لَهُ، لَكِنَّهُ كَانَ حَقِيقِيًّا.
كَانَ العَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ، صَامِتًا لِفَتْرَةٍ أَطْوَلَ مِنَ المُعْتَادِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ.
نَظَرَ إِلَى سَامِرٍ نَظْرَةً مُخْتَلِفَةً عَنِ النَّظَرَاتِ السَّابِقَةِ، كَأَنَّهُ يُقَيِّمُ شَيْئًا تَغَيَّرَ فِي وَجْهِهِ دُونَ أَنْ يُحَدِّدَ مَا هُوَ.
ثُمَّ قَالَ بِهَدُوءٍ:
ـ خُذْ لَحْظَةً، إِنِ احْتَجْتَهَا.
هَزَّ سَامِرٌ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ، وَنَظَرَ إِلَى الرَّوَاقِ الطَّوِيلِ أَمَامَهُ.
ثُمَّ قَالَ بِهَدُوءٍ:
ـ سَأَحْمِلُهَا مَعِي دَائِمًا.
________________________________________
