متحف الأيام المفقودة 72

مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَة
الفَصْلُ الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ: فَيْلَسُوفُ الذَّاكِرَةِ المُشْتَرَكَة
________________________________________
كَانَتِ القَاعَةُ الأَخِيرَةُ فِي ذَلِكَ المَحْوَرِ الطَّوِيلِ تَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا جَوْهَرِيًّا عَنْ سَائِرِ القَاعَاتِ التِي عَبَرَهَا سَامِرٌ مِنْ قَبْلُ.
لَمْ تَكُنْ فِيهَا صُوَرٌ مُعَلَّقَةٌ، وَلَا تَمَاثِيلُ، وَلَا إِضَاءَةٌ دِرَامِيَّةٌ تُصَوِّرُ البُطُولَةَ أَوْ تُمَجِّدُ الانْتِصَارَ.
كَانَتْ بَسِيطَةً إِلَى حَدِّ أَنَّ بَسَاطَتَهَا ذَاتَهَا كَانَتْ تَقُولُ شَيْئًا عَمِيقًا.
طَاوِلاَتٌ خَشَبِيَّةٌ مُرَتَّبَةٌ فِي شَكْلٍ دَائِرِيٍّ كَامِلٍ، كَمَا لَوْ أَنَّ مَنْ صَمَّمَهَا أَرَادَ أَلَّا يَكُونَ لِأَحَدٍ صَدْرُ المَجْلِسِ، وَلَا ظَهْرُهُ، وَلَا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَعْلَى مِنَ الآخَرِينَ أَوْ أَدْنَى مِنْهُمْ.
وَفِي قَلْبِ تِلْكَ الدَّائِرَةِ، أَوْ رُبَّمَا عَلَى حَافَّتِهَا كَسَائِرِ الجَالِسِينَ الغَائِبِينَ، كَانَ رَجُلٌ فِي الثَّانِيَةِ وَالسِّتِّينَ مِنْ عُمُرِهِ يَجْلِسُ وَحْدَهُ بَيْنَ أَكْوَامٍ مِنَ الأَوْرَاقِ.
تَأَمَّلَهُ سَامِرٌ لَحْظَةً مِنَ المَدْخَلِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ.
كَانَ الرَّجُلُ يَقْرَأُ، وَيَكْتُبُ، وَيَمْسَحُ مَا كَتَبَهُ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَكْتُبُ مِنْ جَدِيدٍ، كَأَنَّهُ يُحَاوِرُ وَرَقَةً تَرُدُّ عَلَيْهِ بِأَسْئِلَةٍ أَصْعَبَ مِنَ الإِجَابَاتِ التِي يُقَدِّمُهَا.
كَانَتْ عَيْنَاهُ، حِينَ رَفَعَهُمَا لِيَنْظُرَ إِلَى الدَّاخِلِ، تَحْمِلَانِ ذَلِكَ النَّوْعَ النَّادِرَ مِنَ الثِّقَلِ الَّذِي لَا يُكْسِبُهُ الإِنْسَانَ إِلَّا سَنَوَاتٌ طَوِيلَةٌ قَضَاهَا يُفَكِّرُ فِي أَسْئِلَةٍ لَا تَقْبَلُ إِجَابَاتٍ سَهْلَةً أَوْ مُرِيحَةً.
ثِقَلُ الرَّجُلِ الَّذِي رَأَى، وَتَعَلَّمَ، وَشَكَّ، وَعَادَ فَشَكَّ مِنْ جَدِيدٍ.
قَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ وَلَكِنَّهُ وَاضِحٌ:
ـ أَهْلًا بِكَ.
اجْلِسْ، إِنْ شِئْتَ.
لَا يُوجَدُ هُنَا رَأْسُ طَاوِلَةٍ وَلَا ذَيْلُهَا، فَاخْتَرْ مَا يُنَاسِبُكَ.
جَلَسَ سَامِرٌ فِي أَقْرَبِ مَقْعَدٍ إِلَيْهِ، وَهُوَ يُلَاحِظُ أَنَّ الأَوْرَاقَ المُنْتَشِرَةَ عَلَى الطَّاوِلَةِ مَكْتُوبَةٌ بِلُغَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، بَعْضُهَا يَعْرِفُهُ وَأَكْثَرُهَا لَا يَعْرِفُهُ.
قَالَ الرَّجُلُ دُونَ أَنْ يُقَدِّمَ نَفْسَهُ، كَمَا لَوْ أَنَّ اسْمَهُ كَانَ أَقَلَّ أَهَمِّيَّةً مِمَّا يَشْغَلُ تَفْكِيرَهُ:
ـ أَعْمَلُ الآنَ عَلَى شَيْءٍ جَدِيدٍ كُلِّيًّا فِي تَارِيخِ بِلَادِي، وَرُبَّمَا فِي تَارِيخِ العَالَمِ بِأَسْرِهِ.
مُحَاوَلَةٌ لِمُصَالَحَةٍ وَطَنِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ، بَعْدَ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ مُتَوَالِيَةٍ مِنَ الظُّلْمِ العُنْصُرِيِّ المُمَنْهَجِ وَالمُخَطَّطِ لَهُ بِعِنَايَةٍ.
قَالَ سَامِرٌ وَهُوَ يُقَدِّمُ نَفْسَهُ بِبَسَاطَةٍ:
ـ أَنَا سَامِرٌ.
كَيْفَ تَعْمَلُ هَذِهِ المُصَالَحَةُ بِالضَّبْطِ؟
مَا الَّذِي تَفْعَلُونَهُ بِالتَّحْدِيدِ لِتَجْعَلُوا هَذَا المَشْرُوعَ مُمْكِنًا؟
أَشَارَ الرَّجُلُ إِلَى رُزْمَةٍ كَثِيفَةٍ مِنَ الأَوْرَاقِ كَأَنَّهَا تَحْتَوِي عَلَى أَرْوَاحٍ لَا نُصُوصًا:
ـ نُنْشِئُ مَا نُسَمِّيهِ “لَجْنَةَ الحَقِيقَةِ وَالمُصَالَحَةِ”.
فِكْرَتُهَا الأَسَاسِيَّةُ أَبْسَطُ مِمَّا تَبْدُو، وَأَصْعَبُ مِمَّا يَتَخَيَّلُهُ أَيُّ إِنْسَانٍ لَمْ يَرَ مِنْ قَرِيبٍ مَا الَّذِي يَعْنِيهِ أَنْ يَجْلِسَ ضَحِيَّةٌ أَمَامَ جَلَّادِهَا فِي قَاعَةٍ وَاحِدَةٍ.
نَسْتَمِعُ لِشَهَادَاتِ الضَّحَايَا، وَنَسْتَمِعُ كَذَلِكَ لِاعْتِرَافَاتِ مَنِ ارْتَكَبُوا الانْتِهَاكَاتِ خِلَالَ سَنَوَاتِ نِظَامِ الفَصْلِ العُنْصُرِيِّ.
نُوَثِّقُ كُلَّ شَيْءٍ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ، كُلَّ اسْمٍ وَكُلَّ تَارِيخٍ وَكُلَّ حَادِثَةٍ.
وَنُحَاوِلُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ نَبْنِيَ سَرْدًا وَطَنِيًّا مُشْتَرَكًا صَادِقًا، بَدَلًا مِنْ أَنْ تَعِيشَ الأُمَّةُ الوَاحِدَةُ مُنْقَسِمَةً إِلَى سَرْدَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ تَمَامًا لَا يَلْتَقِيَانِ أَبَدًا، وَلَا يَعْتَرِفُ أَحَدُهُمَا بِوُجُودِ الآخَرِ.
قَالَ سَامِرٌ وَهُوَ يَسْتَوْعِبُ ثِقَلَ مَا سَمِعَهُ:
ـ هَذَا يَبْدُو عَمَلًا مُعَقَّدًا وَصَعْبًا جِدًّا عَلَى أَكْثَرِ مَسْتَوَيَاتِهِ.
كَيْفَ تَطْلُبُ مِنْ إِنْسَانٍ فَقَدَ أَخَاهُ أَوْ ابْنَهُ أَوْ أُمَّهُ أَنْ يَجْلِسَ فِي غُرْفَةٍ وَاحِدَةٍ مَعَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ؟
أَوْمَأَ الفَيْلَسُوفُ بِرَأْسِهِ بِصِدْقٍ عَمِيقٍ لَا مَجَالَ فِيهِ لِلتَّجَمُّلِ أَوِ التَّهَاوُنِ:
ـ هُوَ كَذَلِكَ بِالفِعْلِ.
لَمْ أَرَ فِي حَيَاتِي الأَكَادِيمِيَّةِ الطَّوِيلَةِ، وَلَا فِي قِرَاءَاتِي لِتَارِيخِ الحَضَارَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ، شَيْئًا أَصْعَبَ مِمَّا نَطْلُبُهُ نَحْنُ الآنَ مِنَ النَّاسِ الذِينَ دَمَّرَ الظُّلْمُ حَيَاتَهُمْ.
وَلَكِنَّ السُّؤَالَ الأَعْمَقَ الَّذِي أُصَارِعُ مَعَهُ فِلْسَفِيًّا هُوَ هَذَا بِالضَّبْطِ:
هَلْ يُمْكِنُ لِمُجْتَمَعٍ مُمَزَّقٍ تَمَامًا، حَيْثُ تَحْمِلُ كُلُّ مَجْمُوعَةٍ سَرْدِيَّةً مُخْتَلِفَةً تَمَامَ الاخْتِلَافِ عَنِ المَاضِي ذَاتِهِ، أَنْ يَصِلَ يَوْمًا إِلَى عَدَالَةٍ حَقِيقِيَّةٍ وَمَعِيشَةٍ مُشْتَرَكَةٍ، دُونَ أَنْ يَبْنِيَ أَوَّلًا نَوْعًا مِنَ الذَّاكِرَةِ المُشْتَرَكَةِ المُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَلَوْ جُزْئِيًّا وَبِصُورَةٍ غَيْرِ كَامِلَةٍ؟
هَلِ العَدَالَةُ مُمْكِنَةٌ بِدُونِ ذَاكِرَةٍ مُشْتَرَكَةٍ تَجْمَعُ الأَطْرَافَ المُتَنَازِعَةَ عَلَى تَفْسِيرِ الوَاقِعَةِ الوَاحِدَةِ؟
شَعَرَ سَامِرٌ بِفُضُولٍ عَمِيقٍ يُشْعِلُ تَفْكِيرَهُ:
ـ وَلَكِنْ كَيْفَ يُمْكِنُ بِنَاءُ “ذَاكِرَةٍ مُشْتَرَكَةٍ” أَصْلًا، حِينَ تَكُونُ التَّجَارِبُ نَفْسُهَا مُتَنَاقِضَةً جِدًّا بَيْنَ الضَّحَايَا وَالجُنَاةِ؟
فَالضَّحِيَّةُ تَعِيشُ الحَادِثَةَ بِطَرِيقَةٍ، وَالجَانِي يَعِيشُهَا بِطَرِيقَةٍ مُغَايِرَةٍ تَمَامًا، وَالشَّاهِدُ يَعِيشُهَا بِطَرِيقَةٍ ثَالِثَةٍ.
أَيُّ “ذَاكِرَةٍ مُشْتَرَكَةٍ” يُمْكِنُ أَنْ تَنْشَأَ مِنْ هَذِهِ التَّنَاقُضَاتِ الثَّلَاثِ؟
فَكَّرَ الفَيْلَسُوفُ طَوِيلًا بِصَمْتٍ حَقِيقِيٍّ لَمْ يَكُنْ أَدَاءً أَوِ افْتِعَالًا، صَمْتُ مَنْ يَحْتَرِمُ السُّؤَالَ وَلَا يُسَارِعُ إِلَى الإِجَابَةِ لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ مَطْلُوبٌ مِنْهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ.
ثُمَّ قَالَ بِعُمْقٍ فِلْسَفِيٍّ يَنِمُّ عَنْ سَنَوَاتٍ قَضَاهَا مُصَارِعًا هَذَا السُّؤَالَ بِالتَّحْدِيدِ:
ـ هَذَا هُوَ التَّحَدِّي الأَسَاسِيُّ بِالضَّبْطِ، وَأَنَا سَعِيدٌ أَنَّكَ طَرَحْتَهُ بِهَذِهِ الصَّرَاحَةِ.
لَا أُؤْمِنُ أَنَّنَا نَسْتَطِيعُ، أَوْ حَتَّى يَجِبُ أَنْ نُحَاوِلَ، خَلْقَ سَرْدِيَّةٍ وَاحِدَةٍ مُتَطَابِقَةٍ تَمَامًا يَتَّفِقُ عَلَيْهَا الجَمِيعُ بِشَكْلٍ كَامِلٍ وَمِثَالِيٍّ.
هَذَا، فِي الحَقِيقَةِ، قَدْ يَكُونُ خَطِيرًا.
فَكِّرْ مَعِي فِي الأَمْرِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ:
حِينَ يَفْرِضُ دِيكْتَاتُورٌ رِوَايَةً وَاحِدَةً عَنِ التَّارِيخِ عَلَى شَعْبِهِ بِالقُوَّةِ وَالإِكْرَاهِ، وَيَحْظُرُ كُلَّ صَوْتٍ آخَرَ يَقُولُ غَيْرَهَا، أَلَيْسَ هَذَا هُوَ الشَّكْلُ الأَوَّلُ وَالأَبَشَعُ مِنَ الطَّمْسِ؟
الفَرْقُ بَيْنَ مَا نُحَاوِلُهُ نَحْنُ وَمَا يَصْنَعُهُ الطُّغَاةُ هُوَ هَذَا بِالضَّبْطِ:
نَحْنُ لَا نَسْعَى إِلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ يَحْجُبُ الأَصْوَاتَ الأُخْرَى، بَلْ إِلَى صَوْتٍ مُشْتَرَكٍ يَحْتَوِي الأَصْوَاتَ المُتَعَدِّدَةَ وَيَعْتَرِفُ بِوُجُودِهَا جَمِيعًا.
شَعَرَ سَامِرٌ بِدَهْشَةٍ حَقِيقِيَّةٍ:
ـ إِذَنْ مَاذَا تَقْصُدُ بِـ”الذَّاكِرَةِ المُشْتَرَكَةِ” بِالضَّبْطِ؟
مَا حُدُودُهَا وَمَا مَضْمُونُهَا إِنْ لَمْ تَكُنِ اتِّفَاقًا كَامِلًا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ؟
أَوْضَحَ الفَيْلَسُوفُ بِصَبْرٍ لَمْ يَكُنْ تَنَازُلًا لِلسَّائِلِ، بَلْ كَانَ اعْتِرَافًا بِأَنَّ هَذَا السُّؤَالَ يَسْتَحِقُّ الوُضُوحَ التَّامَّ:
ـ أَقْصُدُ شَيْئًا أَكْثَرَ تَوَاضُعًا وَأَكْثَرَ وَاقِعِيَّةً بِكَثِيرٍ مِنَ الوَهْمِ الكَبِيرِ الَّذِي يُغْرِي بِهِ المُتَفَائِلُونَ السَّاذِجُونَ.
لَيْسَ الاتِّفَاقَ الكَامِلَ عَلَى كُلِّ تَفْصِيلٍ وَكُلِّ تَفْسِيرٍ وَكُلِّ دَافِعٍ وَكُلِّ لَحْظَةٍ، فَهَذَا مُسْتَحِيلٌ لِلطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحِيلًا لِلتَّارِيخِ.
بَلْ أَقْصُدُ شَيْئًا أَبْسَطَ وَأَعْمَقَ فِي آنٍ وَاحِدٍ:
اعْتِرَافًا مُشْتَرَكًا بِأَنَّ ظُلْمًا حَقِيقِيًّا حَدَثَ فِعْلًا، أَنَّ ضَحَايَا حَقِيقِيِّينَ عَانَوْا مَعَانَاةً حَقِيقِيَّةً مُوَثَّقَةً لَا يُمْكِنُ إِنْكَارُهَا، أَنَّ هَذَا الأَلَمَ كَانَ حَقِيقِيًّا وَلَيْسَ وَهْمًا أَوِ اخْتِرَاعًا أَوْ مُبَالَغَةً.
حَتَّى لَوِ اخْتَلَفَتْ تَفْسِيرَاتُ الأَسْبَابِ أَوِ التَّفَاصِيلِ الدَّقِيقَةِ بَيْنَ الأَطْرَافِ المُخْتَلِفَةِ.
تَأَمَّلْ مَثَلًا مَا يَحْدُثُ حِينَ تَقُولُ الأُسْرَتَانِ المُتَخَاصِمَتَانِ عَلَى أَرْضٍ أَوْ إِرْثٍ:
“لَقَدْ أَسَأْتَ إِلَيَّ.”
لَا يُشْتَرَطُ لِحَلِّ النِّزَاعِ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى كُلِّ كَلِمَةٍ قِيلَتْ وَكُلِّ نِيَّةٍ كَانَتْ وَكُلِّ شُعُورٍ أُحِسَّ بِهِ.
يَكْفِي أَنْ يَقُولَ الجَانِي: “حَدَثَ ظُلْمٌ.”
هَذِهِ الكَلِمَاتُ الثَّلَاثُ وَحْدَهَا قَادِرَةٌ عَلَى فَتْحِ بَابٍ كَانَ مُوصَدًا لِعُقُودٍ.
قَالَ سَامِرٌ وَهُوَ يُحَاوِلُ أَنْ يَسْبُرَ حُدُودَ هَذِهِ الفِكْرَةِ:
ـ هَلْ هَذَا كَافٍ لِتَحْقِيقِ عَدَالَةٍ حَقِيقِيَّةٍ؟
هَلْ مُجَرَّدُ الاعْتِرَافِ يَكْفِي لِيَشْعُرَ الَّذِي فَقَدَ ابْنَهُ أَوِ ابْنَتَهُ بِأَنَّ دِمَاءَهُمَا لَمْ تَذْهَبْ هَدَرًا؟
صَمَتَ الفَيْلَسُوفُ طَوِيلًا.
كَانَ صَمْتًا مَخْتَلِفًا عَنِ الصَّمْتِ السَّابِقِ.
لَمْ يَكُنْ صَمْتَ مَنْ يُرَتِّبُ أَفْكَارَهُ، بَلْ صَمْتَ مَنْ يَعِيشُ مُعَاناةَ السُّؤَالِ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ قَالَ بِصِدْقٍ فِلْسَفِيٍّ عَمِيقٍ لَمْ تَخْلُ مِنْهُ حَيْرَةٌ:
ـ لَا أَعْرَفُ.
لَا أَعْرَفُ بِيَقِينٍ كَامِلٍ، وَأَنَا أَقُولُ ذَلِكَ بِصَرَاحَةٍ فِلْسَفِيَّةٍ تَامَّةٍ مِنْ إِنْسَانٍ قَضَى أَرْبَعِينَ عَامًا يَدْرُسُ العَدَالَةَ السِّيَاسِيَّةَ وَالأَخْلَاقَ الاجْتِمَاعِيَّةَ.
هَذِهِ تَجْرِبَةٌ جَدِيدَةٌ كُلِّيًّا نُحَاوِلُهَا هُنَا.
لَمْ تُجَرَّبْ بِهَذَا الشَّكْلِ مِنْ قَبْلُ بِالضَّبْطِ.
وَلَيْسَ عِنْدَنَا سَابِقَةٌ تَارِيخِيَّةٌ نَسِيرُ عَلَى هَدْيِهَا بِثِقَةٍ كَامِلَةٍ.
وَلَكِنَّنِي أُؤْمِنُ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ أَعْمَقَ مِنَ الشَّكِّ ذَاتِهِ:
البَدِيلُ، تَجَاهُلُ المَاضِي تَمَامًا وَالتَّظَاهُرُ بِأَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ كَمَا يَفْعَلُ بَعْضُهُمْ حِينَ يُرِيدُونَ “الصَّفْحَةَ الجَدِيدَةَ”، أَوِ الانْتِقَامُ الكَامِلُ الشَّامِلُ دُونَ أَيِّ مُحَاوَلَةٍ لِلْفَهْمِ المُتَبَادَلِ كَمَا يُطَالِبُ بِهِ الغَاضِبُونَ، كِلَاهُمَا أَسْوَأُ بِكَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ المُحَاوَلَةِ الصَّعْبَةِ المُعَقَّدَةِ لِلْمُصَالَحَةِ الجُزْئِيَّةِ.
تَأَمَّلْ مَا حَدَثَ فِي دُوَلٍ اخْتَارَتِ الصَّمْتَ الكَامِلَ عَنِ الجَرَائِمِ التَّارِيخِيَّةِ:
أَبْنَاءُ الضَّحَايَا يَكْبَرُونَ وَفِي صُدُورِهِمْ جَمْرٌ لَا يَنْطَفِئُ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْمَحْ لَهُ حَتَّى بِالاشْتِعَالِ.
وَتَأَمَّلْ مَا حَدَثَ فِي دُوَلٍ اخْتَارَتِ الانْتِقَامَ المَحْضَ دُونَ اعْتِرَافٍ:
الجَانِيَ يَنْقَلِبُ ضَحِيَّةً فِي رِوَايَةِ أَبْنَائِهِ، وَيَبْدَأُ التَّارِيخُ دَوَّامَتَهُ مِنْ جَدِيدٍ.
شَعَرَ سَامِرٌ فَجْأَةً بِفِكْرَةٍ تَرْبِطُ مَا يَسْمَعُهُ بِمَا يَعِيشُهُ هُوَ نَفْسُهُ بِطَرِيقَةٍ مَجَازِيَّةٍ مُثِيرَةٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهَا:
ـ هَذَا يُشْبِهُ مُشْكِلَتِي مَعَ يَوْمِي المَفْقُودِ، بِطَرِيقَةٍ مَجَازِيَّةٍ مُثِيرَةٍ لِلتَّأَمُّلِ.
رُبَّمَا لَا أَحْتَاجُ “ذَاكِرَةً كَامِلَةً مُتَّفَقًا عَلَيْهَا تَمَامًا” مَعَ نَفْسِي عَنْ ذَلِكَ اليَوْمِ، بَلْ فَقَطْ اعْتِرَافًا أَسَاسِيًّا بِأَنَّ شَيْئًا مُهِمًّا حَدَثَ فِعْلًا، حَتَّى لَوِ اخْتَلَفَتْ تَفَاصِيلُهُ أَوْ تَفْسِيرَاتُهُ فِي دَاخِلِي.
أَوْمَأَ الفَيْلَسُوفُ بِرَأْسِهِ بِإِعْجَابٍ عَمِيقٍ لِهَذَا الرَّبْطِ الَّذِي لَمْ يَتَوَقَّعْهُ هُوَ ذَاتُهُ:
ـ هَذَا تَشْبِيهٌ عَمِيقٌ جِدًّا، يَا سَامِرُ.
لَمْ يَخْطُرْ لِي مِنْ قَبْلُ أَنَّ مَا أَعْمَلُ عَلَيْهِ هُنَا عَلَى المُسْتَوَى الجَمَاعِيِّ الوَطَنِيِّ قَدْ يَكُونَ انْعِكَاسًا لِمَا يُعَانِيهِ الفَرْدُ أَيْضًا حِينَ يَكُونُ مُنْقَسِمًا عَلَى نَفْسِهِ بِشَأْنِ مَاضِيهِ.
رُبَّمَا “العَدَالَةُ” التِي تَبْحَثُ عَنْهَا مَعَ نَفْسِكَ، تِجَاهَ يَوْمِكَ المَفْقُودِ، لَا تَتَطَلَّبُ اسْتِعَادَةً كَامِلَةً مِثَالِيَّةً لِكُلِّ تَفْصِيلٍ، بَلْ نَوْعًا مِنَ الاعْتِرَافِ الدَّاخِلِيِّ الأَسَاسِيِّ.
السَّلَامَ مَعَ حَقِيقَةِ أَنَّ شَيْئًا حَدَثَ، يَسْتَحِقُّ الاحْتِرَامَ وَالفَهْمَ، حَتَّى مَعَ كُلِّ النَّقْصِ وَالغُمُوضِ المُتَبَقِّي فِيهِ.
تَمَامًا كَمَا نَقُولُ لِلضَّحِيَّةِ:
“لَسْتَ مُضْطَرًّا إِلَى أَنْ تَتَذَكَّرَ كُلَّ شَيْءٍ بِالتَّفْصِيلِ الكَامِلِ لِكَيْ تَسْتَحِقَّ أَنْ تُؤْمَنَ وَتُصَدَّقَ.”
سَأَلَهُ سَامِرٌ سُؤَالًا أَرَادَ أَنْ يُحَرِّكَ بِهِ شَيْئًا عَمِيقًا فِي صَدْرِ هَذَا الرَّجُلِ:
ـ هَلْ تَظُنُّ أَنَّ لَجْنَتَكُمْ سَتَنْجَحُ فِي تَحْقِيقِ مُصَالَحَةٍ حَقِيقِيَّةٍ؟
مَاذَا تُوحِي لَكَ حَدْسَكَ بَعِيدًا عَنِ الفَلْسَفَةِ وَالنَّظَرِيَّاتِ؟
نَظَرَ الفَيْلَسُوفُ بَعِيدًا نَحْوَ نَافِذَةٍ غَيْرِ مَوْجُودَةٍ فِي القَاعَةِ، كَأَنَّهُ يَرَى بِعَيْنَيْهِ الدَّاخِلِيَّتَيْنِ مَا يَعْجِزُ عَنْ وَصْفِهِ:
ـ أُؤْمِنُ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ بِيَقِينٍ:
أَنَّ المُحَاوَلَةَ نَفْسَهَا ضَرُورِيَّةٌ وَقَيِّمَةٌ، حَتَّى لَوْ لَمْ تَكُنِ النَّتِيجَةُ مِثَالِيَّةً كَامِلَةً.
رُبَّمَا لَنْ نَصِلَ أَبَدًا إِلَى “عَدَالَةٍ كَامِلَةٍ مُطْلَقَةٍ”، فَهَذَا قَدْ يَكُونُ مُسْتَحِيلًا بَعْدَ ظُلْمٍ بِهَذَا العُمْقِ وَالمَدَى الزَّمَنِيِّ الطَّوِيلِ.
وَلَكِنَّ المُصَالَحَةَ الجُزْئِيَّةَ، الاعْتِرَافَ الصَّادِقَ المُتَبَادَلَ، خُطْوَةٌ حَقِيقِيَّةٌ نَحْوَ الأَمَامِ، أَفْضَلُ بِكَثِيرٍ مِنَ الصَّمْتِ الكَامِلِ أَوِ الانْتِقَامِ الأَعْمَى الشَّامِلِ.
تَمَامًا كَمَا أَنَّ الطِّفْلَ الَّذِي يَقُولُ لِأَخِيهِ “أَنَا آسِفٌ” وَإِنْ لَمْ يَفْهَمْ كُلَّ أَبْعَادِ مَا فَعَلَهُ، يَفْتَحُ بَابًا لِلْعَلَاقَةِ لَمْ يَكُنْ سَيُفْتَحُ بِالصَّمْتِ وَلَا بِالتَّبْرِيرِ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِإِلْهَامٍ فِلْسَفِيٍّ عَمِيقٍ يَتَشَكَّلُ بِدَاخِلِهِ، كَمَا لَوْ أَنَّ قِطَعَةً مُتَنَاثِرَةً كَثِيرَةً كَانَتْ تَبْحَثُ عَنِ المَكَانِ الصَّحِيحِ لِكُلٍّ مِنْهَا، فَعَثَرَتْ عَلَيْهِ فَجْأَةً فِي هَذِهِ القَاعَةِ البَسِيطَةِ المُستَدِيرَةِ:
ـ شُكْرًا لَكَ عَلَى هَذِهِ الحِكْمَةِ المُعَقَّدَةِ، وَعَلَى الرَّبْطِ الجَمِيلِ بِمُشْكِلَتِي الشَّخْصِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهَا قَبْلَ قَلِيلٍ.
ابْتَسَمَ الفَيْلَسُوفُ ابْتِسَامَةً أَخِيرَةً مِلَؤُهَا الفِكْرُ لَا الانْبِسَاطُ:
ـ اذْهَبِ الآنَ، يَا سَامِرُ.
وَاحْمِلْ مَعَكَ هَذَا الَّذِي يَصْلُحُ لِلْأُمَمِ وَيَصْلُحُ لِلْأَفْرَادِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ:
ابْحَثْ عَنْ “مُصَالَحَةٍ جُزْئِيَّةٍ” مَعَ يَوْمِكَ المَفْقُودِ، لَا عَنْ “حَقِيقَةٍ كَامِلَةٍ مُطْلَقَةٍ” مُسْتَحِيلَةٍ.
اعْتَرِفْ بِثِقَلِهِ، احْتَرِمِ الغُمُوضَ المُتَبَقِّيَ فِيهِ الَّذِي لَنْ يَزُولَ رُبَّمَا أَبَدًا، وَامْضِ قُدُمًا رَغْمَ كُلِّ مَا لَا تَعْرِفُهُ بَعْدُ، وَرُبَّمَا لَنْ تَعْرِفَهُ.
فَالمُضِيُّ قُدُمًا لَيْسَ خِيَانَةً لِلْمَاضِي.
بَلْ هُوَ أَحْيَانًا أَعْمَقُ طَرِيقَةٍ لِاحْتِرَامِهِ.
________________________________________
بَدَأَتْ قَاعَةُ الاسْتِمَاعِ الدَّائِرِيَّةُ وَالأَوْرَاقُ المُتَرَاكِمَةُ تَتَلَاشَى بِبُطْءٍ مُتَأَنٍّ، كَمَا يَتَلَاشَى الحُلْمُ حِينَ يَبْدَأُ النَّهَارُ بِمُطَالَبَتِكَ بِحُضُورِكَ.
حَتَّى عَادَ سَامِرٌ إِلَى الرَّوَاقِ المَأْلُوفِ بَيْنَ قَاعَاتِ المُتْحَفِ الكَبِيرِ الغَرِيبِ.
كَانَ العَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ بِهُدُوءِ مَنْ لَا يَعْرِفُ القَلَقَ عَلَى الوَقْتِ، يُرَتِّبُ الأَشْيَاءَ المُتَرَاكِمَةَ فِي الدُّرْجِ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ لَا تَخْلُو مِنْ نَظْرَةِ فَخْرٍ هَادِئٍ فِي عَيْنَيْهِ:
ـ انْتَهَى مِحْوَرُ السِّيَاسَةِ وَالمُجْتَمَعِ بِأَكْمَلِهِ الآنَ، يَا سَامِرُ.
عَشَرَةُ أَصْوَاتٍ سِيَاسِيَّةٍ وَإِنْسَانِيَّةٍ عَمِيقَةٍ، مِنْ ثَوْرِيٍّ مُتَحَمِّسٍ يُؤْمِنُ بِأَنَّ التَّغْيِيرَ لَا يَحْدُثُ إِلَّا بِالانْكِسَارِ الكَامِلِ، إِلَى فَيْلَسُوفٍ يَبْحَثُ عَنْ مُصَالَحَةٍ مُعَقَّدَةٍ لَا يَعْرِفُ حَتَّى هُوَ إِنْ كَانَتْ مُمْكِنَةً أَمْ لَا.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى الأَشْيَاءِ المُتَجَمِّعَةِ مَعَهُ مِنَ الرِّحْلَةِ كُلِّهَا.
شَعَرَ بِثِقَلِهَا الهَائِلِ المُتَرَاكِمِ بَعْدَ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ فَصْلًا.
وَلَكِنَّهُ شَعَرَ أَيْضًا بِشَيْءٍ آخَرَ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ مِنْ قَبْلُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ الوَاضِحَةِ:
وُضُوحٌ جَدِيدٌ يَتَشَكَّلُ بِدَاخِلِهِ بِبُطْءٍ وَبِيَقِينٍ مُتَنَامٍ.
قَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَمْ يَخْلُ مِنِ اعْتِرَافٍ حَقِيقِيٍّ:
ـ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ فَصْلًا وَرَائِي.
أَوْمَأَ العَجُوزُ بِرَأْسِهِ كَمَنْ يُقِرُّ بِمَعْرِفَةٍ قَدِيمَةٍ:
ـ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ فَصْلًا فَقَطْ أَمَامَكَ.
المِحْوَرُ الثَّامِنُ يَنْتَظِرُكَ الآنَ:
المَرَاحِلُ العُمُرِيَّةُ وَالتَّجَارِبُ الإِنْسَانِيَّةُ الشَّامِلَةُ، مِنَ المَوْلُودِ التَّوِّ الَّذِي لَا يَعْرِفُ شَيْئًا بَعْدُ، إِلَى أَقْصَى الشَّيْخُوخَةِ حَيْثُ يَعْرِفُ الإِنْسَانُ كُلَّ شَيْءٍ وَلَا يُطِيقُ حَمْلَ مَا يَعْرِفُهُ.
هَلْ أَنْتَ مُسْتَعِدٌّ لِهَذِهِ المَرْحَلَةِ الأَخِيرَةِ مِنْ رِحْلَتِكَ الطَّوِيلَةِ؟
أَوْمَأَ سَامِرٌ بِرَأْسِهِ.
كَانَ يَشْعُرُ بِمَزِيجٍ مِنَ التَّعَبِ العَمِيقِ الَّذِي يَرُسُّ فِي عِظَامِهِ، وَالتَّرَقُّبِ المُتَجَدِّدِ لِمَا تَبَقَّى مِنَ الرِّحْلَةِ أَمَامَهُ.
مَزِيجٌ لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا مَنْ أَوْشَكَ عَلَى بُلُوغِ نِهَايَةٍ طَالَ انْتِظَارُهَا، وَلَا يَزَالُ الطَّرِيقُ يَتَمَدَّدُ أَمَامَهُ خُطُوَاتٍ لَا يَسْتَهِينُ بِهَا.
قَالَ بِبَسَاطَةِ مَنِ اسْتَوْعَبَ مَا لَا يُسْتَوْعَبُ عَادَةً:
ـ نَعَمْ.
لِنُكْمِلْ.

متحف الأيام المفقودة 73