متحف الأيام المفقودة 81

مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَة
الفَصْلُ الحَادِي وَالثَّمَانُونَ: المَرْأَةُ الَّتِي تَحْمِلُ العَالَمَيْنِ — ضَرُورَةُ النِّسْيَانِ
________________________________________
كَانَتِ الغُرْفَةُ دَافِئَةً بِشَكْلٍ لَا يَبْدُو عَرَضِيًّا.
لَيْسَ ذَلِكَ النَّوْعَ مِنَ الدِّفْءِ الَّذِي يَنْشَأُ عَنِ الإِهْمَالِ وَتَرْكِ النَّافِذَةِ مُغْلَقَةً، وَلَا النَّوْعَ الَّذِي يُعَلِّقُكَ بَيْنَ الرَّاحَةِ وَالضِّيقِ، بَلْ كَانَ دِفْءً يَقُولُ بِوُضُوحٍ: أَحَدٌ مَا فَكَّرَ فِيكَ قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَ هَذِهِ الغُرْفَةَ.
أَحَدٌ مَا جَلَسَ وَتَخَيَّلَ مَنْ سَيَأْتِي، وَمَا الَّذِي يَحْتَاجُهُ جَسَدُهُ وَرُوحُهُ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَةً وَاحِدَةً.
كُرْسِيٌّ وَاسِعٌ مُرِيحٌ بِذِرَاعَيْنِ مُتَّسِعَتَيْنِ، وِسَادَةٌ صَغِيرَةٌ عَلَى الجَانِبِ بِالارْتِفَاعِ الصَّحِيحِ لِأَسْفَلِ الظَّهْرِ، ضَوْءٌ نَاعِمٌ لَا يُتْعِبُ العَيْنَ وَلَا يُشْعِرُكَ أَنَّكَ فِي غُرْفَةِ اسْتِجْوَابٍ.
كُلُّ شَيْءٍ فِي الغُرْفَةِ كَانَ يَقُولُ: أَنْتَ فِي أَمَانٍ هُنَا.
وَفِي ذَلِكَ الكُرْسِيِّ جَلَسَتِ امْرَأَةٌ فِي شَهْرِهَا الثَّامِنِ.
بَطْنُهَا الكَبِيرُ كَانَ ظَاهِرًا لَا يُمْكِنُ تَجَاهُلُهُ، لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَحْمِلُهُ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي يَحْمِلُهَا بِهَا كَثِيرَاتٌ، مُنْحَنِيَةً نَحْوَهُ كَأَنَّهُ مَرْكَزُ الثِّقْلِ الَّذِي تَدُورُ حَوْلَهُ كُلُّ حَرَكَاتِهَا.
كَانَتْ يَدَاهَا عَلَى الجَانِبَيْنِ، مُسْتَرِيحَتَيْنِ عَلَى ذِرَاعَيِ الكُرْسِيِّ، كَأَنَّهَا قَرَّرَتْ أَنْ تُعْطِيَ الطِّفْلَ مَسَاحَتَهُ دُونَ أَنْ تَتَخَلَّى عَنْ مَسَاحَتِهَا هِيَ.
حِينَ رَأَتْ سَامِرًا يَدْخُلُ، ابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً خَافِتَةً.
لَيْسَتِ ابْتِسَامَةَ الاسْتِقْبَالِ المُتَكَلَّفِ، وَلَا ابْتِسَامَةَ مَنْ يُحَاوِلُ أَنْ يَبْدُوَ بِخَيْرٍ وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ.
كَانَتِ ابْتِسَامَةَ مَنْ يَقُولُ: أَنَا بِخَيْرٍ، لَكِنَّ “بِخَيْرٍ” هَذِهِ تَحْتَاجُ تَعْرِيفًا دَقِيقًا قَبْلَ أَنْ نَتَّفِقَ عَلَى اسْتِخْدَامِهَا.
قَالَ سَامِرٌ وَهُوَ يُحَدِّدُ هُوِيَّتَهَا بِالاسْمِ كَأَنَّهُ يَطْرُقُ بَابًا:
ـ رِيمْ؟
قَالَتْ بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَا يَخْلُو مِنْ دِفْءٍ مُتَعَمَّدٍ:
ـ نَعَمْ.
اجْلِسْ.
أَنَا لَا أَسْتَطِيعُ الوُقُوفَ كَثِيرًا هَذِهِ الأَيَّامَ، لَكِنَّ الكُرْسِيَّ مُرِيحٌ وَالغُرْفَةَ طَيِّبَةٌ، وَهَذَا يَكْفِي.
جَلَسَ سَامِرٌ أَمَامَهَا وَسَأَلَ بِبَسَاطَةٍ لَمْ تَكُنْ سُطْحِيَّةً:
ـ كَيْفَ حَالُكِ؟
قَالَتْ دُونَ تَرَدُّدٍ:
ـ أَنَا فِي الثَّامِنِ.
الأَطِبَّاءُ يَقُولُونَ كُلُّ شَيْءٍ طَبِيعِيٌّ.
وَهَذَا كَافٍ أَحْيَانًا.
سَأَلَهَا سَامِرٌ بِفُضُولٍ حَقِيقِيٍّ لَاحَظَ فِيهَا شَيْئًا لَمْ تَقُلْهُ:
ـ فَقَطْ أَحْيَانًا؟
أَجَابَتْ بِهُدُوءِ مَنْ تَعَلَّمَتِ الفَرْقَ بَيْنَ الأَسْئِلَةِ الطِّبِّيَّةِ وَالأَسْئِلَةِ الإِنْسَانِيَّةِ:
ـ أَحْيَانًا “كُلُّ شَيْءٍ طَبِيعِيٌّ” لَا يُجِيبُ عَلَى السُّؤَالِ الحَقِيقِيِّ.
السُّؤَالُ الحَقِيقِيُّ لَيْسَ طِبِّيًّا.
سَأَلَهَا وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّ الإِجَابَةَ لَنْ تَكُونَ بَسِيطَةً:
ـ وَمَا السُّؤَالُ الحَقِيقِيُّ؟
قَالَتْ بِصَوْتٍ يَحْمِلُ ثِقَلًا لَا تُضَخِّمُهُ وَلَا تُقَلِّلُ مِنْهُ:
ـ أَيُّ عَالَمٍ سَيُولَدُ فِيهِ هَذَا الطِّفْلُ؟
وَأَيُّ ذَاكِرَةٍ سَتَكُونُ ذَاكِرَتُهُ الأُولَى؟
________________________________________
تَأَمَّلَ سَامِرٌ لَحْظَةً مَا قَالَتْهُ.
ثُمَّ قَالَ بِلَطَافَةٍ:
ـ أَنْتِ مِنْ سُورِيَا.
قَالَتْ بِمَا يَكْفِي مِنَ التَّفَاصِيلِ لِتُفَسِّرَ كُلَّ شَيْءٍ دُفْعَةً وَاحِدَةً:
ـ مِنْ حَلَبَ.
جِئْتُ إِلَى أَلْمَانِيَا قَبْلَ أَرْبَعِ سَنَوَاتٍ.
زَوْجِي جَاءَ قَبْلِي بِسَنَةٍ.
وَالطِّفْلُ الَّذِي فِي بَطْنِي، هُوَ أَوَّلُ فَرْدٍ مِنْ عَائِلَتِنَا سَيُولَدُ هُنَا.
فِي بَاكْنَانْغ.
مَدِينَةٌ صَغِيرَةٌ لَا يَعْرِفُهَا أَحَدٌ كَثِيرًا خَارِجَ أَلْمَانِيَا، وَرُبَّمَا لَا يَعْرِفُهَا كَثِيرٌ مِنَ الأَلْمَانِ أَنْفُسِهِمْ.
قَالَ سَامِرٌ مُحَاوِلًا أَنْ يَفْهَمَ مَا تَعْنِيهِ هَذِهِ التَّفَاصِيلُ بِالنِّسْبَةِ لَهَا:
ـ وَهَذَا يَعْنِي…
أَكْمَلَتْ هِيَ دُونَ أَنْ تَنْتَظِرَهُ يُكْمِلَ السُّؤَالَ، لِأَنَّهَا كَانَتْ قَدْ فَكَّرَتْ فِي الإِجَابَةِ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ:
ـ يَعْنِي أَنَّ ذَاكِرَتَهُ الأُولَى سَتَكُونُ أَلْمَانِيَّةً.
لُغَتُهُ الأُولَى رُبَّمَا أَلْمَانِيَّةٌ.
مَلَامِحُ وَجْهِهِ عَرَبِيَّةٌ.
وَأَنَا لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَحْمِلُ هَذَيْنِ المَعْنِيَيْنِ فِي نَفْسِ الوَقْتِ دُونَ أَنْ يَتَنَازَعَا.
تَأَمَّلْ مَعِي الأَمْرَ بِهَذِهِ الصُّورَةِ:
حِينَ يَكْبَرُ وَيَذْهَبُ إِلَى مَدْرَسَتِهِ الأَلْمَانِيَّةِ وَيَجْلِسُ بَيْنَ أَصْدِقَائِهِ، سَيَكُونُ أَلْمَانِيًّا بِطَرِيقَةٍ لَمْ أَكُنْهَا أَنَا أَبَدًا وَلَنْ أَكُونَهَا.
وَحِينَ يَعُودُ إِلَى البَيْتِ وَيَجِدُنِي أَصْنَعُ الطَّعَامَ وَأَتَحَدَّثُ العَرَبِيَّةَ، سَيَكُونُ شَيْئًا آخَرَ تَمَامًا.
فِي أَيِّ الفَضَاءَيْنِ سَيَجِدُ نَفْسَهُ حِينَ يَكُونُ وَحِيدًا مَعَ نَفْسِهِ؟
سَأَلَهَا بِصِدْقٍ:
ـ هَلْ تَشْعُرِينَ بِتَنَازُعٍ فِعْلًا؟
قَالَتْ وَهِيَ تُصَوِّبُ الكَلِمَةَ بِدِقَّةٍ:
ـ أَشْعُرُ بِمَسْؤُولِيَّةٍ.
مَسْؤُولِيَّةُ نَقْلِ شَيْءٍ لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَنْقُلُهُ، شَيْءٌ اسْمُهُ “مَنْ نَحْنُ”.
طَرِيقَةُ الضِّيَافَةِ، وَكَيْفَ أَنَّ الضَّيْفَ يَأْكُلُ أَوَّلًا وَيَسْأَلُ بَعْدَهَا.
طَرِيقَةُ الطَّعَامِ وَكَيْفَ أَنَّ السُّفْرَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ أَكْلٍ بَلْ هِيَ طَقْسٌ يَجْمَعُ.
الكَلِمَاتُ العَرَبِيَّةُ الَّتِي لَيْسَ لَهَا تَرْجَمَةٌ دَقِيقَةٌ فِي أَيِّ لُغَةٍ أُخْرَى.
تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً كَأَنَّهَا تَخْتَارُ مِثَالًا وَاحِدًا مِنْ كَثِيرٍ يَزْدَحِمُ فِي ذِهْنِهَا:
ـ خُذْ مَثَلًا كَلِمَةَ “الشَّوْقِ”.
لَا يُوجَدُ مُقَابِلٌ أَلْمَانِيٌّ يَحْمِلُ نَفْسَ الثِّقَلِ الَّذِي تَحْمِلُهُ هَذِهِ الكَلِمَةُ.
الشَّوْقُ لَيْسَ فَقَطْ “Sehnsucht” بِالأَلْمَانِيَّةِ، وَلَيْسَ فَقَطْ “longing” بِالإِنْجِلِيزِيَّةِ.
الشَّوْقُ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الأَلَمِ وَشَيْءٌ مِنَ الحُبِّ وَشَيْءٌ مِنَ الامْتِنَانِ لِأَنَّكَ تَشْتَاقُ، لِأَنَّ الاشْتِيَاقَ نَفْسَهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هُنَاكَ مَا يَسْتَحِقُّ أَنْ تَشْتَاقَ إِلَيْهِ.
وَخُذْ كَلِمَةَ “البَيْتِ”.
فِي العَرَبِيَّةِ البَيْتُ هُوَ النَّاسُ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ الجُدْرَانَ وَالسَّقْفَ.
فِي الأَلْمَانِيَّةِ “Zuhause” هُوَ المَكَانُ الَّذِي تَنْتَمِي إِلَيْهِ.
مُخْتَلِفَانِ اخْتِلَافًا جَوْهَرِيًّا.
وَحِينَ يَكْبَرُ ابْنِي وَيَقُولُ “البَيْتُ”، أَيُّ البَيْتَيْنِ سَيَعْنِيهِ فِي قَرَارَةِ نَفْسِهِ؟
________________________________________
سَأَلَهَا سَامِرٌ وَهُوَ يُحَاوِلُ أَنْ يُمَسِّكَ بِخَيْطِ الأَمَلِ الَّذِي لَاحَظَهُ فِي حَدِيثِهَا رَغْمَ كُلِّ هَذَا الثِّقَلِ:
ـ وَتُرِيدِينَ نَقْلَ الكَلِمَاتِ إِلَيْهِ؟
أَجَابَتْ بِتَمْيِيزٍ دَقِيقٍ يَكْشِفُ أَنَّهَا فَكَّرَتْ فِي هَذَا الأَمْرِ طَوِيلًا:
ـ أُرِيدُ نَقْلَ المَعَانِي الَّتِي خَلْفَ الكَلِمَاتِ.
لَكِنَّ المَعَانِيَ تَنْتَقِلُ عَبْرَ التَّجْرِبَةِ لَا عَبْرَ الشَّرْحِ.
لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُجْلِسَ طِفْلًا فِي السَّابِعَةِ وَأَشْرَحَ لَهُ “الشَّوْقَ”، يَجِبُ أَنْ يَشْعُرَ بِهِ لِيَفْهَمَهُ.
وَهُنَا تَكْمُنُ المُعْضِلَةُ الحَقِيقِيَّةُ:
كَيْفَ تَجْعَلِينَ إِنْسَانًا يَشْعُرُ بِشَيْءٍ لَمْ يَعِشْهُ وَلَا تَسْتَطِيعِينَ أَنْ تَنْقُلِيهِ إِلَيْهِ بِالكَلَامِ؟
قَالَتْ بِتَوَاضُعٍ صَادِقٍ لَا يُخْفِي وَرَاءَهُ اسْتِسْلَامًا:
ـ لَا أَعْرِفُ بَعْدُ.
لَكِنَّنِي أُفَكِّرُ فِي القِصَصِ.
وَالطَّعَامِ.
وَالزِّيَارَاتِ حِينَ تَكُونُ مُمْكِنَةً.
وَرُبَّمَا بَعْضِ الكَلِمَاتِ الَّتِي سَتَبْقَى فِي رَأْسِهِ دُونَ أَنْ يَعْرِفَ لِمَاذَا تَبْقَى.
بَعْضُ الأَشْيَاءِ تَسْكُنُ فِينَا دُونَ أَنْ نُقَرِّرَ ذَلِكَ.
________________________________________
قَالَ سَامِرٌ بَعْدَ لَحْظَةٍ مِنَ التَّفْكِيرِ، وَهُوَ يُحَوِّلُ الحَدِيثَ نَحْوَ مَا كَانَ يَسْتَوْقِفُهُ مِنْذُ دَخَلَ المُتْحَفَ:
ـ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ عَنْ شَيْءٍ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا.
يُقَالُ إِنَّ الأُمَّهَاتِ يَنْسَيْنَ أَلَمَ الوِلَادَةِ.
هَلْ تَعْتَقِدِينَ أَنَّ هَذَا حَقِيقِيٌّ فِعْلًا، أَمْ أَنَّهُ أُسْطُورَةٌ يَتَنَاقَلُهَا النَّاسُ لِيُطَمْئِنُوا النِّسَاءَ؟
قَالَتْ بِصِدْقٍ يَعْتَرِفُ بِمَا لَمْ تَعِشْهُ بَعْدُ:
ـ لَمْ أَلِدْ بَعْدُ.
لَكِنَّنِي سَأَلْتُ كَثِيرَاتٍ، صَدِيقَاتٍ وَقَرِيبَاتٍ وَنِسَاءً التَّقَيْتُ بِهِنَّ هُنَا فِي أَلْمَانِيَا لَا أَعْرِفُهُنَّ إِلَّا مِنْ خِلَالِ هَذَا السُّؤَالِ.
وَكُلُّهُنَّ يَقُلْنَ نَفْسَ الشَّيْءَ:
نَعَمْ، تَنْسَيْنَ.
لَيْسَ تَمَامًا، لَكِنَّكِ تَنْسَيْنَ بِمَا يَكْفِي.
سَأَلَهَا سَامِرٌ وَهُوَ يُحِسُّ أَنَّ فِي هَذَا السُّؤَالِ مَا هُوَ أَبْعَدُ مِمَّا تَبْدُو عَلَيْهِ ظَاهِرِيًّا:
ـ وَهَذَا النِّسْيَانُ، هَلْ هُوَ خِيَانَةٌ لِلتَّجْرِبَةِ؟
أَمْ أَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الحِكْمَةِ الَّتِي تَعْمَلُ فِي الخَفَاءِ دُونَ أَنْ نَطْلُبَهَا؟
قَالَتْ بِثِقَةٍ لَمْ تَتَكَلَّفْهَا:
ـ حِكْمَةٌ مُطْلَقَةٌ.
لَوْ تَذَكَّرَتِ الأُمَّهَاتُ الأَلَمَ بِكَامِلِ حِدَّتِهِ لَمْ تَنْجَبْ إِنْسَانَةٌ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ.
هَذَا لَيْسَ تَكَهُّنًا، هَذَا عِلْمٌ.
هُرْمُونُ الأُوكْسِيتُوسِينِ الَّذِي يُفْرَزُ أَثْنَاءَ الوِلَادَةِ وَبَعْدَهَا مُبَاشَرَةً يُعَدِّلُ الطَّرِيقَةَ الَّتِي تُخَزَّنُ بِهَا تِلْكَ الذِّكْرَى.
الجَسَدُ يُبْقِي مَعْلُومَةً واحِدَةً: “حَدَثَ أَلَمٌ شَدِيدٌ”.
لَكِنَّهُ يُخَفِّفُ الحِدَّةَ الحِسِّيَّةَ، كَمَا يُخَفِّفُ أَحَدُهُمُ الإِضَاءَةَ فِي غُرْفَةٍ كَانَتْ مُبْهِرَةً لِلْعَيْنَيْنِ.
وَهَذَا التَّخْفِيفُ بِالتَّحْدِيدِ هُوَ مَا يَجْعَلُ الأُمُومَةَ مُمْكِنَةً كَتَجْرِبَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ.
بِدُونِهِ، لَانْتَهَتِ البَشَرِيَّةُ بَعْدَ الجِيلِ الأَوَّلِ.
أَوْمَأَ سَامِرٌ بِرَأْسِهِ وَقَالَ:
ـ إِذَنِ النِّسْيَانُ أَحْيَانًا لَيْسَ ضَعْفًا.
هُوَ نِظَامٌ بِيُولُوجِيٌّ لِلْبَقَاءِ نَفْسِهِ.
قَالَتْ وَعَيْنَاهَا تَضِيئَانِ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الاكْتِشَافَ رَغْمَ أَنَّهَا تَعْلَمُهُ:
ـ بِالضَّبْطِ.
وَهَذَا يُغَيِّرُ الطَّرِيقَةَ الَّتِي أَفْهَمُ بِهَا النِّسْيَانَ عُمُومًا.
لَيْسَ كُلُّ نِسْيَانٍ فَشَلًا فِي تَذَكُّرِ مَا يَجِبُ تَذَكُّرُهُ.
بَعْضُهُ ضَرُورَةٌ حَيَوِيَّةٌ لِكَيْ يَتَقَدَّمَ الإِنْسَانُ إِلَى الأَمَامِ بَدَلًا مِنْ أَنْ يَتَجَمَّدَ فِي مَكَانِهِ وَهُوَ يُعِيدُ عِيشَةَ الأَلَمِ بِكَامِلِ ثِقَلِهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.
________________________________________
وَضَعَتْ رِيمٌ يَدَهَا عَلَى بَطْنِهَا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، لِلْمَرَّةِ الأُولَى طَوَالَ الحِوَارِ.
لَمْ تَكُنْ حَرَكَةً مَقْصُودَةً.
كَانَتْ حَرَكَةَ مَنْ شَعَرَ بِشَيْءٍ دَاخِلَهُ قَبْلَ أَنْ يُفَكِّرَ فِيهِ.
لَاحَظَ سَامِرٌ الحَرَكَةَ وَسَأَلَ بِرِفْقٍ:
ـ هَلْ يَتَحَرَّكُ الآنَ؟
ابْتَسَمَتْ ابْتِسَامَةً مُغَايِرَةً لِكُلِّ ابْتِسَامَاتِهَا السَّابِقَةِ، ابْتِسَامَةٌ تَحْمِلُ شَيْئًا مِنَ الدَّهْشَةِ الَّتِي لَا تَذْهَبُ حَتَّى لَوْ كَانَتِ التَّجْرِبَةُ مُكَرَّرَةً:
ـ نَعَمْ.
يَتَحَرَّكُ كَثِيرًا فِي هَذِهِ السَّاعَةِ.
تَبْدُو هَذِهِ سَاعَتَهُ المُفَضَّلَةُ لِلاسْتِيقَاظِ.
سَأَلَهَا بِاهْتِمَامٍ حَقِيقِيٍّ:
ـ وَهَذِهِ الحَرَكَةُ، مَاذَا تَعْنِي لَكِ حِينَ تُحِسِّينَ بِهَا؟
قَالَتْ ببُطْءٍ مُتَأَنٍّ كَأَنَّهَا تُصُوغُ شَيْئًا كَانَتْ تَعِيشُهُ وَلَمْ تُسَمِّهِ بَعْدُ:
ـ تَعْنِي أَنَّ هُنَاكَ كَيَانًا حَقِيقِيًّا لَا يَعْرِفُ بَعْدُ أَنَّهُ مَوْجُودٌ، أَوْ رُبَّمَا يَعْرِفُ بِطَرِيقَتِهِ الخَاصَّةِ الَّتِي لَا تُشْبِهُ طَرِيقَتَنَا، وَيَقُولُ: أَنَا هُنَا.
هَذَا أَبْسَطُ إِعْلَانٍ لِلْوُجُودِ مُمْكِنٌ.
بِلَا كَلِمَاتٍ.
بِلَا لُغَةٍ.
بِلَا ذَاكِرَةٍ وَاعِيَةٍ تَحْمِلُ مَاضِيًا أَوْ تَتَوَقَّعُ مُسْتَقْبَلًا.
مُجَرَّدُ: أَنَا هُنَا.
وَأَنَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ أُحِسُّ بِهَذِهِ الحَرَكَةِ، أُحِسُّ أَنَّنِي أَسْمَعُ هَذَا الإِعْلَانَ وَأَرُدُّ عَلَيْهِ فِي صَمْتٍ: أَنَا أَسْمَعُكَ، وَأَنَا هُنَا أَيْضًا.
________________________________________
صَمَتَ سَامِرٌ لَحْظَةً، ثُمَّ سَأَلَ بِشَيْءٍ مِنَ الحَذَرِ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّ مَا وَرَاءَ السُّؤَالِ لَيْسَ خَفِيفًا:
ـ وَذَاكِرَتُكِ أَنْتِ، هَلْ تَحْمِلِينَ ذِكْرَيَاتٍ مِنْ سُورِيَا يُؤْلِمُكِ حَمْلُهَا؟
تَوَقَّفَتْ.
أَخَذَتْ نَفَسًا طَوِيلًا هَادِئًا.
ثُمَّ قَالَتْ بِصِدْقٍ لَا يَتَأَلَّمُ بِصَوْتٍ عَالٍ لَكِنَّهُ لَا يَتَظَاهَرُ بِعَدَمِ الأَلَمِ:
ـ نَعَمْ.
ذِكْرَيَاتٌ لَا أَسْتَطِيعُ مَحْوَهَا وَلَا أُرِيدُ.
لَكِنَّنِي تَعَلَّمْتُ شَيْئًا، تَعَلَّمْتُهُ هُنَا فِي الغُرْبَةِ وَلَمْ أَكُنْ لِأَتَعَلَّمَهُ بِغَيْرِهَا:
أَنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَيْنَ أَنْ تَحْمِلَ ذِكْرَى وَبَيْنَ أَنْ تَسْكُنَ فِيهَا وَتَجْعَلَهَا هِيَ التِي تَسْكُنُكَ.
يُمْكِنُ أَنْ تَحْمِلَ دِمَشْقَ مَعَكَ وَتَعِيشَ فِي بَاكْنَانْغَ.
يُمْكِنُ أَنْ تَعِيشَ فِي الحَاضِرِ دُونَ أَنْ تَنْسَى مَا كَانَ.
المُشْكِلَةُ الوَحِيدَةُ الحَقِيقِيَّةُ حِينَ تُصْبِحُ الذِّكْرَى أَكْبَرَ مِنَ الحَاضِرِ.
حِينَ يُصْبِحُ مَا كَانَ أَكْثَرَ حُضُورًا مِمَّا هُوَ.
سَأَلَهَا:
ـ وَكَيْفَ تَمْنَعِينَ ذَلِكَ؟
قَالَتْ وَعَيْنُهَا تَنْحَدِرُ بِهُدُوءٍ نَحْوَ بَطْنِهَا:
ـ بِأَنْ أُعْطِيَ الحَاضِرَ انْتِبَاهًا حَقِيقِيًّا.
هَذَا الطِّفْلُ فِي بَطْنِي، هُوَ حَاضِرٌ حَقِيقِيٌّ.
هُوَ سَبَبٌ لِأَنْ أَكُونَ هُنَا الآنَ وَلَيْسَ هُنَاكَ وَقَتَهَا.
هُوَ لَمْ يَطْلُبْ مِنِّي أَنْ أَكُونَ هُنَا، لَكِنَّهُ يَحْتَاجُنِي هُنَا.
وَحِينَ تَحْتَاجُكَ الحَيَاةُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ الوَاضِحَةِ الصَّارِخَةِ، يَصِيرُ الانْتِبَاهُ لِلْحَاضِرِ أَيْسَرَ مِمَّا كَانَ.
سَأَلَهَا:
ـ وَالمُسْتَقْبَلُ؟
قَالَتْ بِصِدْقٍ لَمْ يَدَّعِ يَقِينًا لَيْسَ عِنْدَهُ:
ـ المُسْتَقْبَلُ غَيْرُ مَكْتُوبٍ.
وَهَذَا خَوْفٌ وَرَجَاءٌ مَعًا فِي آنٍ وَاحِدٍ.
لَكِنَّنِي اخْتَرْتُ أَنْ أُسَمِّيَهُ رَجَاءً أَكْثَرَ.
لِأَنَّ تَسْمِيَةَ الأَشْيَاءِ هِيَ جُزْءٌ مِنْ تَشْكِيلِهَا.
وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُشَكِّلَ مُسْتَقْبَلًا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُولَدَ فِيهِ هَذَا الطِّفْلُ.
________________________________________
سَأَلَهَا سَامِرٌ سُؤَالَهُ الأَخِيرَ بِدِفْءٍ حَقِيقِيٍّ:
ـ مَا الشَّيْءُ الَّذِي تُرِيدِينَ أَنْ يَتَذَكَّرَهُ طِفْلُكِ عَنْكِ حِينَ يَكْبَرُ؟
ابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً أَوْسَعَ مِنْ كُلِّ ابْتِسَامَاتِهَا السَّابِقَةِ.
ابْتِسَامَةٌ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ القَرَارِ الرَّاسِخِ:
ـ أُرِيدُهُ أَنْ يَتَذَكَّرَ أَنَّ أُمَّهُ لَمْ تَخَفْ مِنَ البِدَايَةِ مِنْ جَدِيدٍ.
أَنَّ البِدَايَةَ مِنَ الصِّفْرِ لَيْسَتْ هَزِيمَةً بَلْ جُرْأَةً تَسْتَحِقُّ أَنْ تَفْخَرَ بِهَا.
وَأَنْ يَتَذَكَّرَ رَائِحَةَ الهَيْلِ فِي القَهْوَةِ.
لِأَنَّنِي لَنْ أَتَوَقَّفَ عَنْ صُنْعِ القَهْوَةِ بِالهَيْلِ حَتَّى لَوْ كُنَّا فِي أَلْمَانِيَا أَوْ فِي آخِرِ بِقْعَةٍ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ.
تَأَمَّلَ سَامِرٌ هَذَا الاخْتِيَارَ وَقَالَ:
ـ الهَيْلُ كَذَاكِرَةٍ.
قَالَتْ بِيَقِينٍ الإِنْسَانِ الَّذِي يَعْرِفُ كَيْفَ يَعْمَلُ الشَّيْءُ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ اسْمَهُ العِلْمِيَّ:
ـ الرَّوَائِحُ هِيَ أَقْوَى مُشَغِّلَاتِ الذَّاكِرَةِ وَأَصْدَقُهَا.
هَذَا عِلْمٌ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ شِعْرًا.
وَأَنَا لَنْ أَتْرُكَ رَائِحَةَ بَيْتِ أُمِّي تَمُوتُ هُنَا.
سَتَنْتَقِلُ.
بِطَرِيقَةٍ أَوْ بِأُخْرَى، وَبِشَكْلٍ أَوْ بِآخَرَ، سَتَنْتَقِلُ.
________________________________________
حِينَ خَرَجَ سَامِرٌ مِنَ الغُرْفَةِ الدَّافِئَةِ، شَعَرَ بِشَيْءٍ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ مُنْذُ دَخَلَ المُتْحَفَ.
شَيْءٌ يُشْبِهُ الخِفَّةَ.
لَيْسَ لِأَنَّ الحَدِيثَ كَانَ خَفِيفًا، فَقَدْ كَانَ مِنْ أَثْقَلِ مَا سَمِعَهُ فِي رِحْلَتِهِ كُلِّهَا.
لَكِنْ لِأَنَّ رِيمًا حَمَلَتْ ثِقَلَ الدُّنْيَا وَتَحَدَّثَتْ عَنْهُ بِطَرِيقَةٍ لَا تُثْقِلُ المُسْتَمِعَ.
لِأَنَّهَا لَمْ تُنْكِرِ الثِّقَلَ، بَلْ جَعَلَتْهُ مَحْمُولًا.
وَهَذَا بِالضَّبْطِ مَا يَفْعَلُهُ الأَمَلُ الحَقِيقِيُّ.
لَا يَدَّعِي أَنَّ الثِّقَلَ غَيْرُ مَوْجُودٍ.
لَا يَقُولُ: لَيْسَ هُنَاكَ مَا تَخَافُهُ وَلَا مَا يُؤْلِمُكَ.
بَلْ يَقُولُ: هَذَا المَوْجُودُ يُمْكِنُ حَمْلُهُ.
وَفَكَّرَ سَامِرٌ وَهُوَ يَمْشِي فِي رَوَاقِ المُتْحَفِ:
رُبَّمَا النِّسْيَانُ الضَّرُورِيُّ الَّذِي تَحَدَّثَتْ عَنْهُ رِيمٌ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى أَلَمِ الوِلَادَةِ.
رُبَّمَا الإِنْسَانَ يَحْتَاجُ أَنْ يَنْسَى بَعْضَ آلَامِهِ بِمَا يَكْفِي لِيَجْرُؤَ عَلَى البِدَايَةِ مِنْ جَدِيدٍ.
وَهَذَا النِّسْيَانُ لَيْسَ جُبْنًا.
هُوَ شَرْطُ الاسْتِمْرَارِ.

متحف الأيام المفقودة 82