متحف الأيام المفقودة 71

الفصل الحادي والسبعون — الجُنْدِيَّةُ – مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَةِ
________________________________________
١ — قَاعَةٌ عَلَى شَكْلِ جُرْحٍ
كَانَتِ القَاعَةُ التَّالِيَةُ لَيْسَتْ قَاعَةً بِالمَعْنَى المُعْتَادِ لِلكَلِمَةِ.
لَمْ يَكُنْ فِيهَا سَقْفٌ مُكْتَمِلٌ، وَلَا جُدْرَانٌ سَالِمَةٌ، وَلَا ضَوْءٌ يَنْبَعِثُ مِنْ مَصْدَرٍ وَاضِحٍ. كَانَتْ شَارِعاً — أَوْ مَا تَبَقَّى مِنْ شَارِعٍ — فِي مَدِينَةٍ لَمْ يَسْأَلِ المُتْحَفُ عَنِ اسْمِهَا، لِأَنَّ الجُرْحَ نَفْسَهُ كَانَ يَكْفِي لِلتَّعَرُّفِ عَلَيْهِ. جُدْرَانٌ مُقَرْنَصَةٌ بِالشُّظَايَا، وَبَلَاطٌ مُتَشَقِّقٌ تَتَسَرَّبُ مِنْهُ أَعْشَابٌ رَقِيقَةٌ صَمَدَتْ حَيْثُ لَمْ يَصْمُدِ البَشَرُ، وَأَبْوَابٌ مُعَلَّقَةٌ بِمِفْصَلٍ وَاحِدٍ كَأَنَّهَا أَرَادَتِ الفِرَارَ وَلَمْ تَسْتَطِعْ.
كَانَ الهَوَاءُ يَحْمِلُ رَائِحَةً لَا يَعْرِفُهَا مَنْ لَمْ يَعِشْ حَرْباً — خَلِيطاً مِنَ الإِسْمَنْتِ المَحْرُوقِ وَالغُبَارِ العَتِيقِ وَشَيْءٍ آخَرَ حَادٍّ لَا اسْمَ لَهُ فِي قَوَامِيسِ السَّلَامِ.
مِنْ بَعِيدٍ، بَعِيدٍ جِدَّاً، كَانَتْ تَصِلُ أَصْوَاتٌ مُتَقَطِّعَةٌ تُشْبِهُ إِطْلَاقَ نَارٍ خَافِتاً، كَأَنَّ المَعْرَكَةَ لَمْ تَنْتَهِ حَقَّاً، أَوْ كَأَنَّ صَدَاهَا اتَّخَذَ لَهُ مَسْكَناً فِي جُدْرَانِ المَكَانِ وَرَفَضَ المُغَادَرَةَ.
وَعَلَى حَافَّةِ جِدَارٍ مُتَهَدِّمٍ إِلَى النِّصْفِ، كَمَنْ يَجْلِسُ عَلَى حَافَّةِ شَيْءٍ كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ صَلْباً وَآمِناً — كَانَتِ امْرَأَةٌ شَابَّةٌ فِي الرَّابِعَةِ وَالعِشْرِينَ مِنْ عُمُرِهَا.
لَمْ تَكُنِ اللَّحْظَةُ الأُولَى لِرُؤْيَتِهَا تُوحِي بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ عَاماً. كَانَتْ عَيْنَاهَا تَحْمِلَانِ تَعَباً لَا يُقَاسُ بِالسِّنِينَ، بَلْ بِمَا رَأَتَاهُ — وَمَا اضْطُرَّتَا إِلَيْهِ. عَيْنَانِ تَحْتَوِيَانِ عَلَى عُمُرٍ مُوَازٍ كَامِلٍ، عَاشَتْهُ فِي أَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ لَمْ تَخْتَرْهَا.
كَانَتْ بِزَّتُهَا العَسْكَرِيَّةُ بَسِيطَةً بِلَا رُتْبَةٍ بَارِزَةٍ، كَأَنَّهَا تَقُولُ: «الرُّتَبُ لِلتَّارِيخِ، وَأَنَا أَحْمِلُ مَا لَا يُدَوَّنُ فِي التَّارِيخِ.»
________________________________________
٢ — اللِّقَاءُ الأَوَّلُ
تَوَقَّفَ سَامِرٌ عِنْدَ مَدْخَلِ الشَّارِعِ المُهَدَّمِ، يَتَلَمَّسُ الطَّرِيقَ بِحَذَرِ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ بَعْضَ الأَمَاكِنِ تَطْلُبُ مِنْكَ إِذْناً رُوحِيَّاً قَبْلَ الدُّخُولِ، لَا مُجَرَّدَ خُطْوَةٍ جَسَدِيَّةٍ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ المَرْأَةُ مِنْ بَعِيدٍ، ثُمَّ أَدَارَتْ عَيْنَيْهَا نَحْوَ الفَرَاغِ أَمَامَهَا وَقَالَتْ بِصَوْتٍ يَحْمِلُ إِرْهَاقَ الكَلَامِ وَالصَّمْتِ مَعاً:
— اجْلِسْ، إِنْ أَرَدْتَ. لَكِنْ لَا تَتَوَقَّعْ مِنِّي حَدِيثاً سَهْلاً مُرِيحاً. لَمْ أَعُدْ أَعْرِفُ كَيْفَ أَتَحَدَّثُ بِسُهُولَةٍ عَنْ أَيِّ شَيْءٍ، بَعْدَ كُلِّ مَا رَأَيْتُهُ.
جَلَسَ سَامِرٌ بِحَذَرٍ عَلَى حَجَرٍ مُتَهَدِّمٍ قُرْبَهَا، لَا قَرِيباً جِدَّاً وَلَا بَعِيداً جِدَّاً، كَمَنْ يَفْهَمُ أَنَّ لِكُلِّ جُرْحٍ مَسَافَةً مُنَاسِبَةً لِلِاقْتِرَابِ مِنْهُ:
— أَنَا سَامِرٌ. لَا أَطْلُبُ مِنْكِ حَدِيثاً سَهْلاً. فَقَطْ صَادِقاً — إِنِ اسْتَطَعْتِ.
لَمَعَ فِي عَيْنَيْهَا شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ فَرَحاً وَلَا حُزْناً، بَلْ شَيْءٌ أَقْرَبُ إِلَى الامْتِنَانِ الخَافِتِ — امْتِنَانِ مَنْ لَمْ يَطْلُبْ مِنْهَا أَحَدٌ مُنْذُ وَقْتٍ طَوِيلٍ أَنْ تَكُونَ مُجَرَّدَ صَادِقَةٍ، لَا بَطَلَةً، وَلَا ضَحِيَّةً، وَلَا رَمْزاً لِشَيْءٍ أَكْبَرَ مِنْهَا.
— أَنَا جُنْدِيَّةٌ. قَاتَلْتُ هُنَا، فِي مَعْرَكَةِ اسْتِعَادَةِ هَذِهِ المَدِينَةِ مِنْ تَنْظِيمٍ مُتَطَرِّفٍ احْتَلَّهَا سَنَوَاتٍ. رَأَيْتُ، وَفَعَلْتُ، أَشْيَاءَ لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَتَحَدَّثُ عَنْهَا بِسُهُولَةٍ مَعَ أَيِّ شَخْصٍ — حَتَّى مَعَ عَائِلَتِي.
سَكَتَتْ لَحْظَةً، كَأَنَّهَا تَزِنُ ثِقَلَ مَا قَالَتْهُ وَتَتَأَكَّدُ أَنَّهُ صَحِيحٌ فِعْلاً، ثُمَّ أَضَافَتْ بِهُدُوءٍ مُتْعِبٍ:
— وَأَنْتَ هُنَا لِتَسْمَعَ تِلْكَ الأَشْيَاءَ.
________________________________________
٣ — الذَّاكِرَةُ المُشَوَّهَةُ
سَأَلَهَا سَامِرٌ بِلُطْفٍ حَقِيقِيٍّ، لَا لُطْفِ الصُّحُفِيِّ الَّذِي يُوَثِّقُ، بَلْ لُطْفَ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ التَّجَارِبَ الكُبْرَى تَغِيرُ أَصْحَابَهَا تَغْيِيراً لَا يُصَارُ إِلَيْهِ باخْتِيَارٍ:
— كَيْفَ غَيَّرَتْكِ هَذِهِ التَّجْرِبَةُ؟
صَمَتَتْ طَوِيلاً. لَيْسَ صَمْتَ مَنْ يَبْحَثُ عَنْ إِجَابَةٍ، بَلْ صَمْتَ مَنْ يَعْرِفُ الإِجَابَةَ وَيَتَسَاءَلُ إِنْ كَانَ اللِّسَانُ يَقْدِرُ عَلَيْهَا.
صِرَاعٌ دَاخِلِيٌّ عَمِيقٌ يَجْرِي تَحْتَ سَطْحِ عَيْنَيْهَا، كَنَهْرٍ تَحْتَ الجَلِيدِ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ لَكِنَّهُ يَتَحَرَّكُ بِقُوَّةٍ.
— بِطُرُقٍ لَا أَفْهَمُهَا بِالكَامِلِ حَتَّى الآنَ، بِصَرَاحَةٍ تَامَّةٍ. أَحْيَاناً أَتَذَكَّرُ أَشْيَاءَ بِوُضُوحٍ مُؤْلِمٍ جِدَّاً — تَفَاصِيلُ دَقِيقَةٌ جِدَّاً لَا أَسْتَطِيعُ نِسْيَانَهَا مَهْمَا حَاوَلْتُ. لَوْنُ قَمِيصٍ، شَكْلُ سَحَابَةٍ، رَائِحَةُ دُخَانٍ فِي لَحْظَةٍ بِعَيْنِهَا. وَأَحْيَاناً أُخْرَى، فَتَرَاتٌ كَامِلَةٌ تَبْدُو ضَبَابِيَّةً تَمَاماً، كَأَنَّنِي لَمْ أَعِشْهَا فِعْلِيَّاً — رَغْمَ أَنَّنِي أَعْرِفُ مَنْطِقِيَّاً أَنَّنِي كُنْتُ هُنَاكَ.
أَلْقَى سَامِرٌ عَقْلَهُ بَيْنَ هَذِهِ الكَلِمَاتِ لِحَظَّةً. كَانَ يَعْرِفُ هَذَا الشُّعُورَ، لَا مِنَ الحَرْبِ، بَلْ مِنْ مَكَانٍ آخَرَ تَمَاماً — مِنْ فُجُوَاتٍ فِي ذَاكِرَتِهِ الخَاصَّةِ، مِنْ أَيَّامٍ مَفْقُودَةٍ كَانَتْ تُشَكِّلُ جَوْهَرَ رِحْلَتِهِ كُلِّهَا.
— هَذَا يُشْبِهُ نَوْعاً مَا مَا أَعِيشُهُ أَنَا أَيْضاً — رَغْمَ الِاخْتِلَافِ الهَائِلِ بَيْنَ ظُرُوفِنَا بِالطَّبْعِ.
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِفَهْمٍ مُتْعَبٍ. لَمْ تَكُنِ المُقَارَنَةُ تُزْعِجُهَا — بَلْ عَلَى العَكْسِ، بَدَتْ كَأَنَّهَا تُرِيحُهَا قَلِيلاً، أَنْ يُقِرَّ أَحَدٌ أَنَّ الذَّاكِرَةَ تَتَشَوَّهُ تَحْتَ أَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنَ الثِّقَلِ، وَأَنَّ ثِقَلَهَا لَيْسَ حِكْراً عَلَى الحَرْبِ وَحْدَهَا.
— سَمِعْتُ عَنْ حَالَتِكَ مِنَ العَجُوزِ الَّذِي رَافَقَكَ. أَفْهَمُ لِمَاذَا أَحْضَرُوكَ إِلَى هُنَا. لِتَسْمَعَ تَجْرِبَتِي — رَغْمَ اخْتِلَافِهَا الكَبِيرِ عَنْ مُجَرَّدِ فُقْدَانِ يَوْمٍ وَاحِدٍ.
________________________________________
٤ — ذَنْبٌ لَا يَتَوَزَّعُ
تَجَرَّأَ سَامِرٌ عَلَى السُّؤَالِ الَّذِي كَانَ يَشْعُرُ أَنَّهُ المَدْخَلُ الحَقِيقِيُّ إِلَى مَا جَاءَ مِنْ أَجْلِهِ:
— هَلْ تَشْعُرِينَ بِالذَّنْبِ تُجَاهَ مَا فَعَلْتِهِ فِي الحَرْبِ؟
لَمْ تَتَهَرَّبْ. لَمْ تَنْظُرْ بَعِيداً أَوْ تَتَصَنَّعَ الصَّمْتَ الدِّبْلُومَاسِيَّ. نَظَرَتْ إِلَيْهِ مُبَاشَرَةً — وَفِي عَيْنَيْهَا أَلَمٌ عَمِيقٌ صَادِقٌ لَا يُشَبَّهُ بِشَيْءٍ أَقَلَّ مِنْهُ:
— نَعَمْ. كَثِيراً جِدَّاً. رَغْمَ أَنَّنِي أَعْرِفُ، بِعَقْلِي المَنْطِقِيِّ، أَنَّنِي كُنْتُ أُدَافِعُ عَنْ نَفْسِي وَعَنْ رِفَاقِي، أُحَارِبُ تَنْظِيماً ارْتَكَبَ فَظَائِعَ حَقِيقِيَّةً مُوَثَّقَةً ضِدَّ مَدَنِيِّينَ أَبْرِيَاءَ كَثِيرِينَ. لَكِنَّ المَعْرِفَةَ المَنْطِقِيَّةَ لَا تُخَفِّفُ دَائِماً مِنَ الثِّقَلِ العَاطِفِيِّ العَمِيقِ لِمَا اضْطُرِرْتُ لِفِعْلِهِ.
تَنَفَّسَ سَامِرٌ بِبُطْءٍ. كَانَ يَفْهَمُ هَذِهِ الهُوَّةَ — الفَجْوَةَ الضَّخْمَةَ بَيْنَ مَا يَعْرِفُهُ العَقْلُ وَمَا يَحْمِلُهُ القَلْبُ. إِنَّهَا لَيْسَتْ جَهْلاً وَلَا تَنَاقُضاً — إِنَّهَا بِنْيَةُ النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ، الَّتِي تَعْمَلُ عَلَى طَبَقَتَيْنِ فِي آنٍ وَاحِدٍ لَا تَلْتَقِيَانِ دَائِماً.
يُمْكِنُ لِشَخْصٍ أَنْ يَعْرِفَ عَقْلِيَّاً أَنَّ وَالِدَيْهِ لَمْ يَكُونَا يَقْصِدَانِ إِيذَاءَهُ، وَأَنْ يَظَلَّ قَلْبُهُ يَحْمِلُ جُرْحاً لَا تُشْفِيهِ هَذِهِ المَعْرِفَةُ. يُمْكِنُ لِإِنْسَانٍ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ حَادِثَةً وَقَعَتْ دُونَ إِرَادَتِهِ، وَأَنْ يَظَلَّ يُحَاسِبَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا كُلَّ يَوْمٍ. وَيُمْكِنُ لِجُنْدِيَّةٍ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّ مَا فَعَلَتْهُ كَانَ ضَرُورِيَّاً — وَأَنْ تَظَلَّ تَعِيشُ مَعَ وَزْنِهِ إِلَى الأَبَدِ.
________________________________________
٥ — الجَسَدُ يَتَذَكَّرُ أَكْثَرَ مِنَ العَقْلِ
— كَيْفَ تَتَعَامَلِينَ مَعَ هَذَا الثِّقَلِ يَوْمِيَّاً؟
فَكَّرَتْ طَوِيلاً قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ، وَفِي صَمْتِهَا كَانَ كَأَنَّهَا تُدِيرُ مَاءً فِي فَمِهَا تَتَذَوَّقُ مَرَارَتَهُ قَبْلَ أَنْ تُقِرَّ بِهَا:
— بِصُعُوبَةٍ كَبِيرَةٍ جِدَّاً. لَنْ أَكْذِبَ عَلَيْكَ. أَحْيَاناً أَسْتَيْقِظُ فِي اللَّيْلِ، قَلْبِي يَتَسَارَعُ بِشِدَّةٍ، دُونَ سَبَبٍ وَاضِحٍ مُبَاشِرٍ — ذَاكِرَةٌ جَسَدِيَّةٌ تَتَفَعَّلُ فَجْأَةً دُونَ سِيَاقٍ وَاضِحٍ كَامِلٍ. أَحْيَاناً أَتَجَنَّبُ أَصْوَاتاً مُعَيَّنَةً، رَوَائِحَ مُعَيَّنَةً — لِأَنَّهَا تَسْتَحْضِرُ شَيْئاً لَا أُرِيدُ مُوَاجَهَتَهُ مُبَاشَرَةً.
تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً ثُمَّ أَضَافَتْ بِهُدُوءٍ مَكْسُورٍ:
— أَعْرِفُ جَارَةً لِي فَقَدَتِ ابْنَهَا فِي حَادِثَةِ سَيَّارَةٍ مُنْذُ سِتِّ سَنَوَاتٍ. لَا تَسْتَطِيعُ حَتَّى الآنَ أَنْ تَشُمَّ رَائِحَةَ الوُقُودِ دُونَ أَنْ يَهُزَّهَا شَيْءٌ مِنَ الدَّاخِلِ. الجَسَدُ يَحْفَظُ مَا يُرِيدُ العَقْلُ نِسْيَانَهُ — وَهُوَ لَا يَنْسَى حَتَّى لَوِ التَمَسْتَ مِنْهُ بِإِلْحَاحٍ.
هَذَا مَا يُسَمِّيهِ المُخْتَصُّونَ «ذَاكِرَةَ الصَّدْمَةِ الجَسَدِيَّةَ» — أَيْ أَنَّ التَّجْرِبَةَ الصَّادِمَةَ لَا تَتَخَزَّنُ فَقَطْ فِي الدِّمَاغِ كَمَعْلُومَةٍ، بَلْ فِي كُلِّ خَلِيَّةٍ مِنْ خَلَايَا الجِسْمِ كَتَنَبُّهٍ مُسْتَمِرٍّ. الجُنْدِيُّ الَّذِي يَقْفِزُ عِنْدَ صَوْتِ إِطَارٍ يَنْفَجِرُ. المَرْأَةُ الَّتِي تَتَجَمَّدُ عِنْدَ رَائِحَةِ عِطْرٍ بَعِينِهِ. الطِّفْلُ الَّذِي يَرْتَجِفُ عِنْدَ أَصْوَاتٍ عَالِيَةٍ لِسَنَوَاتٍ بَعْدَ اخْتِفَاءِ الخَطَرِ. كُلُّهُمْ يَعِيشُونَ نَفْسَ الحَقِيقَةَ: الجَسَدُ لَا يَعْرِفُ أَنَّ الحَرْبَ انْتَهَتْ — لِأَنَّهُ لَمْ يَتَلَقَّ بَعْدُ رِسَالَةً مُقْنِعَةً بِذَلِكَ.
أَوْمَأَتِ الجُنْدِيَّةُ بِرَأْسِهَا وَهِيَ تَسْمَعُ كَلَامَ سَامِرٍ الدَّاخِلِيَّ الَّذِي لَمْ يَنْطِقْ بِهِ، كَأَنَّهَا تَقْرَأُهُ فِي عَيْنَيْهِ:
— نَعَمْ. حَالِيَّاً، بَدَأْتُ مُؤَخَّراً عِلَاجاً نَفْسِيَّاً مُتَخَصِّصاً، يُسَاعِدُنِي تَدْرِيجِيَّاً عَلَى فَهْمِ وَإِدَارَةِ مَا أَعِيشُهُ. لَيْسَ سَهْلاً، وَلَا سَرِيعاً. لَكِنَّهُ يُسَاعِدُ — بِبُطْءٍ شَدِيدٍ لَكِنَّهُ حَقِيقِيٌّ.
________________________________________
٦ — عَنْ طَرَفَيِ الحَرْبِ
صَمَتَ سَامِرٌ قَلِيلاً وَهُوَ يُجَمِّعُ جُرْأَةً كَافِيَةً لِسُؤَالٍ يَعْرِفُ أَنَّهُ صَعْبٌ — لَا لِأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ إِجَابَةٍ مُرِيحَةٍ، بَلْ لِأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنِ الحَقِيقَةِ الكَامِلَةِ:
— هَلْ تَظُنِّينَ أَنَّ مَنْ قَاتَلْتِهِمْ — أَعْضَاءَ ذَلِكَ التَّنْظِيمِ — يَحْمِلُونَ أَيْضاً ذَاكِرَةً مُشَوَّهَةً بِطَرِيقَةٍ مُشَابِهَةٍ، بِسَبَبِ الحَرْبِ نَفْسِهَا؟
لَمْ تَتَسَرَّعْ. لَمْ تَقُلْ «لَا» بِحِدَّةٍ دِفَاعِيَّةٍ، وَلَمْ تَقُلْ «نَعَمْ» بِسَهُولَةٍ مُقَارَبِيَّةٍ تُخَفِّفُ وَزْنَ مَا يَعْنِيهِ السُّؤَالُ. بَلْ فَكَّرَتْ — تَعْقِيدٌ أَخْلَاقِيٌّ حَقِيقِيٌّ يَجْرِي تَحْتَ جَبْهَتِهَا:
— سُؤَالٌ صَعْبٌ جِدَّاً، أُصَارِعُ مَعَهُ أَحْيَاناً بِصَرَاحَةٍ تَامَّةٍ.
أَعْرِفُ أَنَّ بَعْضَهُمُ انْضَمَّ لِذَلِكَ التَّنْظِيمِ بِسَبَبِ دِعَايَةٍ مُتَطَرِّفَةٍ اسْتَغَلَّتْ يَأْسَهُمْ وَظُرُوفَهُمُ الصَّعْبَةَ — غَسَلَتْ أَدْمِغَتَهُمْ بِطَرِيقَةٍ مُمَنْهَجَةٍ. هَذَا لَا يُبَرِّرُ الفَظَائِعَ الحَقِيقِيَّةَ الَّتِي ارْتَكَبُوهَا. لَكِنَّهُ يَجْعَلُنِي أُفَكِّرُ أَحْيَاناً أَنَّ الحَرْبَ، بِشَكْلٍ عَامٍّ، تُشَوِّهُ ذَاكِرَةَ وَهُوِيَّةَ كُلِّ مَنْ تَلْمِسُهُمْ — الضَّحَايَا وَالجُنَاةَ مَعاً — بِطُرُقٍ مُعَقَّدَةٍ يَصْعُبُ اخْتِزَالُهَا فِي «أَخْيَارٍ» وَ«أَشْرَارٍ» بَسِيطَيْنِ تَمَاماً.
تَأَمَّلَ سَامِرٌ هَذِهِ الفِكْرَةَ.
كَانَ يَتَذَكَّرُ مَا تَعَلَّمَهُ فِي رِحْلَتِهِ عَبْرَ قَاعَاتِ المُتْحَفِ المُخْتَلِفَةِ: الفِلَاسِفَةُ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ الهُوِيَّةَ تَتَشَكَّلُ بِالأَثَرِ لَا بِالجَوْهَرِ. الرَّاهِبُ البُوذِيُّ الَّذِي قَالَ إِنَّ الذَّاكِرَةَ هِيَ رِوَايَتُنَا عَنْ أَنْفُسِنَا وَلَيْسَتِ الحَقِيقَةَ الخَامَةَ. الطَّبِيبُ النَّفْسِيُّ الَّذِي شَرَحَ كَيْفَ تُعَادُ بَرْمَجَةُ الدِّمَاغِ تَحْتَ ضُغُوطٍ شَدِيدَةٍ.
وَالآنَ هَذِهِ الجُنْدِيَّةُ الَّتِي تَجْلِسُ عَلَى حَافَّةِ جِدَارٍ مُهَدَّمٍ وَتَقُولُ لَهُ: الحَرْبُ تُعِيدُ بَرْمَجَةَ ذَاكِرَةِ الضَّحِيَّةِ وَالقَاتِلِ مَعاً.
— هَذَا يَبْدُو مُعَقَّداً جِدَّاً لِلتَّعَامُلِ مَعَهُ عَاطِفِيَّاً وَأَخْلَاقِيَّاً فِي آنٍ وَاحِدٍ.
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِصِدْقٍ:
— هُوَ كَذَلِكَ بِالفِعْلِ. لَكِنَّنِي تَعَلَّمْتُ أَنَّ مُحَاوَلَةَ تَبْسِيطِ الحَرْبِ إِلَى رِوَايَةٍ بَسِيطَةٍ تَمَاماً — أَبْيَضَ وَأَسْوَدَ فَقَطْ — تَخْدُمُنِي نَفْسِيَّاً أَحْيَاناً عَلَى المَدَى القَصِيرِ. لَكِنَّهَا تَمْنَعُنِي مِنْ فَهْمٍ حَقِيقِيٍّ أَعْمَقَ لِمَا حَدَثَ — وَلِمَاذَا — وَكَيْفَ نَتَجَنَّبُ تَكْرَارَهُ مُسْتَقْبَلاً.
________________________________________
٧ — عَنِ البَسَاطَةِ الكَاذِبَةِ
يُحِبُّ العَقْلُ البَشَرِيُّ البَسَاطَةَ. يُحِبُّ قِصَصاً وَاضِحَةَ الأَطْرَافِ: بَطَلٌ وَشَرِيرٌ، مَظْلُومٌ وَظَالِمٌ، خَيْرٌ وَشَرٌّ. وَلِهَذَا تَنْجَحُ الأَفْلَامُ الَّتِي تَرْسُمُ الحُرُوبَ بِهَذِهِ البَسَاطَةِ — لِأَنَّهَا تُرِيحُ عَقْلاً يَتَعَبُ مِنَ التَّعَقُّدِ.
لَكِنَّ الحَقِيقَةَ أَعْسَرُ.
الشَّابُّ الَّذِي يَنْضَمُّ إِلَى تَنْظِيمٍ مُتَطَرِّفٍ لَيْسَ دَائِماً وَحْشاً وُلِدَ وَحْشاً. كَثِيرٌ مِنْهُمْ كَانُوا شَبَاباً يَبْحَثُونَ عَنْ مَعْنَى، وَجَدُوا فِي مَكَانٍ مَظْلِمٍ مَنْ يُقَدِّمُ لَهُمْ إِجَاباتٍ مُبَسَّطَةً لِأَسْئِلَةٍ مُعَقَّدَةٍ. «أَنْتَ مَنْبُوذٌ؟ لِأَنَّ العَالَمَ الكَافِرَ يَكْرَهُكَ.» «أَنْتَ فَقِيرٌ؟ لِأَنَّ المُؤَامَرَةَ سَرَقَتْ حَقَّكَ.» «أَنْتَ غَاضِبٌ؟ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِيمَانَكَ حَقِيقِيٌّ.»
الدِّعَايَةُ المُتَطَرِّفَةُ لَا تَصْنَعُ مُجْرِمِينَ مِنَ الفَرَاغِ — بَلْ تَجِدُ جُرُوحاً حَقِيقِيَّةً وَتَسْتَغِلُّهَا. وَبِمُجَرَّدِ أَنْ يَدْخُلَ الشَّخْصُ فِي هَذِهِ الدَّوَّامَةِ — تَبْدَأُ ذَاكِرَتُهُ نَفْسُهَا فِي إِعَادَةِ الكِتَابَةِ، تُعِيدُ تَفْسِيرَ مَاضِيهِ بِضَوْءِ الرِّوَايَةِ الجَدِيدَةِ الَّتِي تَلَقَّاهَا.
هَذَا لَا يَعْنِي أَنَّ الجَرِيمَةَ لَيْسَتْ جَرِيمَةً. هَذَا لَا يَعْنِي أَنَّ الضَّحِيَّةَ لَيْسَتْ ضَحِيَّةً. لَكِنَّهُ يَعْنِي أَنَّ السُّؤَالَ «لِمَاذَا يَفْعَلُ النَّاسُ أَشْيَاءَ فَظِيعَةً؟» لَهُ جَوَابٌ أَكْثَرُ عُمْقاً مِنْ «لِأَنَّهُمْ أَشْرَارٌ» — وَالجَوَابُ الأَعْمَقُ هُوَ الوَحِيدُ الَّذِي يُمَكِّنُنَا مِنَ المَنْعِ قَبْلَ الحُدُوثِ، لَا الإِدَانَةِ بَعْدَهُ فَقَطْ.
هَذَا مَا أَشَارَتْ إِلَيْهِ الجُنْدِيَّةُ حِينَ قَالَتْ بِبَسَاطَةٍ مُؤْلِمَةٍ:
— كَيْفَ نَتَجَنَّبُ تَكْرَارَهُ مُسْتَقْبَلاً؟
________________________________________
٨ — الوَدَاعُ الَّذِي لَا يَتَشَابَهُ مَعَ وَدَاعٍ آخَرَ
شَعَرَ سَامِرٌ بِإِعْجَابٍ عَمِيقٍ بِهَذَا التَّعْقِيدِ الفِكْرِيِّ الصَّادِقِ — الَّذِي لَمْ يَصْدُرْ مِنْ فِيلْسُوفٍ فِي برجٍ عَاجِيٍّ، بَلْ مِنِ امْرَأَةٍ شَابَّةٍ جَلَسَتْ عَلَى حَافَّةِ جِدَارٍ مُهَدَّمٍ وَعَاشَتِ التَّعْقِيدَ فِي جَسَدِهَا وَرُوحِهَا:
— شُكْراً لَكِ — عَلَى صِدْقِكِ حَوْلَ تَجْرِبَةٍ بَالِغَةِ الصُّعُوبَةِ وَالتَّعْقِيدِ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ آخِرَ مَرَّةٍ، وَفِي عَيْنَيْهَا صِدْقٌ مُتْعَبٌ أَخِيرٌ — صِدْقُ مَنْ لَمْ يَعُدْ يَمْلِكُ طَاقَةً لِلأَكَاذِيبِ الصَّغِيرَةِ المُرِيحَةِ:
— اذْهَبِ الآنَ، يَا سَامِرُ. وَاحْمِلْ مَعَكَ هَذَا: لَا تُبَسِّطْ تَجْرِبَتَكَ أَكْثَرَ مِمَّا تَسْتَحِقُّ التَّبْسِيطَ. أَحْيَاناً، الفُجُوَاتُ — التَّعْقِيدُ — عَدَمُ الوُضُوحِ الكَامِلِ — هِيَ بِالضَّبْطِ الاسْتِجَابَةُ الصِّحِيَّةُ الطَّبِيعِيَّةُ لِتَجْرِبَةٍ مُعَقَّدَةٍ جِدَّاً. لَا عَيْباً يَجِبُ إِصْلَاحُهُ بِالقُوَّةِ فَوْراً.
بَدَأَ الشَّارِعُ المُهَدَّمُ يَتَلَاشَى ببُطْءٍ — الجُدْرَانُ الَّتِي كَانَتْ تَحْمِلُ آثَارَ الطَّلَقَاتِ صَارَتْ ضَبَابِيَّةً، وَأَصْوَاتُ إِطْلَاقِ النَّارِ البَعِيدَةِ خَفَتَتْ حَتَّى تَحَوَّلَتْ إِلَى صَمْتٍ ثَقِيلٍ — ذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ الصَّمْتِ الَّذِي لَيْسَ غِيَابَ صَوْتٍ، بَلْ حُضُورُ شَيْءٍ كَثِيفٍ جِدَّاً لَا اسْمَ لَهُ.
حَتَّى عَادَ سَامِرٌ إِلَى الرَّوَاقِ المُعْتَادِ، يَحْمِلُ ثِقَلاً عَاطِفِيَّاً وَأَخْلَاقِيَّاً عَمِيقاً مُعَقَّداً — ثِقَلَ مَنْ رَأَى الحَرْبَ لَا مِنَ الخَارِجِ، بَلْ مِنَ الجُرْحِ نَفْسِهِ.
________________________________________
٩ — الكَفَّةُ الفَارِغَةُ
كَانَ العَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ بِجَانِبِ البَابِ الأَخِيرِ فِي هَذَا المِحْوَرِ. لَمْ يَسْأَلْهُ كَيْفَ كَانَتِ التَّجْرِبَةُ. كَانَ الجَوَابُ مَكْتُوباً فِي وَجْهِ سَامِرٍ بِخَطٍّ وَاضِحٍ لَا يَحْتَاجُ قِرَاءَةً مُعَمَّقَةً.
بَدَلاً مِنَ السُّؤَالِ، أَمْسَكَ العَجُوزُ شَيْئاً فِي يَدِهِ — نَقْشاً صَغِيراً عَلَى لَوْحَةٍ خَشَبِيَّةٍ عَتِيقَةٍ: مِيزَانُ عَدَالَةٍ بَسِيطٌ، إِحْدَى كَفَّتَيْهِ فَارِغَةٌ تَمَاماً.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى الكَفَّةِ الفَارِغَةِ طَوِيلاً.
لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، لَمْ يَشْعُرْ أَنَّ الفَرَاغَ يَعْنِي النَّقْصَ. رُبَّمَا الكَفَّةُ الفَارِغَةُ لَيْسَتْ كَفَّةً لَمْ تُوضَعْ فِيهَا أَثْقَالٌ بَعْدُ — بَلْ كَفَّةٌ تَنْتَظِرُ أَثْقَالاً لَا يُمْكِنُ قِيَاسُهَا إِلَّا بِالزَّمَنِ، وَلَا تُوضَعُ فِيهَا إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَفْهَمَ المُجْتَمَعُ كُلُّهُ — لَا فَرْدٌ وَاحِدٌ — مَا الَّذِي حَدَثَ فِعْلاً.
قَالَ العَجُوزُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ كَصَوْتِ مَنْ يُدَوِّنُ جُمْلَةً أَخِيرَةً قَبْلَ إِغْلَاقِ كِتَابٍ:
— القَاعَةُ الأَخِيرَةُ فِي مِحْوَرِ السِّيَاسَةِ وَالمُجْتَمَعِ، يَا سَامِرُ، تَحْمِلُ صَوْتَ فَيْلَسُوفٍ يَدْرُسُ سُؤَالاً جَوْهَرِيَّاً جِدَّاً: هَلْ يُمْكِنُ لِمُجْتَمَعٍ مُمَزَّقٍ أَنْ يَصِلَ إِلَى عَدَالَةٍ حَقِيقِيَّةٍ — بِدُونِ ذَاكِرَةٍ مُشْتَرَكَةٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا؟
مَشَى سَامِرٌ نَحْوَ البَابِ الأَخِيرِ. وَفِي خَطَوَاتِهِ كَانَ شَيْءٌ قَدْ تَغَيَّرَ — لَيْسَ الخَطْوَ، بَلِ الثِّقَلَ الَّذِي يَحْمِلُهُ. لَمْ يَخِفَّ الثِّقَلُ. لَكِنَّهُ صَارَ — بِطَرِيقَةٍ مَا — أَكْثَرَ صِدْقاً مَعَ نَفْسِهِ.
________________________________________
«الحَرْبُ تُعِيدُ بَرْمَجَةَ ذَاكِرَةِ الضَّحِيَّةِ وَالقَاتِلِ مَعاً — لِأَنَّ الذَّاكِرَةَ لَيْسَتْ صُورَةً فَوْتُوغْرَافِيَّةً لِمَا حَدَثَ، بَلْ هِيَ القَصَّةُ الَّتِي تَحْكِيهَا النَّفْسُ لِتَسْتَطِيعَ الاسْتِمْرَارَ — وَالحَرْبُ تَنْتَزِعُ مِنَ النَّفْسِ حَقَّهَا فِي اخْتِيَارِ هَذِهِ القِصَّةِ بِنَفْسِهَا.»

متحف الأيام المفقودة 72