متحف الأيام المفقودة 75

متحف الأيام المفقودة
الفصل الخامس والسبعون — المراهِقُ المُتَمرِّد – التَّمَرُّدُ كَمُحاوَلَةٍ لِكِتابَةِ ذاكِرَةٍ مُسْتَقِلَّة – ذَكَرٌ، سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً — أَلمانيا، الحاضِر
________________________________________
كانَتِ الغُرفَةُ تَبدو كَأَنَّها رُسِمَت مِنَ الدَّاخِلِ.
لَيسَ بِمَعنى أَنَّ أَحَداً زَيَّنَها أَو رَتَّبَها — بَل بِمَعنى أَنَّ مَن يَسكُنُها قَد أَفرَغَ نَفسَهُ عَليها، طَبَقَةً فَوقَ طَبَقَة، حَتَّى لَم يَعُد بِالإِمكانِ التَّمييزُ بَينَ الجِدارِ وَصاحِبِهِ.
كانَت الجُدرانُ الأَربَعَةُ مُغَطَّاةً بِكِتاباتٍ وَصُوَرٍ وَلَصَّاقاتٍ وَرُسومٍ بِالرَّصاصِ وَالطَّباشيرِ وَالطِّلاءِ — بَعضُها بِالعَرَبيَّةِ وَبَعضُها بِالأَلمانيَّةِ وَبَعضُها بِلُغاتٍ لَم يَستَطِع سامِر تَبَيُّنَها أَو التَّعرُّفَ عَليها، كَأَنَّها كُتِبَت لِتَبقى سِرَّاً حَتَّى بَينَ الكَلِماتِ ذاتِها.
وَفي المَنتَصَفِ، عَلى كُرسيٍّ خَشَبيٍّ قَديمٍ لَم يَكُن يَبدو أَنَّهُ اختيرَ بِعِنايَةٍ بَل بِلامُبالاةٍ مَقصودَة، جَلَسَ فَتىً في السَّابِعَةِ عَشَرَةِ مِن عُمرِه، بِقَميصٍ أَسوَدَ لا شِعارَ عَليهِ وَلا كِتابَة، وَشَعرٍ فاحِمٍ مُعقَّدٍ إِلى الخَلفِ بِطَريقَةٍ لَيسَت أُناقَةً وَلَيسَت إِهمالاً بَل شَيءٌ بَينَهُما، يُحَدِّقُ في أَحَدِ الجُدرانِ بِعُيونٍ واسِعَةٍ لا تُريدُ أَن تُقرَأَ.
لَم يَلتَفِت حينَ دَخَلَ سامِر.
لَم تُصدِر الغُرفَةُ صَوتاً.
حَتَّى الهَواءُ كانَ يَبدو واقِفاً.
قالَ سامِر، بِصَوتٍ أَكثَرُ تَرَدُّداً مِمَّا أَرادَه: «أَيُمكِنُني…»
قاطَعَهُ الفَتى دونَ أَن يَلتَفِت: «دَخَلتَ بِالفِعل.»
ثُمَّ، بَعدَ صَمتٍ قَصير: «فارِقٌ ضَئيلٌ أَن تَسأَلَ الآن.»
قالَ سامِر: «عُذراً.»
قالَ الفَتى، بِنَبرَةٍ لَيسَت قاسِيَةً وَلَيسَت دافِئَة: «لا داعي.»
ثُمَّ، كَأَنَّهُ يُضيفُ شَيئاً ثانَوِيَّاً في آخِرِ قائِمَةِ اهتِماماتِه: «اجلِس إِن أَردتَ.»
جَلَسَ سامِر على حافَّةِ كُرسيٍّ آخَرَ في الغُرفَة، وَأَخَذَ يَتَأَمَّلُ الجُدرانَ.
كانَت هُناكَ صُورٌ مَقطوعَةٌ مِن مَجَلَّاتٍ — وُجوهٌ لا يَعرِفُها، وَأَماكِنُ لَم يَتَعرَّف عَليها، وَمَشاهِدُ مِن مُدُنٍ أُوروبِيَّةٍ وَعَرَبيَّةٍ جُمِعَت جَنباً إِلى جَنبٍ بِلا تَرتيب، كَأَنَّها أُسقِطَت عَلى الجِدارِ دونَ أَن تُسأَلَ عَن رَأيِها في التَّجاوُر.
وَكانَت هُناكَ كَلِمَةٌ واحِدَةٌ تَتَكَرَّرُ، مَكتوبَةٌ بِخُطوطٍ مُختَلِفَةٍ وَأَحجامٍ مُتَفاوِتَة، بِلُغاتٍ شَتَّى:
لا. Nein. No. Non. Não. Hayır.
قالَ سامِر بِهُدوء: «هذِهِ الكَلِمَةُ تَتَكَرَّرُ كَثيراً.»
نَظَرَ إِليهِ الفَتى لِأَوَّلِ مَرَّة، بِنَظرَةٍ لَم تَكُن مُستَغرِبَةً وَلَم تَكُن مُرَحِّبَة، بَل نَظرَةُ مَن يَقيسُ إِن كانَ الشَّخصُ أَمامَهُ يَستَحِقُّ إِجابَةً حَقيقِيَّة.
ثُمَّ قالَ: «أَوَّلُ كَلِمَةٍ حَقيقيَّةٍ يَتَعَلَّمُها الإِنسان.»
صَمَتَ لَحظَة، ثُمَّ أَضاف: «قَبلَ نَعَم.»
ثُمَّ: «قَبلَ مَن وَأَينَ وَمَتى.»
ثُمَّ، بِنَبرَةٍ أَكثَرُ ثِقَةً: «”لا” هيَ أَوَّلُ إِعلانٍ عَن وُجودٍ مُستَقِل.»
فَكَّرَ سامِر في هذا.
كانَ صَحيحاً بِطَريقَةٍ بَسيطَةٍ وَعَميقَةٍ في آنٍ واحِد.
الطِّفلُ الصَّغيرُ حينَ يَقولُ «لا» لِأَوَّلِ مَرَّةٍ لِأَبيهِ أَو أُمِّهِ، لا يَرفُضُ شَيئاً بَعَينِه — بَل يُعلِنُ، لَعَلَّهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، أَنَّهُ كَيانٌ مُنفَصِل، لَهُ حُدودٌ وَلَهُ إِرادَة، وَأَنَّ إِرادَتَهُ قَد تَختَلِفُ عَن إِرادَةِ مَن يُحِبُّهُ وَيُحِبُّهُم.
قالَ سامِر: «كُنتُ أَتَوَقَّعُ أَن أَجِدَ شَخصاً غاضِباً.»
قالَ الفَتى: «أَنا غاضِب.»
ثُمَّ، بَعدَ صَمتٍ قَصير: «لكِنَّ الغَضَبَ لَيسَ ضَجيجاً دائِماً.»
سَكَتَ سامِر.
كانَ هذا صَحيحاً أَيضاً.
الغَضَبُ الضَّاجُّ الَّذي يَكسِرُ الأَشياءَ وَيَرفَعُ الصَّوتَ هوَ الصُّورَةُ الَّتي يَعرِفُها النَّاسُ ويُعَلِّمُها التَّلفِزيون.
لكِنَّ هُناكَ نَوعاً آخَرَ مِنَ الغَضَبِ — أَكثَرُ هُدوءاً وَأَعمَقُ خَطَراً وَأَطوَلُ عُمراً — هوَ غَضَبُ مَن يُفَكِّرُ بَدَلاً مِن أَن يَصرُخ، وَيَكتُبُ بَدَلاً مِن أَن يَكسِر، وَيَجلِسَ في غُرفَتِهِ وَيُحَدِّقَ في جُدرانِهِ وَيَبني عالَماً مِن رَفضِهِ.
قالَ سامِر: «ما الَّذي تَتَمَرَّدُ عَليه؟»
نَظَرَ الفَتى إِلى الجِدارِ مَرَّةً أُخرى قَبلَ أَن يُجيب، كَأَنَّهُ يَقرأُ كَلامَهُ قَبلَ أَن يَقولَه.
قالَ: «عَلى ذاكِرَةِ العائِلَة.»
ثُمَّ: «عَلى القِصَّةِ الَّتي يُريدونَ أَن أَحيا فيها.»
ثُمَّ، بِلُغَةٍ هادِئَةٍ وَثَقيلَةٍ في آنٍ واحِد: «أَبي سوري.»
ثُمَّ: «أُمِّي أَلمانيَّة.»
ثُمَّ: «كِلاهُما يُريدُني أَن أَنتَمِيَ إِلى رِوايَتِه.»
توَقَّفَ.
ثُمَّ أَكمَل، وَكانَ في صَوتِهِ شَيءٌ يُشبِهُ التَّعَب: «أَبي يُريدُ أَن أَتَذَكَّرَ سوريا كَجُرح.»
ثُمَّ: «أُمِّي تُريدُ أَن أَتَذَكَّرَ أَلمانيا كَفُرصَة.»
ثُمَّ، بِنَبرَةٍ فيها شَيءٌ أَكثَرُ مِنَ الرَّفض، فيها شَيءٌ يُشبِهُ البَحثَ عَن مُتَّسَعٍ لِلتَّنَفُّس: «وَأَنا… أَنا لا أُريدُ ذاكِرَةً مَوروثَة.»
________________________________________
كانَ سامِر يُنصِتُ وَهوَ يَشعُرُ بِشَيءٍ يَتَحَرَّكُ في داخِلِهِ لَم يَستَطِع تَسميَتَهُ بِسُرعَة.
أَعادَ إِلى ذِهنِهِ ما عَرَفَهُ عَن الذَّاكِرَةِ الجَماعِيَّة في كُلِّ غُرَفِ هذا المُتحَف.
في غُرفَةِ بِرلين تَحَدَّثَ مَعَ المُعَمَّاريِّ عَن الفَضاءِ المَبنيِّ وَكَيفَ يُحَوِّلُ الأَلَمَ الجَماعيَّ إِلى شَيءٍ يُعاشُ وَلا يُنسى.
في غُرفَةِ الجَزائِرِ تَحَدَّثَ مَعَ المَرأَةِ الأَمازيغيَّةِ عَن كَيفَ تُقاوِمُ الهُويَّةُ المَحوَ بِالتَّشَبُّثِ بِاللُّغَةِ وَالأَغنِيَةِ وَالاسم.
لكِنَّ هذا الفَتى أَمامَهُ كانَ يَطرَحُ شَيئاً مُختَلِفاً — لَم يَقُل إِنَّهُ يُريدُ أَن يَمحوَ الذَّاكِرَةَ أَو أَن يُنكِرَها، بَل قالَ إِنَّهُ يَرفُضُ أَن تُحدِّدَهُ، إِنَّهُ يَرفُضُ أَن يَكونَ وِعاءً لأَلَمِ غَيرِه.
قالَ سامِر: «تُريدُ ذاكِرَةً خاصَّةً بِك.»
قالَ الفَتى، وَفي صَوتِهِ لَهجَةُ مَن يُصَحِّحُ مَفهوماً لا يَرفُضُ فِكرَة: «أُريدُ أَن أُقَرِّرَ ما الَّذي يُشَكِّلُني.»
ثُمَّ: «ما الَّذي يَستَحِقُّ أَن يَبقى في داخِلي وَما الَّذي لا يَستَحِق.»
قالَ سامِر، مُتَساءِلاً لا مُجادِلاً: «لكِن أَلا تُؤمِنُ بِأَنَّ ما نَرِثُهُ مِنَ الآخَرينَ يُشَكِّلُنا أَيضاً؟ حَتَّى دونَ إِذنِنا؟»
قالَ الفَتى بِلا تَرَدُّد: «بِالطَّبع.»
ثُمَّ، بِدِقَّةٍ لافِتَة: «لكِن هُناكَ فَرقٌ بَينَ أَن يُشَكِّلَكَ شَيءٌ وَبَينَ أَن تُقِرَّ بِأَنَّهُ يُعَرِّفُك.»
توَقَّف، ثُمَّ أَكمَل: «أَنا أَعرِفُ أَنَّ دَمَ أَبي يَجري في عُروقي.»
ثُمَّ: «لكِنَّ دَمَهُ لَيسَ قِصَّتي.»
________________________________________
فَكَّرَ سامِر في هذا الفَرقِ الدَّقيق.
إِنَّهُ يُشبِهُ الفَرقَ بَينَ أَن تَحمِلَ جِيناً وَبَينَ أَن تَعيشَ مَصيرَه المَفترَض.
عِلمُ الوِراثَةِ الحَديثُ يَقولُ إِنَّ كَثيراً مِنَ الجِيناتِ لا تُعبِّرُ عَن ذاتِها إِلَّا في سِياقاتٍ بَعَينِها، وَأَنَّ البَيئَةَ وَالاختِيارَ وَالوَعيَ يَستَطيعونَ تَشكيلَ الطَّريقَةِ الَّتي يَظهَرُ بِها ما وَرِثناه.
وَلكِنَّ الأَمرَ لا يَقتَصِرُ عَلى البيولوجيا.
نَحنُ نَرِثُ أَيضاً لُغَةً، وَدِيناً أَو غِيابَهُ، وَطَريقَةً في رُؤيَةِ العالَم، وَتَوَقُّعاتٍ تَبنَتها الأُسرَةُ عِبرَ أَجيال، وَخَوفاً لَم يُسَمَّ، وَأَماناً لَم يُعَرَّف.
كُلُّ هذا يَصِلُ إِلينا قَبلَ أَن نَستَطيعَ الاختِيار.
وَسُؤالُ هذا الفَتى في الغُرفَةِ المَرسومَةِ لَيسَ: هَل يُمكِنُ تَجاهُلُ هذا المِيراث؟
سُؤالُهُ هو: هَل أُلزَمُ بِتَعريفِ نَفسي مِن خِلالِه؟
قالَ سامِر: «وَما قِصَّتُك؟»
قالَ الفَتى، بِصِدقٍ يَحمِلُ شَجاعَةً هادِئَة: «لا أَعرِفُها بَعد.»
ثُمَّ: «هذا هوَ الجَوابُ الصَّادِق.»
ثُمَّ، بِثِقَةٍ مُختَلِفَة: «لكِنَّني أَعرِفُ ما لَيسَت عَليه.»
قالَ سامِر: «وَهي؟»
قالَ الفَتى: «لَيسَت مُجَرَّدَ امتِدادٍ لِشَيءٍ حَدَثَ قَبلي.»
ثُمَّ، وَفي صَوتِهِ شَيءٌ يَقِفُ بَينَ التَّعَبِ وَالتَّأَمُّل: «أَبي يَقولُ إِنَّ عَليَّ أَن أَتَذَكَّرَ أَنَّ جَدِّي ماتَ في الحَربِ وَأَن أَحمِلَ هذا الأَلَم.»
ثُمَّ: «جَدَّتي مِن أَلمانيا تَقولُ إِنَّ عَليَّ أَن أَتَذَكَّرَ خَجَلَ ما فَعَلَتهُ أَلمانيا في التَّاريخِ وَأَن أَحمِلَ هذا الخَجَل.»
ثُمَّ، بِلَهجَةٍ فيها اندِهاشٌ حَقيقي: «وَأَنا… لِماذا أَحمِلُ آلاماً لَم أَعِشها؟»
قالَ سامِر: «هذا سُؤالٌ فَلسَفيٌّ قَديمٌ جِداً.»
ثُمَّ أَضاف: «الذَّاكِرَةُ الجَماعِيَّة — هَل يَرِثُها الجيلُ التَّالي وُجوباً؟»
________________________________________
هُناكَ فَيلَسوفٌ فَرَنسيٌّ اسمُهُ بُول ريكور كَرَّسَ قِسطاً وافِراً مِن حَياتِهِ لِهذا السُّؤال.
قالَ إِنَّ الذَّاكِرَةَ الجَماعِيَّةَ لَيسَت مَجرَّدَ مَجموعِ الذَّكرياتِ الفَرديَّة — بَل هيَ بِناءٌ اجتِماعيٌّ يُشيِّدُهُ المُجتَمَعُ لِفَهمِ نَفسِهِ عَبرَ الزَّمَن.
وَهذا البِناءُ لَهُ سُلطَةٌ لا يُختارُ الخُضوعُ لَها بَل تُمارَسُ عَلى الأَفرادِ مُنذُ الطُّفولَة مِن خِلالِ اللُّغَةِ وَالتَّعليمِ وَالأَعيادِ الوَطَنيَّةِ وَالقِصَصِ الَّتي تُروى عِندَ العَشاء.
وَفي الجانِبِ الآخَر، ثَمَّةَ حُجَّةٌ أَخلاقِيَّةٌ تَقولُ إِنَّ للأَجيالِ حَقَّاً — بَل رُبَّما وَاجِباً — في وِراثَةِ الذَّاكِرَةِ المُؤلِمَةِ لَيسَ لِيَحمِلوا وِزرَها بَل لِيَضمَنوا أَلَّا تَتَكَرَّر.
أَطفالُ الأَلمانِ الَّذين وُلِدوا بَعدَ الحَربِ العالَمِيَّةِ الثَّانيَةِ لَم يَرتَكِبوا الهَولوكوست — وَلكِنَّ هُناكَ حُجَجاً قَوِيَّةً تَقولُ إِنَّ وَعيَهُم بِه وَإِحساسَهُم بِمَسؤولِيَّةِ الذَّاكِرَةِ جُزءٌ مِن بِناءِ حاضِرٍ مُختَلِف.
وَفي المُقابِل — وَهُنا يَقِفُ هذا الفَتى — ثَمَّةَ خَطَرٌ حَقيقيٌّ في أَن يَتَحَوَّلَ التَّوارُثُ إِلى سِجن، وَأَن يَشعُرَ الشَّابُّ بِأَنَّ هُويَّتَهُ قَد حُدِّدَت لَهُ قَبلَ أَن يُولَد.
قالَ الفَتى: «لا أَعرِفُ الجَوابَ الفَلسَفِيَّ الصَّحيح.»
ثُمَّ، بِصَراحَةٍ نافِذَة: «لكِنَّني أَعرِفُ كَيفَ أَشعُرُ حينَ يُحَدِّثُني الكِبارُ عَن ذاكِرَتِهِم:»
ثُمَّ: «أَشعُرُ أَنَّهُم يُريدونَني أَن أَحمِلَ ثِقلاً مَكانَهُم.»
ثُمَّ، بِنَبرَةٍ فيها هُدوءٌ مُتَعَب: «وَأَنا لا أُريدُ أَن أَكونَ وِعاءً لِأَلَمِهِم.»
________________________________________
صَمَتَ الاثنانِ لَحظَة.
نَظَرَ الفَتى إِلى يَدِهِ كَأَنَّهُ يُفَكِّرُ إِن كانَ سَيُكمِلُ ما بَدَأَه.
ثُمَّ قالَ، بِصَوتٍ أَهدَأَ وَأَكثَرَ تَعَقيداً: «لكِن في الوَقتِ نَفسِه…»
ثُمَّ توَقَّفَ مَرَّةً أُخرى كَأَنَّهُ يَزِنُ ما سَيَقول.
«أَحياناً أَشعُرُ بِشَيءٍ حينَ أَرى صورَةً لِسوريا.»
ثُمَّ: «شَيءٌ لَم أُسَمِّهِ بَعد.»
ثُمَّ: «لَيسَ أَلَمَ أَبي.»
ثُمَّ: «لكِنَّهُ شَيءٌ ما.»
ثُمَّ: «كَأَنَّ جُزءاً مِنِّي يَتَعَرَّفُ عَلى شَيءٍ لَم أَرَهُ أَبَداً.»
قالَ سامِر بِهُدوء: «الذَّاكِرَةُ الموروثَة.»
ثُمَّ أَضاف: «عِلمُ الأَحياءِ الجينيُّ يَقولُ إِنَّ بَعضَ التَّجارِبِ الصَّادِمَةِ تَترُكُ بَصَماتٍ في الجِيناتِ تَنتَقِلُ إِلى الأَجيالِ التَّالِيَة.»
ثُمَّ: «الأَجيالُ التَّالِيَةُ قَد تَحمِلُ أَثَراً مِنها دونَ أَن تَعيشَها.»
نَظَرَ إِليهِ الفَتى بِاهتِمامٍ حَقيقيٍّ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، ثُمَّ قالَ بِلَهجَةٍ فيها سُخريَةٌ خَفيفَةٌ لا مَرارَة: «إِذَن أَنا مُحاصَرٌ حَتَّى في خَلاياي.»
قالَ سامِر: «أَو…»
وَتوَقَّف قَليلاً قَبلَ أَن يُكمِل: «مَحمول.»
ثُمَّ: «هُناكَ فَرق.»
قالَ الفَتى: «ما الفَرق؟»
قالَ سامِر: «المُحاصَرُ لا يَستَطيعُ الحَرَكَة.»
ثُمَّ: «المَحمولُ يَملِكُ ما يَدعَمُهُ حَتَّى وَهوَ يَمشي إِلى الأَمام.»
________________________________________
فَكَّرَ سامِر في مِثالٍ قَد يَكونُ أَقرَبَ إِلى فَهمِ هذا الفَتى.
الشَّجَرَةُ الَّتي تَنبُتُ في تُربَةٍ صَخرِيَّةٍ لا تَختارُ هذِهِ التُّربَة، وَلا تَختارُ القَسوَةَ الَّتي تُشَكِّلُ جُذورَها، وَلكِنَّها تَنمو بِطَريقَةٍ تَحمِلُ أَثَرَ تِلكَ التُّربَةِ دونَ أَن تَكونَ مَحبوسَةً فيها — جُذورُها تَعمَقُ وَتَتَكَيَّفُ وَتَجِدُ طَريقَها في الصُّدوعِ، وَفُروعُها تَمتَدُّ نَحوَ الضَّوء.
وَلَعَلَّ كُلَّ إِنسانٍ يَرِثُ شَيئاً مِنَ الصَّخرِ الَّذي نَبَتَت فيهِ جُذورُهُ — جُرحاً أَو خِجلاً أَو خَوفاً أَو صُموداً — وَلَيسَ السُّؤالُ هَل يَحمِلُ هذا الأَثَرَ أَم لا، بَل كَيفَ يَجعَلُ مِنهُ جُذوراً تَدعَمُهُ لا قَيوداً تُقيِّده.
قالَ الفَتى: «كَلامٌ جَميل.»
ثُمَّ، بِلُغَةِ مَن لا يَرفُضُ الفِكرَةَ لكِنَّهُ يَضَعُها في مِيزانِ التَّجرِبَةِ لا التَّجريد: «لكِنَّني لا أَزالُ لا أَعرِفُ كَيفَ أَختارُ ما يُشَكِّلُني عَمَلِيَّاً.»
قالَ سامِر: «لا أَعتَقِدُ أَنَّ الاختيارَ يَعمَلُ هكَذا.»
ثُمَّ: «لا تَختارُ ما يُشَكِّلُك.»
ثُمَّ: «لكِن يُمكِنُكَ اختِيارُ ما تَفعَلُهُ بِما شَكَّلَك.»
قالَ الفَتى: «فَرقٌ دَقيق.»
قالَ سامِر: «وَهامّ.»
________________________________________
نَظَرَ الفَتى إِلى الجِدارِ مَرَّةً أُخرى.
كَلِمَةُ «لا» بِلُغاتٍ كَثيرَة، بِأَحجامٍ مُتَفاوِتَة، بِخُطوطٍ تَتَراوَحُ بَينَ الغَضَبِ الصَّارِخِ وَالتَّأَمُّلِ الهادِئ.
قالَ الفَتى: «أَنا كَتَبتُ هذِهِ الكَلِماتِ قَبلَ ثَلاثَةِ أَشهُر.»
ثُمَّ: «كُنتُ غاضِباً جِدَّاً.»
ثُمَّ، وَفيهِ شَيءٌ يُشبِهُ المُفاجَأَةَ مِن نَفسِه: «الآنَ حينَ أَنظُرُ إِلَيها أَرى شَيئاً مُختَلِفاً.»
ثُمَّ: «أَرى أَنَّ كُلَّ “لا” هيَ أَيضاً ابتِداء.»
ثُمَّ: «رَفضُ شَيءٍ يَعني تَوَجُّهاً نَحوَ شَيءٍ آخَر.»
قالَ سامِر: «التَّمَرُّدُ لَم يَنتَهِ، لكِنَّهُ بَدَأَ يَتَحَوَّل.»
قالَ الفَتى، وَفي نَبرَتِهِ شَيءٌ بَينَ القَبولِ وَالتَّحَفُّظ: «رُبَّما.»
ثُمَّ، بِسُخريَةٍ خَفيفَةٍ لا تَخلو مِن مَرَح: «أَو رُبَّما أَنضُجُ فَقَط بِالمَعنى المُزعِجِ لِلكَلِمَة.»
قالَ سامِر: «أَو كِلاهُما.»
________________________________________
بَعدَ صَمتٍ قَصير، قالَ سامِر: «لَو سَأَلتُكَ عَن يَومٍ مَفقود — يَومٍ مِن حَياتِكَ لا تَجِدُ لَهُ مَعنىً في ذاكِرَتِكَ — ماذا سَيَكون؟»
فَكَّرَ الفَتى لَحظَة.
ثُمَّ قالَ، بِبَساطَةٍ تَحمِلُ شَيئاً أَعمَق: «كُلُّ يَومٍ في المَدرَسَةِ الإِعداديَّةِ تَقريباً.»
ثُمَّ: «أَيَّامٌ كامِلَةٌ مَرَّت وَلا أَتَذَكَّرُ مِنها شَيئاً يَستَحِق.»
قالَ سامِر: «لكِن رُبَّما تِلكَ الأَيَّامُ كانَت تُشَكِّلُكَ بِطُرُقٍ لَم تُلاحِظها.»
قالَ الفَتى: «رُبَّما.»
ثُمَّ، وَبِصَراحَةٍ تُعادِلُ الفَلسَفَةَ في عُمقِها: «أَو رُبَّما كانَت فِعلاً فارِغَة.»
ثُمَّ: «الحَياةُ فيها فَراغات.»
ثُمَّ: «وَلَيسَ كُلُّ فَراغٍ يَحمِلُ مَعنىً خَفِيَّاً.»
ثُمَّ: «أَحياناً الفَراغُ فَراغ.»
قالَ سامِر: «هذِهِ فَلسَفَةٌ صادِقَة.»
قالَ الفَتى: «الصِّدقُ هوَ ما تَبَقَّى بَعدَ أَن تَكُفَّ عَن تَمثيلِ ما يُريدُهُ الآخَرون.»
________________________________________
قامَ سامِر.
لاحَظَ أَنَّ الفَتى لَم يُوَدِّعهُ بِالطَّريقَةِ المُعتادَة — لَم يَمُدَّ يَدَهُ وَلَم يَنظُر، بَل رَفَعَ أَصابِعَهُ قَليلاً في إِيماءَةٍ بَسيطَةٍ تَعني: ذَهَبتَ وَهذا كافٍ.
وَخَرَجَ سامِر مِنَ الغُرفَةِ المَرسومَةِ وَلا يَزالُ يَسمَعُ صَدى صَوتِ الفَتى في ذِهنِه.
كانَ يَتَذَكَّرُ غُرَفَ المُتحَفِ الأُخرى — المُعَمَّاريَّ الَّذي بَنى نُصُباً لِلأَلَمِ الجَماعِيِّ، وَالمَرأَةَ الَّتي حافَظَت عَلى هُويَّتِها بِمُقاوَمَةِ المَحو، وَالفَيلَسوفَةَ الَّتي قالَت إِنَّ الحُرِّيَّةَ لَيسَت هِبَةً بَل مَسؤولِيَّة.
وَكانَ يُفَكِّرُ أَنَّ هؤُلاءِ جَميعاً — بِطُرُقٍ مُختَلِفَة — كانوا يُجيبونَ عَلى السُّؤالِ ذاتِه:
ما الَّذي يُشَكِّلُنا؟
وَما الَّذي نَفعَلُهُ بِما شَكَّلَنا؟
وَأَدرَكَ سامِر، وَهوَ يَمشي في المَمَرِّ الرَّماديِّ بَعدَ غُرفَةِ الفَتى المُتَمَرِّد، أَنَّ ما يَبحَثُ عَنهُ في هذا المُتحَفِ لَم يَكُن ذِكرى مَفقودَةً يَجِدُها بَينَ أَروِقَةِ الماضي.
بَل كانَ يَبحَثُ عَن شَيءٍ أَعمَق وَأَكثَرَ إِلحاحاً — عَن الحَقِّ في أَن يُقَرِّرَ ما الَّذي يُعَرِّفُه.
لا ما وَرِثَهُ.
لا ما يُريدُ الآخَرونَ أَن يَكون.
بَل رِوايَتُهُ الخاصَّة الَّتي لَم يَكتُبها بَعد، وَالَّتي لَن يَستَطيعَ كِتابَتَها إِلَّا حينَ يَتَوَقَّفَ عَن البَحثِ عَن ذاكِرَةٍ مَفقودَةٍ وَيَبدَأَ في صُنعِ ذاكِرَةٍ حَاضِرَة.
توَقَّفَ سامِرُ لَحظَةً في المَمَرِّ.
رَآهُ المُرشِدُ العَجوزُ يَنتَظِرُ عِندَ نِهايَةِ الطَّريق، كَما هوَ دائِماً، بِسُكونٍ يَحمِلُ أَسئِلَةً لا إِجابات.
لَم يَسأَل.
وَلَم يُجِب.
فَقَط ابتَسَمَ ابتِسامَةً خَفيفَةً تَعني: وَجَدتَ شَيئاً.
وَمَضيا مَعاً في صَمتٍ نَحوَ الغُرفَةِ التَّالِيَة.

متحف الأيام المفقودة 76